مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. يوسف القرضاوي

تاريخ الحلقة:

15/12/2002

- مقاصد الابتلاء والمحن في الإسلام
- مفارقة الابتلاء والعدل في الإسلام

- الابتلاء على مستوى الفرد والجماعة

- المؤمن وكيفية مواجهة الابتلاء

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذه الحلقة سيكون عن المحنة والابتلاء، والمحنة والابتلاء سنة من سنن الله في الخليقة منذ آدم -عليه السلام- باعتباره أبو البشرية الأول والذي امتحن هو وزوجه وكان نتيجة هذه المحنة أن نزلنا إلى هذه الأرض لنعيش المحنة الكبرى إلى أن نلقى وجه الله تعالى، هذه الحياة ستظل حياة كد وتعب، (إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً) الكلام موجه للإنسان كل الإنسان إلى أن تنتهي هذه الحياة إما بشقاء دائم أو بسعادة دائمة في الحياة الآخرة.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي كالعادة فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، سيدي أهلاً وسهلاً بك مرة أخرى.

د. يوسف القرضاوي: أهلاً بك يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله: يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعني كثيراً فضلاً عن القرآن الكريم بيتحدث عن المحنة والابتلاء وبالعكس يركز على أن أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء، يبدو أنه كلما زاد فضل الإنسان عند ربه كلما زاد امتحانه، لو تحدثنا بداية عن فلسفة هذه المحنة، ما هو المقصود؟ لماذا اختار الله -سبحانه وتعالى- لنا أن نُمتحن وأن نبتلى.

مقاصد الابتلاء والمحن في الإسلام

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد.. فقد شاء الله أن يخلق الله هذا النوع البشري ليستخلفه في الأرض ويحمله أمانة المسؤولية التي عُرضت (عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ) طبيعة هذا النوع أن الله -سبحانه وتعالى- وهبه العقل والإرادة وحمله مسؤولية نفسه، هو الذي يصنع مصيره ويقرر مستقبله، إما أن يسعد وإما أن يشقى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) فأمر الإنسان منذ بدايته قائم على الابتلاء، (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ) لأنه حينما استخلفه في الأرض وأعطاه العقل، وأعطاه حرية الإرادة وتركه يعمر الأرض ويعمل فيها ويكدح إلى ربه كدحاً معناها إنه يتحمل هذه المسؤولية، هناك مخلوقات ليس عليها شيء من هذا، الملائكة خلقوا مفطورون على الطاعة وليس لهم مطالب كمطالب الإنسان يريد أن يأكل ويشرب ويسكن ويتزوج ويُقيم حياة ودي كلها متطلبات، كان في الجنة موفرة له هذه الأشياء بدون تعب، ولذلك ربنا -سبحانه وتعالى- قال له: (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى) قال (فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا) يا آدم احذر من إبليس (فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى) الشقاء في هذا الأرض فا الابتلاء هو يعني من خصائص الإنسان، ما دام أُعطي العقل وأعطي الأرض وبيشتغل فهو يتعرض لما في هذه الحياة من سنن، والحياة نفسها حياة ليست جنة، ما عادش كالجنة، لأ، هي حياة يعني موصوفة بالبلاء وكما قال سيدنا علي واحد قال له صف لنا الدنيا، فقال: "ماذا أصف لك من دار أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء" يقصد بأولها بكاء إن أول الإنسان ما ينزل من بطن أمه يصرخ ويبكي، وهذا أخذه بعض الشعراء فقال:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها.

يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلا فما يبكيه منها وإنها

لأفسح مما كان فيه وأرغد

بيقول إيحاء إن دي دار بكاء من.. من أول الأمر، فأولها بكاء وأوسطها عناء.. العناء، الشقاء والكدح لتحقيق مطالب الإنسان في هذه الحياة وخصوصاً إنه ليس.. ليس وحده، هناك منافسون له وهناك معادون له بحكم الطبيعة البشرية، حتى عالم الحيوانات، يعني حسب نظرية النشوء والارتقاء هناك بيسموه أيه.. شيء يسموه صراع البقاء، يعني القوي بيأكل الضعيف والكبير بيلتهم الصغير كما في عالم الأسماك وعالم الحيوان، ففي عالم الإنسان نوع من هذا الصراع، هذا بيخلي الحياة ليست يعني سهلة، وبعدين آخرها فناء، آخرها الموت، فطبيعة الإنسان، القرآن بيقول: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) يعني يكابد المشقة منذ ولادته، ويستمر في حياته هكذا، فهذه هي طبيعة الدنيا، الشاعر يقول: "جُبلت على كدر" أبو الحسن التهامي يعني بيرثي ابنه فيسلي نفسه.. يعزي نفسه عن إن هذه هي طبيعة الدنيا، يقول:

جبلت على كدر وأنت تريدها

صفواً من الآلام والأكدار

ومُكلِّف الأيام ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

فطبيعة الإنسان وطبيعة الحياة تقتضي هذا النوع من البلاء من أول الحياة ويستمر هذا البلاء مع الإنسان.

ماهر عبد الله: لماذا يعني سنعود للبلاء للإنسان فرداً وجماعة، لكن لماذا يختص الأنبياء تحديداً والصالحون تحديداً بالمزيد من..؟

د. يوسف القرضاوي: آه إذا كان طبيعة الإنسان طبيعة الحياة إنه لابد أن يُبتلى ولابد أن يُمتحن، ولابد أن تصيبه البأساء والضراء والسراء، وعلى فكرة الابتلاء ليس فقط بالبأساء، إنه قد يُبتلى الإنسان بالنعماء، وليس بالضراء، قد يُبتلى بالسراء، يعني والقرآن يقول (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، وبعض الصحابة يقول: ابتلينا بمحنة الضراء فصبرنا، وابتلينا بمحنة السراء فلم نصبر، يعني فيه ناس بتنجح في المصائب ولا تنجحش حينما يوفر الله لها النعم والخيرات، إنما المؤمن هو الذي ينجح في الأمرين وهذا في الحديث الصحيح، "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" فإذا كان الإنسان في.. في هذه الحياة الدنيا معرضاً للبلاء طوال حياته فإن المؤمن أشد تعرضاً للبلاء من غيره، هذه طبيعة خاصة أن الإنسان المؤمن هو صاحب رسالة وهذه الرسالة التي يدعو إليها لابد أن تُقاوم، الله -سبحانه وتعالى- يعني خلق الأضاد، "وبضدها تتميز الأشياء" فكما خلق الليل والنهار النور والظلام و.. خلق الخير والشر والأخيار والأشرار طبيعة حتى أول من.. من ابني آدم كان فيهم الأيه؟ الطيب الخيِّر والشرير المجرم الذي قتل أخاه بلا.. بلا ذنب، فالإنسان المؤمن صاحب الرسالة لابد أن يقاومه غيره وأن يعاديه غيره، الله خلق آدم وإبليس، وإبراهيم ونمروذ، وموسى وفرعون، ومحمداً وأبا جهل، والقرآن الكريم يقول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ) آية ولهذا الرسل -عليهم الصلاة والسلام- حينما بعثوا بدعوتهم ولا يريدون لأقوامهم إلا الخير والهدى، ولكن للأسف كذبهم أقوامهم وقاومهم الجبابرة والطغاة منهم وأصابهم ما أصابهم في سبيل الله، سلسلة الأنبياء جميعاً من آدم إلى محمد عليه الصلاة والسلام.

