مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: داعية إسلامي كبير

تاريخ الحلقة:

16/2/2003

- دلالات ورسائل المظاهرات في الغرب لصالح العراق.
- موقع الحرية من الحتميات الإسلامية المعاصرة.

- حكم من قُتل من المسلمين في مواجهة أميركا خلال الحرب المزمعة.

- فقه آليات وقوف الأمة في وجه الهجمة الأميركية.

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

بداية نعتذر عن تغيير في اللحظة الأخيرة لموضوع الحلقة خصوصاً للإخوة الذين سيشاركون معنا عبر الإنترنت، كان يفترض أن نتحدث عن جو ليس بعيداً عن هذا، عن جو غزوة الأحزاب، على اعتبار أن المسلمين بزعامة رسولهم -صلى الله عليه وسلم- كانوا محاصرين حصاراً ليس بعيداً عما نعانيه اليوم من حصار، وتلقوا طعنات في ظهورهم كما تتلقى الأمة اليوم من أناس يفترض إما أن يكونوا حلفاء أو أصدقاء وفي بعض الأحيان أشقاء، ولكن لأن الأحداث فرضت نفسها لن نبتعد كثيراً عن الموضوع سنركز حديثنا على موضوع طالما تحدثنا عنه وأعتقد أنه لن نمل الحديث عنه، لأنه يفرض نفسه علينا في ليلنا وفي نهارنا وفي صباحاتنا ومساءاتنا.

موضوعنا سيكون ردة الفعل الإسلامية على ما يجري اليوم لا سيما عندما تقارن بردة فعل غيرنا من الذين يفترض أن.. أو البعض يسميهم صليبيين في بعض الأحيان، البعض يسميهم أو يصر على تسميتهم بأعداء هذه الأمة، بعض أعداء هذه الأمة الحقيقة يقفون مع بعض ما تريده هذه الأمة أكثر من بعض المحسوبين على هذه الأمة.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي كالعادة علامة هذه الأمة الدكتور يوسف القرضاوي سيدي أهلاً وسهلاً بك مجدداً في..

د. يوسف القرضاوي: أهلاً بك يا أخ ماهر حفظك الله.

ماهر عبد الله: سيدي، يعني الأسبوع الماضي اضطررنا للاعتذار، لأنه بعض الإخوة ضغطوا بعنف أنه يريدون أن لا نتحدث إلا عن موضوع العراق، موضوع الأزمة التي تعانيها الأمة، وكان تبريرنا في ذلك الوقت أننا لا نتعرض لأية ضغوط وإنما هناك قضايا كثيرة للأمة -هذه في غيابك- يعني هناك قضايا كثيرة للأمة يجب أن تسير وأن.. وأن تعالج، لكن يبدو إنه الأحداث يعني فرضت أنفسها.. نفسها علينا وأشرطة أسامة بن لادن، المظاهرات التي جرت الأسبوع الماضي، السؤال الذي يطرح نفسه على ذهن كل مسلم: لماذا تسير هذه الملايين في عواصم الصليبية، في عواصم الكفر في أوروبا، في عواصم المسيحية كما يريد البعض منا أن.. ولا تسير أجزاء بسيطة منها في عالمنا العربي؟ كيف تفسر ظاهرة من هذا النوع؟

دلالات ورسائل المظاهرات في الغرب لصالح العراق

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلَّى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين، وأحيي الإخوة والأخوات في مشارق الأرض ومغاربها بتحية الإسلام تحية من عند الله مباركة طيبة، فالسلام عليهم ورحمة الله وبركاته.

(الصوت يا أخي الصدى في..) وأود أن أعلق على ما حدث في الغرب من هذه المسيرات الكبرى التي لم تشهد المدن الغربية مثيلاً لها، قال لي بعض الإخوة: إنه المظاهرة التي سارت في لندن أكثر من مليوني شخص، ورأى من هؤلاء الشيوخ الكبار الذين يتوكأون على عصيهم على العكاز واحد عمره 80 سنة، 90 سنة والحوامل اللائي يسرن ببطونهم يعني ظاهرة والمرأة التي تحمل طفلين توأمين على كتفها، يعني كل هذا يسيرون احتجاجاً على هذه الحرب العدوانية حتى لا تقع، والإخوة الذين ساروا في مظاهرة روما قالوا: إن المظاهرة كانت حوالي ثلاثة ملايين، وكذلك في مدريد وبرشلونة وغيرها من مدن إسبانيا، يعني بالذات البلاد التي تسير حكوماتها في ركاب السياسة الأميركية، قامت شعوبها هذه القومة تنتفض وتقول: لا للحرب، حوالي خمسة عشر مليوناً ساروا في بلاد أوروبا ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الغرب كله ليس شيئاً واحداً، من الظلم أن نقول الغربيين كلهم صليبيون، الغربيين كلهم أعداء لنا، الغرب.. لأ، يعني لابد أن نصنف الناس، القرآن يقول: (وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) يقول منهم ومنهم، ويقول: (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) يعني يستثني دائماً، فلذلك ليس من مصلحتنا إننا نصنف الغرب في.. كله في خانة الأعداء لنا، هؤلاء الملايين تظاهروا من أجل الحفاظ على أرضنا ومقدساتنا وعلى حرماتنا وعلى أطفالنا وعلى نسائنا وعلى شيوخنا وعلى البنية التحتية لبلد من بلادنا، فهذه الرسالة الأولى التي يجب أن نعقلها من هذه المسيرات.

الرسالة الثانية: أن.. معنى هذا أن الإنسانية لا تزال بخير، لا ينبغي أن نيأس من البشرية، البشرية لا يزال فيها خير كثير في الشرق وفي الغرب، ولا يزال من يقول للباطل، لا، ومن يقول للظلم والجبروت لا، ومن ينادي بإقامة الحق ونصرة الضعيف وإقامة العدل، وهذا يعني من فضل الله على البشرية إنه البشرية لازالت فيها عناصر الخير موجودة وفي كل أمة، وعندنا نجد القرآن حينما يحكي قصص الناس الذين ظلموا يجد دائماً.. نجد فيه عنصر خير يقوم يقول: يعني إخوة يوسف لما أرادوا أن يقتلوه (قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ) في قصة أصحاب الجنة، (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ) دائماً يكون في كل مجتمع عناصر خيرة تحاول أن ترد الشر وتقاومه.

الرسالة الثالثة: أن هذه رسالة للعالم العربي المغيب عن العالم، المغيب عن الأحداث، الدنيا كلها تقوم وتعقد وتصيح وتصرخ، والعالم العربي لا يكاد يُسمَع له صوت. صمت أهل القبور، كأن الأمر لا يعنينا، كأننا لا نعيش في هذا العالم، ما المشكلة؟ أين هذه الشعوب؟ صحيح إنه الشعوب مقهورة ولا تجد فرصة للتعبير، الحكام كاتمين على أنفاس هذه الشعوب، وهذه.. هذه حقيقة، ولذلك أنا أقول إن مشكلتنا الأولى في عالمنا العربي والإسلامي هي مشكلة الحرية قبل أن تكون مشكلة تطبيق الشريعة الإسلامية، مشكلة الحرية لإن لا نستطيع أن نطبق الشريعة وهذه الأجواء وهذه المناخات المسمومة القاتلة الخانقة تفرض علينا نفسها، لابد أن نتنسم أنسام الحرية، أن تفتح الأبواب وتهب النسائم علينا حتى نتنفس كما يتنفس سائر البشر، فهذه الرسالة للأسف تقول لنا: أين العالم العربي؟ وأين الأمة العربية والأمة الإسلامية؟ رأينا بعض مسيرات يعني في دمشق، رأينا بعض المسيرات في إندونيسيا في أقصى أطراف العالم الإسلامي، ولكن كان المفروض أن تعم هذه الصرخات عالمنا العربي والإسلامي كله، هذا الواقع الذي يجب أن يكون، فهذه رسائل توجهها هذه المسيرات لنقف مع هؤلاء معاً ضد الحرب الظالمة العدوانية التي لا نرى لها مبرراً قط من دين أو خلق أو قانون أو ميثاق دولي.

