مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: مفكر وداعية إسلامي

تاريخ الحلقة:

26/09/1999

- الإنسان بين التسيير والتخيير.
- مفهوم الهداية في الإسلام ومراتبها.

- علم الله وعلاقته بإرادة الإنسان.

- مجالات القدر.

- دفع القدر ومفهوم كلمة قدري.

- عصمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الخطأ.

يوسف القرضاوي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

لقاؤنا هذا اليوم سيتمحور حول قضية القضاء والقدر، وتحديداً في جزئية منه تتعلق بكون الإنسان مُسيراً -في أعماله- أو مخيّر، ولمناقشة هذا الموضوع معي -ويسعدني أن يكون دائماً معي- فضيلة العلاّمة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي ضيفنا الدائم في هذا البرنامج، فضيلة الشيخ لو سألناك السؤال المبسط: هل الإنسان مُسيَّر، أم.. أم مخيَّر؟

الإنسان بين التسيير والتخيير

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد: فهذا سؤال قديم جديد، ونستطيع أن نجيب عنه إجابتين، إجابة جادة، وإجابة ساخرة.

الإجابة الساخرة أجاب بها شيخنا الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- حين سُئل-يوماً- هل الإنسان مُسيَّرٌ أم مخيَّر؟ فأجاب على طريقته، قال لهم: الإنسان في الغرب مُخيّر، وفي الشرق مُسيّر، فالإنسان في الشرق تُسيّره الحكومات، وتفرض عليه سياساتها، وليس له رأي، لا في اختيار الحكام، ولا في محاسبتهم، ولا في مساءلتهم، ولا فيما يجري عليه من أمور، فهو إنسان مُسيّر في هذا الأمر، بينما في الغرب هو مخير، لأنه يعني له رأيه، وله احترامه وله سلطته في اختيار الحكام، وفي مساءلتهم، وفي محاسبتهم، فكانت هذه إجابة الشيخ الغزالي رحمه الله...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب في الإسلام الذي لا يعرف شرقاً، ولا غرباً؟

د. يوسف القرضاوي: ما هو دا الإجابة الجادة بقى اللي إحنا نجيب عنها الإجابة، وهو أن الإنسان مُسيّر في أشياء، ومُخيّر في أشياء، يعني هناك أشياء الإنسان فيها مُسيّر، ليس له فيها إرادة، ما يتعلق بالنظام الكوني العام من حوله، أنا لست أنا الذي يسير الأمور، أو يكوِّر النهار على الليل، أو يُخرج الشمس، أو يطلع القمر، أو يجري المياه في البحار.

هذه الأشياء تجري بأقدار يعني على الإنسان، ولا دخل للإنسان فيها، حينما كسفت الشمس في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال بعض الناس: وإن كسفت لموت ابن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد، ولا لحياته" ،فهي من آيات الله (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ).. إلخ.

فما في الكون الإنسان لا يستطيع أمامه شئ، أيضاً هناك أشياء تتعلق بالإنسان وليس له دخل.. دخل فيها، كوني ولدت من أبوين مصريين، ولدت في مصر، في قرية صفط تراب من مديرية الغربية، وكوني ولدت في الزمن الفلاني سنة 1926، وكوني أبيض أو أسود، طويلاً أو قصيراً، ذكياً أو غبياً، يعني هذه الأشياء أنا ليس لي يعني علاقة بها أيضاً، يعني لا أُسْأَل لماذا كنت مصرياً، لأني لم أجعل نفسي.. لماذا كنت بطول كذا، لا يُسأل الإنسان لا عن ذكائه، ولا عن غبائه، ولا عن طوله، ولا عن قصره، لأن هذه أشياء الإنسان فيها مُسيّر، أي هي مقدرة عليه.

ماهر عبد الله: لا إرادة له فيها.. لا إرادة له فيها؟!

د. يوسف القرضاوي: نعم.

ماهر عبد الله: طب لو دخلنا في صلب الموضوع ضمن ما هو خاضع لإرادة الإنسان؟!

د. يوسف القرضاوي: دا المسألة الثالثة بقى.

[فاصل إعلاني]

د. يوسف القرضاوي: ما هو مُسيّر فيه الإنسان وما هو مخيّر.

ماهر عبد الله: مخير فيه.

د. يوسف القرضاوي: قلنا في النظام الكوني العام الإنسان مسير في بعض أعماله، أو ما يتعلق به، هو مسير مثل ما اختير له من لون، ومن طول، ومن قصر، ومن ذكاء، ومن غباء، إلخ، بل بعض أعمال الإنسان نفسها، يعني الإنسان -مثلاً-يأكل باختياره، إنما بعد ذلك عمل الجهاز الهضمي لا ليس باختيارك، يعني تشتغل المعدة يعني بدون اختيارك، الجهاز الدموي، الأوعية الدموية، والقلب، وتدفقات الشرايين ليس لك فيها -أيضاً- اختيار، الجهاز التنفسي، كل هذه الأشياء ليس للإنسان فيها.

هناك الشيء اللي الإنسان مخير فيه، ما نسميه الأعمال الاختيارية التي يعملها الإنسان بإرادته، يفكر فيها، ويختارها، وينفذها، الله -سبحانه وتعالى- أعطى الإنسان عقلاً به يفكر، وإرادة بها يرجح، وقدرة بها ينفذ، فهذه الأعمال مثل الإنسان يصلي، أو يزكي، أو يكتب، أو يقرأ، أو يعمل خلاف ذلك، يشتم، يسب، يشرب الخمر، يعني الأعمال الصالحات، والأعمال السيئات، هذه هي الأعمال الاختيارية التي يحاسب عليها الإنسان لأنها صادرة عن علم منه، وعن إرادة منه، واختيار، وعن قدرة..

مفهوم الهداية في الإسلام ومراتبها

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: خليني.. خليني اسمح لي بالمقاطعة هنا يعني في صميم هذه الأعمال كلها- مفهوم الهداية، الهداية نسبها الله لنفسه في أكثر من موقع في القرآن الكريم، وهي مفتاح كل الخير، يعني مفتاح الأعمال التي يفترض عادة أن الأديان تأتي لتطلب من الناس أن يفعلوها، يعني كيف توفق بين هذه الاختيارية -التي ذكرت-، وبين أن ينسب الله -سبحانه- في القرآن -في مرات عديدة- في آيات كثيرة الهداية لنفسه؟

د. يوسف القرضاوي: الهداية في القرآن يعني ثلاث مراتب، فيه مرتبة الهداية الكونية العامة، وهي التي قال فيه سيدنا موسى "قال ربنا الذي".. (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)، فكل المخلوقات عندها قدر من هذه الهداية الكونية، اللي بتجعل يعني النبات يأخذ ما يحتاج إليه، يعني شجرة التفاح تأخذ، تمتص من المعادن والأشياء من الأرض ما لا تمتصه شجرة الليمون، وهي بجوارها (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ).

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: سنن الطبيعة.

د. يوسف القرضاوي: آه السنن الإلهية، ربنا هدى كل كائن ليأخذ ما يصل به إلى كماله المقدر لنوعه، فالثعابين تأتي من قارة إلى قارة، وتبيض، وترجع، لا تضل، فهذه الهداية العامة، وهناك هداية خاصة بالمكلفين، لكنها هداية البيان والدلالة، أن الله بيّن للناس جميعاً- طريق الخير من طريق الشر، وأقام عليهم الحجة، بما أعطاهم من العقل، وبما بعث لهم من الرسل، وما أنزل عليهم من الكتب، ودا معنى قوله تعالى- (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) يعني الإنسان (إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)، (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا).

فكل إنسان عنده هذه الهداية البيانية، بحيث إنه لا يقول: أنا لم أعرف، لأ إذا لم تعرف فلن تُسأل (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، وهذه الهداية لا تستلزم الابتلاء، إن بس ربنا بيبين لك، وبعدين أنت توفق، أو لا توفق، وهنا نجد القرآن يقول: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى) هديناهم يعني هداية البيان، دللنا هم على الطريق، وبينا لهم الحق من الباطل، والخير من الشر، ولكنهم -للأسف- استحبوا العمى على الهدى..

الهداية الثالثة، اللي هي هداية التوفيق، الهداية المستلزمة إن الإنسان يهتدي فعلاً، ويسلك الطريق المستقيم، وهي التي نسألها الله كل يوم سبع عشرة مرة -على الأقل- في الفاتحة، نقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) يعني وفقنا بحيث نسلك الصراط المستقيم، هذه الهداية يعني هي الله يخص بها من يشاء، ودا اللي جاء في قوله تعالى: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) يعني الرسول يهدي الجميع يبين لهم: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ) يعني تدعوهم وتبين لهم.

