مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ محمد علي الجوزو: مفتي جبل لبنان

تاريخ الحلقة:

21/11/1999

- مصطلح العلمانية بين الغرب والإسلام
- الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في الدول العربية

- المساواة بين العلمانية والإلحاد

- دور بعض العلماء المسلمين في إنجاز المشروع العلماني

- العلمانيون العرب والعودة إلى مدرسة الاستشراق الغربية

- الخلاف الفلسفي بين الإسلاميين والعلمانيين

محمد علي الجوزو
ماهر عبدالله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، سلام من الله عليكم، وأهلاً بكم في هذه الحلقة الجديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

في الآونة الأخيرة كَثُر الحديث عن العلمانية كضرورة لازمة لإنجاح أي مشروع ديمقراطي، وبالتالي أي مشروع نهضوي في العالم العربي، وتحت هذا المسمى تعرَّض الإسلام والمسلمين..تعرض الإسلام والمسلمون لهجمات شديدة، وبعض الأحيان عاتية، وبعض الأحيان خبيثة.

مسمى العلمانية دخل إلى سوق الثقافة العربي متأخرًا، فالعلمانية لها تاريخ في أوروبا ارتبط إلى حدٍّ كبير بالمسيحية وبتاريخ المسيحية في علاقتها مع

السياسة، العلمانية هل هي هجوم على الدين؟ أم هجوم على الإسلاميين كما يزعم دعاتها؟ هذا هو موضوع حلقتنا لهذا اليوم.

ويسعدني أن أستضيف معي في هذه الحلقة فضيلة الدكتور الشيخ محمد علي الجوزو (مفتي جبل لبنان والحاصل على شهادة الدكتوراه في "العقل والقلب في الإسلام" من جامعة السوربون في باريس)، سماحة الشيخ أهلاً وسهلاً بك في برنامج (الشريعة والحياة).

د. محمد علي الجوزو:أهلاً وسهلاً بكم.

مصطلح العلمانية بين الغرب والإسلام

ماهر عبد الله: يعني أنت درست موضوع العقل والعقلانية وهو المشجب الأكبر لدعاة العلمانية في العالم العربي في عاصمة التنوير كما تسمى، وكما تحب أن تسمي، المصطلح هل هو فعلاً محايد كما يزعم البعض، أم أن له تاريخ متصل في صميم التاريخ المسيحي في أوروبا الغربية؟

الشيخ محمد علي الجوزو: مصطلح العلمانية بالذات مصطلح أطلق على فترة من الفترات كانت أوروبا فيها تعيش أزمة سياسية وعقلية بالمعنى الصحيح، ذلك أن الكنيسة كانت تصادر آراء العلماء وتحكم على العلماء المتقدمين والمتطورين حكمًا قاسيًا جدًّا، مما دفع رجال السياسة للتمرد على الكنيسة، وعزل الكنيسة عن الحياة السياسية، هذا المصطلح يصح في مثل هذه الحالة، لأن الكنيسة كانت سببًا من أسباب تأخر التقدم العلمي في أوروبا.

أما بالنسبة إلينا نحن المسلمين فالأمر مختلف بشكل كبير، أيضًا نحن هنا لسنا من الذين يقفون في وجه التقدم العلمي، يعني لا يوجد كهنوت في الإسلام، لم يشارك رجال الدين مشاركة فعالة في الحكم لفترة طويلة من الزمن، لم نعرف أن العلماء يشاركون في الحكم، الحكم..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: لو سمحت لي بالمقاطعة، يعني لكن المرجعية كانت دينية في الدولة الإسلامية؟

د. محمد علي الجوزو: المرجعية كانت دينية في الماضي، أما في العصر الحاضر لم يشارك –أبدًا- العلماء في الحكم، منذ أن دخل الاستعمار إلى بلادنا، وتحولت بلادنا إلى أنظمة تقريبًا تماشي السياسة الاستعمارية، أو تجاري السياسة الاستعمارية إلى حدٍّ بعيد، وطبقت فيها القوانين التي جاء بها الاستعمار، أصبحت هذه الأنظمة علمانية تقريبًا، لأنها لا تطبق الشريعة الإسلامية، وتحاول دائمًا أن تعتبر الدين عملاً فرديًّا خاصًّا بالإنسان، هي تترك الحرية لها بالنسبة للصلوات، بالنسبة للعبادة، بالنسبة للكتابة، بالنسبة للرأي، وأيضًا بالنسبة للمواريث، وبالنسبة للأحوال الشخصية، أما فيما عدا ذلك فالذي يطبق في كثير من الدول العربية هو القوانين التي جاء بها الاستعمار معه عندما دخل بلادنا.

يعني منذ أول هذا القرن-تقريبًا-ونحن نعاني من هذا، فلم تتدخل أي جهة دينية في شأن من الشؤون التي تدخلت فيها الكنيسة في الغرب، حتى إنها يعني وقفت موقفًا يعادي العلم، فكانت النتيجة هذا التصرف الذي قام به رجال السياسة.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: فضيلة الشيخ، كنا سألناك عن البعد الديني لمفهوم العلمانية في أوروبا العربية، وذكرت أن الإسلام لم يكن فيه كهنوت، وأن القوانين المطبقة في الدول العلمانية العربية-إذا جاز التعبير-هي قوانين الاستعمار.

د. محمد علي الجوزو: طبعًا، أودُّ قبل أن ننطلق في هذا الحديث الطويل أن أحيِّي فضيلة الشيخ الكبير العلاَّمة الفذِّ الذي أثرى المكتبة العربية بمئات الكتب، والذي أضاف إضافات جديدة كثيرة إلى العلوم الإسلامية مما جعله فردًا في تاريخنا اليوم، لا يجارى ولا يبارى، والذي أجلس مكانه الآن، وهذا المكان الكبير جدًّا، والذي نحترمه بشكل لا يمكن أن نتصوره، لأن العالم الإسلامي ينظر إلى هذا الرجل نظرة إكبار وهو الدكتور يوسف القرضاوي -بارك الله فيه- ودائمًا نحييه ونقول له إن الحجارة التي يُرمَى بها هي حجارة صغيرة جدًّا لا يأبه لها، ونحن نعرف مصادرها، ونعرف مَنْ وراءها، وهي لا أهمية لهذا الكلام الذي يُطلَق من هنا وهناك، ونرجو الله أن يوفق هذا الرجل وأن يُطيل في عمره، لخدمة الإسلام والمسلمين.

ماهر عبد الله: إن شاء الله هو أكبر من هذه الحجارة، وأكبر من راميها بإذن الله، طيب لو عُدْنا إلى موضوعنا.. البعد الديني للعلمانية في الثقافة الغربية، يعني المصطلح نفسه ألم يكن إشارة إلى تمييز عامة الناس عن رجال الكهنوت؟

د. محمد علي الجوزو: لا شك أنه عزلٌ لرجال الكهنوت عن شؤون الدنيا وشؤون السياسة، وحصر الدور الذي يقوم به رجال الكهنوت في الكنيسة، وقد تعطل هذا الدور أيضًا، يعني أنا كنت في فرنسا وكثير من الكنائس الموجودة في فرنسا لا تقام فيها الصلاة على الإطلاق، أصبحت من الآثار التي يتفرج عليها الناس، أو تقام فيها حفلات في بعض الأحيان لتشجيع الناس على المجيء إلى هذه الكنائس، وقلة هم الذين يتمسكون بعد بالتدين في فرنسا.