ماهر عبد الله: طيب سيدي، أنا يعني هأسألك استوقفني في كلامك رسالة جزء من.. من كلامك أن الحرية قبل تطبيق الشريعة و.. وأحكامها، لكن نعود لمناقشتها بعد هذا الفاصل، نذكركم قبل الانتقال إلى الفاصل أنه بإمكانكم المشاركة معنا في هذه الحلقة إما عبر الهاتف على الرقم: 4888873.

أو على رقم الفاكس: 4890865.

أو على (الجزيرة نت) على العنوان التالي: www.aljazeera.net

مع مراعاة أن عنوان الحلقة الموجود على الصفحة هو العنوان الذي سنتعامل معه اليوم وإن كان مختلفاً عما نتناقش معه لمسألة فسرناها في بداية هذه الحلقة.

[فاصل إعلاني]

موقع الحرية من الحتميات الإسلامية المعاصرة

ماهر عبد الله: سيدي، يعني استوقفني في.. في حديثك الحديث.. يعني أن تأتي هذه من.. من.. من عالم دين من.. من رجل إسلامي طالما طالب بتطبيق أحكام الشريعة ودفع ثمن كثير وكبير في.. في حياته لتطبيق الشريعة، الآن تقول أن الحرية مقدمة أو يجب أن تقدم على الأقل في هذه المرحلة على تطبيق أحكام الشريعة، أنا أعتقد إن هذه يعني عبارة بحاجة إلى مزيد من.. من الإيضاح.

د. يوسف القرضاوي: لأني أرى أن الحرية هي المناخ الملائم لتطبيق الشريعة الإسلامية ولنشر الدعوة الإسلامية ولإشاعة القيم الإسلامية، من غير حرية لا نجد الفرصة لهذا، أنا أجد دائماً إنما كلما وجدت الحرية في البلاد الإسلامية أو في بلد إسلامي انتعشت الدعوة الإسلامية وقامت الصحوة الإسلامية ووجدت الحركة الإسلامية وهذا ما وجدناه، يعني خد مثلاً مصر في أيام الثورة.. ثورة يوليو أيام عنفوان الثورة وتحكمها وتجبرها لم تكن توجد هناك صحوة إسلامية ولا دعوة إسلامية ولا حركة إسلامية إلا المؤسسات الحكومية، لما جاء السادات وبعد انتكاسة 1967 اضطروا أن يبحبحوا للناس، يعني المهزوم مش ممكن يفرض يعني قهره على الناس يعني يكفيه هزيمته، فكانت هذه الهزيمة من ناحية رحمة بالناس إنها خففت الضغط عليهم، فأطلقوا يعني شيئاً من الحرية للناس و.. فاستفادت من ذلك دعوة الإسلام وحركة الإسلام، وكان ميلاد الصحوة الإسلامية في هذا الجو الحر، وجدت الجماعات الإسلامية في الجامعات، الجامعات المدنية مش في الأزهر ولا.. لأ في الجامعات المدنية: جامعة القاهرة، وجامعة عين شمس، وجامعة الإسكندرية و.. وبدأت.. وهذه الجماعات نشأت نشأة يعني تلقائية غير منتسبة لأي جماعة، وكان.. كانت قوة محركة وهائلة واستطاعت إنها تجمع الشباب والشابات وكان هذه بداية الصحوة حقيقة، ما الذي ولد هذه الصحوة؟ هي مناخ الحرية، لذلك مناخ الحرية هو مناخ العمل الإسلامي والحركة، مناخ القهر والاستبداد والديكتاتورية هو الذي به تُوأد، ما الذي وأد الحركة الإسلامية والدعوة الإسلامية في تركيا؟ الذي وأد هذا هو الديكتاتورية العلمانية الأتاتوركية القاهرة المستبدة التي لا تسمح لأحد أن يتنفس ولا لسان.. لسان أن ينطق ولا لأحد أن يتحرك أو يلتقي مع غيره، كان في.. من.. من نتاج هذا الجو إنه فرضت العلمانية على الناس والشعب يقاوم ولكن لا يستطيع، فالآن لما سمح بشيء من الحرية في جو العلمانية التركية كانت نتيجة إنه ظهر مثل (أربكان) وظهر حزب الرفاه، وظهر حزب الفضيلة، وظهر حزب العدالة الآن الذي أخذ الأغلبية، كل هذا نتاج الحرية، ولذلك أنا أقول: نحن لا نخاف من جو الحرية، بالعكس نرى إن جو الحرية في صالحنا، لأنه إذا نظرنا إلى موقف شعوبنا نظرة فاحصة ودقيقة ولا تكتفي بالظواهر وإنما.. ولم تقف عند السطوح وإنما تغوص في الأعماق نجد أن شعوبنا شعوب إسلامية وفطرتها مع الإسلام وهويتها هوية إسلامية ولا.. لا.. ومهما ظهر من معاصي أو انحرافات، فهذه على السطح إنما إذا حككت هذا الصدأ تجد المعدن الأصلي وهو الإسلام، ولذلك فالحرية لصالح الإسلام، والديكتاتورية ضد الإسلام.

ماهر عبد الله: فيه مفارقة في الشعار الأميركي المرفوع في هذه الحرب تحديداً، هناك الكثير من الكلام عند صناع القرار الأميركان أن هذه ليست فقط حرباً على العراق وإنما هي ستكون بداية إصلاح باتجاه الحرية والديمقراطية في العالم العربي، المفارقة إنه حتى في العالم الغربي وقد أشرتم إلى بريطانيا تحديداً على اعتبار أن رئيس وزرائها من أكبر الداعمين لهذه الحرب، وكل استطلاعات الرأي تقول بوضوح: أن أقل رقم يعارض الحرب هو 70% من الشعب البريطاني.

د. يوسف القرضاوي: حتى من حزب العمال أنفسهم..

ماهر عبد الله: حتى من داخل الحزب..

د. يوسف القرضاوي: نواب من حزب العمال يقفون ضد حكومتهم.

ماهر عبد الله: طيب كيف تفسر هذه المفارقة إن أميركا تدوس على رغبات هذه الشعوب الأوروبية حتى تلك التي تؤيدها في.. في حربها، ثم تزعم من ناحية أخرى أنها تريد الحرية للعالم العربي من وراء هذا الحرب لتكون هذه بداية حركة إصلاح وفي نفس الوقت تختار لإنجاح مساعيها التعامل مع من لا يؤمنون بالحرية من حكام في العالم العربي؟

د. يوسف القرضاوي: أنا أظن أن دعوى أميركا لمناصرة الحرية دعوة مشبوهة ودعوة غير صحيحة، بالعكس أميركا تساند كل المستبدين، ربما تساند أميركا الديمقراطية خارج العالم الإسلامي، أما داخل العالم الإسلامي فهي تساند الديكتاتوريات المختلفة، الجزائر قامت فيها ديمقراطية، وانتهت الديمقراطية باختيار الإسلاميين بأغلبية مرموقة ساحقة معروفة، وبعد أن قامت ضد هذا حكومة غير إسلامية، حكومة الجبهة.. جبهة التحرير الوطني وانتهت إلى فوز الإسلاميين، ومع هذا لم يسمح لهؤلاء الإسلاميين أن يصلوا إلى الحكم، وسحقوا وفرضت الجنرالات عليهم أن يدخلوا السجون، وأن يقاوموا وأن.. و.. وانتهى الأمر إلى ما..ما.. ما نراه في الجزائر إلى الآن، مذابح مستمرة، وحالة غير مستقرة، و.. وهذا.. أين الحرية؟ طيب في.. في أفغانستان هل حكومة أفغانستان الآن تمثل الشعب الأفغاني؟ بالعكس كانت حكومة طالبان تمثل الشعب الأفغاني، لأن الشعب هو الذي سلم سلاحه إلى هؤلاء الطلاب طالبان يعني طلاب العلوم الشرعية من المعاهد والمدارس والكليات المختلفة، سلموا لهم سلاحهم حينما وجدوا أنهم مخلصون، وأقاموا فعلاً الأمن، وحاولوا أن يطبقوا الشريعة على فهمهم هم، ومع هذا هؤلاء ضربوا وقُوِموا وفرضت عليهم حكومة موالية للأميركان، ما.. ما قيمة كرزاي هذا؟ وأي تاريخ له في الشعب الأفغاني حتى يفرض عليهم حاكماً؟ ماذا قدَّم للجهاد أو قبل الجهاد في عصر السلم أو في عصر الحرب؟ يعني ونرى في كثير من البلاد الأميركان يعني يساندون الحكام المستبدين الذين يحصلون على 99.99% التسعات الأربع المعروفة.. وهل هم يحاربون العراق لأن صدام حسين مستبد أو ديكتاتور؟ لماذا إذن ساندوه في حربه ضد إيران؟ ولماذا ساندوه وأعطوه الأسلحة الكيماوية التي ضرب بها إيران في بعض الأحيان، وضرب بها الأكراد وحلابشة في بعض الأحيان، ولم ينطقوا بحرف، حرف اعتراض على.. على هذه، ليس المقصود إذن هو صدام حسين، فكلام أميركا.. معروف أن أميركا تريد من وراء هذه الحرب الاستيلاء على نفط العراق كما استولت على نفط بحر قزوين، والتفرد بالمنطقة، والتحكم في العالم.. أميركا تريد أن تتألَّه في الأرض، استكبار في الأرض بغير الحق.