ماهر عبد الله: سيدي، سننتقل لفاصل قصير، لكن بعد الفاصل عايز توفق لي بين هذه.. ما تتحدث عنه ابتلاء.. خصوصاً المؤمنين والأنبياء والصالحين وبين فكرة العدل والرحمة عند الله سبحانه وتعالى، كيف نجمع بين الأمرين؟

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: بإمكانكم أن تشاركوا معنا على الأرقام التالية إما على رقم الهاتف 4888873 أو على رقم الفاكس 4890865، أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي: www.aljazeera.net

سيدي، كيف نجمع بين ما تفضلت به وبين وصف الله لنفسه بالعدل والرحمة؟ ألا يخدش معنى الرحمة والعدل أن نبتلى بهذه الكثافة؟

مفارقة الابتلاء والعدل في الإسلام

د. يوسف القرضاوي: لأ، هذا مبني على هل نحن بنعتبر إنه الابتلاء نقمة على الإنسان، لأ الابتلاء ليس نقمة، الابتلاء قد يكون رحمة بالإنسان، وقد يكون لإبراز فضل الإنسان، وقد يكون وراءه خير كثير، وبعدين الابتلاءات أنواع، يعني ابتلاء قد يكون سببه الإنسان نفسه، الإنسان ربما فرَّط في سنة من سنن الله أو في أمر من.. من أمر الله فيبتلى يعني نتيجة لهذا كنوع من العقوبة المعجلة، وتعجيل العقوبة أيضاً هو يعني فضل أحسن من إن الإنسان يؤخر.. تؤخر، ربنا يقول في بعض الناس (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) وبعضهم يقول استدراج إنه كلما أحدث معصية أحدث الله له نعمة فيزداد طغياناً، فهذه ليس يعني من مصلحة الإنسان، إنما الإنسان قد يرتكب خطأً فحسب سنن الله إن اللي بيرتكب خطأ يعني يُعاقب عليه، وهذا حدث في يعني ليست كل المحن هكذا، إنما مثلاً في.. في غزوة أحد المسلمون ارتكبوا خطأً فعوقبوا عليه، الرسول -عليه الصلاة والسلام- أجلس الرماة على جبل أحد وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، إياكم أن تتركوا، وحذرهم، ولكن حينما كانت الجولة الأولى في صالح المسلمين وانهزم المشركون وولوا الأدبار وبدأت الغنائم تظهر، للأسف نسوا هذا التحذير وهذه الوصية وأخلوا مكانهم و.. فكانت النتيجة انقلب الوضع، وتغير اتجاه الريح، والتف على المسلمين خالد بن الوليد -وكان لا يزال مشركاً-لم يضيع هذه الفرصة وأعمل في المسلمين السيف وحدث ما حدث، استشهد سبعون من المسلمين من أمثال حمزة بن عبد المطلب وأنس بن النضر ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش ويعني رجال أبطال سبعون من الصحابة -رضوان الله عليهم- استشهدوا في هذه الغزوة، فالقرآن عقَّب على ذلك قال: (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) من أين جاء هذا؟ الهزيمة دي جت منين؟ (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ)، وهذا أيضاً يعلمنا إن في المحن يعني لابد أن نقف مع أنفسنا وقفة مدارسة ومراجعة وتقويم لنعرف ماذا حدث ولماذا حدث، هذا من الأشياء الإيجابية والمهمة، (قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومع هذا القرآن يعني يقول إنه هذا من خطأ المؤمنين، ولكن هذا الخطأ كان يعني غير متعمد أو كان ليس خطاً أساسياً في حياتهم، وكان خطأً عارضاً ولم يكن عن نفاق ولا عن شك، ولذلك قال: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) عفا الله عنهم لأن ده يعني خطأ عارض، وقال أيضاً في نفس السورة (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ) تقتلونهم (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ) آية فرغم خطأهم وتنازعهم وعصيانهم عفا الله عنهم فبعض المحن قد تكون من الإنسان ومن.. ومن خطأه وبعض المحن تكون هي حسب السنن، يعني ما.. السنن إنك يعني إذا يعني اصطدمت بعدو جبار أو كذا ممكن يقتلك وممكن كذا وبدون أن يكون منك يعني ذنب سابق، ودي طبيعة الرسالات، حينما المسلمون أصيبوا في.. في.. في العهد المكي ظلوا يعني ثلاثة عشر عاماً تصب عليهم سياط العذاب، يعني يبتلون ويؤذون و.. وطبعاً نعرف ما جرى لعمار بن ياسر وأبيه ياسر وأمه سمية، نعرف ما جرى لبلال بن رباح وما جرى لهؤلاء المسلمين وما جرى للرسول وأصحابه عامة في.. من الحصار الاقتصادي والمقاطعة ثلاث سنين يعني حتى أكلوا أوراق الشجر كل هذا والقرآن ينزل في هذا فيقول: (الـم (1)أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) ثم يقول: (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) يعتبر هذا لون من الجهاد، يعني المعاناة والصبر على الابتلاء هذا نوع من الجهاد قبل الجهاد بالسيف والبتاع، لأ الجهاد بالصبر والجهاد بالاحتمال، فلم يكن للمسلمين أي ذنب، هناك أناس حكى عنهم القرآن في سورة البروج الذين خُدَّت لهم الأخاديد وشقت الشقوق ومُلئت بالنيران ورُموا.. ألُقوا فيها (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) ما كان لهم أي ذنب إلا الإيمان بالله، إذا كان الإيمان.. وكما قال الله تعالى عن الصحابة: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) ما.. ما قالوا ربنا الله، وسيدنا موسى حينما دعا فرعون بدعوته و.. فرعون أراد أن يقتل موسى دعوني.. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ) هكذا وصف فرعون موسى، هو قال عن نفسه (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ) ففرعون يهدي سبيل الرشاد وموسى يظهر في الأرض الأيه؟

ماهر عبد الله: الفساد.

