مقدم الحلقة

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة

- الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، داعية إسلامي

تاريخ الحلقة

12/11/2000






الشيخ الدكتور/ يوسف القرضاوي
أحمد منصور
أحمد منصور:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم على الهواء مباشرة، وأرحب بكم في هذه الحلقة التي أقدمها لكم بشكل استثنائي من برنامج (الشريعة والحياة).

رغم أن منظمة المؤتمر الإسلامي التي افتتحت دورتها التاسعة في الدوحة صباح اليوم، في ظل حضور ممثلين لستة وخمسين دولة إسلامية، رغم أنها أسست في أعقاب الحريق الذي تعرض له المسجد الأقصى على أيدي اليهود عام 69 إلا أن الأقصى لا يزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، بل إنه يتعرض لمؤامرة صهيونية تستهدف هدمه وبناء الهيكل المزعوم على أطلاله، وفوق كل ذلك فإن القمة الإسلامية تنعقد في ظل استمرار انتفاضة الأقصى التي اندلعت في أعقاب اقتحام شارون له في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي. كما أنها تأتي في أعقاب القمة العربية التي عقدت في القاهرة، مما يلقي بمسؤولية أكبر عليها في ظل مواصلة الإسرائيليين لحرب الإبادة التي يقومون بها ضد الفلسطينيين الذين قدموا حتى الآن مئات الشهداء وآلاف الجرحى، ولازالوا يقدمون المزيد بشكل يومي.

من ثم فإن قمة الدوحة لها أهميتها الخاصة وواجباتها الإسلامية والشرعية على حضورها من الحكام والمسؤولين. فالانتفاضة لا تزال مشتعلة في فلسطين، وحرب الإبادة ضد مسلمي الشيشان لم تتوقف، وأفغانستان تشهد قتالاً دموياً بين الإخوة الأعداء، والعراق لازال شعبه يرضخ تحت حصار غير آدمي فرضته الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، أما السودان فإنه يخضع لمؤامرة تقسيمه وتفتيته، ومسلمو الفلبين وكشمير وآسيا الوسطى والبلقان يتعرضون لمآسٍ عديدة.

لذا فإننا في حلقة اليوم سوف نتناول واقع الأمة ومسؤوليات حكامها من خلال قمتهم المعقودة في الدوحة، وذلك في حوار مباشر مع فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي.

ولمشاهدينا الراغبين في المشاركة يمكنهم الاتصال بنا بعد موجز الأنباء على الأرقام التالية: 4888873 أما رقم الفاكس فهو: 4885999.

فضيلة الدكتور مرحباً بك، وأود في البداية أن أسألك عن مفهوم الأمة؟

د. يوسف القرضاوي:

وأنا أرحب بك أيضاً.

أحمد منصور [ضاحكاً]:

شكراً، أنا ضيف عليك في هذه الحلقة.

د. يوسف القرضاوي:

ولكن المثل يقول: من فات قديمه تاه.. هذا قديمك.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد فنرحب بالقمة الإسلامية في الدوحة، ونرحب بقادة المسلمين في هذه المرحلة الخطيرة التي أشرتم إليها في مقدمتكم، وأسأل الله –تبارك وتعالى- أن ينير طريقهم، ويرزقهم البصيرة، ويرزقهم الشجاعة أيضاً حتى يكونوا على مستوى ما تتطلبه الشعوب والجماهير المسلمة في مشارق الأرض ومغاربها.

أما مفهوم الأمة: الأمة جماعة من الناس لها أهداف مشتركة، وتعيش بروح واحدة، وقد تكون الأمة ذات صلات عرقية مثلاً، أمة من جنس واحد، أو أمة من لغة واحدة، أو أمة من دين واحد، أو أمة من أرض واحدة، يعني اختلفوا في مقومات الأمة ما هي؟ هل هي العرق؟ هل هي اللغة؟ هل هي التاريخ؟ هل هو الدين؟ ولكن نحن إذا تحدثنا عن الأمة المسلمة فهي أمة العقيدة الإسلامية، أمة التراث الإسلامي، أمة الحضارة المشتركة التي جمعتها القبلة الواحدة، والعقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، والآداب الواحدة، والشعائر الواحدة.

أحمد منصور:

في ظل مفهوم الأمة هل يمكن أن تكون هناك –في هذا الوقت- أمة مسلمة حقاً في ظل هذا التشرذم، في ظل هذا التمزق الذي تعيشه الأمة، في ظل هذا التفكك، في ظل هذا الضعف، لأن مفهوم الأمة يعكسه مفهوم القوة، ولكن في ظل هذا الوضع هل يمكن أن يكون هناك مفهوم لوجود أمة مسلمة حقاً في ظل هذا الواقع؟

[فاصل إعلاني]

أحمد منصور:

فضيلة الدكتور، في ظل مفهوم الأمة الذي أشرت إليه، هل -مع الواقع المتمزق للمسلمين- يمكن أن نطلق على المسلمين الآن أنهم أمة أم شعوب مسلمة؟

د. يوسف القرضاوي:

لا، هنا المسلمون هم أمة ذات شعوب، يعني أنا أنكر أن نقول: أمم إسلامية، لكن نقول: شعوب إسلامية، هناك شعوب من أمة واحدة، الله تعالى سمّى المسلمين أمة {كنتم خير أمة أخرجت للناس} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} {إن هذه أمتكم أمة واحدة} فهم أمة، أمة مكونة من شعوب مختلفة، من الشعب العربي، والشعب الهندي، والشعب التركي، والشعب الماليزي، والشعب الإندونيسي، والشعب السنغالي، يعني شعوب مختلفة، لكن هم أمة رغم ما أشرت إليه من الضعف، إنما الضعف لا يلغي وجود الأمة، قد تكون أمة وضعيفة، إنما أمة، وهذا يتمثل أكثر ما يتمثل في وجدان الشعوب الإسلامية، يعني حيثما ذهبت لأي شعب إسلامي يشعر بأنه جزء من الأمة الإسلامية، وترى هذا أمراً واضحاً، يعني تسأل أي واحد: أنت مسلم؟ يقول لك: مسلم والحمد لله، تجلس معه، السلام عليكم، يقول: عليكم السلام، حتى آداب واحدة، تجلس مع مسلم يأكل، يأكل بيده اليمين ويقول: بسم الله إذا ما أكل، وإذا انتهى يقول: الحمد لله، آداب مشتركة، هذه هي.. هناك آداب، هناك مشاعر، هناك شعائر، صلاة واحدة، وصيام واحد في شهر رمضان، يصومون من الفجر ويفطرون عند غروب الشمس، ولهم آداب مشتركة، هذه كلها هي اللي بتكون الأمة، حتى يعني ربما الحكام لا يمثلون هذا كما تمثله الشعوب، ولكن انظر الآن إلى القمة المنعقدة في الدوحة في مؤتمرها التاسع هذا، أنا استمعت إلى كثير من كلمات الملوك والرؤساء والأمراء من آسيا ومن أفريقيا، من العرب ومن العجم، كلهم يتكلمون لغة واحدة، كلهم يتحدثون عن وجود أمة، كلهم يستشهدون بآيات من القرآن، يستشهدون بأحاديث عن رسول الله، يتحدثون عن الخلفاء الراشدين، عن الصحابة، عن الأمة، عن التراث، عن الحضارة، هناك إذن مفاهيم وقيم مشتركة، فالأمة موجودة حقيقة، وإن لم تتمثل في الواقع السياسي والواقع العملي.

