فؤاد حسين

ماهر عبد الله
ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين، سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج "الشريعة والحياة".

منذ ما يزيد على المائة عام والحديث عن الخلافة الإسلامية لم ينقطع، كانت حاضرًا مجسدًا، تدهورت، ثم سقطت، ومنذ ذلك التاريخ - وكان ذلك في بدايات القرن الماضي- والحركات تلو الحركات تظهر وتختفي على الساحة العربية والإسلامية؛ تطالب بعودة الخلافة رمزًا لوحدة الأمة المسلمة، رمزًا لتوحيد المسلمين، ورمزًا للمشروع السياسي الإسلامي أو ما أصبح يعرف لاحقًا بالإسلام السياسي.

اختلفت هذه الحركات في الكيفية التي تعيد بها الخلافة، ثم اختلفت لاحقًا في الاتفاق على أنها خلافة، أو شكل آخر من أشكال الحكم، كما تطورت، وعرفتها البشرية خارج الأطر الدينية، وخارج الحضارة والفكر الإسلاميين.

لمناقشة موضوع الخلافة، هل هي مطلب شرعي؟ هل هي مطلب ما زال عقلانيًّا؟ أم هي مجرد تعلق بحنين إلى ماض مجيد؟ لمناقشة هذا الموضوع، يسعدني أن أستضيف الأستاذ فؤاد حسين وهو داعية إسلامي اشتهر بصلته بحزب التحرير الإسلامي، من أكبر الداعين للخلافة الإسلامية.

أستاذ فؤاد حسين أهلاً بك أولاً، واسمح لي أن أسألك السؤال التالي: بداية هل من المنطق اليوم الدعوة لدولة دينية؟ هل ثمة مكان في عالم اليوم لدولة دينية أساسها الإسلام؟

أ. فؤاد حسين:

بسم الله الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، {ربِّ اشرح لي صدري ويسِّر لي أمري واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي}.

هذا السؤال الهام، هل هنالك مكان لدولة دينية في هذا العصر؟ ربما كان هذا السؤال قديمًا منذ خمسين عامًا، ولكن هذا السؤال تجاوزه الناس إلى دور يبحث في ماهية هذه الدولة؟ والقول دولة دينية -عندما يجري الحديث عن الإسلام والدولة الإسلامية- يجب أن يختلف السؤال، فالإسلام دينٌ يختلف عن الأديان الأخرى، الإسلام دين عقيدته عقيدة سياسية روحية، عقيدة سياسية لأنه ينبثق عنها أحكام تتعلق بجميع شؤون الحياة، والقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مليئة بهذه الأحكام، وكتب الفقه الإسلامي تزخر بها. ثم إنها عقيدة روحية لأنها وحي من الله سبحانه وتعالى، ولذلك لا يرد مثل هذا السؤال فيما أنه يمكن أن يكون هنالك دولة قائمة على أساس الإسلام..

ماهر عبد الله:

لو سمحت لي، السؤال بعض العلماء وبعضهم من الأزهر علي عبد الرازق خلفيته الشرعية، أعتقد أنه لن نختلف عليها كثيرًا، يعني مفكر إسلامي في المحصلة النهائية، يقول: إنه ليست ثمة دولة في الإسلام.

أ. فؤاد حسين:

والله، علي عبد الرازق له رأي مزبوط، وينكر أنه موجود نظام حكم في الإسلام، وربما يرى كثيرون جدًّا من علماء المسلمين أن رأيه شاذ، ولذلك لا يعول عليه كثيرًا، ولدينا من الأدلة والنصوص الشرعية ما تثبت خلاف ذلك، وتبين خطأه فيما ذهب إليه.

فإذا سمحت لي، نستطيع أن نجيب على هذا السؤال بالاتفاق ابتداءً إلى ما هي المصادر التي يجب الرجوع إليها؟ حتى نخوض في هذا البحث.

نحن كمسلمين مصادرنا التي يجب أن نعتمد عليها هي: القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وإجماع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والقياس الشرعي الذي علته علة شرعية.

وإذا نظرنا في هذه المصادر، ولنبدأ بالقرآن الكريم نجد الله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فالله سبحانه وتعالى هنا يأمرنا بأن نطيعه سبحانه ونطيع الرسول صلى الله عليه وسلم ونطيع أولي الأمر منا أي من المسلمين، فهو يقرن طاعتنا بأولي الأمر بطاعتنا لله ورسوله، ولا يماري أحد في وجوب طاعتنا لله تعالى ورسوله فلذلك تكون طاعتنا لأولي الأمر طاعة مفروضة وواجبة.

ماهر عبد الله:

طيب، لو سلمنا معك بهذا، في عالم اليوم بعد هذه التغيرات ربما قد يقول قائل: إنو في الوقت الذي نزل فيه القرآن كان ثمة مكان للدين في الحياة العامة، لكن في المائتين أو الثلاثمائة سنة الأخيرة العقل الإنساني والتجربة البشرية تجاوزت التأثر بالدين بالشكل المباشر، وأصبح من المنطقي أن يكون الدين علاقة شخصانية فردية بين الإنسان وربه. أما في الحياة السياسية العامة فالتجربة البشرية بالصواب والخطأ تبين لها أنه لم يعد مثل هذا الكلام صحيح.

أ. فؤاد حسين:

يعني كأنما تقول لي: إن الإسلام ونظامه قديم، وإننا في عصر حديث، فلابد أن نفكر على مستوى العصر. أولا للإجابة على ذلك من باب أن ليس كل قديم خطأ، وليس كل جديد صحيح، وهناك قيم كثيرة قديمة في الحياة البشرية لا تزال توجد، ولا يزال الناس يحافظون عليها ويدافعون عنها.

هذا من باب، ومن باب آخر وهو الأهم أن الإسلام ونظام حكمه وشريعته ليس من وضع البشر، مما يقتضي احتمال تغييرها وتبديلها لتواكب مقتضيات العصر، وإنما هي من وضع رب العالمين الذي يعلم الإنسان ويعلم حقيقته أكثر من نفسه، ويعلم ما الذي يصلح له، والله يعلم ما سيجدُّ على الإنسان، على البشرية من تغيرات، فهو سبحانه وتعالى عندما أنزل هذا القرآن وأنزل هذه الشريعة على محمد صلى الله عليه وسلم؛ يعلم أنها هي الصالحة له في كل زمان وفي كل مكان.

هذا من باب، ومن باب آخر يجب أن ننظر أن الإسلام ينظر للإنسان بوصفه الإنساني، يعني هو بشر سواء مهما كان لونه ومهما كان دمه ومهما كانت لغته ومهما كان عِرقه وحتى مهما كان دينه، فجاءت المعالجات معالجات إنسانية لغرائزه وحاجاته العضوية. فلذلك جاء الإسلام ليعالج ما حاجات هذا الإنسان، فعالجها رب العالمين وهو يعلم ما هي، ولذلك هذا العلاج علاج ثابت وحقيقي وصحيح. أما الناس ومعالجتهم فهي معالجات خاضعة للتجارب، ولذلك سرعان ما يُغيِّرونها ويبدِّلونها، فشتان بين نظام من الله سبحانه وتعالى ثابت، ونظام يغيره الناس ويبدلونه حسب أهوائهم.

ماهر عبد الله:

طيب، هل يُفهم من هذا الكلام أنك تتحدث.. الآية التي استشهدت بها تدل على وأطيعوا أولي الأمر منكم، هل هناك.. أنت تتحدث عن شكل محدد لهذه الدولة، هل.. خطابات كثيرة من الحركات الإسلامية مصرة على استخدام لفظ الخلافة، وكأنه شيء محدد، هل ثمة في تراث الإسلام ما يشير إلى وجود شكل ثابت محدد معروف الأول ومعروف الآخر؟

أ. فؤاد حسين:

في الإسلام ليس فقط يحدد شكل الدولة، بل يحدد الأسس التي يجب أن تقوم عليها الدولة وأجهزتها، وما هي الخواص التي يجب أن تتوفر فيها حتى تُعرف أنها دولة إسلامية أو بالذات خلافة إسلامية، كتب الفقه تحدثت عن ذلك، ولا أريد أن أحيلك على كتب الفقه، ولكن لابد أن نستقرئ بعض هذه النصوص الشرعية.

فمثلا، نقول ابتداءً إن الدولة الإسلامية دولة قائمة على أساس الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، ولذا كان واضح في قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}، {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم}، ولاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بوصفه قائدًا للمسلمين لا بوصفه نبيّ، فهو كنبي هو جاء للتبليغ وكقائد جاء ليطبق ما بُلِّغ به، ويكون تطبيقه هو كمال للشريعة وكأسوة لنا ونموذج لنا.. فهنا يأمر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بما أنزل الله، وأن يحكم بما أراه الله، وطبعًا هذا الأمر ليس لرسول الله فحسب بل ينطبق على كل مسلم في منصب الإمارة لأنه لم يرد دليل يخصصه برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ماهر عبد الله:

اسمح لي، بعض دعاة إعادة قراءات التفسير استرجعوا كل الآيات التي ورد فيها كلمة حُكْم، يحكم، حَكَمَ، فوجدوا أنها متعلقة بالناحية القضائية في أغلب الوقت. الشأن السياسي، الصيغة التي اتخذها في القرآن كانت لفظ الأمر (وأمرهم شورى بينهم)، بينما في حال القضاء القضية ليست شورية، ثمة قاضٍ تُعرض عليه القضية فيرى فيها صوابًا أو باطلاً، وبالتالي ما يريدون أن يصلوا إليه أن قضية الحاكمية افتعلت في بدايات هذا القرن كردة فعل على طروحات غربية جديدة، وبالتالي قضية حاكمية الله لا أساس لها شرعًا في التراث الإسلامي.

أ. فؤاد حسين:

أولا: القول أن ولي الأمر وما تعلق به من وجوب أن يحكم بما أنزل الله متعلقة بالقضاء فحسب؛ هذا قول غير دقيق، لننظر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام البخاري، يقول الصلاة والسلام: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر"، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول فالأول". فواضح في هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن أنبياء بني إسرائيل كانوا هم المسؤولين عن سياسة بني إسرائيل، ولكن يبين لنا أن المسلمين إنما يسوسهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفاء. وهنا، أولاً أتى بلفظ خلفاء، وهذا يوافق ما ورد في قوله سبحانه وتعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم}، وورد أنهم يسوسون هم الذين يسوسون، فهذه السياسة لا تعني القضاء، كلمة السياسة أعم، لأنها تعني تصريف شؤون الناس، إقامة الحق، الأمر والنهي في كل شيء. هذا عن السياسة، السياسة معناها أمر ونهى، وهذا هو تعبير السياسي، حتى الآن نستعمله، السياسي هو الذي يرعى شؤون الناس، ويحافظ على مصالحهم، ويدافع عنهم، ويقيم العدل فيهم ويرفع الظلم عنهم بكل ما سمعت، أي أنها ليست قضية فردية، وإنما قضية مجتمع بأسره في جميع شؤون الحياة.

ماهر عبد الله:

طيب إذن الأساس الأول في اعتقادك لهذه الدولة أن تكون دولة تحكم بما أنزل الله، ما هي الأسس الأخرى التي تقوم عليها هذه الدولة؟

أ. فؤاد حسين:

الأسس الثاني أنو، لو تتبعنا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة رضوان الله عليهم، لرأينا أن أولاً: أن تحكم بما أنزل الله معناها أن السيادة لشرع الله سبحانه وتعالى. وهذا واضح من قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول}. فواضح أنه احتمال التنازع بين الحاكمين والمحكومين وارد، فمن المرجع في ذلك؟ هل يَفرض الحاكم على الناس ما يراه؟ لا، بل يجب أن يعود إلى الله ورسوله أي إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله.

