مقدم الحلقة

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة

د. عماد الدين خليل، كلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي

تاريخ الحلقة

16/12/2001

- أهمية العودة للتاريخ والاستفادة منه في الحاضر
- ظاهرة الإرهاب وعلاقتها بالإسلام عبر التاريخ
- الأحكام القيمية وتطبيقها على واقع التاريخ
- الأمة الإسلامية وكيفية مواجهة الأزمات الحالية
- قوانين الحركة التاريخية وتأثيرها على مستقبل البشرية

عماد الدين خليل
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

نبدأ أولاً بتهنئتكم وتهنئة الأمة الإسلامية بالعيد السعيد الذي نرجو الله –سبحانه وتعالى- أن يعيده علينا وقد تخلصنا من كثير من الأزمات التي نعاني منها، ولا نملك إلا أن ندعو الله –سبحانه وتعالى- أن يتقبل منا الطاعات وأن يملأ أيامنا بشيء من البهجة والسرور، والتي افتقدناها خلال سنوات طويلة ماضية.

موضوعنا لهذه الحلقة هو التاريخ الإسلامي في محاولة للاستلهام، ليس بالضرورة نكوصاً إلى التاريخ كعهد كل الماضويين الذين كلما أعجزتهم تحديات الحياة عادوا إلى التاريخ ليروا شيئاً من البصيص يعيشون على أمله، ليس من هذا المنظار نعود إلى التاريخ، ولكن في محاولة لقراءة الواقع، في محاول لتجنب تكرار الأخطاء التي وقعنا فيها، يظل التاريخ في المحصلة النهائية هو تاريخ كل أمة هو ذاكرتها، يظل هو المحضن الذي تصنع فيها أفكارها وتتطور.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي المؤرخ والمفكر العراقي الدكتور عماد الدين خليل، رجل غني عن التعريف وأستاذ التاريخ في كلية البنات في..

د. عماد الدين خليل: في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي.

ماهر عبد الله: في.. في دبي عفواً.

والدكتور عماد خليل صاحب مؤلفات كثيرة في التاريخ في الأدب الإسلامي، دكتور عماد الدين خليل، أهلاً وسهلاً بك مرة أخرى في (الشريعة والحياة).

د. عماد الدين خليل: أهلاً ومرحباً.

أهمية العودة للتاريخ والاستفادة منه في الحاضر

ماهر عبد الله: يعني سيدي، بعض الإخوة الذين قرأوا الإعلان عن هذه الحلقة واستمعوا إليه استغربوا بداية أن نعود إلى التاريخ، فعوضاً عن أبرر أنا لماذا نلجأ إلى التاريخ في هذا البرنامج أو في هذه الحلقة، بالذات أنت كمؤرخ ومهتم بالتاريخ هلاَّ أقنعتهم بـ.. لماذا نقرأ التاريخ اليوم.

د. عماد الدين خليل: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ابتداءً ونحن نستقبل عيد الفطر المبارك يصعب على المرء أن يتوجه بالتهنئة إلى إخوانه في العقيدة في مشارق الأرض ومغاربها والسكينة اليهودية ذات النصل الأميركي تغوص في لحم الفلسطينيين، وأتذكر بيتين للشاعر المتنبي المعروف وهو يهجو كافور الإخشيدي يقول فيهما:

عيد بأية حالٍ عدت يا عيدُ

بما مضى أم بأمر فيك تجديد

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بشمنا وما تفني العناقيد

ها هي ذي ثعالب بني إسرائيل تبشم من الدم الفلسطيني، والأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين تنظر وتتلهى ولا تحرك يداً أو لساناً، ونقول في نهاية الأمر: لكم الله أيها الإخوة الفلسطينيون المجاهدون، لكم الله القائل في محكم كتابه: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب). وقريب إن شاء الله.

ماهر عبد الله: يعني كونك ابتدأت من فلسطين، فلسطين مغموسة بالتاريخ، يمكن ليس ثمة بلد على وجه هذه البسيطة تفاعل فيها التاريخ مثلما تفاعل في.. فلسطين أكرر عليك السؤال مرة أخرى:

لماذا نجتمع نحن الليلة لمناقشة هذا التاريخ؟

د. عماد الدين خليل: كما ذكرت –أيها الأخ الكريم- يعني إحنا عندنا الهروب إلى التاريخ أحياناً قد يكون نزوعاً رومانسياً، قد يكون محاولة للاختباء بأمجاد الماضي والهروب من تحديات العصر وضغوطه، وهذه مسائل قد تكون مرفوضة في المنظور الجاد للتعامل مع التاريخ. التاريخ يحقق –إذا أردنا أن نستدعيه في اللحظات الراهنة- الجدل مع التحديات المعاصرة، مع الضغوط والمعطيات الأكثر حداثة.. التاريخ ممكن أن يكون محاولة للبحث عن هويتنا الضائعة بين الأمم، التاريخ ممكن أن يكون فرصة لإعادة صياغة المناهج الخاطئة الذي درس ولا يزال بموجبها في معاهدنا وجامعاتنا، هذا التاريخ من ناحية ثالثة ممكن أن يعلمنا أو يعطينا إضاءة للشروط التي مكنت هذه الأمة من الصعود إلى قمة العالم يوماً، والعوامل التي قادتها في نهاية الأمر إلى الانكسار.

التاريخ ممكن أيضاً أن يحدثنا عن الهامش الممكن في المستقبل لانبعاث هذه الأمة كرة أخرى ومشاركتها العالمية في المصير البشري كما يؤكد العديد من الباحثين مسلمين وغير مسلمين.

التاريخ أيضاً يعطينا المصداقية على ما الذي فعلناه ونحن ننتصر على الآخر، كيف تعاملنا مع الآخر، مع المغلوب، من خلال منظورنا العقيدي وثوابتنا العقدية، وكيف تعامل الآخر مع خصومه عندما تفوق عليهم، وهذه نقطة أحب أن أقف عندها قليلاً -إن شاء الله- إذا أتيح الوقت، كيف تعاملنا نحن الذين نتهم باغتيال حقوق الإنسان، وكيف تعامل هؤلاء الذين يدعون حماية حقوق الإنسان مع الآخر المغلوب.

التاريخ أيضاً ممكن أن يجعلنا نوغل كثيراً في فهم ما يمكن سميته بشبكة قوانين الحركة التاريخية، أو سنن الله –سبحانه وتعالى- العاملة في التاريخ.

فإحنا في أمس الحاجة في اللحظات الراهنة إلى أن نستدعي سنن الله العاملة في التاريخ، أو ما يسميه فلاسفة التاريخ بـ "قوانين الحركة التاريخية" لكي نتعلم منها، نتعلم من النص القرآني الغني اللي قدم إلينا هذه الشبكة الخصبة من المعطيات بخصوص قوانين الحركة التاريخية، واللي ممكن إذا أحسنا التعامل معها أن نستعيد ليس فقط هويتنا وإنما مكانتنا بين الأمم.

فالتاريخ –إذاً- يعطينا جملة مكاسب كلما في نهاية الأمر تصب في اللحظات الراهنة، والتاريخ –كما يقول فيلسوف التاريخ الإيطالي المعروف (كروتشه) كله تاريخ معاصر، التاريخ كله تاريخ معاصر. فعلاً استدعاء التاريخ يقودنا إلى صميم العصر، لا بل يفتح أمامنا بوابات نستشرف من خلالها أو نطل من خلالها على المستقبل القريب والبعيد.

ماهر عبد الله: يعني.. طيب من هذا التصور تبدو لي إنه مهمتك ومهمة أمثالك من المهتمين بهذا لشأن أصعب مما قد يتبادر إلى الذهن بادئ الأمر، خصوصاً في ظل سيادة.. سيادة مدرسة نقلية للفكر الإسلامي، سواء في أوساط الإسلاميين المدرسة النقلية السائدة، والنقلية أقصد بها الظاهرية الحرفية في فهم الأشياء، يقابلها مدرسة علمانية مغرقة أيضاً في نقلها عن الآخر دون تمعن ودون دراية، يعني مجرد اسقاطات عفوية عشوائية في كثير من.. من الأحيان.

في ظل سيادة هذا العقل في.. نسميه الشارع المسلم اليوم، سيادة مدرسة النقل عن العلمانيين وعند الإسلاميين هل ثمة بصيص لأن نستفيد من حركة التاريخ هذه وشروط النهضة، وشروط الانكسار، شروط الانبعاث، في سيادة أو تحت سيادة هذه العقلية النقلية؟

د. عماد الدين خليل: والله إحنا دينّا هو دين الوسطية يعني في كل شيء، وعلينا أن.. حقيقة أن نبرمج أو أن نرسم منهجية مُحكمة تستمد مسارها ونبضها من الرؤية الوسطية لها الذين.. ففي منهج البحث التاريخي ما بين المنقول والمعقول، ما بين النص والتحليل، علينا أن نتخذ موقفاً وسطاً: أن نحترم المنقول الذي تأكدت صحته من خلال النقدين الخارجي والداخلي، وأن نُعْمِل عقولنا في هذا النص، أن لا نجمد عقولنا لقد طالبنا القرآن الكريم في أن نعمل عقولنا وقدراتنا الحسية في كتلة العالم، في نواميس الكون، وفي الحركة التاريخية. (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين). هذه دعوة حركية للتعامل مع التاريخ البشري برؤية عقلانية تمضي لكي تخترق الوقائع الخارجية باتجاه المغزى والمعنى. (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وهدى وموعظة لقوم يؤمنون). الهدى والموعظة وإعمال العقل في النص المنقول من أجل جعل تاريخنا الإسلامي ليس مجرد تناقلاً حرفياً وإنما تجاوز هذا إلى استنطاق المغزى الحقيقي لهذا التاريخ، والذي يمكن بالتأكيد أن يعلمنا الكثير.. الكثير في اللحظات الراهنة التي إذا أخرج أحد منا يده فيها لم يكد يراها.

ماهر عبد الله: سنواصل في هذا الحوار نذكركم بأنه بإمكانكم أن تشاركوا معنا عبر الهاتف الذي ترونه على الشاشة الآن والذي هو.

المفتاح الدولي لدولة قطر (00974) ثم 4888873

الراغبين بالمشاركة عبر الفاكس يمكنهم أن يفعلوا ذلك على الرقم نفس المفتاح الدولي لدولة قطر متبوعاً بـ 4885999

كما بإمكانكم أيضاً المساهمة معنا في هذه الحلقة عبر الموقع الرئيسي للجزيرة نت على العنوان التالي: www.aljazeera.net وهو ترونه على الشاشة أمامكم الآن.

ظاهرة الإرهاب وعلاقتها بالإسلام عبر التاريخ

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: دكتور عماد الدين، كون الحديث منطلق اللحظة التي نعيش، وكما قلت كل التاريخ هو تاريخ معاصر، وكل اللحظات هي لحظات تاريخية، ولكن يعني قل أن يمر في التاريخ فترات مثل التي نعيشها منذ.. على مدار العام الماضي وخصوصاً في الشهرين أو الثلاثة الأخيرين.

محور اللحظة التاريخية الآن في الإعلام، في الأكاديميا، في السياسة، هو الإرهاب.. الإرهاب يقدم أنه ظاهرة إسلامية بامتياز، والتاريخ قد يشفع لبعض الأدعياء في هذا الاتجاه.

