مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

أ.د. سعاد صالح: رئيسة قسم الفقه بجامعة الأزهر

تاريخ الحلقة:

11/08/2002

- الإسلام وأهمية الأسرة في بناء المجتمعات
- موقف الإسلام من العنف الأسري

- حكم الإسلام في التحاليل الطبية لإثبات النسب

- دور الدولة في مساعدة الشريعة في تغيير حياة الناس

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذه الحلقة هو: العلاقات الأسرية، والذي جعلنا نناقش ونختار مناقشة هذا الموضوع هو ما نراه من تردي يكاد يكون عالمي على صعيد العلاقات الأسرية وآثار سلبية خطيرة للتقدم وللتكنولوجيا على الأسرة، الإنسان يجد نفسه بين نارين نار عدم الاستغناء عن التقدم العلمي عن التكنولوجيا، عن التغيير المستمر في طبيعة المجتمع نتيجة لذلك وبين ما تدفعه المجتمعات من ثمن لهذا التقدم ومن ثمن لبعض هذه المخترعات التي تمس جوانب كثيرة من حياتنا، كثير من المجتمعات تنزف وكثير منها يعاني من أمراض خطيرة، لعل أخطرها قضية العائلة وهذا ما يجعل الكثيرين من السياسيين الغربيين باعتبارهم –كما يبدو- أكثر حرصاً على مجتمعاتهم مما هو حاصل في مجتمعاتنا بدءوا يدركون خطورة ما يجري من أوضاع على أوضاع العائلة باعتبارها تشكل البنية التحتية للمجتمع وأهم ضمانة لسلامته وضمان تطوره وتقدمه. لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي من القاهرة الدكتورة سعاد صالح الأستاذة الدكتورة سعاد صالح وهي (أستاذ ورئيس قسم الفقه في جامعة الأزهر) لها مجموعة من الكتب تزيد على الاثني عشر كتاباً، الكثير منها ذو علاقة بموضوع الحلقة لهذا اليوم، منها "أضواء على نظام الأسرة في الإسلام" منها "أحكام عبادات المرأة في الشريعة الإسلامية"، ومنها كذلك: "علاقة الآباء بالأبناء في الشريعة الإسلامية" إلى مجموعة.. بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الكتب.

دكتورة سعاد، أهلاً وسهلاً بك في (الشريعة والحياة).

د. سعاد صالح: أهلاً بيك يا فندم.

ماهر عبد الله: لو سمحتي لنا بالبداية يعني موضوع الأسرة، يجري الحديث كثيراً عنه على الأقل في.. في المنظومة الغربية باعتبار أنهم يعانون أكثر أو على الأقل هم أصرح منا في الحديث عن مشاكل العائلة والمجتمع أهمية الأسرة كمقدمة، كبينة تحتية تشرط لنجاح المجتمعات ولتقدمها، كيف ترين أهمية الأسرة بداية؟

الإسلام وأهمية الأسرة في بناء المجتمعات

د. سعاد صالح: نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ) الصلاة والسلام على رسول الله القائل في سنته المطهرة "تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنة رسول الله"

قبل أن أبدأ في هذا الموضوع أتوجه بخالص الشكر لهذا البرنامج الهادف العظيم، لإثارته مثل هذا الموضوع القيم الهام ولاسيما في زمننا الآن، حيث أن الأسرة المسلمة أصبحت هدفاً لعقد مؤتمرات ومواثيق دولية ومنتديات وغير ذلك، يريدون لها التفكك ويريدون لها التحلل، وليست الأسرة المسلمة فقط هي التي وجه إليها النقد ووجه إليها الهجوم، بل إن دين الله الخاتم العالمي قد سبق هذا الهجوم وأنا من خلال هذا البرنامج أريد أن أقول عبارة قالها أحد المستشرقين في كتابه "مثيولوجيا الإسلام" يقول السيد كيمون: "إن الديانة المحمدية جذام فشا بين الناس، وأخذ يفتك بهم فتكاً ذريعاً وهو مرض مروع وشلل تام وجنون ذهني يبعث الإنسان على الخمول والكسل ولا يوقظه منها إلا ليسفك الدماء ويدمن الخمور" القرآن الكريم قد تنبأ بهذا الواقع الأليم، فقال –سبحانه- (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) وصدق الله من قبل ومن بعد حيث يقول لنبيه في القرآن الكريم (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) ويقول سبحانه في سورة الإسراء (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداًوَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) صدق الله العظيم. من خلال ذلك نرى أن الأسرة في الإسلام لها أهمية كبيرة، ليست قاصرة فقط على تنظيم العلاقة بين الزوجين وما يترتب على هذه العلاقة من حقوق وواجبات سواء للزوجين أو لأحدهما أو لأبنائهما أو لأحفادهما، بل هي جزء من نظرة الله.. -سبحانه وتعالى- ونظرة الإسلام للخلق والكون، ولذلك الله –سبحانه وتعالى- دعا إلى الأسرة وحث على تكوين الأسرة، ودعا الناس إلى أن يعيشوا في ظلالها، لأنها هي الصورة الطبيعية للحياة المستقيمة التي تلبي رغائب الناس وتتفق مع الفطرة الإنسانية وكما نعلم، فإن الإسلام هو دين الفطرة (فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) فهناك أهداف ومقاصد من وراء الأسرة في الإسلام، أول هذه الأهداف والمقاصد هو تنظيم الغريزة الجنسية عن طريق عقد الزواج المشروع الذي أطلق الله –سبحانه وتعالى- عليه الميثاق الغليظ، حينما قال (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) وحين جعله الله –سبحانه وتعالى- آية من آياته، حيث أن الله –سبحانه وتعالى- لا يعبر عن الآيه إلا في الأمور الخطيرة، في الأمور الهامة، فنحن حينما نقرأ في سورة النور.. حينما عدَّد الله سبحانه وتعالى آياته وبدأ بقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ) انتقل إلى قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) ثم انتقل إلى قوله (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ..) إلى آخر آيات الله وإعجازه، ولذلك فإن تنظيم الغريزة الجنسية كما بينه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- في قوله "في بضع أحدكم صدقه" البضع هو مكان الاستمتاع بين الرجل والمرأة، فقالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال عليه الصلاة والسلام: "أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ كذلك لو وضعها في حلال يكون له أجر"

هذا الغريزة الجنسية تؤدي إلى مقصد هام من مقاصد الإسلام وهو الإنجاب، إنجاب الذرية الصالحة، الذرية الصالحة، الذرية التي أطلق الله –سبحانه وتعالى- عليها بزينة الحياة الدنيا، و(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ) وفي آية أخرى (المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا) إذن الله سبحانه وتعالى يقصد بهذا الإنجاب إعمار الكون وبقاء النوع الإنساني، هذه الذرية وهذا الإنجاب يحتاج إلى تربية، يحتاج إلى عناية، يحتاج إلى اهتمام، ومن هذا كانت المشاركة بين الزوجين في تحمل أعباء الأسرة انطلاقاً من قوله صلى الله عليه وسلم "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" هذه هي بعض..