وهذا أمر مفروض على الحاكم والمحكوم، ولذا كما أن الله سبحانه وتعالى أمر الحاكم أن يحكم بما أنزل الله، أمر المحكومين المسلمين أن يحتكموا إلى شرع الله، وجعل ذلك من آيات الإيمان، سبحانه وتعالى يقول: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا}، بل يذهب أكثر من ذلك فيدعي، إن من يدعي أنه مؤمن ومسلم ثم يعود لغير شرع الله، إلى الطاغوت ليحتكم، جعله الله أو اعتبره القرآن منافقًا، كما يقول سبحانه: {ألم ترَ إلى الذين يزعمون} سمى يزعمون {أنهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} يقول يريدون ولم يقل يتحاكمون، مجرد يريدون {أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يُضلهم ضلالاً بعيدًا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا}. فوصفهم رب العالمين بالمنافقين.

فلذلك القضية تُلزم الحاكم والمحكوم بل أكثر من ذلك، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تُلزم الأمة أيضًا أن تجبر الحاكم على الحكم بما أنزل الله، وإذا حكم بالكفر أن تنازعه وتحمل عليه السلاح، كما في حديث عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنشط والمكره، على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا، فقالوا: ألا ننازعهم؟ ألا نقاتلهم؟ ألا ننابذهم بالسيف؟ قال:لا، إلا أن تروا كفرًا بواحًا لكم فيه من الله برهان. فواضح أنه إذا حكم بالكفر ولو بحكم واحد، وجب على المسلمين أن يعيدوه إلى شريعة الله، لأنه بهذا العمل تستمر الأمة أمة إسلامية، والدولة دولة إسلامية، والدار داراً إسلامية.

ماهر عبد الله:

أريد منك سيدي أن تحدد لي ماذا تقصد تحديدًا بقولك السيادة لشرع الله، أن ترجعه رغم أنفه إن احتاج إلى شرع الله، ما هو المقصود بشرع الله هنا؟ أنت تقول الكتاب والسنة، ما الذي يضمن أنّ له اجتهادًا يخالف اجتهادي واجتهادك؟

أ. فؤاد حسين:

أحسنت، هذا يقودنا إلى أن نكمل ما هي الضوابط التي تضبط الدولة والقواعد التي تقوم عليها الدولة. قلنا ابتداءً سيادة الشرع، بمعنى أنه لا يجوز لا للحاكم ولا للمحكوم، لا للخليفة ولا للمسلمين أن يحتكموا في أي شأن من شؤون حياتهم، سواء كانت أمورًا فردية أو أمورًا عامة في الاقتصاد، في الاجتماع، في السياسة، في الحكم، في الثقافة، لا يجوز لهم أن يكون لهم أي شرع أو تشريع أو قانون لا يرتكز إلى كتاب الله وسنة رسوله أو إلى إجماع الصحابة.

نأتي إلى نقطة أخرى أن الله سبحانه وتعالى جعل السلطان للأمة، أي أن الأمة هي صاحبة الصلاحية في اختيار من يحكمها، هو ليس مولودًا حاكمًا عليها، ولا معيَّنا من الله ومن رسوله حاكمًا عليها، ونذكر في لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبحث عن طلب النصرة عندما (بنو كِنْدة) عرضوا عليه، قالوا ماذا لو بايعناك على أمرك فأظهرك الله عليه، هل تجعل لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء، ويضعه الله سبحانه وتعالى في..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

بس مازلت لم تجب على سؤالي، يعني أنت تقول الأمة..

أ. فؤاد حسين [مقاطعًا]:

نعم أريد أن أبين الأدلة، الأدلة على الأمة، واضح في..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لا، أنا مش الأدلة على الأمة، أنا أفهم تمامًا أن تكون الأمة هي المصدر، وهي تملك الصلاحية، لكن شرع الله كيف نضمن؟ يعني من الذي، مَنْ وما الذي يحدد أن هذا هو شرع الله؟

أ. فؤاد حسين:

جيد، جيد، هو كون أن الأمة تختار خليفة هذا أمر لابد منه، قلنا لأنها دولة تحتاج إلى أمير وهذا الأمير خليفة أو إماماً أو أمير المؤمنين كلها ألفاظ جاءت بها النصوص الشرعية وتجيزها النصوص الشرعية، ولذلك لا إشكال في ذلك، وإن كانت دولة تسمى خلافة بالنصوص الشرعية وردت عنها أنها تسمى خلافة.

أما بالنسبة للنقطة الأخرى أن هذا الخليفة هو المُخَوَّل شرعًا بتبني الأحكام، وعندنا من، وطبعًا في حياة الرسول صلى عليه وسلم لا يقال بالتبني، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المُكَلَّف بتبليغ هذه الرسالة وبتبيينها عمليًّا وفعليًّا وقولاً وفعلاً. بالنسبة للصحابة رضوان الله عليهم أمر وارد أن تَرِدَ أمامهم أفهام مختلفة فماذا يفعل المسلمون؟ ففي بعض الأمور الأساسية التي تعتبر أساسية بالنسبة لوحدة الأمة، لابد للخليفة أن يتبنى حكمًا من هذه الأحكام، لكنه يتبنى حكمًا من أحكام الشريعة بدليله، بدليله، وهذا هو صاحب الصلاحية، ولكن للاطمئنان على هذا الحكم هو حكم شرعي هنا يأتي مجلس الشورى.

صحيح أن مجلس الشورى لم يكن في البداية في عهد الصحابة، وحتى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بالشكل المقنن الآن، ولكن كان يوجد هنالك رجال للشورى يستشيرهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار. وهؤلاء هم أنفسهم الذين عندما أراد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن يبقي أرض العراق -وتسمى السواد- لبيت المال ولا يوزعها بين المسلمين، استهجنوا منه هذا الأمر، واعتبروه كأنما اعتبروه يخالف شرع الله، فلذلك حاسبوه وناقشوه، حتى ليقول عمر رضي الله عنه: اللهم اكفني بلال وصحبه، لكثرة ما تابعه بلال، حتى أتى لهم بالدليل في آية سورة الحشر عندما يقول: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} ثم يأتي للفقراء والمهاجرين ثم الآية {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم} ثم الآية {والذين جاؤوا من بعدهم}، فالذين جاؤوا من بعدهم نحن، فقال كيف يكون لهؤلاء نصيب من هذه الأرض إلا إذا كانت لبيت المال، فاقتنعوا.

ولذلك يعود بنا القول أنه صحيح أن الخليفة هو المخول بتبني حكم يلزم المسلمين به، ولكنه حكم شرعي، وهذا بالمناسبة في القضايا الظنية وليس في الأمور القطعية، فلا يستحق، لا اجتهاد في الأمور القطعية فيما حرم الله قطعًا، وفيما فرض الله قطعًا، أما في الأمور الفروض والمحرمات التي تستنبط استنباطاً والتي ورد فيها أفهام متعددة، لابد أن يُتبنى أحد هذه الأفهام، وهذه صلاحية الخليفة.

ومجلس الشورى صلاحيته أن يرى في شرعية هذه القوانين، لا يشرع وإنما يرى في شرعية القوانين، وإذا اختلف مجلس الأمة مع الخليفة، فالآية واضحة {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فتصورنا أنه، لابد من أن توجد محكمة مظالم، محكمة مظالم من المجتهدين الذين لديهم القدرة ولديهم الخبرة، ولديهم العلم الذي يمكنهم من أن ينظر في القضايا إذا رُفعت إليهم.

ماهر عبد الله:

ما هي الآلية التي ستختار بها مجلس الشورى؟

أ. فؤاد حسين:

نعم، إحنا قلنا من البداية إن الأمة هي صاحبة الصلاحية في اختيار الحاكم، وهذا كلام فعلاً حصل في كل الخلفاء دون جدال، فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه اختاروه أهل الحل والعقد..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أنا سؤالي مش اختيار الخليفة، كيف سنختار من يختار الخليفة؟ ومن؟ أنت قلت إذا حصل خلاف بين الخليفة ومجلس الشورى، الخليفة قلنا للأمة صلاحية تعيينه، فرد التوافق عليه سهل، لكن توافق على مجلس كيف ترى أن يتم؟

أ. فؤاد حسين:

أولاً، مجلس الشورى هذا مجلس يمثل الأمة، يعني لا يمكن أن نتصور أن نجمع الأمة كاملة لتناقش الخليفة في مسألة أو في مثلاً في شرعية هذه القوانين، ولذلك لأجل هذا ولأجل أيضًا محاسبة الخليفة ومحاسبة ولاته، ومراقبة طريقة لا أقول تشريع حتى التشريع ثابت، ومراقبة تنفيذه لهذه الأحكام وحسن تنفيذه لها، وسلامة تنفيذه وجهاز الحكومة، لابد من اختيار مجلس الشورى تنتخبه الأمة. كأي ..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

كيف؟ على أي أسس؟

أ. فؤاد حسين:

على أسس الانتخاب، هنا شروط لأي، لعضو مجلس شورى أن يكون مسلمًا رجلاً أو امرأة، أن يكون عدلاً، أن يكون عاقلاً، أن يكون بالغًا، ويُترك للناس أن يختاروا من يشاؤون. حتى في مجلس الشورى، هذا يُختار من غير المسلمين للتعبير عن مظالمهم إذا طُبِّق عليهم الإسلام تطبيقًا سيئًا، فلذلك مجلس الشورى تختاره الأمة، تنتخبه انتخابًا مباشرًا، هذا أمر لم يكن سهلاً فيما مضى، ولكن..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لم يكن موجودًا؟

أ. فؤاد حسين:

لا، كانوا هم يمثلون الأمة تمثيلاً طبيعيًّا، لا تقل غير موجود، كانوا يمثلون الأمة تمثيلاً طبيعيًّا، الآن من الصعب أن تمثل الأمة تمثيلاً طبيعيًّا، ولذلك الأمة تنتخبهم انتخاباً مباشرًا.

ماهر عبد الله:

إذن أين يختلف هذا عما يسمى اليوم بالديمقراطية كآلية لانتخاب من يشيرون على الخليفة؟

أ. فؤاد حسين:

هذا يقودنا إلى كلمة، في نقاشات طويلة، كثيرون من الذين يُنادون بالديمقراطية من بلاد المسلمين، هم لم يتصوروا، وليس في ذهنهم خاصة المسلمين الأتقياء والمسلمين عامةً أن مجلس، أن..

[موجز للأنباء]

ماهر عبد الله:

أستاذنا الكريم قبل الموجز وصلنا إلى توصيف آلية اختيار ما أسميته بمجلس الشورى، ولا تحتاج المسألة إلى كثير ذكاء لإدراك أن ما وصفته ينطبق على ما يسمى اليوم بالديمقراطية، فلماذا نُصِر على تسميتها بالشورى أو على القول بأن الشورى مختلفة جذريا عن الديمقراطية، إذا كان التوصيف للمراقب يوحي بنفس الموصوف؟

أ. فؤاد حسين:

بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً، موضوع الانتخاب هذه آلية، وليست فكرة، هذه من الآليات المستخدمة في كثير من شؤون الحياة، كتسجيل سيارة، كإخراج جواز فهذه آلية، كانت الآلية فيما مضى لاختيار من يمثل الأمة أن يكونوا يمثلونها طبيعيًّا كرؤساء القبائل ورؤساء العائلات، وهذا كان موجودًا في كثير من بلاد المسلمين في الأردن وفي العراق مثلاً حتى جرى هذا التغيير الجديد، فلذلك لابد من الطريق المباشر وهو الانتخاب. وجرى مثل هذا الانتخاب في انتخاب عثمان رضي الله تعالى عنه، فكانت أصوات مقابل أصوات، وواضح في وصية عمر أنه إذا تساوى تتبعون رأي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه حتى تعينوا الخليفة.