لكن لماذا يقتصر الحديث عن الإرهاب على الإسلام من خلال قراءتك في تاريخ الأمم السابقة؟ هل الإرهاب ظاهرة إسلامية أم أنها تعدت الجغرافيا والدين الإسلامي إلى.. إلى الأمم الأخرى؟

د. عمار الدين خليل: التاريخ حقيقة ميزته أنه يمنح المصداقية لسلوكية الأمم والجماعات وتعاملها مع العقائد التي تبنتها. إحنا تاريخنا إسلامي في مساحاته الأغلب، تاريخ يحترم الآخر، يعطيه الفرصة للاستمرار والحياة، و.. وممارسة مفرداته العقدية والسلوكية فيما يسمى بـ "الحريات الدينية والمدنية". يعني إحنا نستدعي التاريخ تاريخنا ونستدعي تاريخ الآخر الذي يتهمنا باغتيال حقوق الإنسان، وسنجد الفارق كبيراً جداً من خلال الوقائع التي تشكلت في هذا التاريخ، وليس من خلال تنظيرات أو استنتاجات خارجة عن نطاق الوقائع المتشكلة في الزمن والمكان،.. وستجد بالتأكيد الفارق كبيراً جداً بيننا وبينه. يعني أذكر على سبيل المثال أن القوات الإسلامية أو الجيوش الإسلامية كانت.. عندما كانت تغادر جزيرة العرب لفتح العالم على عهد أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- كان يزودها بالتعليمات التالية –رضي الله عنه- كان يزورها بالتعليمات التالية: ألا تقتل شيخاً، ولا امرأة، ولا طفلاً، وألا تعقر حتى نخلاً أو زرعاً. يعني حماية المظاهر الحضارية العمرانية والجيوش الإسلامية تنساح في العالم لتغيير خرائطه، أن هذا الدين أكدت قيادته على ضرورة التعامل مع الطرف الآخر باحترام بالغ لإنسانيته وحماية استمراره في الحياة، في الوقت الذي نجد على سبيل المثال أن أميركا عندما أحرجت في أخريات الحرب العالمية الثانية، ورأت بعد انتصارها على المحور مع بقية الحلفاء أن اليابان قد تشكل حجر عثرة في طريق انتصارها النهائي، وأن التكوين الأرخبيلي لليابان قد يعيق انتصارها لمدايا زمنية تطول كثيراً، وأميركا تريد أن تحسم الموقف بغض النظر عن أخلاقية التعامل وعدم أخلاقيته، فما كان فيها –من أجل حسم الموقف- إلا أن تستخدم قنبلتين ذرتين ألقت إحداهما على (هيروشيما) وألقت الأخرى على (نجازاكي)، وقتلت فيها المسالم، مع المقاتل، مع الطفل، مع المرأة، ولا تزال بقايا تلك.. ذلك الجيل الذي تلقى الصدمة الأولى العشوائية التي لا ترحم، لا تزال لحد الآن تئن من أوجاع تمخضت عن الإشعاعات الذرية. يعني ما فيه عندها مانع -ليس فقط أميركا وإنما معظم الدول الغربية- في أن تستخدم أي أسلوب لتحقيق هدفها، وهذا في حقيقة الأمر يعتبر نوعاً من أنواع الإرهاب والإرهاب الدولي. هذا يذكرنا -أيها الأخ الكريم- بكتاب صدر عام 87 للباحث الأميركي الدكتور (فرانسيس بويل) أستاذ العلوم.. القانون الدولي في جامعة إلينوي الأميركية، أنجز هذا الكتاب في عهد رئيس الولايات المتحدة الأسبق (ريجان)، وسماه "مستقبل القانون الدولي والسياسة الخارجية الأميركية". يتحدث في هذا الكتاب اللي المفروض كان نوظفه إعلامياً، وممكن أن يقدم لنا معطيات ذات قيمة بالغة في مسألة إرهاب الدولة الذي.. التي هي أشد فتكاً وعنفاً بكثير من إرهاب الأفراد والمنظمات كما تدعي أميركا. اللي حدث أن هذا الكتاب الذي طبع في دار نشر "ترانس ناشيونال" في أميركا عام 87 قدم منظومة من الوقائع حول أن أميركا تحولت في زمن ريجان وربما قبل ريجان لسياسة يسميها "هوبزية"، سياسة هوبزية" أو اعتماد الثوابت الهوبزية، (توماس هوبز) هذا الفيلسوف المعروف صاحب كتاب سماه "لوياثان"، "اللوياثان" هو وحش بحري يرمز إلى الشر. وأراد (هوبز) برؤيته البراجماتية المصلحية التي تقوم على أن "القوانين إذا لم تخدم القوة فلن يكون لها معنى على الإطلاق".في كتابه هذا "لوياثان" قدم رؤية اعتبرت تأسيساً للمدرسة القانونية الواقعية، وكثير من المدارس الغربية في عالم السياسة تلقت تعليماتها من رؤية هوبز هذه التي تقول بأن "الدولة إذا أرادت أن يكون لها وجود في هذا العالم فعليها أن تملك قبضة –بهذا التعبير الحرفي- قبضة رهيبة قديرة على تحقيق أهدافها بأعلى وتائر القوة والبطش، وما لم تعتمد أساليب القوة والبطش والإرهاب، فلن يكون لها وجود في..، ولن يكن لقوانينها معنى من المعاني".

تلقى هذه المعلومات أو هذه المعطيات عدد كبير من ساسة أميركا، وعلى رأسهم (رونالد ريجان) اللي تولى رئاسة أميركا على مرحلتين انتخابيتين من سنة الـ 81 إلى سنة الـ 88.

يقف طويلاً (بويل) عند مرحلة ريجان ويقول بأن أميركا تحولت في سياساتها الخارجية إلى دولة ترهب الآخرين استمداداً من مفهوم الإرهاب الهوبزي. وهكذا انتقلنا من حالة دولة تدعي حماية حقوق الإنسان إلى دولة.

ماهر عبد الله: بس..

د. عمار الدين خليل: تغتال حقوق الآخر من خلال ما يسميه هذا الرجل بويل بـ "إرهاب الدولة".

ماهر عبد الله: بس يعني تسمح لي ما هي كل الأمم يعني إنصافاً بس للتاريخ، ونحن نتحدث عن التاريخ، أليس هذا هو مسلك كل الدول التي تنتصر والتي تمتلك من القوى ما لا يمتلك، يعني بعض الفلاسفة يقول: أنه كل الدول القوية الميل والقابلية للتوسع. ليس فقط أميركا، يعني هذا كان سمت الدولة الرومانية قبل (هوبز) بقرون طويلة.

البعض يقول أنه حتى الخلافة الإسلامية يعني في بعض الفتوحات العثمانية كانت تشن لذات الفتح، ليس مطلب أسلمة، على غير الفتوحات العربية التي بصمت الدول المفتوحة بالعروبة والإسلام، كثير من الدول التي فتحها العثمانيون كرمز لخمسة أو ستة قرون للأمة الإسلامية، كان فتحاً عسكرياً صرفاً بدليل أن أغلب هذه الدول لم يسلم أتباعها.

د. عماد الدين خليل: والله يا أخي العزيز، مجرد أن نرجع إلى باحثين.. نستدعي باحثين غربيين إحنا في الحكم على طبيعة الخبرات التاريخية التي نتعامل معها، يعني الدولة العثمانية ظلمت كثيراً، نبدأ بالدولة العثمانية نرجع يعني (Flash back فلاش باك) إلى تجاربنا السابقة التي سبقت العثمانيين في قضية الانتشار، فنجد أنفسنا أمام دولة قد غبنت كثيراً.

(برنارد لويس) الباحث الإنجليزية معروف في ميله وتعصبه أساساً.. ضد كل ما هو إسلامي. مع هذا في كتابه عن الدولة العثمانية يقول: "إن الدولة العثمانية أعطت لغير المسلمين من المسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك ومن اليهود الذين لجأوا إليها من اضطهادات.. مسلسل الاضطهادات الغربية المعروفة التي جعلت اليهود يأوون إلى كنف الدولة العثمانية، أعطتهم من الحرية ما لم تعطهم أية دولة أخرى. والعثمانيون الذين ساحوا في أوروبا مشكلتهم ليست أنهم اعتمدوا القوة وحدها في الوصول إلى فيينا، وإنما مشكلتهم أنهم ما تابعوا الخطاب القرآني في ضرورة حماية أنفسهم بقوة السلاح". يعني قضية معاكسة تماماً أن الذي هزم العثمانيين ليس.. تعاملهم بمنطوق القوة مع الآخر، وإنما نكولهم عن الإصغاء للخطاب القرآني الذي يطلب منهم يتسلحوا بالقوة لا لإرهاب الآخرين وإنما لحماية ذوات انفسهم.

إذا رجعنا إلى التاريخ إحنا نشوف أن وقائعنا التاريخية كلها كما يقول أيضاً شاهد عيان آخر أو شاهد مؤرخ كبير وهو المؤرخ البريطاني (سير توماس أرنولد) في كتابه. "The (...) Islam " الدعوة إلى الإسلام، يقول أن هو درس قضية انتشار الإسلام وتعامل المسلمين مع المغلوبين على مدى 1300 سنة لم يجد حالة واحدة على الإطلاق أكره فيها غير المسلم على اعتناق الإسلام يقول: "لو أن المسلمين اعتمدوا أي قدر من مفاهيم القوة والقسر للآخر على تحويل أديانهم اليهودية أو النصرانية وغيرهما إلى الإسلام، لم يبق في الأرض الإسلامية يهودي أو نصراني واحد، بما أن جاليات كبيرة أو طوائف كثيرة متنوعة بقيت حتى اللحظات الراهنة في الأرض الإسلامية، فمعنى هذا أنهم قد نعموا بقدر كبير من الحرية أتاح لهم الاستمرار. نقارن هذا لا يعني.. يعني في الحقيقة هذا يعطينا فارق كبير في التعامل مع الآخر بمنطوق دولة تملك قوة. فيه قوة (انتشرت) في العالم انتشرت معاه كالمبادئ والقيم التي تخدم الإنسان، هنالك دول أخرى تنتشر بمنطوق القوة.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: دكتور.. دكتور عماد.

د. عماد الدين خليل [مستأنفاً]: لإرغام الآخر على قبول الأمر الواقع.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: دكتور عماد الدين، تحدثت بشيء من الانتقاد الرافض لما أسميته بـ "الهوبزية".

د. عماد الدين خليل: الهوبزية، نعم.

ماهر عبد الله: حركة التاريخ عبر هذه الآلاف من السنوات هل يحركها المبادئ والشعارات والقيم، أم تحركها حقاً وحقيقةً القوى وموازين القوى، وأهم من ذلك النموذج الاقتصادي والاجتماعي الناجح الذي يمتلك هذه القوة؟

د. عماد الدين خليل: حقيقة الجواب على سؤالٍ كهذا يتحرك على مستويين، المستوى الأول أن إحنا دائماً نلجأ إلى فكرة الفصل في الظواهر المعرفية والإنسانية ونقول: إما هذا أو ذاك، بالوقت الذي قد ينطوي هذا وذاك في جوانب منهما على الحقيقة. ولهذا ممكن أن نستبدل في طروحاتنا عبارة "هذا وذاك" بدلاً من "إما هذا أو ذاك". يعني "القوة والمبدأ" والفارق بينا وبينهم، وها هنا نصل إلى بيت القصيد حقيقة بخصوص موضوع القوة المجردة والقوة المنضبطة. الفارق هو أننا اعتمدنا القوة المنضبطة بالقيم الدينية والخلقية والإنسانية. وهم هوبزياً وفق هذا الذي قدمه بويل، والرجل يتكلم عن مرحلة ريجانية، وتنبأ بأمور.. حذر من أمور كثيرة، وتنبأ بأمور أخرى، وكلها تحققت في.. في العقد التالي من كتابه هذا، وكأنه كان يريد أن يقول إن على أميركا أن تتريث قليلاً في اندفاعها صوب الهوبزية لئلا تصل إلى نقطة اللاعودة، وتجعل الأمم والشعوب كلها تنظر إليها كواحدة من أكثر الدول في تاريخ البشرية إرهاباً للمستضعفين في الأرض. هذا الذي أراد أن يقوله، وفعلاً أمامي بعض النصوص كأن يقول هذا الرجل في إحدى مقاطع كتابه المترجم حرفياً: "لن تنجح أميركا في إحراز تقدم في حل مشكلة الإرهاب الدولي مالم ترتقِ إلى مستوى مسؤوليتها تجاه القانون الدولي حول هذه الجريمة البشعة ضد الإنسانية، وإلى أن تفعل ذلك فإن الأميركيين سيبقون هدفاً للهجوم من قبل الأفراد والجماعات المضطهدة والمحبطة في الشرق الأوسط، وفي الواقع اختارت إدارة ريجان للأسف اتباع سياسة إرهابية ضد الإرهاب مبنية على استعمال القوة والتهديد باستعمالها في انتهاك صريح ومتعمد للمادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة، ولجأت في تنفيذ هذه السياسة إلى شن الغارات العسكرية، والضربات الوقائية، وخطف المشتبه بهم بالإرهاب، وخطف الطائرات في المجال الجوي الدولي، وزعزعة الحكومات، وتدبير الانقلابات العسكرية، والاغتيالات، والقصف العشوائي لمراكز تجمع السكان المدنيين".