[موجز الأخبار]

حكم من قُتل من المسلمين في مواجهة أميركا خلال الحرب المزمعة

ماهر عبد الله: بداية سيدي، قبل السؤال عن موضوع تألُّه أميركا و.. واستكبارها الأخ حسن عبد الله من النمسا عينة على.. يعني كيف يشعر العربي هذه الأيام، يقول: في الوقت الذي يتحدث فيه العلامة القرضاوي عن واقع الاستبداد والديكتاتورية، والتي أدت إلى قهر الشعوب العربية الإسلامية تواصل.. القنوات الفضائية العربية عملية تخدير الشعوب -كعادتها- في أوقات بثها للرقص والغناء والبرامج التافهة والضعيفة، ثم يقول: على بوش أن يتحرر من سيطرة اليهود في دولته قبل تحرير العراق، عليه تحرير فلسطين أولاً ليكون لكلامه مصداقية لدى الشعوب العربية والإسلامية عندما يتحدث عن تحرير العراق. الحكام العرب يصمتون للحصول على الحظوة لدى أميركا، أما الشعوب فلها الرصاص والسجون.

تأليه أميركا هل له علاقة بما صرحت به لـ"الواشنطن بوست" قبل يومين أو.. أو ثلاثة في مقابلة عن أن ما تقوم به أميركا هو احتلال لمنطقة الخليج، وبالتالي فإن أي مسلم يقاتل للدفاع عن أرضه أمام هذا الاحتلال ومن أجل دحره فهو شهيد؟

د. يوسف القرضاوي: أنا.. بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً: أحب أن أستكمل الجواب عن السؤال إن أميركا تحب أن تغرس الحرية في البلاد العربية وتدعو إليها، ولكن أنا أرى عكس ذلك فقد صرح (كولن باول) وزير الخارجية الأميركي في الكونجرس بأنه بعد الانتصار على العراق -قال بصريح العبارة- سنعيد ترتيب المنطقة ترتيباً جذرياً، وسنرسم خريطتها من جديد، ونبنيها على أسس جديدة، معنى هذا إنه لن يترك الحرية للمنطقة، ولكن هو الذي سيتحكم في المنطقة، يعني هيعيد بناءها من.. من جديد، ويغيَّرها تغيير جذري، ما معنى هذا؟ معناه تغيير هوية المنطقة، الهوية الإسلامية معناها أنه سيغيِّر المناهج، كما طلبوا من أكثر من بلد عربي وأكثر من بلد إسلامي تغيير مناهج التعليم، خصوصاً في المدارس الدينية والكليات الدينية، وبرامج التربية الإسلامية والعلوم الشرعية في المدارس المدنية، سيعيد تغيير العقلية، ينشئ عقلية جديدة، يعني هذه العقلية تتخلى عن مسلماتها الدينية القديمة، وترضى بالمسلَّمات الأميركية، يعني يريدون أمركة العقل العربي والإسلامي بتغيير التعليم وتغيير الثقافة، وتغيير الإعلام، بحيث يسير كل هذا في ركاب أميركا، هو قال: سنفعل هذا لمصلحة أميركا، فهل الذي يفعل هذا ينشر الحرية؟!

هو هذا ماشي في نفس الخط الذي قلته هو الاستكبار في الأرض بغير الحق، أميركا تقوم مقام ما ذكره القرآن لنا عن قوم عاد قديماً حينما قال (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) ولكن عاد ما كانت تملك يعني لا أسلحة نووية، ولا أسلحة متطورة ولا طائرات الشبح ولا كذا ولا كذا، ما كانت تملك هذا، كان اللي تملكه يعني أشياء يعني بسيطة في حدود قبيلة يعني.

أما أميركا فتريد أن تتأله في الأرض.. كل الأرض، الاستكبار، هذا يعني الصحفي اللي أنت ذكرته من "واشنطن بوست" ده وسألني كان من ضمن سؤاله بيقول لي يعني: هل المشكلة إن أميركا قوية جداً، أو إن العرب ضعفاء جداً؟ فقلت له: المشكلة ليس في هذا ولا ذاك، المشكلة هي أن الطغيان الأميركي، قد يكون الإنسان قوياً ولا يكون طاغية، إنما، المشكلة هو الطغيان، الطغيان هو الذي يعني يرى إنه مستغني عن الناس ومستغني عن الله، ومستغني.. وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) الطغيان أساس يعني التجبر الفرعوني، القرآن ذكر عن فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ) ما سر هذا؟ سر هذا إنه كان فرعون طاغية، حتى حينما أرسل الله موسى قال له (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) فالطغيان هو أساس هذا (الفساد)، ربنا وصف الأمم التي كذَّبت الرسل وعصت الله عز وجل، ونشرت الفساد، قال (الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ) فهذا هو الطغيان والتأله في الأرض، أميركا تريد أن لا تُسأل عما تفعل، يعني تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، ولا يستطيع أحد أن يقول لها لِمَ، فضلاً عن أن يقول لها لا، هذا هو التأله، ونحن المسلمين نرفض أي تألُّه، نرفض الشرك بالله، لا نعبد إلا الله وحده، فالمفروض أن نقول لأميركا: نحن رضينا بالله رباً، فلا نريد.. نرضى أن نعبد إلهاً غير الله عز وجل، وكم نود لحكومنا.. لحكوماتنا أن تقف هذا الموقف. أنا أعتقد إن حكوماتنا العربية والإسلامية لو وقفت موقف الرجولة وقالت لا، كما قال سيدنا عمر: يعجبني من الرجل إذا سيم الخسف أن يقول بملء فيه لا، لو قالوا: لا، وقفوا وقفة الرجال وقالوا لا والله لا تستطيع أميركا بأساطيلها وبدباباتها وبطائراتها وبحاملات الطائرات وبأسلحتها النووية لا تستطيع أن ترغم الجميع، وأن تجبرهم على ما تريد..

ماهر عبد الله: بس.. بس إذا سمحت لي بالمقاطعة..

د. يوسف القرضاوي: الاستخزاء هو المشكلة.

ماهر عبد الله: بس الحاصل هو عكس هذا تماماً، يعني نسب إلى الرئيس الليبي معمر القذافي منذ أيام قليلة تعليقاً على تفكيره بعدم المشاركة في القمة العربية القادمة، يقول: أننا نواجه ضغوط لنضغط بدورنا على كل من ألمانيا وفرنسا للتراجع عن مواقفها المتعندة المتعنتة..

د. يوسف القرضاوي: إحنا نضغط على.. على ألمانيا وفرنسا و.. وروسيا؟!

ماهر عبد الله: هذا.. هذا ما نسب إلى الرئيس الليبي قوله أن الزعماء العرب يواجهون ضغوطاً أميركية ليقوموا بدورهم بالضغط على الألمان والفرنسيس لعدم الوقوف في وجه أميركا، يعني هذا عكس ما تنادي به تماماً.