فالآن الأمر متيسر من أجل انتخاب مجلس الشورى مباشرة، القضية ليست قضية الشبه بين الانتخابين، القضية أن مجلس الشورى رأيه بالشورى، أي أن الخليفة يعود عليه يستشيرهم في كثير من الأمور، وإن كان لا يعني أنه مُلزم بكل رأي يأتي به مجلس الشورى. في بعض الأمور هو ملزم، كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألزم نفسه برأي من رأوا أن يخرج يوم أحد، ولكنه في بعض الأمور غير ملزم، إذا كان رأيًا يتعلق بالفكر أو يتعلق بالرأي المهني، كما إنو الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ برأي الحباب بن المنذر في معركة بدر ولم يستشر المسلمين ولا الصحابة، لأن الأمر أمر رجل خبير في المسألة.

وفي صلح الحديبية الرسول صلى الله عليه وسلم خالف الجميع، الكثير منهم لم يرضوا بشروط الصلح، فقال مقولته المشهورة: "أنا عبد الله لن أخالفه ولن يضيعني" مما يدل على أنه مأمور عليه الصلاة والسلام بفعل هذا الصلح.

فإذن القضية هي شورى، الخليفة يستشيرهم، وهم يشيرون عليه وأيضًا يحاسبونه، أما في الديمقراطية بالإضافة إلى هذه الأمور كلها صحيحة، إنما هذا في الديمقراطية أن هذا المجلس اللي هو مقابل لمجلس الشورى ويسمى مجلس النواب يُشرِّع أي يضع القوانين ابتداءً، فهو الذي يضع القوانين، يحدد ما هو، ما هو الحق وما هو الباطل، ما هو المسموح به، وما هو غير المسموح به، بين قوسين ما هو الحلال وما هو الحرام، وفي الإسلام لا يجوز لمجلس الشورى ولا للخليفة لا هذا ولا ذاك أن يحدد شيئا من ذلك، لأننا قلنا السيادة للشرع، إنما الخليفة أُعطى صلاحية بوصفه الأمة اختارته نيابة عنها ليحكمها بالإسلام، كما يقول أبو بكر رضي الله عنه: "أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوموني، أطعيوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

انتبه، جعل هذه الطاعة مش طاعة مطلقة، بل مقترنة بطاعة الله ورسوله، مما يدل على أن سيادة الشرع تحكم الخليفة وتحكم الأمة بما فيهم الشورى. أما في الديمقراطية فهم الذين يضعون القوانين والتشريع، وهذا يخالف، التشريع في الإسلام لله سبحانه وتعالى وهذا من صفات الألوهية، أنه هو المشرع بمعنى الحاكم، ولكن المجلس الديمقراطي هو الذي يشرع.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

اسمح لي أختلف معك، أولاً نحن لن نختلف على أن المشرع هو الله، لكن السؤال النص بين أيدينا، فالمشرع أنا وأنت في فهمنا للنص، لأن الله سبحانه وتعالى بعد محمد لن يرسل لا جبريل ولا رسلاً آخرين، من شروط صلاحية الإيمان أن نؤمن بختم الرسالة، وأنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم. إذن الصلة بيننا وبين الله كمصدر تشريع آخر، جبريل لن يأتي ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، إذن أنا وأنت في فهمنا للنص أصبحنا مصدر التشريع الفعلي، بس على الصعيد النظري النص هو المشرع، لكن من يضمن أن فهمي وفهمك هو مشترك سيكون لكثير من القضايا، إذا اختلفنا أين سيكون الحكم الشرعي؟

أ. فؤاد حسين:

الأمر لو لم يكن فيه إذن من الشارع في موضوع الاختلاف ما كان لنا أن نرتاح لحصول اختلاف في الرأي، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر"، وواضح أنه قال أخطأ، فلذلك هنا إذن احتمال الخطأ وارد. لكن السؤال: من هو المخول أن ينظر في هذه الاجتهادات فيقرر؟ هو الخليفة، لماذا؟ لأنه اختارته الأمة ليحكمها بشرع الله، لكن هي مسؤوليتها أن يبقى الذي يحكم به وهو شرع الله تعالى تراقبه، فالخليفة ليس مشرعًا، ولا مجلس الشورى مشرعًا، في الديمقراطية هو يضع القوانين ابتداءً، الخليفة ومجلس الشورى لا يخرجان عن النصوص الشرعية.

ماهر عبد الله:

حتى ليس مشرعًا، أنا أستثقل قبولها منك، لأنه في الأخير هو المشرع، لأنه هو الذي سيلزمني بفهمه للنص، أنت ذكرت أنه لو اختلف مع مجلس الشورى في بعض الأحيان فهو ليس ملزمًا برأي مجموعة من علماء المسلمين، بل برأيه، ما دام ألزمني برأي ارتآه هو وليس بالضرورة هو رأيي، إذن هو المشرع بالنسبة لي.

فؤاد حسين:

هو الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعوا على أن الخليفة من حقه أن يختار من بين الأفهام المختلفة، والصحابة رضوان الله عليهم بإجماعهم هذا دليل شرعي فهموه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا من حقه، ولولا إجماعهم لما قلنا إن من حق الخليفة أن يختار هذا الحكم أو يختار أي الأفهام. فإذن عندنا من الدليل ما يجعل الخليفة مخولاً بأن يختار أحد الأفهام، يبقى ما دام في الشرع ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

ما أريد أن أصل إليه، أنه لماذا لا تضع بدلاً من أن ترفض الديمقراطية من حيث المبدأ للتعريف الذي تجده في القاموس لها، نقول: إننا نحن نريدها ديمقراطية بهذا الشكل المؤسسي الذي نضج عند غيرنا مع شرط ألا تصطدم، تمامًا كما لا يجوز لأي برلمان غربي أن يتصادم مع دستور البلد الغربي، لنقول أن دستورنا القرآن، ننتخب بالديمقراطية مع شرط أن لا يختلف أي من التشريعات التي سنسنها، أي من الخيارات القانونية التي سنفتعلها؛ مع دستور البلد الذي هو القرآن؟

أ. فؤاد حسين:

هي فيه نقطة حساسة هنا، ربما تغيب عن ذهن السامع، كلمة أن يختار قوانين ثم ينظر إلى أنها لا تختلف عن الشريعة، إذن هو لا يختار القوانين تعبدًا لله سبحانه وتعالى، يختار القوانين بناءً على تقديره العقلي، ثم يرى هل خالفت أم لم تخالف. أما عند المسلمين يختاروا الأحكام لأنها أمر الله سبحانه وتعالى وفي هذا مسألة تعبدية، هناك القضية ليست قضية تعبد، قضية أنهم يريدون أن يختاروا قانون يلائمهم، ثم يأتي مرحلة أخرى ليروا، أولاً أن يختاروا، ليس عندنا دليل أن يُختار القانون بالأكثرية أو بالأغلبية لا يوجد أي دليل شرعي لذلك، ولو كان جاز ذلك لرأينا أدلة مع بلال ومع عمررضي الله عنهما.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

فقط لإنهاء قضية المسألة التعبدية، كيف يكون مجلس الشورى يتعبد؟ أنا أفهم أن يتعبد الفرد بنفسه، أنا أفهم أن يتعبد الخليفة، بأن يكون عادلاً، لكن المجلس كمجلس هو شخصية اعتبارية لا أجر لها بالمعنى الجمعي هذا.

أ. فؤاد حسين:

أنا ما قصدت الجمع، قصدت أن المسلمين عندما يأخذون أي حكم شرعي يأخذوه على أنه أمر عن الله سبحانه وتعالى، بغض النظر عما يرونه أو ما يمكن أن يروه من مصلحة أو عدم مصلحة. في حين الديمقراطية هي تختار هذا القانون بناء على موازنات عقلية آنية، فلذلك منطلقان مختلفان تمامًا، منطلق مبني على الموازنات العقلية، وهناك مبني على الموازنات الشرعية، يعني الأدلة والفهم الشرعي من باب، والباب الثاني لماذا حتى لو كان هذا الشبه قريب لماذا نصر أن نختار الديمقراطية، ورب العالمين ذكر مجلس الشورى، الشورى {وشاورهم في الأمر} {وأمرهم شورى بينهم} لماذا؟ مع أن رب العالمين فيه عندنا نصوص شرعية يعلمنا أنه إذا كان هنالك نص فيه التباس أن يُفهم منه شيء حق، وشيء باطل الأصل أن نتحول عنه ونختار النص..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لا، هو ببساطة شديدة لأنه خلال 14 قرن من الإسلام لم نستطع الاتفاق على شكل لهذه الشورى، لم نستطع الاتفاق على آلية لاختيارها، لم نستطع الاتفاق على آلية لتفعيلها، أنت ذكرت مجموعة من الخلفاء كل منهم أشار واستشار بطريقة مغايرة.

أ. فؤاد حسين:

لكن مبدأ الشورى موجود، العملية ليست عملية من هم؟ وكيف؟ أن مبدأ الشورى موجود أن الخليفة يستشير، وهم يشيرون، لكن الآن..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

ماشي، والبشرية اخترعت الآن آلية أكثر تحقيقًا.

أ. فؤاد حسين:

ولكن نريد أن نستخدم هذه الآلية وهي اختيار مجلس الشورى، ولكن تبقى صلاحياته وصلاحيات الخليفة، وصلاحيات القاضي، وصلاحيات الوالي وصلاحيات الجيش، هذه صلاحيات حددها الإسلام، وتحديدها آتٍ من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وطريقة الدولة التي أقامها وصلاحية كل جهاز، أنا لم أتكلم عن الأجهزة، أنا ..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

طيب خليني أسألك، أنت قلت حددها الرسول، لو افترضنا جدلاً أني سأقر معك، رغم أنا تقديري نحن الذين قرأنا حياة الرسول قراءة أوحت لنا بهذا، ربما يأتي غيرنا يقرأ قراءة أخرى.. إلى أي مدى من وجهة نظرك أنت هذه الدولة قيامها ملزم للمسلمين؟ لن يختلف مسلمان على أن الصلاة فرض عين على كل مسلم، لن يختلف مسلمان على أن الحج ركن من أركان الإسلام، لكن ثمة جدل كبير على مكانة الدولة في الإسلام.

أ. فؤاد حسين:

أولاً، قلنا من البداية أن هذا الإسلام لا يستقيم إلا بدولة تطبق أحكامه، هذا من البداية، فهذه قضية كما يقول الفقهاء: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالواجب هو تطبيق هذه أحكام الشريعة، هذا واجب لا خلاف فيه، يعني هذا الدين أتى ليعيش المسلمون على أساسه، وليصرفوا شؤونهم على أساسه في جميع شؤون الحياة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بدولة، وتكلمنا عن الموضوع هذا.