هذا الذي كان يومذاك أقل بكثير مما.. من الوتائر التي شهدناها الآن في الساحتين الفلسطينية – على اعتبار أن إسرائيل تمثل مخلب.. بشكل أو آخر للإدارة الأميركية في الشرق الأوسط- وفي الساحة الأفغانية، أنه المدنيين وغير المدنيين سلطت عليهم نار التكنولوجيا التفوق العسكري الأميركي (……….)، حتى المستوصفات، وحتى الأماكن التي خُزنت فيها ما تبقى من غذاء الشعب الأفغاني أُتي عليه بهذا الهجوم الكاسح اللي يعتمد منطوق القوة مجردة عن ضوابطها الأخلاقية.

يقول الرجل أيضاً أخيراً، يتوجه هذا يعني (بويل) إلى صناع القرار والشعب الأميركي بقوله: "إنه لا يخفى على أحد أن هذا المذهب المشين –المذهب الهوبزي- الذي يعتمد القوة بعيداً عن انضباطها الخلقي والديني والإنساني يتناقض كلياً مع الالتزام التاريخي للولايات المتحدة باحترام قواعد القانون الدولي وتعزيز سيادته ولا يليق مطلقاً بالولايات المتحدة أن تتبنى سياسة غير مشروعة حتى في مواجهة أعدائها، بل عليها أن تصل إلى معادلة متزنة في ظل القانون الدولي، وعلى ضوء مصالحها الوطنية والأمنية الحيوية، مع الحفاظ على قيمها التاريخية، أما إذا عمدت أميركا إلى تقليد الإرهابيين فإنها ستصبح بالتدريج مثلهم في نظر حلفائها وأصدقائها المحايدين، والأدهى من كل هؤلاء في نظر مواطنيها أنفسهم". وسيجيء ذلك اليوم الذي يتبين فيه للقاصي والداني أن أميركا هذه المنفلتة من ضوابط الحكمة والإنسانية والدين والخلق اندفعت وراء الهوبزية إلى المدى الأقصى، وهانحن نجد عبر السنوات الأخيرة ما صنعته يدا السياسة الأميركية من خلال تبنيها للمذهب الهوبزي.

إحنا في تاريخنا لا نجد.. لا نجد عشر معشار هذا الذي نجده في الساحة الأميركية، من حيث أن معطياتنا في التعامل مع القوة تجاه الآخر كانت منضبطة بالدين والقيم الخلقية والإنسانية. والوقائع كثيرة قد لا يتسع المجال لإيراد جانب منها … قريباً إن شاء الله..

ماهر عبد الله: طب.. إذا.. لو كان تخوف.. لو كان تخوف بويل في محله وصحيح، كيف تفسر هذا التفهم للدور الأميركي على الأقل في الأزمة الأخيرة؟ لو كانت هي قضية قوة باطشة فقط بعيدة عن العقل والحكمة والقيم، تخوفه واضح في أن سينكفئ عنها الأصدقاء قبل الأعداء. لكن ما نشهده عكس ذلك تماماً، هناك نوع من التضامن المعنوي الكبير مع هذا..

د. عماد الدين خليل: والله هذه هي القشرة الخارجية للحدث -أيها الأخ الكريم- على مستوى الدول الأخرى التي كنا نتطلع إلى أن تشكل قطبيات جديدة توازي بها القطبية أحادية الجانب التي تقودها أميركا، ليس ثمة إلى حماية من تبقى من مصالح هذه القوى التي انكفأت أمام أميركا برؤية براجماتية مصلحية صرفة كالذي نجده في الساحتين الروسية والصينية، توقعنا أن تقف الصين كما تنبأ مؤرخ الحضارات والسياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة (هارفارد) الأميركية (صموئيل هنتنجتون) يتوقع يقول: "أن بعد زوال الاتحاد السوفيتي كان على الغرب –هذه نقطة مهمة في الإجابة على السؤال- أن يجد عدواً جديداً يوحد دوله وشعوبه، وأن الحرب لا تتوقف حتى لو سكت السلاح وأُبرمت المعاهدات"، ذلك يقول بالحرف الواحد: "أن حرباً حضارية ستستمر بين المعسكر الغربي الذي تتزعمه أميركا أو تحتويه أميركا، وبين طرف آخر قد يكون الصين أو العالم الإسلامي"

ها هي الصين قد انساقت وراء الإغراء الأميركي وحماية المصالح الصينية قبال أميركا، وليس.. وليس قبولاً للرؤية الهوبزية للسياسة الأميركية، وإنما حماية لمصالحها. المشكلة الآن يعني نتخيل لو أن (ماو تسي تونج) يخرج مرة أخرى من قبره سيرفض كلية هذا المنظور، لأنه كان يحمل رؤية عقائدية، أما الآن الصين، روسيا، كثير من الدول الغربية، من خلال رؤية براجماتية ذرائعية مصلحية تحاول أن تنضوي تحت المعطف الأميركي، ولكنها يقيناً تنتظر أقرب فرصة للانفلات من هذا الاحتواء، وهذا واضح منذ أيام قليلة فيما يتعلق بالموقف الروسي، وما أدرانا ما الذي سيحدث في المستقبل.

داخل الساحة الأميركية هنالك أصوات ولكنه أصوات مكتومة، أصوات محكوم عليها بالسكوت بسبب وجود مافيا يهودية قديرة على كتم كل الأصوات المعارضة للسياسة الأميركية التي تسعى إلى أن تنحاز باتجاه إسرائيل –كما قال هو نفسه صاحبنا بويل- على حساب المصلحة القومية الأميركية. سيجيء اليوم الذي ينتبه فيه الأميركيون أنفسهم إلى أن مصلحتهم القومية العليا قد ضُحِّي بها في سبيل إسرائيل، وحينذاك يمكن أن يكون الحال غير الحال.

فالمسألة ليست مسألة اقتناع بالرؤية الهوبزية لأميركا وموافقتها عليها، وإنما ضرورات الأمر الواقع التي تقود الأمم الغربية وبعض الأمم الشرقية حماية لمصالحها في أن تنضوي أو تدخل المعطف الأميركي، وما هي إلا مرحلة محدودة، وكما يتوقع هوبز ستقود إلى نتائج معاكسة تماماً ليست في صالح الولايات المتحدة على الإطلاق.

ماهر عبد الله: يعني ما هي.. ما هي المؤشرات على التطور بهذا الاتجاه، يعني علماً بأنه الفلاسفة من أمثال هوبز قراءتهم في المحصلة النهائية، استقرائية وليست تأسيسية؟ هو يعني لم ينتظر وصياً أو إلهاماً ليؤسس نظرية بطش ونظرية قوة، وهو استقرأ مجموعة حركات تاريخية.

د. عماد الدين خليل: هوبز.. هوبز يعبر عن سلسلة طويلة من.. من معطيات العقل الغربي، ليس هو الحلقة الأولى ولا الأخيرة. كل حلقات العقل الغربي كانت تعتمد منطوق القوة في التعامل مع الظواهر، ومع الخبرات، ومع التاريخ، ومع السياسات، ومع الأشياء، بمنطوق القوة منفصلة عن ضوابطها الخلقية والدينية والإنسانية. هذا ما حدث في الخبرة الماركسية على مستوى صراع الطبقات، وما حدث في الخبرة الفرويدية على مستوى الصراع النفسي، وما حدث في الخبرة القومية على الألمانية النازية التي نظَّر لها (فيختا) ونظَّر لها حتى (هيجل) يعتبر المؤسس الأول للعسكرية الألمانية، كلها وصولاً إلى.. ما يحدث الآن في الهوبزية الأميركية، منفصلة عن منطوق القوة. وبالتالي إحنا نرجع نقول بأن هذا الذي يحدث الآن هو استمرار لما ينظر به العقل الغربي، لكنه لا يعكس في نهاية الأمر طموحات أمم بكاملها لأن تتشكل بعيداً عن منطوق القوة وأن تعبر عن نفسها في سياقات أقرب إلى إنسانيتها من سياقات القوة المجردة.

ماهر عبد الله: طب من خلال هذا الوعي التاريخي في.. الحملة هذه كوننا نتحدث عن أميركا تحديداً، يعني وهذا نوع من الشهادة منا على أنها إقرار بمحوريتها في العالم. هذا الحملة الشاملة قراءتك –على الإرهاب المسماه "الحملة على الإرهاب"- قراءتك التاريخية لهذه الحملة إلى أين ستنتهي؟ وإلى أين ستقود أميركا؟ وإلى أين ستقود العالم؟

د. عماد الدين خليل: والله دائماً المثل أو المبدأ المعروف أن الفعل الخاطئ يولِّد في معظم الأحيان ردود أفعال خاطئة تساويه في القوة وتخالفه في الاتجاه، يُخشى أن يقود هذا الإرهاب الدولي الكبير الذي تمارسه الولايات المتحدة إلى ردود أفعال قد.. قد ينفلت عقالها، وتقود إلى ما لا تحمد عقباه، وأيضاً أقول بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية نفسها.

أما بالنسبة للعالم الإسلامي –كما يقول المثل- لم يعد ثمة شيء يخسره، فقد تكون ردود الأفعال لمصلحته في نهاية الأمر، ولكن يبقى دائماً أن الفعل الخاطئ يولد رد فعل خاطئ. يعني إذا رجعنا -أيها الأخ الكريم- إلى إعلان، حتى نشوف البعد الهوبزي للسياسة الأميركية والمنظور الإرهابي لهذه السياسة أن إعلان جنيف حول الإرهاب اللي صدر عام 87 لو أتذكر، واللي تضمن إحدى عشر نقطة حول تحديد مفاهيم الإرهاب، والله نقطة واحدة فقط لا تنطبق على أميركا، والآن لو تتاح الفرصة لأن أقرأ البنود الأحد عشر لهذا التحديد العالمي للإرهاب، فإننا سنجد ممارسة أميركية لعشر بنود من أحد عشر بنداً تحدد مفاهيم الإرهاب من منظور مجموعة من خبراء القانون الدولي.

عشر نقاط الآن بالضبط الآن أميركا تمارسها في تعاملها مع المستضعفين في الأرض، مع الشعوب الضعيفة، وواحدة فقط التي قد تمضي للتعامل مع جهات أخرى.

يعني ها هي ذي النقاط الأحد عشر أمامي، وممكن لو يسمح الوقت بتلاوة بعض جوانبها، سنجدها تنطبق انطباقاُ يكاد يكون كلياً على ما يجري في السياسات الأميركية التي نرجع أيضاً إلى بويل فنجد أنها انعكاساً للـ.. على كل حال قد أعثر عليها بعد قليل إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب، إلى يعني أن تعثر عليها أسألك سؤال: ذكرت أن جزء من الأهداف الرئيسية لقراءة التاريخ هو التعرف على قوانين حركة التاريخ، هل هذا الكلام يعادل ما كان يسميه الماركسيين سابقاً بـ "الحتميات التاريخية"؟ كون تعرفنا على الآليات التي تحرك التاريخ هل هذا يعني ضرورة الوصول إلى نفس النتائج؟

د. عماد الدين خليل: والله إلى نفس النتائج لأ، يعني أيضاً نقول أن العقل الغربي ينبض دائماً برؤية مادية منفردة من كل القيمة والضوابط الدينية والخلقية والإنسانية. يعني الآن اللي يحدث في أحدث المعطيات الرأسمالية الليبرالية في الغرب وهي نظرية (فرانسيس فوكوياما) في "نهاية التاريخ" تكاد تكون حركة مطابقة تماماً لرؤية (كارل ماركس) و(إنجلز) في "صراع الطبقات"، ولكن بزاوية 180 درجة، ها هنا الشيوعية وهناك الرأسمالية، ها هنا الخبرة الجماعية وهناك الخبرة الفردية. في الرؤية الماركسية نجد كيف أن ماركس وإنجلز يؤكدان على أن التاريخ سينتهي، سيضع مصائره في لحظة تاريخية يكون فيها الحكم للبروليتاريا للطبقة، العاملة، ولن يتحرك بعدها التاريخ باتجاه آخر، لأن هذه هي قمة انطباق قوانين الحركة التاريخية على الوضع التاريخي الراهن.