لذلك نستطيع أن نقول إن العَلْمَنة أيضًا أثرت تأثيرًا كبيراً في نفوس الشباب، التوجه نحو اليسار، التوجه نحو الإلحاد، هذا سببه العلمنة، يعني تسأل أي شاب..أي شاب من الشباب الفرنسي لماذا هو يساري؟ يقول: هي موضة، يعني أصبحت موضة أن يكون الإنسان يساريًّا، أو ملحدًا في أوروبا، خاصة هناك تمرد بشكل كبير على قضايا الأخلاق، يعني نحن نجد أن الحياة باسم الحرية الشخصية تمارس كل السيئات، والبعد عن الدين أيضًا أطلق الحريات للشباب.. للشابات..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: ذكرت البعد عن الدين-سماحتك –كمراقب أنا للعلمانية في بلادها الأصلية..في منشأها يعني هناك خطان واضحان، الخط الفرنسي الذي تتحدث عنه، خط عاصمة الأنوار التي عادت الدين واقترنت بالإلحاد، هناك خط آخر أقل عدائية للدين وهو الخط ما يسمى(بالأنجلوسكسون) يعني المنهج الإنجليزي، فلاسفة الإنجليز، ومفكريهم في تعاملهم مع الدين كانوا أكثر ليونة وأقل تشددًا، هل ما زال هناك تمايز بين الفرانكوفونية في مقترباتها من الدين والأنجلو سكسونية؟

د. محمد علي الجوزو: أنا أعتقد أن هذا السلوك الذي تتحدث عنه شكلي، يعني أيضاً للدين دور في حياة الإنجليز وفي حياة الأميركان من الناحية السياسية على الأقل، وأيضًا فرنسا، فرنسا مارست دورًا دينيًّا كبيرًا في لبنان وحاولت أن تربط المسيحيين في لبنان بفرنسا في الناحية الدينية.

كنت أزور تشاد مرة من المرات، والتقيت برئيس الجمهورية أيامها، وقال لي إن التبشير الفرنسي في بلادنا هو من أجل تسهيل قضية الاستعمار، لتيسير الدخول إلى هذه البلاد (ثومبزاي) كان (ثومبزاي) الذي (في الحكم)، هذا الرجل قال لي"الاستعمار الفرنسي استخدم الدين من أجل أن يسهل الاستعمار في بلادنا".

إذن فهناك استخدام للدين إنشاء إسرائيل في قلب البلاد العربية نشأ عن وعد ديني أو توجه ديني من البروتستانت في بريطانيا عندما وعد بلفور اليهود بوطن قومي لهم في قلب البلاد العربية، وفعلاً قامت بريطانيا بهذا الدور، يعني هذا دور ديني، وقامت إسرائيل على أسس دينية، ولكنها أيضاً علمنة.

ماهر عبد الله: والكثير من الأحزاب في أوروبا وخاصة أوروبا الجنوبية مُصرَّة على إدخال الاسم المسيحي في الوسط الديمقراطي المسيحي، الاشتراكي المسيحي.

د. محمد علي الجوزو: لكن ألمانيا-مثلاً-وهي الدولة العلمانية هناك حزب مسيحي فيها علنًا، يعني هذه القضية معروفة، لا أريد أن أُبعِد الدين نهائيًّا عن حياة الناس، ولكنه شكلي، ولم يعد يؤثر تأثيرًا كبيرًا في حياة الناس، أصبح الناس ينظرون إلى الدين نظرة شكلية لا أكثر، وهناك تعصب مسيحي، وهذا التعصب تاريخي.

يعني هناك أحكام مسبقة بالنسبة للإسلام، نشأت عن الحروب التي قامت بين الغرب وبين المسلمين في بلادنا، يعني هناك أحكام في غاية القسوة على المسلمين، لأن الحروب هذه زرعت أحقادًا في نفوس الناس هناك، فجعلتهم يحكمون على المسلمين حكمًا لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة، ولذلك أنت عندما تتعامل مع هؤلاء الناس كثيرًا ما تشعر بهذا العداء الذي يُكِنُّونه لأي مسلم أيًّا كان..

الصراع بين العلمانيين والإسلاميين في الدول العربية

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: طيب، سمحت لي بالمقاطعة، لو سألتك في موضوع العلمانية مرة أخرى، المقولة الدارجة على ألسنة العلمانيين العرب أن "التجربة الدينية" مهما كانت مُسَمَّى الدين يعني أن تسمِّيه إسلام، أن تسمِّيه بوذية، يصبح موضوعًا ثانويًا، لكن هي تجربة دينية تتشابه في تفاصيلها مهما كان الدين الذي نتحدث عنه، لأن أوروبا لم تستطيع أن تنهض إلا بعد أن تخلصت من الدين في الحياة العامة، كما تفضلت لا نقول تخلصت من الدين تمامًا، لكن أخرجته من الفضاء العام ومن الفضاء السياسي، وبالقياس إذًا لا يمكن للأمة العربية المسلمة أن تنهض إلا إذاً أخرجت الدين من الحياة العامة والحياة السياسية.

د. محمد علي الجوزو: هذا ادِّعاء بعيد كل البعد عن الصحة، الإسلام لم يقف أبدًا في وجه التقدم العلمي، وقد رأينا أن التجربة العلمانية في البلاد العربية لمدة مائة سنة تقريبًا، لا أستطيع أن أقول إن لبنان مثلاً دولة دينية.. دولة ليس لها دين إذا -صح التعبير- لأنها متعددة، هي دولة علمانية، والحكم الفرنسي الذي أنشأ هذه الدولة هو أيضًا حكم علماني، فإذن هي دولة علمانية، كثير من الدول العربية-ولا أريد أن أذكر أسماء ولا أُحدد هذه الدول العربية بالاسم-أيضًا توجهها توجه نشأ على أساس هذه الأنظمة التي أنشأها الاستعمار في فترة سابقة وورثناها عن هذا الاستعمار، ولم يعد باستطاعتنا التغيير بشكل كبير الآن.

من هنا التجربة أثبتت فشلها، يعني ابتعد الدين عن الساحة العملية، أُبعد بشكل قسري، ولم يعد له هذا التأثير الكبير، صحيح أن الشعوب الإسلامية شعوب مؤمنة متمسكة بدينها، ولا يستطيع أحد أن يخرجها من هذا الدين بأي شكل من الأشكال، هناك مثلاً هذه الطفرة الموجودة سواء كان في لبنان أو في مصر.

مصر شعب متدين متمسك بدينه فيه الأزهر أعظم جامعة إسلامية في العالم، هذه الجامعة لها تاريخ طويل في الجهاد وقفت في وجه الغزوات الاستعمارية المتتابعة، وكان لها دور لا يمكن أبدًا أن ينكره إنسان، ماذا فعل العلمانيون؟لم يفعلوا شيئًا، المتدينون هم الذين قاوموا الاستعمار، والإسلام هو الذي قاوم الاستعمار.

يعني (نابليون) عندما دخل إلى مصر، لماذا دخل إلى الأزهر بخيله وخيلائه؟ لأن الأزهر هو الذي قاوم، وهو الذي وقف في وجه جبروت نابليون، في كل فترة من فترات الحكم التي وقف فيها بعض الرجال الذين يتسم حكمهم بالديكتاتورية وقف الأزهر.

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: يعني كونك..