إنما الاهتداء لازم يعني الإنسان يبذل جهداً ليهتدي، فبعض الناس يهتدي، وبعضهم لا يهتدي، الله لا يُغلق قلب أحد، يعني اليهود قالوا: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) يعني قلوبنا يا محمد مطموس عليها مش حنقدر نسمعك، قال (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) ربنالم يخلق قلباً أغلف، القلوب كلها مفتوحة للهداية، ولكن الإنسان هو الذي يطمس عليها بسوء عمله، ولذلك قال: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ)، اضلال ربنا ما يضلش الناس عامةً، لأ.. يضل الفاسقين، اللي عنده استعداد للشر أو كذا فيضله الله عز وجل..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: آيات مثل (لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) يعني لم تربط بفسق، ولم تربط.. تربط بكفرهم؟

علم الله وعلاقته بإرادة الإنسان

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: يعني لكي نفهم القرآن، يعني من الأخطاء في هذه القضية أخذ بعض الآيات دون بعض، لابد لكي نفهم الموضوع نجمع آيات القرآن بعض، مثلاً في آية أخرى: (فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ)، زي ما قلت حق القول، (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) يعني حقت عليهم الضلالة بسببٍ من عندهم، الله لا يضلهم كده ابتداءً، لأ..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: إذن لابد من حافز بشري، لكن أنا سؤالي اللي هو -في العادة- يدرج بعد هذا مباشرة، إنه إذا كانت الهداية من الله مربوطة بهذا العمل، يعني أين موقع علم الله السابق في هذه القضية؟ يعني الله سبحانه وتعالى- قبل أن يخلق الخليقة -هو يعلم، ما سنرتكب من معاصي ومن آثام، وما سنرتكب من.. من حسنات، إلى أي درجة- علم الله هذا يؤثر؟

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: دي من ضمن الشبهات التي يذكرها الجبريون، يعني هو من ضمن ما يذكرونه هو مسألة آيات الهداية (يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ)، ويتخذونها ذريعة، إنه.. لا، ولكنه كما قال: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)، (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ) (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ)، (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)، (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).

فهذه.. وبعدين الأشياء التي يذكرونها -أيضاً- قضية العلم الإلهي السابق، فهذه.. وبعدين يقول لك طب ما إذا كان ربنا علم إنني سأقع في المعصية، وعلم الله لا يتخلف، وإلاَّ انقلب العلم جهلاً، فمعناها إني لابد إني أقع في المعصية، ولكن نقول لهؤلاء: إن العلم صفة كاشفة، وليس صفة مؤثرة، يعني علم الله -عز وجل- يكشف الأشياء، ولا يؤثر فيها.

وأنا بأضرب مثل بهذا إن مثلاً لو واحد مثلاً أستاذ عنده تلاميذ في الفصل، وعنده نوتة كده كاتب فيها ملحوظات أمام هؤلاء الطلاب اللي بيدرسوا معاه، كاتب: الواد دا حياخد جيداً جداً، والطالب ده حياخد ممتاز، ودا هيأخد مقبول، ودا حيرسب، ودا كذا.. وكاتب هذا عنده، وجه في آخر السنة بعدما عمل لهم الامتحان، وإداهم النتائج وبتاع، طلعت زي النوتة دي بالضبط، وقال لهم أنا العملية دي كنت كاتبها عندي، هل لأحد منهم أن يقول له: الله طب أنت كنت عارف قبل كده، وأنت مالك بهذا؟ هذا لي، وليس لك، أنت حوُسبت على عملك.

فالله -سبحانه وتعالى- علمه يعني على حسب ما تقع الأشياء، يعني عالم أن هذا الشخص سيختار الخير، ويمشي في طريقه، ويجاهد في سبيله، فسيصل إلى النتيجة الطيبة، والآخر عكس ذلك سيصل إلى نتيجة سيئة، وبعدين -أيضاً- نحن لا نعلم هذا الغيب، يعني ربنا -سبحانه وتعالى- أخفى هذا الغيب عنا، إنما الغيب كتاب صانه عن عقول الناس رب العالمين، فلا نعرف إلا ما يتبدى منه حيناً بعد حين، ويؤكد هذا إنه لو كان العلم السابق، يعني يجبر الإنسان لكان الله مجبوراً على أفعاله، لأن الله يعلم أفعاله قبل أن تقع، فهل هو مجبور على هذه الأفعال لأنه علمها؟! لأ، الله مختار مريد بإجماع الكل.

ماهر عبد الله: يعني هل علم الله هذا سبحانه وتعالى- له علاقة بإرادة الله؟ أم أن صفة العلم ليست بالضرورة متصلة بصفة الإرادة؟ لأن ما.. ما ينفذ في الكون هو إرادة الله -سبحانه وتعالى- (إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)، بينما علمه ليس له نفس التأثير في الناس؟

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لأ، الإرادة صفة مؤثرة، ولذلك اختلف الطوائف الإسلامية اختلفت في مسألة الإرادة، لأن أهل السنة يقولون: إن مجالات القدر هي أربعة يعني وهي مراتب:

مرتبة العلم: إن الله علم الأشياء قبل وقوعها، وهي تقع وفق ما علم، يعني كل ما يحدث في الكون وفق تصميم إلهي سابق ويقع، هذا زي المهندس ما بيبني العمارة على وفق التصميم الذي صممه، وكل ما يقع في الكون يقع حسب علم الله، هذه المرتبة الأولى.

المرتبة الثانية الإرادة: أن الله -سبحانه وتعالى- علم هذا الشيء فهو يريد هذه الأشياء، هناك خلاف بين أهل السنة والمعتزلة، أهل السنة يقولون: كل ما يقع في الكون بإرادة الله عز وجل، المعتزلة يقولون: الله لا يريد المعاصي، ولا الشرور، ولا القبائح، الله.. هذه تقع بإرادة الإنسان، وأهل السنة يقولون ليس معقولاً أن يقع في ملك الله ما لا يريد، فهنا الخلاف..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: يعني يضيفون أن الله -سبحانه وتعالى- قد يريد ما لا يحب، يعني هو أراد لهذه المعاصي أن تكون، ولكنه لا يحبها ولا يرضاها؟

د. يوسف القرضاوي: لا يرضاها.. كما قال (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ) المعتزلة لم يفرقوا بين الإرادة، والرضا، والأمر، والمحبة، اعتبروا دي كله معني واحد. أهل السنة قالوا: لأ، يعني الإرادة إرادتان كما يبين القرآن، فيه إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية. الإرادة الشرعية الدينية يعني قد يتخلف عنها المراد، مثل قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً)، (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) دي إرادة دينية فالإرادة الدينية ربنا يريد كده يعني يحب هذا منكم، لكن إنتوا قد لا تفعلونه، أنتوا هو يريد بكم اليسر، وإنتو بتعسروا على أنفسكم، إنما الإرادة الكونية هي إنه إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، لا يتخلف يعني مرادها، لابد أن يقع المراد..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لكن حتى يعني في إرادة الله هذه، رغم أنها مؤثرة، إلاَّ أنها لا تدخل في المجال الذي نتحدث عنه في باب الهداية، يعني ما زال الإنسان مُخيّراً بإرادة الله، وإرادة الله نافذة؟

د. يوسف القرضاوي: هو هنا نقول: الإنسان يريد ويشاء عمله، لأن الله-سبحانه وتعالى- شاء له أن يشاء، القرآن يقول: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً)، (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ)، أو (لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ)، فالإنسان يشاء أشياء بمشيئة الله، يعني يشاء لأن الله أراد له أن يشاء.

الله أراد أن يخلق هذا النوع من الخليقة، واستخلفه في الأرض، وحمَّله أمانة التكاليف، وأعطاه العقل، والإرادة، والقدرة، وبعث له الكتب، وأنزل له الرسل، وقال له اعمل، فإرادة الله ليست معناها إنها تجبر الإنسان، لأنه الله أعطاه الإرادة التي بها ينفذ، أو بها يرجح، والقدرة التي بها ينفذ..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب بناءً على هذا لو سمحت لي بسؤال، يعني استنتاجاً على ما قلت، هل يمكن القول: أن إرادة الإنسان، وخياره خاضع لنفس قانون السببية المطلوب به.. الإنسان مطلوب منه أن يتبع الأسباب في رزقه، في عمله، في نجاحه، في أي مسعى من مساعي حياته، نفس القانون ينطبق على موضوع الهداية، والإيمان، والكفر؟

د. يوسف القرضاوي: هو.. هو.. هو نفسه، هو قانون واحد، وهي سنَّة واحدة، الله سبحانه وتعالى- أقام هذا الكون كله على شبكة الأسباب، والمسببات، والسنن التي لا تبديل لها ولا تحويل (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)، فالقدر لا ينافي الأسباب، بالعكس لأنه الأسباب مقدورة، والمسببات يعني مقدورة، فالإنسان يعني.. يعني يقيم أعماله، أو ينشيء أعماله بالإرادة التي أعطاها الله له، وبالقدرة التي أودعها الله فيه.. هذا هو.. هو..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب أنا لو سألت.. لو سألتك عن الموضوع الأول، أنت ذكرت فيه أشياء من الهداية الكونية العامة، والتي لا دخل للإنسان فيها، إرادة الله نافذة فيها، إذا توفي عزيز لا نملك إلا أن نقول: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، لكن لو سقط جسر كُلِّفَت ببنائه حكومةٌ وثبت أن في ذلك تقصير، هل يمكن القول بأن القدر هو السبب، وبالتالي يعفى من المسؤولية، وإن كان مسؤولاً عن مثل هذا؟