في أميركا اللي حدث.. ولكن بزاوية 180 درجة معاكسة نجد أن نهاية التاريخ يعلن فيها (فرانسيس فوكوياما) أن التاريخ البشري آل في نهاية الأمر إلى الخبرة الليبرالية الغربية التي تمثلها الآن أميركا، وأنه ليس ثمة تغير لهذا الحالة، ها هو ذا التاريخ ينتهي عند مرحلة الخبرة الليبرالية الغربية. وفي الحالتين النبض هو نبض مادي، ها هنا التكاثر بالأشياء، وفكرة التنمية المادية، وفكرة مجتمع الرفاهية الذي لا ينبض بأي عمق وجداني أو روحي أو ديني، وهنالك صراع الطبقات اللاهث وراء إنشاب الأظفار كل طبقة بالطبقة الأخرى وصولاً إلى طبقة البروليتاريا التي ستحكم العالم وفق منظور مادي يقوم على متغيرات التبدل المعروف في المنظور الماركسي لوسائل الإنتاج، وللظروف المادية الإنتاجية، وللبنى الفوقية التي يصير فيها الدين والجمال والوطنية والعائلة انعكاسات لحالة مادية. المادة في الحالتين، وهذا قادم منين؟ قادم من رحم أولئك الذين تربوا في كنف النصرانية التي كان رهبانها يكنزون الذهب والفضة ويعشقون المال، وفي كنف اليهودية التي وصفها القرآن الكريم ووصف أصحابها بإنهم الذين يعبدون العجل الذين (أُشربوا في قلوبهم العجل)، أي: الذين تشربت دماؤهم عبادة المال والذهب.

ماهر عبد الله: سنعود لمواصلة هذا، وأنا بودي أسألك عن مشكلة الأحكام القيمية هذه على التاريخ.

[فاصل إعلاني]

الأحكام القيمية وتطبيقها على واقع التاريخ

ماهر عبد الله: سيدي، لكن فيه مشكلة.. يعني المبادئ والشعارات والقيم الأخطر من الشعارات مشكلتها تقييمها للقياس صعب، حركة التاريخ حتى تكون منتظمة لابد من تحكيمها بشكل من الأشكال. المدخل المادي للتاريخ –على كل التحفظات عليه- في الأخير يضع مقاييس محددة، حتى في عالمنا اليوم هناك مقاييس للرفاهية، هناك مقاييس لتقدم هذا البلد أو.. أو تخلفه. في المقياس القيمي ستقف فقط على أحكام قيمية صرفة مع عجز كبير عن إعطاء آليات إما للتكرار أو للاستفادة أو لتحاشي الأخطاء.

د. عماد الدين خليل: هي هذه مشكلتنا إحنا في الحقيقة بعد انسحابنا من التاريخ بعد خروجنا من.. من مرحلة الإبداع والعطاء الحضاري أن.. أننا يوم كنا في قمة العالم أمة متحضرة قديرة على أن تعد البشرية بالشيء الكثير، كانت تتعامل وفق هذا الجدل ما بين القيم وما بين الواقع التاريخي، فاستطاعت أن تنزّل القيم المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- إلى الواقع التاريخي، فأصبحت القيم حالة تاريخية، حالة منظورة، حالة متحققة في الزمن والمكان. الذي يحدث الآن في الساحة الغربية أن الرفاهية والتقدم المادي يقود البشرية إلى "الإمبيق" كما يقول (مارسيل فوازار) في كتابه "إنسانية الإسلام"، إلى الإمبيق الضيق حيث تتسطح الحياة، وتغدو مجرد لهاث متواصل وراء التنمية المادية والتكاثر بالأشياء، وهذا الذي يئن منه كبار الفلاسفة والعلماء والمؤرخين والباحثين الغربيين أنفسهم، بأن الحضارة الغربية بتجاوزها للقيمة ذات العمق الروحي الوجداني الإنساني الخلقي الديني كادت شعوبها والمنتمين إليها إلى حالة من التضحل المادي الذي يؤذن هو الآخر بدمار لحتى مستويات العطاء المادي، كما حذَّر يوماً (كيندي) في عام 63، وكان قبله في نفس الفترة (خورشوف) في الساحة الروسية، من أن انكباب الشباب والأجيال القادمة التي ستترتب على جهودها القدرة على الصيرورة الحضارية، على الاستمرارية الحضارية، ستؤول إلى نوع من التفكك والعجز والشلل، وقد يقود الحضارة في البيئتين إلى دمار أو إلى نوع من العجز الذي يؤذن بخراب كبير، بسبب من أن الشباب انفكوا عن منظومة القيم التي تفرض عليهم نمطاً معيناً من الحياة يجعلهم يلتزمون بالبعد الإنساني والبعد الإبداعي أيضاً.

اللي أريد أقوله يعني حقيقة في هذه المسألة أن الإسلام قدر على تحقيق –في الفترة التاريخية التي تحدثنا عنها- على الإمساك بالعصا من أوسطها، وعلى أن ينزِّل القيم العليا في واقع الحياة، ولكننا بأنفسنا اخترنا أن نفك الارتباط وأن نخرج من التاريخ، لأننا لم نعرف كيف نواصل التعامل مع هذه المعادلة الصعبة وهي: تنزيل القيم في واقع حياتنا.

دائماً أذكر –على سبيل المثال- أن القرآن الكريم يرفع خطابه الواضح الصريح أحياناً بعناوين السور نفسها، إحنا عندنا ثلاث سور في القرآن الكريم وتسميات السور قد أوقفت من لدن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سورة باسم "الحديد"، وأخرى باسم "الشورى"، وثالثة باسم "القلم". هذه منظومة من قيم القوة والتحقق المعرفي والإنساني أيضاً، طبقات يعلو بعضها بعضاً مطالبون بها جميعاً، مطالبون بتنفيذها في واقع حياتنا جميعاً، مطالبون بالإصغاء للخطاب القرآني لكي تكون حياتنا قائمة على الحرية أو الشورى، وعلى المعرفة أو القلم، وعلى القوة أو الحديد، عندما وضعنا في آذاننا شمعاً ولم نعد نصغي جيداً للمطلوب القرآني، وتحول حياتنا في القرون الخمس الأخيرة على وجه التحديد إلى استلاب سياسي يكاد يبتز الإنسان من الداخل، الإنسان المسلم، ويتركه ركاماً، وهذا الاستلاب واصل يعني بصيغة موالية.. متوالية هندسية جعلت حالة الاستلاب في ديارنا أكثر بكثير في مساحاتها من حالة الحرية والشورية التي أكَّد عليها القرآن الكريم. عندما تخلينا أيضاً عن ملاحقة سُلَّم المعرفة للوصول إلى.. إلى المستويات التي أرادها القرآن الكريم، عندما تخلينا عن.. عن.. عن متابعة منطوق القوة وضرورة إعمال عقول ذات الكتلة من أجل استخراج طاقاتها والكشف عن سننها للتحقق بالقوة حينذاك خرجنا من التاريخ، لو أننا أحسنَّا توظيف هذه الثلاثية وفق ترابط محكم -كما أراد لنا القرآن الكريم- لكان الحال غير الحال، يعني السبب ليس وجود خطأ أو عدم قدرة على تنزيل القيم على واقع التاريخ، وإنما خطأ أن أمة اختارت ألا تواصل ما فعله الأجداد في تحقيق الوفاق بين القيمة والقوة، أو بين القيمة العليا والتجربة المعاشة على أرض الواقع، القرآن كان يقوله صراحة على مستوى القوة: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قويٌ عزيز) أي أن حماية الموروث النبوي القيمي في هذا العالم إسلامياً وما قبل الإسلام أيضاً الذي آل -بحكم أن الإسلام هو الديانة الخاتمة- الذي آل إلى الأمة الإسلامية لن يتحقق إلا باعتماد القوة، ها هنا تصير القوة ليس هدفاً بحد ذاتها كما هو الحال في الساحة الغربية أو أداة للتنمية المادية الصرفة فيما يسميه (جارودي) في كتابه "وعود الإسلام" العلموية المادية والعلموية.. العلموية المادية وصنمية التقاتل بالأسلحة والجيوش والمال، يعتبرها نوع من أنواع الصنمية التي تستلب الإنسان وتبعده عن.. عن نبضه الإنساني الذي كما يقول أيضاً (إليوبون فايس) في كتابه "الطريق إلى مكة" محمد أسد، يقول: لقد فقدت الحياة سر طلاوتها في.. في الغرب بسبب أنها تضحت واندفعت بعين واحدة باتجاه كل ما هو مادي تنموي في هذه الحياة، وآن لهذه الحياة أن تتلقى دفقة روحية تعيد إليها التوازن، إحنا نحمل هذا المشروع، يعني الذي يعطينا الأمل في المستقبل، وقد تكون هذه نقطة سأعالجها فيما بعد، إن شاء الله، الذي يعطينا الإشارة للمرور إلى مستقبل العالم أننا الأمة الوحيدة التي تحمل القدرة على إعادة توازن لعالم انحرف به المسار ومال بثقله وبعينه العوراء الواحدة كالمسيح الدجَّال باتجاه كل ما هو مادي في هذه الحياة.

ماهر عبد الله: ..ما.. ما الذي نملكه يعني؟ يعني عندما تقول نملك القدرة، ما الذي نملكه؟ ما هي المؤشِّرات التي تعتمد عليها حتى تقول أننا الأمة الوحيدة القادرة على أن نعيد التوازن؟

د. عماد الدين خليل: قوة الفكر، أيُّها الأخ الكريم، قوة هذه العقيدة، قدرتها على الإقناع، قدرتها على اختراق عقل الآخر بغض النظر عن مستواه الحضاري، لا، بل بالعكس نجد أن عقليات كبيرة في الساحة الغربية حتى اللحظة الراهنة تنتمي إلى هذا الدين بما يملكه هذا الدين من قدرة على الإقناع وبالوعد الذي يقدِّمه هذا الدين للحياة الغربية المتضحلة بإعادتها إلى سويتها الإنسانية.

ماهر عبد الله: ما.. ما.. اسمح لي، ما هي فيه.. فيه يعني اسمح لي على التعبير أنا شايف خلط بين الإسلام وبين المسلمين، الإسلام يملك باعتبار أنه لله جلَّ وعلا، لكن الإسلام لا يتحرك نحن الذين نتحرك، أنا لا أريد ما الذي يملكه الإسلام، أنا أريد ما الذي يملكه المسلمون.

د. عماد الدين خليل: هذا الذي يحدث -أيها الأخ الكريم- في الساحة الغربية من انتماء العديد من العقليات الغربية المتفوقة إلى هذا الدين، وبالمناسبة هنالك إحصائية تقول أن الذين انتموا إلى الإسلام في أعقاب واقعة الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول الماضي أكثر في مدى زمني معين من أولئك الذين -في الساحة الأميركية بالذات- من أولئك الذين انتموا إلى الإسلام فيما قبل واقعة الحادي عشر من سبتمبر، ولا يدحرج في الفراغ، والذين يوصِّلون الخطاب الإسلامي إلى الآخر هم نخب إسلامية، سواء تعمل في الساحة الغربية أو تعمل في الساحة الشرقية، صحيح أن الأمة الإسلامية تعاني من الإحباط، تعاني من الكسل والخمول، تعاني من.. من فقدان النبض الحضاري، ولكن لا ننسى أن هذه الأمة يظل فيها كما وعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- النخب والطلائع التي تتمكن من حمل الخطاب الإسلامي إلى الآخر، وبالتالي من تقديم هذا الدين للآخر وإقناعه بمصداقيته، يعني الذي يحدث الآن في الساحة الغربية شيء مدهش حقاً، يعني الرجل الثاني في حزب العمال الديمقراطي المسيحي الذي كان يحكم ألمانيا في فترة ما قبل الحزب الأخير انتمى إلى الإسلام، (مراد هوفمان) السفير الألماني في المغرب.. قبل أيام قلائل ربما يكون السفير..

ماهر عبد الله: الإيطالي.