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: دكتورة سعاد، لو.. لو سألتك يعني قبل أن.. أن ندخل في.. في صميم موضوعنا مرة أخرى، سؤال أيضاً تمهيدي باختصار شديد تحدثنا عن أهمية.. أو تحدثتي عن أهمية الأسرة في.. في الإسلام، لو سألنا السؤال بطريقة معكوسة: أهمية الدين من حيث هو دين.. أهمية الدين الإسلامي على وجه الخصوص في حماية الأسرة وضمان أن تقوم بدورها كما يجب؟

د. سعاد صالح: نعم، الدين الإسلامي هو كتاب الله وسنة رسول الله، أو ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله، أنزله الله –سبحانه وتعالى- كتابه.. أو أنزل كتابه تبياناً لكل شيء (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) وضع في هذا الكتاب وفي سنة رسوله المبلغة والموضحة والمبينة الأسس التي تنظم العلاقة بين أفراد الأسرة، ما هي الأسرة؟ الأسرة هي أبوة وأمومة وأخوة وبنوة ورحم، فحينما نرى أهمية الدين أن أولاً الدين هو دين الفطرة، وهذا الدين اللي هو دين الفطرة يعلم أن هناك غرائز في.. وخصائص فطرية خُلق عليها كل من الرجل والمرأة وأن هذه الخصائص تجذب كل منهما إلى الآخر، فنظم الإسلام هذه العلاقة عن طريق الزواج المشروع، ومنع كل علاقة غير مشروعة، سواء علاقة الرجل بالرجل وهي ما نراه الآن في بعض المجتمعات ما يسمى بالشذوذ الجنسي وهي اللواط وغيره أو علاقة امرأة بامرأة اللي هي علاقة الجنس الواحد، والإسلام قال بعلاقة الجنسين تحت لواء عقد الزواج وفي وعاء هو الأسرة، فالأسرة هي الوعاء الذي يلتقي فيه إنسانية إنسان بإنسانية إنسانة، وأنا الحقيقة بأركز على لفظ الإنسانية التي كرمها الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) لأن هناك انحراف وخلل في معاملة بعض الأزواج لزوجاتهم باعتبار أن الزوجة مجرد وعاء يلقي فيه الزوج نطفته وليس لها دور في الحياة إلا ذلك، والله سبحانه وتعالى بين أن الزوجة هي (لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)، لم يقل سبحانه وتعالى لتسكنوا عندها، وإنما "إلى" للغاية والغاية هنا هي السكن الروحي والسكن المادي معاً، حينما يقول لتسكنوا عندها يقصد سكن الأجسام، لكن حينما يقول (لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) يقصد سكن الأرواح وسكن القلوب، ولذلك في آية أخرى يقول سبحانه وتعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) حينما ننظر إلى المستقر والمستودع، المستقر الذي فيه القرار، الذي فيه الاستقرار، الذي فيه الدوام، هذه هي الأصل في علاقة الزواج في الإسلام هو الدوام والاستقرار والاستمرار والانسجام الذي من أجله شرع الإسلام أسس كثيرة لكي تقوم الأسرة عليها، لتحقق هذا الاستقرار ثم مستودع..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: دكتورة سعاد.. دكتورة سعاد هذا يعني الجانب النظري من الموضوع، إحنا لو دخلنا وتحدثنا عن الجانب الأكثر عملية، يعني مجتمعاتنا اليوم تعاني، أسرنا تعاني من مجموعة من الإشكالات بعيدة عن الوضع..

د. سعاد صالح: من التفكك

ماهر عبد الله: النظري، لو يعني كنا أكثر صراحة أكثر واقعية، بعيداً عن هذا التصور النظري هل.. هل ترين أن الأسرة العربية اليوم تنطبق أو تتواءم مع النموذج الإسلامي الذي رسمتيه للأسرة؟

د. سعاد صالح: بكل أسف الأسرة العربية أو بعض الأسر العربية أصبحت تتأثر بالتقليد الغربي الذي يزعم أنه ينطوي تحت لواء التحرر مطلقاً والتحرير الجنسي بصفة خاصة، وعن طريق هذه النظرة كان هناك المواثيق الدولية التي تدعو إلى المساواة المطلقة بين المرأة والرجل، التي تدعو إلى المساواة بينها في الطلاق، في الاستحقاقات الأسرية، في حرية العمل، في حرية التنقل، في حرية السكنى بعيدة عن منزل الزوجية، أصبح هناك بكل أسف تأثر من بعض الأسر، وهذه المؤتمرات وهذه المواثيق استطاعت أن تخترق الأسرة عن طريق عمود الأسرة، عن طريق المدرسة التي تربي الأجيال وهي الأم الصالحة التي قال الله –سبحانه وتعالى- فيها: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) ونحن من خلال هذه البرنامج ندعو الأسرة المسلمة أن تنظر إلى النداءات المستجدة في المجتمعات الغربية التي تطالب الآن بعودة الرضاعة الطبيعية، لكي تكون أماً وزوجة وهذا نتيجة.. نتيجة المعاناة، نتيجة التفكك الأسري الذي أدى في أغلبه إلى ظهور النشء غير النسبي أو غير.. اللقطاء، زيادة نسبة اللقطاء، وعن طريق احتوائهم كان تشريع التبني الذي نهى عنه الإسلام لأغراض ولمقاصد كثيرة، ثم رفع الولاية عن الأبناء في سن مبكر، وما يؤدي من رفع الولاية إلى رفع الرقابة الأبوية وإلى رفع النصيحة من الأم وإلى رفع الإرشاد ورفع الرعاية، فحصل هناك انطلاق بلا هدف وانطلاق بلا رقابة، فأدى ذلك إلى خلل في العلاقات الأسرية..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طب تسمحي لي.. يعني تمسحي لي بالمقاطعة قليلاً، يعني ذكرتي مجموعة من السلبيات، يعني اعتبرتي أن المساواة المطلقة، الدعوة الغربية والمواثيق التي توقع عليها الكثير من الدول الإسلامية للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، يعني كأني فهمت من.. من الكلام أنك ضد هذه المساواة المطلقة، كيف يعني تفسرين؟

د. سعاد صالح: نعم.. نعم.. المساواة هناك فرق بين المساواة وبين التماثل، هناك فرق.. التماثل يؤدي إلى التكافؤ.. التكافؤ في الحقوق والواجبات، أما المساواة ففيها إذابة للفروق الفطرية التي خلق الله –سبحانه وتعالى- عليها كل من الذكر والأنثى وهناك آية كريمة تقول: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى) ولو كان هناك إزالة لهذه الخصائص ما كان هناك الاجتذاب.. أو الانجذاب بين الذكر والأنثى ونحن نرى أن.. نعلم أن الله –سبحانه وتعالى- خلق من كل شيئين زوجين اثنين ذكر وأنثى، هم يريدون ما يسمى بالجندر، الجندر هذا هو نوع اجتماعي، أن المجتمع هو الذي يشكل أدوار الأفراد أو الأنماط الاجتماعية بحيث.. بصرف النظر عن الفروق الجسدية والاستعدادات النفسية لكل من الذكر والأنثى، نحن نقول بالتماثل..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: ولكن.. ولكن لو سمحتي.. لو سمحتي لي بس باختصار يعني، لكن هذا قد يفهم منه ما هو دارج كثير في مجتمعاتنا أنه نفس هذه المساواة يخشى أن يفهم منه حرمان المرأة من العمل مرة أخرى، حرمانها من التعليم، حرمانها من حقوق أخرى، يعني ألا.. ألا يفتح هذا الباب على مصراعيه لإعادة المرأة إلى عصور بعيدة عن حقوقها التي اكتسبتها مؤخراً؟

د. سعاد صالح: حضرتك منذ أن خلق الله آدم وحواء من حيث التكليفات الشرعية كان يوجه لهم التكليفات بنفس التكليف من أمر أو نهي، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ..) أو (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ)، (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) إذن هنا أمر لآدم وزوجه ونهي لآدم وزوجه، ولكن في توزيع الأدوار كان هناك منهج إلهي آخر، ففي سورة طه يقول سبحانه وتعالى..