أحمد منصور:

لكن الخلاف والنزاع والتشتت والفرقة ألم تقض على مفهوم الأمة أيضاً؟ أما تساعد.. الآن فضيلتك أشرت إلى القمة، هناك 56 دولة على بُعد مئات الأمتار من هذا المكان الذي نجلس فيه يلتقي قادتها يتحدثون –كما قلت- حديثاً واحداً عن الأمة، مفهوم الأمة هو الوحدة، ولكن هم في نفس الوقت متشتتون متمزقون، ما هي المفاهيم والأصول التي يجب أن يقوم عليها مفهوم الأمة والتي يجب على هؤلاء الحكام أن يلتزموا بها أكثر من قولها؟

د. يوسف القرضاوي:

هو هذه الأمة ظلت أمة واحدة طوال ثلاثة عشر قرناً، يعني من عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين حين اتسعت الأمة وامتدت خارج الجزيرة العربية، ووصلت إلى الصين شرقاً وإلى الأندلس غرباً، ظلت هذه أمة واحدة، وبتحكمها –حتى- خلافة واحدة، وظل هذا العصر الراشدي، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر العثماني، ظل هذا إلى سنة 1924م، أمة حتى من ناحية.. فيه وحدة سياسية، ومن سنة 1924م تفككت الأمة..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

بعد سقوط الخلافة العثمانية.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

بعد سقوط الخلافة، يعني الخلافة على ما كان بها من نقاط ضعف ومن عيوب ومآخذ إلا أنها كانت تمثل آخر تجمع لهذه الأمة تحت راية العقيدة، فليس عجيباً أن نطالب بعودة هذه الأمة، وليس كثيراً يعني الأمة الإسلامية حوالي ألف مليون، طبعاً هناك أقليات أكثر من ثلاثمائة مليون خارج العالم الإسلامي.. لو أمة من ألف مليون، طب ما هي الصين ألف ومائتين مليون، طب ما الهند ألف مليون، يعني لماذا يستكثرون إنه يكون أمة ولها وحدة معينة، نحن على كل حال في هذا الظرف نقول: إذا لم تكن وحدة فليكن هناك لون من التوحد والتكتل، يعني في عالمنا هذا..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ما هو الحد الأدنى فضيلة الدكتور لتحقيق هذا التكتل أو التوحد؟ ما هو الحد الأدنى له في ظل مفهوم الأمة، وفي ظل مفهوم الخيرية الذي أشرت إليه الآن؟

د. يوسف القرضاوي:

الحد الأدنى يعني يجب أن يبدأ ويترقى، لا نقف عنده، يعني نحن الآن منظمة المؤتمر الإسلامي هي دي بتمثل الحد الأدنى، يعني وهي ظهرت في أيام حريق المسجد الأقصى.

أحمد منصور:

سنة 1969م.

د. يوسف القرضاوي:

سنة 1969م، يعني أكثر من ثلاثين سنة وهذا يؤكد إنه.. متى تظهر حقيقة هذه الأمة وتظهر وحدتها؟ في المآسي والمحن والشدائد التي –يعني- تنزل بها، ففي أيام حريق المسجد الأقصى، أيام الجهاد الأفغاني حينما اعتدى السوفييت على الأفغان، أيام البوسنة والهرسك، أيام كوسوفو، أيام هذه الانتفاضة، هذه الانتفاضة حرَّكت الشارع الإسلامي من إندونيسيا، من الفلبين إلى الدار البيضاء، إلى موريتانيا، المسلمون في كل مكان تجاوبوا مع انتفاضة الأقصى، فلذلك أنا أقول الأمة هي موجودة، الحد الأدنى في أن نُفعِّل منظمة المؤتمر الإسلامي هذه بحيث تُحقق التضامن الإسلامي الحقيقي، والتضامن الإسلامي يجب أن نرقى به حتى نصل به إلى لون من التكتل والتوحد، لون ما، يعني الآن أوروبا، أوروبا هذه كانت كيانات مفرقة، مش بس مفرقة، متعادية، ليس فقط متعادية، متقاتلة، الحروب الأوروبية لعدة قرون معروفة.

أحمد منصور:

استمرت حتى الحرب العالمية الثانية، ألمانيا..

د. يوسف القرضاوي:

وبعدين كان آخرها الحربان العالميتان، التي سقط فيها عشرات الملايين بأيدي الأوروبيين بعضهم مع بعض، يعني هذا أمر معروف..

أحمد منصور:

لم يمض عليه أكثر من خمسين عاماً، 55 سنة.

د. يوسف القرضاوي:

ومع هذا نسوا هذا التاريخ بكل ما فيه من حروب ومن دماء ومن ترات [ثارات] ووجدوا أن المصلحة في أن يتكتل بعضهم مع بعض، وأن ينضم بعضهم إلى بعض في كيان قوي يقاوم ما يتخوفونه من الولايات المتحدة اللي هي غربية مثلهم، ولكن أرادوا أن يكون.. وفعلاً يعني تقاربوا وتوحدوا وتكتلوا اقتصادياً وسياسياً.

أحمد منصور [مقاطعا]:

لأن فيه إرادة يا فضيلة الدكتور، فيه إرادة،وفيه حرية قرار.

د. يوسف القرضاوي:

فيه إرادة مشتركة أن يحيوا معاً..

أحمد منصور [مقاطعا]:

يعني مع انتهاء الحرب العالمية 1944.. 1957م بدأ الاتحاد الأوروبي، 1957م بدأ الاتحاد الأوروبي ثم وصل إلى ما وصل إليه الآن لأن فيه إرادة، الآن كل دولة من الدول العربية أو الإسلامية لها حساباتها مع الدول التي ترتبط معها بارتباطات خارجية، ومن ثم يقولون نحن واقعنا لا يُساعد على أكثر مما نقوم به الآن.

د. يوسف القرضاوي:

وإلى متى نظل أسرى للواقع؟ الإنسان الحقيقي هو الذي يثور على واقعه، لو كل إنسان رضخ للواقع ما تطورت البشرية، إنما الإنسان هو إرادة، فكر وإرادة، أنا أُعمل فكري ثم أريد، يعني إذا كان ديكارت بيقول: أنا أفكر إذاً أنا موجود، أنا بقى أقول: أنا أريد إذاً أنا موجود، الإنسان كما هو بفكره هو بإرادته، فنحن كأمة لازم يكون لنا إرادة مستقلة، لا نظل عبيداً لغيرنا وقد خلقنا الله أحراراً، أو ذيولاً وقد جعلنا الله رؤوساً، لابد أن يكون لنا تفكيرنا الخاص وإرادتنا الخاصة حتى نكون بحقٍ أمة وسطا لنكون شهداء على الناس.

أحمد منصور:

إذاً هنا الوسطية والخيرية مرتبطة بضوابط معينة، أم أنها أيضاً مفتوحة كما يقول البعض نحن خير أمة أخرجت للناس ويجلس على هذه الخيرية من هذا المنطلق، هل هناك شروط لاستمرارية الخيرية والوسطية في الأمة لابد أن تتحقق حتى تصل الأمة إلى المستوى الذي تتحدث عنه؟

د. يوسف القرضاوي:

نعم، هناك يعني هو الإسلام في الحقيقة يريد منا لكي نكون خير أمة أخرجت للناس أن نحقق ذاتيتنا الإسلامية، يعني أن يكون الإسلام هو مصدرنا، يعني الوحدة الحقيقية تبدأ من إيه؟ وحدة المرجعية، وحدة المرجعية يعني والمرجعية للأمة الإسلامية هي الشريعة، فلابد أن نعترف بمرجعية الشريعة، وهذا معناه أن تتحرر الأمة من آثار الاستعمار التشريعي الذي سُلط عليها أيام تحكمه في رقابها، الأمة الإسلامية ظلت الشريعة هي مصدرها الأوحد لمدة ثلاثة عشر قرناً، قبل أن يدخل الاستعمار بلاد المسلمين كانت الشريعة هي المصدر الوحيد مش الرئيسي أو الأساسي، لا، المصدر الوحيد، وكانت هي مصدر الفتوى ومصدر القضاء ومصدر التشريع حتى جاء الاستعمار، نحن لكي نتحرر من.. لابد أن نُعيد هذه المرجعية.

أحمد منصور:

يعني أول شيء الإرادة، المرجعية.

د. يوسف القرضاوي:

نعم، نعم، آه، فالمرجعية، الولاء، لابد أن يكون ولاؤنا لإسلامنا، إذا ظل بعضنا يوالي الجهة الفلانية، يعني ما عادتش قبلتنا الكعبة، بقى واحد قبلته واشنطن.

أحمد منصور [مقاطعا]:

واشنطن يا مولانا.

د. يوسف القرضاوي:

واحد قبلته..

أحمد منصور:

لا.. هي واشنطن عند الكل دلوقتي، توحدت القبلة، نعم موحدة، نعم.

د. يوسف القرضاوي:

دلوقتي يظهر هي صاحبة القبلة الأولى والوحيدة، هنقول أولى القبلتين، دي الأولى والثانية والثالثة هي أصبحت..

أحمد منصور:

موحدة صارت.

د. يوسف القرضاوي:

هذه هي المشكلة، لابد أن تعرف الأمة قبلتها، ويكون ولاؤها لله ولرسوله، ولأنه الله تعالى يقول: ]إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يُقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}. نريد أن نتحرر من عقدة الخوف، هو إذا ظل الناس يظنون إن أمريكا دي هي الإله القادر على كل شيء والذي لا يُسأل عما يفعل، لن نفعل شيئاً، القرآن يقول: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين}، نريد {الذين يبلِّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا}.. هذا التحرر من عقدة الخوف، هذا هو أول الطريق.