د. عماد الدين خليل: الإيطالي في السعودية انتمى إلى الإسلام، نخب عديدة غربية تنتمي إلى الإسلام، قبل الانتباه للإسلام لنقرأ معطياتهم الفكرية في السياقات الفلسفية والتاريخية، والاستشراقية، والإعلامية، والبحثية عموماً نجد كيف أنهم جميعاً يشيرون إلى أن الحضارة الغربية وصلت إلى طرق مسدودة، صحيح إنها متفوقة.. متفوقة كما يقول (جارودي) بمنطوق القوة المجرَّد عن عمقه الإنساني، ويُخشى والله –أيها الأخ العزيز- أن تمضي هذه القوة وإغراءات هذه القوة إلى ما هو أشد وأنكى، وأحياناً نجد انعكاسات هذا في السياسات الداخلية والخارجية في التشريعات في القوانين، يعني أذكر لك على سبيل المثال، كيف أن أحد رؤساء الولايات المتحدة الأميركية -لا أتذكر من هو على وجه التحديد- أباح اللواط أو الشذوذ الجنسي في معسكرات الجيوش الأميركية في المعسكرات الأميركية، وكيف أن كنيسة بروتستانتية إنجليزية -والإعلان الموجود عندي كان بعثه إلى أحد الإخوة في بريطانيا- يدعو إلى قبول الزواج النبطي.. النمطي في ساحات الكنيسة في محاولة منها لكسب الأتباع، هذه الرؤية البراجماتية النفعية من أجل أن تكسب مزيداً من الأتباع تبرِّر لنفسها أن تخترق تعاليم السيد المسيح عليه الصلاة والسلام، وتدعو إلى قبول الزواج النمطي في..، مؤتمرات النساء التي تمت في بكين وفي مدن أخرى، ثلاثة مؤتمرات كبيرة للنساء أباحت الانفراط الجنسي على مداه وشجَّعت على إعطاء الحرية الجنسية على مداها، إلى أين ستذهب بنا هذه الحضارة الجانحة كما يقول، مجرد إنه يرجع إلى كتاب "إزاء الإسلام" لـ (بوازار)، "وعود الإسلام" لـ (روجيه جارودي)، "شمس الله تسطع على الغرب" لـ (زجرد هولجا) الألمانية، فإننا سنجد كيف أنهم يشيرون بلسان الحال حيناً وبلسان المقال حيناً آخر إلى أن هذا الدين هو الوحيد القدير على إنقاذ البشرية من الجنوح الذي حدَّثنا عنه القرآن الكريم عندما قال: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً)، حضارة الغرب في اللحظة الراهنة هي حضارة الميل العظيم باتجاه كل ما هو مادي منسلخ من أساسه عن القيم الإنسانية والخلقية والدينية.

ماهر عبد الله: طيب، أنا سأعود لملخص هذه الفكرة، ولكن معي إخوة على الهاتف منذ فترة نستمع إليهم ثم نعود، معايا الأخ عدنان الكلدار من بريطانيا، أخ عدنان اتفضل.

عدنان الكلدار: ألو، السلام عليكم.

د. عماد الدين خليل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

عدنان الكلدار: تحية إلك وللدكتور عماد الدين، والحقيقة جداً هاي المعلومات قيمة وعميقة، وإن شاء الله تبعث الأمل في نفوس المسلمين وهمَّ في أحلك الظروف التي يمرون فيها، مثل ما شاهدنا إنه العدو الإسرائيلي الصهيوني يعني يقوم بهجمة إجرامية شرسة يمكن أن تصفها بكل الكلمات إرهاب، وإنه الدولة الوحيدة اللي تدعمه مثل ما شفنا أميركا باتخاذ قرار الفيتو حتى من حمايته من أي قرار سياسي يتخذ ضدها، وإن مجلس الأمن بالإجماع وقف ضد هذا القرار الأميركي، فالكلام اللي يقوله الدكتور عماد الدين أنا أتفق وياه 100% إنه أميركا الآن هي التي تأوي الإرهاب الإسرائيلي وتدعمه، وبذلك يعزلون نفسهم عن كل العالم الباقي، فهذا فاشية، الكل يتفقون عليها، يمكن أكثر من مليار مسلم اليوم يتفقون على ذلك، ومع هذا نرى أنهم يحاولون الآن الهجوم على الجانب الروحي في الإسلام والجانب العقيدي، ويحاولون تغيير أو إفراغ الإسلام من فحواه، إن شاء الله هاي طبعاً ما يتوفقون في هذا عملهم.

السؤال هو للدكتور: إنه إحنا واثقين إنه أميركا وإسرائيل سيزولون، فكيف نظرتكم أنه كيف سيكون ذلك؟ وهل هذا سيكون مع ظهور الإمام المهدي أو أنه أكو طريقة ثانية في رؤياه؟ وشكراً لكم.

ماهر عبد الله: أشكرك عدنان.. معي الأخ يوسف الحجي من الإمارات.

يوسف الحجي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. عماد الدين خليل: وعليك السلام والرحمة والإكرام.

يوسف الحجي: (…)

ماهر عبد الله: جميعاً إن شاء الله.

يوسف الحجي: عيد مبارك يعني.

د. عماد الدين خليل: الله يبارك فيك.

ماهر عبد الله: عيد مبارك على الجميع يا سيدي.

يوسف الحاجي: يا سيدي، أنا عندي كلمتين بس للدكتور -الله يطوِّل عمرك- ما موقف الإسلام في هذا الظروف اللي نحنا نشوفه؟ الظروف اللي تقطع على عالم الانتفاضة المظلومين، ومتى بينصر الإسلام؟ ومتى يقدر الله -سبحانه وتعالى- يفرِّج علينا. وشكراً.

الأمة الإسلامية وكيفية مواجهة الأزمات الحالية

ماهر عبد الله: مشكور يا سيدي.. سيدي، قبل أن.. دكتور عماد، قبل أن نعود إلى الأسئلة.. ما تحدثت عنه حضارة الميل فيه إدراك، أنا أتفق معك إنه فيه إدراك في الأوساط الغربية لهذا الميل، ولكن هذا الإدراك هو إدراك المستمتع بهذا الميل، وثمَّة خوف حقيقي من أن ما تتحدث عنه عن موازنة بمنظومة فكرية قيمية، أيضاً معروفة ويُرى أنها في الإسلام، ولكنها أيضاً تُحارب، يعني أنا أعلم أنه نتحدث عن التاريخ بشكل عام، ولكن كوننا نتحدث عن هذه الأزمة البعض يشير إلى أن جزء من هذه الحرب فضلاً عن الناظم المشترك من أن كل الحروب في العشرين سنة الأخيرة هي ضد المسلمين بطريقة أو.. من الطرق أو بين مسلمين، لكن هناك أيضاً حرب فكرية، يعني التبني العجيب الذي جرى لكاتب مثل (سلمان رشدي) في.. في الثمانينات، ما يقع الآن وخلال هذا العام من جائزة نوبل للمفكر الهندي البريطاني، يعني أطروحة (نيبول) التي ألمح أحد أفراد لجنة التحكيم إلى أنه فيها شيء من المجهود البسيط للمشاركة في الحرب على الإرهاب، كتابه الأخير الذي استدعى طبعاً هو مؤلِّف روائي في المقام الأول، والجائزة التي أخذها جائزة أدبية قبل أن تكون تاريخية، ولكن الكتاب الذي لفت الأنظار إليه بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وهو الكتاب عن رحلة في أربع دول إسلامية غير عربية، المقولة الجوهرية في هذا الكتاب هو أن الحضارة الإسلامية حضارة طامسة طمست كل ما سبقها من ثقافات وحضارات أخرى، ولم تستبدلها بفكر تنويري بحضارة أو ثقافة قابلة للإنتاج الذي قد يفيد البشرية، بغض النظر عن هذه المقولة، هذا جزء من.. من حرب على هذه الفكرة، إذا كنت في موقف مادي ضعيف، موقف اقتصادي ضعيف، معرفة الأمة متوقفة عن إنتاج المعرفة منذ زمن وفوق هذا تواجه حربين في وقت ما، حرب استئصالية تطهيرية وحرب على الصعيد الفكري لتشويه هذه الفكرة على افتراض أنها تحمل القابلية لأن تعيد التوازن، في حال الحرب هذه على.. على الفكرة، كيف يمكن أن تواجه؟

د. عماد الدين خليل: والله أنا أتذكر الآية القرآنية الكريمة اللي تقول: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا) والرد عن ديننا بكل الصيغ والأساليب بدءاً باستخدام منطق القوة الصرف وانتهاءً بالجدل الفكري، والتلفيق، والتزييف، وتوظيف الإعلاميات الحديثة لتدمير كل ما هو إسلامي أصيل في هذا العالم هذا كله موجود، ولكن رب العالمين جعل في هذا الدين وفي نخبه القديرة على التفاعل الصحيح معه وعلى رفع خطابه إلى الطرف الآخر ما يمكِّن لهذا الدين من شق طريقه في اللحظة الراهنة وفي المستقبل، رفض كل التحديات، يعني رغم إن إحنا أمة مهزومة، لا تملك حضارة، ولا تملك كياناً حتى سياسياً يؤهِّلها لأن تقف في مواجهة الآخر بخطاب أشد قوة وأكثر إحكاماً، لكن مع هذا إن في هذا الدين من القدرة ما يجعله يخترق كل التحديات ويتموضع في قلب العصر الذي يتعامل معه لا لشيء إلا لأن كل المذاهب، والنظريات، والأديان المحرَّفة وصلت إلى طرق مسدودة عبر الـ 25 أو الـ 75 عفواً السنة الأخيرة، ولم يبق يحمل مصداقيته إلا مصداقيته إلا هذا الدين، وهذا هو اللي فسر لنا انتماء هذا العدد الكبير في الغرب والشرق من غير المسلمين إلى هذا الدين، فماذا لو أحسن المسلمون برمجة نشاطهم، وأصبحوا أكثر قدرة على تنظيم وضعهم في العالم المعاصر فإنهم بالتأكيد سيجنون من المكاسب لصالح هذا الدين الشيء الكثير، إحنا كمسلمين حقيقة مؤمنين حتى النخاع بأن المستقبل لهذا الدين، وهو قضية في المستقبل –أيها الأخ الكريم- قد سألت سؤالاً حقيقة في محله تماماً، يتحرك على مستويين الجواب، المستوى الأول: على.. في نطاق المسلمين أنفسهم، المستوى الأول في نطاق الطرف الآخر، في نطاقنا إحنا كمسلمين مؤمنين حتى النخاع في أن المستقبل لهذا الدين، (كتب الله لأغلبنَّ أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)، ولكن لا يتحقق هذا إلا بالأخذ بالأسباب، والأسباب بينتها قبل قليل، يعني تفلتنا عن الأخذ بالأسباب، تفلتنا عن الأخذ بمفهوم الشورى في حياتنا التاريخية الطويلة، تفلتنا عن الأخذ بظهور التنامي المعرفي كما أكَّد القرآن الكريم في سورة القلم، لا بل كما واضح في الكلمة الأولى التي تنزلت على رسول الله في غار حراء، إحنا عمقنا، أيها الأخ الكريم، عمقنا ديني عمق معرفي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، عمقنا الإنساني الكوني أيام خلق آدم (وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) أيضاً عمق معرفي تفلتت هذه المسألة من أيدينا، وأصبحنا أكثر الأمم جهلاً وتجاهلاً، وكذلك الحال على مستوى.. لو استطعنا أن نسترجع التحامنا بالخطاب القرآني، وتحققنا بالقوة والمعرفة والحرية معنا، فهل سيكون الحال غير الحال؟ سينضاف إلى قدرة الإسلام الذاتية على الإقناع قدرته على ملء الفراغ، أي بأصحابه الذين يعرفون كيف يكونون في مكان متقدم بين الأمم أكثر قدرة بالتأكيد من وضعهم الراهن لإيصال الخطاب الإسلامي للآخر، وسيكون المستقبل بالتأكيد لهذا الدين، أما على مستوى الآخر فإنهم يقولون يعني أُتيح لي في يوم ما أن أتعامل مع النصوص ما يقرب من 75 مفكِّر، ومستشرق، ومؤرِّخ غربي وجدتهم جميعاً يؤكِّدون على أن خروج البشرية من لحظاتها الراهنة التي تجد نفسها هي في مأزق من الكثافة المادية ومن.. ما يسميه (جان جينيه) بالثقل المادي المبهر في هذا العالم، واللي يحول الحياة إلى شيء لا معقول، ويفقد الكون والوجود البشري هدفيته ومغزاه، سيعود كما يقول هؤلاء الـ 75، وما فيه داعي لذكر أسماء لكن مرَّت أسماء بعضهم: (جارودي)، و(مارسين لي بوازار)، (سيجي درونكا)، و(جوستا فلوبون)، و(اليوبول فايس) وآخرين كلهم يؤكدون على أنه ليس ثمة من خلاص للبشرية وعودة إلى سويته الإنسانية اللي تطرحه إليها إلا بأن الدين الإسلامي بالذات طرفاً في المشروع الذي يراد له أن يصون حياة البشرية ويشارك في المصير.