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدتي، يعني عوداً على نفس السؤال، هناك حديث عن أن القيم الإسلامية، بعض القيم الإسلامية قد تفهم خطأ وتفتح الباب على سوء الاستخدام، الكثير يحتج على.. أن الإسلام يدعو إلى عدم المساواة، هناك نوع من التقدم الاجتماعي الذي أوحى للناس وأقنع الناس وثمة منطق في هذا الكلام أن الزواج المبكر، يعني في الإسلام قد لا يكون هناك حدود دنيا لزواج البنت، ممكن أن تتزوج في.. في سن التاسعة أو سن العاشرة، حتى قبل البلوغ، أليس في هذا يعني دعوة إلى عدم احترام التقدم الإنساني في بعض هذه الجوانب؟

د. سعاد صالح: هو أنا مع حضرتك أن هناك سوء ممارسات من بعض المسلمين وخروج عن المنهج الإسلامي في معاملة المرأة، وهناك أعراف متوارثة تتحكم في سلوك هؤلاء، بعض الأسر الآن تحرم المرأة من حقها في الميراث، البعض مازال ينظر –بكل أسف- إلى المرأة إلى أنها عورة وأنه يجب أن تختفي في البيت، استناداً إلى تأويل خاطئ في قوله تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) وهناك تأويلات خاطئة من بعض المفسرين ومن بعض الفقهاء ومن بعض العلماء لنصوص إلهية كريمة يبتعدون فيها عن الأسرار الإلهية التي أرادها الله –سبحانه وتعالى- من وراء هذه النصوص، نحن لا نقول بالمساواة المطلقة وإنما نقول بالتماثل والتكافؤ بينهما في الحقوق والواجبات لا نقول بالتمييز، أي أن الذكر متميزاً عن الأنثى، ولكن نقول بالتمايز، أي أن الأنثى متميزة بين بنات جنسها، كما أن الذكر متميز بين أفراد جنسه، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) وجاءت المساواة (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) ويقول سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ)، وبنو آدم هم رجال ونساء، وحينما جاءت آية التكليف في سورة الأحزاب، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ)، والإنسان هنا رجل وامرأة، وغير ذلك من السنن..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: لكن ما.. ما يعني هذا الكلام جميل، وقطعاً يعني هكذا يجب أن يكون الوضع، لكن مازلت أنا أرى أن في ذلك تكريس ولا يعني هذا أن هذا التكريس بالضرورة خطأ، لكن هنا تكريس لتمايز يوحي –إذا شئنا أن نستخدم تعبير غير المساواة- نوع من المظلومية الظاهرة، يعني أليس.. ألا تبيح الشريعة الإسلامية للأب أن يزوج ابنته في سن مبكر مثلاً؟

د.سعاد صالح: نعم، هو الزواج الأصل فيه هو الإعفاف والإحصان، والأصل فيه أيضاً وجود القدرة، القدرة البدنية، والقدرة النفسية، والقدرة المادية على الزواج لكل من الطرفين، والأصل فيه أيضاً رفع الضرر عن الطرفين، فهناك مبادئ ليس حينما نقول أنه يجوز الزواج مبكراً لا نقولها مطلقاً، ولكن لابد أن تكون مقيدة بأحكام أخرى، نحن في أحكام الأسرة لا نفصل بعض هذه الأحكام عن بعضها، ولكنها هي سلسلة متصلة من الأحكام، فكما بينت أن الأصل حينما خلق الله آدم وحواء جعل لكل منهما دوره في الحياة بعد أن ساوى بينهما في التكريم وساوى بينهما في التكليف، ففي سورة طه يقول سبحانه وتعالى: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى)، إذاً الله سبحانه وتعالى الإخراج كان لآدم وحواء من الجنة، ولكن الشقاء كان لآدم وحده، لم يقل –سبحانه وتعالى- فتشقيا، ولكن قال: (فَتَشْقَى)، (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى)، إذاً الآية الأخرى في.. في المرأة دور المرأة جاءت ومن آياته..

ماهر عبد الله: تسمحي لي.. تسمحي لي عن هذه.. تسمحي لي تعليقاً على هذه الآية تحديداً، يعني بعض المعلقين يعتقدون أن هذه.. يعني يستشهدون بهذه الآية بأن دور المرأة في الإسلام هامشي، يعني ابتُلي آدم بها أخرجته من الجنة، وهو وحده الذي دفع الثمن.

د.سعاد صالح: لا.. لأ.. لا.. لأ، أولاً: كل النصوص التي وردت بشأن المعصية وبشأن الإخراج في سورة الأعراف وفي سورة البقرة وغيرها جميع الآيات أسندت المعصية إلى آدم وحواء على السواء، وأن الإخراج كان لهما على السواء، وأن التوبة كانت منهما على السواء، ولكن هناك تحريف في التوراة بأن حواء هي كالأفعى وهي التي أخرجت آدم من الجنة وغير ذلك مما نسمع، ولكن إحنا أمامنا القرآن الكريم، القرآن الكريم لم يُقرِّق بين آدم وحواء في الالتفات إلى الإغواء من الشيطان، وبالتالي نتيجة هذا الإغواء كان ربنا –سبحانه وتعالى- كشف لهما سوءاتهما، ولم يقل سوءته فقط أو سوءتها فقط، ولكن سوءتهما، ونحن عندنا آية قرآنية بليغة تبين صميم هذه العلاقة بين الرجل والمرأة (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) اللباس مفهومه أن يلبسه الإنسان ليتزين به، يلبسه ليستره، يلبسه ليقيه من أي أذى، فالرجل بالنسبة للمرأة لباس، والمرأة بالنسبة للرجل لباس، واللباس دائماً يكون بحجم جسد الإنسان، لا يكون واسعاً أو كبيراً عليه، إذاً حينما نرى الالتحام والالتصاق بين الرجل والمرأة من خلال هذا التعبير القرآني الكريم، بعد ذلك نقول ونطالب بالمساواة، هي مساواة في الحقوق والواجبات (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وربنا –سبحانه وتعالى- لم يقل: ولهم، وإنما بدأ بـ(وَلَهُنَّ) أي يؤمن المرأة، ويؤمن حقوق المرأة، وهذه المثلية تقتضي أن كل ما يطلبه الزوج من زوجته من بر واحترام وثقة، وصراحة وحب، وعدم مضرة، ومعاشرة بالمعروف يجب أن يقدم لها مثل ما يطلب منها.

ماهر عبد الله: طب، تسمحي لي تسمحي لي أدخل

د.سعاد صالح: بقوله.. لقول عبد الله.. نعم

ماهر عبد الله: اتفضلي.. اتفضلي.

د.سعاد صالح: لقول عبد الله بن عباس في.. حينما فسر هذه الآية، ونحن نعلم عبد الله بن عباس يُسمى بترجمان القرآن، قال: إني أحب لأتزين لامرأتي كما تتزين هي لي -لهذه الآية-، وأما أحب أن أستنظف كل حق لي عنده فستوجب حقوقها عندي، استنظف يعني أخلَّص كل حاجة لي عندها، ولذلك هذه المساواة هي الأصل، هي قاعدة.. قاعدة (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ) إلا في شيء واحد هو (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)، وهي درجة الرئاسة داخل الأسرة، ودرجة تسيير أمور الأسرة، وهي درجة تكليف وليست تشريف، التي عبر الله عنها –سبحانه وتعالى- في سورة النساء بقوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) وحينما

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب تسمحي لي هذا.. هذا.. دخلنا في محور.. محور ثاني، يعني اسمحي لي أدخل له من خلال فاكس من الأخت لمياء من الولايات المتحدة، يعني تقول: للأسف المجتمع العربي مجتمع مزدوج المبادئ ويعاني من انفصام، لا حرية سياسية، وبالتالي لا حرية تعبير ولا حرية رأي ولا حرية اختيار، الأسرة العربية الآن فيها ديكتاتور يعطي الأوامر والزوجة والأبناء ينفذون، لذلك يتظاهر كل فرد أمام الآخر بالمبادئ ويعيش حياة.. حياةً أخرى خفية وراء الكواليس، يعني عندما تؤكدين أن للزوج هذه

د.سعاد صالح: للزوجة.