محمد علي الجوزو: إذن من هنا أقول الإسلام قوي، وهو ثابت في البلاد العربية، ولكنه لم يقف أمام أي حاكم، أو أمام أي عالم ليمنعه من أن.. بالعكس الذي يمنع الدول العربية من التقدم هو الاستعمار، وهي القوى الاستعمارية، لا تريد لهذه الدول أن تتقدم، ولا تريد لها أن.. يعني هذا التفاوت في المعاملة بين معاملة إسرائيل ومعاملة العرب، يُسمح لإسرائيل بأن تستورد أحدث الأسلحة، وأن تصنع الأسلحة ويعاونونها في هذا ويمدونها بالمال، وبكل أنواع القوة، ويمنع هذا عن العرب، رغم أن العرب يصادقون هذه الدول ولا يعادونها، فهي تمنع عنهم الأسلحة المتطورة، وتمنع عنهم هذا المد الذي..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: اسمح لي..

د. محمد علي الجوزو: إذن هناك نوع من الفيتو على الدول العربية حتى لا تتقدم هذه الدول العربية في مجال التكنولوجيا وفي مجال الصناعة.

ماهر عبد الله: اسمح لي بالعودة إلى قضية..اسمح لي أن اسميه..ما بدا من تناقض في بعض ما ذكرت، ذكرت أن لبنان تحديدًا دولة لا دين لها، وذكرت أنه الأنظمة العربية عمومًا هي دولة علمانية، لكن بين الفينة والأخرى تظهر علينا بعض القضايا تبين أن حتى في لبنان هذا الذي يبدو أنه دولة لا دين لها، ولعل أنتم شخصيًّا شاركتم في الحملة على مارسيل خليفة في الأخير لجأتم إلى القانون اللبناني لحماية قضية دينية.

د. محمد علي الجوزو:لم نحتكم إلى القانون، دار الفتوى لم ترفع قضية على مارسيل خليفة هذا حتى نوضح الأمر، مارسيل خليفة قضية صغيرة ضخموها.. ضخَّمها العلمانيون، أرادوا أن، والشيوعيون بالذات، أراد الشيوعيون أن يظهروا مرة واحدة بعد أن ناموا نومة أهل الكهف بسبب سقوط الشيوعية.

جاءت قضية مارسيل خليفة وهو طبعاً يساري معروف، فقامت الصيحة في لبنان.. الصحف والتليفزيون، وكل الناس بدءوا يهاجمون الإسلام، ولم تعد القضية قضية آية في أغنية، يعني إحدى الصحف وهي معي الآن هددت بحرب تقريبًا، وقالت إنها سنعلنها حربًا من لبنان، تبدأ في مقاومة هذا.. هذه المواجهة بين التي تواجه بها رجال الدين الحرية الشخصية وحرية التعبير، مع أن هذا غير صحيح.

نحن لم نصادر حرية أحد، بل قلنا لهذا الرجل بكل بساطة لو سمحت احذف هذه الآية، لأن الإسلام يحرم تلحين القرآن، لكن الاستغلاليين والانتهازيين استفادوا من هذه القضية وحولوها إلى قضية كبرى وبدءوا يهاجمون الإسلام وينتقدونه وجمعوا بين صادق جلال العظم الشيوعي وبين أبو زيد الذي جاءوا به إلى لبنان وحاولوا تلميعه إلى حد كبير، وأيضًا جاءوا بقضية مارسيل خليفة، ثم أخيرًا استنجدوا بمحمود درويش وبغيره وللأسف استجاب هؤلاء جميعًا للدعوات.

ماهر عبد الله: لأنهم يقعون يعني أو يعانون من نفس.. من نفس الهجمة، أنت تقول هناك هجمة علمانية على الإسلام وأنا أقول لك أن هناك أيضاً هجمة من الإسلاميين على بعض رموز الفكر العربي، أنت ذكرت أبو زيد، أبو زيد كُفِّر رسميًّا في محكمة.

د. محمد علي الجوزو: نحن كفرناه؟!!

ماهر عبد الله: في محكمة مصرية.

د. محمد علي الجوزو:مصرية..محكمة وطنية، يعني ليس فيها علماء، الذي حكم عليه هم القضاة الوطنيون والذين لا نستطيع أن نتهمهم لا بالأصولية أو بالإرهاب، يعني هذه التهمة قد تنطبق على بعض الحركات الإسلامية، كما يحلو لبعض الناس الذين يسيرون في ركاب الدعاية الأميركية والدعاية الصهيونية فيرددون أن الإسلام هو الإرهاب، وأن الإرهاب هو الإسلام.

هذه قضية-طبعًا-لا تستطيع أبدًا أن تقول إن القضاة ينتمون إلى حركة الإسلام، القضاء هو الذي حكم على أبي زيد هذا، وحكم عليه في البداية والاستئناف والنقض، إذن نحن لم نحاول أن نكفِّر أبا زيد، حكموا عليه بالردّة لأن كتبه..أنا قرأت كتابه هذا نقد الخطاب الديني ووجدت أن هذا الرجل يحمل حملة شعواء على التراث الإسلامي وعلى كل ما أنتجته العقول في تاريخنا الطويل، ولم يستثنِ أحدًا من الناس، لم يعجبه شيء في الإسلام على الإطلاق.

هو يريد.. يقول أنه يريد أن يُجدد بآليات جديدة بالنسبة للنص ونقد النص، ولكنه لم يقل كلمة واحدة فيها عدل، فيها إنصاف لهذا التاريخ الطويل، لهذا التراث الكبير العظيم الذي نفخر به، يعني إذا تخلينا عن هذا التراث وعن هذا التاريخ وعن هذا الدين، ماذا يبقى لنا؟ ماذا يبقى لهذه الأمة؟

ماهر عبد الله:وما البأس يعني في أن نتعرض للتراث برؤية نقدية فاحصة لا تسلم بكل ما فيه؟

د. محمد علي الجوزو: بشرط: ألا يكون في ذلك محاولة للعب بالقضايا الثابتة، يعني هناك مراوغة باسم النقد نحاول أن ندخل على الوحي، وأن نبدل وأن نغير في المصطلحات، ونستخدم مصطلحات جديدة بحيث نجرد هذا الوحي من قدسيته، القرآن كلام الله، وهذا أمرٌ معروف نتعبد به تلاوًة، يأتي أبو زيد هذا ويقول إن القرآن نص بشري، هو يخدعك في أن يقول بأنه نص، هو يعترف بأنه وحي ولكنه انتهى، عندما وصل إلى الرسول أصبح نصًّا بشريًّا..

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: فضيلة الشيخ، كنت تتحدث أنها محاولة، أن العلمانية محاولة للعب بما أسميته بالقضايا الثابتة يعني أولاً: بالنسبة للدلائل على هذا التلاعب، اثنين: مَنْ الذي يقرر أن هذه القضايا ثابتة؟ أولاً لنبدأ بالأولى مَنْ الذي يقرر أن هذه؟

د. محمد علي الجوزو: العقيدة بالنسبة لنا، بالنسبة لقضية الوحي، بالنسبة للكتاب، بالنسبة للسنة، هذه الأمور ثابتة لا يمكن اللعب فيها بأي شكل من الأشكال، أن يحاول أي علماني أن يلعب في هذا الأمر، هذا أمر خطير جدًّا!! الكلام الذي سأقرأه الآن يؤكد أن هناك خطة رهيبة جدًّا ليست من شخص واحد، عدة أشخاص تثبت أن العلمانيين يريدون أن يطعنوا في قدسية القرآن، ويحاولون إزالة هذه القدسية، وهم يعترفون بألسنتهم أن أهم شيء أن تزيل هذه القدسية عن القرآن، فإذا..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: مثل مَنْ يعني ؟

د. محمد علي الجوزو: سأقرأ كلام لأبي زيد" إن القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهية بوهب بعض البشر طاقات خاصة تمكنهم من الفهم"هذا كلامه، يعني لا يريد أن يعترف بأن هذا كلام الله-عز وجل-وأن لا يفهم النصوص تعتبر مشكلة، لا يمكن أن نفهم الكلام إذا كان الكلام إلهي.