هناك أيضاً العصبيات، من الأشياء التي تفرقنا إيه؟ العصبيات، فيه البعض يتفرق يعني يتحمس للعصبية القومية، في وقت من الأوقات جماعة يقولوا قومية عربية، وجماعة لا، قومية كردية، وجماعة قومية بربرية، وقومية إندونيسية، قومية ..لا، إحنا في المقام ده يجب أن يكون الولاء للإسلام، والعصبية للإسلام في مواجهة المفرقات الأخرى للإسلام، ومعنى الإسلام، ليس معنى هذا إنه أنا ألغي كعربي عروبتي، أو ألغي كفارسي فارسيتي، أو كتركي تركيتي، لا لا .. ليس معنى هذا، لأنه الإسلام يعترف بإنه كل واحد يرعى قومه، ويرعى وطنه، يعني بل الأقربون أولى دايماً، حتى الجار أولى من البعيد، والجار ذي القربى أولى من الجار الجنب، فالإنسان يرعى أهله ويرعى قومه ويرعى وطنه، ولكن هذا لا يكون على حساب الدائرة الكبرى الإسلامية، إنما لو كل واحد فَضَّل الدائرة الضيقة على الدائرة الواسعة يبقى يعني يجي المصري يقول: أنا مصري وليس لي دعوة بالعرب، والعربي يقول: أنا عربي وليس لي علاقة بالإسلام، لا، هذه دوائر متداخلة بعضها أوسع من بعض ولا يناقض بعضها بعضاً.

أحمد منصور:

هناك صراع كبير، في هذا الإطار فضيلة الدكتور الآن هناك صراع كبير بين دعاة العروبة ودعاة الإسلام، وكأن الإسلام شيئاً ناقضاً للعروبة في بعض الدعوات هذه، هل هناك صلة وثيقة ما بين الإسلام والعروبة، أو عملية دمج ما بينهما وعدم تعارض؟

د. يوسف القرضاوي:

هناك، طبعاً هناك الغلاة من العروبيين، والغلاة من الإسلاميين، هؤلاء لا يمكن أن يلتقوا، ولكن المعتدلين من العروبيين والمعتدلين من الإسلاميين أمكن أن يلتقوا، والتقوا بالفعل فيه شيء الآن اسمه المؤتمر القومي الإسلامي الذي يجمع القوميين العرب والإسلاميين، وأنا شاركت في هذا المؤتمر وعقد أربع دورات من دوراته في بيروت، وقلنا: إن إحنا عندنا قضايا مشتركة، وفيه أهداف مشتركة ومفاهيم مشتركة، خلينا نركز على نقاط الاتفاق ونقاط التمايز خلينا نبعدها الآن بقدر الإمكان، ونقاط الاتفاق كثيرة، فنحن وأهم نقاط الاتفاق قضية فلسطين وقضية الأقصى، وقضية الكيان الصهيوني المغتصب لأرضنا، ومحاولة التطبيع، ومحاولة التمييع هذه، فوجد العقلاء من التيارين أن من الخير أن يتفقوا، وخطوا خطوات يعني طيبة.

أحمد منصور:

يعني الآن في المؤتمر، يعني حينما حضرت في الصباح هناك الأبيض والأسود،والأفريقي.

د. يوسف القرضاوي [مقاطعا]:

العربي، والعجمي، والأفريقي، والآسيوي.

أحمد منصور:

والآسيوي يعني من كل الدنيا حتى ممثلي الأقليات الذين جاؤوا من كل أنحاء الدنيا حتى من أمريكا الجنوبية وغيرها، يعطون مفهوماً بالنسبة للوحدة وبالنسبة للأمة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الصورة الشكلية هذه، وبقى عملية التأكيد الواقعي كما أشرت حضرتك في عملية تحقيق مفهوم الأمة. كثير من الكُتّاب الآن يعتبرون ما تتحدث به وما يتحدث به مثل هذا الخطاب هو عبارة عن وهم وعبارة عن أحلام لا تتوافق مع الواقع، والواقع الآن هو أن هذه الأمة أمة ضعيفة وأمة ممزقة، ولا يمكن أن يُسمح لها بأن تتوحد وأن تُصبح قوية، ومن ثم لابد أن نتعامل مع هذا الواقع، ونخضع للضغوط التي تُفرض علينا، وتكون الخطوات التي تتم الآن في إطار هذا الواقع وليس في إطار الأحلام التي تتحدث عنها.

د. يوسف القرضاوي:

إذا كان الكلام عن إنه لا يُسمح لها، وهو إنه لابد للأمة أن تأخذ سماحاً وإذناً من غيرها بأن تكون أمة هذا يبقى كلام آخر على طريقة فرعون حينما آمن السحرة وقالوا: {آمنا برب هارون وموسى} وخروا سجداً لله {قال آمنتم له قبل أن آذن لكم؟} إزاي تؤمنوا بإله موسى ده من غير إذن مني ومن غير ترخيص؟ إذا كنا عايزين ترخيص من واشنطن أو من البيت الأبيض بأننا نكون أمة مسلمة ويتوحد بعضنا مع بعض، ويضع كل منا يده في يد أخيه، فهذا أمر.. إنما أنا أقول: إحنا عايزين الأمة تكون هي سيدة نفسها، أمة لا تأخذ الإذن من غيرها، إذا كان هيسمح لها.. يسمح لنا ده يعني إيه؟ إحنا أمة نرى إنه وجودنا في وحدتنا، في أن نكوِّن شيئاً.

أحمد منصور:

لكن المصالح مختلفة، المصالح هي التي تجمع الناس الآن، كل دولة حتى الدول الصغيرة لها مصالح مع الولايات المتحدة ومع غيرها من الدول تختلف عن مصالحها مع جيرانها العرب والمسلمين الذين معها، ويقولون إن المصالح هي التي تحرك الناس الآن.

د. يوسف القرضاوي:

هذه مصالح طارئة أوجدتها هذه الدول، إنما لو نظروا إلى المصالح الحقيقية والمصالح الجوهرية والمصالح الدائمة مش المصلحة العارضة، المصلحة الدائمة والمصلحة الجوهرية والمصلحة الحقيقية هي في أن تتوحد الأمة.

أحمد منصور:

ما هي الأسباب؟ فضيلة الدكتور عفواً، ما هي الأسباب التي تدفع إلى الترويج لمثل هذه الأشياء، وإلى أن يكون هناك عوائق في قضية الوحدة واستمرار لعملية التشرذم، بل وتأصيل له؟ هناك تأصيل الآن للتشرذم وأن التشرذم هذا واقع، وأن دعاة الوحدة هم دعاة أوهام ودعاة أحلام ولا يمكن لمثل هذه الأمور أن تتحقق.

د. يوسف القرضاوي:

هو أول سبب هو سبب الغزو الفكري والثقافي، أن الاستعمار استطاع أن يغزو عقول فئة منا صنعها على عينيه، ورباها على يديه، وجعلها في حضانته، وغذَّى رؤوسها بأفكار معينة عشَّشَّت فيها، فأصبح يُخيَّل إليها هذه الأشياء، وبعدين هناك عدة أشياء من المفرقات دائماً للأمة، المذاهب المستوردة: إن الأمة بدل ما تتجه إلى الشريعة اتجهت إلى مناهج ومبادئ ومذاهب استوردتها من الشرق حيناً، ومن الغرب حيناً، ومن اليمين حيناً، ومن اليسار حيناً، الليبرالية فترة، والثورية الاشتراكية فترة أخرى، فتركوا الصراط المستقيم واتجهوا إلى السُّبل، والله تعالى يقول: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. وبعدين من ناحية أخرى ما أشرت إليه من قبل.. العصبيات القومية والإقليمية، والأشياء من ناحية، ومن ناحية أخرى اختلاف الولاءات، واحد ولاؤه لهذا، وواحد ولاؤه لهذا، وواحد ولاؤه لهذا.

أحمد منصور:

الولاء واحد الآن، للنظام العالمي الجديد.

د. يوسف القرضاوي:

لا، بس ولاء لغير الله، هذا ولاء بطبيعته مُفرِّق لأنه ما بيجعلش ولاءك للجهة التي تتجه إليها الأمة، بيجعل ولاء الحكام لجهة والشعوب لجهة أخرى، وبعدين اختلاف المصالح، والمصالح هنا ليست مصالح الشعوب، إنما مصالح الحكام مصالح يعني كل واحد همه كرسيه، يريد أن يبقي على هذا الكرسي بأي ثمن كان ولو باع دينه، ولو باع وطنه، ولو باع شرفه.

أحمد منصور:

الكرسي هو الدولة يا مولانا الآن، هذا المفهوم الجديد أن هذا الكرسي وهذا الحاكم هو الدولة، ومساس هذا الكرسي هو مساس لهذه الدولة.