الآن هذه الدولة من هذا الباب واجبة، أيضًا من أبواب أخرى أن يكون هناك خليفة، وأن يكون له سلطان، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم: "الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته" فهو يحصر الرعاية بالإمام، "من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع"، فهو إذن إذا بايع ذلك، "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"، ثم العلماء، ماذا قال في العلماء؟ لا يدع مجالاً للشك أن موضوع الخلافة قضية أساسية لا يمكن للدين أن يوجد بدونها، يعني أقرأ شيء لذلك، الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول "الخلافة أم الفرائض".  وابن حزم يقول "اتفق جميع أهل السنة والمرجئة والشيعة والخوارج على وجوب الإمامة". الجرجاني يقول "إن نصب الإمام من أتم مصالح المسلمين وأعظم مقاصد الدين". النووي يقول "أجمع الصحابة على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة"، وقال "إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة، ويجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، ويحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها".. هذا في تعليقه على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"، نقول هذا الأمر سواء عقدوها للثاني للخليفة الثاني عالمين بعقد الأول أم جاهلين به، لا فرق يعتبر العقد الثاني باطلاً. الماوردي يقول "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، فليس دين زال سلطانه إلا بُدِّلت أحكامه". ويحضرني في هذه، فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، يحضرني قول أمير الشعراء أحمد شوقي عندما قضى كمال أتاتورك على الخلافة، يعني معروفة الأبيات، قصيدة طويلة يقول:

فلَتسمعن بكل أرض داعيًا     يدعو إلى الكَذَّاب أو لسجاح

ولتشهدن بكل أرض فتنة     فيها يباعُ الدينُ بيعَ سماح

يُفتى على ذهب المعز وسيفه      وهوى النفوس وحمدها الملحاح

هذا واقع المسلمين الآن، هذا واقعهم.

ماهر عبد الله:

لنسمع من المسلمين الآن، نسمع من الأخ ناجي الجماعي من اليمن.

ناجي الجماعي:

السلام عليكم

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام

ناجي الجماعي:

في الحقيقة لدي مداخلة مع الأخ الفاضل حسين فؤاد، وعن موضوع شكل الدولة، وفي الحقيقة هنا لم يأتِ بشيء جديد، والسؤال تكلم عن الخليفة، وأنه يجب أن يكون للمسلمين خليفة، والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يكون الخليفة؟ هل يكون برضاء الناس واختيارهم أم غصًبا عليهم؟ ثم تكلم عن المجلس الاستشاري، والآن المجالس الاستشارية هذه هل هي ملزمة للخليفة أم مجلس استشاري للاستئناس، إن قبله أعجب الحاكم أخذ به، وإلا رماه في سلة الإهمال؟ ثم تكلم عن الديمقراطية، وأن عندنا الشورى فالإسلام، لماذا الديمقراطية؟ والحقيقة أن الديمقراطية هي في الإسلام، أنتم تقولون: عندنا الشورى وعندنا، نقول نعم، إن أقصى ما نطمح إليه هو الإسلام، ولكن أين هو الإسلام؟

وصراحة أريد أن أقول إن الخليفة، إن الحكم في الإسلام له أربعة أركان، وإذا سقط ركن من هذه الأركان فبالتالي لا نقول إن ولي أمرنا يحكم بما أنزل الله.

ومن هذه الأركان أن يكون الخليفة برضاء الناس واختيارهم وليس غصبًا عليهم، اثنين: أن تكون الشورى مُلزمة للحاكم، الثالث: استقلالية المال العام، الركن الرابع: العدالة في التوزيع.

هذا هو شكل الدولة الإسلامية، وهذا النموذج هو الذي كان في الخلافة الراشدة، والآن الإسلام هو منحرف عن مساره، من بعد معركة صفين ولحد الآن، والذي ضيع حقوق الأمة هم ما يسمى علماء السلطة، لأن الإسلام من هذاك التاريخ منحرف عن مساره.

ماهر عبد الله:

أخ ناجي، سألت مجموعة من الأسئلة إن شاء الله اللي مهمة وستسمع لها إجابات إن شاء الله فاسمح بمقاطعتك هنا، معي الأخ عمر الحاج من ألمانيا، تفضل أخ عمر.

عمر الحاج:

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام

عمر الحاج:

أود أن اسأل، ذكرت يا أخ ماهر وتساءلت عن الديمقراطية والشورى، ورأيت أنك قد وقعت في شيء من الخلط في الفهم بين الديمقراطية كنظام للحكم، وبين الانتخاب كآلية للاختيار، إذ إن اختيار أعضاء مجلس الأمة إنما يكون على سبيل الوكالة، فهم وكلاء في الرأي عن الأمة، فأود أن أسأل الأستاذ فؤاد حسين: هل هذا الفهم صحيح أن الديمقراطية هي كيفية للحكم ونظام للحكم وليست آلية للاختيار؟ لأن هذا الأمر يقع فيه الخلط عند كثير من المسلمين.

كما أود أن أسال سؤال بسيط: هل الشورى واجبة؟ أي هل يجب على الخليفة أن يستشير في كل أمر؟ أم أن الشورى هي أمر مندوب في المباحات؟ وما هي المواضيع التي يجب على الخليفة أن يأخذ فيها برأي مجلس الأمة؟ وبارك الله فيكم.

ماهر عبد الله:

مشكور جدًّا يا أخ عمر، معي الأخ فادي عبد المجيد من الدانمارك.

فادي عبد المجيد:

السلام عليكم

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام

فادي عبد المجيد:

 نشكرك أخ ماهر على هذه المبادرة الطيبة بالنسبة للموضوع وبالنسبة لواقع الشخصية اللي استضفتها، ونسأل الله إنو ما تكون هذه أول مرة وآخر مرة..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

بس تفضل أنت وخش ..

فادي عبد المجيد:

عندي مداخلتين بسيطتين هو حول موضوع بداية، موضوع الدولة الدينية، الدولة الدينية هذا يعني إنو من ينظر إلى التاريخ الإسلامي ويدرس التاريخ الإسلامي، ويدرس أحكام الإسلام ونظام الحكم في الإسلام بخلفية الصراع الديني في أوروبا، وتحكم رجال الدين والكنيسة، وتحالفهم مع الملوك لظلم الناس، هذا من الصعب عليه أن يدرك واقع أحكام الإسلام من خلال أدلتها وانطباقها على الواقع. فالإسلام الدولة فيه ليست دينية، لأنه لا فصل بين الروح والمادة، ولا فصل بين السياسة والدين، ولا بين الدين والدنيا، فقضية الدولة الدينية بناء على نظرية التفويض الإلهي حينما كان يحكم الملوك الناس باسم الدين، هذا الأمر مرفوض وغير موجود، لا في التاريخ الإسلامي ولا في أحكام الشريعة.

ماهر عبد الله:

طيب، هذه المداخلة الأولى، المداخلة الثانية؟

فادي عبد المجيد:

المداخلة الثانية موضوع الشورى والديمقراطية، الديمقراطية كنظام حكم، ومنشؤها من اليونان، وبلوروها سياسيًّا مفكري وفلاسفة الغرب إبان عصر النهضة والثورة بفصل الدين عن الحياة؛ تعني أن تكون السيادة للشعب أو للأمة، بمعنى أن مصدر التشريع يكون من الشعب مباشرة أو من خلال نواب الشعب في مجلس البرلمان، ويكون مقياس الصواب والخطأ والحق والباطل، وما هو مشروع وغير ومشروع؛ هو رأي الأكثرية الذي يتم التصويت عليه من خلال وكلاء الأمة في البرلمان. فهذا يعني أن هناك انفصال أساسي بين الشورى كأسلوب لتبيان الرأي الأصوب والأفضل يتبناه صاحب الصلاحية في الدولة أو في المؤسسة أو في الجماعة أو في الشركة، وبين موضوع السيادة بمعنى حق التشريع، ومن ثم إنو الرسول عليه الصلاة والسلام حينما جاءه مصعب بن عمير رضي الله عنه بالأوس والخزرج أو بقادة الأوس والخزرج إلى المدينة فخاطبهم قائلاً عليه السلام: أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بمن فيهم وكلاء أو كفلاء، بمعنى يمثلوا رأي اثني عشر شخص يمثلوا رأي الـ 75 شخص الذين هم من الأوس والخزرج.

ماهر عبد الله:

أخ فادي مشكور جدًّا على هذه المداخلات أو هاتين المداخلتين، أنا على يقين أن الأستاذ فؤاد سيجيب. ابتدأنا بالأخ ناجي، يتهمك بأنك لم تأتِ بشيء جديد، هذا خطاب إسلامي تقليدي، لكن سؤاله الجوهري الأول كان كيف يكون الخليفة؟ هل سيأتي برضا الناس أم رغم أنوفهم؟

أ. فؤاد حسين:

تكلمت في البداية أن الخليفة أن ما دام السلطان للأمة وهي التي تتبع الخليفة فهي التي تختاره، وذكرت أن أهل الحل والعقد هم الذين اختاروا أبا بكر رضي الله عنه، وأبو بكر الصديق استشار المسلمين جميعًا قبل أن يتبن له أنهم يريدون عمر، وعثمان رضي الله عنه الستة المبشرين الذين يمثلون الأمة، بل إن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه لم يحصر الأمر في الستة، بل ذهب يستشير كل من في المدينة لذلك، انتخاب الخليفة، الأمة التي تنتخب الخليفة، ولا يفرض نفسه على الأمة..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لكن ثمة احتجاج أنك قلت أن الشورى لا تكون دائمًا مُلزمة، وبالتالي..

أ. فؤاد حسين [مقاطعًا]:

نعم، أنا نعم، هو تكلم إنو يجب أن يكون مجلس الشورى ملزم، هذا الكلام غير صحيح، إذا كان مجلس الشورى ملزم بمعنى ذلك إنو هذا معنى الديمقراطية تمامًا، يعني إنو مجلس الشورى بالأغلبية يقرر ما هو الحق وما هو الباطل، يعني يُلزم الخليفة بما يراه، وفي هذه الحالة لا يكون ألزمه بدليل شرعي وإنما ألزمه بأغلبية، أما إذا ألزمه بأنه رأى رأيًا يخالف ما يقوم به الخليفة، بل يرى أن رأي الخليفة يخالف الشرع في هذه الحالة حتى ليس مجلس الشورى هو الذي يلزمه وإنما محكمة المظالم التي تنظر في واقع هذه المشكلة، وتقرر بناء على الفهم الشرعي أيهما الصحيح، ثم القول بأن مجلس الشورى يجب أن يكون مُلزم في كل شيء هذا غير صحيح، لأن الرسول صلى لله عليه وسلم رأينا أنه لم يكن يلتزم برأي الأغلبية في بعض الأمور..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لكن، لكن أنت أشرت إلى أنه في بعض هذه الأمور كان واضحًا أنه يُوحى إليه؟

أ. فؤاد حسين:

نعم، نعم، وهناك مثلاً فيما يتعلق بالأعمال، يعني فيما أمور تتعلق بالأمة، ما الذي تريده الأمة من بناء مستشفيات، وبناء مدارس، بناء طرق قطارات، يعني في الولايات، مجلس الشورى إذا رأى ذلك فالخليفة عليه أن يأخذ برأيه..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لماذا تفترض أن سيلزمه فقط الأكثرية؟ قد يكون دليل المجلس بالاجتهاد الجماعي أقوى وأكثر منطقية ومظنة للحكمة أكثر من ..

أ. فؤاد حسين [مقاطعًا]:

هذا تكلمنا في البداية، قلنا إنو الخليفة عندما يريد أن يشرع قانونًا، يريد أن يتبنى حكمًا من أحكام الشريعة، يعرضه على مجلس الشورى، فلقد تكون مناقشة قد تؤدي إلى فهم أقوى فلهذا الخليفة يأخذه، الأصل أنه يعرضه لا من أجل فقط عملية روتينية ولكن من أجل أخذه، ولكن يبقى أخذه بناء قوة الدليل، وليس لأن مجلس الشورى له صلاحية عليه، كمان نفس الخليفة لا يأخذه لأنه خليفة، وذاك مجلس شورى.