يأتي هنا "تتحدث كثير من آيات القرآن عن الله بوصفه مَلِكًا له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح، وفي كثير من المرويات التي تنسب إلى النص الديني الثاني-الحديث النبوي-تفاصيل دقيقة عن القلم واللوح والكرسي والعرش، وكلها تساهم إذا فهمت فهمًا حرفيًّا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس" وهو ما يطلق عليه في الخطاب الديني اسم عالم الملكوت والجبروت.

المساواة بين العلمانية والإلحاد

ماهر عبد الله: أفهم من كلامك هذا أنك تساوي بين العلمانية والإلحاد؟

د. محمد علي الجوزو: الإلحاد لا شك، عندما نقول إن هذه أساطير هذا ما قاله الجاهلون، هذا ما حاولوا أن يقوله من رفضوا الإيمان بالإسلام من قبل، أيضًا هنا لديّ هنا بعض الكتب التي هي لعلمانيين أيضًا، أحد العلمانيين في كتابه"التقديس حجاب " لا أريد أن أضع (أركون) في خانة الماديين والواقعيين والعلمانيين الذين يشككون بمصداقية الخطاب النبوي، أو ينقدون ظاهرة الوحي الإلهي أمثال صادق جلال العظم و نصر حامد أبو زيد لا ريب أن أركون هو دُهري دنيوي في مفهومه للوحي، وفي منهج تحليله للخطاب النبوي، ولا حاجة أن يتكرر القول في هذا الخصوص، ومع ذلك فإن أركون يختلف تمام الاختلاف عن مواقف الذين يتعاملون مع النص القرآني بطريقة تبسيطية أحادية تقوم على نفيه واستبعاده..فإن هؤلاء يرشقون القلعة القرآنية الحصينة بحجارة ترتد عليهم، أما أركون فإنه يحاول متسلحًا بمنهجيته ذات القدرة الهائلة على الحفر و السبر أن يلج إلى القلعة لكي يقوم بتلغيمها، أو تفكيكها من الداخل".

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: فضيلة الشيخ، أنت تساوي بين العلمانية والإلحاد، البعض يفهم العلمانية غير الإلحاد، عندي فاكس من أخ أو أخت لم يذكر اسمه يعني يقول"إن المؤمن علماني بالطبع، ولا يكتمل إيمانه إلا بالعلم".

د. محمد علي الجوزو: الكلمة ليست عِلمانية، ليست نسبة إلى العِلم، هي عَلَمانية، (..) يعني، هي إبعاد الكنيسة عن القيام بأي دور بالنسبة لقضايا السياسة، وقضايا الحياة الدنيوية يعني استبعادها نهائياً ، لذلك الإسلام بدأ بالعلم (اقرأ) كلمة اقرأ في حد ذاتها هي حث على العلم والتعلم والنظر والمعرفة، يعني قراءة معرفية (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) وطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، هذا معروف لدينا.

ولقد كرم المولى -عز وجل- العلم تكريمًا كبيرًا (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) وفي التأملات في الكون وفي الحركة التي نتأملها في تحرك الكون، أيضًا هناك علم ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) دائما هناك حض على النظر في ملكوت السموات والأرض والتعلم (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ) هذا أمر معروف في الإسلام.

ماهر عبد الله: اسمح لي.. اسمح لي هنا أن نعطي فرصة للأخوة المشاهدين بالمشاركة معنا، معنا الأخ باسل علوبي من برلين، أخ باسل تفضل.

باسل علوبي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

باسل علوبي: أحييك أخي الكريم وأحيي ضيفكم الكريم.

ماهر عبدالله: حياك الله.

باسل علوبي: سؤالي هو يتعلق صراحة ببعض المسلمين، أو علماء المسلمين الذين من طرفهم يرسخون مبدأ العلمانية، وهم في نفس الوقت يحاربون العِلمانية أو العَلمانية -كما ذكرتم فضيلتكم- العلمانية في تعريفها يعني فصل الدين عن الدولة، بعض المسلمين يحاربون العلمانية أوالعلمانيين، لكنهم في نفس الوقت يفصلون الدين عن الدولة في تطبيقاتهم، ذلك نراه، لا أريد أن أسمي أي بلاد، أو أي اتجاهات ثانية.

ماهر عبد الله: مفهوم، مفهوم، تفضل.

باسل علوبي:نعم، يعني في بعض البلاد تجد تصريحات لبعض كبار المشايخ المحترمين يقولون للناس أنْ "لا دخل للدين في السياسة، أو لا تتكلموا في السياسة، أو لا تقوموا بعمل ما له صبغة نقد معين لإجراء معين في حكومة، أو كذا.

ماهر عبد الله: مشكور.. مشكور يا أخ باسل، سؤال مهم، ولكن قبل أن أعطي الشيخ فرصة للإجابة عليه، معنا مكالمة أخرى من الأخ أبو منتصر البلوشي من ألمانيا، أخ أبو المنتصر، تفضل.

أبو منتصر البلوشي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

أبو منتصر البلوشي: أنا لست من ألمانيا، من لندن.

ماهر عبد الله: عفوًا يا سيدي تفضل.

أبو منتصر البلوشي: أي نعم، جماعة ألمانيا خطرين، لأنني ما أريد أن أنسب إليهم أحباش وما أحباش ، على كل حال جزى الله فضيلة الشيخ كل الخير وهو صديقنا وحبيبنا، هو ألمح أن العلمانية ترجمة خاطئة من معنى(.. )أو( scholarism) وهذا تم بيد نصارى لبنان، ولكن العلمانية فكرة أجنبية دخيلة وفدت إلينا مع الاستعمار الغربي بأذياله ومؤسساته الظاهرة والخفية، ولا يشك في ذلك أعداؤها، ولا يمارى فيها دعاتها، كما ألمح بذلك من قبل علماء الإسلام مثل محمد قطب، الشيخ سفر الحواري الذين لهم تأليفات في هذا الموضوع.

إذن معنى ذلك بداهة أنها ليست من الإسلام، ولا هي حتى من إنتاج المنتسبين للإسلام، فعلى سبيل المثال علم الكلام من المنتسبين للإسلام، من علماء الإسلام، أما العلمانية لا، ولذا وجب -وقبل كل شيء- أن ننظر إليها نظرتنا إلى أي بضاعة مستوردة من جهة حاجتنا إليه أو عدمها، فإننا مثلاً المفروض فينا باعتبارنا عقلاء أن نميز ونختار.