د. يوسف القرضاوي: يعني فيه أشياء فوق قدرة الإنسان، يعني زلزال مثلاً-يعني وحطم هذه الأشياء، نقول فيها: لا نملك إلا أن نسلم به، إنما أحياناً- زي ما ثبت في تركيا إن كثيراً من المقاولين يعني غشوا في المباني وهذه الأشياء، حتى في زلزال (تايوان) الأخير قالوا: المباني اللي بُنيت في العشر سنوات الأخيرة كانت هي أقرب إلى السقوط من المباني القديمة، دليل على الغش والتدليس.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: يعني سألناك عن جزئياً هذه الأسباب أنه إذا مات لك عزيز يقال قضاء وقدر ونسلم بهذا، لكن لو كان نتيجة إهمال في سقوط جسر أو سقوط عمارة نتيجة غش هل يمكن القبول بالقدر؟

د. يوسف القرضاوي: لأ طبعاً في هذه الحالة يعني في مصر عمارة سقطت وسموها عمارة الموت، وسيق الذين بنوها المهندس، والمالك وبتاع.. إلى المحاكمة، لأنه تبين أن هناك غشاً، طبعاً الذين ماتوا في هذه الأشياء مقدر عليهم، إنما يعني هناك الذين تسببوا في هذا، هم مسؤولون عن هذا، يعني لا يجوز لهم نقول: إن دا قدر، حنعمل أيه؟ لأ، قدر أنتم السبب في هذا، فلازم نفرق بين ما للإنسان اختيار فيه، وما ليس للإنسان فيه.

مجالات القدر

النبي -عليه الصلاة والسلام- : "إن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، لأن الإنسان في الخطأ والنسيان لم يرد هذا الشيء، : (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) و(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)، (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)، إنما الشيء اللي الإنسان يفعله مريداً، مختاراً، قاصداً، لابد أن يحاسب عليه، ويُسأل عنه خصوصاً ما يتعلق بعموم الناس.

وبهذه الأشياء، دي أمور خطيرة، الاحتجاج بالقدر فيها لا يجوز، وسيدنا عمر جاءه رجل يعني سكران ويسأله: "ليه عملت؟" قال له: "قدر قدره الله علىّ يا أمير المؤمنين" فقال لهم: "اجلدوه حد الشرب، وزيدوه عشرين لكذبه على الله" لأنه ادعى لـ ..، إنه يعني لا يجوز الإنسان، القدر نؤمن به ولا نحتج به، لا يجوز أن نحتج بالقدر عند المعصية، ونقول ربنا قدر علينا هذا إنما لازم نرجع باللائمة على أنفسنا، زي القرآن ما ذكر عن سيدنا آدم قال وحواء (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ) فهم اعترفوا.

بينما (إبليس) يقول (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) أنت اللي أغويتني، مع إنه هو الذي (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) فالمؤمن يرجع على نفسه عند الأشياء اللي من هذا النوع باللائمة، ويتوب إلى الله ويستغفره..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب خليني أسألك يعني كونك ذكرت قصة (إبليس) عن، كيف تفسر قوله.. قوله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، يعني هل هذه من باب الأدب فقط، يعني تأدباً مع الله -سبحانه وتعالى- أن ننسب؟..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هذه الآية إذا نظرنا إلى سياقها وسباقها نجدها جاءت في بعض.. يعني بعض علماء الأشاعرة بيستدلوا بها إن الله هو خالق كل شئ، وخالق عمل الإنسان في ردهم على المعتزلة، فاستدلوا بهذه الآية التي ذكرها سيدنا إبراهيم، وهو يحاج قومه، ويناقشهم: فيقولون.. قال (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) يعني بتعبدوا الأصنام اللي نحتموها بأيديكم؟! من جناية الوثنية على الإنسان إن الإنسان يأخد الحجر ويأخده هو وينحته هو وينحته، ويعمل له وجه، وأنف، وكذا وبتاع، وبعدين يطلب منه، ويسجد له، ويسأله أن يجلب له النفع، ويدفع عنه الضر! فيقول: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) يعني خلقكم، وخلق هذه الأشياء التي تعملونها، وتصنعونها دي كلها من خلق الله، فهو يعني بعيد عن الموضوع..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب تسمح لي عند هذه النقطة، أنا عندي سؤال، سأؤجله إلى ما بعد، عن دفع القدر، لكن عندي مكالمة ومساهمة من الدكتور المرتضى بن زيد، ويا دكتور مرتضى أنا مش عارف المحطوْري أم المُحطوري، إنت مِشَكِّلها؟

د. مرتضى بن زيد: الِمحَطوَري سيدي، مساكم الله بالخير.

ماهر عبد الله: الِمحَطوَري، حياك الله اتفضل يا سيدي.

د. مرتضى بن زيد: حقيقة لقد أثلج صدري هذا الشيخ الجليل، وحقيقة هو عالم رباني..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: بارك الله فيك يا أخي.

د. مرتضى بن زيد المحطوري: القدر -يا سيدي- بحر عميق، ولذلك لا ينجو منه إلا من أخذ القرآن -كما قال الشيخ الجليل القرضاوي- لم يُفسر القرآن من شق ويترك شقّاً آخر، لأن الجبر قد نشأ وضرب في الأمة بعضها ببعض، وكفَّر بعضها بعضاً بهذا، فهناك -وأنا أحضر رسالتي في القاهرة- كنت أتتبع قدري، شيعي، إلى ما هنالك، فاختلفت الأمة في تعريف القدري من هو؟

فقائل يقول: القدري هو الذي يقول بأن الله عز وجل- قدر على عباده الكفر، والفسق، والمعاصي وما إلى ذلك، هذا هو القدري، وهذا هو الذي تقول به (الزيدية) و(المعتزلة)، ومن إليها من العقلاء، بأن من قال بأن الله قدَّر على عباده، وقضى عليهم الكفر والعصيان فهو قدري، وآخرون عكسوا وقالوا: القدري هو من يدعي لنفسه القدرة.

وقد أثلج صدري الشيخ -حفظه الله للأمة- بأن المرء لا قدرة له في المحيط حوله الذي يتصرف به رب العالمين، أما عملي أنا وأنت فلو لم يكن من فعلي، ومن فعلك، وباختياري وباختيارك المحض الذي لاعِوج فيه ولا أمتاً، فتبطل الرسالات، ويبطل القرآن، لماذا أرسل الله الرسل ولماذا أنزل الكتب إذا كان الأمر قد حسم؟ خلقك كافراً، وخلقني مؤمناً، أو العكس وانتهى الأمر.

هذا هو الذي وقع بين الأمة، ولذلك هناك الجبر المحض ويقال إنه يتزعمه (جهم بن صفوان)، وما المرء إلا كقلم في يد كاتب، أو كورقة في مهب الريح، ثم تراجع الأشعرية-تقريباً- وقالوا بالكسب، بمعنى أن إذا فعل الإنسان معصية فهو فعل لله، ولكنه كسب له، ووقعوا في حيص بيص ولكن الشيخ القرضاوي، والشيخ الغزالي، وكبار الأمة، وجدوا أن إنكار الضروريات من المحال، ولا يضر المؤمن أن يلتقط الحكمة من معتزلة، من زيدية، من صغير أم من كبير، لأن الله -عز وجل- لا يكلف أحداً فوق طاقته، ولا يجبره على الكفر والعصيان، ثم يعذبه، لأن هذا من المحال، هذا هو يعني أن نفعل القبيح، و..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أحسنت يا أخي.

د. مرتضى بن زيد المحطوري [مستأنفاً]: ولذلك يقال الجبر أموي، والعدل هاشمي، وقف آل البيت موقفاً صلباً شديداً في وجه الطغاة، لأنهم كانوا يحاولون أن يبرروا أعمالهم بالقضاء والقدر، معنى أني خادم لله، لا أتصرف إلا نيابة عن الله، عليكم أن ترضوا بالقضاء والقدر، وهكذا، وهذا لا يجوز ولا يصح، لأن الله -عز وجل- يقول: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ)، و(وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، فهذا هو الذي ينبغي أن تسير عليه الأمة..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: دكتور مرتضى، اسمح لي أن أشكرك هنا على هذه المداخلة اللطيفة، عندك تعليق على كلام الدكتور مرتضى؟