ماهر عبد الله: طب أنا هأسألك عن هذا، ولكن بعد هذه الهواتف، الإخوة على الهواتف من فترة الأخ سالم عبد الله من بريطانيا، اتفضل.

سالم عبد الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

سالم عبد الله: كل عام وأنتم بخير.

ماهر عبد الله: وأنت بخير

د. عماد الدين خليل: الله يبارك فيك.

ماهر عبد الله: اتفضل.

سالم عبد الله: لي تعليق عن الصراع بين الحضارة الغربية والإسلام اللي تقوده أميركا ضد العالم الإسلامي، هذا العالم سبق وأنه احتل من قبل الغرب نفسه، وحُكم حكم.. حكماً مباشراً من قِبله، كما سُلِّمت الأمور لقادة ومفكرين وأحزاب هم أعداء لأمتهم، حاملين للحضارة الغربية، ضاربين للإسلام من كل جانب، وساحقين أمتهم إلى أبعد الحدود، فها هم جنود اليهود يتحركون دون خوف أو وجل لضرب المسلمين في فلسطين، لأنهم في أمان، حيث أن الحكام تعهَّدوا لهم بأن يكبِّلوا كل من يريد ضربهم، وهكذا نجد قوات التحالف الشمالي تستعين بالكافرة أميركا حامل الحضارة الغربية بضرب أبناء جلدتهم من المسلمين، كيف يغيِّر المسلمين حالهم وما في أنفسهم والحكام يلاحقون المخلصين من هذه الأمة منذ 1953، حيث أصبح الإسلام ناصعاً واضحاً بأفكاره وطريقة تنفيذه، ألا ترى -أخي الفاضل- أن هناك اختلافاً في موقف الدول الغربية نفسها مع بعضها البعض؟ فمثلاً نجد أن هناك اختلافاً بينهم حول إرسال قوات دولية، بريطانيا تقول على.. كما ذكره فهمي هويدي في جريدة "الشرق الأوسط"، قال بأن وزارة الخارجية البريطانية قالت لهم بأننا وقفنا مع أميركا في حربنا في أفغانستان حتى نمنع أميركا من توسيع الحرب لتشمل العراق، ألا ترى أن هناك اختلافاً في المصالح بين هذه الدول الكافرة أنفسها؟ وجزاكم الله خيراً.

ماهر عبد الله: مشكور أخ سالم، معي الأخ محمد دخيل من السعودية، أخ محمد تفضل.

محمد دخيل: ألو، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. عماد الدين خليل: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد دخيل: مساء الخير، وكل عام وأنتم بخير.

ماهر عبد الله: وأنت بخير سيدي.

محمد دخيل: عفواً الصوت شوي مو واضح.

ماهر عبد الله: الصوت أنت ارفع لي صوتك شوية، وإذا عندك جهاز تليفزيون لو تنزل صوته شوي لو سمحت.

محمد دخيل: هو أنا.. في الحقيقة الموضوع طويل ويستحق يمكن أكثر من حلقة، وأفادنا كثير المفكر ضيفك اليوم، ولكن أنا أحب يعني تعليق بسيط، وأنا ألاحظ كثير من المثقفين العرب، وطبعاً حول مستقبل الأمة، وإذا أردنا فعلاً أن نوصل فكر الأمة كامل بما فيه يجب أن يكون الترتيب من الداخل، فماذا عددنا الأجيال، أو فلنقل: الجيل الحالي الآن كثير من المثقفين يراهنون على أن الجيل الحالي هو الجيل صاحب قرار، جيل –يعني- من الممكن أن كان له حظ أو نصيب من استخدام التقنية الحديثة وفي الحقيقة مجرد تغيير في طريقة تفكير وليست طبيعة، فعلاً نحن بحاجة إلى صناعة جيل قادر على توصيل مثل هذه الرسائل.. مثل الرسالة الضرورية التي يقودها هذا المفكر وأمثاله، فما.. لا أعلم..

ماهر عبد الله: مشكور يا أخ محمد اعتقد المداخلة واضحة والسؤال واضح بس عوداً على سؤال الأخ سالم عبد الله، جزء من كلامه كان عن الاستعانة بالأجنبي والاستعانة.. عندي سؤال.. سؤالين الأخ.. الأخ محمد الشيمي مهندس من مصر يقول: الرجاء توضيح آثار الاستعانة بالأجنبي في تاريخنا المعاصر والتي أدت إلى ما نحن فيه من أزمة، ويقول أنا أعتقد أن أهم العبر التي يجب أن تؤخذ من التاريخ أن هزائم الأمة لا يتأتى، أو لا يأتي إلا من استعانتها على بعضها بالأجنبي، فحينما استعان المسلمون على بعضهم بالفرنجة في الأندلس ضاعت الأندلس، الظاهرة ليست جديدة، والأندلس لم تكن الحالة الوحيدة، حتى بعض إخوة صلاح الدين والإمام الكامل قبله، يعني ظاهرة تتكرر، هل هي مرتبطة بدرجة انحطاط، أم هي مرتبطة بمجرد صراع بقاء؟

د. عماد الدين خليل: والله بالاثنتين معاً، يعني مرتبطة بصراع البقاء وحماية المصالح المحدودة لهذا الأمير أو الملك، أو السلطان أو ذا، مرتبطة أيضاً بموضوع عدم قدرة هؤلاء على استيعاب المفاهيم الإسلامية الأصيلة التي صنعت الأجيال الأولى ومكنتها من حماية نفسها، إحنا في حاجة إلى أن نحصن أنفسنا تجاه كل ما يشدنا إلى الوراء إلى الخلف، تجاه كل ما يقودنا إلى الدمار وإلى التهلكة، لأن المعادلة القرآنية واضحة (من يعمل سوءاً يُجزى به).

ماهر عبد الله: (يجزى به).

د. عماد الدين خليل: أو (لمَّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنَّ هذا قل هو من عند أنفسكم) في المراحل التي نتفلت بها عن المطلوب القرآني بما فيه قضية الاستعانة بالكافر نرجع خطوات كبيرة إلى الوراء ونتقهقر وهذه مسألة استعانة بالكافر يعني على المستوى الفقهي الصرف تعتبر خروجاً عن مطالب الإسلام، يعني ليست مسألة هينة أن استعين بالكافر على هذا المسلم أو ذاك، مسألة على درجة كبيرة من الخطورة ويجب أن يُعاد النظر فيها مرة ومرتين وثلاثة لكي لا نقع في نفس المطب الذي وقع فيه أجدادنا في الأندلس وضيعوا الأندلس هذه الفردوس المفقود بسبب بأنهم مدوا أيديهم إلى (ألفونس السادس) حيناً، وإلى (ألفونس السابع) حيناً آخر، وإلى (فرديناند) و(إيزابيلا) حيناً ثالثاً على إخوانهم المسلمين فأخرجوا جميعاً، إحنا في المنظور الغربي سواء مددنا إليه.. إلينا أيديهم أم لم نمدها إحنا محسوبين على خارطة الإسلام وبالتالي علينا أن ننتبه كي لا ينطبق علينا المثل الذي دائماً يتحدث عنه كأنه يعتمده ابن الأثير في كتابه "الكامل" "خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين"، إحنا في أمس الحاجة إذن إلى أن ننتبه في أننا سنخسر المعركة مرتين لو أننا وضعنا أيدينا بأيدي الخصم، وعلينا أن نتحقق بخصوصياتنا باستقلالية، لكن كيف؟ تلك هي مسألة أخرى قد تحتاج إلى وقت طويل للحديث عن ما يمكن فعله، ولكن يبقى أن نقطة الارتكاز فيما يمكن فعله هو العودة ثانية للالتحام بالخطاب القرآني وإدراك روحه ومغزاه من أجل أن نرجع ثانية إلى العالم بعد أن نفينا منه، وما لم نرجع إلى الخطاب القرآني وإلى التعامل الجاد مع.. مع المعطيات القرآنية فلن يكون لنا مكان بين الأمم على الإطلاق كما يحدث الآن، وكما تنبأ الرسول –عليه الصلاة والسلام- عندما حذر من أن هذه الأمة ستكون القصعة التي يولم عليها المولموم، فلما سأله أحد الصحابة: أمن قلة هم يوم إذن يا رسول الله؟ قال: بل هم كثيرون، ولكنهم، أو ولكنكم بالخطاب المباشر غثاء كغثاء السيل. فحتى لا نكون غثاءً لا يقيم لنا الآخر وزناً علينا أن نتحقق بالمطلوب القرآني، والمطلوب القرآني يقودنا إلى برنامج عمل محكم لو أحسنا الالتزام بحلقاته كافة وليس بطريقة أن نأخذ القرآن عضين مفككاً بعضه عن بعض، فإننا سنصل إلى الهدف المطلوب بكل تأكيد (ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز).

ماهر عبد الله: طب من.. من وجهة نظر أخرى مغايرة تماماً كان واضح في كلامك التركيز على القيم الإنسانية في حركة التاريخ الإسلامي على الأقل، أخ يُعرف نفسه بأنه قبطي من مصر يسأل، يقول: أحرق الرسول نخيل اليهود بعد تحريمه قطعه، لقد سبق نبيكم (ميكافيللي) بقرون، أتعتبون الآن على أميركا؟

د. عماد الدين خليل: لم.. لم يصدر من الرسول تحريم لقطع النخيل، يعني في حالة الحرب جزء أساسي من حالة الحرب هو تدمير.. ليس تدمير الإنسان المسالم، تدمير اقتصاديات الخصم، واقتصاد الخصم جزء أساسي من المنظور التعبوي، ويظهر الأخ أنه لا يدرك جيداً الحلقات التي يرتبط بعضها ببعض في العمل العسكري التعبوي، في الجهد التعبوي في الساحات الميدانية يتوجب على الطرف المحارب أن يلاحق كل القدرات التي تمكن خصمه من الاستمرار على المقاومة، بما فيها الجانب الاقتصادي، مسألة معروفة هذه، ولكن حديثنا ما كان منصب على تدمير اقتصاديات الخصم بقدر ما هو تدمير الإنسان المسالم، الشيخ، الإمرأة، الطفل التي تعينه على استمرارية الحياة، وخليني نسأل أيضاً: ما الذي فعلناه نحن عندما دخلنا خيبر، وعندما أعاد الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى يهود خيبر أسفار كانت قد وقعت في أيدي الفاتحين، ولحد الآن إسرائيل و (ولفن سيل) (الباحث اليهودي (..) المعاصر) يقول: "والله إحنا نشير بإصبع الإعجاب إلى.. إلى محمد بن عبد الله كيف أنه أعاد إلى أجدادنا اليهود أسفارهم الضائعة"، وأما هم النصارى عندما دخلوا الأندلس فإنهم أحرقوا ودمروا تراثنا بالكامل، مائة ألف مخطوط لم يبق منها في أقبية (الاسكوريال) في اللحظات الراهنة سوى ألفين فقط، يعني 792 ألف عمل معرفي وفكري ومصنف ذو قيمة بالغة أحرقتها الكنيسة النصرانية بسبب من توجهها الطائفي الذي يصادر أفكار الآخرين، وإحنا في تاريخنا لم يحدث وأن صادرنا فكر الآخر دينياً كان أم وضعياً.