د. يوسف القرضاوي: والله هذا هو الهوان والله، هذا هو الذل، ما هو يعني الإنسان إذا تنازل شبراً طولب بأن يتنازل ذراعاً، وإذا تنازل ذراعاً طولب بأن يتنازل باعاً، والتنازل سلسلة لا تنتهي، يعني فيه مثل مصري، يقول لك: ساب لك المال حاسبه على التقاوي، يعني كل.. كلما يعني تنازلت عن شيء تطلب بأكثر منه، و.. وهكذا، فنحن المفروض أن نقول قبل أن يقول الغربيون، وقبل أن يقول الإنجليز، وقبل أن يقول الإيطاليون، وقبل أن يقول الإسبان، وقبل أن يقول الفرنسيون، وقبل أن تقول.. يقول البلجيكيون، ويقول.. تقول هذه الشعوب، نحن قبلهم المفروض نقول لا، نحن حرامٌ علينا أن نحارب إخواننا، الإسلام يفرض على المسلمين إذا أصيب أحدهم أن يعني يتحركوا لنجدته، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله" ما معنى لا يسلمه؟ يعني لا يتخلى عنه ويسلمه لأعدائه، المفروض أن يكون معه في السراء و.. والضراء، هذا مقتضى الأُخوَّة الإسلامية، ما معنى (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)؟ ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم"؟ ما معنى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)؟ ما معنى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)؟ ما معنى (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)؟ القرآن يقول: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) يعني.. (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ) إذا كان الظالمون والكافرون والطغاة ينصر بعضهم بعضاً ويوالي بعضهم بعضاً، فعلى أهل الإيمان أن يوالي بعضهم بعضاً، وكان.. أنا كما قلت نحن يجب أن نقف ضد أي حرب عدوانية على أي شعبٍ من الشعوب، القرآن يفرض الدعوة لإنقاذ.. الجهاد.. لإنقاذ المستضعفين (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِياًّ وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً) نقاتل في سبيل الله والمستضعفين.. من أجل المستضعفين كما تقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، تقاتل من أجل تحرير المستضعفين وإنقاذ المستضعفين من الشيوخ والنساء والرجال الضعفاء والأطفال، هذا هو واجب المسلمين، فكيف بلد يعني يعتدى عليه دون مبرر؟ يعني هل.. هل صحيح إنه من أجل أسلحة الدمار الشامل تقاتل العراق؟! طيب ما هو أنتوا بعتوا المفتشين و.. وقعدوا سنين، و.. و.. ودمروا ما دمروا وعملوا كذا، وحتى الآن لم يظهر لهم أي شيء يملكه العراق، كل ما تقوله أميركا تقول: على العراق أن يثبت أنه خالي من أسلحة الدمار، وهذا عجبٌ من العجب، يعني كل قوانين الدنيا، الشرائع السماوية والقوانين الوضعية وكل أنظمة الأرض تقول إنه: على المدعي أن يثبت دعواه، البينة، إحنا عندنا القاعدة الإسلامية مأخوذة من الحديث النبوي: "البنية على المدعِي واليمين على المدعَى عليه" وكل القوانين تقول: "المتهم بريٌ حتى تثبت إدانته" إنما يكون المتهم أو المدَّعى عليه هو اللي يطالب بالإثبات!! هذا ما.. ما هذا هو.. دا منطق الجبروت، منطق الاستكبار في الأرض. نعم.

ماهر عبد الله: طيب بالتالي إذا.. إذا.. إذا احتلت هل النسبة هذه إليك صحيحة بأنه في حال بقائها في المنطقة فهو احتلال للمنطقة، وبالتالي القتال.. من قُتل وهو يحارب لطرد هذا الاحتلال الأميركي فهو شهيد؟

د. يوسف القرضاوي: أنا قلت.. شوف الاتفاقات التي حدثت قديماً مع أهل المنطقة تحترم، لأنها قامت بها حكومات، ولا نريد أن نشعل فتنة بين الشعوب والحكومات مع حق الشعوب في أن تنتقد هذه الاتفاقيات، تنتقدها بالوسائل السلمية، يعني ممكن يكتب صحفي يقول: إننا لا نوافق على الاتفاقية التي وقعت بين قطر والأميركان، أو بين البحرين والأميركان، أو بين السعودية والأميركان، يفعل هذا، ونحترم هذه الاتفاقيات، إنما الغزو الأميركي الآن، الجنود التي تأتي من أميركا بالـ 150 ألف وأكثر من 40 ألف بريطاني، والإنزال البحري والإنزال الجوي والإنزال البري في المنطقة، هذا ما يجب أن يقاوم، ومن قاومه من المسلمين.. من قاوم هذا الغزو للمنطقة الذي يجري دون.. يعني بغير شرعية دولية، وبغير رضا عربي و.. هذا ما.. يجب أن يقاوم، ومن قاومه فقتل فهو شهيد إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ عبد الرحمن مهدي من السعودية، أخ عبد الرحمن، اتفضل.

عبد الرحمن مهدي: السلام عليكم.

د.يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله، اتفضل يا أخ عبد الرحمن.

عبد الرحمن مهدي: يا أخي ماهر، الله يصلحك، المفروض كنت يعني تردني بخصوص الآية القرآنية التي أخطأت فيها، بالنسبة للأسئلة.. بالنسبة للأسئلة هل يرى الشيخ إنه.. إنه الطواغيت المتولِّين الأمة يمثلون الإسلام والمسلمين؟

السؤال الثاني: هل يرى أن هؤلاء أن الإسلام.. أن الإسلام وللأمة العربية عزة ونصرة بهؤلاء الطواغيت العابثين بموارد الأمة على الأسلحة وغيرها، والذين هم متسترين بعباءة الإسلام والمتاجرين بقضية الأمة، والجاعلين القضية الفلسطينية شمَّاعة لهم، والذين هم لا يستطيعون الخروج عن بيت الطاعة، الذي يُرسم لهم من قبل.. من قبل أسيادهم في البيت الأبيض؟

السؤال الأخير: هل الذين لا يقفون في نصرة الله ويواجهون الحق بالباطل هل هم مسلمون ومؤمنون بالله إيماناً صادقاً ويقيناً؟ وهل غضب الله محل عليهم أم لعنة الله محلة عليهم؟ وجزاك الله خير يا أخي.

ماهر عبد الله: مشكور يا أخ عبد الرحمن، معايا الأخ محمد الزهراني، وأيضاً معذرة لكليكما على التأخير. أخ محمد تفضل.

عبد الله أحمد: عبد الله محمد.

ماهر عبد الله: عفواً أخ عبد الله، اتفضل.

عبد الله أحمد: مرحبا، كل عام وأنتم بخير.

ماهر عبد الله: وأنت بخير يا سيدي.

د.يوسف القرضاوي: وأنت بالصحة والسلامة يا أخي.

عبد الله أحمد: أحسنت يا أستاذ ماهر، وأنت ماهر، واسم لك مسمَّى.

ماهر عبد الله: بارك الله فيك.

عبد الله أحمد: تطابق الاسم والمسمَّى، ثم اسمح لي أن أُعرِّج على شيخ الإسلام الشيخ القرضاوي وأحب أن أطلق عليه هذا المسمَّى، لأنه فعلاً مجاهد في الله بقوله ولسانه وعمله.

د.يوسف القرضاوي: نسأل الله أن يجعلنا أهلاً لذلك.

عبد الله أحمد: فهنيئاً لنا نحن البعداء عنه بسماع صوته، وكم كنا نحب أن نكون أحد تلامذته.

د.يوسف القرضاوي: بارك الله فيك.

عبد الله أحمد: سيدي فضيلة الشيخ، ألا ترى بأن هذه الهمجية من الغرب تجاه هذا البلد الضعيف ألا ترى بأنه حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين، وإنه كما قيل أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض؟ وما هو موقف الشعوب تجاه هذا الهمجية؟ هل ينفع الكلام فقط، أم لابد من الفعل وما؟ وإذا قُتل الإنسان في هذه الحرب، هل يعتبر شهيداً، أم شهيداً للوطن، أم شهيداً للدفاع عن وطنه؟ جزاكم الله ألف خير، ونفع بكم العباد والبلاد، وأكثر من أمثالكم، كما أنني أنتهز هذه الفرصة لأهنئكم بعيد الأضحى المبارك، كما أطلب من الإخوة..

د.يوسف القرضاوي: شكراً لك يا أخي.

ماهر عبد الله: شكراً يا أخ محمد، وإن شاء الله تسمع تعليق من دكتور القرضاوي.