د.يوسف القرضاوي: الفساد، وأراد أن يقتل موسى، فقام رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه يقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ). ما أذنب ذنباً إلا أن يقول ربي الله، فهذه طبيعة الرسالات، يعني وهذا الابتلاء هو لمصلحة هؤلاء المؤمنين، مصلحتهم في الدنيا ومصلحتهم في الآخرة، لأنه بهذا يصهرهم ويصقل معادنهم ويعدهم للمواجهة، ولذلك يعني الابتلاء في العهد المكي ده كان هو الذي صنع البطولات بعد ذلك في.. في العهد المدني، الأديب مصطفى صادق الرافعي يعني له كلمات في "وحي القلم"، يقول لك فيها: "إن المحنة للمؤمن كالبيضة للكتكوت أو الفرخ تُحسب سجناً له وهي تربِّيه وتغذيه وتعينه على تمامه، حتى تفقس أو تنقف فيخرج هذا الفرخ، يعني متكاملاً إلى عالمه"، فهذا شأن المحنة تربي الإنسان، وسورة آل عمران فيها يعني الكثير من أسرار هذه المحن وفوائدها ممكن نتحدث عنها إن شاء الله.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، الآية التي تفضلت بها (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) يعلق عليها سيد قطب، رغم أن الآية تقول (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا..) فيها واضح الإشارة والدلالة أن الله الذي يريد أن يعلم، سيد قطب يقول: الأصل من المحنة والابتلاء هو أن نعرف نحن أنفسنا، قد نخدع أنفسنا بأننا مؤمنون وأننا على الجادة الصحيحة، لكن هذا الابتلاء يأتي ليعيدنا إلى وعي صحيح، هل تتفق مع مقولته هذه؟

د.يوسف القرضاوي: هذا مُتفق عليه بين علماء المسلمين كافة، أن الله يعلم الأشياء قبل وقوعها، ولكنه لا يحاسبنا على ما علم، إنما يحاسبنا على ما يقع بالفعل، فهو يريد بهذا الابتلاء أن يظهر فضل الصابرين من الجَزِعين، فضل المؤمنين من المنافقين كما قال: (وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) ليعلم.. هذا يسموه علم ظهور، علم إذ يظهر للواقع ويراه الناس ويتحاسبون على.. على أساسه فالمقصود من الابتلاء يعني حتى العلماء يقولوا أيه؟ هو يعاملنا معاملة الممتحن يعني هو بيختبرنا طب يعني إحنا في الامتحانات لما بنختبر التلاميذ عايزين نعرف مين منهم يعني الناجح ومين منهم الراسب لأننا لا نعرف إلا بالامتحان، إنما ربنا يعرف من قبل، إنما لابد أن يعني.. فهو يعاملنا معاملة كأنه لا يعرف ليظهر هذا على الواقع ويتعامل الناس على أساسه ويتم ثوابهم وعقابهم على ما وقع منهم بالفعل.

الابتلاء على مستوى الفرد والجماعة

ماهر عبد الله: يعني لو عدنا لجيل الصحابة.. جيل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعني واحدة من الامتحانات التي ابتُلي فيها شكَّلت خط هيك واصل بين امتحان شخصي له -صلى الله عليه وسلم- وامتحان للمجتمع من حوله، حديث الإفك مثلاً وكان امتحان خاص به وبآل بيته، لكن في نفس الوقت كان امتحان عام للمجتمع كله في تشكيله، يعني سؤالي الأول لك: هل هناك ابتلاء للأمة من حيث هي أمة في بعض الأحيان أم هي الابتلاءات فقط فردية على اعتبار إنه المسؤولية في المحصلة النهائية؟

د.يوسف القرضاوي: لأ. هناك ابتلاءات فردية وهناك ابتلاءات جماعية، الأفراد يُبتلون، لاشك وإحنا قلنا دي طبيعة الإنسان في هذه الحياة، إنه يُبتلى وطبيعة المؤمن أشد ابتلاءً وطبيعة الأنبياء "أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"، "يُبتلى الرجل على قدر دينه. فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه. وما يزال البلاء ينزل بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة "لأن البلاء يكفر خطايا الإنسان والحديث الصحيح:"ما يصيب المسلم من هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه" فأحياناً يكون الابتلاء تكفيراً لسيئات الإنسان وأحياناً يكون زيادة في حسنات الإنسان يزيد من رصيده وأحياناً يكون رفعة لدرجات الإنسان، الأنبياء يعني ليس لهم يعني خطايا كما للناس، ولكن هذا يرفع من.. من درجاتهم ولذلك كل الأنبياء ابتلوا، فيه أنبياء يعني نجد سيدنا يوسف -عليه السلام- ابتلي في حياته بسلسلة دامية الحلقات من المحن يخرج من محنة ليقع في أيه؟ في محنة.

أول محنة ابتلي بها محنة من إخوته يعني الذين كادوا له وحسدوه وألقوه في الجب، وبعدين باعوه. شروه يعني باعوه.. (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ).

وبعدين المحنة الثانية: محنته مع امرأة العزيز محنة من نوع آخر، واستُخدم فيها سلاح الإغراء فلم يُفلح، ثم سلاح التهديد (وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ) وفعلاً دخل السجن بعد ظهور براءته (ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) كانت محنة السجن (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) وبعدين ربنا -سبحانه وتعالى- مكَّن له في الأرض، دي أيضاً محنة أخرى، إحنا قلنا الإنسان يُبتلى بالخير كما يُبتلى بالشر، القرآن يقول: (فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ..) جعل الكرام والتنعيم ابتلاءً (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ..) يعني فضيق عليه رزقه فكانت حياة سيدنا يوسف ابتلاءات ومحن، ولكنه يعني نجح فيها جميعاً، ولذلك قال.. لما قالوا له أأنت.. (قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ) هذا هو مفتاح النجاح في القصة كلها، التقوى والصبر (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ..) فكانت العاقبة له في النهاية، دي ابتلاءات فردية.

فيه ابتلاء زي سيدنا أيوب، سيدنا أيوب يعني بيُضرب به المثل في الابتلاء يقول لك دا صبر أيه؟ صبر أيوب، وحتى الناس بالغوا فيما أصاب سيدنا أيوب والدود كان بيتناثر منه، ولكن هذا لا دليل عليه، القرآن يقول: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ودا أيضاً من أدب المؤمنين، حتى لم يقل يا رب ارفع عني الضر ولم يقل إيه الضر اللي أصابه أيه، هو قال مسني الضر، يعني مش راضي يكبَّر مصيبته قوي، مع إنه هو أُصيب في صحته، وأُصيب في أهله وأُصيب في ماله، كل هذه المصائب واستمر الابتلاء سنين ومع هذا دعا الله بهذا الدعاء (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وترك الأمر لله. (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ) عوَّضه الله عن أهله الذين ماتوا والذين فُقدوا ردَّهم، حتى بعضهم قال دا أحيا لهم، ولكن لا يوجد أيضاً دليل على إنه أحيا من مات إنه وهبنا له أهله ومثلهم معهم (رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) وقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) فهذه يعني محن فردية للأنبياء وكأن الله يضرب بهم مثلاً، يعني زي ما بيقول لك: دا فلان ضرب الرقم القياسي مثلاً في شيل.. حمل الحديد أو في المصارعة أو في.. ضرب الرقم، دول ناس بيضرب بهم الرقم القياسي وبعض الأنبياء يُبتلى.. يعني شوف الرسول -عليه الصلاة والسلام- منذ يعني وُلد وقد توفي أبوه وهو في بطن أمه، وبعدين أمه توفيت وهو في السادسة في عمره، وبعدين عمه.. جده الذي كفله مات في الثامنة وهكذا، سيدنا موسى يعني ربنا أراد إنه يعني يربيه بالابتلاء منذ ولادته، يعني فيه ناس تُولد.. يقول لك: وفي فمه ملعقة من ذهب، ويعيش في النعيم والترف وكما يقول الشاعر:

قطرات النسيم تجرح خديه

ولمس الحرير يدمى بنانه

مثل هذا لا يصلح لحمل الرسالة، الأنبياء يحملون رسالة فيها هداية الناس وفيها مواجهة الباطل ومواجهة الجبابرة في الأرض، فلابد أن يُعدوا ويُصقلوا فسيدنا موسى منذ الولادة شوف (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ) أرميه في البحر، يعني تقول لأمه إذا خفتي عليه أرميه في البحر (وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي) ويشاء الله أنه يلتقطه آل فرعون (لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُواًّ وَحَزَناً) ويتربى في قصر فرعون الذي سيزول ملكه على يديه.