ماهر عبد الله: الأفضلية، للزوج الأفضلية في أن، يعني ما أعطاه الإسلام للزوج..

د.سعاد صالح: هي ليست أفضلية.. هي ليست أفضلية، هي تكليف ومسؤولية، لماذا ليست أفضلية؟ لأن ربنا –سبحانه وتعالى- لم يقل بما فضل الله الرجال على النساء أو جنس الرجال على جنس النساء، ولكن قال: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)، أي جعل الرجل بعض من المرأة، والمرأة بعض من الرجل، فالرجل بمثابة الرأس، والمرأة بمثابة سائر البدن، فحينما يأخذ الرجل هذه الدرجة على أنها ليست درجة تحكُّم، وليست درجة تسلُّط، وإنها درجة رعاية وحماية ومسؤولية، فإن ربنا بيفكره بيقول له إن هذه المسؤولية لجزء منك وليس لجزء خارج عنكِ، ويقول للمرأة أن المسؤول عنكِ جزء منكِ هو الرجل الذي هو، لأن ربنا خلق الرجل والمرأة من الأساس من نفس واحدة هي آدم عليه السلام، إذاً هناك ممارسات خاطئة، هناك استبداد من بعض الأزواج لاستخدام هذا الحق وهذه الدرجة، ودائماً يبترون الآية القرآنية في سورة البقرة ويقولون (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) لا يقولون (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) لأ، يقولون (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)، لكن ربنا –سبحانه وتعالى- قبل أن يعطي هذه الدرجة في جانب الرجال- وفي داخل الأسرة- وضع قاعدة المساواة، قاعدة جامعة للمساواة المطلقة بينهما في الحقوق والواجبات، مساواة في الشعور، مساواة في الإحساس، مساواة في التفكير، مساواة في الاحترام، مساواة في الثقة، لكن ما نراه الآن من بعض.. في بعض المجتمعات العربية من حرمان المرأة من حقوقها الإنسانية، ومن حقوقها السياسية، ومن حقها في التعليم، ومن حقها في إبداء موافقتها على الزواج وموافقتها على المهر الذي تتزوج به، فإن هذا خروج عن المنهج الإسلامي، الله –سبحانه وتعالى- كرَّم المرأة وأعطى لها نفس الصلاحية التي أعطاها للرجل، من حيث التكاليف الدينية، من حيث التكاليف الاقتصادية، من حيث التكاليف الاجتماعية، وفي المشاركة للمجتمع بصفة خاصة، قال سبحانه وتعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ) بعضهم أولياء بعض، دائماً الله –سبحانه وتعالى- يستخدم صيغة البعضية حينما يأتي لفظ الذكور مع الإناث أو المسلمين والمسلمات أو المؤمنون والمؤمنات ليؤكد –سبحانه وتعالى- الأصل الإنساني وهو النفس الواحدة التي خُلق منها الذكر والأنثى على السواء.

ماهر عبد الله: طيب تسمح لي مرة أخرى بالمقاطعة للتوقف نتوقف مع فاصل قصير ولكن قبل ذلك نذكركم أنه بإمكانكم المشاركة معنا في هذه الحلقة عبر الأرقام التالية، على رقم الهاتف: 4888873 أو على رقم الفاكس: 4890865، أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي: www.aljazeera.net

[فاصل إعلاني]

موقف الإسلام من العنف الأسري

ماهر عبد الله: دكتورة سعاد، اسمحي لي قبل أن نواصل الحوار بس أن أسمع الاحتجاج من الأخ عبد العظيم سالم الجمل –مهندس من ليبيا- يعني يحتج عبر الإنترنت على الطريقة التي نتعرض بها للأسئلة، يقول: لماذا تتحدث عن الإسلام كأنها نظرية غير قابلة للتطبيق؟ يجب أن تعلم أننا مسلمين مؤمنين يجعلنا نأخذ ما جاء به القرآن والسنة كما جاءت حتى ولو لم يفهمه عقلك الصغير.

يا أخ عبد العظيم، يعني ما.. لا أعتقد أن من حقك أن تستكثر علينا أن نسأل.. هذه أسئلة مطروحة وتحديات تواجه الإسلام، شئنا أم أبينا أو شئت أم أبيت، إن غطينا رأسنا بالرمال لن يزيل ذلك كثيراً، أنا أعتقد أن..

د.سعاد صالح[مقاطعةً]: وأنا عايزة أقول له نحن.. يعني نحن لا.. لا.. لا نهاجم أبداً الإسلام، بالعكس دا نحن الآن يعني نبيِّن المظاهر الإيجابية في ديننا والسلبية في تطبيق الدين، يعني نحن من خلال هذا البرنامج بنقوم بوعي وتوعية للذين يخالفون هذا الدين لأنهم يعني بمخالفتهم للدين يؤدي ذلك إلى الهجوم على الدين كما نرى الآن، فنحن بالعكس نحن.. نحن نظهر.

ماهر عبد الله: طيب.. لو.. لو.. لو انتقلنا إلى مشكلة أخرى تعاني منها المجتمعات عموماً، وتسربت بشكل كبير إلى مجتمعاتنا المسلمة، قضية العنف الأسري، البعض يقول أن القرآن فتح الباب على العنف الأسري حينما أعطى للزوج في بعض الحالات مثل حالة النشوز حق ضرب المرأة، صح أن القرآن حصر الموضوع في.. في جانب ضيق، وربما وضع عليه ضوابط كثيرة، لكنه فتح الباب من حيث المبدأ على العنف الأسري بإباحته للرجل ولو في حالة واحدة وخاصة بضرب المرأة، ماذا تقولين في ذلك؟

د.سعاد صالح: نعم.. نعم، أولاً: العنف بصفة عامة ظاهرة أصبحت في بعض المجتمعات، فأصبحنا نرى الزوجة تقتل زوجها والعكس، أو الأبناء يقتلون آباءهم والعكس، وهكذا والواقع أن هذا اللي العنف يتسم بالقتل وبالإيذاء وبالتهديد وبالإكراه له أسباب عامة قبل أن نخوض في السبب التفصيلي الذي أشرت حضرتك إليه، أسباب العنف العامة أن هناك تغلُّب الجانب المادي على الجانب القيمي والجانب الديني في المجتمعات، أصبح هناك الناس يلهسون وراء المادة ويتركون الجوانب الروحية ويتركون الجوانب الدينية، وبالتالي انتشرت ظاهرة الاغتصاب، وظاهرة الرشوة، وظاهرة الاختلاس وظاهرة السرقة والقتل وغير ذلك، ثم سبب هام جداً اجتاح الأسرة المسلمة الآن وهو الاغتراب، ما معنى الاغتراب؟