المسألة الثانية، الثالثة التي ذكرها أخونا ناجي الجماعي أنو الديمقراطية شيء إسلامي، نحن قلنا الديمقراطية وتكلم عنها الإخوة عمر الحاج وفادي إنو الديمقراطية قلنا عليها آلية من أجل انتخاب من يمثلون الأمة، ولكن في الديمقراطية معناها الحقيقي في الغرب أنهم هم لهم السيادة، هم الذين يقررون شرعية القوانين والدستور، ويقررون من الحكومة ويعزلونها، فلذلك هم حكام، مجلس الشورى يمارس الديمقراطية تمارس دور الحكم، وهي نظام حكم قائم بذاته.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

اسمح لي، هذا سيدخلنا في مناقشة الأخ عمر الذي زعم أني خلطت في الفهم، أنت سمعت من كلامك أنك تقر معي أنها آلية، إذا كانت هي مجرد آلية إذن أنا أوظفها لما أريد، ما الذي يلزمني أن أوظف الآلية لنفس الأهداف التي يوظفها فيها صانعها؟

أ. فؤاد حسين:

مهو أنا لا أقول نوظف آلية، لأن الديمقراطية ليست آلية فحسب، آلية وتشريع يخالف الإسلام، يعني ليست آلية لانتخاب أناس، ولكن انتخاب أناس وإعطائهم صلاحيات لا يعطيها الشرع لأحد إلا للخليفة، هذه قضية. فلذلك أصبحت الديمقراطية محصورة، ليست محصورة في الآلية، ولكن ديمقراطية آلية يترتب عليها أن الذين انتُخبوا لهم السيادة والسلطان، هم الذين يضعون القوانين، وهم الذين يختارون الحكومة، الاثنان معًا، ليش؟ لأنهم بيعتبروا الشعب هو الحاكم، فلذلك هؤلاء الذين يمثلون الشعب يضعون قوانين باسم الشعب، وأيضًا يصوتون للحكومة، يبقونها أو يعزلونها بناء على ذلك، فلذلك هذا يخالف تمامًا القول أنها آلية، تجاوزت دور الآلية.

ماهر عبد الله:

كيف تجاوزها؟ مش عارف بالضبط، لابد من آلية، أنت قلت أنت..؟

أ. فؤاد حسين [مقاطعًا]:

الآلية هي الانتخاب.

ماهر عبد الله:

أنت قلت إن لمجلس الشورى تعيين الخليفة، أليس من باب أولى أن يكون له أيضا صلاحية عزله؟ من يملك التعيين يملك العزل؟

أ. فؤاد حسين:

لا، هذا كلام لا يرد..

ماهر عبد الله:

الخليفة يعزل الأمة؟

أ. فؤاد حسين:

الإسلام، النصوص الشرعية بينت أن الخليفة وطبعًا الخلفاء الراشدين كمثل، أن الخليفة يبقى في منصبه، كما يعني، مقولة عمر، أبو بكر الصديق أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ما أطعت، يعني طالما أطيع الله ورسوله، أي طالما أنا ملتزم بشرع الله فيجب علينا الطاعة، في حالة واحدة إذا رأوا الكفر البواح، ولم يتراجع، فلذلك ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

إذن من حيث المبدأ وارد؟

أ. فؤاد حسين:

الذي، لا مش، ليس لهم، لأنه خارج عن الشرع، ليس لأنهم هم، لأنه فقط سواء كانوا موجودين أو غير موجودين هو يُعزل بسبب مش مجلس الشورى، بسبب خروجه على الشرع.

ماهر عبد الله:

لكن من الذي يعزله؟ لابد من طرف.

أ. فؤاد حسين:

محكمة المظالم اللي تعزله.

ماهر عبد الله:

إذن في طرف، إذن في طرف، في طرف ما سيعزله.

أ. فؤاد حسين:

الشرع حدد ذلك، الشرع حدد ذلك، أنه إذا خرج على الإسلام، ككونه ارتد مثلاً، أو أنه شرع..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

إذا لم يرتد، إذا ظلم.

أ. فؤاد حسين:

الظلم لا، الظلم، أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ظلم لا يُعزل، لأنه إذا ظلمك.. أنا عارف أنو الناس يتحسسون من مثل هذا الكلام، الظلم يُحاسب عليه، ويُناقش فيه..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

ماشي، أين الخلل؟ أبو بكر ليس مشرعًا، ما الخلل؟ وكيف تتعارض مع الإسلام قضية أنني شعرت بأن الحاكم يظلم أو الحاكم لسبب أو لآخر لابد من عزله، كيف يتعارض هذا مع الإسلام؟

أ. فؤاد حسين:

أولاً، محاسبة إذا ظلم ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

المحاسبة وإذا ظلم رفض، أشاروا عليه بأن هذا ظلم ورفض، وأنت تشاهد الأنظمة العربية كثيرة.

أ. فؤاد حسين:

نعم، بس النصوص شرعية: من رأى من أميره شيئًا، من كره من أميره شيئاً فليصبرعليه، فإنه ما من أحد خرج من السلطان فمات عليه إلا مات ميتة الجاهلية، فهنا الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديث كثيرة يأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على مثل ذلك، لأن خلافه وهو الخروج من السلطان أو الخروج عليه..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

طيب، ألا تتفق معي أن هذا الفقه هو الذي كرس هذه العقلية التي جعلت ..

أ. فؤاد حسين:

هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ماهر عبد الله:

ماشي، ماشي، مهو حديث الرسول ممكن أفهمه أنا بأسلوب آخر مغاير تمامًا، لكن هذه العقلية هي التي تحكم تعاملنا مع حكامنا اليوم، كلنا يتفق على أنهم أو جزء كبير منهم يظلمون أنهم يخرجون عن شرع الله، أنهم يتصرفون بما لا يخدم مصلحة الأمة، لكن ستجد ألف شيخ ممن تسميهم أنت علماء السلطان يبررون له ذلك، أصبر عليه.

أ. فؤاد حسين:

إحنا ما بدنا الشيوخ يبررون ذلك أبدا، نحن عندنا محكمة مظالم، هي التي ترى..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أنت تبرر للخليفة قبل أن يصل؟ أنت تقول أنه اصبر عليه إذا ظلم، ما الذي يمنعني كأمة؟ أنا المعني، يعني الشرع لماذا جاء؟

أ. فؤاد حسين:

الصبر عليه، الصبر عليه يعني ألا يكون البديل هو الخروج من سلطان، من سلطان الأمة، أو الخروج على سلطانها، هذا البديل لا يجوز، إنما هذا لا يعني إنو ما في بديل آخر وهو محاسبته، وبيان خطئه..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

فإن لم يرتدع، يعني في الآخر، أنت، القاضي، القاضي عندما يقرر أن فلان أخطأ يسجنه، مجلس الشورى ومحكمة المظالم ثبت لها أن الحاكم ظالم، أن هذا الخليفة أوقع الظلم وتاريخنا مليء بالظلم، أوقع الظلم، ماذا تفعل؟ وأصر على عدم الارتداع، ماذا يفعل مجلس شوراكم أو محكمة مظالمكم؟

أ. فؤاد حسين:

قلت لك، أولاً، أنت تضع سؤال نظري أنه يظلم ويحاسب وينبه ولا يرد، احتمال، فالأصل في الأمة عندما تكون واعية على ذلك، ومجلس الشورى الذي يمثلها يبدي قلقه أو يبدي استياءه من ذلك، لا يتصور أن الخليفة يستمر في مساره.

ماهر عبد الله:

معاوية تجاوز بس سنعود لها، نسمع الإخوة المشاهدين مرة أخرى، معي الأخ حسام بلال من ألمانيا، أخ حسام تفضل

حسام بلال:

السلام عليكم يا سيدي

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام

حسام بلال:

بارك الله فيكم على هذا الموضوع، في الحقيقة في معرض حديثكم حول قضية القاعدة الأولى من قواعد الحكم في الإسلام ما ذكره الأستاذ فؤاد حسين أن السيادة للشرع، تحدثت أو تحدثتم عن موضوع استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، واعتبرت أن قيام الخليفة أو قيام المجتهد باستنباط الأحكام الشرعية من النصوص هو تشريع، والحقيقة عندما سمعت هذا الكلام ذكرت ما حجَّ به الإمام علي الخوارج يوم خرجوا عليه في قضية التحكيم، وقالوا له حَكَّمتَ الرجال ولم تحكم القرآن، فأخذ مصحفًا وأخذ بسيفه، ويخاطب الصحيفة بقوله تكلم أيها القرآن، تكلم أيها القرآن، والناس ينظرون، فقالوا يا إمام ماذا تفعل، هذا الفعل كأنه لا يصدر إلا عن أناس أصابهم نوع من الخلل، فقال لهم قلتم لي حكّمت الرجال ولم تحكم القرآن، وهذه النصوص التي أنزلها الله سبحانه وتعالى ألا تحتاج إلى رجال لديهم المؤهلات الشرعية والقدرات اللغوية التي تساعدهم على استنباط وفهم الأحكام الشرعية من هذه النصوص؟ فهم النصوص يحتاج إلى من أوتي ملكة وقدرة على فهم النص، وهذا لا يسمى تشريعًا، لأن التشريع هو إطلاق حكم هو وصف حكم، هو حكم على الأشياء من كونها حلالاً أو حرامًا، وهذا متفقون عليه جميعًا باعتبارنا مسلمين نحمل عقيدة الإسلام أن صاحب الحق في ذلك هو الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يقول: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وباراك الله فيكم.

ماهر عبد الله:

طيب، مشكور جدًّا، معي الأخ محمد الطاهر من فرنسا.

محمد الطاهر:

السلام عليكم

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام

محمد الطاهر:

يا سيدي نحن نحكي عن أمة حكمت مجتمعة تحت راية الخلافة إلى أوائل هذا القرن، وهذا ما لا يطرح أن هذه الأمة لها ماضٍ، ولها تراكم على مستوى الممارسة السياسية، وعلى ممارسة القيادة، فهل أنو الحديث عن إعادة دور الحركة إلى الفعل، دور الإسلام إلى الفعل وإلى الممارسة، هو نتيجة فشل الحركات الإسلامية سواء كانت نتيجة محاصرة أو استبداد أو غيره؟ أم أن هو ثمة إشكال في أن الإسلام عاجز عن قيادة الأمة؟ أو المسلمين عاجزين؟

فأنا لا أتصور أن لا الإسلام عاجز ولا المسلمين، لأن البشر ممكن أن بالتراكم في الممارسة يغيرون خاصة في قضية الآليات والمتغيرات هذه نقطة. النقطة الثانية أن أوروبا اليوم والعالم يتجه نحو التكتلات، ونحو القيادات، وهذه الممارسة التي نراها اليوم في العالم تدفعنا إلى المزيد، من اليقين أن الأمة يمكن أن تستعيد دورها في قيادة المسلمين وقيادة العالم الإسلامي.

هذا من جانب، فإن الديمقراطية يا سيدي تبقى آلية من الآليات التي ممكن أن يتعامل معها المسلمين، ويغيرون ما يريدون، واليوم الوسائل والإمكانيات المتاحة لدى الأمة، التي يملكها مهما كانت الديانة ومهما كان الفكر، ومهما كانت القناعات، نحن المسلمون نمتلك اليوم الإنسان والإنسان يمتلك قدرات ممكن أن يتفاعل معها.

ماهر عبد الله:

أخ محمد مشكور على هذه المداخلة، معي الأخ عبد الواحد المولوي من الإمارات، أخ عبد الواحد تفضل.