قبل ما أسألك سؤال الأخ عبد الرحمن مهدي، في.. في موضوع العلاقة مع أميركا يعني هناك مدخل شخصي بحت إذا استثنينا المستضعفين، استثنينا كرامة الأمة المهدورة، واستثنينا أراضي تستباح وأخرى ستستباح، تجاهلنا فلسطين وتجاهلنا ما.. ما وقع قبلها، من وجهة نظر مصلحية صرفة، من وجهة نظر حاكم عربي يشعر بكل هذا الضعف، ثم يرى وزير الخارجية الأميركي يقول أن هذه بداية لتغيير المنطقة، كل مراكز الأبحاث الأميركية لاسيَّما تلك القريبة من صنع القرار تتحدث أن هذه بداية لتغيير وضع المنطقة، وتذكر بالاسم أقرب حلفاء أميركا إليها من الدول العربية بالاسم، ينصُّون عليها فساداً ومحسوبية وخراباً للبلد عموماً، كجزء من نية أميركا في التغيير، من وجهة نظر مصلحية صرفة، يعني كيف يجب على العربي هذا إنه نستثني كل القضايا الكبرى كنخبة حاكمة كيف تتعامل مع وزير خارجية أميركي وتضطر -كما استخدم الأخ تعبير بيت الطاعة الأميركي- كيف ترضى أن تبقى في بيت الطاعة الأميركي وهي تعلم أن هناك نيات مبيتة لضربها كما لضرب الآخرين؟

د.يوسف القرضاوي: أنا يعني الأمر بالنسبة لي واضح جداً، وأن أميركا تنطلق من نية سيئة للمنطقة، لا تريد بالمنطقة خيراً، إنها تريد تعبيد المنطقة لها، وتريد تغيير المنطقة، قد تغيِّر الحكام، وقد تغيَّر الأنظمة، وقد تعبث بالمقدرات، وقد تقسِّم البلاد، ولا ندري ما هو المخطط المرسوم بالضبط، يعني هي القصد يعني ليس العراق، القصد المنطقة كلها، والقصد من وراء هذا كله خدمة هدف كبير جداً وهو إسرائيل، الكيان الصهيوني المغتصب، هذا كل ما يجري يحدث لخدمة إسرائيل، يراد إزالة العراق باعتباره كان يملك أكبر قوة عسكرية في المنطقة، أغروه حتى اعتدى على الكويت، وهذا بإغراء أميركي معروف يعني ليتمكنوا بعد ذلك من ضربه، وحاصروه هذه السنين كلها، ولم يكفهم هذا، ويريدون أن يعني يدِّمروا كل إمكاناته، وحتى الشيء الذي يعني الآن يزعجهم ويقلقهم الأدمغة العراقية، العراق خلال هذه السنوات استطاع أن يكوِّن قاعدة علمية بشرية ليست هينة، هذا يزعجهم، طيب أزلنا أسلحة الدمار، طيب هل نزيل الأدمغة ديت، كيف نفعل؟ كل هذا يحدث لخدمة إسرائيل، ويراد تغيير المنطقة، لأن الشيء الذي يخافه الإسرائيليون ويخافه الأميركان، ويخافه كل أعداء الإسلام هو الإسلام نفسه، أن يتجذر الإسلام ويتعمق في نفوس أبنائه، ويسيطر على حركة الحياة، فلا بقاء بعد ذلك لإسرائيل، لأن إسرائيل دخلت المنطقة في غفلة من المسلمين وضعف وتفرُّق.

ماهر عبد الله: اسمح لي هل هذا.. هل هذا جواب على سؤال الأخ محمد الزهراني.. محمد عبد الله الزهراني يعني هل هي حرب صليبية ضد الإسلام إذاً؟

د.يوسف القرضاوي: لاشك أن هذه الحرب تستهدف الإسلام من قِبَل أميركا، أنا لا.. لا أشاركه إن الغرب كله، لأن كما رأينا الغربيين هم اللي خرجوا بالأمس بالعشرات الملايين يدينون هذا الأمر ويصرخون: لا للحرب، هذا من أجلنا، فلا.. لا ينبغي إننا يعني نتهم الغرب كله، إنما أميركا الآن، وخاصة في هذه السنوات أصبح الذي يحكم أميركا هو اليمين المسيحي المتطرف، المتصهين من عهد (كارتر) ومن بعده و(ريجان) وبوش الكبير وبوش الصغير، وكلينتون وغيره، كل هؤلاء يعني موالون لليهودية، ويزعمون أن استيلاء اليهود على القدس بشير بأن المسيح قربت عودته الثانية، مجرد أن يُقيموا الهيكل المزعوم سيعود المسيح، فهذا هو يعني فعلاً نوع من الحرب الصليبية، وقد ذكر بوش في أول الأمر إنه دي حملة صليبية جديدة، ونبهوه إن ده يعني كلمة مثيرة، وقال يعني دي كانت فلتة لسان، ولكن نحن نعلم إن فلتات اللسان أحياناً تعبِّر عن مكنون الصدور، علم النفس بيقول لك: أحياناً الغلطة اللي بتصدر عن الإنسان دي بتعبِّر عن شيء كان خفياً، وسيدنا علي يقول يعني "غش القلوب يظهر على صفحات الوجوه وفلتات الألسن"، وتلا قول الله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ).

والشاعر يقول:

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تُعلم

فنحن لا نشك إن هذه الحرب ضد الإسلام، ويراد بها إضعاف الإسلام وإضعاف أمة الإسلام والقضاء على حركة الإسلام وكل دعوة إسلامية وكل حركة إسلامية، هذا لا يشك فيه عاقل يراقب الأحداث ويقرأ الأحداث ما بين السطور.. السطور وما وراء السطور، وما بين السطور كلها تدل على أن الإسلام هو الهدف من وراء هذا كله.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ صالح المقرحي من فرنسا. أخ صالح، تفضل.

صالح المقرحي: آلو. أخي ماهر، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

صالح المقرحي: السلام عليكم أخي شيخ.. أخونا شيخ الإسلام الدكتور يوسف القرضاوي.

د.يوسف القرضاوي: حيَّاك الله يا أخي، وعليكم السلام ورحمة الله.

صالح المقرحي: أخي، أريد كلمة في حق الأنظمة العربية اللي أرى منها كل تهاون معنا، ونحن بالأمس في فرنسا شاركنا يعني في المظاهرات العارمة التي تجوب الغرب، وما تحدي (كونداليزا رايس) اليوم إلى كل المظاهرات و.. إلا الكبرياء والعلو الأميركي اللي موجود على الساحة الدولية الآن، فبالتالي أنا أريد توجيه كلمة إلى أنظمتنا كي تكون في مستواهم، نحن نراها حتى لا.. لم تتفق حتى على اجتماع القمة الطارئة في.. في اللحظة الحرجة هذه التي تمر بها الأمة الإسلامية، فأريد كلمة حق يا.. يا شيخنا أن.. أن تدعو كافة مشايخ الإسلام أن يقفوا وقفة رجل واحد في وجه الكبرياء والعلو الأميركي، فإلى متى هذا الذل؟ مظاهرات ونساء يعني ما عدا الدول العربية، فلا أدري ما.. ماذا أقول، فالمصيبة لنا جميعاً إذا..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ صالح، مشكور جداً، النقطة واضحة جداً.

نسمع من الأخ عبد الله أحمد من أميركا. أخ عبد الله، اتفضل.

عبد الله أحمد: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د.يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله أحمد: لو سمحت عندي مداخلة بسيطة فقط، خطة (كولن باول) بالنسبة للمشاركة مع خطة المشاركة والمصالحة والحرية في العالم العربي اللي طرحها قبل 3 شهور أو 4 شهور، تحدث (ريتشارد هاس) مساعد وزير الخارجية الأميركي، عن هذا الموضوع، وقال إنه أخطأت بعض الإدارات السابقة في مساندة بعض الحكومات العربية التي تمارس طغيان ضد الشعوب، وهذه الخطة تهدف إلى مشاركة جديدة مع الشعوب العربية مباشرة والإسلامية لتحريرها تحرير كامل، وأعتقد إن هذه المبادرة هي مبادرة صادقة، لأن الولايات المتحدة قد حررت شعوب كثيرة في السابق، كاليابان، وكألمانيا، وإيطاليا، والبوسنة والهرسك، حيث عجزت أوروبا عن حل هذه المشكلة لأشهر وسنوات طويلة حتى مات الآلاف من المسلمين، في حين تدخلت الولايات المتحدة بدون قرار للأمم المتحدة، ولم.. ولم تعترض الدول العربية والإسلامية على ذلك، لأن كان في مصلحتها، اليوم المصلحة هي مصلحة الشعب العراقي وليست الحكومة العراقية، فصدام حسين قد قتَّل ملايين، وهو رجل غير صادق، ولا يمكن أن نثق فيه.