د. يوسف القرضاوي:

إنما الحقيقة إن الحاكم وكرسيه ليس هو الدولة، وليس هو الشعب، وليس هو الوطن، هذه بالعكس كثيراً ما يكون الإبقاء على هذا الكرسي والتشبث به يُضيِّع مصالح كثيرة للوطن وللشعب، فهذه، التشبث بهذه المصالح، هذه الأهواء، هذه الأهواء والشهوات هي التي تُشرذم الأمة وتُمزِّقها، ويلبس بعضها، يذوق بعضها بأس بعض كما ذكر القرآن الكريم.

أحمد منصور:

الآن فضيلة الدكتور ممثلي 55 أو 56 دولة إسلامية يجتمعون الآن في الدوحة، هناك قضية أساسية محورية تهم كل مسلم الآن، هي قضية القدس وما يحدث في فلسطين، لو أخذنا إطار ليس الواقع السياسي متروك لهم أن يُدبِّروا الأمور السياسية، ولكن الواجب الشرعي المفروض على هؤلاء الحكام الآن تجاه القدس وفلسطين تحديداً في هذه المرحلة.

د. يوسف القرضاوي:

والله شوف، الواجب الشرعي على أمة الإسلام أن تهب جميعاً لنجدة الإخوة في فلسطين، وأنا هنا في الحقيقة يعني أتحفظ على تعبير إن هُمَّ واجبهم لمساعدة الفلسطينيين، أو التبرع للفلسطينيين، هو ليس مساعدة لفلسطين هذا واجب إسلامي، واجب الأمة، يعني اعتبار إن ده على الفلسطينيين إنهم يدافعوا عن القدس ويدافعوا.. هذا خطأ، ده في الفقه الإسلامي يقول: إنه أي أرض إسلامية غُزيت من عدو خارجي يجب على أهلها أن يُقاوموا العدو، كُلهم حتى قالوا: المرأة تخرج بغير إذن زوجها والولد بغير إذن أبيه، والخادم بدون إذن سيده، والمرؤوس بغير إذن رئيسه، كل البلد تخرج، إذا استطاعوا أن يُقاوموا هذا العدو وحدهم، وإلا فعلى من جاورهم أن يعاونهم، ثم من جاورهم، حتى يشمل الأمة كلها، وهنا نقول إحنا: الفلسطينيين لا يستطيعون أن يقاوموا الصهيونية العالمية وخصوصاً أنها مسنودة بالإمبريالية الأمريكية.

أحمد منصور:

لكن الترويج كله الآن فضيلة الدكتور على أن الفلسطينيين هم أصحاب القضية، وهم يُحددون ماذا يُريدون، ونحن لا نُزايد عليهم.

د. يوسف القرضاوي:

هذا خطأ، لا.

أحمد منصور:

هم يقولون الآن السيد ياسر عرفات قال: كل اللي إحنا عايزينه إن هُمَّ يشغلوا الفلسطينيين في الدول العربية.

د. يوسف القرضاوي:

لا، ياسر عرفات قال: لأ، دي القدس دي مش ملكي ده ملك المسلمين جميعاً، وهذا كلام صحيح، ليست ملك ياسر عرفات، ولا ملك السلطة الفلسطينية، ولا ملك..، المسجد الأقصى للمسلمين، وهذه، كل الأرض هي ملك المسلمين، فكيف إذا كانت هذه الأرض هي أرض النبوات، والأرض التي بارك الله فيها للعالمين كما ذكرها القرآن، وأرض المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، لا يستطيع أحد أن يُفرِّط في هذه الأرض.

فعلى الأمة الإسلامية أن تؤدي واجبها، ولذلك أنا لا أقول إنه، أنا قلت لما قالوا: إنه تبرع، قلت: هذا ليس تبرعاً ده اسمه الجهاد بالمال، الله تعالى يقول: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}.. فإذا لم نستطع أن ننفر لا خفافاً ولا ثقالاً يبقى نجاهد بأموالنا، يعني فهذا الجهاد بالمال فريضة مطلوب من الأمة {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم. تؤمنون بالله ورسوله وتُجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}، فأنا أريد أن أُحمِّل الأمة الإسلامية، وأُحمِّل قادة هذه الأمة هذه المسؤولية، هذه التبعة، إنه عليهم أن يبذلوا ما يستطيعون في تحرير المسجد الأقصى، ولا يعتبرون ده يعني تطوع منهم، أو تبرع يعني للفلسطينيين، لا، هو واجب الأمة، والأمة تشعر بهذا.

يعني المسيرات التي سارت في أنحاء العالم الإسلامي، وخارج العالم الإسلامي حتى الأقليات والجاليات الإسلامية في الغرب، وفي الشرق الأقصى، وفي جنوب أفريقيا، وفي كل مكان هؤلاء يشعرون بأن عليهم واجباً نحو الأمة، لماذا لا نتجاوب مع هذه الجماهير التي تنطلق تلقائياً وتُعبِّر عن ذاتها، فأنا أرى إنه الأمة تستطيع أن تفعل الكثير لو أرادت، كان جمال الدين الأفغاني يعني يقول للهنود قديماً أيام كان الاستعمار البريطاني يتحكم في الهند، والهند كانت يعني حوالي ثلاثمائة مليون، طبعاً كان فيها باكستان وبنغلاديش، يعني فكان يقول لهم: لو كنتم ذباباً يطن في أذن الإنجليز لخرقتم آذانهم، 300 مليون ذبابة لو.. فإحنا ألف وثلاثمائة مليون لو يعني بنقول ونصرخ كنا يعني نصك أسماع الدنيا، نحن نقدر أن نفعل الكثير، ولكن نحتاج إلى ما ذكرناه: إلى الإرادة، من غير إرادة لا تستطيع الأمة أن تفعل شيئاً.

أحمد منصور:

اسمح لي أشرك بعض الإخوة المشاهدين، يوسف حميد الدين من السعودية.

يوسف حميد الدين:

السلام عليكم.

أحمد منصور:

عليكم السلام.

يوسف حميد الدين:

سريعاً بس تعليق بالنسبة لموضوع التحديات لمفهوم الأمة الإسلامية.

د. يوسف القرضاوي [مقاطعا]:

صوتك مش مسموع يا أخي.

يوسف حميد الدين:

مفهوم التحديات إنه عندنا أمة إسلامية وعلى الأمة الإسلامية أن تُحقق أو أن تستطيع إنه.. وفي حين جهات داخل الأمة ما استطعنا إن إحنا نتغلب عليها، مفهوم مثلاً الوجود المذهبي الموجود في الإسلام، شيعة، سُنَّة، داخل الدول الإسلامية، الحركة، الدعوة بين المذاهب، يعني الحركة السنية تدعو الشيعة إلى التسنن، الشيعة يدعوا التسنن إلى التشيُّع، في حين المفروض يكون التركيز خارجي بدل ما يكون داخلي، مفهوم الجبر في القضاء والقدر على (...) تاريخي كبير أثر في الأمة وفي ضعف الحافز عند المسلمين في مواجهة التغيير، بدلاً من إنه بس يتقبل هذا الشيء ويقول: إن هذا قضاء وقدر، ومفهوم الشرع أو حتميته، نحن الآن قد نعيش في كثير من الأحوال في باب التخريج وتخريج الأحكام على مذاهب معينة، مفهوم الشافعي –رحمة الله عليه- و أبو حنيفة أو غيره في تخريج الأحكام وفقاً لأدوات الاستنباط.. عندهم.

أحمد منصور:

شكراً لك يا يوسف، سؤالك واضح وهو إن شاء الله أعطى المجال لفضيلة الدكتور بعد الأخ عبدو السطو من سوريا، عبدو.

عبدو السطو:

آلو أخ أحمد، دكتور يوسف، السلام عليكم.

أحمد منصور:

تفضل يا سيدي، عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

عبدو السطو:

الحقيقة انتصارات أمتنا عبر التاريخ الطويل منذ عرفت ذاتيتها وجمعت قواها واهتدت إلى سبيلها القويم الذي..

د. يوسف القرضاوي:

أخي أسمعنا الصوت، الصوت مش سامعه أنا.

أحمد منصور:

الصوت الداخلي يا شباب.