وبتطبيق هذه القاعدة البديهية على العلمانية اللادينية -كما أشار فضيلة الشيخ- وهي كلمة حق، نشهد أنها بضاعة نحن في غنى تام عنها، أي من الغباء أن، نستجلبها حتى وإن كانت نافعة ومُجْدية بالنسبة للمجتمعات والظروف التي أنتجتها، لماذا؟ لأنها تخالف طبيعة مجتمعاتنا، فكيف وما دخلت مجالاً من مجالات الحياة إلا وثمرتها الشقاء المطبق والضياع المرير، وواقع دولنا تدل على ذلك، إذًا العلمانية لا تستدعي -في حقيقة الأمر- كبيرَ جهدٍ لبيان تناقضها مع دين الله تعالى وهو الإسلام فقط.

ماهر عبد الله: طيب، يا أخ أبو المنتصر شكرًا لك يا أخ أبو المنتصر على هذه المداخلة، بس يعني حتى نغير الانطباع عن الأخوة في ألمانيا، السؤال الأول كان من ألمانيا، وكان -والحمد لله- يعني سؤالاً مفيدًا، معي مكالمة أخرى -لو سمحت لي فضيلة الشيخ- من الأخ خالد يوسف من الإمارات، الأخ خالد، تفضل.

خالد يوسف: ألو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

خالد يوسف: كيف حالك يا أخ ماهر؟

ماهر عبد الله: الله يبارك فيك، تفضل.

خالد يوسف: كيف حالك فضيلة الشيخ؟

د. محمد علي الجوزو: الحمد لله.

ماهر عبد الله: تفضل بالسؤال.

خالد يوسف: بارك الله فيك، بالنسبة للعلمانية فهناك محاربة للإسلام من طرف العلمانية فهم يقولون إن تعدد الزوجات ظُلم، أو هضم لحقوق المرأة يقولون يعني لازم -حتى بعض دعاة حقوق المرأة- يقولون إن تعدد الزوجات يجب أن المرأة الأولى تكون مريضة أو لا تنجب، والإسلام لا يقول هكذا، أن الرجل عليه أن يعدد لو كانت الأولى سليمة، وتنجب مادام لديه المقدرة المالية والجسدية والعدل، وكثرة الإناث الآن على الذكور، وكثرة المطلقات والأرامل، لا بد من تعدد الزوجات.

وأيضًا هناك لي مداخلة قبل أسبوع تقريبًا كان على (الاتجاه المعاكس) بعض الناس.. أعتقد العلمانيين اتهموا سماحة إمام أهل السنة والجماعات الشيخ عبد العزيز بن باز بالتطرف والشيخ الألباني واتهموا الوهابية بالتطرف، نحن نقول لا شيء بأن هناك وهابية، إنما سلفية، سلفية عقيدة ومنهج، إن الدعوة السلفية المباركة هي التي تحارب الشرك والبدعة التي أماتت السنة، نحن نعرف أن النصارى كفارًا ومشركين واليهود، ولكن هناك نريد أن نعرف خطر الشيعة أيضًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دور بعض العلماء المسلمين في إنجاز المشروع العلماني

ماهر عبد الله: يعني يا أخ خالد، مشكور على سؤالك الأول، يا ريت لو ما دخلتنا في موضوعك في السؤال الثاني، طيب فضيلة الشيخ المداخلة الأولى كانت عن أن بعض العلماء -علماء الإسلام ورموز الإسلام- يسهمون في إنجاح المشروع العلماني -كما فهمت من سؤال الأخ- عندما يصرُّون، وفعلاً يعني أنا أسمع بعض المشايخ يقولون إنه لا تدخلوا الدين في السياسة ولا تدخلوا السياسة في الدين.

د. محمد علي الجوزو: هذا الأمر -طبعًا- يتنافى مع الحقيقة المعروفة لنا جميعًا وهي إن الإسلام سياسة وشريعة، وسياسة ودولة لا نستطيع أن نقول إن هناك فرقًا بين السياسة وبين الدين في الإسلام بالذات، الإسلام بنى دولة استطاعت أن تصل إلى أقصى بلاد الصين -ويعني إلى حدود الصين- وإلى قلب أوروبا وحكم لفترة طويلة من الزمن.. هذه دولة، إذن كان يمارس السياسة، والعلمانيون الذين يقولون إنه لم يكن هناك شكل دولة.

ماهر عبد الله: لأ، هو وضع السؤال المثار أن هناك بعض علماء الإسلام..

د. محمد علي الجوزو[مقاطعًا]:علماء الإسلام هؤلاء يعيشون في بعض البلاد التي يوجد فيها صدام مع بعض الحركات الإسلامية، لذلك يحاولون أن يرضوا هذه السلطات بمحاولة القول بأنه لا لزوم للخلط بين الدين والسياسة، لأنهم ينظرون إلى هذا التحرك على أنه تحرك سياسي، وليس تحركًا دينيًّا، هذا ما أظنه، وهذا طبعاً نحن لا نوافق عليه، أنا لا أوافق على التقرب للسلطات بأي شكل من الأشكال بحيث نضلل الناس، أو نقول كلامًا لا ينطبق مع الواقع، أو لا يتفق مع الواقع.

ماهر عبد الله: أنا أعتقد أن كلام الأخ أبي المنتصر كان تعليق..

د. محمد علي الجوزو[مقاطعًا]: كان تعليق..نعم، وليس لنا اختلاف، بارك الله فيه، وجزاه الله كل خير.

ماهر عبد الله: طيب، الأخ خالد كان ذكر في بعض التفصيلات وكان.. أولاً يعني ومش عايز أدخل في النصف الثاني من سؤاله مع اتفاقي معه في أنه العّلامة بن بازر على كلٍّ نقول (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) هو أفضى إلى ما قدم، ونرجو من الله أن يثيبه.

د. محمد علي الجوزو: نعم، رحمه الله.

ماهر عبد الله: لكن الجزئية الأولى من كلامه كان يعني بعض الأمثلة التي يذكرها العلمانيون أن التعدد ظلم للزوجات، وهذا يعني يؤيد طرحك عندما تحدثت أنها ليست هجمة على الإسلاميين بقدر ما هي هجمة على الإسلام.

د. محمد علي الجوزو: هجمة على الإسلام، أيام وجودي في فرنسا، وكنت أتلقى دروسًا باللغة الفرنسية في قاعات المعاهد هناك، قالت لي مدرسة أنت مسلم ولذا.. ، لماذا تعددون الزوجات؟ طبعًا تعدد الزوجات ليس أمرًا شائعًا بشكل كبير هو في نطاق ضيق جدًّا حاليًا، لكن أجبت مباشرة، هل تعدد الزوجات أفضل بالنسبة للمرأة، أم تعدد العشيقات؟ قالت:كيف؟ قلت لها:نحن هنا في فرنسا يوجد مع الزوجة عشيقة، أو اثنان، إذن هل تضمنين أن يكون لزوجك عشيقة؟ قالت:لا، الرجال خونة، قلت لها: لا تتم الخيانة إلا بين طرفين رجل

وامرأة، إذن الخيانة أفضل، أم العفة أفضل ؟

الحرص على كرامة المرأة أن تكون زوجة، ولها حقوق، وعليها واجبات أفضل؟ أم أن تكون عشيقة، وليس لها أي حقوق؟ فاعترفت بأن هذا صحيح.

ماهر عبد الله: فيه تعليق بعبارة طريفة لأستاذنا وشيخنا الدكتور القرضاوي، قال"إذا سميت النساء خليلات وفهذا جائز، أما إذا كن حليلات، فيصبح الأمر مستهجن".