فهناك ابتلاءات، يعني فردية، وهناك ابتلاءات للجماعة الجماعة تُبتلى وكما ابتُلي المؤمنون في غزوة أحد، كان بلاء على الجماعة المسلمة حينما هُزموا بعد انتصار لأنهم انتصروا في بدر، (يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ) وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وهنا حدث بعد ما كان النصر يعني قاب قوسين أو أدنى حدثت هذه النكسة، ولكن أراد الله أن يربيَّهم قال: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) لازم يميز هؤلاء من هؤلاء (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ) أراد أن يتخذ منكم شهداء هو.. وإلا كان يقدر ينصركم بسبب من الأسباب، في سورة محمد يقول: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ) الابتلاء دا مقصود (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) فهذا الحدث في غزوة أحد، وكان تمييز للصف الإسلامي إن بعد الانتصار في بدر ممكن بقى بعض الناس يدخلوا من أهل النفاق ويزعموا أنهم يعني مؤمنون ويعني يندمجوا في الصف الإسلامي ولا يتميز هؤلاء من هؤلاء، فشاء الله أن تأتي هذه المحنة كاشفة لهؤلاء ومميزة كما قال الله سبحانه وتعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) فهذا كان أمر يعني مهم في حياة الجماعة الإسلامية في المدينة حدثت يعني معركتان مهمتان كانتا.. كان كل منهما محنة على المسلمين، ولكن كل واحدة يعني بذوق غير ذوق الأخرى وطعم غير طعم الأخرى، غزوة أحد كانت محنة على المسلمين، ولكن كانت محنة بعد المعركة، فيه غزوة أخرى كانت محنة شديدة على المسلمين هي غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: سيدي، تحدثت عن فتنة معركة أحد، وكنت على وشك الحديث عن معركة الخندق قبل الفاصل.

د.يوسف القرضاوي: الخندق كانت محنة كبيرة على المسلمين، لأن قريشاً وغطفان وأتباعهما وأحابيشهما أرادوا أن يغزوا المسلمين في عقر دارهم يعني بغية استئصال الإسلام من جذوره يعني غزوة مش بس مراد يعني لقاء عابر، لأ. يراد القضاء على محمد وأصحابه وعلى هذه الدعوة الإسلامية، وحوالي عشرة آلاف من المقاتلين جاءوا ليغزوا المسلمين في المدينة، الرسول -عليه الصلاة والسلام- يعني شاور أصحابه واتفقوا على أن يحفروا خندقاً حول المدينة ليعوق دخول هؤلاء، وخصوصاً الفرسان، وفعلاً أقاموا هذا الخندق، وكانت محنة شديدة زاد من هذه المحنة أن اليهود داخل المدينة، وكان المفروض أن ينضموا إلى المسلمين في مقاومة العدو المهاجم والمغير عليهم، كما تقضي بذلك الاتفاقيات التي يعني أقامها الرسول معهم، إنهم في ساعة العسرة يمدوا المسلمين بالمال، ويمدوا المسلمين بالسلاح، ويمدوا المسلمين بالرجال، هذا دفاع مشترك، ولكن للأسف اليهود انتهزوها فرصة وقالوا دي بقى لعل فيها القضاء على محمد وأصحابه، فانضموا إلى المهاجمين ضد الرسول، صلى الله عليه وسلم، وفي هذا يقول القرآن (إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) يعني شوف تصوير القرآن يعني بلغت القلوب الحناجر (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) يعني كلمة الزلزلة كان فيها فإذا زلزال هو شديد يعني فكانت.. كانت محنة يعني كبيرة، وظهر النفاق يعني عياناً، بقى بياناً وجهاراً نهاراً، المنافقون يقولوا محمد يعني يعدُنا يعني ممالك كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن من أن يذهب إلى الخلاء وحده، يعني ما يقدرش يقضي حاجته هو لوحده خوفاً من أن يصيبه حد أو.. و.. ويقولون (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً)، (إِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً) هكذا كان موقف المنافقين.

أما موقف المؤمنين فقد بينه القرآن حينما قال (وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) فهذا موقف في هذه المحنة الشديدة (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) فكان يعني نتيجة هذا الموقف من المؤمنين إنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً، النتيجة إن القدر لم يتركهم، والله تعالى لم يتخلَّ عنهم، هو أنهى هذه المعركة صحيح بغير قتال، وبجنودٍ لم يرها المسلمون إذا أرسلنا.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا) وبعدين قال: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِياً عَزِيزاً) انتصروا من غير ما يخسروا أي حد، ومن غير ما دماء تراق، الله هو الذي أدار المعركة، أكفأت الرياح يعني قدورهم وخلعت خيامهم، و.. يعني ردتهم خائبين مدحورين، فهذه كانت محنة يعني من المحن الجماعية التي أصابت الجماعة المسلمة حينما يأتي الأعداء، يعني هو الآن أشبه الموقف اللي فيه المسلمون الآن وأميركا وبوش ومن معه يعُدوا العدة، و.. (جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ) هذا أشبه بغزوة الأحزاب، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينصر المسلمين كما نصر المؤمنين، وكما نصر رسوله والذين معه في غزوة الأحزاب ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً.

ماهر عبد الله: فيه كام سؤال على الإنترنت والفاكس عن هذا الموضوع نعود له، بس نسمع من الأخ أول صبري معروف، من مصر، أخ صبري، اتفضل.

صبري معروف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

صبري معروف: وتحية طيبة إلى فضيلة العالم الجليل المبتلى المختبر الدكتور يوسف، وتحية إلى الأخ الفاضل الأستاذ ماهر.

الحقيقة أنا سمعت قصة من أستاذتنا في مصر عن الدكتور يوسف، فليسمح لي يعني إن أنا أطرحها على حضرته، إن هو أول ما عُيِّن معيد في كلية الدعوة في مصر ففصلوه نتيجة يعني سلوكياته الإسلامية، فشكا للأستاذ عبد البديع صقر -رحمه الله- وقال إنهم فصلوني، فقال له الأستاذ عبد البديع: أبشر بالغنى.. أبشر بالغنى، فأصبح فضيلة الدكتور يوسف من الأغنياء وفضلاء ووجهاء المسلمين، بارك الله فيه دائماً.