هناك فجوة عاطفية وفكرية بني الآباء وبين الأبناء في بعض الأسر، أصبح الأب مهملاً في دوره كقائد وكراعي للأسرة منشغلاً بعمله، ومنشغلاً بالبحث عن جمع المال الذي لا ينتهي كلا.. (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ) بل وأصبحت المرأة في بعض الأسر –بكل أسف- تقول أنا مثل الرجل في ترك البيت، وتترك بيتها للإعارة أو للسفر، أو للتنقل، أو لغير ذلك، وتهمل في أبنائها، الأب نتيجة هذا الابتعاد وافتقاد صيغة الحوار بينه وبين أبنائه عوَّض أبناءه بما يغدق عليهم من أموال، هذا المال الذي أغدقه عليهم، ما هي نتيجته؟ نتيجته الانحراف، نتيجة الإدمان، نتيجته الاغتصاب، وغير ذلك مما نرى الآن، ثم التفكك الأسري، هناك خلافات بين الزوجين وهي سنة من سنن الحياة، لأن الله –سبحانه وتعالى- جعل أن هناك فروق في الطباع بين الرجل والمرأة، وسبحانه وتعالى الذي يجمع بينهما في.. بهذا الميثاق الغليظ بالرغم من هذه الفروق، لكن الأصل في الإسلام الدوام والاستقرار وعدم الطلاق، هناك خلافات زوجية تكون أمام الأبناء، معالجتها أمام الأبناء، فتؤدي أيضاً إلى هروب الأبناء من البيت وإلى انحرافهم وغير ذلك، ثم الإعلام الجماهيري، السينما والتليفزيون والقنوات، وما يرونها أو ما يروها من أفلام الجنس، ومن أفلام القتل، ومن أفلام العنف، ومن أفلام الضرب، وليس شك أن الأبناء في سن معينة يتأثرون بما يشاهدونه وبما يرونه، وخاصةً في سن الطفولة وسن المراهقة.

ثم العامل الاقتصادي، الفقر والبطالة لهم أسباب كثيرة في العنف بين الزوجين أو بين الآباء وبين الأبناء، الزوج الذي لا يعمل يكون متوتراً، يكون شاعراً بأنه عالة على أسرته، يكون شاعراً على أنه مقصر في واجباته، وهكذا، فيؤدي ذلك إلى العنف كما نرى

مسألة ضرب المرأة، الله -سبحانه وتعالى- جعل النساء أمام قوامة الرجل صنفين:

الصنف الأول: قال فيه سبحانه وتعالى (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) هؤلاء غير.. لا يجب عليهن لا عقاب ولا عتاب ولا أي شيء، حافظة لنفسها، وحافظة لزوجها في غيابه، ولأمواله، ولعرضه، ولشرفه، هذه الأم هي مدرسة.

أما الصنف الآخر فقال فيه سبحانه وتعالى (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً).

ما هو النشوز؟ النشوز هو الترفع، والعصيان قولاً أو فعلاً، والانقياد وراء الشيطان، إذن زوجة نشزت عن واجباتها، وتركت أسرتها، وتركت أبناءها، ماذا يفعل الزوج لمقاومة هذه الزوجة الناشز، هل يطلقها أم يعالج هذا النشوز؟ فكان العلاج داخل الأسرة موكل إلى الزوج، لا خارج أسوار الأسرة، كما يفعل الآن بعض الأزواج لأتفه الأسباب، وأتفه النزاعات تترك البيت وتذهب إلى أهلها، وتترك أبناءها بلا رعاية، لأ، الإسلام قال للزوج هناك علاج لمثل هذه الحالة فقط، حالة المرأة الناشز التي تربت في بيئة فاسدة، والتي تركت واجباتها نحو أسرتها، لا تطلقها، ولكن ابدأ بمخاطبة العقل، مخاطبة العقل عن طريق الموعظة والحكمة، والتذكير بواجباتها نحو أسرتها، إذا رجعت عن نشوزها بعد هذه العقاب بعد العظة.. فلا ضرب، ويجب أن يلتزم بذلك (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) والتحذير من ربنا (إن الله كان علياً كبيراً).

ثم فشل الزوج في خطاب العقل، ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي خطاب العاطفة، بأن يهجرها هجراً مقيداً في فراش النوم فقط، لا يقاطع كلامه معها مطلقاً، ولا يهجرها مطلقاً، وإنما يوليها ظهره عند نومه، فإن كانت.. أو إن كان ذلك سيؤثر فيها سترجع عن غيها، وتتوب إلى رشدها، ثم فإن أطعنكم، فشل خطاب العقل، وفشلت خطاب العاطفة، يأتي العقاب الثالث، وهو الضرب الخفيف غير المبرح، وأنا وجدت تفسيراً لمفكر إسلامي حديث، وهو الدكتور عبد الحميد أبو سليمان في تفسيره لقوله تعالى (واضربوهن..) قال بإعلان العقوبة، إعلان عقوبة الهجر، أو إعلان عقوبة الوعظ، ولم يقل بحقيقة الضرب، ومع هذا فإن السنة النبوية بينت أن الضرب بالسواك الخفيف أو باللكم أو بغيره بعيداً عن الوجه، وألا يترك أثراً، ولا يترك شين، بدليل قول الرسول –صلى الله عليه وسلم- حينما سأله أحد الصحابة: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال عليه الصلاة والسلام: "أن تطعمها مما طعمت، تكسوها مما اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" إذن هناك بعض الأزواج يتركون هذا التسلسل، ويتركون هذا الترتيب، ويبدءوا بالضرب، وقد تكون الزوجة مطيعة للزوج ومطيعة لربها، ومع هذا ينحرف الزوج ويضرب هذه الزوجة، وبذا أساء هذا الزوج إلى التشريع الإسلامي، وخرج عن المنهج الإسلامي بهذا السلوك الشاذ، إذن الإسلام لم يفتح باب العنف، وإنما جعله عقوبة، لمن؟ لزوجة فشلت معها وسائل الإصلاح السابقة، وأيهما أخف على الأسرة ضرراً؟ هل يطلق أم يضرب ضرباً خفيفاً غير مبرح؟

ماهر عبد الله: طيب، دكتورة سعاد، اسمحي لي نسمع من الإخوة المشاهدين، معاي الأخت سيدة زهرة من المغرب، أخت سيدة، اتفضلي.

سيدة زهرة: أهلاً وسهلاً أستاذ.. عبد الله ماهر.

ماهر عبد الله: أهلاً بيكِ.

سيدة زهرة: سؤالنا وجيز جداً، وهو ما حكم الإسلام في تحاليل طبية المتعلقة بالوراثة ما يسمى بالفرنسية (.....)

ماهر عبد الله: من أي.. من أي ناحية يعني؟

سيدة زهرة: هل يعترف بها الإسلام؟ هل ينبذ هذا.. هذه التحاليل؟ أو يؤيد هذه التحاليل ويعتبرها اجتهاد في العلم و..؟

ماهر عبد الله: أيش المقصود؟ لتثبيت يعني علاقة أبوية..؟

سيدة زهرة: لتثبيت هوية نسب طفل إلى الأب.

ماهر عبد الله: نعم.. نعم.. نعم.. طيب، مشكورة أخت سيدة، معاي الأخ محمود عبد الكريم من لبنان، أخ محمود، اتفضل.

محمود بعد الكريم: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. سعاد صالح: عليكم السلام.

ماهر عبد الله: اتفضل أخ محمود.

محمود عبد الله: أخت سعاد، أرجو أن تسمح لي بهذه المداخلة.. دقيقة زيادة لو سمحت.

ماهر عبد الله: اتفضل

محمود عبد الكريم: يعني مقارنة بين أحكام الإسلام... حقوقه وواجباته من الرجل والمرأة، وسائر أفراد الأسرة أبناء وبنات، و... أجداد، أحفاد، وغيره، وبين.. المحسوبية.... في هذه.... مجتمع، نجد حكم يعني في.. في كثير من..