عبدو السطو:

الحقيقة دكتور يوسف انتصارات أمتنا عبر تاريخها الطويل منذ عرفت ذاتيتها وجمعت قواها واهتدت إلى سبيلها القويم الذي ارتضاه الله لها، كانت ضمن أسس ومنهج محدد، لا عشوائية ولا ارتجال في تحقيقها، الحقيقة انتصارات أمتنا ليست نتيجة طفرة قوة، أو انتزاع صمام أمانها فكانت دافقة كاسحة ثم خبت شيئاً فشيئاً حتى تلاشت، إن تحقق الالتصاق بها تحقق النصر، وإن ابتعدت أمتنا عنها أو تسرب خلل إلى تطبيقها –وإلى أسف- كانت الهزيمة.. الآن في هذا الزمان دكتور يوسف مَنْ المسؤول عن وضع القواعد والأسس؟ هل هم العلماء أم غيرهم؟ دكتور يوسف هل ترى النصر قريب في نهاية الانتفاضة من خلال الآيات والأحاديث، أو على الأقل اقتربنا من النصر؟ ودائماً دكتور يوسف في الحقيقة أنتم تركزون على دور الجماعة، لو الأمة اجتمعت لكان كذا، إذاً ما هو دور الفرد من ناحية الانتفاضة؟ وشكراً لك، وأرجو من الأخ أحمد أن يُعقِّب على هذا السؤال، شكراً لكم جميعاً.

أحمد منصور:

أشكرك شكراً جزيلاً، أسئلتك أسئلة هامة.. لكن فضيلة الدكتور سؤال يوسف حميد الدين في الأول حول الصراعات الداخلية والاختلافات المذهبية وتأثيرها على قضية الفرقة.

د. يوسف القرضاوي:

نحن في فترة يجب أن نجمع ولا نفرق، هناك سنة وهناك شيعة، هناك زيدية، هناك أباضية، هناك.. في هذا الوقت نحن نريد أن نجمع الأمة بكل طوائفها وبكل مذاهبها. عندما تأتيني مصيبة أنا أقاوم هذه المصيبة وهذه الكارثة وهذا الحريق، إنما بلد يأتيها حريق، هييجي عايزين نطفي الحريق جميعاً ولاَّ أقول له: لا أنت يا شيعي خلني أطفي الحريق أنا لوحدي، خليك.. كل الأمة لازم تحاول أن تقاوم الحريق، عندما المصائب كما قال شوقي: إن المصائب يجمعن المصابينا.

وكما قال الشاعر:

أيا جارتا إنا غريبان هاهنا وكل غريب للغريب نسيب

ففي حالة الشدائد لازم ننسى كل شيء، فأنا لا أرضى عن الإخوة الذين يحاولون أن يثيروا الخلافات المذهبية والخلافات الفرقية في مثل هذه الأوقات، يجب أن نجمع قوى الأمة جميعاً.. اليهود عندهم فرق مختلفة.

أحمد منصور [مقاطعاً]:

نعم.. كثيرة.. وأعراق.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

فرق مختلفة دينياً، وفرق مختلفة عرقياً، وفرق مختلفة مذهبياً، وفرق مختلفة إقليمياً، وجاؤوا من أقاليم شتى، وكما قال القرآن {بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى}، ولكن هم واقفين في وقفة لأن إذا تمزقوا انتهوا، فلا تعرف يهودي الفلاشا من يهودي أوروبا من يهودي الشرق من يهودي الغرب، كلهم ويقفون.. لماذا نحن نثير الخلافات في وقت نحن أحوج ما نكون إلى أن نجند قوى الأمة جميعها لمواجهة الخطر المشترك؟

أحمد منصور:

من المسؤول فضيلة الدكتور عن وضع القواعد الخاصة بإعادة بناء الأمة من جديد؟ هل هم العلماء أم هم الحكام أم السياسيون أم صناع القرار؟ من المسؤول في تلك المرحلة وفي هذا الوقت وفي هذا الواقع الذي تعيشه الأمة؟

د. يوسف القرضاوي:

المسؤول عن إعادة الأمة إلى وعيها وإلى خطوطها العريضة وإلى ذاتيتها التاريخية المسؤول عن هذا هم العلماء والمفكرون، هم أهل الفكر و..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ليس في يدهم قرار، هو مجرد أن يضعوا أسس.

د. يوسف القرضاوي:

إعادة وعي الأمة ما هذا مش محتاج إلى.. هذا عمل المصلحين والمربين والمجددين، أهل العلم وأهل الدعوة.

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يُضيق عليهم ولا يسمح لهم.

د. يوسف القرضاوي:

ولو، هذا أمر لابد منه،

أحمد منصور:

لكن هذه مسؤولية شرعية عليهم.

د. يوسف القرضاوي:

آه، لأنه أصل الأمة لا تتغير بقرار سياسي ولا بأوامر عسكرية، هناك سنن لتغيير الأمة، إذا أردت أن تغير الأمة فغيرها من الداخل، الإنسان ليس كالبهيمة يقاد من أذنيه أو يسحب من رقبته، الإنسان يقاد من ضميره، من داخله، من وجدانه، من فكره، وده القرآن قرر هذه القاعدة حينما قال: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، ولذلك أي تغيير حقيقي لابد أن يبدأ من النفس، من الذات، من الداخل، كل المصلحين في العالم فعلوا هذا، فتغيير الأمة.. التغيير الفكري والنفسي والخلقي هذه مسؤولية أهل العلم والفكر والنظر والتربية، وأما القرارات السياسية وما يتعلق بالسياسة فهو من أهل السياسة، والمفروض إن أهل السياسة يكونوا من أهل العلم، يعني إسلامياً المفروض إن الحكام يكونوا مجتهدين، يعني هم بيجعلوا من شروط الإمام أو الخليفة أو رئيس الدولة أن يكون مجتهداً، مش بس عالم، عالم وصل إلى مرحلة ومرتبة الاجتهاد.

أحمد منصور:

ربما لا تنطبق إلا على الرئيس خاتمي، في ظل الوضع الموجود.

د. يوسف القرضاوي:

فإذا لم يكن مجتهداً يستعين بالمجتهدين، يكونوا من حوله العلماء، ولكن هل هذا هو الواقع؟ الذين نراهم حول الحكام هل هم العلماء؟ هل بطانتهم العلماء أم بطانتهم أناس آخرون؟ هذا هو الذي نراه حقيقة.

أحمد منصور:

أيضاً في سؤال عبدو السطو، هل ترى النصر يلوح في نهاية هذه الانتفاضة؟

د. يوسف القرضاوي:

والله أنا أقول: لو نظرنا إلى الوقائع والأرقام والماديات يمكن أقول لك: النصر بعيد، ولكن أنا مؤمن بأن عندنا من المبشرات ما يملؤنا ثقة بأن النصر لنا، هناك مبشرات كثيرة: من القرآن الكريم، من السنة النبوية، من تاريخنا الحافل، من واقعنا الماثل، من سنن الله تبارك وتعالى، كل هذه المبشرات تقول: النصر لنا، وإسرائيل كيان هش، يمكن أنت كنت قريباً مع أخونا الأستاذ عبد الوهاب المسيري في حلقته، وهو خبير في اليهود واليهودية والصهيونية، وصاحب الموسوعة الشهيرة في هذا، وقال لك: إن ده كيان هش وضعيف ولا يستطيع أن يستمر، وكل ما في الأمر.. فيه مثل عربي في كتب الأدب..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

حتى اليهود أنفسهم، أكبر مؤرخ يهودي فرنسي كتب مقالاً قبل.. في 12 أكتوبر يقول: إن الصهيونية انتهت، وحلم إسرائيل سينتهي، وهي إلى زوال، وهذا أثار ضجة.

د. يوسف القرضاوي:

هذا قاله موسى ديان لأحد العرب، قال له: إحنا عندنا مبشرات بأننا سننتصر عليكم، وسننهي وجودكم.. قال له: وإحنا عندنا –أيضاً- هذا، يعني في كتبنا إن إحنا هننتهي، ولكن مش أنتم الجيل اللي هينتصر علينا.

أنا أعتقد أن الجيل الجديد ده، جيل الصحوة الإسلامية هو مبشر نفسه، يعني هذا جيل غير الجيل القادم، الجيل الذي يعرف الله، ويتلو القرآن، ويصوم الإثنين والخميس، ويستغفر الله بالأسحار، هذا الجيل الرباني هو.. وده اللي أشارت إليه الأحاديث، الحديث قال "يقول الحجر والشجر: يا عبد الله، يا مسلم"، يعني هؤلاء الذين سينتصرون على اليهود شعارهم العبودية لله، غايتهم الإسلام، يا عبد الله، يا مسلم. فهذا ما نعتقده، أنا عندي أمل كبير إن النصر سيتحقق، ولكن متى بالضبط؟

أحمد منصور [مقاطعاً]:

في علم الله.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

نقول: {عسى أن يكون قريباً} {ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً}.

أحمد منصور:

أحمد عوض من سوريا، تفضل.

أحمد عوض:

السلام عليكم.

أحمد منصور:

وعليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي:

وعليكم السلام ورحمة الله.

أحمد عوض:

جزاكم الله خيراً.

د. يوسف القرضاوي:

بارك الله فيك.