والابتلاء هو سنة الله في عباده، والفائز هو الذي يصبر، جعلنا الله وإياكم من الصابرين، ولكن أكثر الابتلاءات في هذه الأيام -للأسف- هو من القادة الذين انبطحوا أرضاً أمام العدو الصهيوني الفاجر والعدو الأميركي الغادر، ولكن كيف يوفق المسلم بين الصبر على الابتلاء، وبين أداء الواجب نحو دينه ووطنه؟ والرجاء إلقاء الضوء على هذا الحديث عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما رجلٌ حبسه السلطان ظلماً فمات في حبسه فهو شهيد، فإن ضربه فمات فهو شهيد"، وشكر الله لكم، وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله: مشكور أخ صبري، نسمع من الأخ زهير عناني من فلسطين، الأخ زهير، اتفضل.

زهير عناني: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

زهير عناني: وتحيتي لفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

زهير عناني: والداعي، خريج كلية الحقوق بجامعة القاهرة، وتتلمذت على يدي المرحومين الشيخين الجليلين محمد أبو زهرة وعبد الوهاب خلاف.

د. يوسف القرضاوي: رحمهما الله.

زهير عناني: والسؤال الأول الذي بودي أن أوجهه لفضيلة الشيخ أولاً يتعلق بإغلاق باب الاجتهاد في الإسلام، هذه مسألة أريد أن.. أرجو أن أستوضح عنها، والمسألة الثانية: تهم المسلمين في هذه الأيام، هذه المسألة تتعلق في.. بالعراق، وبغزو الكويت، وتتعلق بالمعارضة العراقية، هناك لغط كبير بأن الاعتذار الذي قدمته بغداد غير كافي، إلى.. إلى غير ذلك، والمعارضة العراقية. إن هناك خلافات بين المسلمين، وهذه الخلافات تعتبر صغيرة للخلاف الأكبر الذي هو حاصل بين المسلمين جميعاً والاعتداء الذي سيلمُّ بهم، أليس من الأجدر بهم أن يتركوا خلافاتهم في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة، وينتبهوا إلى العدو الذي هو عدوٌ جبار ويمكن أن يحصل منه الكوارث بالنسبة لمجموع المسلمين؟

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ زهير، مشكور جداً يعني السؤال الثاني ممكن يكون له علاقة بالموضوع، السؤال الأول يمكن طرحناه، وقد نعود له في.. في مراحل أخرى، بس عطفاً على سؤال الأخ زهير، ويمكن أيضاً له علاقة بسؤال الأخ صبري، الأخ سعود التميمي من الأردن يعني بيقول: أما أن نصبر بعد المقدمة لأن معظم البلاء واقع، وحال المسلمين الذي نعيشه، وتسلط الكفار على أمتنا مع عدم محاولة التغيير لهذا الواقع، فالإسلام جاء بتكاليف شرعية، وطالب المسلمين بالقيام بها، والصبر على القيام بها فيكون بهذا الجزاء من الله تعالى، أما أن نصبر على الواقع السيئ دون محاولة التغيير فهذا الصبر يكون فيه الإثم، وينطبق عليه قول الشاعر:

ولا يقيم على ضيم يراد به

إلا الأذلاء نعير الحي والوتد.

الحالات الفردية التي تفضلت بها عن الأنبياء إنه بالتقوى والصبر، عندما تكون المسألة مسألة جماعة، وفيه فتنة بهذا الحجم، هل الصبر عليها بمعنى الصبر السلبي هو المطلوب، أم أن ردة فعل المجموع تكون غير ردة فعل الفرد على الابتلاء؟

د. يوسف القرضاوي: هو الناس بتفهم أحياناً الصبر فهماً يعني مغلوطا. الصبر لا يعني الاستسلام دون أن تغير من الواقع، المفروض المؤمن يكون إيجابياً، يعني بقدر ما يستطيع. المسلمون أصيبوا في غزوة أحد، ولكن يعني.. و.. وصبروا على ما أصابهم، ولكن هذا لم يمنعهم إنه في اليوم التالي دُعوا للقاء المشركين، وكان يعني جراحاتهم يعني ثقيلة، فاستجابوا للدعوة، و.. و.. وطاردوا المشركين، و.. وسجَّل ذلك القرآن بقوله: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ).

الصبر ليس معناه إنه يعني أطأطئ رأسي وأترك الأمور، دع المقادير تجري في أعنتها، لأ دا صبر الحمير، فيه الشاعر يقول أيه يعني:

أقول كما يقول حمار سوء

وقد ساموه حملاً لا يطيق

الحمار: سأصبر والأمور لها اتساعٌ

كما أن الأمور لها مضيق

فإما أن أموت أو المكاري

وإما ينتهي هذا الطريق

هذا صبر الحمير، إنما صبر المؤمنين فيه صبر ومصابرة ، الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا..) معنى صابروا يعني أيه؟ يعني غالبوا أعداءكم، هم يصبرون أيضاً، لأن القرآن يقول عن الكفار (وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ) اصبروا على آلهتكم، وقالوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا) فهم يصبرون على باطلهم فأولى أن تصبروا على حقكم، صابروهم يعني غالبوهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا..) يعني أعدوا العدة، فليس معنى هذا إننا نسكت على الأشياء ولا نحاول يعني تغييرها، لأ المسلمون يعني صبروا في.. في مكة حين لم يكن هناك مجالٌ لغير هذا، ولكنهم هم في مكة الرسول كان هو في.. في مكة يعرض نفسه على القبائل في المواسم ليعد العدة للمستقبل، حتى استجاب.. كثيرون ردوه، وبعدين أخيراً استجاب له الأوس والخزرج، وكان من وراء ذلك بيعة العقبة الأولى والثانية والهجرة وإقامة دولة الإسلام في المدينة، فالصبر لا يعني إنك تترك الأمور ولا تعد للمستقبل.

ماهر عبد الله: الأخ أحمد يوسف يسأل: سيدي الجليل، ألا يوجد تعارض بين الابتلاء، وبين الآية القرآنية التي توضح أن الله يُحيي المؤمنين حياة طيبة؟ وهل لابد من ابتلاء المؤمن في حياته؟

د. يوسف القرضاوي: لأ هو الحياة الطيبة ليس معنى هذا إن المبتلى حياته رديئة، لأ يعني هو يعني الحياة الطيبة.. قد يكون الإنسان فقيراً ويحيا حياة طيبة، وقد يكون غنياً وليس يحيا حياة طيبة، قد يكون مصاباً ولكنه يحيا.. يعني حياة الرضا والسكينة، هذه السكينة هي يعني أعظم أنواع السعادة، وهي الينبوع الحقيقي لسعادة الإنسان، فبعض السلف يقولون: "إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف". كانت هذه السعادة سعادة روحية، سعادة الإنسان المؤمن الذي يرضي ربه، ولكن ما يصيبه في الطريق هذا لا يمنع أن يحيا حياةً طيبة.

ماهر عبد الله: طيب بجواب مختصر على سؤال الأخ هل. هل هو حديث حبس.. "من حبسه السلطان ظلماً ومات فهو شهيد".. الإمام علي.