ماهر عبد الله: الأخ سالم، عفواً الأخ عدنان يعني فهم من كلامك تنبؤ بزوال إسرائيل وأميركا، وكان يريد أن يعرف إذا كان هذا التنبؤ صحيح كيف سيتم ذلك، هل.. هل ترى مؤشرات على ذلك؟ وهل هناك أي ارتباط بين هذا وبين ظهور المهدي؟

د. عماد الدين خليل: خليه يبدأ بالأقرب، أيها الأخ الكريم، ثم نلجأ إلى.. لا أقول التنبؤ، وإنما نوع من التخمين والحدس الذي يبني النتائج على أسبابها ومقدماتها في الفعل التاريخي نفسه، يعني خليه يبدأ بالأقرب إلنا وهو أن نظام القطبية الأحادي.. الأحادي الآن الذي يحكم العالم من خلال الإرادة الأميركية هل يمكن أن يستمر؟ هل شهد التاريخ البشري نظاماً يقوم على القطبية الأحادية؟ أبداً، كان دائماً هنالك روما بمواجهة أثينا، وأوروبا في مواجهة الشرق، والبيزنطية في مواجهة الساسانية، والإسلام في مواجهة أوروبا، ونابليون بونابرت في مواجهة بريطانيا، وروسيا في مواجهة نابليون بونابرت، وبريطانيا العجوز، الإمبراطورية العجوز في مواجهة أميركا المتطلعة إلى أن تحل محلها، والاتحاد السوفيتي في مواجهة أميركا، وأميركا في مواجهة الاتحاد السوفيتي، حالة استثنائية جداً أن يحكم العالم قطب واحد وبالتالي إحنا نتوقع على مستوى الفعل التاريخي والوقائع التاريخية ألا يدوم الأمر كثيراً بانفراد الولايات المتحدة بحكم العالم ووفق نظام القطبية الأحادية، وإحنا في المنظور القرآني عندنا، (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا ما رحم ربك ولذلك خلقهم)، أي خلقهم للتدافع والتغاير والاختلاف، (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) الآن.. الآن.. الآن الأرض تفسد، تفسد بقيادة تبيح اللواط، وتبيح الشذوذ الجنسي، ويصل العفن حتى إلى بعض رؤسائه فيما نعرفه عن فضائح (كنيدي) مع (مارلين مونرو)، وفضائح (كلينتون) مع (مجروسكي).. مع (لويسكي)، وأمور كثيرة أخرى لا يسمح حتى الذوق بالحديث عنها، حضارة تميل هذا الميل العظيم لا يمكن أن (...) البشرية، إحنا دائماً نتساءل: إلى متى تظل العقول الوضيئة، والأيدي المتوضئة والحضارة الطاهرة النبيلة التي تليق بإنسانية الإنسان والتي تحمي الأسرة، وتحمي الإنسان، وتحمي كل القيم في هذا العالم منسحبة من العالم ولا يتاح إلا لحضارات القوة المترعة من الداخل بالعفن والفساد والتفكك الخلقي أن تحكم العالم؟! هذا أيضاً يقودنا إلى القول بأن ثمة فرصة في المستقبل لهذا، وأخيراً نستطيع أن نقول: بأن القرآن الكريم يحسم هذا الأمر كله عندما يقول في آية كريمة (أو لم يروا أنَّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو أسرع الحاسبين).

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، الأخت أمل يونس من أميركا مصرة أن تعيدنا وإياك إلى ما بحثت عنه ولم تجده، تقول: أنا أتفق مع.. مع أخي الدكتور عماد الدين وأوافق معه في كل ما قاله، وأنا في انتظار سماع النقاط الإحدى عشر لمسألة الإرهاب والتي تطبق أميركا عشر نقاط منها، وشكراً.

د. عماد الدين خليل: يعني شكراً جزيلاً لهذا السؤال اللي هو حقيقة في صميم الموضوع، ونجد كيف أن البند الأول من إعلان جنيف حول الإرهاب اللي صدر عام 87 هو اللي قدر ينطبق على مجريات الأمور في العالم الثالث، واللي يدينه، اللي يعتبر إرهاب أعمال الدولة البوليسية ضد مواطنيها أنفسهم ببث الرعب بينهم عن طريق المتابعة المخابراتية وتفريق الاجتماعات والتحكم في وسائل الإعلام، والضرب، والتعذيب، وإلقاء القبض غير المشروع بالجملة، والتهم الباطلة، والإشاعات والمحاكمات الصورية، والإعدام السريع، فيما عدا هذا الذي ينطبق على دول العالم الثالث فإن البنود العشر الأخرى كلها مما تمارسه أميركا في اللحظات الراهنة، ومما أدانه إعلان جنيف حول الإرهاب، مثلاً..

ماهر عبد الله: نعم، حتى الأولى بالتغيرات القانونية الأخيرة صارت مسموحة.

د. عماد الدين خليل: حتى الأولى أيضاً صارت مسموحة بشكل غير مباشر.

ماهر عبد الله: صارت.. هذا..

د. عماد الدين خليل: فيما بتعطيه أميركا نفسها للآخرين في ممارسته لحماية مصالحها، يعني.

اثنين نقل الأسلحة النووية إلى أو من خلال الأراضي أو المياه الإقليمية للدول الأخرى أو المياه الدولية.

ثلاثة: التدريبات والمناورات العسكرية لدولة ما بالقرب من دولة أخرى بهدف تهديد الاستقلال السياسي، أو حرمة أراضي دولة أخرى، أربعة..

ماهر عبد الله: هذا طبعاً تايوان ودولة الصين.

د. عماد الدين خليل: هذا حدث كثيراً في مختلف الديار، الهجوم المسلح بالقوات العسكرية لدولة ما على أهداف تعرض السكان المدنيين للخطر، كالذي يحدث في الساحة الأفغانية.

ماهر عبد الله: لا، هي لا تفعل ذلك إلا في الساحات المسلمة فقط.

د. عماد الدين خليل: بالضبط. خمسة: تشكيل ودعم قوات مسلحة مرتزقة بقصد زعزعة دولة أخرى.

6: الاغتيال، ومحاولات الاغتيال وتدبير المؤامرات ضد موظفي الدول الأخرى، أو حركات التحرر الوطنية سواء بواسطة الغارات العسكرية أو القوات الخاصة، أو عملاء ينتمون إلى طرف ثالث.

7: العمليات السرية بواسطة مخابرات أو قوات دولة ما بقصد زعزعة دولة أخرى.

8: حملات الإعلام المضللة من قِبَل دولة ما سواء بقصد زعزعة دولة أخرى، أو تأليب الرأي العام لدعم استخدام القوة الاقتصادية أو السياسية والعسكرية لتخويف دولة أخرى.

9: بيع الأسلحة التي تدعم استمرار الحروب الإقليمية وتعطل جهود البحث على الحلول السياسية للنزاعات الدولية.

10 وأخيراً: إلغاء الحقوق والحريات المدنية والحماية الدستورية وسيادة القانون بذريعة الإرهاب المضاد.

11: إجراء التجارب النووية وتطوير الأسلحة النووية وأسلحة الفضاء التي تضاعف من احتمالات الإبادة الإنسانية والبيئية وتشكل قمة الإرهاب ضد الإنسانية جمعاء، وإحنا جربنا في العراق كيف أن هذه الاسقاطات على البيئة من محاولات تجربة الأسلحة النووية قادت ما يقرب من 300 ألف طفل في العراق إلى الوفاة، وتهدد 700 ألف آخرين بالوفاة من جراء ما يترتب على هذه التجارب التي أريد من خلالها للعالم الثالث أن يكون حقل تجارب للقوة الأميركية.

ماهر عبد الله: بس يعني هذا شكل.. النقاط مفصلة على قدر أميركا.

د. عماد الدين خليل: بالضبط، العشر نقاط الثانية وحتى الأولى -كما ذكرت- تنطبق وخاصة في النزوع المتزايد نحو الهوبزية الأميركية على أميركا في اللحظات الراهنة.

ماهر عبد الله: ولعل هذا يفسر يعني التشنج الأميركي الشديد قبل شهور من الأزمة الأخيرة في رفض إقامة محكمة دولية، محكمة جنائية دولية، وكان وجهة نظر الإدارة الأميركية من أيام (كلينتون) وأكدها (بوش) أنها قد تعرض بعض رجال الجيش الأميركي إلى المساءلة في حال ما (..)، طيب لو انتقلنا إلى موضوع مغاير تماماً على يقين ستعيدنا الأسئلة إلى.. إلى موضوع التاريخ في شقه السياسي، الدكتور عمر زيدان من (ميلسوتا) في.. في أميركا يسأل، يقول سؤال يتعلق بتاريخ الإنجازات العلمية الإسلامية ودور هذه الإنجازات في بناء الحضارة العالمية المعاصرة، من الواضح أن هناك فراغ معرفي بخصوص هذه الإنجازات في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي، كيف نستطيع أن نجعل من هذه المعرفة في متناول.. أن نجعل هذه المعرفة في متناول المجتمعات الإسلامية والغربية؟ وكيف نستطيع مقاومة الجهل الذي تفشى نتيجة، أو في حق الحضارة العربية والإسلامية ودورها التاريخي في تأسيس الحضارة الغربية المعاصرة؟ يعني هذا جانب إحنا نجنح عادة عندما نقول تاريخ يتبادر إلى الذهن التاريخ السياسي في المقام الأول.

د. عماد الدين خليل: السياسي نعم.

ماهر عبد الله: والأدبي في أحيان قليلة، لكن التاريخ العملي ليست كثيرة الكتب المشهورة في.. في مكتبنا التاريخية التي تتحدث عن التراكمة العلمية وعن التاريخ العلمي.

د. عماد الدين خليل: والله هذه مناهجنا للأسف الشديد الجانحة، واللي قادت إن أحد أسباب لجؤنا إلى التاريخ هو البحث عن منهج أكثر سلامة لتقديم الصورة الصحيحة لتاريخنا الحضاري لعقل الطالب الجامعي، لكن حقيقة هذه الحلقة، حلقة معطياتنا العلمية، معطيات الآباء العلمية والأجداد أكثر حضوراً من أي حلقة أخرى في المكتبة الغربية، يعني الغربيون يعرفون جيداً ما الذي فعله أجدادنا المسلمون في سياقات المعرفة الصرفة والإنسانية، يعني في الفيزياء، في الكيمياء، في الجبر، في الرياضيات، في اللوغاريتمات، في الطب، في الفلك، وما فعلوه في مجال الجغرافيا والتاريخ وعلوم السياسة والتربية وإلى آخره، يعني يكفي أن يرجع الإنسان إلى الكتاب الكبير الذي ألفه مؤرخ العلوم الأميركي المعروف (جورج سارتون) "تاريخ العلم العالمي ويرجع إلى المؤرخ الفرنسي المعروف "الدوميللي" لكي يجد كيف أن إشارات خصبة حول إنجازات المسلمين العلمية في سياقات المعرفة المختلفة عرفها القوم هناك، يعني تكاد تكون أكثر الحلقات وضوحاً لدى العقل الغربي هو مساهمة الآباء والأجداد في الكشوفات العلمية التي قدمها هؤلاء وهم يهتفون أيضاً ليس فقط في أن آباءنا وأجدانا قدموا كشوفات ذات قيمة بالغة في المجالات العلمية الصرفة والإنسانية، وإنما هم الذين وضعوا أيديهم، وضعوا اللمسات الأولى، أو التأسيسات الأولى لمنهج البحث العلمي الذي يعتمده الغربيون الآن، وهو منهج بحث علمي، حسي، تجريبي، يقوم على المعاينة المباشرة للأشياء بدلاً من يعني اللهاث على طريقة العقل اليوناني وراء خلفياته الفلسفية المعلقة في الفضاء، يعني نحن الذين حولنا البحث العملي من حالته الضبابية إلى حالته المختبرية التي قدمت للحضارة الغربية الشيء الكثير، وهم يعترفون بهذا وممكن أشير بالنسبة للأخ السائل إلى كتابين فقط من جملة كتب عديدة أخرى إضافة إلى سارتون، وإضافة إلى الدوميللي، ممكن أن يرجع إلى كتاب (...) البديع اللطيف حقيقة، حتى في أسلوبه، في طرحه، في لغته، في خصبه، في مفرداته الكثيرة "شمس الله تسطع على الغرب"، ويرجع كذلك إلى كتاب (جوستاف لوبون) اللي سماه "حضارة العرب" في هذين الكتابين سيجد الكثير الكثير، ويلحقهم أخيراً (وات جبري وات) الباحث المستشرق البريطاني المعاصر المعروف، صاحب كتاب "محمد في مكة" و "محمد في المدينة" له كتاب قيم بعنوان "تأثير الإسلام على الغرب" يبحث فيه عن جملة الكشوفات الإسلامية التي لعبت دوراً في إرفاد الحضارة الغربية بمعطيات علمية بالغة القيمة في السياقين المعرفيين الإنساني والصرف.