عبد الواحد المولوي:

أهلا، شكرًا أخ ماهر، ثلاثة أسئلة للأستاذ الداعية فؤاد حسين، السؤال الأول: بخصوص الآلية، الأنظمة الموجودة في الدول التي تسمى بالمتقدمة ديمقراطيًّا، لو أضفنا إليها المرجعية الدينية هل تصلح أن تكون آلية لمنظومة الحكم الإسلامي. السؤال الثاني: هل هناك مكان لفكرة الأحزاب المعاصرة الموجودة في العالم في المنظومة الإسلامية في الحكم؟ والسؤال الثالث والأخير: لو نظرنا إلى التجارب الموجودة الحالية في العالم العربي، في بعض الدول عندها انتخابات، وبعض الدول الأخرى عندها مجالس شورى، كيف ينظر الأستاذ فؤاد بخصوص، إلى هذه التجارب، وخاصة الخطوات الإضافية؟ اللي، هل يرى أننا لو أضفنا بعض الخطوات الإضافية إليها أنها ممكن أن تكون، أن تطابق المواصفات الموجودة في منظومة الحكم الإسلامي؟ وشكرًا.

ماهر عبد الله:

مشكور جدًّا يا أخ عبد الواحد، قصة الأستاذ حسام، حتى لو لم تصح أنا أعتقد أنها في صميم جدليتنا لهذا اليوم، أنه في نهاية المطاف أنت مضطر لتحكيم الرجال لأنهم الذين، لأن النصوص لا تتكلم، وبالتالي المرجع سيظل هم الرجال الذين يستنبطون من هذه النصوص.

أ. فؤاد حسين:

هذا أمر لا خلاف فيه، كل الفقه الإسلامي هو استنباط من النصوص الشرعية، وقد ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

يعني فهمت من الأخ حسام أنه يريد أن يقول إنه عندما تقول مجلس الشورى هو الذي يشرع، هو حتى هؤلاء هم لا يشرعون، هم يحاولون قراءة النص الشرعي.

أ. فؤاد حسين:

من؟

ماهر عبد الله:

حتى علماء المسلمين في نهاية المطاف، لأن النص لا يتكلم، ولأن القرآن لن يخاطبك ويخاطبني فسنضطر إلى الحاجة إلى رجال يقرؤون النص بطريقة قد نثق بها وقد لا نثق، وبالتالي يعني هي تشريعية كما أن النظام الغربي تشريعي.

أ. فؤاد حسين:

نرجع مرة ثانية إلى الضوابط الأساسية، تكلمنا أن ضوابط هذه الشريعة القرآن والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم والقياس، نحن نعلم أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لما أصبح خليفة، هو الذي تبنى من هذه الأحكام، حتى مع أنه قد خالفه بعض المسلمين في موضوع الردة، فبعضهم احتج عليه كيف نقاتل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ ففهمه لقوله عليه الصلاة والسلام: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، قال الزكاة حقها، ولذلك لأنهم منعوها أقاتلهم.

فهذا فهم، فالصحابة سكتوا لأن هذا يدل على أنه من حقه، وعندنا مسائل كثيرة في موضوع الطلاق مرة وآخر مرة في موضوع توزيع العطايا على الناس هل بالتساوي وغير التساوي، اختلف أبو بكر الصديق، واختلف عمر، ولكن الصحابة أقروا كلهم أن هذا حقه في أن يتم، ولذلك الإسلام حدد أن الخليفة حق الخليفة أن يختار من بين هذه الأفهام الفهم الذي يراه الأقوى، لتسيير شؤون الدولة.

ففي موضوع الديمقراطية أو حتى موضوع الشورى، القضية ليست قضية اختيار، أولاً هو مخالفة لهذا الحق بأن هذا من حق الخليفة. ثانيًا أن مجلس الشورى سيأخذها بالأغلبية، يعني بالنتيجة سوف يصوت على أحد الأفهام بالأغلبية، وهذا بالطبع قطعًا لا يعتمد على قوة فهم، وإنما يعتمد على أغلبية، وهذا يقودنا تمامًا إلى أن نحول مجلس الشورى إلى أن يصبح ديمقراطية.

هذا بالإضافة إلى ما رآه أخونا من اليمن الأخ الكريم من اليمن ناجي الجماعي أنه يريد أن يكون مجلس الشورى مُلزمًا، أصلاً مجلس الشورى من المندوبات ابتداءً، والدليل على أنه من المندوبات أنه لم يوجد فعليًّا، لكن، من المندوبات لأن الله سبحانه وتعالى مدح المسلمين أن أمرهم شورى بينهم، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم وحثه على أن يشاورهم، {وشاورهم في الأمر}، ولكن ليس، لكن هذا لا يعني أنه مندوب أنه لا يلزم الخليفة بما هو من حقه، وهو فيما يتعلق بالأمور العامة.

ماهر عبد الله:

بس هذا تأسيس نظري للتفرد بالحكم؟ يعني ما تفضلت به ..

أ. فؤاد حسين:

هذا فهم وله أدلته، وله أيضا إجماع الصحابة دليل عليه، وكذلك في موضوع أنه لا يلزم في كل شيء، حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تدل على ذلك، عندنا نماذج من علاقة أو رأي المسلمين، وماذا صنع الرسول صلى الله عليه وسلم ..؟

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي، اسمح لي، أنا لن أخالفك في القراءات القديمة وهذه النماذج، أنا سؤالي أنه أصبح الآن الفرق بين الخليفة الذي تدعو إليه وبين أي حاكم عربي تخشى أنت بطشه هو فقط في التبرير، أنت تريد أن تعطي لخليفتك هذا عندما يجيء نفس السلطات التي يتمتع بها أي حاكم اليوم ممن لا تريد، الفرق فقط في حيثيات تبرير الخطاب، هو يريدها لنا، ويقول أنا أريدها لنفسي، وأنت تقول له لا، أنت اقمع الناس، ولكن باسم الله، لا الشورى ملزمة، مجلس الشورى أصلاً مندوب، كلام تأسيس لتنظير ديكتاتوري عصري.

أ. فؤاد حسين:

أولاً، أنت حولت الموضوع بدال ما هو موضوع الأنظمة حولت الموضوع موضوع رجال، القضية مختلفة تمامًا، نحن نتكلم عن الخلافة، دستورها الأساسي الإسلام وموادها وقوانينها مستمدة من النصوص بأدلتها، وهون نتكلم عن أنظمة تحكم برأيها حتى المجالس النيابية ليس لها أي سلطان، ليس لها دور إلا التوقيع في كل بلاد العالم الإسلامي بدون استثناء..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

الفرق أن هم ..

أ. فؤاد حسين [مقاطعًا]:

إذن هذا فرق كبير.

ماهر عبد الله:

الفرق في الأنظمة أن هذه تعملها by the falt هو هذا واقع الحال، أنت الآن تنظر أنه هكذا يجب أن تكون، عمليًّا، أنا أفهم من كلامك أنها هكذا يجب أن تكون، الفرق أن هذا الذبح سيكون شرعي.

أ. فؤاد حسين:

لا، هنا في ضوابط، الضابط الأول هو يجب أن تكون شرعية يعتمد على نصوص شرعية، الضابط الثاني أنه إذا خالف الشرع يجب أن يُقوَّم ولو بحد السيف وهذا كفر بواح، ثالثًا مجلس الشورى هو لا يقف عند حد محاسبة الخليفة عندما يعني عندما يخالف نصًّا شرعيًّا، وإنما حتى في معالجاته، في سياساته، في طريقة تصرفه في الأموال العامة، هذه هو محكوم بالأحكام الشرعية، لا يستطيع مثلاً في الملكية العامة التي من أموال المسلمين لا يستطيع أن يملكها لأهله وأقاربه وحاشيته.

ماهر عبد الله:

اسمح لي انتقل إلى سؤال الأخ محمد الطاهر، الخلافة ملكت من التراكم التاريخي ما يكفي 14 قرنًا، لماذا لم نعد، الفشل في العودة إليها؟ هل سببه فشل الحركات الإسلامية؟ أم سببه أن الإسلام أصبح عاجز؟ لماذا فشلنا في إحقاق الخلافة مرة أخرى؟

أ. فؤاد حسين:

نحن في البداية قلنا لا يجوز القول بأن الإسلام عاجز، نحن قلنا إن الإسلام دين اختاره رب العالمين للبشرية، وهو كما وصفه سبحانه وتعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا}، وكما يقول سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} فهذا الإسلام هو الحق ولا جدال في أنه صالح، وأنه الدين الحق الذي يعالج مشاكل البشرية جميعًا.

إذن الخلل هو في الأمة، وربما الخلل في عدم وجود الجَهد الكافي واللازم من العمل الإسلامي من أجل تحقيق إيجاد الدولة، ثم نحن غير مسؤولين عن النتائج، إذا كنا نسير على طريق شرعي مدروس ومطمئنين إلى شرعية هذا الطريق، ولم تتحقق النتائج هذا نحن لسنا مسؤولين عنها، فالرسول صلى الله عليه وسلم ذهب يبحث عن النصرة لمدة خمس سنوات، وفي كل مرة كان يرد، هل هذا يدل على أن طريقته فاشلة، لا، وأنه فشل، ولكنها أمر الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يقضي خمس سنوات يبحث عن النصرة حتى جاءه النصر من أهل المدينة.

ماهر عبد الله:

أنا أستميح الأخ عبد الواحد المولوي بتأجيل أسئلته، إلى ما بعد الموجز، لأن مجموعة من الإخوة على الهاتف، الأخ البلوشي من لندن، أرجوك الاختصار، لأن عندي عدد من الإخوة على الهاتف، ولابد أن نقطع من أجل الفاصل يا سيدي، تفضل.

أبو المنتصر البلوشي:

السلام عليكم، شكرًا لكم ولضيفكم الكريم، بما أنك طلبت أن أختصر، أنا أقول طرق موضوع الخلافة دون إصلاح العقيدة أنا برأيي هو أخذ السُّلم من النهاية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أولاً أصلح عقيدة الأمة، ولم يرضَ أن يكون ملكًا، وإن كان الحكم واجب شرعي ديني هذا لا اختلاف فيه، والإمام مالك يقول: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، والآن الأمة معظمها مبتلاة بعقائد الكلامية وبهرطقات، وهناك دبش كبير في العقيدة ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

نقطة واحدة، النقطة هذه واضحة أخ بلوشي، النقطة الأخرى؟

أبو المنتصر البلوشي:

دقيقة، لو قامت دولة إسلامية الآن فالمسلمون هم أول من يحاربونها كما في إيران، كما في باكستان، كما في بلاد أخرى.

ماهر عبد الله:

لماذا؟

أبو المنتصر البلوشي:

إذن، يجب إصلاح الأمة أولاً. ثانيًا، إذا قلنا بعدم إلزامية الشورى، الآن أصبح التغير هذا يؤدي إلى الاستبداد الخطير، الآن لا يوجد الشخصيات القوامة كأبو بكر وعثمان وعلي، الآن هذا هو المنطلق فلا يمكن تغير الأحكام إلا بتغير الظروف، وهذه الظروف تتعلق بمصالح المسلمين، أي نعم، وحتى لا نكرر تجربة وأخطاء الأموية والعباسية، وإن كان لا يقارن بما بعدها، حتى لا نكرر هذه التجربة يجب أن نقول -أنا برأيي- بإلزامية الشورى، لأن هذا الأمر، أنا برأيي، يؤدي إلى استبداد، وإلى..