د. يوسف القرضاوي: هو بيقول إنه سيدنا علي قال هذا يعني ما.. هو طبعاً فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "أفضل الجهاد كلمة حقٍ عند سلطان جائر" وقال: "سيد الشهداء حمزة ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه فقتله" يعني هذا.. هذه أحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ الحسين البلومي من تونس، أخ حسين، اتفضل، أخ الحسين معانا؟ طيب نسمع من الأخ دِزِّي حسن من فرنسا.

دِزِّي حسن: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

دزي حسن: حياكم الله.

د. يوسف القرضاوي: حياكم الله.

ماهر عبد الله: أهلاً بيك.

دزي حسن: يا.. من فضلكم أريد أن أسأل الشيخ القرضاوي على فتوى.. على فتوى بشراء المنازل بما يسمى بالقروض البنكية؟

د. يوسف القرضاوي: لا.. هذا ليس موضوعنا.

ماهر عبد الله: والله.. والله يا سيدي أنت سمعت احتجاج الشيخ، للأسف الشديد يا أخ دزي يعني خلينا في.. في موضوعنا عن الفتوى والابتلاء. الأخ...

د. يوسف القرضاوي: أنا فيه الأخ اللي سأل يعني إنه أليس أولى بالمؤمنين.....؟

ماهر عبد الله: ترك الخلاف.. الخلافات.. ترك الخلاف، هل الخلافات التي نعاني منها...

د. يوسف القرضاوي: آه، يعني إذا.. إذا جاز الخلاف في أوقات العافية وأوقات السراء وأوقات النعم فلا يجوز الخلاف في أوقات الشدائد، المفروض الشدائد هي تجمع الناس ولا تفرقهم، يعني كما قال شوقي في قصيدته:

فإن يك الجنس يا ابن الطلح فرقنا

إن المصائب يجمعن المصابين

الناس ممكن تفترق في حالات العافية، ولكن البلاء يجمع الناس، وكما يقول جمال الدين الأفغاني: "بالضغط والتضييق تلتحم الأجزاء المبعثرة" أما يكون فيه أشياء مبعثرة وتضغطها بتجمعها على.. على بعضها تلتحم، فإذا.. إذا ضُغط على الناس لابد أن يتلاحموا، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) يعني ساعة المعركة تنسى الخلافات الجزئية والمعارك الجانبية، ويقف الجميع في جبهة متراصة، وفي صفٍ واحد كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.

ماهر عبد الله: طيب يعني عطفاً على هذا، الأخ فادي -مهندس من العراق- يسأل: هل نحن في مستوى أن نَدَّعي الابتلاء الذي يرفع المنزلة، أم نحن عالة وعجزة لا يلقي الله لهم بالاً؟

د. يوسف القرضاوي: والله لأ.. التعميم في هذا يعني ليس يعني سليماً، يعني إن فيه بعض الأشياء إحنا طبعاً ملومون ومقصرون، ويعني.. وفي بعض الأشياء إحنا مظلومون ومعتدى علينا، اعتدى علينا الطغاة والمتجبرون، الذين قالوا.. يعني استكبروا في الأرض بغير حق، وقالوا من أشد منا قوة؟ فنحن مبتلون، ونحن مبتلون أيضاً فيما بيننا يبتلون.. مبتلون بكثير من الأوضاع الفاسدة وكثير من الحكام الممالئين، وكثير من الاستخزاء ومن الانحناء، هذه كلها ابتلاءات، يعني بعضها من عند أنفسكم كما قال القرآن، وبعضها مصبوبة علينا من الظالمين.

ماهر عبد الله: هذا سؤال السيد على الهضيبي -سياسي من بوتان، لا أدري أين بوتان- يعني يسأل ما هو الفرق بين الابتلاء والعقاب في هذه الحالة؟ يعني كيف.. ما يجري لنا.. نتفق على أن ما يجري لنا سيئ، هل هو جزء من الامتحان الذي قد نخرج منه بحال؟

د.يوسف القرضاوي: إحنا قلنا الابتلاء قد يكون عقوبة، يعني ما.. يعني حتى المسلمون في غزوة أحد إن ربنا قال لهم (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) وهذا يعني قلناه إنه إحنا ينبغي إن إحنا ننظر فيما أصابنا، لماذا أصابنا ما أصابنا؟ لابد أن نقف مع أنفسنا، لسنا ملائكة ولسنا أنبياء معصومين، لازم نشوف هذا، أيه.. أيه ما الذي حدث للأمة؟ بعضنا يقول هذا من تخطيط أعدائنا لنا، ولكن هذا ليس عذراً لنا، إلى متى يظل أعداؤنا يخططون لنا ولا نخطط نحن لأنفسنا؟ نظل ضحايا تخطيط الآخرين، خطة جهنمية ومخطط جهنمي من الصليبية ومن الصهيونية ومن.. طيب يا أخي، إلى متى نحن لا نخطط لأنفسنا؟ يعني فهذا كله يعني ابتلاء، ولكن ربما يكون الابتلاء هذا من.. من عند أنفسنا، ولابد أن نراجع أنفسنا، ونحاول أن نغير ما بها ليغير الله ما بنا، لأن سنة الله إنه لا يغير ما بالمجتمعات حتى يغير الناس ما بأنفسهم.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من فاتن من السعودية.

فاتن: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

فاتن: إزيك يا شيخ.

د.يوسف القرضاوي: الله يحفظك يا أخت.

فاتن: أنا بأحبك قوي في الله يا شيخ، والله العظيم أنا بأدعي لك كل يوم لما أقوم الليل، أنا بأدعي لك.

د.يوسف القرضاوي: جزاكِ الله خيراً، ربنا يجعلنا أهلاً..

فاتن: بأحبك جداً في الله وأمنية حياتي إني أشوفك كده، وأقبل رأسك بصراحة يعني.

د.يوسف القرضاوي: ربنا يجعلنا أهلاً لهذا الحب، اللهم آمين.

فاتن: الله يخليك يا شيخ.. يا شيخ، أنا نفسي أشوفك أمنية حياتي، أنا مقيمة في الرياض، وبأسافر مصر في الصيف، فمش عارفة يعني ممكن أشوفك إزاي؟

د.يوسف القرضاوي: أنتِ شيفاني أهو.

فاتن: نعم؟

د.يوسف القرضاوي: أنتِ شيفاني أهو في التليفزيون.

فاتن: لأ، نفسي أشوفك، وأكلمك مباشرة يعني.

د.يوسف القرضاوي: إن شاء الله، ربنا ييِّسر هذا إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب أخت فاتن، عندك سؤال للشيخ؟

فاتن: لأ، أنا بس كنت أحب أسلم عليه، وكنت بأحاول أتصل به من زمان، وما عرفتش أكلمه، ولكن بأرجو إن آخذ رقم له خاص عشان أبغى أكلمه، الله يخليك.

ماهر عبد الله: صعب نعطي تليفونه على الهواء، يعني مشكورة جداً، ممكن تتركي رقمك مع الإخوة، وممكن هم بعدين الشيخ يفكر إذا وقته سمحه لكِ.

نسمع من الأخ عبد الباسط أبو كامل، من الإمارات، أخ عبد الباسط، اتفضل.

عبد الباسط أبو كامل: السلام عليكم أخ ماهر تحياتي لك ولضيفك الكريم.