د. محمد علي الجوزو: نعم .. نعم هذا موجود الآن في أميركا وفي أوروبا لا يسمحون لك بزوجة، ولكن يسمحون لك بعشيقة، أو عشيقتين، وثلاثة هذا لا بأس به، هذه مشكلة.

العلمانيون العرب والعودة إلى مدرسة الاستشراق الغربية

ماهر عبد الله: أنا لو عدت بك إلى موضوع العلمانية بجانبها الفلسفي إن إدوارد سعيد لما كتب كتابه عن الاستشراق، كان أكثر ما أخذوا على المستشرقين أنهم طوروا نظريات، ومجموعة قيم حاكموا بها حضارتهم عندما أرادوا دراسة الحضارة العربية والإسلامية أسقطوا هذه النظريات والقيم على..على التاريخ الإسلامي، وبالتالي فشلوا حسب وجهة نظره في قراءة الإسلام قراءة صحيحة.

ألا ترى أن ما يحدث اليوم مع العلمانيين العرب هو العودة بمدرسة الاستشراق التي ماتت إلى أيام جاهليتها الأولى عندما يسقطون نظريات غربية على واقعنا الإسلامي اليوم؟

د. محمد علي الجوزو: المشكلة أن هذا الجيل من العلمانيين هو جيل الهزيمة-إذا صح التعبير طبعًا-توالت على أمتنا الهزائم، وأصبح هناك إحباط عند كثير من الشباب خاصة هؤلاء الذين عاشوا في ظل التحالف مع الشيوعية، ومع الروس في فترة من الفترات، وتأثروا بالمنطلقات الثورية التي أعلنت في تلك الفترة، وأصبح هناك ترويج لهذا الفكر بشكل كبير، حتى أن المعركة دخلت مع الإسلام منذ هذه اللحظة، أصبحت هناك ألقاب: الرجعية، التخلف، الظلامية التي يرددها عادة الشيوعيون والاشتراكيون كثيرًا واليساريون، العلمانيون كانوا بالأمس شيوعيين يعني هذا لا بد أن نعترف به، صحيح هناك بدأت علمانية ليبرالية في الأساس.

عندما ذهب طه حسين إلى أوروبا، وتزوج من فرنسية، وكان له مشكلة نفسية مع الأزهر، وله مشكلة -أيضًا- نفسية في بيئته، انعكست هذه سلبًا –طبعًا- على طه حسين كمفكر كبير، ولكنه تأثر.. خصوصًا بالمرأة، المرأة وطن، أنا متزوج من مصر، وأحب مصر من ناحيتين: من ناحية علاقتي بها كطالب تعلمت في الأزهر، وفي كلية دار العلوم التي أنشأها طه حسين لكي تكون يعني مناقضة للأزهر..

ماهر عبد الله: إشعاعًا علمانيًّا؟

د. محمد علي الجوزو: إشعاعًا علمانيًّا، فكانت النتيجة أن خرَّجت أعظم الدعاة، وأعظم الشعراء الإسلاميين حسن البنا مثلاً هذا الداعي الكبير هو خريج دار العلوم سيد قطب خريج دار العلوم، الشاعر هاشم الرفاعي الذي له قصيدة "رسالة في ليلة التنفيذ" وقصائد كثيرة رائعة جدًّا، كان زميلي في الدراسة.

إذن القضية التي أود أن أقولها إننا نعيش في فترة من القلق والاضطراب النفسي، وهؤلاء بعضهم أنا أقول هناك أمراض نفسية في مجتمعنا، ويجب أن نعالج هذه الأمراض بأسلوب أو بآخر، هم مقلدون..ويقلدون تقليدًا أعمى، يريدون أن يظهروا بمظهر العصريين والمحدثين، كنت مرة واحدة اشتركت في مؤتمر حوار قومي ديني في القاهرة شارك فيه عدد كبير من المفكرين، وإذا بأحدهم، وهو كاتب في أكبر جرائد مصر تقريبًا يقول: أنا لا أقبل أبدًا أن يأتينا الأمر من فوق، يرفض الوحي، يرفض أمر السماء، أنا حر يجب أن أتصرف كما أشاء هذه لغة-طبعًا-إلحادية، وهذا الرجل يمسك بزمام الإعلام، وهو في إحدى أهم الجرائد التي..، هذه هي المشكلة أن هؤلاء يسممون الأجواء ينشرون فكرهم هذا، أبو زيد جريمته أنه يسمم أفكار الطلبة في الجامعة، لو كان يحتفظ بهذه الآراء لنفسه أو يكتبها لنفسه لكنا رضينا.

ماهر عبد الله: إنصافًا للحوار القومي الديني، أنا أعتقد أن اللغة اللي درج عليها المؤتمر القومي الديني بعد ذلك أعتقد تخلص من هذا النوع.

د. محمد علي الجوزو: لعلها تخلصت، لأننا اصطدمنا يومها..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: تسمح لي بالعودة إلى المشاهدين مرة أخرى، معنا الأخ محمد الرفاعي من لندن، أخ محمد، تفضل.

محمد الرفاعي: في الحقيقة يعني أود أن أنبه على كلمة قالها الشيخ، وهذا قد يحدث كثيرًا والإنسان لا يدري، الكلمة قال أن هؤلاء الشيوعيون نائمون كنومة أهل الكهف، وهذه اعتبر أن هذا خطأ جسيمًا، لأن نومة أهل الكهف كانت آية من آيات الله -عز وجل- وكانت يعني انبهار لكسر النواميس من أجل قلة مؤمنة، أما هؤلاء لا ينامون كأهل الكهف، بل كلب أهل الكهف خير من هؤلاء الناس، ولا يقاسوا أصلاً بكلب أهل الكهف.

د. محمد علي الجوزو: جزاك الله خيرًا، لا بأس، ملاحظة جيدة لا بأس بها، ولكن هذا التعبير للتشبيه فقط، وليس لأن نجعل الشيوعيين كأهل الكهف.

ماهر عبد الله: تفضل يا أخ محمد، عندك سؤال؟

محمد الرفاعي: النقطة الأخرى -حقيقة- التي أودُّ أن أقولها: يعني ما كان لهؤلاء العلمانيين، أو هذا الطرح العلماني أن يكون إلا لانهزام المسلمين، لا أقول الإسلام وإنما لانهزام المسلمين أمام ضغط الواقع الذي يعيشونه، وفي الحقيقة أيضًا أن المسلمين أنفسهم لم يمثلوا الإسلام التمثيل الصحيح، عاجزين عن تمثيل الإسلام التمثيل الصحيح بدوائره المختلفة، الدوائر السياسية، الدوائر الاقتصادية، الدوائر الإعلامية، في مختلف الدوائر.

فالمطلوب حقيقة لمواجهة هذه الأمراض التي تظهر في المسلمين، أو الذين ينتسبون إلى أمة الإسلام أن نرتفع نحن إلى مستوى الإسلام في واقعنا في عالمنا نستشرق المستقبل، نترجم الماضي، نعرف الواقع ونقابله بوسائل متكافئة ونقدم الإسلام على صورته الصحيحة، فهنا تتلاشى هذه الخفافيش بإذن الله تعالى.

ماهر عبد الله: طيب يا أخ محمد، مشكور.. مشكور جداً، مشكور جدًّا يا أخ محمد، معنا الأخ أبو علي حمود من ألمانيا، أخ أبو علي، تفضل.