ماهر عبد الله: أخ.. أخ محمود.. أخ محمود، للأسف الشديد أنا أردت أخ محمود الهاتف اللي معاك يبدو جوال، يعني أرجو اتصل فينا من.. من هاتف آخر، للأسف الشديد الخط.. الخط غير واضح أخ محمود للأسف الشديد، يعني أرجو أن تحاول من.. من.. من خلال هاتف ثابت. دكتورة.. دكتورة سعاد

د. سعاد صالح: نعم.

حكم الإسلام في التحاليل الطبية لإثبات النسب

ماهر عبد الله: تجاوبي على الأخت سيدة أولاً، عندي سؤال آخر بالفاكس قريب من.. من موضوعنا السابق، حكم الإسلام في التحاليل الطبية التي تثبت العلاقات.. علاقات النسب؟

د. سعاد صالح: نعم كل قرينة تثبت نسب الولد إلى أبيه فهي مشروعة ومطلوبة، لأن الإسلام يحافظ على النسب من الضياع، والرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- حينما أنكر أحد الصحابة نسب ابنه لاختلاف لونه مع لون أبيه، فالرسول –صلى الله عليه وسلم- عمل قياس، قال له: "هل لك من إبل؟ قال نعم، قال له: ما لونها؟ قال لونها كذا، قال: هل عندك ابن لها؟ قال: نعم، ما لونه؟ قال لونه كذا"، إذن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال له طيب ولماذا كان هذا الاختلاف؟ إذن هذه القرائن كان الرسول -عليه السلام- والصحابة يسعون دائماً للحصول عليها، ولذلك فإن ولد الزنا، حتى لو كان عن طريق غير مشروع، ثم أقر الزاني بأن هذا ابنه، فإنه شرعاً يثبت إليه، على الرغم من أن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام "الولد للفراش" إلا أن هذا الاستلحاق عن طريق الإقرار جعل الولد منسوباً أو منتسباً إلى أبيه للمحافظة عليه من الضياع

ماهر عبد الله: طيب لو.. لو عدنا إلى مسألة القوامة، الأخت مها عوني من.. من سوريا، تسأل.. السؤال هو من حق الفتاة المسلمة أن تترك أهلها وتقاطعهم لتتزوج من شاب لا يرضون عنه؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال من.. من ترضون دينه وخلقه..، فهل يعتبر الشاب الذي يرضى للفتاة، أن تترك أهلها، وتقاطعهم لتتزوجه على خلق؟ الرجاء الإجابة مع توضيح رأي الشريعة الإسلامية في ذلك؟

د. سعاد صالح: الأصل في الشريعة الإسلامية قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" وإن كان الفقهاء اختلفوا في اشتراط الولي أو وجود الولي وقت العقد إلا أنهم اتفقوا على ضرورة إذنه ورضاه، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل" حتى وإن كان ذلك من كفء، لأن الأصل أن الأب يكون حريصاً على مصلحة ابنته، ويكون.. ويعرف مصلحتها، ولكن ليس من حق الأب أن يعضل أو يمنع ابنته بعد أن يجد أن هذا الإنسان فيه الخلق وفيه الدين، وتحقق فيه قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير" ليس من حقه أن يمنع، وإن منع هذا الزواج الذي توفر فيه هذا الشرط فإن الولاية تنتقل منه إلى من بعده، ويسمى هذا في الفقه أو عند الفقهاء وليٌ عاضل، والعضل هو المنع بدون سبب، فإذا لم يكن هناك سبب فإن الولاية تسقط عن الولي لمباشر، وتنتقل إلى الولي الآخر، لكن في أي حال من الأحوال ليس للمرأة أن تباشر عقد زواجها، أو أن تتزوج بدون رضا وليها.

ماهر عبد الله: في.. في الجانب الاجتماعي في.. في سؤال الأخت مها، فهل يعتبر الشاب الذي يرضى للفتاة أن تترك أهلها وتقاطعهم لتتزوجه على خلق؟

د. سعاد صالح: أعتقد أن هذا الشاب لا يكون على خلق، ولا يكون ممن نرضى فيه دينه وخلقه، لأنه يحرض الفتاة على التمرد على أسرتها، فإنها حينما تبتعد عن أهلها وتبتعد عن أسرتها فإنه لن يحافظ عليها، فهذا الشاب سقط عنه وصف النبي -عليه الصلاة والسلام- بأنه على دين وعلى خلق، لأن الدين والخلق هو أن يكون يطبق هذا الدين في سلوكه، ولا يجب أن يلتزم فقط بالنص، يجب أن يترجم هذا النص إلى سلوك وإلى فعل.

ماهر عبد الله: طيب، نسمع من الأخ أبو أنس من فرنسا، أخ أبو أنس، اتفضل

أبو أنس: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. سعاد صالح: عليكم السلام ورحمة الله.

أبو أنس: حيا الله هذا اللقاء داعياً ومدعواً.

ماهر عبد الله: أهلاً بيك.

أبو أنس: وأولاً هذه مناسبة مباركة أن نرى ربما لأول مرة في هذا البرنامج مشاركة.. مشاركة سيدة فاضلة، ذات علم وإلمام بدين الله عز وجل. آلو.

ماهر عبد الله: اتفضل

أبو أنس: أقول وبالله -عز وجل- التوفيق لا يمكن أن نعطي جواباً لهذه الحلقة، ولو.. يعني كان هذا العنوان في حلقات متتالية لما؟ لأنه وقع خلط في المجتمعات الإسلامية، ودين الله عز وجل دين متكامل، إذ يقول جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) الشيطان في هذه الآية اللام لام الجنس، ليس لام العهد، لأن قد يقصد شياطين الإنس أو شياطين الجن، ولا يقصد به فقط الشيطان العاصي من الجن، فالمهم هناك محاولات من أجل طمس هوية المسلمين، وما يقع في المجتمعات الإسلامية أو المسلمة هو مزيج من ثلاث أمور فيما أرى، أولاً الجهل الكامل بكل شرع الله جل وعلا، إذ أغلب المسلمين لا يفقهون من الفقه الإسلامي إلا باب العبادات، وأغلب أسئلتهم في العبادات أو المواريث، قليل منهم من يعلم ما الأحكام السلطانية، قليل منهم من يعلم ما السلم والحرب في الإسلام، قليل منهم من يعلم تنظيم الأسرة، وبالتالي أنا أظن أنه هذا يعني شبه... ماذا أقول؟ يعني الكلمة لا أجدها، هذا شبه مطب يقع فيه كثير ممن يتكلمون باسم الإسلام، أن يدافعوا عن الإسلام، الإسلام غير مسؤول عن كل ما يقع في هذه المجتمعات، أعطني أسرة فهمت دينها، والرجل دخل على الزواج بشرع الله، المرأة قبلت هذا الزوج بشرع الله، وعاشوا في هذه الأسرة ضمن شرع الله جل وعلا، لن نجد مشكلة من هذه المشاكل التي نراها ونسمعها في مشارق الأرض ومغارب بلاد المسلمين، فإذن أولاً هوية مبعدة.

ثانياً: وأحاول الاختصار، من خلال الوافدات والواردات الغربية على بلاد المسلمين أفهموا المرأة المسلمة التي أصلها طيب، وفي قبلها محبة لله ورسوله، أفهموها أن علاقتها مع زوجها هي علاقة تسابق وعلاقة صراع، مع أن الأصل الذي بنى الله -جل وعلا- عليه.. جل وعلا عليه الخلق كله من المجرة إلى الذرة بما فيها الإنسان، بناه على كلمتين أصليتين، وهما التكامل والتوازن فيجب أن تفهم أخواتنا المسلمات على أن علاقة المرأة مع زوجها في شرع الله -عز وجل- هي علاقة تكامل وليست علاقة صراع، أو من يسبق كذا، أو الرجل..، فالتكامل والتوازن.