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

د.يوسف القرضاوي: أهلاً وسهلاً.

عبد الباسط أبو كامل: فضيلة الشيخ، جزاه الله خير تحدث عن الابتلاء، وخاصة بالأفراد والجماعات والدول، فكيف نواجه الابتلاء؟ هل بالصبر أم بالدعاء والتضرع، أم بتخفيف وسائل الابتلاء، أم كلها مجتمعة؟

سؤالي الآخر في الابتلاء: مما ابتُليت به الأمة المصارف الربوية، كيف نواجهها، وخاصة فتوى شيخ الأزهر الأخيرة التي أظن أن الشيخ فضيلته لا يمر عليها مرور الكرام في جواز التعامل بالبنوك الربوية، وكم أتمنى -كما يتمنى كثير من المشاهدين- أن تخصصوا حلقة خاصة لهذا النوع من التعامل، وخاصة أن فضيلة الشيخ هو يشترك في كثير من.. استشاري لكثير من البنوك الإسلامية؟ وجزاكم الله خيراً.

المؤمن وكيفية مواجهة الابتلاء

ماهر عبد الله: طيب مشكور جداً يا سيدي، أنا أعتقد موضوع البنوك الربوية مش.. لا نتحدث عنه سواء هو ابتلاء أو غير ذلك، لكن كيف نواجه الابتلاء؟ يعني عوداً على موضوع الصبر، يبدو إنه مازال موضوع الصبر بحاجة إلى..

د.يوسف القرضاوي: هو المؤمن من شأنه أن يواجه الابتلاء بعزيمة يعني قوية وبنفس طيبة، لا يهزمه الابتلاء، ولا يهدمه، يعني فيه بعض الناس ينهار، وأكثر المجتمعات انهياراً أمام الابتلاءات المجتمعات الملحدة أو التي انتشرت فيها الإباحية، وفقدت جدار الإيمان حتى تستند إليه، كانت يعني في الأربعينيات كتب الأستاذ إحسان عبد القدوس في مجلة "روزاليوسف" مقالين كده تحت عنوان: "أهل الجنة ليسوا سعداء"، وأهل الجنة هو يمكن راح السويد، ووجد هناك يعني مستوى المعيشِّة في غاية الارتفاع والضمانات الاجتماعية في كل الحالات وأشياء لا تخطر ببال، وبعدين وجد إنه أكثر البلاد يعني نسبة الانتحار فيها هي هذه البلاد، ومشى وبحث وراءها إن واحد عشان خسر في كذا أو سقط في كذا، أو واحد أحب واحدة وتركته، أو عمل أي.. لأدنى شيء يطلع من فوق عمارة ويرمي نفسه، أو يضرب نفسه بالرصاص، أو يشرب السم، أو يعمل كذا، فقال إن هؤلاء الناس رغم ارتفاع مستوى المعيشة ليسوا سعداء.

ولذلك المؤمن كيف يواجه المحن والابتلاء؟ يفلسف هذه المحنة، سيدنا عمر ضرب لنا يعني قال في كلمة تفلسف موقف المؤمن إذا أصابه بلاء، يقول: "ما أُصبت ببلاء إلا وجدت لله عليَّ فيه أربع نعم، الأول: أنه لم يكن في ديني، أو الأولى أنها لم يكن.. أنه لم يكن في ديني، والثانية أنه لم يكن أكبر منه، والثالثة أني لم أُحرم الرضا به، والرابعة: أنني أرجو ثواب الله عليه".

شوف فلسف المصيبة، وجعلها نعمة، يعني أصبحت المحنة منحة، وربَّ ضارة نافعة، هو بيقول لك: أنا بأشوف إن فيه أربع نعم، أصبح يعني مش.. مش يعني يقابله بالصبر، لأ يقابله بالشكر، لأن مادام نعمة تستحق الشكر، منين رأي النعم؟ قال لك: أولاً: أنه لم يكن في ديني، وكل مصائب الدنيا تهون في جوار مصائب الدين، من.. مما علمه لنا الرسول أن نقول: "اللهمَّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا". سيدنا يوسف خُيِّر بين محنتين، محنة في دنياه ومحنة في دينه، محنة في دينه أن يزني ويكون من الفاسقين، ومحنة في دنياه أن يُسجن ويكون من الصاغرين، وهُدِّد بهذا، فاختار محنة الدنيا وقال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فقال أول نعمة أن هذا البلاء لم يكن في ديني.

والثانية: أنه لم يكن أكبر منه، لأن كل بلاء فيه بلاء أكبر منه، يقول الناس يقول لك: بعض الشر أهون من بعضه، أو يقولوا: قضا أخف من قضا، من رأى بلوة غيره هانت عليه أيه بلوته، ففيه مصائب الدنيا كبيرة جداً وكثيرة، فكون ربنا اختار لك هذا دون ما هو أكبر منه، احمد ربنا يعني سيدنا عروة بن الزبير، وكان من فقهاء التابعين ومحدثيهم وزهادهم أُصيب ببليتين في يوم واحد، الأطباء قرروا إنهم يقطعوا يعني رجله، أصابتها أُكلَة كما يقولون، فقرروا أن يقطعوها، وفي اليوم نفسه أُصيب أحد أولاده السبعة، فنظر كده، وقال: الحمد لله كانوا سبعة، أخذت واحداً وأبقى لي.. وأبقيت لي ستة، وعندي أربعة أطراف يدين ورجلين، أخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، اللهم إن كنت أخذت، فقد أعطيت، وإن كنت ابتليت فقد عافيت، انظر إلى هذه، فأنه لم يكن أكبر منه.

والثالث: يقول يعني لم أحرم الرضا به، يعني فيه بعض الناس تسخط على القدر والقضاء وتسخط على الأرض والسماء، وتسخط على الخلق والخالق، ويخرج عن طوره. لأ، المؤمن يعني ينظر إلى هذا إن دا قضاء الله الذي لا راد له، أنه ما أصابه لم يكن يخطأه، وما أخطأه لم يكن يصيبه، إيمانه بالقدر أيضاً يهون عليه هذه، ما أصابك.. (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) فالرضا بالقضاء يعني يهِّون عليه.

الأمر الرابع أنه يرجو ثواب الله عليه، لأنه كل ما يصيب الإنسان يأخذ عليه ثواباً، إذا احتسبه عند الله كان ذلك في ميزانه، ولذلك كان أجر الصابرين من أعظم الأجور، القرآن يقول: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) فواحد مرة يعني سأل أحد إخواننا الأستاذ عبد العزيز كامل -الله يرحمه- يعني لما كنا في المعتقل، واحد بيقول له يعني.. يعني أصبر إلى.. إلى.. إلى أي حد أصبر؟ قال له: هو أجر الصبر قد أيه؟ قال له: لأ، مالوش حد (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم) قال له: مادام أجر بغير حساب، يبقى صبر بغير حساب، افتح اعتماد مفتوح كده للصبر مالوش نهاية، فالصابرون لهم أجر عظيم عند الله، وأرجو ثواب الله عليه، أحد الصالحين أصابه عظم.. عظمة دخلت في رجله.. دخلت باطن رجله وخرجت من..، فابتسم وقال: الحمد لله، وقالوا: فيك كل هذا الوجع وتبتسم؟! فقال لهم: إن حلاوة ثوابي أنستني مرارة وجعي.