د. يوسف القرضاوي: هنا يعني أريد أن أقول: إنه الأمة طبعاً- اختلفوا في هذه القضية، ولكن من اعتصم بكتاب الله، وبسنة رسول الله، فقد وفق وهُديَ إلى صراط مستقيم، لأن هناك من أفرطوا، وهناك من فرَّطوا، والذين أفرطوا في إثبات القدر هم الجبرية، ومقابلهم المعتزلة والقدرية، والواقع خير الأمور الوسط، وإن كانت فكرة (الجبرية) هي التي شاعت في الأمة، يعني شاع في الأمة الفكر الجبري، والعقيدة الجبرية مع إنه يعني النصوص كلها تنفي هذا الأمر..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: بس أنا أعتقد إنه كان إشاعتها لأسباب سياسية بحتة، يمكن هو الدكتور ألمح إليها.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: هي.. لأ، من ضمن الأشياء الأسباب السياسية، إنما يعني لا نريد أن نضع وزر كل شيء على السياسة، هناك -أيضاً-أفكار تروج عند الناس، يعني لأنها تتفق وأهواءهم، وتعطيهم تبريرات، الإنسان يحب يبرر -أحياناً- سلوكه فيعني يرميه على القدر، يعني وهناك جبريات مختلفة -الحقيقة- يعني إحنا حتى في عصرنا نجد هناك -غير الجبرية الدينية- الجبرية الاجتماعية يعني (دوركايم) يقول لك الإنسان دمية يحرك خيوطها المجتمع، الفرد دمية يحرك.. ويكاد يجعلون إن الفرد ده لا إرادة له، المجتمع هو كل شيء، هذا نوع من الجبرية. هناك جبرية سياسية، اللي يقول لك إحنا أحجار على رقعة الشطرنج، وهناك قوى خفية! أنا ضد الجبريات كلها سواء كانت سياسية، أم اجتماعية، أم دينية، الإنسان مكلف، ومختار، وهو محاسب، وإلا لماذا قامت سوق الجنة والنار؟ ولماذا جاءت التكاليف الإلهية والأوامر والنواهي؟ لماذا بعث الله الرسل، وأنزل الكتب؟ هذا كله دليل على أن الإنسان مختار، والله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

دفع القدر ومفهوم كلمة قدري

ماهر عبد الله: خليني أرجع.. أرجع للسؤال اللي وعدتك إن أسألك، يعني قولة الصحابي المشهورة "نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله" وفي بعض الأحاديث "إن العين كادت أن تسبق القدر" يعني هل من المعقول والمشروع دفع القدر؟

د. يوسف القرضاوي: الشيخ عبد القادر الجيلاني المربي الصوفي الشهير له كلمات نقلها عنه ابن تيميه وابن القيم له كتاب في (فتوح الغيب) ذكر هذه الكلمات، قال: "إن الناس إذا ذكروا القدر أمسكوا عنه، ولكني انفتحت لي فيه (روزنة) يعني كوة، نافذة صغيرة، فليس الرجل من يستسلم للقدر، إنما الرجل من ينازع القدر بالقدر، فنازعت أقدار الحق بالحق للحق. "الرجل من ينازع القدر بالقدر، يدفع قدراً بقدر، الناس يظنون إنه المقدر هو المسببات فقط، لأ المسببات بأسبابها ولذلك يعني، النبي عليه الصلاة والسلام- سُئِل: "يا رسول الله، أرأيت أدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، ورقاً نسترقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال هي من قدر الله" قال لهم هي من القدر ليه بتعتبر أن المرض من القدر والدوا ليس من القدر؟! كما أن المرض بقدر الله، الدواء من قدر الله، فالناس بتظن ما دام مقدر على المرض ليه آخذ دوا، لأ أنت مقدر عليك المرض، ومقدر عليك إنك تشفى بالدواء يعني فهذا هو..ولذلك إنت الكلمة اللي قلتها دي هي كلمة سيدنا عمر حينما أراد أن يذهب إلى الشام بالصحابة، وبعدين في الطريق قالوا له: إن فيه طاعون في الشام، وباء يعني يُهلك الناس، ويحصدهم حصداً، خاصة في ذلك الوقت لا فيه مصل، ولا لقاح، ولا كذا، والعدوى شديدة، فشاور المسلمين، وشاور المهاجرين، وشاور الأنصار، وشاور مشيخة (قريش)، وانتهى إلى إنه الأصلح أن يعود بالمسلمين، فسيدنا أبو عبيدة قال له: يا أمير المؤمنين، أتفر من قدر الله؟ فقال له: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان.. لو كان لك إبل، وأمامك يعني واديان أحدهما مخصب، والآخر مجدب، ترعى المخصب أم المجدب؟ قال له: أرعى المخصب، قال له طيب، هذا إذا رعيته، رعيته بقدر الله، ولا مش بقدر الله؟.

إنما قدر الله يجعلك تختار الأفضل، فالإنسان يستطيع أن يدفع القدر بالقدر، تدفع قدر الجوع بقدر الغذاء، وقدر الظمأ بقدر الشرب، وقدر المرض بقدر الدواء، أقدار بأقدار..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: حلها.. حلها سهل بالشبكة التي تحدثت عنها -شبكة الأسباب والمسببات- نحن لا نعلم ما قدر الله لنا، فنأخذ بالأسباب إلى أن يتحقق علم الله.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: والأسباب مقدرة، يعني مخرجتش عن القدر، أنت تستعمل القدر بتدفع قدراً بقدر، ودي سنة.. سنة الله، الأقدار يدفع بعضها بعضاً.

ماهر عبد الله: طب اسمح لي نعود إلى المشاهدين، مع الأخ أحمد عبد العزيز من بريطانيا أخ أحمد عبد العزيز اتفضل.

أحمد عبد العزيز: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

أحمد عبد العزيز: حمداً لله أني أخيراً تمكنت من الاتصال، يمكن من بداية البرنامج مش البرنامج يعني من بداية ما بدأ البرنامج تقريباً في كل حلقة أحاول الاتصال، وبعدين أيأس.

ماهر عبد الله: اتفضل يا سيدي.

أحمد عبد العزيز: في الحقيقة هو سؤالنا.. سعدت أن الدكتور القرضاوي -حفظه الله- ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني في آخر تعليق لأن السؤال، وإن كان يعني مرتبط أكثر بموضوع الحلقة السابقة، إلا أنه يمكن -أيضاً- أن يستمر في هذه الحلقة، وهو.. يعني لأن الشيخ -أيضاً- في حلقات الحلقتين السابقتين تكلم عن الصوفية في (..) الكلام على أساس أنه مما يوصف به العلماء أن ذلك محدث، وذلك مفسر، وذلك صوفي.. إلخ.

فالأمة ما بين من يرى أنه يجب على كل إنسان أن يكون له شيخ حيٌّ يربيه، وبين من يري أن حتى من هو حجة وبحر في العلم، والحديث والتفسير، إذا.. إذا عرف أن له علاقة بالتصوف أو الصوفية فهو.. يكاد.. يكاد يخرجونه من الملة، فأين الشيخ القرضاوي وهو يعني رائد التوسط والوسطية بين هذين الفريقين؟ وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله: يعني طب اسمح لي هو خارج عن موضوعنا، أنا أعتقد إنه.. طيب خليني آخذ مكالمة أخرى على بال ما إنت تشوف أنت.. الأخ أبو يوسف من الإمارات اتفضل أخ أبو يوسف.

أبو يوسف: ألو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

أبو يوسف: كيف حال فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي؟

د. يوسف القرضاوي: مرحباً يا أخي، بارك الله فيك.

أبو يوسف: بارك الله فيك -شيخ- أنت تقول: نحن نتحد مع أصحاب الملل الأخرى على الأعداء اليهود، ونتفق مع النصارى ضد الملاحدة، والذي يقول لا إله إلا الله مسلم..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هذا غير موضوعنا يا أخ، خارج موضوعنا.

أبو يوسف [مقاطعاً]: دكتور فيه واحدة نصرانية تردد وراء الآذان، وتقول: لا إله إلا الله، وتصلي على النبي، وتروح كنيسة، وهي عربية، ومجرمة، وابنها يسب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والنصارى مجرمين، وأعدائنا في العقيدة، ماذا تقول في هذا؟

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: يا أخي الكريم، يا أخ أبا يوسف هذا أعتقد إنه لا علاقة له بموضوعنا، أنا يعني بأحب أستغل هذه الفرصة مرة أخرى، الإخوة الذين أرسلوا يعني كم هائل من الفاكسات في غير هذا الموضوع، وجدت نفسي مضطراً لإهمالها جميعاً، وأنا إذ أعتذر، أصر أن كل سؤال خارج عن الموضوع لن نتحدث فيه، ولن نتوجه بالسؤال بالتالي إلى فضيلة الشيخ، بالتالي كلام الصوفية أعتقد إنه الأنسب..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أنا أريد بس إني أعلق، لأن الاتنين اللي اتصلوا متناقضان، واحد يتكلم ويقول لك يعني الصوفية ناس كويسين وطيبين، والآخر يقول لك: إنت عايز نتحد مع الصوفية، ومع كذا، يعني وأهل البدع، وأهل الضلالات، يعني رضا الناس غاية لا تدرك:

وَمَنْ في النَّاسِ يُرضِي كُلَّ نَفْسٍ وبَيْنَ هَويَ النُّفُوسِ مَديَ بعِيدُ

نحن هنا نعرض الإسلام حسب ما يتبين لنا من كتاب الله وسنة رسوله..، ولسنا ضد فئة معينة بإطلاق، لأن الصوفية فيهم المستقيم، وفيهم المنحرف، فيهم المخلص، وفيهم المرتزق، فيهم المتسنن، وفيهم المبدع، كما في غيرهم من الطوائف، فأنا لا أتخذ موقفاً ضد الصوفية بإطلاق، ولا مع خصومهم بإطلاق.