ماهر عبد الله:

مشكور، مشكور جدًّا أخ بلوشي، الأخ سراج من جدة، الأخ سراج من جدة تفضل، طيب، الأخ محمد محفوظ من ألمانيا.

محمد محفوظ:

نعم أخي، بارك الله فيكم على هذا البرنامج القيم والموضوع عن الخلافة، عندي سؤال: هل الحديث عن الخلافة كنظام حكم هو أمر لنا فيه الاختيار أم أن المسألة مسألة حكم شرعي واجب الاتباع؟ وبارك الله فيكم.

ماهر عبد الله:

طيب، مشكور جدًّا أخ محفوظ، وياليت كل الأسئلة مختصرة وفي صلب الموضوع. نرجع إلى أسئلة إخواننا هذول ما بعد، ونعود إلى أخونا عبد الواحد المولوي كونه زمنيًّا كان قبل، سؤاله الأول لك كان لو وضعنا على هذه الديمقراطية -التي تحتج عليها- لو اشترطنا عليها -كما أسماها هو بالحرف- المرجعية الدينية إذا اشترطنا هذه المرجعية هل تصلح هذه الآلية الغربية؟ خليني أقول أنا أعدل من عندي المنهجية الشرعية.

أ. فؤاد حسين:

إذا قصد بالمرجعية الدينية أنه يريد أن يعطي أو أن يلزم مجلس الشورى عندما يختار الأحكام أن يختارها من الشرع، هذا في رأيي مخالف للنصوص الشرعية، أن الذي يختار هو الخليفة، وليس مجلس الشورى، مجلس الشورى يحاسب ويُقوِّم كما رأينا من قبل، ولذلك ليست القضية قضية دمج مسألتين، يعني هذا الدمج لا يحل المشكلة.

سؤاله الثاني: هل هناك مكان للأحزاب؟ نعم، لأن رب العالمين يقول سبحانه وتعالى أعوذ بالله من الشيطان الرحيم: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}، وهنا كلمة أمة يعني جماعة أو حزب ولا تعني أمة واحدة، بدليل قوله: {وأولئك هم المفلحون}، فلذلك يجوز أن توجد أحزاب إسلامية، ولكن على شرط أن تكون إسلامية مبنية على العقيدة الإسلامية وإن اختلفت في أفهامها وفي طريقة عملها، وهذه أيضًا من الأدوات التي تُبقي الأمة حية ويقظة على ما يجري، حتى لا يصبح الأمة تركن أو تكسل، وتعتمد على مجلس الشورى فقد يكون مجلس الشورى نفسه الذي تقول عليه ديمقراطية يترهل، فهنا تبقى الأمة ومجلس الشورى من الضمانات التي تلزم الخليفة بالبقاء على النظام الإسلامي.

ماهر عبد الله:

السؤال الثالث كان لك حول التجارب الحالية لبعض الدول العربية التي تمتلك برلمانات والبعض يمتلك مجالس شورى، في تقديرك تقييمك لهذه الخطوات؟ هل ثمة ما يمكن أن يضاف على سبيل التحسين؟

أ. فؤاد حسين:

أولاً، أنا لا أنظر لموضوع هذه التجارب، أصلا هو فيه مسألتين غائبتين في هذه التجربة، أولاً هذه التجارب في الانتخابات والآليات، ولا تعالج المسألة الأساسية ما هو النظام الذي يجب أن يحُكم به الناس.

الشيء الثاني أنه حتى لو حكمت هذه الدولة بالإسلام، الإسلام لا يقبل أن تكون دولة إسلامية هنا ودولة إسلامية هناك، الإسلام يوجب أن تكون الدولة واحدة، والخلافة واحدة كما يقول صلى الله عليه وسلم: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما، وكما يقول صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم جميعًا على رجل واحد، وجاء أحدهم يريد أن يشق عصاكم فاضربوه كائنًا ما كان.. وأحاديث كثيرة، وحتى العلماء بما لا يدع مجالاً للشك يجب أن تكون الخلافة خلافة واحدة، كما يقول الجزيري: "لا يجوز أن تكون خلافتان لا مفترقتان ولا متفقتان في الدنيا"، وهذا يعني كثير من نصوص العلماء من فهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك ظل أمران أساسيان غائبان، فما قيمة هذه التجارب عندما تتجاهل أهم قضية وهي أن يكون الحكم بالشريعة الإسلامية، وأن تكون خلافة واحدة؟

[موجز أنباء]

ماهر عبد الله:

أستاذ فؤاد، لو ابتدأنا بسؤال الأخ محمد محفوظ لأنه كان مختصر، وأعتقد أنت تعرضت له، لكن نريد جوابًا مختصرًا ومفيدًا، هل أمر الخلافة والعودة إليها هل لنا فيه خيار أم أنها حكم شرعي لا خيار لنا فيه؟ هل نستطيع أن نرفضها؟

أ. فؤاد حسين:

الخلافة نظام حكم واجب الاتباع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكره والصحابة رضوان الله تعالى عليهم أقاموه وأجمعوا عليه، حتى فيما حصل من مخالفات فيما بعد، يدخل في ضمن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم"، فإذن هنا الحديث واضح، أن فيه خيار أئمة وشرار أئمة، فإذن هي لا تزال خلافة.

ماهر عبد الله:

طيب، لو عدنا إلى سؤال الأستاذ البلوشي، وأنا أعتقد هذا سؤال سيتفق معه الكثير من الإخوة المشاهدين، لأن هذه مدرسة أخرى مطروحة وبقوة وبعنف، تقول أن طرق الخلافة بدون الحديث إلى موضوع العقيدة وموضوع الاهتمام بإصلاح شأن الأمة أولاً لن يؤدي بنا إلى نتيجة. هل تعتقد أن موضوع الخلافة هو الحل لمشاكل الأمة، أم أنه لابد من نوع من الإصلاح النفسي والاجتماعي للوصول إلى الخلافة؟

أ. فؤاد حسين:

أولا هنا في النقطة الأولى مسألة العقيدة، مسألتين أن الجماعة التي تعمل لإقامة الدولة، ولا جدال أنه يجب أن تكون عقيدة عندها مبلورة لا غبار عليها بجميع أبعادها، خاصة فيما يتعلق بفعل الإنسان من حيث وجوب الالتزام بالشرع والولاء لله سبحانه وتعالى وعدم تشريع غير شرع الله، فهذه قضية لابد منها، كما أن المسلم الذي يحمل مثل هذه الدعوة يحتاج إلى أن يتجلد بالصبر، وأن يضحي فلذلك العقيدة أمر لا مفر منه وأمر لابد منه لبناء هذه الأمة.

أما القول إن الأمة الإسلامية عقيدتها ما موجود عندها عقيدة، فالمسلمون عقيدتهم عقيدة إسلامية، أما موضوع العقائد الكلامية هذه محصورة بين فئات من الناس.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

أيوا، بس في جانب الإصلاح الاجتماعي، يعني هو ذكر أمثلة.

أ. فؤاد حسين:

سآتي إلى هذه.

ماهر عبد الله:

تفضل.

أ. فؤاد حسين:

طبعًا لا يُتصور على الإطلاق، الذين يتصورون أنه لابد أن يأتي إصلاح الأمة قبل الدولة، كأن يقول لا حاجة للدولة في هذا الحال، إذا كانت الأمة تصلح بدون دولة إذن معنى كأنه لا حاجة للدولة هذا من باب.

الباب الآخر، الأصل أن تصلح الأمة بوجود الدولة، الأمة لا تصلح قبل وجود الدولة، تصلح الأمة بوجود الدولة، فالدولة هي التي تُعلِّم الناس الإسلام، وتعينهم على الالتزام به وتأمرهم بما هو واجب عليهم، وتمنعهم فيما هو محرم عليهم، لأنها تعينهم على تطبيق الإسلام، ولا يتصور حتى في ظل ذلك أن تكون الأمة بكاملها تقية نقية صالحة، ومن الأمثلة الواضحة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي معركة أحد بعد أكثر من ثلاث سنوات رجع ثلث الجيش وهذا رسول صلى الله عليه وسلم.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

لكن في حال الرسول صلى الله عليه وسلم كانت الناس مستعدة للتسليم له بالقيادة العامة، وقد عادوا جبنا، كلام الأخ البلوشي كانت فيه جزئية مهمة جدًّا، وضرب أمثلة لبعض الدول الإسلامية التي تحاول أن تقترب من النموذج الإسلامي اليوم ينكفئ عنها الناس ويحاربونها، لأنه لم تهتم -على الأقل- على الصعيد النفسي على صعيد الاقتناع بأهمية هذه الدولة، عندما تقوم تتعامل مع مجتمع ينظر إليها بتصورات ليست بالضرورة إسلامية، فلماذا يقع هذا الاحتكاك لو كان فيه تمهيد؟

أ. فؤاد حسين:

هذا الأمر ممكن أن يقع، إذا الجماعة لم تخاطب الأمة على وجه تُبين لها فيه وجوب هذه الخلافة، ووجوب العمل لها كوجوب الصلاة، وكذلك إعطاؤهم المفاهيم العامة عن هذه الخلافة، حتى تُصبح عندهم رأياً عامّاً، ويتبين في الأمة هذه الرغبة الواسعة الشاملة للخلافة، فهذا هو الذي يجب أن يُعمل، طبعا الأصل طبعًا إذا العقيدة فيها خلل، هذا من الأمور التي تناقش في موضوع العقيدة، ولكن أن يقال إن خط الجماعة للعمل لقيام دولة خلافة، ونهمل الأمة بالكامل ونتوقع من الأمة أن تساند الخلافة، وأن تدعمها؛ هذا قول واهٍ.

ماهر عبد الله:

لوعدنا إلى السؤال الثاني للأخ البلوشي عن عدم إلزامية الشورى سيؤدي حتمًا إلى ظلم كبير، وفيه فاكس من الأخ يوسف ياسر من باريس يقول لك إن الشورى كما وصفت ستؤدي إلى حكم مطلق، ثم إنكم خلال.. إننا لم ننجح خلال 14 قرنًا من تقنين القرآن ووضع الدستور على أساس من القرآن أو عمل أي مؤسسة من مؤسسات الدولة فكيف تتوقع أن يكون الأمر اليوم؟

أ. فؤاد حسين:

أولاً لكي نريد أن نحكم على مجلس الشورى يجب أن نعطيه الصلاحيات بناء على توجساتنا، وبناء على أمثلة حقيقة حصلت، من مجاوزات وتجاوزات في الدولة، هذه التجاوزات أمر طبيعي في البشر، يعني الناس، النظام صالح والنظام كامل، ولكن الناس ناس يمكن أن يحسنوا ويمكن أن يسيئوا، ولأدلل على ذلك إنه حتى في بني أمية ويقال إنه حصل انحراف مثلا في أمور الأموال العامة، وكذلك في أمور بيعة العهد، في عام المائة للهجرة أي بعد ستين عامًا من خلافة علي رضي الله عنه جاء
عمر بن عبد العزيز، وعاد بالدولة وبالنظام وبالأمة وبالخلافة على نفس النمط، لا يقال إنه مستحيل. إذن العبرة في أن نوجد هذه الشخصيات وهي ليست مستحيلة، لأنه كما أن عمر الذي كان يتمتع بهذه الحياة المرفهة تغير تغيرًا كاملاً، فليس هناك استحالة إذا إحنا عرفنا أين نقطة الخطأ. لكن لا يجب أن يكون العلاج في أن نغير النظام لأن احتمالات الخلل قد تقع، فلابد من معالجة مشكلة الإنسان في تقوى الله سبحانه وتعالى، في الاختيار الخليفة فنختار أتقى الناس، وكذلك القوامة، المراقبة عليه طيلة ذلك.