الولايات المتحدة اليوم تريد أن تشارك مشاركة فعلية مع الشعوب، فسؤالي التالي هو: لماذا لا نصالح أنفسنا ونصالح الولايات المتحدة كشعوب عربية وليس كحكومات، ونمشي معها في هذا الطريق؟ الولايات المتحدة الآن تحاول أن تحرر العراق، المسألة هي ليست مسألة بترول، الولايات المتحدة حررت الكويت، وخرجت من الكويت ولم تستغل ولم تحتل الأراضي، ولم تحتل منابع النفط، لا في السعودية، ولا في الكويت، ولا في قطر، والولايات المتحدة قد صرفت.. منذ سنة 77 عملية السلام على مصر والأردن والمغرب ودول كثيرة، مئات المليارات من الدولارات حتى يكون..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: بس.. بس أخ.. أخ عبد الله.. أخ عبد الله، يعني أنا أعطيتك الفرصة كافية، بس يعني هل.. هل تريد أن تقنعني مثلاً، وأكيد يعني سؤالك هيطرح على الشيخ، أنه ما جرى في.. في أوسلو من.. من سلام بضغط أميركي، وأُنفقت عليه فعلاً مليارات كان لصالح الشعب الفلسطيني؟

عبد الله أحمد: نعم، هناك مليارات صُرفت على الفلسطينيين.

ماهر عبد الله: لأ، ماشي، إذاً أنت تعتقد أنه مجمل محصلة أوسلو كانت لصالح الشعب الفلسطيني؟

عبد الله أحمد: لصالح الشعب الفلسطيني، وهناك فساد كبير في السلطة الفلسطينية.

ماهر عبد الله: لهذا خرجت الانتفاضة مرة أخرى، ولهذا يُراد تغيير ياسر عرفات؟

عبد الله أحمد: نعم؟

ماهر عبد الله: كيف تفسر إذن إذا كان الشعب الفلسطيني يتمتع بنعيم هذه المليارات؟

عبد الله أحمد: لأن السلطة الفلسطينية فاسدة، وهناك تقارير التقرير الأوروبي الأخير.

ماهر عبد الله: إذاً الانتفاضة سببها فساد السلطة وليس بركات العملية السلمية في تقديرك؟

عبد الله أحمد: أي نعم، هناك مليارات من الدولارات سُرقت حقيقة من الشعب الفلسطيني، وكان الشعب الفلسطيني أفضل حالاً عندما كان تحت الاحتلال اقتصادياً.

ماهر عبد الله: هو على كل الأحوال مازال تحت الاحتلال، لكن وجهة نظرك، وأريدك تسمع من الشيخ، ولكن أعتذر من الأخ محمد عيَّاش والأخ مأمون الهضيبي أرجو أن يبقوا معنا على الخط.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: مرحباً بكم مجدداً في هذه الحلقة من برنامج (الشريعة والحياة) والتي نعتذر فيها للأستاذ مأمون الهضيبي (المرشد العام للإخوان المسلمين) على هذا الانتظار. سيدي، كان القطع يعني لأسباب خارجة عن الإرادة أسباب فنية، ولعلك تقدرها كونك يعني تتعامل مع وسائل الإعلام، اتفضل.

مأمون الهضيبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. تحية لك يا أستاذ ماهر، ولك كل الخير والبركة من هذا البرنامج الطيب.

ماهر عبد الله: بارك الله فيك.

مأمون الهضيبي: وتحية وإجلال للعلاَّمة الكبير الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، واسمح لي إني أقول شيء أنا توقفت عنده في بداية.. أرجع في.. لبداية الكلام حين فضيلتك ذكرت أن يعني قال: قبل تطبيق الشريعة الإسلامية الحرية، أنا أتوقف شوية وأرجو أنك حضرتك يمكن تراجع نفسك في الحكاية دي، لأن تطبيق أحكام الحرية على المسلم وغير المسلم أمر من أمور الشريعة الإسلامية، وفي مقدمة أحكام الشريعة الإسلامية، والنصوص الواردة في القرآن الكريم باتة في هذا الشأن.

(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، (مَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ما سمعنا.. ما وردت أبداً أي أثر على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكره غير مسلم على أن يكون مسلماً، فمن باب أولى أن يكرهه في أي شيء آخر متعلِّق بما هو دون ذلك من أموره الشخصية التي أعطاها له الله تبارك وتعالى، وأعتقد أن سيدنا

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه بالجنة- أعلن هذه الحقيقة حين قال لعمرو بن العاص وابنه: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! وكان ذلك في مناسبة معروفة وبشأن غير مسلم، وإذا كانت الأحاديث تقول ما معناه أن كل المسلم على المسلم حرام، فليس معنى ذلك أن غير المسلم مستباح، أبداً، ولكن قيل (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ..) إلى آخر الآيات اللي فيها (أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) فأمرنا الله -تبارك وتعالى- بالبر والقسط معهم، وهذا لا يتأتى على إكراههم على شيء أو إنقاصهم من حقوقهم الإنسانية في شيء، وليس أدل عن ذلك إنهم بيوجدوا حتى في المجتمع الإسلامي، وهم لهم الحق الكامل في كل ما يعني عبادتهم وكل حقوقهم الشخصية والإنسانية، ولا يميز شيء فيهم عن هذا.

فضيلتك عارف طبعاً ما دعا إليه الإمام الشهيد حسن البنا، ونحن الآن في ذكرى استشهاده في هذه المناسبة.. يعني هذه الأيام، فأعتقد إن حضرتك طبعاً عارف.. دعوة حسن البنا، وأنها جاءت تقول.. وهو قال لأبنائه ولإخوانه: إذا سُئلتم إِلامَ تدعون، ندعو إلى الإسلام والحرية جزء منه، فمن بداية الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات ودعوة الإسلام والإخوان المسلمين مُقدمة على أن الحرية هي في مقدمة أحكام الشريعة الإسلامية التي يجب أن تُطبق، والمسلمون حين يطبقون هذه الحرية يطبقونها ديانة وعبودية لله وحده -تبارك وتعالى- أنها جزء، ليست مقدمة لتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكنها هي جزء هام وفي مقدمة الأحكام التي يجب أن تطبق من أحكام الشريعة الإسلامية، وأعتقد أن أحكام الشورى الواردة في القرآن لا معنى لها إذا لم تكن هناك حرية للناس، بل هي مطلوبة ومقررة في كل مجتمعات المسلمين، سواء إن كانت مجتمعات الدولة أو مؤسساتها أو حتى العائلة مطلوبة، لأن الكل يجب أن تُحترم حريته وإنسانيته، جزء من أحكام الشريعة التي ننادي بتطبيقها ونعمل ونقول بضرورة تطبيقها، هي علينا، وحرية للمسلمين ولغير المسلمين ممن هم موجودين بالدولة أو في المجتمع اللي إحنا نكون مسؤولين عنه، هذا ما أردت -يعني- التأكيد عليه...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب مشكور جداً يا سيدي على هذه المداخلة، وإن شاء الله نسمع تعليق من الدكتور.

د. يوسف القرضاوي: والله أنا أحب أولاً أن أحيِّي..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: تسمح لي بس أن آخذ مكالمة الأخ محمد عياش في كونه بينتظر من فترة طويلة، وبعدين.. الأخ محمد عياش اتفضل. من قطر.