وحتى ابن تيميه -وهو الذي هاجم الصوفية -ولكن قال: إن فيهم الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات بإذن الله، كما في سائر الطوائف كما عند المتكلمين، وكما عند الفقهاء، وكما عند المحدثين، يوجد هذا، ويوجد ذاك، فنحن نحكم بين الطوائف المختلفة بالحق.

والإمام ابن القيم -في قضيتنا اللي إحنا فيها هذه- يقول: "إن مع كل طائفة من هذه الطوائف: المعتزلة والجبرية.. يكون معهم حق وباطل، فنحن نأخذ الحق من كل طائفة، وندع باطلها"، يعني الجبرية معاهم حق أن الله صاحب الملك كله، وهو مدبر الأمر، وله الخلق والأمر، وهو خالق كل شيء، هذا صحيح، ولكن أغفلوا شيء آخر إنه لكن الإنسان مكلف، ومسؤول والله أعطاه يعني.. ما يقدر به على العمل ويصبح مسؤولاً عنه، فنأخذ الحق من الجبرية، المعتزلة قالوا أيضاً الإنسان مختار، ومسؤول عن عمله وكذا، ونظروا (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً)، ولذلك سموا أنفسهم أهل العدل، ولكنهم أغفلوا جانب آخر، أن كل شيء يقع بإرادة الله -تعالى- فنحن..

ابن القيم يقول: مهمتنا -عسكر التوحيد، وأهل العلم والإيمان- أنهم يجمعوا حق الطوائف كلها بعضها على بعض. يعني نأخذ من هذا أحسن ما قال، ومن هذا أحسن ما قال، ومن هذا أصوب ما قال، ونجمع هذا كله، ونأخذ منه منهجاً سليماً، هذا هو المنهج الذي أعتقده سليماً.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: نرجو.. نرجو الله -سبحانه وتعالى- أن تكون المكالمات التالية من منهج الوسط السليم، معانا الأخ عبد اللطيف الرضا من الإمارات الأخ عبد اللطيف اتفضل.

عبد اللطيف الرضا: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد اللطيف الرضا: شيخنا كيف حالك؟

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

ماهر عبد الله: حياك الله.

عبد اللطيف الرضا: أدش في صلب الموضوع.

ماهر عبد الله: اتفضل.

عبد اللطيف الرضا: ربما أساعد الشيخ شويه، أنا بطريقة ثانية فأقول:

القسم الأول اللي صارت بين (آدم) وبين (الشيطان)، وقول الله -سبحانه وتعالى- (قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) زين؟

الآية الثانية يقول (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وتمر الأزمان حتى يأتي قول الله عز وجل- (يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ) يعني الله سبحانه وتعالى- لها الدرجة هذه اللي يتحسر على العباد (مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ) يعني لو كان الله سبحانه وتعالى- يتدخل في شؤون العباد كما هو يقال- كان ليش بعد يقول (يَا حَسْرَةً عَلَى العِبَادِ)، إنما هو الله سبحانه وتعالى- التزم (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى) هذا الالتزام من الله سبحانه وتعالى، أما بالنسبة إلى الإنسان فهو ما حدث (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، في وبعدين ثانية (وَامْتَازُوا اليَوْمَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ)، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: شكر الله لك أخ عبد اللطيف يعني اسمح لي، أخ عبد اللطيف مشكور جداً على هذه المداخلة الجميلة أعتقد هذه في صلب الموضوع الوسطي. اسمح لي بمكالمة أخرى من الأخ مصطفى القابسي من تونس الأخ مصطفى اتفضل.

عصمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الخطأ

مصطفى القابسي: ألو مرحبا.

ماهر عبد الله: حياك الله، تفضل.

مصطفى القابسي: سؤالي، أريد أن أسأل الدكتور القرضاوي لأن الموضوع هذا، ليس لأي شخص أن يتحدث فيه، لابد أن نرجع إلى العلماء المعتبرين، إن الرسول عليه الصلاة والسلام- قال.. قال للخطيب: "بئس الخطيب أنت"، لأنه جمع بين لفظ الجلالة وبينه، بدلا أن يقول ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، قال ومن يعصهما فقد غوى، هذا يتفق باتفاق المذاهب الأربعة لم يرتكب حراماً، ولكنه ترك الأفضل فقال له الرسول: بئس الخطيب فالأولى بل فرض على كل مسلم إذا علم أن هناك مسألة تخالف اعتقاد الرسول والمسلمين..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: اتفضل بسؤالك إلى الشيخ، اتفضل بالسؤال.

مصطفى القابسي: لابد أن على كل مسلم أن يحذر منها، وإلا كيف لنا أن نحافظ على هذا الدين؟ هل نترك الناس تعبث بدين محمد ونسكت؟! كما ذكر الدكتور القرضاوي بأن الرسول يخطي، ويأتي الوحي ويصحح له، وهذا فيه رد للقرآن (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) سورة النجم، والقاعدة أنه لا اجتهاد مع النص، وكذلك..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب لو سمحت لي يعني الأخ مصطفى، لأنه يعني حطلب من الشيخ أن يوضح هذه القضية، لأن الحقيقة وصلني أكثر من فاكس بعد الحلقة الماضية، واستهجنوا استهجاناً كبيراً، وأنا استهجنت لاستهجانهم -في الحقيقة- لأن هذا مما أجمع عليه الجمهور، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غير موضع الرسالة يخطئ ويصححه الوحي، هل سمعت أنت هذا السؤال؟ وصلني بعض الفاكسات استهجنت الناس أن تقول: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخطأ..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: هذا -يا أخي- شغل العوام، يعني المشكل حينما يدخل في العلم العوام الذين لم يقرءوا، ولم يدرسوا، ولم يرجعوا إلى مصادر العلم الأساسية، وينابيعه الصافية، فهم يستشكلون ما لا يجوز أن يستشكل، العلماء المحققون أثبتوا أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يمكن أن يخطئ لأنه يجتهد، فيه اجتهادات كثيرة.

وأنا لم أقل هذا.. أنا -دائماً- أذكر الكلام وأدلل عليه، وذكرت من القرآن ما يدلل على أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أخطأ، ولذلك عاتبه الله، لماذا قال له (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الكَاذِبِينَ)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى)، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ) حتى قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها- "لو كان محمد كاتم شيئاً مما أنزل عليه من ربه لكتم هذه الآيات التي تعاتبه.

وأنا قلت: إن المزية للنبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا أمر.. أمر أنا مابخترعهوش هذا موجود في كتب، من يرجع إلى كتب الأصول، وإلى كتاب (الاجتهاد في علم الأصول) كل كتب الأصول -في لواحق الأصول كتاب (الاجتهاد والفتوى) فالاجتهاد بحثوا، هل الرسول يجتهد أو لأ؟ قليلون من العلماء: قالوا لأ لا يجتهد، واستدلوا بما ذكر الأخ (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى)، ولكن المحققين والجمهور قالوا: إنه لأ.. يخطئ، يخطئ ويجتهد، ويصحح له يعني يخطئ في أمور الدنيا، كقضية تأبير النخل وبتاع، وقال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، كما جاء في صحيح (مسلم).

ويخطئ -أحياناً- حتى في الأمور اللي تتعلق بالتشريع، وينزل الوحي مصححاً له، ميزته عن غيره إن غيره يجتهد ولا يصحح له، إنما هنا لا يتركه حتى جاء في صحيح (مسلم) أن النبي - صلى الله عليه وسلم- سُئِل -جاءه رجل- فقال: "يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله، تُكفر عني خطاياي، قال له: نعم، ثم ولى الرجل خطوات، وبعدها قال: نادوا الرجل، فاستدعاه، وقال له: تُكفر عنك خطاياك إلا الدَّين، أخبرني جبريل بها الساعة".

يعني مجرد ما مشي..، قال له جبريل: لأ، استدرك عليه، قال له: تكفر عنك خطاياك إلا اَلدَّينْ، فهذا يعني أمر.. أنا بأستغرب الذين يريدون أن يفرضوا أنفسهم على العلم، وليس عندهم منه إلا قشور، أو قراءات سطحية، يريدوا أن يتدخلوا، ويخطئوا العلماء، هذه جرأة عجيبة يعني في الحقيقة، يعني هذا أمر قرره جمهور العلماء..

ماهر عبد الله:[مقاطعا]: ممكن أن أسألك سؤال بسيط، ممكن تشير لنا إلى كتاب، كتابين ممكن الإخوة يرجعوا إليهم؟

د. يوسف القرضاوي: يا أخي أقرب شيء يرجعوا إلى كتاب "المحصول في علم الأصول" للإمام الرازي، أو كتاب "المنهاج" لـ "البيضاوي" أو كتاب "الإسنوي"، أو أقرب من هذا كله كتاب "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول" لـ الشوكاني وفيه جاب كل هذه الآراء.

ماهر عبد الله: نرجع للأخ جهاد الغوادي من ألمانيا، أخ جهاد تفضل بالسؤال.