الأمر الثالث: وأختصر، لابد من أجل أن.. أن.. أن نحد من بعض المشاكل أن يفهم الآباء خصوصاً الآباء الذين لهم ولاية بنصوص الكتاب والسنة لابد أن يفهموا على أن الكلمة الأولى والأخيرة هي للبنت وليست الكلمة الأولى والأخيرة للأعراف والتقاليد، لأنه يوجد في بعض بلاد المسلمين من يعدوا البنت وهي في سن الفطام، من يعدها بابن عمها وابن أخيها، وتقع صراعات، فالذي يجب أن يفهم أو يفهمه الآباء أن هذا الأمر للبنات، وأن الاختيار لابد أن يكون على أساس الدين والخلق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أن الأب له حق التدخل للتوجيه...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب، أخ.. أخ أبو أنس، مشكور جداً على هذه المداخلة، وإن شاء الله تسمع تعليق من الدكتورة سعاد عليه. معايا الأخ محمود الحسن من لبنان، أخ محمود، اتفضل.

محمود الحسن: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. سعاد صالح: عليكم السلام.

محمود الحسن أخي.. أخي ماهر.

ماهر عبد الله: اتفضل.

محمود الحسن: عندما.. عند.. عند المقارنة بين أحكام الإسلام المتعلقة بالأسرة وسائر الحقوق والواجبات فيها، وبين الواقع المحسوس وسلوك المسلمين في المجتمع نجد اختلافاً كبيراً، وبوناً شاسعاً، وهنا تنشأ استفسارات، وأحياناً تنشأ اتهامات للإسلام أو أسئلة يفهم منها الاتهام، وهنا لي تعليق ليس فقط فيما يتعلق بأحكام الأسرة التي شرعها الإسلام، بل في كل الأحكام الشرعية المتعلقة بالإنسان بالعباد، ومعلوم أن الإسلام شريعة لكل الناس، وتعطي المعالجات لكل أفعال البشر، والحكم الشرعي قد عرف بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد، والمقارنة بين أحكام الإسلام وبين الواقع، والبون بينهما ليست متعلقة فقط بالأسرة، بل الأمر يتعلق بكل شيء اليوم، فما رأيك بأحكام وحدة الأمة وبالواقع، بأحكام عدل الأئمة وعدل الحكام وبالواقع، بأحكام الجهاد وبالواقع، ما هذا البون؟

يا أخي تعليقي أحكام الأسرة.. أحكام الإسلام المتعلقة بالأسرة وبغيرها هي قوانين شرعية تحتاج لنظام يرعاها ينشرها.. يعلمها.. ينفذها يحتاج لدولة تنفذها وليس لدولة مثل الدولة القائمة في عالمنا التي تحرص على تقليد مجتمعات الكفر الغربية، وعلى نشر الرذيلة التي يسمونها الحريات العامة، وحقوق المرأة وما شاكل ذلك، ويحتاج إلى نظم وبرامج ومناهج إعلامية وتعليمية تخدم أفكار الإسلام، سواء فيما يتعلق بأحكام الأسرة أو غير ذلك..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ محمود، مدخل.. مدخل جميل جداً وفكرة لطيفة، وإن شاء الله تسمع من الدكتورة سعاد رداً عليها، بس دكتورة سعاد قبل يعني أرجو أن تجيبيني، باختصار على سؤال الأخ غازي أحمد مسعود من.. من الأردن، كاتب من الأردن يقول أعجبتني كثيراً مسألة الضرب الخفيف، لماذا الضرب أصلاً، ولماذا لا تضرب المرأة زوجها ضرباً خفيفاً أيضاً؟ أم أن الرجل لا يستحق الضرب؟ وفي مداخلة أخرى في مكان آخر يقول: لماذا لا تهجر المرأة زوجها إذا لم تعجبها تصرفاته؟ تجاوبيني على هذا باختصار قبل أن نعود لسؤال الأخ.

د.سعاد صالح: هو طبعاً لو حصلت مخالفة من الرجل لا نقول أن المرأة تضرب الرجل وإن كان هذا يحدث بكل أسف في بعض.. من بعض الزوجات، وإلا لجعلنا أفراد الأسرة جميعاً لا رئيس ولا مرؤوس ولا مسؤول ولا غير مسؤول، وأدى ذلك إلى الفوضى داخل الأسرة، ولكن نقول أن المرأة إذا تضررت من الرجل، فإن لها أن ترفع أمرها ولحكم من أهله وحكم من أهلها وهي مسألة التحكيم، وعند فشل مسألة التحكيم لها أن ترفع أمرها إلى القاضي، والقاضي يطلق للضرر، لأن –الله سبحانه وتعالى- يقول: (وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، والرسول –صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، فلا نقول أن المرأة تضرب الرجل كما أن الرجل يضرب، وأنا عايزة أقول أن تشريع ربنا –سبحانه وتعالى- الذي خلق الرجل وخلق المرأة ويعلم ما عليه كل منهما من خصائص فطرية واستعداد قال سبحانه وتعالى: (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ)، ونحن جميعاً كمسلمين مطالبين.. أو مطالبون بأننا نطيع الله ونطيع الرسول وأولي الأمر منا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ)، وفي آية أخرى يقول سبحانه وتعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً).

أما عن الأخت اللي كانت بتتكلم عن موقف الابنة، أو الأخ اللي كان بيتكلم، الأخ من فرنسا اللي كان بيتكلم عن موقف الابنة في الزواج نعم نحن معك في أن الإسلام أزال الإجبار والإكراه ورفعه عن البنت في الزواج، ولابد أن تكون البنت موافقة تماماً على الزوج وعلى المهر الذي يدفع لها، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليس للولي مع الأيم أمر" ليس للولي أمر، لابد من إذنها، لابد من رضاها، والرسول –عليه الصلاة والسلام- رد زواجاً اشتكت إليه إحدى الصحابيات وهي الخنساء بنت خزام الأنصارية أن أباها زوجها وهي كارهة، فرد الرسول –عليه الصلاة والسلام- هذا الزواج، فلابد من رضا..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب، أنا هأرجع للإخوة اللي سألوا الأسئلة على الهاتف، بس اسمح لي آخذ المكالمة الأخيرة على اعتبار الوقت أدركنا، والأخ فيصل ينتظر من فترة، الأخ فيصل خلف من السعودية، أخ فيصل تفضل.

فيصل الخلف: الأخ ماهر، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د.سعاد صالح: عليكم السلام.

فيصل الخلف: أخي السؤال بالنسبة لأحكام الشريعة الإسلامية، يعني كثير من الإخوان يتكلمون عن أحكام الشريعة الإسلامية ويريدوننا يعني نلتزم بنمط معين أو مجتمع معين، أعتقد أنه متخيل هذا، لا يوجد أي.. في أي زمن من الأزمان هذا المجتمع بس حبيت أوضح هذه النقطة.

ماهر عبد الله: المجتمع المثالي، طيب سيدي.. مشكور يا أخ فيصل، دكتورة سعاد أنا عايز.. فيه سؤال

د.سعاد صالح: وأنا.. وأنا أرد عليك، عفواً يا أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: تفضل.