ماهر عبد الله: طيب، نستمع للمكالمة الأخيرة -إن شاء الله- في هذه الحلقة، أو قد تكون الأخيرة، الأخ عبد الكريم الصحراوي من بلجيكيا، أخ عبد الكريم تفضل.

عبد الكريم الصحراوي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام والرحمة والإكرام.

عبد الكريم الصحراوي: عيدكم مبارك أولاً.

ماهر عبد الله: حياك الله.

د. عماد الدين خليل: الله يبارك بك.

عبد الكريم الصحراوي: سيدي إن من المهم الكلام عن التاريخ لكي نتمكن من الخروج ولو لبرهة من حدة الأحداث الأليمة التي تعيشها الأمة، ونتمكن على الأقل من..و لو لفترة قصيرة من رؤية كلية للطور التاريخي الذي تعشيه الأمة اليوم، ألا ترى سيدي أن أزمة أمتنا تتمثل في وعينا بالطور التاريخي الذي نعيشه اليوم؟ فرغم أننا عيش ظرفاً منهزم واستسمح المسلمين اليوم عن هذا المصطلح –ولكننا نتصرف تصرف المنتصر، فنجهض بذلك الأعمال وكأن الأمة لم تستطع أن تخرج من المثالية الفكرية التي هيمنت على فكر الإسلام وخصوصاً الفكر التاريخي الإسلامي، ألم يحن الأوان –وهذا السؤال موجه للدكتور- أن نطرح التاريخ الإسلامي بطريقة أكثر موضوعية. انطلاقاً من حادثة صفين أين حدث الانفراج الكبير والانفصام في تاريخ الأمة؟ لكي نفهم بذلك ما يحدث في أفغانستان وفي.. وفي غيرها من البلاد الإسلامية، هذا سؤال، أما عن سؤال الأخ الذي كان قد طرح والذي يقول: ما يملكه المسلمون اليوم فسيدي إن ما نملك هو القرآن، وعلينا أن نعود له ونبعث الحياة مرة أخرى في كلمات الله.. في كلمات الله المقدسة...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ عبد الكريم أنا آسف مضطر للمقاطعة، الوقت أدركنا، معايا المكالمة الأخيرة الآن من الأخ عمران محمد من الكويت، أخ عمران تفضل وأرجو أن تكون مختصراً، تفضل.

عمران محمد: السلام عليكم ورحمة الله يا إخوة.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

عمران محمد: مبارك لكم في هذا العيد، هذا العيد الدموي بالجرائم الإسرائيلية الصهيونية وبالأسلحة الأميركية على الشعب الأفغاني وعلى الشعب الفلسطيني، وعلى القدس الجريحة ولكن الأمل يبقى، نحن عشنا خلال اليومين الماضيين احتفالات جماهيرية كبيرة في مشارق الأرض ومغاربها بيوم القدس العالمي، آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، وهذا يبعث الأمل في نفوسنا ونفوس الأمة الإسلامية أن قضية فلسطين وقضية القدس خرجت من أيدي ألاعيب السياسة وألاعيب الدوليين والساحات المغلقة إلى الساحات الواسعة وإلى أيدي الشعوب، هذا يطمئن إلى مستقبل قضية فلسطين وقضية القدس، نحن في الكويت هنا كان هناك تلاحم جماهيري من شتى الطوائف في الساحة الكويتية بهذا الاحتفال الكبير، وكما قرأنا في البحرين وفي فلسطين وفي لبنان وفي الجمهورية الإسلامية في إيران وفي أوروبا، حتى داخل أميركا كانت هناك احتفالات بيوم القدس، هذا أولاً، فنرجو من الأمة الإسلامية الاستمرار وبكل إصرار بالاحتفال في يوم القدس العالمي وفي كل يوم له علاقة في قضية المسلمين الأولى.

ثانياً: ادعو إخواني المفكرين وسادتي العلماء في الأمة الإسلامية التركيز على قضية الإمام المهدي، أو المهدي الذي هو من ذرية الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي بشر به الرسول واللي كي يكون أملاً مشرقاً في قلوب المسلمين إلى آخر الزمان، حيث قال الرسول في أحد الأحاديث المعتبرة "لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يوافق اسمه اسمي" وكما في الصحاح الستة أحد الأحاديث الكثيرة المتواترة أن المهدي من عترة من ولد فاطمة يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملأت ظلماً وجوراً، نحن نعيش في زمن الهيمنة الأميركية الفرعونية على العالم نحن والأمة الإسلامية بحاجة إلى هذه الأحاديث التي تشع بالنور وبالأمل في نفوسنا.

أخي العزيز موسم الحج قادم خلال شهرين، أدعو حكومة المملكة العربية السعودية والشعوب العالم بالتأكيد لتنظيم مسيرات البراء من المشركين وطرح قضية القدس في هذا الموسم الجماهيري العبادي، الذي جعله الله –سبحانه وتعالى- لكن نحقق منافع دنيوية وأخروية، أتمنى من الحكام العرب ومنظمة الدول العربية والإسلامية أن يستمروا موسم الحج أفضل استثمار كما أراده الله –سبحانه وتعالى- في طرح قضية فلسطين وأفغانستان والعالم الإسلامي وطرح جرائم وجرائر وإرهاب إسرائيل..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: أخ عمران مشكور جداً على هذه المداخلة وعلى هذا الاقتراح.

[فاصل إعلاني]

قوانين الحركة التاريخية وتأثيرها على مستقبل البشرية

ماهر عبد الله: سيدي قبل الفاصل الذي سبق هذا الفاصل كنا قاطعناك عند آية مفضلة عندك كثيراً، (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه) كنت تريد أن.. أن تعلق تعتقد أن فيها تصور فلسفي عن القطبية الواحدة وعن.. عن شيء خاص بمستقبل الوجود البشري على هذه الأرض.

د. عماد الدين خليل: يعني الآية القرآنية تتحدث بوضوح قاطع والملاحظ على تركيبها اللغوي بدلالاته الواضحة (ألم يروا أنا نأتي الأرض) أي نفرشها، هو يقصد القرآن الكريم الأرض الدول والحضارات والإمبراطوريات، يعطيه للأمم والشعوب، الأمم الشعوب ليست الأكثر إيماناً بالضرورة، الأمم والشعوب الأكثر شطارة -إذا صح التعبير- الأكثر قدرة على الالتحام بنواميس العالم، بتوظيف ما هيأه الله في هذه الدنيا للإنسانية، (ننقصها من أطرافها) لم يقل ثم ننقصها من أطرافها، ولم يستخدم حتى الفاء الاستئنافية وواو العطف اللتان تدلان.. اللتين تدلان بشكل أو بآخر على فاصل زمني، كأن القرآن الكريم يطوي بسرعة مدهشة اللحظات الزمنية ما بين الامتداد والانكماش، وكأنه يريد أن يقول لنا: بأن كل الحضارات وكل الإمبراطوريات، وكل التجارب التاريخية أتيح لها أن تمتد، ثم ما لبثت أن انكمشت وتآكلت وتعرضت للفناء في نهاية الأمر، ليس ثمة دواء في المنظور القرآني لأية تجربة في العالم، والذي يقول الآن بأن أميركا يمكن أن تستمر إلى ما شاء الله، إلى أبد الآبدين يناقض قوانين الحركة التاريخية، ويناقض هذه.. هذه المقولة القرآنية المؤكدة تاريخياً، الآن أنقل المسألة حتى يعني ننتقل إلى.. إلى شواهد تاريخية تؤكد هذه الآية القرآنية المعجزة التي تمتد فيها الخبرات والتجارب والإمبراطوريات والدول، ثم ما تلبث أن تنكمش وتتآكل وتؤول إلى الفناء، نجد كيف أنه على مدى الـ 75 سنة فقط من القرن الماضي تساقطت وتآكلت امتدت، وانتشرت وبلغت القمة جملة من التجارب والإمبراطوريات والدول الكبيرة في أوروبا، يعني على سبيل المثال الإمبراطورية البريطانية التي كانت يقال عنها بأن أملاكها لا تغيب عنها الشمس، الإمبراطورية الفرنسية التي كانت تمتد من (بيان بيان فو) في الهند الصينية (كوبيك) في أقصى شمال غربي العالم في كندا، الاتحاد السوفيتي العملاق الذي قيل بأنه يمثل حالة الانطباق الكامل ما بين قوانين الحركة العلمية وواقع التاريخ، وبالتالي لن يزول أبداً وهو الحالة النهائية كما يدعي الآن على الساحة الأميركية (فرنسيس فوكاياما) عندما يعتبر الخبرة الليبرالية الغربية هي نهاية المطاف، ليس ثمة نهاية المطاف، هتلر وهو يؤسس الرايخ الثالث ويقول في (My …) (كفاحي) في أنه يرسم أو يخطط لإمبراطورية الألف عام و(موسوليني) الذي كان يقف على شرفات، على شرفة روما أمام جماهير العباد و.. والمعجبين ويقول لهم: سنركز غاياتنا فوق النجوم، وأخيراً الوجودية كخبرة فلسفية ملأت الشارع في يوم ما وكسبت حشوداً كبيرة من الشباب، أين ذهبت هذه الامبراطوريات الفكرية الشمولية والاستعمارية الكبرى، كلها انتهى بها الأمر نعم إلى التآكل والفناء بما فيه أخيراً الاتحاد السوفيتي العملاق الذي يقدر له أن يغيب عن التاريخ، نعم.

ماهر عبد الله: اسمح لي.. اسمح لي بمقاطعة بالسؤال، مقاطعة بالسؤال الآخير، ذكرت عن مجموعة من المفكرين وهذا يدعم الطرح الذي تطرحه في.. في الفقرة الأخيرة هذا، الإسلام عندما يسود أو يتسود هل سيتسود منفرداً أم محايثاً لنتاجات الحضارات الأخرى؟

د. عماد الدين خليل: في تحليلات هؤلاء يدخل الإسلام مشاركاً في المصير- دعني استخدم هنا هذه العبارة- مشاركاً في المصير، مشاركاً في إعادة صياغة العالم، ليس مزيحاً للآخرين ولا يعني محتكراً لرؤيته لمصير العالم، وإنما يدخل مشاركاً في المصير، هذا من منظور الغربيين، أما منظورنا نحن الذين نتعامل مع النص القرآني، فإن العقيدة الأعلى، العقيدة الأقوى، العقيدة الأكثر مصداقية هي التي ستحكم في نهاية الأمر، والقضية أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً هي قضية الأخد بالأسباب، فوالله ما لم نأخذ بالأسباب فسنظل مليون سنة أخرى، وستظل قوى الكفر تتحكم برقابنا مليون سنة أخرى ولن تنتهي المأساة التي نعيشها هذه الأيام وستستمر سنين طوال ما لم نأخذ بالأسباب فإن الدعاء في المساجد المنفصل عن الفاعلية في الأرض، عن العودة للالتحام بالكتلة، عن استخراج نواميس الأرض، عن الإصغاء جيداً للمطلوب القرآني في الحرية والقوة والمعرفة لن يعيدنا ثانية إلى التاريخ.

ماهر عبد الله: طيب، القدس كم هي محورية لو أخذنا كلام الأخ عمران وعندك أقل من 40 ثانية.

د. عمار الدين خليل: والله القدس هي زهرة المدائن، وهي نقطة الارتكاز عبر مراحل طويلة من تاريخنا وستظل نقطة الارتكاز في واقعنا ومستقبلنا، وقد زادها يعني تألقاً واستقطاباً لهموم الأمة أنها الآن منذ عام 67 ولحد الآن تعرضت القبضة، لقبضة شذاذ الآفاق، اليهود، الذين يسعون على المشكوف حيناً وبالخفاء حيناً آخر لتدمير شخصيتها الدينية المعمارية، ولكن الله ما يقول المثل " إن للبيت رباً يحميه" وأن أذرع الفلسطينيين قديرة -إن شاء الله- على أن تحمي زهرة المدائن هذه من التآكل والفناء التي يريدها لها بني صهيون.

ماهر عبد الله: طيب، مشكور يا سيدي، كل عام وأنتم بخير وإلى أن نلقاكم في حلقة أخرى سلام من الله عليكم.