جهاد الغوادي: مساء الخير.

ماهر عبد الله: حياك الله، مساء النور.

جهاد الغوادي: والله لي نداء بسيط جداً، لفضيلة الدكتور القرضاوي إذا سمحت، مش حياخد أكثر من 30 ثانية.

ماهر عبد الله: تفضل.

جهاد الغوادي: دكتور القرضاوي، إذا سمحت لو نداء من عند حضرتك لرؤساء وزعماء الدول العربية الإسلامية.

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: يا أخ جهاد!..

جهاد الغوادي: معلش عفواً، هذا مهم عن كل المواضيع اللي بتحكوا عنها -دلوقت- ضروري الدكتور القرضاوي يعلم هذا.

ماهر عبد الله: طيب حترك التلاتين ثانية.

جهاد الغوادي: الموضوع هو أنهم في أوروبا حاطين صورة لسيدنا محمد وسيدنا جبرائيل في كتب المدارس، وبعت فاكس لقناة (الجزيرة) وبعت فاكس للجامع الإسلامي في (مينشن)، والسنة الأتراك في (برلين)، ما أحد اتحرك خالص، فكان ندائي بس للدكتور القرضاوي لزعماء الدول الإسلامية لتقديم احتجاج للسفارات الألمانية على هذه الصورة، لسيدنا محمد -والعياذ بالله- وسيدنا جبرائيل في الصف الخامس الابتدائي في المدارس الألمانية.

ماهر عبد الله: يا أخ جهاد لأني قاطعتك بدي أعتذر منك، وأطلب منك تعيد الموضوع، أنا -الحقيقة- وصلني الفاكس، وما وصلته للشيخ، لأن وصلنا ما بين الحلقتين، يعني معذرة على المقاطعة، وأرجو إنه تعيد، لأن فعلاً الموضوع يستحق الأهمية بس اذكر لنا القصة اللي صارت، وأنا أعتقد أن الشيخ بدون داعٍ للتوجيه هو -إن شاء الله- حيتوكل بالتوجيه.

جهاد الغوادي: طيب.. شكراً القصة، أنا لي بنتي في سنة خامسة إبتدائي، وبعدين بيسلموهم كتاب قصة عن كتاب بيعتبر قصة يعني قصة تاريخية عن المسيحية، واليهودية، والدين الإسلامي، وهما كاتبين الجزء بتاع الـ.. هم ثلاث أديان مع بعض.. عشان ياخدوا فكرة الأطفال، القسم الإسلامي كاتبين فيه حاجات أعمدة الإسلام أيه.. يعني كاتبين كلام كويس، بس اللي ضايقني، -وطبعاً أي مسلم يتضايق، لأن صورة سيدنا محمد لا توجد في الإسلام-، فحطين صورة لسيدنا محمد، وسيدنا جبرائيل.

رحت المدرسة وشكيت، ورحت بعت جواب للجامع في (مينشن) وجواب لجامع الأتراك في (برلين) اللي هُمَّ السنة، ومحدش لحد دلوقتي اتحرك.. طبعاً واحد لوحده ميقدرش يعمل حاجة ورحت لمدير المدرسة، وقدامه شطبت الصورة بإيدي، وقلت له: متحمل أن أدفع حق هذا الكتاب، لأن عندنا في الدين الإسلامي إحراجاً، وعيب في الدين الإسلامي أن نحط صورة سيدنا محمد وسيدنا جبرائيل، فطبعاً واحد لوحده مش حيقدر يعمل حاجة، لكن الدكتور القرضاوي يعمل حاجات كتيرة.

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: الكلام نفسه ما فيش فيه شيء يا أخي.

ماهر عبد الله: هو وصلنا الفاكس، الكلام عن الإسلام لا غبار عليه، اعتراضه الكبير على..

د. يوسف القرضاوي: على الصورة.

ماهر عبد الله: صورة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى يعني أكثر من اعتراضه على صورة سيدنا جبريل، فهو كان هذا الموضوع، أنا حأعطيك فرصة تعلق عليه، بس خلينا نأخذ مكالمة أخرى من الأخ صلاح سرحان، أخ صلاح اتفضل.

صلاح سرحان: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

صلاح سرحان: فضيلة الشيخ القرضاوي -حفظكم الله-.

د. يوسف القرضاوي: بارك الله فيك.

صلاح سرحان: نرجو من خلال هذه الأطروحات التي طرحت من خلال برنامج (الشريعة والحياة)، والصورة التي تتضح من بلبلة، وتداخل، واقتحام العوام في العلم، والاعتراض على العلماء، ألا ترى -شيخنا- أن الأمر قد أصبح فرضاً شرعيّاً، وضرورة مُلِحَّة، في أن ينجز المشروع الإسلامي من خلال أهل الفكر، والتجديد، والاجتهاد، وفضيلتكم شيخ هذا التيار، ولكم باع طويل في علاقتكم بالعلماء الذين يتزعمون خط الوسط والاعتدال؟ ألا ترى أن هناك أهمية من خلال هذا البرنامج، و(الجزيرة) أن يُنجز المشروع الإسلامي المتكامل الذي..؟ نعرضه على العالم، ونقول لهم هذا ديننا،هذا الطرح..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب يا أخ صلاح يعني خلي سؤالك في الموضوع، أنا مقدر تماماً.

صلاح سرحان [مستأنفاً]: هذا الطرح، أنا أريد أن أطرحه من حلقات طويلة جداً، وهو في صلب الموضوع قضيه القضاء والقدر، وهل الإنسان مخير أم مسير؟

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أيه يعني اقتراحك يعني يا أخ..

صلاح سرحان: نعم يا مولانا؟

د. يوسف القرضاوي: أيه الاقتراح يعني..

صلاح سرحان: الاقتراح: أن تدعو فضيلتكم، أو تعمل على جمع أهل العلم والفكر، والاجتهاد، والتجديد في إنجاز مشروع إسلامي حضاري من خلال الكتاب، من خلال (الإنترنت)، ومن خلال هذا المتاح الهائل من القنوات الفضائية، لكي يكون بين يدي المسلمين هذا هو الطرح، وجزا كم الله خيراً.

ماهر عبد الله: طيب، شكر الله لك. أعتقد أنت سمعت التعليقين إذا حبيت تعلق أولاً على كلام الأخ جهاد من ألمانيا على موضوع الصورة، يعني ماذا يمكن أن نفعل؟

د. يوسف القرضاوي: لابد أن يتعاون مع إخوانه هناك في ألمانيا، وهناك مراكز إسلامية، وهناك مجالس، فالإخوة في ألمانيا هم أقدر الناس على أن يعالجوا هذا الموضوع، يعني.. يعني لا يستدعي الموضوع إن إحنا نبعت إلى رؤساء الدول ونعمل كذا.. هذه قضية.. أنا أعرف أنه كان فيه في ألمانيا كان الأستاذ عبد الجواد الفلاتوري، وكان يتتبع الكتب الدراسية، ويخرج منها المآخذ عليها من الناحية الإسلامية، وقام بمجهود جيد جداً في هذا، واستجابت له السلطات الألمانية كما حدثنا منذ 7 سنوات، رحمه الله- يعني فهذا واحد كان يعني يرأس أكاديمية إسلامية، وقام بهذا المجهود مع جماعة معه، فالإخوة في ألمانيا يستطيعون أن يقوموا بهذا الأمر إذا تعاونوا فيه، ويستطيعوا أن يطلبوا السلطات بأن هذا يعني يؤذي المسلمين ولا يقبلونه، وهما كاتبين هذا يعني ليؤلفوا قلوب المسلمين.

ماهر عبد الله: طيب أنا عندي سؤالين، السؤال الأول، أسئلة وصلت بالفاكس.. السؤال الأول الأخ حسام أحمد.. جدة (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً) وهو بيقول: إذا قتل إنسان إنساناً آخر، فالأول قَتل باختياره القاتل-، والثاني قُتل بما قدر عليه، فكيف نوفق بين الحالين وفعل القتل واحد؟

د. يوسف القرضاوي: هو الاثنين مقدر، يعني هذا يعني قدَّر الله أن يقتل، وهذا قدَّر الله له أن يُقتل، القدر يعني بيشمل كل شيء، يشمل الفعل الخطأ، والفعل العمد، والفعل يعني المثاب، والفعل المعاقب، يعني كلاهما القدر واقع عليه يقيناً، مش بس التاني قُدِّر عليه والثاني ماقُدِّرش، لأ هو مقدر إنه يقتل، ولكن هذا لا يعفيه من المسؤولية.

ماهر عبد الله: يعني أنا وردني أكثر من فاكس حول نفس الموضوع، بس آخذ الأخير منهم لأنه مختصر: الله -سبحانه وتعالى- يعلم الغيب، السؤال وصل بالفاكس، وكان عضده أسئلة وصلت قبله أسئلة إن الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب فهو يعلم مصير كل فرد منا، إذا كان سوف يدخل الجنة أو النار،حتى قبل أن يولد، فإذا كان هذا مكتوباً له قبل ولادته، فكيف يكون مخيراً؟

د. يوسف القرضاوي: أجبنا على هذا.