أحمد عوض:

نرجو من فضيلة الشيخ يوسف بما أن جميع القادة المسلمين عندكم الآن بما لكم من مكانة ومنزلة عندهم أن تتوجهوا إلى البعض منهم الذين عندهم سجون أو ظلم، أو بعض الناس الذين مضى عليهم عشرات السنين في السجون، كيف يمكن للمواطن البسيط أن يصدق الحاكم الذي يتكلم عن أن دينه الإسلام وعن النصر ويعلم ما عنده من بلاوي ومصائب؟ أنا أعرف ناس من عشر سنين نساؤهم تنتظرهم وهم في السجون، ولا يعرفون أهم أحياء أم أموات، فقط يريدون أن يعرفوا هل هم أحياء أم أموات؟

أحمد منصور [مقاطعاً]:

سؤالك هام شكراً، فضيلة الدكتور تفضل.

أحمد عوض [مستأنفاً]:

فنرجو من فضيلة الشيخ أن يتوجه بنصيحة، على الأقل أن يرفعوا الظلم عن المظلومين حتى يتنزل نصر الله علينا، يعني كيف ينصرنا الله ونحن نظلم بعضنا البعض؟

أحمد منصور [مقاطعاً]:

شكراً لك.

أحمد عوض [مستأنفاً]:

فنحن..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

شكراً، تفضل فضيلة الدكتور.

د. يوسف القرضاوي:

أنا طبعاً مع الأخ، أقول: إننا لا نستحق النصر إذا كنا ظالمين، يعني الله تعالى لا ينصر الظالمين، وأنا رأيت كثيراً ممن تكلموا من القادة والزعماء في المؤتمر يطالبون إسرائيل أن تفرج عن المعتقلين وعن السجناء عندها، وإذا كنا نطالب إسرائيل بأن تفرج فكيف لا نفعل هذا في ديارنا؟! يعني لا يجوز أن يظل هذا في بلادنا ويستمر –كما قال الأخ- لسنين وسنين طويلة، هذا إذا كنا نريد أن ننتصر لابد أن نحقق العدل، فالعدل مطلوب من الجميع.

أحمد منصور:

طالما إحنا في إطار المعتقلين، هناك مطالب من بعض المشاهدين بعملية كفالات لأسر المعتقلين الفلسطينيين، الكفالات كلها تكون للأيتام، فيما أسر المعتقلين أيضاً مئات من أسر المعتقلين ليس لها عائل –أيضاً- في فلسطين، وبحاجة إلى من يكفلهم.

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]:

والله شكا إلىَّ بعض الـ..

أحمد منصور [مستأنفاً]:

المسؤولية الشرعية أيضاً في هذا الجانب.

د. يوسف القرضاوي:

شكا إلىًّ بعض الإخوة الفلسطينيين الذين يعملون في مجال الإغاثة، قالوا: إن أكثر الذين يهتمون بالجانب الإغاثي وجانب المعونات المادية يهتمون بكفالة الأيتام، لما جاء في ذلك من أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"، ولا يهتمون بكفالة أولاد الأسرى والسجناء والمعتقلين، وهذا في الحقيقة سوء فهم، لأن هؤلاء لهم حق مثل حق اليتيم تماماً، لأنه لا عائل له، ما معنى.. اليتيم هو إيه؟ إنسان فقد أباه، وهذا الذي أسر أبوه أو سجن أبوه، هو فقد أباه، فالله تعالى يقول في وصف الأبرار: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} فالأسير له حق، وابن الأسير له حق، فأنا أنصح الإخوة الذين يرعون أبناء الشهداء من اليتامى أن يرعوا أبناء الأسراء والسجناء من المجاهدين.

أحمد منصور:

عبد الحسين المالكي من ألمانيا يقول: هناك قرارات صدرت من مجلس الأمن بها ظلم على بعض الشعوب الإسلامية وعلى رأسها الشعب العراقي، كيف تدعي –كما يقول- الدول الإسلامية التزامها بقرارات فيها ظلم لإخوانهم من المسلمين؟ ما هو واجب القمة الإسلامية والحكام العرب الآن إزاء هذه القرارات التي صدرت بحق شعوب إسلامية من قبل المنظمات الدولية وبها ظلم بَيًن على المسلمين، وتلتزم الدول الإسلامية بتنفيذها؟

د. يوسف القرضاوي:

والله أنا سمعت الشيخ حمد أمير دولة قطر ورئيس المؤتمر ذكر في حديثه ما وقع على العراق وشعب العراق وأبناء العراق من الظلم نتيجة هذا الحصار الظالم الباغي، وطالب بأن يكون هناك موقف من هذه القضية، ونحن نؤيد هذا، لا نرضى.. يعني إلى متى؟ أنا أريد الحقيقة من العرب أن يتحرروا من عقدة حرب الخليج، يعني حرب الخليج لا يجب أن تظل هذه العقدة تحكمنا أبد الدهر، والعراق دمرت أسلحته الكيماوية، ودمرت أسلحته اللي بيسموها أسلحة الدمار، مع إنه كان المفروض قبل أن تدمر أسلحة العراق تدمر أسلحة إسرائيل التي تصول بها وتجول وتعربد وتسفك الدماء وتزهق الأرواح وتدمر المنشآت وتحرق المزارع والمساجد والمدارس وكل شيء، كان يجب أن.. ولكن لم يفعلوا هذا.. إسرائيل هي الابنة المدللة التي لا تدخل لا في اتفاقيات الحظر النووي ولا في أسلحة الدماء الشامل ولا في شيء..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

اسمح لي نكمل بعد الموجز.

د. يوسف القرضاوي:

آه إن شاء الله.

[موجز الأخبار]

أحمد منصور:

أهلاً بكم من جديد في هذه الحلقة من برنامج (الشريعة والحياة) التي أنا فيها ضيف على فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي وعليكم أيضاً.

فضيلة الدكتور بعد أكثر من.. هشام طه من الرياض ومواطنة مسلمة رغم أني.. لم تذكر اسمها، وسمير من السعودية، كلهم يقولون بأن الآن هناك دعوة للجهاد، وهذه الدعوة تسفه من قبل الآخرين على اعتبار أن الجهاد في هذا الوقت غير ممكن بالنسبة لقوة المسلمين وبالنسبة لوضعهم، ويطالب الحكام المسلمين بالجهاد في الوقت الذي لا يملكون فيه مقومات الجهاد، وبعض الحكومات العربية ملتزمة باتفاقات مع إسرائيل لا تستطيع أن تنقض هذه الاتفاقات. ما هو مفهوم الجهاد الذي تدعون إليه والذي تريدونه تحديداً في هذا المرحلة من الحكام على وجه الخصوص، ومن الحكومات العربية، ومن الحكام الذين يجتمعون الآن في الدوحة؟

د. يوسف القرضاوي:

بسم الله الرحمن الرحيم، هناك ألوان من الجهاد، هناك الجهاد العسكري، هذا المطلوب، جاهدوا المشركين بأيديكم، الجهاد بالنفس –كما سماه القرآن- وهذا.. هناك الجهاد العسكري أنواع أيضاً، هناك إعلان الحرب، وهناك المقاومة.. إذا كنا لا نستطيع إعلان الحرب رسمياً فعلى الأقل نعلن المقاومة، أنا أريد من هؤلاء الحكام أن يتخلوا عن فكرة إن السلام هو الخيار الاستراتيجي.

أحمد منصور [مقاطعاً]:

الوحيد.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

الوحيد، لأن معنى هذا إنه أنت مستسلم، يعني أنا لا أقول.. أنا أقول: هو أحد الخيارات، إذا والله مشي السلام مشي، إنما إذا لم يمكن السلام ما ليش غير كده، طيب أنا.. الله!! يا أخي الإنسان لازم يِدِّي لنفسه أكثر من طريق، الله تعالى يقول: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم}.

أحمد منصور:

لا يستطيع أن يحقق إلا هذا الطريق، إما السلام أو السلام، ليس هناك طريق آخر.

د. يوسف القرضاوي:

لا، هذا في الحقيقة هو العجز، النبي –عليه الصلاة والسلام- يقول: "إن الله يلوم على العجز"، واحد كان بيصارع واحد أيام النبي –عليه الصلاة والسلام- فصرعه، فالمغلوب قال: حسبي الله، فالنبي –عليه الصلاة والسلام- غضب، وقال له: إن الله يلوم على العجز، يعني لما وقعت تقول: حسبي الله؟! ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله، إنما من أول الأمر تستسلم!! هذا هو العجز، والنبي –عليه الصلاة والسلام- كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل" فلا ينبغي إن إحنا نعجز، .. "استعن بالله ولا تعجز" الحديث يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل.. واستعن بالله ولا تعجز".. هذا كلام العاجزين، إن مالناش غير كده، ليه مالناش غير كده؟ أنا أستطيع أن أفعل.. الله –تعالى- قال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} لم يقل: أعدوا لهم مثلما أعدوا لكم، لأن ده قد لا نستطيع هذا، إنما اعمل اللي في استطاعتك، والباقي على الله، نحن نستطيع أن نفعل..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني الآن إحنا نعد للقوة حتى نحافظ على الحق، ونعد للقوة حتى يكون هناك طريق آخر غير ما فرض علينا.