أبو علي حمود: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

أبو علي حمود: يا أخي، بنلاحظ أن كثرة الهجوم على الشيعة من قبل منكم، من قبل كثير منكم وشملهم مع العلمانية، هل هذا يجوز من محطتكم وشيوخكم، واحد الدكتور منتصر بيهاجم الشيعة، وواحد ثاني بيهاجم الشيعة، وأنتم عم تسكتوا، مش عارفين كيف بدنا نحكي معكم، يعني هذا بيضايق كثير يعني، بدكم، تعرفون أننا نحن مسلمين ..تعرف كيف يعني تهاجمون الشيعة؟ كلياتهم والشيعة هلا رفعوا رؤوس العرب .

ماهر عبد الله: يا سيدي جزاك الله خيرًا، أنت إذا انتبهت للسؤال الأخير، أنا تمنيت على الأخ لو لم يكن قد ذكره، إحنا بس ما حبيناش نخرج بالنقاش عن أصوله .

د. محمد علي الجوزو: ونثير الحساسيات.

ماهر عبد الله: ملاحظتك في مكانها، وأنا أعتذر لك شخصيًّا عن أنه ما أعطينا الموضوع حقه، لكن أنا كنت قاصد إنه ما أفتحش نقاش على موضوع السنة والشيعة، لكن إذا تذكر أنا تحفظت على كلام الأخ، فنرجو أن بقية الأخوة المتصلين أن يستفيدوا من تعليق الأخ أبو علي المشكور جدًّا عليه، معنا الأخ محمد الحسن من ألمانيا، أخ محمد، تفضل.

محمد الحسن: مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور.

محمد الحسن:أعتقد هناك في خطابكم السابق، ضمن هذا البرنامج-ما يؤدّي إلى صراع، ولكن في إطار الحوار ضد العلمانية، أما الآن في هذه الحصة من البرنامج نجد أن هناك محاولة لجعل العلمانية هي تساوي الإلحاد، العلمانية في حقيقة الأمر محاولة لفهم المجتمع بكامله، فالدين هو جزء من..تعترف العلمانية أن الدين هو جزء من هذا المجتمع، فلذلك هذا الصراع راح يؤدي إلى محاولة لتحارب أو حرب فيما بعد، أعتقد شيئًا آخر هو أن هذا يعطي- فيما بعد- تعصب لمجموعة من الناس، وهذا التعصب راح يؤدي-كما أدى بالجزائر-إلى مآسي، وهذه المآسي مثل ما نعرفها مقتل كبير للمفكرين.

شيء أخير.. نقطة أخيرة، أدعو أيها الإخوان إلى تكليف أساتذة في علم الاجتماع لدراسة تأثير برنامجكم وهو (الشريعة والحياة) على المجتمع من أجل الشبيبة من المتدينين البسطاء والمفكرين، من أجل محاولة فهم تأثير برنامجكم على التعصب الديني وآثاره غير الجيدة باعتقادي..وشكرًا، وإلى اللقاء.

ماهر عبد الله: مشكور جدًّا يا أخ محمد الحسن من ألمانيا، يعني أنا بس قبل أن أعطي الشيخ فرصة للتعليق يعني ، الغريب إنك ذكرت الجزائر، أنا ضد التعصب، وأرجو وأتمنى أن لا يكون هذا البرنامج يسهم في أي حال من الأحوال بقضية التعصب، ولكن المثال الذي ذكرته أعتقد كنت غير موفق فيه، لأن الانقلاب على الديمقراطية والذي أدى إلى الإشكالية كان انقلاب علماني على ديمقراطية أتت بإسلاميين، وبعدها كان التعصب والكنيسة العلمانية هي التي رفعت صوتها بالمطالبة بالديمقراطية من غير إسلاميين.

وأعتقد إن النموذج التركي-أيضًا-نموذج واضح للعيان، الإسلامي وصل إلى السلطة بالانتخاب، وعندما شعر أن العلمانيين لن يسمحوا له بالمواصلة تنحى وتنازل مختارًا واستقال، كان بإمكانه أن يعلنها حربًا كما حرب الجزائر، لكنه كإسلامي كان أعقل من العلماني الذي اضطره إلى الخروج من السلطة.

الخلاف الفلسفي بين الإسلاميين والعلمانيين

فضيلة الشيخ، هو ذكر أن- أنا لي تحفظ، أنا هاصيغ لك جزء من كلامه- الدين جزء من المجتمع، ما زال الخلاف الفلسفي قائمًا، الإسلاميون يقولون إن الدين هو المرجعية الكبرى، والطرح العلماني يصور الدين تمامًا -كما الفكر الغربي -أنه أحد منتجات الفكر البشري، جانب ديني استحدثناه.

د. محمد علي الجوزو: هذه هي المشكلة أن العلمانيين عندنا يريدوا أن يطبقوا نفس الآليات التي طبقت في أوروبا، وهذا -طبعًا- يؤدي ولا شك إلى ما وصلنا إليه من نتائج بأن العلمانيين يحاولون التشكيك بالإسلام، ضرب الإسلام، لا يعترفون بهذا الدين بل يسخرون سخرية بذيئة ووقحة في بعض الأحيان - ليسمح لي بهذا الأخ الذي اعترض على هذه الأفكار- هناك كتابات سيئة جدًّا، خاصة عندما..لو أردت أن أقرأ هنا بعض الأشياء التي ذكرها أبو زيد والتي تدل على أن الإلحاد له جانب آخر للأسف الشديد.

أنا أقول إن الإيمان هو الضمير الحي الذي يراقب الله، والإلحاد هو الضمير الميت الذي لا يراقب الله، لا في قول ولا في عمل، يسخر سخرية رهيبة، بعض الكتاب.. بين يديَّ عدد من الكتب لو أردت أن أقرأ الآن، ما كتبه هؤلاء العلمانيون سخرية بالإسلام لاشمأز كل واحد منا، هو يمسك بقضية شركات توظيف الأموال في مصر، ويقول إنها مسألة نصب كبرى حصلت، وأنا كنت في مصر في فترة .. جلست أكثر من سنتين، أو سنتين ونصف لأسباب الحرب في لبنان، وكنت قد زرت شركة الشريف للبلاستيك رأيت مصانع ضخمة عملاقة أنشأها الشريف في قلب الصحراء، في..وكان فيها عدد كبير من المهندسين والموظفين الذين يعيشون، خمسة وثلاثين ألف مهندس كانوا في هذه الشركة، شركة اللمبات الفلورسنت كذا شركة لم يقم العلمانيون بهذا، ولكن اعتبرها شركة نصب كبيرة.

المسألة مسألة اقتصادية محضة، قامت الدولة بإيقاف هذه الشركات، لأنها أثرت على البنوك الوطنية تأثيرًا كبيرًا، لأن الكثير من الناس الذين كانوا يعملون في الخارج كانوا يساهمون، أو يودعون أموالهم في هذه الشركات، وهذا ما دفع الدولة إلى مصادرتها، أما أن يقول إنها مؤسسات نصب، لأنها فقط كانت شركات إسلامية!!