ماهر عبد الله: يعني إحنا ذكرناه مرتين، هذه وصلت حديثاً، فيبدو أن قضية العلم والإاردة ما وضحت عند بعض الإخوة.

د. يوسف القرضاوي: إحنا قلنا إن العلم هو كون الله علم هذا، وكتبه، وكل شيء مكتوب (إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، (وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) مسطور عند الله (كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً).

ولكن هذا لا يمنع مسؤولية الإنسان، وأنا شبهت هذا بالنوتة أو المفكرة اللي بيكتبها الأستاذ عن تلاميذه، ليس من حق أحدهم يقول له: أنت كاتب.. وأنت مالك؟! أنا بأكتب هذا لنفسي، وليس لك، هذا لا يفرض عليك شيئاً، الله علم الأشياء على ما تقع عليه، يعني علم إن الشخص ده مش هيدخل الجنة كده من غير شيء، يدخل الجنة، لأنه عمل أعمالاً، اختار طريق الخير وسلكه، وأدى ما أمر الله به، واجتنب ما نهى الله عنه، فوصل إلى الجنة بطريقها.

وإن الآخر عمل عكس هذا، اختار طريق الشر، وسار فيه، واتبع الهوى، وسار في ركاب الشيطان، فانتهى إلى النار، مش مع يعني إن مثلاً دا حياخد الجنة أرموه في الجنة ودا احدفوه في النار، لأ، كل واحد يدخل الجنة بعمله (وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) والنار (بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).

ماهر عبد الله: والأساس أن العلم علم الله -سبحانه وتعالى- أداة معرفة وليس أداة تأثير.

د. يوسف القرضاوي: أداة كشف.

ماهر عبد الله: أداة كشف.

د. يوسف القرضاوي: وليس.. يعني صفة كشف، وليس صفة تأثير.

ماهر عبد الله: طيب معانا الأخ عمر بن عبد القادر من فرنسا أخ عمر اتفضل.

د. عمر بن عبد القادر: ألو.

ماهر عبد الله: اتفضل يا أخ عمر.

د. عمر بن عبد القادر: عمر: معكم عمر بن عبد القادر من فرنسا الشيخ الدكتور عمر بن عبد القادر.

ماهر عبد الله: حياك الله، اتفضل.

د. عمر بن عبد القادر: والله سؤالي والله سؤالي -في الحقيقة وإن تكلمتم عن القضاء والقدر، سؤالي- كان على بعض الناس الذين يستدلون به كالدكتور القرضاوي- فهو لماذا نسمع من الدكتور القرضاوي دائماً مدحه لزعماء الوهابية، واستدلاله بأتباع وتلاميذ ابن تيميه، وابن تيميه الذي رد عليه مئات العلماء، لأنه خرق الإجماع في نحو الستين مسألة، كما ذكر ذلك الحافظ ولي الدين في كتابه (الأجوبه المرضية)..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: حبشي.. يا أخي إحنا سمعنا الكلام دا منك قبل كده.

ماهر عبد الله: طيب يا أخ عمر عبد القادر إن شاء الله.. شكر الله لك.. أنا أعتقد يا أخ عمر شكر الله لك على هذه المداخلة، وأنا أعتقد هذا يعني بيذكرنا بالسؤال اللي وصل للشيخ من صوفي على اليمين، ومن لا يريد الصوفية على اليسار، يا إخوانا "خير الأمور الوسط"، الذين ردوا علي ابن تيميه كثر صحيح، والذين أيدوا ابن تيميه كثر، وما أعتقد إنه يعيب أي عالم أن يمدح عالماً آخر، من لا تعجبه آراء ابن تيميه هو ليس ملزماً بأخذها..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: يا أخي، هذا.. هذا حبشي من الأحباش المتطرفين، وهؤلاء الناس لا وزن لهم، وهؤلاء يعني.. يعني تآلبوا على إن هم في كل حلقة لازم أن.. يعني هذا الشخص اتصل قبل كده، وقال هذا الكلام، ويعيده مرة أخرى، هو نفسه اتصل، وقال هذا، فهذا كلام إحنا مش فاضيين لهؤلاء يعني.

ماهر عبد الله: نرجع للأخ محمد المهدي من ألمانيا، أخ محمد تفضل، عفواً الأخ محمد المصري من ألمانيا اتفضل.

محمد المصري: ألو مرحباً.

ماهر عبد الله: حياك الله، اتفضل.

محمد المصري: يعطيك العافية بقدر أشارك؟

ماهر عبد الله: اتفضل يا أخوى شارك بس أرجو.. أرجو إذا الموضوع له علاقة بابن تيميه..

محمد المصري [مقاطعاً]: ضمن الموضوع يا حبيبي ضمن الموضوع.

ماهر عبد الله: اتفضل.. اتفضل.

محمد المصري: الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "ما منكم من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله"، شو رد الدكتور القرضاوي على هالشيء هذا.

ماهر عبد الله: مَنْ الذي يقول هذا؟

محمد المصري: أنا أشاهد هذا البرنامج منذ فترة طويلة، ومنذ أسبوعين اتصل بك فضيلة الشيخ جميل حليم من لبنان وطالبك بالمناظرة العلنية العلمية، وفي الأسبوع الماضي اتصل بك فضيلة الشيخ حمد منير الزين..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: يا أخ محمد، هذا موضوع آخر..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: يا جماعة، يا هؤلاء القوم، يا أخي هؤلاء الناس لا يعقلون، يعني هذا بيقول لك: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ما من أحد".. هذا ليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا يعني من كلام ابن عباس، ومن كلام الإمام مالك إمام دار الهجرة، فهؤلاء الناس يريدون أن يبرزوا أنفسهم، أنا لو أريد أن أناظر هؤلاء أحيلهم على بعض تلاميذ تلاميذي ليناظروهم، أنا لا أنزل إلى مستوى هؤلاء الذين لا يعرفون الحديث من غير الحديث ولا يعرفون.. ما هؤلاء..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ).

د. يوسف القرضاوي: يا أخي، هذا لا يجوز إنك تعاملهم بالطريقة دي، إنما يعني الراجل يتصل تقول له: شكر الله لك، شكر الله له على أيه؟! على قلة الأدب!

ماهر عبد الله: يعني إيش أقوله إنسان.. إنسان سمع من كان.

د. يوسف القرضاوي: لازم تنهره، تزجره.

ماهر عبد الله: سمع من كان قبله، وقلنا له: ادخل في الموضوع، وقال: سأدخل في الموضوع، ودخل في موضوع آخر، طيب أرجو ألا تسببوا أيها الإخوة مزيداً من الإحراج، نحن موضوعنا -لهذا اليوم- هو القضاء والقدر، الإنسان مُسيّر أم مخير نحن لسنا ملزمين برأي هذا العالم أو ذاك، كل ما نحاول أن نقوله في هذا البرنامج هو أن نحاول أن نجعل الإسلام أكثر قرباً لأفهام الناس أو من أفهام الناس، من لا تعجبه هذه الطريقة.. أنا أعتقد إن البرامج الدينية كثيرة على أكثر من محطة، وأكثر من فضائية، هذا هو الشيخ القرضاوي وهذا البرنامج للشيخ القرضاوي من أحب أن يشاهده فعلى الرحب والسعة، ومن لم يحب فأرض الله واسعة.

يعني لو عدتنا يعني لو عدت بك لموضوعنا مرة أخرى، أخ بعت لي معانا -بالفاكس- أخ ذكر لي تشبيه قرأت لأحد الكتاب المسلمين مثالاً لطيفاً -التسيير والتخيير- حول موضوع هل الإنسان مخير أم ميسر؟، والمثال هو: لو فرضنا أن إنساناً كسرت يده، ولا يستطيع تحريكها إلا بواسطة طاقة كهربائية خارجية، فتبقى حركة اليد معتمدة اعتماداً أساسياً على تلك الطاقة الخارجية، فإذا انقطعت تبقى اليد مشلولة، وإذا وصلت الطاقة إليها فباستطاعته تحريكها، ولكن يبقى تصرف الإنسان، وإرادته بتلك اليد، هل يوجهها نحو الخير، أو نحو الشر، فما هو رأي الشيخ يعني..؟

د. يوسف القرضاوي: يعني هو هذا تشبيه جيد، وهناك كلمة جيدة الحقيقة-قالها الدكتور محمد إقبال شاعر الإسلام، وفيلسوف المسلمين في الهند قال: المؤمن القوي، والمؤمن الضعيف، المؤمن الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، يقول لك ربنا قدَّر علي، والمؤمن القوى يعتقد أنه قدر الله الذي لا يغلب، وقضاؤه الذي لا يرد، يعني آفة المسلمين في عصرنا إنه كل حاجة يا أخي ربنا قدر علينا هذا، وربنا.. ويتخذ القدر حجة للقعود عن عمل الصالحات، وعن اجتناب السيئات، وعن المشاركة في معالي الأمور.