محمد عياش: بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد عياش: حيَّا الله فضيلة الشيخ المجاهد يوسف القرضاوي، وحياك الله يا أخ ماهر، أنا الحقيقة عندي مداخلة في صلب الموضوع، الذي أراكم ربما يعني حاد بكم الكلام عنه قليلاً، الله -سبحانه وتعالى- يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) إلى آخر الآيات هذه، هذه السورة -في نظري- تعلمنا درساً في فقه الحرب وفي فقه التحدي فمع أن هذه السورة هي سورة مكية، والقرآن المكي جاء مركزاً للدعوة للتوحيد ومحاربة الشرك، إلا أنه في هذه السورة لم يعلِّق القرآن على الشرك ولم يشر إليه تماماً، لم يقل أن أهل مكة كانوا مشركين أو أن الكعبة كان فيها أصنام، لأن هذا في نظري إخلال بالتعبئة، لأنه في.. في جو المعركة ينبغي أن تُحشد همم الناس، لهدف مُركَّز واضح، اليوم يا شيخنا الكريم، إني أرى والأمة تتعرض لخطر الإبادة على يد الإدارة الصليبية نتبرع نحن في كثير من الأحيان لسرد أخطائنا التاريخية التي تُكرر هي نفسها في خطابات رموز إدارة العدوان، وكأننا نتبرع ونذكِّر الناس بأخطائنا نحن، وكأني يعني مثلاً أفترض لو أن إسرائيل -لا سمح الله- هاجمت سوريا ونحن الآن ننسى مثلاً ما فعله حافظ الأسد في حماة، كأننا أيضاً ربما سنُعيد تلك الجريمة الفادحة التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء، ويكون في ذلك مصلحة المعتدي الذي يستفيد من هذه الجزئية الخبرية.

فنحن.. أنا في رأيي أن عامة الأمة لا تفهم هذه الخطابات التي هي أشبه بالبحوث المحايدة، نحن في فقه الحرب ينبغي أن نراعي مشاعر الأمة، الأمة لا تفهم حينما نقول العراق أخطأ في كذا وكذا وأميركا أخطأت في كذا وكذا، وكأننا نقدم بحثاً للمحكمة..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طب دكتور محمد -يعني- نقطة جميلة جداً ولفتة ذكية، وأنا متأكد أنك ستسمع من الشيخ تعليق عليها، لكن أنا قاطعته وهو يريد التعليق على كلام الأستاذ مأمون الهضيبي قبل ذلك. اتفضل سيدي.

د. يوسف القرضاوي: آه، بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً: أنا أحيي الأستاذ المستشار مأمون الهضيبي بمثل تحيته أو بأحسن منها، وأود أن أقول له: إن إحنا لسنا مختلفَيْن، لم أقل إنه الحرية بديل عن تطبيق الشريعة،لم أقل هذا، ولكن رأيتُ أن مناخ الحرية يعني مقدمة لازمة لتطبيق الشريعة، لابد أن تتوافر أجواء الحرية، حتى يستطيع أهل الدعوة أن ينشروا دعوتهم وأن يهيئوا الشعوب لتقبُّل أحكام الشريعة، وأن يهيئوا الأجيال التي ستقيم الشريعة، الشريعة لا تقوم بمجرد الدعوة، لازم لها ناس.. ناس يعني.. فأنا أود أن أقول له: إن الذي ذكرته إنه جو الحرية جوٌ لابد منه، لكي نحكم بالشريعة والأستاذ مأمون هو الآن يعني يعيش في مصر، لا يستطيع أن يتحرك كما يحب، لا يستطيع أن يصدر صحيفة، لا يستطيع أن يقيم تجمعاً، لا يستطيع أن يصدر.. يعني يخطب في الناس ولا هو ولا إخوانه وفي كل فترة يؤخذون للمحاكمات. هل هذا.. بهذا يستطيع أن يحقق الشريعة؟ الشريعة لا تقوم إلا إذا توافرت أجواء للحرية، ولذلك يجب أن نحرص على المناداة بتحقيق الحرية للشعوب والجماهير، والحركة الإسلامية دائماً هي الكاسبة من وراء جو الحرية، وأنا ذكرت العلمانية التركية وغيرها وفي تونس، وفي الكثير من البلاد تحت جو القهر والاستبداد، تكتم أنفاس الدعوة الإسلامية، هذا يعني لا خلاف بيني وبينه فيه، وأنا لا أشك في إن الحرية فريضة من فرائض الإسلام ولا في الشورى، وهذه كلها.. إنما أنا ذكرت هذا لمعنى معين، إن إحنا مشكلتنا مشكلة الطغيان والاستبداد في بلادنا الإسلامية دي المشكلة الأولى.

ماهر عبد الله: طيب، ما هذا بيورِّطك يا سيدي مع الدكتور محمد عياش، الذي يقول: نحن نعيش الآن جو حرب، جو حصار، وبالتالي الذي يسود يجب أن يكون فقه حرب وفقه تحدي، وبالتالي نستر على ما عندنا من عيوب من تناقضات، من أخطاء حتى لا نقدم مبررات للعدو..

فقه آليات وقوف الأمة في وجه الهجمة الأميركية

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]: إحنا هذا أيضاً غير.. غير ما أقوله، أنا ما.. ما دعوت إننا نواجه الحكام من أجل.. إحنا بالعكس.. أنا بأدعو إن الجميع يقفوا وقفة واحدة ويقولوا لا، إنه يعني يقفوا موقف رجولة، أنا ما.. لست مع اللي بيكفروا الجميع ويعمل.. مش وقته هذا الآن، بالعكس أنا أدعو دائماً لتجميع القوى وتناسي المصائب والأحداث والمحن التي وقعت، وأنا قلت إنه صدام حسين على ما به.. إحنا يعني لا.. لا نريد إنه أميركا، زي ما قال الأخ اللي اتصل من أميركا من قريب، وقال: لماذا لا نقبل أن أميركا تغيَّر حكامنا، وأميركا غيَّرت الحكام في اليابان أو عملت حرية؟ أميركا اللي ضربت اليابان بالقنابل النووية وهيروشيما ونجازاكي، هي التي.. من قال هذا؟ أميركا هي يعني.. يعني حركة استئصالية باستمرار، هم دخلوا أميركا وأبادوا أهلها الأصليين، وأقاموا -يعني- دولتهم على أنقاضهم، وحاولوا أن يفعلوا ذلك في فيتنام وفي كمبوديا، وحاولوا.. وتاريخهم معروف هذا، فيجي الأخ دا يقول هذا الكلام؟! فأنا يعني في الحقيقة أريد أن أقيم توازناً بين هذه الأفكار التي تشرد إلى اليمين والتي تشرد إلى اليسار، أنا أريد أن أجمِّع قوى المنطقة كلها حكاماً ومحكومين ضد هذا الغول الذي يريد أن يبتلعنا، ضد هذا الطاغوت الجديد الذي يريد أن يفرض نفسه علينا، ولا يمكن أن يفرض نفسه علينا، الأخ اللي اتصل.. كأن أميركا يعني لا تريد إلا وجه الله تبارك وتعالى، ليس لها مصلحة لا في العراق ولا.. من قال.. من قال هذا الأمر؟ يعني يبدو إن الأخ دا من المعارضة العراقية أو يعني الذين لهم مصلحة في هذا الكلام.

أنا لست صدَّامياً ولا مع صدام حسين، ولكني مع الشعب العراقي، ولا يمكن أن تأتي أميركا بالخير للشعب العراقي، الحاكم التي.. الذي ستفرضه أميركا على الشعب العراقي سيكون عميلاً لها، ينفذ مخططاتها ومآربها، مش ينفذ مخططاتنا إحنا، وأنا أعتقد إن هذا الحاكم العميل شر من الحاكم الديكتاتور، كلاهما شر، ولكن الحاكم العميل شر من الحاكم المستبد، لأن الحاكم المستبد مهما كان اسمه من أبناء المنطقة، ولكن هذا مفروض عليها من الخارج ولن يعمل لمصلحتها يوماً.

ماهر عبد الله: عوداً على الدرس الأول من المظاهرات، الأخ الدكتور بسام الخوري من.. من ألمانيا يقول: المظاهرات التي قامت في إسبانيا وألمانيا وفرنسا وخرج فيها حوالي ستة ملايين أوروبي كانوا أغلبهم من المسيحيين، الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية كانتا.. بعض المنظمين ممن دعا إلى هذه المظاهرات، قداسة البابا كان من أهم المدافعين عن العراق، ألا تعتقد بأنه من الظلم أن يقوم بعض شيوخ المسلمين بسب اليهود والنصارى ليل نهار، عبر منابر المساجد وعبر الفضائيات، من الممكن أن يسبوا الولايات المتحدة وإسرائيل، أما سب النصارى بإجمالهم، فهذا شيء يسيء إلى التقارب بين الحضارات والأديان.