فهذا هو موقف الإنسان المؤمن إذا أصابه البلاء، ويستعين على ذلك طبعاً بالدعاء إلى الله -سبحانه وتعالى- أن يكشف عنه الغمة، ويفرج عنه الكربة، وخاصة الإنسان في.. بيكون في حالة اضطرار، والله تعالى يقول: (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) الإنسان عندما ينزل به البلاء، الناس ثلاثة أنواع في حالة نزول الشدائد: فيه نوع تَعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، قبل ما ينزل به البلاء، يعرف الله في أيام الرخاء.

وفيه واحد صنف ثاني لا يعرف الله في الرخاء، وإنما يعرفه في الأيه في الشدة، زي ما بيقول لك ده.. زي المراكبي ما يعرفش ربنا إلا ساعة الغرق، والقرآن حدثنا عن هؤلاء حتى المشركين، يعني (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ). شوف القرآن يقول عن المشركين (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) لأن في ساعة الشدة بينسى الإنسان الأصنام والأشياء، يقول: يا رب، فبيكون مخلص فبيستجاب له، صحيح بعدما بيرجع (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ) هذا صنف.

وفيه صنف ثالث تنزل به الشدائد، ولا يعرف الله، وده شر الأصناف (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) ويقول القرآن: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) المفروض إن الشدائد تيجي على الناس تمد يدها إلى الله، وتضرع إلى الله، وتنكسر إلى الله -سبحانه- وتعرف أن الله حق، تعتصم بحبل الله، وتضع يدها في يد الله، الشدائد المفروض الناس اللي ما بتعتبرش بالشدائد، هؤلاء مثل هؤلاء (فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) الاستدراج بقى هنا، يعني (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) لما غرقوا في الترف، وغرقوا في النعيم، ونسوا الله، ونسوا الحقائق، ونسوا الأصول: (أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) يعني والحمد لله رب العالمين، يعني ربوبية الله في قطع دابر الظَلَمَة هذا دليل على إن فيه كون، فيه رب لهذا الكون يدبر أمره ويرعاه، ويقطع دابر الظَلَمة، حتى لا يفسدوا الأرض.

فالشاهد إنه يعني إنه علينا نحن المسلمين أن نعتبر بالشدائد والمحن التي تنزل بنا، ونصطلح مع الله -عز.. عز وجل- ونتضرع إليه، ونصطلح مع أنفسا وبعضنا مع بعض، فهذا هو أهم درس نتعلمه من هذه الشدائد والمحن.

ماهر عبد الله: طيب نسمع آخر مكالمتين، رغم إن حشدنا الوقت، نعتذر لكم بداية، الأخت فاتن من البحرين، أولاً، أرجو الاختصار أخت فاتن، اتفضلي.

فاتن: بعد سلامي حبيت أسأل الشيخ إلى متى إحنا نقعد نلوم الكفار؟ المشكلة في مشكلتنا إحنا بالأمة الإسلامية، يعني بعد الخلفاء الراشدين اللي تشوفون التاريخ كل الحكام وأولياء الأمور معاملتهم مع الشعوب الإسلامية مش معاملة عدلة، يعني ما عندنا.. يعني يعرفون إن شنو الشريعة الدين ولا الإسلام والعدل، يعني الحين تشوفون الدول الكبرى الإسلامية من إيران إلى أصغر الدول اللي في الخليج، هاي مشكلتنا إحنا بين الحكام والشعوب.

ماهر عبد الله: طيب أخت فاتن يعني نقطة مختصرة وجميلة.. نسمع من الأخ نور الدين، وأرجو أن يكون مختصراً أخ نور الدين، لم يبقَ معايا وقت. من السعودية، اتفضل.

نور الدين عبد الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام.

نور الدين عبد الله: أولاً: كلامي طويل، فأرجو أن يكون وقتكم يتسع لهذا.

ماهر عبد الله: لأ، هو البرنامج سيتنهي بعد دقيقتين يا سيدي.

نور الدين عبد الله: على كل حال أولاً: أنا أريد أن يتسع صدوركم لكلامي.

ماهر عبد الله: اتفضل.

نور الدين عبد الله: وخصوصاً الشيخ القرضاوي، فأنا لست أوافقه في كثير مما يطرح، إن أعظم مصيبة يا شيخ والكلام للشيخ، ولك يا أخ ماهر بارك الله فيكم، أعظم مصيبة أُصيبت بها الأمة الدعوة إلى توحيدها على أي سبيل كانت، وعلى أي عقيدة كانت، فبالله.. فبالله كيف يمكن أن ينزل جبريل مثلما نزل على محمد في أحد وفي بدر لينصرنا، وإذا جاء اليهود ليغزوننا كان الذي عن يميني يقول: يا علي.. يا عباس، وكان الذي على يساري يقول: يا بدوي.. يا جيلاني، وأنا لوحدي الذي أقول: يا الله، هل يا شيخ يا قرضاوي -بارك الله فيك وهدانا الله وإياك- هل يمكن يا شيخ أن ينزل النصر من السماء على مشركين إن الدعوة التي يدعو.. العلماء لها؟

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ نور الدين يعني نقطتك.. نقطتك واضحة، مشكور جداً عليها، رغم أنها يعني شوية خارجة عن الموضوع، أنا أرجو يتحملني في أنه هنتحاشى هذا السؤال.

نعود للأخ كان سأل من بداية الحلقة، عندك دقيقة ونختم بها، قد تكون خاتمة لطيفة يعني على الأقل تكون فيها شيء من.. من الأمل والانفتاح، يسأل بدون الأخ نور محمد، هل الابتلاء في الدنيا يخفف العذاب في الآخرة؟

د.يوسف القرضاوي: يقيناً قطعاً إحنا قلنا إنه الحديث الذي رواه البخاري وغيره "إن ما من مسلم يصيبه هم ولا غم ولا نصب ولا وصب ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه" ولما نزل قول الله تعالى يعني (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) بكى سيدنا أبو بكر، وقال: كل ما عملنا من سوء هـ..؟ فقال له: ألست تحزن، ألست تمرض، ألست كذا؟ أليس يصيبك كذا؟ كل هذا يعني يخفف من ما يعاقب به الإنسان، فمصائب الدنيا، وكل ما يصيب الإنسان في الدنيا حتى الشوكة يشاكها تُكفِّر من سيئاته، فهذه له عند الله عز وجل، والإنسان الذي لا يصاب في الدنيا بشيء، يعني كأن ربنا بيدخر له كل العذاب في الآخرة، فهذه كلها مخففات من غير شك.

ماهر عبد الله: طيب سيدي، شكر الله لك، وشكراً لكم أنتم أيضاً على مشاركتكم معنا، ونعتذر لكل الإخوة الذين لم نستطع أن نستقبل هواتفهم أو مشاركاتهم، إلى أن نلقاكم في الحلقة القادمة تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله -تعالى- وبركاته.