د. يوسف القرضاوي:

نعم..

أحمد منصور:

وحتى نستطيع أن نقول أن لدينا خيارات أخرى، خيار الحجر في فلسطين خيار آخر أيضاً يخالف خيار السلام.

د. يوسف القرضاوي:

نعم.. خيار الاستسلام، هذا حجر.. والحجر ممكن يتطور..

أحمد منصور:

لكن يقال الآن بأن هؤلاء يدفعوا إلى الموت ويساقوا إلى الموت بالحجر، وهذا..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]:

ولماذا نتركهم يموتون؟ هذا الأمة تخلت عنهم! الله!! الأمة –يا أخي- بمجموعها قوية، أنا ليه أنسى أن باكستان تملك قوة نووية، وأن إيران تملك صواريخ بعيدة المدى، وأن حزب الله في لبنان استطاع أن يحقق نصراً؟! وأن أمريكا خرجت من لبنان منهزمة، وخرجت من الصومال منهزمة، وخرجت من فيتنام منهزمة؟! لماذا ننسى الشعوب الصغيرة والضعيفة أنها حققت نصراً رغم ضعفها؟! كل إنسان يستطيع أن يفعل شيئاً.

أحمد منصور:

طيب، هذا على سبيل الحكومات أو على سبيل الحكام، لكن على سبيل الفرد وعلى مستوى الفرد، الآن ما الذي يستطيع الفرد أن يحققه في هذا الإطار طالما أن الحكومات تقول ليس أمامنا سبيل إلا سبيل الاتفاقات؟

د. يوسف القرضاوي:

الفرد يستطيع أن يحقق عدة أشياء.

أحمد منصور:

ما هي؟

د. يوسف القرضاوي:

أول شيء: عليه أن يصطحب نية الجهاد، يعني أنا يجب عليَ أن أجاهد، ولكن الطريق مسدود، دول الطوق تمنع وصول أي متطوع أو حامل للسلاح أو من يريد أن يذهب إلى الكيان الصهيوني، فالذي أستطيعه أن أصطحب نية الجهاد، النبي –عليه الصلاة والسلام- يقول: "من مات ولم يغزُ ولم ينو الغزو مات ميتة الجاهلية" أو "مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق..

أحمد منصور:

يعني على الأقل الإنسان يتمنى؟

د. يوسف القرضاوي:

يشعِر.. يعني الأمر يدور في خاطره، يكون مما يشغله، أنا في نيتي الجهاد، عندما تتاح لي الإيه؟ الفرصة، هذه النية لها أثرها في الكيان الإنساني، فاصطحاب النية.. والحديث الصحيح يقول: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه" هذا هو الأمر الأول، اصطحاب نية الجهاد. الأمر الثاني: أن أعين إخواني هؤلاء بما أقدر عليه، بأن أدفع لهم من المال، أنا لا أسمي هذا تبرعاً هو نوع من الجهاد المفروض علي، فريضة..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

يعني هو فريضة؟

د. يوسف القرضاوي:

فريضة عليّ، مَن لم يستطع أن يدفع يحض الآخرين، القرآن يقول: {ولا يحض على طعام المسكين} يعني واحد ما يقدرش يطعم المسكين، إنما يقدر يحض على طعام المسكين، فأنا أحض الآخرين وأقول لهم: ادفعوا لإخوانكم، والقليل على القليل كثير، يجب.. هم يبذلون الدم فلا أقل من أن نبذل نحن المال. الأمر الثالث وهو الأمر الذي دعوت إليه مراراً وتكراراً وركزت عليه وكررته ولا زلت أكرر وأؤكد أمر المقاطعة، مقاطعة البضائع الإسرائيلية والبضائع الأمريكية..

أحمد منصور:

بيقولوا لو قاطعنا البضائع لن نستطيع أن نأكل أو نشرب أو نلبس أو نستخدم الكمبيوتر، أو الكاميرات، أو..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]:

لا.. والله نستطيع..

أحمد منصور [مستأنفاً]:

إحنا نعيش فظل التكنولوجيا الأمريكية، وبالتالي الدعوة للمقاطعة هي دعوة للعودة إلى عصر أهل الكهف كما يقولون.

د. يوسف القرضاوي:

يعني ما أقدرش أنا أعيش من غير البيبسي والكولا والبيتزا والمكادونال والجنز والسيارات الأمريكية والأجهزة الأمريكية، الثلاجات والكمبيوترات.

أحمد منصور:

هنشرب إيه يا مولانا؟ البيبسي هو اللي بنهضم به.

د. يوسف القرضاوي:

ما أنا كنت أقول للأخوة، أقول لهم: إنه إحنا الأمة في حاجة إلى تربية من جديد، يعني هذه القضية مش مجرد مقاطعة اقتصادية، هي عملية تربوية، إعادة تربية للأمة، أنا قلت للإخوة: كنا ونحن صغار نشرب، فيه أشياء كثيرة نشربها، فيه العرقسوس، وفيه شراب الخروب، وفيه الكركديه، وفيه التمر الهندي، وفيه السوبيا من ماء الشعير، وهذه أشياء كلها نافعة ومغذية ورخيصة الثمن، جاءت الكولا والبيبسي كولا، وهذه الأشياء..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

حضارة، الحضارة.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

قضت على هذه الأشياء.

أحمد منصور:

البيبسي يمثل الحضارة، والسوبيا تمثل العقلية القديمة.

د. يوسف القرضاوي:

وليس فيها منفعة، ولا تنفع، بل فيها مضرة وفيها إدمان، وعلموا أولادنا، وأصبحوا الأولاد مدمنين، ولكن أنا أقول لك الآن، الأولاد الصغار الآن أصبحوا يعلمون أباهم، والله كثير من الآباء قالوا لي: إن أولادنا يقولوا: يا بابا لا. هذا ده أمريكي هذا لا. واحد جاب زجاجة كولونيا من الروائح، وبعدين راح الأولاد وشافوها قالوا: بابا هذه أمريكية، مكتوب عليها مش عارف إيه، فهذا تربية للجيل الجديد، فعلى الفرد، وهذا كلام للأفراد لأن لا تستطيع حكومة أن تصدر قراراً بأن على الناس جميعاً أن يأكلوا كذا ويشربوا كذا أو يلبسوا كذا أو يركبوا كذا، فهذا من شؤون الأفراد، هذا أنا أدعو، وأنا أحمد الله إنه تجاوب العالم الإسلامي مع هذه الدعوة في كل بلد، وهم يصرخون الآن من هذه المقاطعة، فأنا أدعو، ولا زلت أؤكد على هذه.

الأمر الآخر، إذا لم نقدر على أي شيء من هذا ندعو لهؤلاء، يعني يكفي أن يكونوا حاضرين في وجداننا فندعو لهم، أدعو أئمة المساجد وخطباء المساجد في خطبهم أن يدعوا لهم على المنابر، وأن يدعوا لهم قنوت النوازل، فيه قنوت.. الفقهاء قالوا: قنوت.. عندما تنزل بالمسلمين نازلة وكارثة يدعو الأئمة في مساجدهم، ليربطوا الناس بـ..، ويصلوا على أرواح الشهداء هذا كله تعبئة للأمة، فهذا هو واجبنا كأفراد.

أحمد منصور:

يوسف ملوك من هولندا، أخ يوسف تفضل.

يوسف ملوك:

حياكم الله.

أحمد منصور:

حياك الله يا سيدي.

يوسف ملوك:

تمنيت لو كان عنوان هذه الحلقة من برنامجكم المحترم (ماذا تنتظر الشعوب الإسلامية من علمائها؟) أنا أؤمن أن التغيير لا يقع على كاهل حكام الأمة، بل هو يقع على كاهل علمائها.

أحمد منصور:

هكذا قال فضيلة الدكتور القرضاوي قبل قليل لو أنك تتابع.

يوسف ملوك:

أتابع يا أستاذ.

أحمد منصور:

أما سمعته قال أن المسؤولية الآن مسؤولية العلماء والمفكرين بالدرجة الأولى، وهم يتحملون المسؤولية؟

يوسف ملوك:

ولكن دعني أكمل سؤالي.