د.سعاد صالح: يعني حضرتك لو إن يعني إن إحنا لا نستطيع أن نلتزم بأحكام ديننا يبقى لماذا كان هذا الدين؟ ربنا سبحانه وتعالى يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)، إذن طالما ربنا –سبحانه وتعالى- بعث الرسول بالرسالة اللي فيها المبادئ وفيها الضوابط التي تنظم حياتنا، إذن نحن حينما نبتعد عن هذه الضوابط فإننا نكون عاصيين ومخالفين لله سبحانه وتعالى، لأن ما فائدة الدين؟ فلابد أن نجتهد في حدود استطاعتنا وفي حدود (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)، وفي حدود قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) على تطبيق الدين، وفهم أسراره، ليست العبرة بأن أنا حافظة القرآن الكريم أو حافظ أحاديث نبوية، وإنما الأساس هو أن أعلم ما ينطوي عليه هذا النص من أسرار وحكم إلهية.

دور الدولة في مساعدة الشريعة في تغيير حياة الناس

ماهر عبد الله: طيب، لو عدنا لسؤال الأخ محمود حسن من.. من لبنان، والحقناه بسؤال للأخ أسامة منصور رجل أعمال من أسبانيا، يقول الأخ أسامة –عبر الإنترنت- أعتقد أن كل سبب هذه المشاكل هو الحكومات التي لم توفر احتياجات مواطنيها، فالإحباط والركود الاقتصادي والإعلامي موجه لتغريب المجتمع، جعله بلا هوية، وتهميش دور الدين جعل المجتمع بلا هوية، لو ربطنا هذا الكلام الأخ محمود الحسن الذي يعني أقر بالبون الشاسع بين الواقع ومقتضيات ومتطلبات الشريعة، ويقول في المحصلة النهائية هذا لن يتم إلا من خلال دولة إسلامية، إلى أي مدى تلعب الدولة دور في مساعدة أحكام الشريعة على أن تغير في حياة الناس؟

د.سعاد صالح: طبعاً الحاكم.. الحاكم هو المفوض لتنفيذ وتطبيق أحكام الله –سبحانه وتعالى- في الأرض ولذلك الرسول –صلى الله عليه وسلم- حينما تحدث عن المسؤولية قال "والراعي الراعي الأول اللي هو الحاكم- مسؤول عن رعيته" فإذن لابد من الحكام أن يقوموا بعملية إزالة وتنقية لكل ما هو مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية في جميع حياتنا إعلامياً ودينياً واقتصادياً وعلمياً وغير ذلك، الحكام هم أولو الأمر المسؤولون أمام الله –سبحانه وتعالى- في تطبيق هذه الأحكام مع المؤسسات الدينية في الدول الإسلامية التي يجب أن تقوم بالتوعية المستمرة عن طريق الإعلام وعن طريق الندوات وعن طريق البرامج وغير ذلك.

ماهر عبد الله: طيب، اسمحي لي أسألك سؤال استفزازي من الأخ غازي يعني أرجو أن تتسع.. يتسع صدرك له، لكن قبل ذلك اقرأ لك مداخلة من الأخت دينا عبد الرحمن من.. من مصر تقول: لماذا نفتعل مشكلة من لا شيء، المرأة مرأة الرجل رجل، وقد ساوى بينهم الإسلام في الحقوق، وخفف عن المرأة بعض التكليف مثل الجهاد والإنفاق، والمرأة الغربية تتعرض للضرب أيضاً.

الأخ غازي يعود ليقول: دعونا من المثالية، لقد فشل الإسلام مثلما فشلت الشموليات كلها وكفانا التغني بالنص وإلقاء سبب الفشل على الممارسة، فلا انفصال بين النظرية والممارسة.

ماذا تقولين للأخ غازي على هذا السؤال؟

د.سعاد صالح: لم يفشل الإسلام إطلاقاً ولن يفشل، فالإسلام هو الدين الخاتم والدين العالمي وهو الدين الذي قال فيه –سبحانه وتعالى- (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، ولابد أن نفرق في حياتنا بين الإسلام وبين المسلمين، أو بين الإسلام وبين تاريخ المسلمين، فهناك فرق شاسع بينهما، ونحن نرى الآن الملايين التي تدخل في الإسلام طواعية واقتناعاً وذلك نتيجة قوة الدفع الذاتي للإسلام، وصدق الله العظيم الذي قال: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ).

ماهر عبد الله: طيب، الأخ معتز محمود الجمال معلم من.. من سوريا، يقول تظل الحلول التي يطرحها علماء المسلمين حلولاً نظرية، ومهمتهم تبرئة الإسلام، المفروض أن يطرحوا حلولاً.. حلاً عملياً إسلامياً، حتى عمر –رضي الله عنه- لم يستطع تخفيض المهور في حال الزواج، فما هو الحل؟ يعني لماذا؟

د.سعاد صالح: الحل

ماهر عبد الله: تفضلي.

د.سعاد صالح: نعم.. الحل.. الحل العملي هو الإعلام، الحقيقة لابد من تكثيف الحملات الإعلامية والبرامج الهادفة التي توضح أحكام الإسلام فيما يتعلق بصفة خاصة بالأسرة، لأن الأسرة هي الخلية الأساسية التي تقوم عليها المجتمع، إن كانت قوية أو إن كانت ضعيفة، فلابد من تكثيف هذه.

فضلاً عن إنه هناك سوء استخدام للاكتشافات العلمية الحديثة مثل الإنترنت الذي أصبح الآن يستخدم لتسريب الأفلام الجنسية الوقحة التي يجلس أمامها بعض الأزواج، ويجبرون زوجاتهم على الجلوس أمامها، بل بعض الأزواج يكتفون بمشاهدتها ويبتعدون عن الاستمتاع بزوجاتهم، وبكل أسف أنا قرأت منذ مدة أن في أميركا الآن فيه هناك أبحاث لاكتشاف عقار أو دواء يجعل الرجل يستغني فيه عن المرأة، والمرأة تستغني فيه عن الرجل، إذن هذا تخريب.. هذا تخريب للقيم، وتخريب للفطرة، وتخريب للغريزة التي خلق الله –سبحانه وتعالى- كل من الرجل والمرأة عليها، الإسلام لا يصادم العلم، الإسلام يحث على العلم، ولكن العلم النافع الذي ينفع الإنسانية جمعاء، حينما نراهم الآن يجرون التجارب على حمل الرجل، كيف؟ يجرون التجارب على الاستنساخ، يقولون بتأجير الأرحام، يقولون ببنوك الأجنة، يقولون ببنوك النطف، كل هذا تخريب.. تخريب للأسرة المسلمة وتخريب للأسر المجتمع العالمي ككل، إذن لابد..

ماهر عبد الله: طيب، دكتورة.. دكتورة سعاد أسألك سؤال له علاقة بالتخريب أيضاً لو عدنا لسؤال الأخ أبو أنس، وعندنا أقل من.. من دقيقة للإجابة، فلسفة الأسرة قائمة في.. في النظريات الحديثة على التسابق والصراع، في حين يرى أن الإسلام يقيم العلاقة الأسرية على التكامل والتوازن بين المرء، كفلسفة تقوم عليها الأسرة- وأقل من دقيقة- هل تتفقين مع الأخ أبو أنس؟

د.سعاد صالح: نعم، أنا أتفق فعلاً إن فلسفة الإسلام في العلاقة أو في تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم على التكامل، تقوم على التعادل، تقوم على التكافؤ، تقوم على التماثل، ولا تقوم على الصراع أو.. أو الصراع بينهما، ولذلك ربنا –سبحانه وتعالى- في سورة الليل حينما أقسم بالليل قال: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) بدأ بالليل ثم أعقبه بالنهار، ثم الذكر والأنثى لكي يبين لنا أن علاقة الذكر بالأنثى كعلاقة الليل بالنهار، فكما أن الليل..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: مشكورة جداً.. دكتورة سعاد، أنا آسف جداً يعني انتهى الوقت، مشكورة جداً على هذه المشاركة، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.