د. يوسف القرضاوي: أنا لا أوافق على هذا، سب اليهود والنصارى بصفة عامة، إحنا نقول اليهود الغاصبين المعتدين، الصليبيين الحاقدين الكائدين، إنما النصارى، كما قلت في أول الحلقة (وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً) فلازم نصنِّف أما إننا نأخذ الحابل بالنابل، فهذا ليس منطقاً إسلامياً، وأنا قلت في أول الأمر إن هذه من.. من الرسائل التي يعني وصلتها إلينا هذه المظاهرات، إن الغرب ليس شيئاً واحداً، فلا ينبغي إن إحنا نضعه كله في سلة واحدة، ونقول: هؤلاء الكفار، وهؤلاء الصليبيون، هذا ليس منطقاً، لازم نكون عادلين ومنصفين، الإسلام علمنا العدل، حتى مع أعدائنا الله تعالى يقول: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) الشنآن شدة العداوة والبغض، (لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ) سواء كان شدة بغضهم لكم أو بغضكم أنتم له، لا يحملنكم هذا على ألا تقولوا العدل ولا تحكموا بالقسط.

ماهر عبد الله: طيب نسمع المكالمة الأخيرة من الأخ خليل البصري الذي أرجوه أن يكون مختصراً جداً، الأخ خليل اتفضل.

خليل البصري: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

خليل البصري: نتداول نحن العراقيون هذا اليوم مثل عراقي يقول: "ما بين حانه ومانه ضاعت لحانا" وما أريد أن أقوله شيخنا الكريم: نحن الشعب العراقي عانى كثيراً وصبر من أجل الحياة الأفضل، طلبنا الحل العربي والإسلامي، فتخليتم عنا، تخلت عنا الأمة العربية، تخلت عنا الأمة الإسلامية، بل ركنوا إلى جانب صدام حقيقة، اليوم جاءت القوات الأميركية سواء كانت هذه القوات الأميركية محتلة أو كافرة أو لمصلحتها أو لخدمة إسرائيل أو لترسيم المنطقة، إلا أنها جاءت أيضاً لتغيير النظام...

د. يوسف القرضاوي: لمصلحتك؟

خليل البصري: يعني أنا صراحة..

د. يوسف القرضاوي: لمصلحتك أم لمصلحتها يا أخ؟

خليل البصري: يعني أنا صراحة.. شيخنا الكريم..

د. يوسف القرضاوي: لمصلحتك أم لمصلحتها؟

خليل البصري: أن توجهوا نداء لهذا الرئيس أن يتخلى عن النظام، يعني أنتم أيضاً مطالبون رجال الدين في الأمة الإسلامية يا شيخنا الكريم، يعني حرنا في الأمر..

د. يوسف القرضاوي: نطالب يا أخي..

خليل البصري: نريد منكم موقف صريح..

د. يوسف القرضاوي: نؤيد الاستعمار ونؤيد الطغيان، ونؤيد الاحتلال ونؤيد التألُّه في الأرض، ونؤيد تغيير المنطقة وترتيبها من جديد؟! يعني كيف هذا؟ نحن لا نؤيد الاستبداد ولكن لا نؤيد أن يُفرَض على المنطقة من خارجها شيء، ونحن نعلم أنه لا يُراد منه إلا كل ما هو -يعني- شرٌّ على الأمة، يعني في حاضرها وفي مستقبلها، هذه غفلة منا، إننا ننظر بقِصَر النظر، ونظن إن إحنا سنتخلص من صدام، وإن وراء ذلك السمن والعسل، لا والله ما وراءها إلا البصل والعلقم والصاب.

خليل البصري: شيخنا الكريم أنا أفهم ما تقول، وأنا ضد القوات الأميركية ضد الاحتلال.

ماهر عبد الله: أخ.. أخ خليل أطلب منك تختم بالسؤال أخ خليل..

خليل البصري: أريد حل من عندك، أنا الشعب العراقي أريد حل من رجال الدين، نريد...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب مشكور.. مشكور أخ خليل.

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]: نحن ندعو.. لا...، ندعو، ولكن ليس على حساب ديننا وعلى حساب أمتنا، نحن ننكر الاستبداد فين؟ في العراق وفي كل بلد وليست العراق وحدها، هي العراق وحدها التي تعاني؟ يعاني الكثيرون وهذا ما قلته إن إحنا في حاجة إلى الحرية للأسف.

ماهر عبد الله: طيب سيدي باختصار على أساس الوقت شوية أدركنا، سؤال الأخ عبد الرحمن مهدي لو عدنا إليه، هو استخدم كلمة الطواغيت اللي يمثلون الإسلام، من الذي يمثل الإسلام اليوم؟

د. يوسف القرضاوي: نعم؟

ماهر عبد الله: من الذي يمثل.. يمثل الإسلام اليوم؟ كلام الأخ عبد الرحمن أن الطواغيت، وكانت هذه إشارة منه إلى الحكام العرب يمثلون الإسلام، وهو يقول: أنهم لا يمثلون، من الذي يتحدث باسم الإسلام اليوم؟

د. يوسف القرضاوي: فيه ناس كثيرون من أهل الحق ومن أهل.. من دعاة الخير من العلماء والدعاة والمفكرين، ما فيه يعني كتلة معينة تقول هي دي اللي بتمثل الإسلام اليوم، هناك كثير من الأفراد وكثير من الجماعات تمثل الإسلام، منها...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: لكن هل.. هل حكام العرب يمثلون الإسلام؟ يمكن أن..

د. يوسف القرضاوي: ما ادَّعوا هم هذا، ما ادعوا إن هم بيمثلوا الإسلام -يعني- حتى إننا نحمِّلهم هذا الأمر.

ماهر عبد الله: هل يمكن.. سؤاله الثاني كان: هل يمكن توقع النصر للأمة على أيديهم إذا كانوا لا يمثلون الإسلام وإذا كانوا كما قال: لا يستطيعون الخروج عن تعليمات بيت الطاعة؟

د. يوسف القرضاوي: هو هناك نصر يعني كبير، وهناك نصر صغير، النصر لتحقيق كلمة الإسلام وإعلائها هذا لا يمكن أن يتم، إنما النصر على طغاة يعني يغزون الأمة ويقفون، ممكن الأمة تنتصر في هذه المعركة، وهذا إذا تعاون الحكام بعضهم مع بعض وتعاونوا مع الشعوب، ووقفوا كتلة واحدة ضد هذا الظلم الجديد، ممكن الأمة تنتصر في هذه المعركة كما انتصرت أمم أخرى غير إسلامية انتصروا في فيتنام وانتصروا في بلاد أخرى، انتصروا انتصار العدل ضد الظلم، والحرية ضد الطغيان، هذا ممكن أن يتم هذا.

ماهر عبد الله: الأخ عبد الجليل الجاسم من البحرين يقول: لماذا لا تشكلون وفداً من بعض العلماء -وأنت منهم- وتذهبوا إلى الرئيس الأميركي في محاولة لإقناعه؟

د. يوسف القرضاوي: يا أخي، هذا كلام يعني.. هذا كلام عاطفي، يعني أميركا لها أهداف استراتيجية رسمتها من مدة طويلة، وقبل أحداث سبتمبر ومعروف هذا، وليس.. لن تغيِّر يعني سياستها عشان وفد من المشايخ يروح لها، فيه الأخ اللي اتكلم يعني وكان له...

ماهر عبد الله: السؤال هل الحرب الصليبية ضد الإسلام والمسلمين .. ما هو موقف الشعوب، هل المطلوب منا كلام أم عمل؟ الأخ محمد عبد الله الزهراني الذي أسبغ عليك لقب شيخ الإسلام والمسلمين، باختصار معانا دقيقة واحدة.

د. يوسف القرضاوي: إحنا المطلوب منا يعني العمل الذي نقدر عليه، إننا نقول لا لهذه الحرب، إننا نطالب حكامنا أن يقفوا موقفاً جيداً، إننا نقاطع البضائع الأميركية، إننا نساعد إخواننا في العراق ما استطعنا، إننا ندعو لهم بألسنتنا وقلوبنا، أن ينصرهم الله على عدوهم، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم، ويعيد سهامهم المسمومة إلى صدورهم، اللهم آمين.

ماهر عبد الله: جزاك الله خيراً، شكراً لكم أنتم أيضاً على حُسن استماعكم، نعتذر لكل الذين لم يُتَحْ لنا من الوقت للرد على تساؤلاتهم، إلى أن نلقاكم الأسبوع القادم، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله -تعالى- وبركاته.