أحمد منصور:

تفضل.

يوسف ملوك:

الشق الثاني: ماذا يفعل هؤلاء العلماء في هذا التغيير؟ هذا هو الشق الثاني من السؤال، نعم نعلم أن التغيير يأتي على كاهل العلماء، والدكتور متفق معي، ولكن ما هو الدور الذي يقوم به علماء المسلمين في هذا الموضوع؟

أحمد منصور:

أشكرك، أحمد علي من ألمانيا.

أحمد علي:

السلام عليكم.

أحمد منصور:

وعليكم السلام ورحمة الله.

أحمد علي:

أحيي الأستاذ الأخ أحمد منصور وفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي.

أحمد منصور:

حياك الله.

د. يوسف القرضاوي:

حياك الله يا أخي.

أحمد علي:

سؤالي هو حول فلسطين، أنا أرى ضياع فلسطين هو تركنا للجهاد، ويمثل ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى تعودوا إلى دينكم"، كأنما ترك الدين هو ترك الجهاد.

وسؤالي لفضيلة شيخنا ألا يرى شيخنا أن العلماء الأحرار الذي أراد أن يجمعهم في الحلقة السابقة، أنهم مغيبون كأمثال الشيخ عمر عبد الرحمن، وأن مثلاً دائماً يصفون مثلاً الشيخ السني بأنه صلاح الدين الأيوبي، أنا..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

أخ أحمد، هل يمكن أن تحدد سؤالك، لأنه لم يعد لدي كثير من الوقت، وهناك مشاهدين آخرين، سؤالك.

أحمد علي:

سؤالي: أننا إذا لم نستطع أن نجاهد فعلينا بالإعداد، وعلى الشيخ يوسف القرضاوي –حفظه الله- أن يعمل شيء حتى كل المسلمين يعدوا العدة لليوم القادم، وهو اليوم الفاصل بيننا وبين اليهود، وبارك الله فيك.

أحمد منصور:

شكراً لك، شكراً لك.. الأمير مشعل آل سعود من السعودية، تفضل.

مشعل آل سعود:

السلام عليكم.

أحمد منصور:

وعليكم السلام ورحمة الله.

مشعل آل سعود:

مساء الخير.

أحمد منصور:

مساك الله بالخير.

مشعل آل سعود:

أنا بودي تستمعون لي شوي÷، بس إذا حبيتم.

أحمد منصور:

بإيجاز لو سمحت، تفضل.

مشعل آل سعود:

بإيجاز أكيد، بس أنا من مدة وأنا أحاول، وأنا أعرف إن مكالمتي هذه ممكن أن تضرني، ممكن تضرني أنا عارف جداً، ممكن تضرني مع الأسرة، أعرف جداً هذا جيدًا، لكن أنا أشكر قناة الجزيرة اللي أضاءت لنا إضاءة جيدة، لكن أنا باسألكم سؤال واحد جداً، وباسأل الشيخ القرضاوي –الله يطول في عمره- سؤال واحد.

الأموال هذه أموال الدول ليش ما توزع بالعدل بين الشعوب؟ ليش ما ياخذونها إلا الأمراء؟ ليش القصور للأمراء فقط؟ ليش إحنا نسكن في العشش وما العشش والأشياء هذه؟ ليش همهم السيارات والفنانات والأشياء هذه؟ بس همهم الخطابات وما الخطابات وإحنا بنسوي، ما يصير، ياجماعة الخير إحنا اللي خربنا على أنفسنا.. في بريطانيا أدان واحد استقال من منصبه لما خدشوا سمعته بعلاقة مع امرأة، استقال من منصبه، إحنا عندنا يلعبوا بالملايين ولا واحد منهم، وإحنا ندور على الريال، فيه ناس يبحثوا عن الريال في السعودية لعلمك، الريال ما يجدوه، يمسحوا سيارات في السعودية ما يحصلوه.. أسألك بالله يا فضيلة الشيخ إنك تقول أمانتك وإنك مسؤول أمام ربك يوم القيامة، إحنا في السعودية أقسم لك بالله إن ملايين البترول كلها لآل سعود، وإحنا ما ناخذ منها ولا شيء.

أحمد منصور [مقاطعاً]:

ليه؟ ألست واحداً منهم؟

مشعل آل سعود [مستأنفاً]:

..منها، يقولوا ما فيه قبول في الدراسة، حتى الوظائف ما فيه وظائف.

أحمد منصور:

ألست واحداً منهم، وأيضاً تتنعم في هذا؟

مشعل آل سعود:

أنا واحد منهم.

أحمد منصور:

طيب.

مشعل آل سعود:

أنا باتفق.. أنا واحد منهم، أنا واحد منهم، وأعرف إنهم بكرة هيدخلوني، لكن زوجتي ما هي منهم، أولادي ما منهم، أولادي ما منهم.

أحمد منصور [مقاطعاً]:

نسمع، شكراً لك، فضيلة الدكتور تعليقك.

مشعل آل سعود [مستأنفاً]:

لكن تتصور لما يطلع واحد صاحب قناة..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

واضح سؤالك، أشكرك كثير، شكراً، فضيلة الدكتور تعليقك على السؤال.

د. يوسف القرضاوي:

هو لا شك أن من الأشياء المهمة الحقيقة لتحقيق النصر إقامة العدل، العدالة بين الناس بعضهم ببعض، بحيث يشعر كل إنسان أنه قد وصل إليه حقه، وأنه لا يعيش على هامش الحياة، وأنه له النوى وغيره له التمر، لابد أن نقرب بين فئات الأمة بعضها وبعض، إنما إذا شعر بعض فئات الأمة أن الخير لهم، وأنهم لا ينالون شيئاً إلا النوى، هذا لا يمكن أن تجد أمة تحارب معك.. ودي قصة معروفة في التاريخ العربي، يعني عنترة بن شداد العبسي، هذا كان رجلاً أبوه بيعامله كالعبد لأنه كان لونه أسود، فما كان يعيره التفاتاً، فغار قوم على بني عبس فلم يشارك فيها، وسابهم، وكادوا يدخلون يسبون الحريم، وبعدين أبوه قال له: كر.

قال له: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلابة والصر.

قال له: كر وأنت حر.

فقال له: ما دام كده، ركب جواده وامتطى سيفه وأعمل رمحه ورد القوم، شعر بكيانه، فلذلك إذا أردت الأمة أن تشعر بكيانها وأن تقاوم معك عدوها، فلابد أن تقيم العدل وتعطي كل ذي حق حقه. فالقضية التي يذكرها الأخ الأمير مشعل هي قضية حقيقية، نحن نطالب بإقامة العدالة الاجتماعية في أوطاننا جميعاً، بأن يصل لكل ذي حق حقه، وأن يقول كل إنسان، الأخ بيقول: أنا ما أدري ما.. لماذا؟ يعني ياخد كل إنسان رأيه ويرد عليه، لماذا نخاف من أن نقول الكلمة؟ هذه مشكلة أيضاً مشكلة العدل ومشكلة الحرية معاً.

أحمد منصور:

الشيخ وجيه ياغي من غزة من فلسطين، وإبراهيم حنون من شيكاغو في الولايات المتحدة وآخرون كثيرون يطلبون منك –وقد بقي ثلاث دقائق فقط على انتهاء البرنامج- أن توجه رسالة إلى القادة المشاركين في القمة الإسلامية في ختام هذه الحلقة.

د. يوسف القرضاوي:

والله هي كل الحلقة كانت رسالة إلى..

أحمد منصور [مقاطعاً]:

رسالة مباشرة.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]:

ولكن أنا أطالب هؤلاء القادة: أول شيء أن يشعروا بأنهم مسؤولون أمام الله قبل كل شيء وأمام شعوبهم وأمام التاريخ عما يجب عليهم في هذه المرحلة الحاسمة، ما يجب عليهم نحو المسجد الأقصى، نحو القدس الشريف، ونحو أرض النبوات، أولى القبلتين، الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، هذا هو الأمر الأول، أن يشعروا بمسؤوليتهم.

الأمر الثاني: عليهم أن يتجاوبوا مع هذه الشعوب في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها، كل هذه الشعوب تريد منهم مواقف حاسمة ومواقف تاريخية، وأن يتحرروا من عقدة الخوف من أمريكا ومن غير أمريكا، وألا يخشوا إلا الله: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}.

الأمر الثالث: أن ينصروا الله لينصرهم الله، الله تعالى قرر هذا القانون: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} وبماذا يكون نصر الله؟ {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}.

أحمد منصور:

شكراً فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن متابعتكم.

في الختام أنقل لكم تحيات فريق البرنامج، وهذا أحمد منصور يحييكم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.