ماهر عبد الله:

تسمح لي، فيه سؤال ذو علاقة بصميم الموضوع، لو تحدثنا عن هذه الدولة، تحدثنا أو تحدثتم عن أهميتها، عن ضرورة المطالبة بعودتها أو فرضية هذه الدولة، السؤال: كيف ستسعى إلى إقامة هذه الخلافة، أنت لا تريد الديمقراطية؟ البديل هو أنك تدعو إلى حمل السلاح وذكرت حديث عبادة بن الصامت، وهذا سؤال من الأخ أسعد منصور من ألمانيا، ذكرت حديث عن عبادة بن الصامت إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه برهان.

أ. فؤاد حسين [مصححا]:

من الله برهان.

ماهر عبد الله:

إذن هل تؤمنون بحمل السلاح، لأنك ترفض الديمقراطية؟

أ. فؤاد حسين:

لا، واضح هو فيه استخدام الحديث في غير محله، أولاً الطريقة لإقامة الدولة هي ليس عندنا غير الطريقة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحصل أنه، أن المسلمين عاشوا بدون دولة أو أنه لم يكن هناك دولة، إلا في الفترة المكية التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وسار في طريقة معينة، طبعاً تحتاج إلى قراءة في كتب السيرة، وتحتاج إلى اجتهاد وربما الفقهاء لم يطرحوا ذلك، لأن الفقهاء لم يتصوروا يومًا أن تغيب الخلافة وأن تغيب الدولة عن المسلمين، ولذلك لا تجد في كتب الفقه قضية ما هي طريقة إقامة الدولة إذا زالت، لكن مادامت السيرة موجودة يجب أن نعود ونجتهد..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

وبالتالي فهي محل إبداع.

أ. فؤاد حسين:

الاجتهاد كأية مسألة كأي مسألة مستجدة، وهذه مسألة مستجدة، ما خطر في، المسلمين ما كانوا يعملوا فقه نظري، كان فقه عملي، فلم يكن هذه القضية في نظرهم قضية يمكن حصولها فلم يبحثوها، لكن المصدر الرئيسي لها وهي النصوص الشرعية وفعل الرسول وقوله، فالرسول صلى الله عليه وسلم سار في مراحل، لما بُعث كان يدعو الناس سرًّا حتى أُمر بأن يدعو علنًا وفي السر بنى كتلة وجماعة، نعلم كانوا يجتمعون في بيت الأرقم بن أبي الأرقم وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أُمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بالأمر، لأن يجاهر بهذه الدعوة للناس جميعًا فخرج إلى الصفا ودعا الناس، ثم بعد ذلك لما اشتد ساعد هؤلاء الجماعة واختُبروا وامتُحنوا، وأصبح ذكر الإسلام ليس في مكة بل في الجزيرة العربية بأسرها، ذهب يطلب النصرة، وهنا في هذا الأمر هو مأمور في طلب النصرة، يروي البيهقي أنه في حديث عن علي بن أبي طالب يقول: لما أُمِر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على القبائل خرج رسول الله وأنا وأبو بكر نطوف على القبائل. فإذن طريقة النصرة هي الطريقة..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي عند هذه النقطة أن أسألك سؤال، نعود لإكمال ما ابتدأنا فيه، ونعتذر للإخوة المشاهدين عن استقبال أية هواتف، عندنا، حتى بس لإكمال الموضوع، هذا الكلام يوحي لي بأنك إنت مازلت على ثقة بأن أنت متفائل بإمكانية أن يتحقق أمر هذه الخلافة، هل فعلاً بنظرة موضوعية عقلانية متجردة ترى اليوم، ونحن نعرف ما نعرف عن حال الإسلام والمسلمين، نحن نعرف ونشاهد ما نشاهد من حال الأمة: تخلف، أُمَّية، انسلاخ عن الإسلام عقيدة قبل أن يكون سياسة، هل ثمة معقولية في الدعوة إلى الخلافة الإسلامية اليوم؟ هل تراها قائمة؟

أ. فؤاد حسين:

أنا أؤمن أنها ستكون، إذا.. حتى أقطع الطريق الطويل بحديث ثم أعود للتفاصيل، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه الأمام أحمد ونقحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستكون نبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا عضوضًا -يعني فيه شدة وفيه ظلم- ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا جبريًّا -يعني الإنسان يجبر نفسه على الناس- ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة وسكت.

فهذه من الأمور التي حدثنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم في المستقبل، فلذلك لماذا لا أتفاءل والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا بها، وأنا أيضًا أذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقول: "تكون فيكم الخلافة ثلاثين سنة" وهي الخلافة الراشدة، وصحيح ثلاثين سنة ثم انتهت، عشر سنوات بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وثلاثين وهي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي التي انتهت، لكن ما بعدها لا يعني أنها ليست خلافة، ولكنها كما يسمى أئمة ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا] :

اسمح لي بس بالمقاطعة، هنا حتى مع الحديث هذا والحديث الذي سبق، الحديث الذي سبق لم يوقت بزمان، الملك العضوض لا زمان له، والخلافة الراشدة الأخرى، أنا كمسلم مطلوب مني أن أعمل ضمن مجال زمني محدد هو عمري وحياتي. الرسول صلى الله عليه وسلم ابتدأ، عُذِّب، هاجر، أقام دولة، مات، في زمنه أنجز ما يريد إنجازه، أعتقد أنا كمسلم مطلوب مني أن أحاول الإنجاز في حياتي ما استطعت، وبالتالي الاتكاء على أحاديث غير مربوطة بزمن يعني نوع من الطوباوية وتحميل الأحاديث قد يكون ما لا تحمله أساسًا، زي تحرير الأقصى، أنه سيكون زمان تقاتلون فيه اليهود أنتم شرقي النهر وهم غربيه .. لا ندري هل هو زماننا هذا؟ قد يكون بعد ألف عام، قد يكون وقع قبل ألف عام، وبالتالي الاستناد عليه طوباوية روحانية مغرقة في تصوفها أكثر منها عملية.

أ. فؤاد حسين:

هو الأدق لا ينكر ذلك، هو الاعتماد عليها على حقيقة والإيمان والتفاؤل بها حقيقي، إنما سؤالك الآخر إنو هل هنالك من دلائل على هذه الخلافة الآن، طبعًا عندنا نماذج كثيرة، الآن لا يستطيع أحد أن يماري، هذا التطلع العام الشامل في جميع أنحاء العالم الإسلامي نحو الإسلام، أذكر مثلاً ثورة الخميني، أول ثورة سياسية إسلامية، هكذا ظهرت للناس، كان تأييدها كاسح في جميع العالم الإسلامي من الجميع، طبعا ثم خف لأنها لم تكن على المستوى الذي كان يتوقعه الناس، هذه عشرات الألوف من المسلمين الذين يذهبون ليقاتلوا في أفغانستان والشيشان هذا يدل على رغبة قوية في الأمة لإعادة الحكم بالإسلام وإنهاء الكفر، ثم هنالك محاولات كثيرة في واقع العالم الإسلامي، كاد المسلمون أن يكونوا قاب قوسين أو أدنى، هذا الانتصار الكبير للعمل الإسلامي وللتيار الإسلامي وللبعث الاسلامي في الجزائر وفي تركيا ألا يدل ذلك على أن الأمة فعلاً بغالبيتها متعطشة لذلك؟ خاصة وأننا نرى أن الأنظمة التي طبقتها حكومات العالم الإسلامي أنظمة فشلت ديمقراطية ووطنية وقومية فشلت، وهذا يجعلها لا أمل فيها.

ماهر عبد الله:

من هذا الفشل، اسمح لي أسألك سؤال عن هذا الفشل، يعني الرسول صلى الله عليه وسلم رغم أنه الأقرب إلى الله مني ومنك، ورغم أنه كان متصل بالوحي ليلاً نهاراً، إلا أنه كان بين الفينة والأخرى يعطي من المسلمين المؤشرات المادية الدنيوية الملموسة، انطلقت شرارة فقال فتحت روما، انطلقت شرارة.. سراقة عندما لحق به بشره بسواري كسرى، فشلت الأنظمة، الإسلام ليس، عندما تقوم هذه الدولة التي تقول إنها فرض أو أن إقامتها فرض، ما الذي سأستفيده منه أنا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم حمل لي بشارة دنيوية وأخروية، ماذا تحمل لي هذه الدولة من بشارة في هذه الدنيا؟

أ. فؤاد حسين:

أولاً، هي طبيعة الدولة ومواصفاتها تحقق في ذاتها أمور كثيرة، مثلاً بداية نحن نقول إن هذه الدولة دولة تقوم على العقيدة الإسلامية، فلذلك الرابط الوحيد بين الناس هو الإسلام، ولذلك يتأكد بوحدة الأمة الإسلامية، وتذوب قصة الوطنيات والقوميات والطائفيات، لأنها لا ترضى هذه الدولة إلا أن تجعل الإسلام العقيدة هي أساس الولاء وأساس الارتباط، كذلك الدولة الفرض أن تكون ليس خلافة فقط، وإنما خلافة واحدة، لا يجوز أكثر من خليفة، فتوحيد المسلمين في دولة واحدة يكون هذا أعظم خير حتى لو وحدوا على غير، الناس يتفاءلون خيرا، فكيف عندما يتوحدوا على أساس الإسلام؟ ففي ذلك قوة ومنعة الإسلام وللمسلمين، ثم إن الإسلام بطبيعته كنظام إنساني يعالج مشاكل الإنسان كإنسان، فهذا يجعل تقبل ورضا الناس جميعًا لمعالجته لأنه جاء من أجل أن يعالج مشاكل الإنسان، ويفي بحاجات الإنسان، من حاجات طبيعية من أكل ومشرب وملبس، ومن أمن وطب وصحة وتعليم، هذه أمور الشرع يوجبها على الخليفة، والنصوص الشرعية والأحكام الشرعية توجبها عليه، وهذه من النتائج التي سيتمتع بها المسلمون وغير المسلمين، على خلاف ما هو واقع الآن أن هذه يستأثر بها قلة من الناس.

أيضًا هذه الدولة بوصفها دولة بهذا الحجم الكبير وصاحبة رسالة يقتضي أن يكون لها جيش قوي، ولذلك هذا أيضًا مصدر لعزة المسلمين، ثم يقتضي أن يكون لها صناعة قوية، لهذا يجب أن تكون دولة مستقلة معتمدة على نفسها لا تكون معتمدة على الآخرين كما هو الحال الآن.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

اسمح لي أسألك سؤال تختم به، ربما أقل من دقيقة، هذا الطرح نظري، أصحاب هذا الطرح من الإسلاميين المهتمين بالشأن الإسلامي السياسي هم أبعد الناس عن المجتمع وهمومه اليومية، إذا كنت منعزلاً عن همي اليومي، كيف تحدثني عن صناعة وعن وحدة وعن..؟

أ. فؤاد حسين:

هذا الكلام لا يصح على الجميع، إن الذي يتابع ما يجري مع المسلمين في جميع القضايا سواء القضايا الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية أو مؤامرات الحكام ومؤامرات الكفار، ثم يكشفها للناس وينبههم عليها، ويحثهم على على النهوض من أجل المطالبة بحق في العيش حسب الإسلام.. هذه لا ينطبق على الجميع، وإنما ..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أستاذ فؤاد، للأسف الشديد أنا مضطر للوقوف هنا، للتوقف، شكرًا لك على الحضور، أعزائي المشاهدين شكرًا لكم، وإلى اللقاء في حلقة قادمة في الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.