فـ (إقبال) يقول لك: المؤمن القوي يقول أنا قدر الله، وهذا ما قاله الصحابة، يعني بعض الصحابة حينما التقوا بالفرس، أحد قادة الفرس سأله: من أنتم؟ وما الذي جاء بكم؟ يعني كان العرب قديماً يذهبون إلى الفرس، ويعتبرون الفرس دولا يعني.. يعني شوف إحنا كما ننظر الآن إلى الأميركان أو كذا، فقال له "نحن قدر الله ابتلاكم الله بنا، وابتلانا بكم، فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم، أو لنزلتم إلينا". هذه نظرة المسلمين، الواحد منهم كان يعتقد أنه قدر الله الذي لا يغلب.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"، هذا المؤمن القوى، يعني يستعين بالقدر، لا يحتج بالقدر، لا تعجز يعني لا تفعل فعل العاجزين.

أمام النبي -عليه الصلاة والسلام- تصارع رجلان فغلب أحدهما الآخر، فقال المغلوب "حسبي الله فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله"، يعني أنكر على الرجل إنه استسلم وقال يعني حسبي الله، يعني ودي كلمة يعني إن خلاص معنديش، لأ، لازم تحاول، وتدافع، وبعدين إذا عجزت تماماً، قل حسبي الله، فحتى هذه الكلمة وهي كلمة ذكر الله إنما وضعها في غير موضعها هو غير مقبول.

ماهر عبد الله: مثل الاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار، طب معانا مكالمة للأخ أبو أسامة من السعودية أخ أبو أسامة اتفضل.

أبو أسامة: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

أبو أسامة: حياك الله يا شيخ.

د. يوسف القرضاوي: حياكم الله.

أبو أسامة: عندي سؤال عن الآية الكريمة (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) السؤال هو: ما هي الأمانة؟ وكيف عرضت، واختارها الإنسان ولم يخترها الجن مثلاً- لأنه مخلوق كما أيضاً مسير عفواً مخير مثل الإنسان؟ وشكر الله لكم.

ماهر عبد الله: حياك الله، مشكور يا أخ أبو أسامة.

د. يوسف القرضاوي: الأمانة هنا هي أمانة التكاليف الإلهية التي حمل الله الناس مسؤوليتها، فالإنسان هو المخلوق المكلف الذي كلفه الله -تعالى- أن يعبده، كلفه بأشياء أساسية، مقاصد الله -سبحانه وتعالى- من الخلق ثلاثة: العبادة كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، والخلافة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) والعمارة: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، فهذه مكلف بهذه المقاصد الثلاثة والإنسان تحملها.

إنما هل العرض هل هو عرض حقيقي أم عرض مجازي؟ المفسرين مختلفين في هذا، زي أيضاً ما جاء في قوله تعالى، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) فالبعض يقول دا حدث حقيقة، والبعض يقول لا هو مجاز، إن الله -سبحانه وتعالى- فطر الإنسان على الفطرة السليمة، وفطره على التوحيد، والشرك يأتي طارئاً، وعارضاً.

وهنا -أيضاً- هل عرض هذه على الأشياء؟ بعضهم قال بالحقيقة، وبعضهم قال لا، دا مجاز، ليس من ضروري.. والعرب تقول في هذا زي ما بيقولو لك مثلاً قال الجدار للمسمار لماذا يعني تشقني؟ قاله له سل من يدقني، هل حصل هذه المكالمة؟ لأ، دي يعني هي يعني إظهارها في هذه الصورة هذا أسلوب من الأساليب، على كل حال الآية تفيد إن الإنسان مسؤول وأمانته أمانة ضخمة بحيث إن الأجرام العظيمة، السماوات والأرض، والجبال.

ماهر عبد الله: عجزت.

د. يوسف القرضاوي: لم تستطع أن تحملها، وحملها الإنسان.

ماهر عبد الله: طيب اسمح لي أن آخذ مكالمة أخيرة من الأخ أبو جعفر من السعودية، المكالمة الأخيرة الأخ أبو جعفر اتفضل.

أبو جعفر: مساء الخير يا شيخ.

ماهر عبد الله: مساء النور.

د. يوسف القرضاوي: مساك الله بالخير.

أبو جعفر: والله حبيت أسألك عن القضاء والقدر، والآية الكريمة (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) هل إن الله -سبحانه وتعالى- عندما يقدر على شخص شيئاً، ولو عمل شيئاً كالصدقة، أو كذا -مثلاً- يغير هذا القدر؟ وشكراً.

ماهر عبد الله: يعني طيب لا أدري إذا كان هو الأخ بعت الفاكس، ولا لأ، بس يعني مزيد من الإيضاح السؤال اللي وصل بالفاكس، والاسم ساقط منه (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) يعني معناه هناك شيء مقدر ثم زيادة عليه، ثم إن الله -تعالى- كما ذكر الأخ يمحو ويثبت، وعنده أم الكتاب، وأن الدعاء والقضاء يعتلجان في السماء قبل نزول القضاء على العبد، وقد يرفعه الدعاء، فكيف ذلك؟ أنا أعتقد أن هذا في صلب السؤال.

د. يوسف القرضاوي: هو يعني الحديث -أيضاً- جاء "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر"، والبعض استشكل عن هذا، إزاي الدعاءُ يرد القدر؟ ولكن إذا رجعنا إلى السنة التي ذكرناها، وهي سنة الأسباب والمسببات، وأن الله أقام الكون على هذه السنن التي لا تتبدل ولا تتحول، نجد إن الدعاء سبب من الأسباب، زي ما تقول لك: مثلاً أنت تحصن من ضرب الرصاص بإنك تدخل الخندق، يعني فهذا الخندق هو سبب من الأسباب، يعني مش تقول يعني إذا كان حتنزل عليَّ القنبلة.. لأ، خذ.. خذ بالأسباب.

فمن الأسباب الروحية التي جعلها الله -سبحانه وتعالى- ليدفع العبد بها عن نفسه الدعاء، فالدعاء يمكن يرد القدر، ودا تدخل في مسألة الدفع، أن تدفع قدراً بأيه..؟ بقدر، فالدعاء تدفع به الأقدار، كما تدفع قدر الجوع بقدر الغذاء، أما الآية الكريمة في سورة الرعد (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)، فقال.. قالوا: إنه فيه أشياء يمحوها الله في صحف الملائكة يعني أشياء ولكن أم الكتاب -ما في اللوح المحفوظ- لا يتبدل هذا الشيء، والبعض بيدي الآية أبعاد أكثر من هذا، إن فيه محو وإثبات، في الكون كله تغيير وتبديل، ولكن فيه أشياء ثابتة لا تتغير ولا.. ولا تتبدل، فهو قانون عام إن الجوهر ثابت، والعرض يتغير.

ماهر عبد الله: طب لو سمحت لي في الخاتمة، أعزائي المشاهدين، قبل أن نختم هذه الحلقة، لعلكم -من تابعنا خلال الأسبوعين أو الثلاثة المنصرمين أو الثلاثة المنصرمة.

د. يوسف القرضاوي: المنصرمة.

ماهر عبد الله: فلاحظوا هذه الهجمة، وإن كانت هذه تكبير -الحقيقة- لقدرهم وأنا أعتقد أنهم لا يستحقون، التعليق الأخير كان أني سألت الأخ: هل هو في صلب الموضوع؟ فقال: نعم هو في صلب الموضوع.

ثم تحدث، ونحن نتحدث عن القضاء والقدر.

د. يوسف القرضاوي: يكذب.

ماهر عبد الله: ثم يتحدث عن مناظرة من شيخ ذكر اسمه، أنا لا أريد أن أذكر أسماء، ولكن كل ما أريده هو التالي: أن هذه ليست أساليب العلماء، هذه مهاترات، التحدي والصراعات، هذه مش معهودة، ولم تُعهد في تاريخ العلماء-على الأقل- العلماء الذين يحترمون أنفسهم.

الباحثين عن الشهرة أنا أنصحهم أن يبحثوا عن برنامج غير هذا، وعن محطة غير هذه، والباحثين عن التسلق -أنا اعتقد- ليطلبوا سلماً ودَرَجاً غير هذا، لن يتحول هذا البرنامج إلى صراع ديكة، ولن نهين العلم إلى مهاترات في قضايا شرعية، ما يهمني قوله -في الختام- أن كل ما أثير من تحفظات هي داخلة في باب الفقه، لا تعجبهم بعض فتاوى الشيخ، وفي الفقه -أنا أعتقد- أن لا يمكن لأحد أن ينكر على أحد طالما..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: أنا أريد أن أقول لهؤلاء: أنا أفكاري يعني ليست يعني بنت اليوم، ولا هي وليدة هذه (الجزيرة)، أنا لي أكثر من (90) كتاباً، بعضها طبع عشرات المرات، وترجمت إلى لغات العالم، فمن أراد أن يناقش أفكاري فليناقشها يكتب.. يكتب يعني أنا أفكاري الأساسية أطرحها في كتب، فمن كان لا تعجبه هذه الأفكار فليرد على الكتب بكتب مثلها.

ماهر عبد الله: شكر الله لك، أعزائي المشاهدين إلى لقاء في حلقة أخرى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.