سألني أحدهم مرة أن أحد مديري هذه الشركات كان يضع الخمر أمامه، قلت هل الذي يشرب الخمر-فقط-هذا المدير؟ أم أن هناك عددًا كبيرًا من أصحاب الشركات يشربون الخمر، لماذا لا تحاسبونهم؟ أصبح هناك نوع من التشهير بالإسلام بالذات، وكلمة الحرب التي قالها..أنا ذكرتها في إحدى الصحف هنا، فلنواجه دعاة الحرب الأهلية باسم الإسلام، كأنما نحن قد أقمنا..نحن لم نقم بحرب أهلية ولا بغير أهلية، نحن لا نقوم، على العكس من ذلك، أكبر عدد من المسجونين هم من الإسلاميين، يجب أن نواجه هذه التوجهات، العلمانيون يريدون تحريض السلطات على كل من يتحدث عن الإسلام، هذه مشكلة، هذه انتهازية في الواقع!!

ماهر عبد الله: لنعد إلى المشاهدين مرة أخرى، الأخ شوقي إبراهيم من ألمانيا، أخ

شوقي، تفضل.

شوقي إبراهيم: شكرًا لك، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

شوقي إبراهيم: الحقيقة عندي يعني تعليقات، سيادة المفتي غلط في مدلول كلمة العلمانية، فمرة يقول هي ليست المقصود بها العِلْمية يقصد بها شيء آخر، بينما هي المقصود بها العلمية، لأنه في فترة الخمسينات، لقد اخترع الإخوان المسلمون هذه اللفظة في تاريخهم النضالي ضد الشيوعية، وكانت الشيوعية تصف نفسها بالاشتراكية العلمية، فهم لتكريه المسلمين في الشيوعية استعملوا كلمة العلمانية، وهي مقصود بها العلم، ومع الأسف ساهموا في خلق ثنائيات في العالم العربي كمقابلة متضادة، مثلاً أنهم خلقوا متضادة العربي ضد الإسلامي، ومع الأسف قتلوا هذه اللفظة في قاموسنا، بينما القرآن والله -سبحانه وتعالى- يحثنا على العلم.

والغريب لو رجعتم إلى سيادة محمد سعيد الدواليبي المفكر الإسلامي القدير الحديث، هذا لقد ذكر إنه أحيانًا، مثلاً في حتى الثورة الفرنسية كان القيصر، أو الملك لا يصير ملكا إذا لم يُتَوِّجَه البابا، وكان في فهمهم أن الحاكمية تستمد مشروعيتها من الله -سبحانه وتعالى- يعني من ممثل البابا.

ماهر عبد الله: تسمح لي تسمح لي أسألك سؤال أخ شوقي، تسمح لي أسألك سؤال.

شوقي إبراهيم: نعم.

ماهر عبد الله: يعني أنت عارف كونك أنت مهتم بموضوع فرنسا وتاريخ فرنسا، وأقبح أنواع العلمانية، العلمانية الفرنسية في بداية هذا القرن لما (ديركان) استلم وزارة التربية والتعليم ما الذي كان يسعى إليه لو كانت القضية من العلمية، ألم يخرج التربية الدينية من المناهج واستبدلها بعلم الاجتماع، لأن الدين يخرب عقول الشباب؟

شوقي إبراهيم: نعم، هذه..أنا بأتكلم عن حادثة تاريخية، ما يحدث الآن هذا شيء مختلف، لكن أنا أقول لك إن قرآن الثورة الفرنسية كان كتاب (جان جاك روسو) وهو يقول فيه إن الحاكمية تستمد مشروعيتها من الشعب وهذا ينطبق مع مقولة والأمر بينهم شورى، ولقد كان جان جاك روسو تلميذ لأبو زيد فيلسوف عربي مسلم هو الذي أسس المكتبة الوطنية (الفرنسية) في جنيف السويسرية في جنيف سنة 1889م.

فنحن المسلمين من أعطوا الغرب مفهوم الحاكمية تستمد مشروعيتها من الشعب، فنحن ننسى هذه النقطة، والآن ندين(..) العلم في حياتنا، وهذا من أخطر الأخطاء التي مارسها الإخوان المسلمون المصريين في تاريخ قاموسنا اللغوي..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: مشكور يا أخ شوقي-إن شاء الله-سأحيل سؤالك على فضيلة الشيخ، لكن عندي مكالمة أخرى من الأخ عماد عبد الملك من

هولندا، أخ عماد، تفضل.

عماد عبد الملك: يعني فضيلة الشيخ قال إن اللي بيمنع تقدم الدول العربية هو الاستعمار، ومن شوية اتصل الأخ من الإمارات، وقال إن المسيحيين يعني ، أو الأقباط، أو اليهود دول عبارة عن كفار، وفضيلة الشيخ بيقول إن هم بيساعدوا إسرائيل على أساس أنها إسرائيل اثنين مليون أو أكثر شوية يعني واقفين قدام الدول العربية كلها.

طب أنا عايز أعرف حاجة، دلوقتي إزاي إحنا بنطلب من الكفار دول إن هم يساعدونا إذا كان هم في نظر الناس كلهم كفار؟ يعني إزاي نطلب من الكفار إن هم يساعدونا، إذا كان هم في نظركم.. في نظر الإسلام كفار؟ كيف نطلب ذلك..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: اسمح لي يا أخ عماد، التعليق على ما ذكره مشاهد-طبعًا- من حقك، لكن المشاهد لا يملك أن يرد، أنا أرجو أن يكون سؤالك موجه للشيخ، في ما قاله الشيخ.

عماد عبد الملك: أنا بس كنت عايز أعلق، لأنه ذكر كثيرًا..إن المسيحيين كفار، واليهود كفار يعني في أكثر من حلقة، وفي أكثر من حوار يعني زي ما يكون، عشان أنا يعني أتناقش في الإسلام لازم أكفر الناس الثانية !! دا مش معقول، أنا عشان أتناقش في الإسلام، لازم أتناقش في الإسلام من وجهة نظر الإسلام، ماليش دعوة بوجهات نظر الناس الثانية، وبعدين أوروبا والعلمانيين.. يعني هل التجربة ليست واضحة قدام الناس كلها، هل أوروبا مش متحضرة؟ ومش متقدمة؟ هل دا مش مثال واضح على أن العلمانية..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: تسمح لي.. تسمح لي أسألك سؤال ؟

عماد عبد الملك: يعني إحنا فحوى النقاش هنا الليلة، إذا كانت أوروبا متقدمة وهذا ما نجمع عليه، السؤال الذي نريد أن نجيبه منذ نهاية القرن الماضي، ما هو سر نجاح أوروبا؟ هل هو في علميتها، في فيزيائها، في هندستها، أم هو في الفلسفة الفكرية التي قامت عليها؟ أنا حابب تكون مساهمتك معنا، وحوارنا أصلاً مع الشيخ هو لمحاولة الإجابة على هذا السؤال.

عماد عبد الملك: أكيد الفلسفة الفكرية هي التي وصلت إليها، بدليل أن الناس ما عندهمش ممنوع، عندنا إحنا في الدول العربية 100 ممنوع، دا ممنوع، ودا ممنوع، مابيدوش الإنسان حرية الاختيار، والإنسان عشان يعرف الصح لازم يعرف الغلط، أنا مابأقولوش إن دا غلط ودا غلط، وبعدين أطلب منه أن هو يعمل الصح.

ماهر عبد الله: مشكور جدًّا يا أخ عماد، إن شاء الله سنحيل سؤالك-أيضًا-على سماحة الشيخ، الآن عندي حسين عبد الهادي من الإمارات، أخ حسين، تفضل.

حسين عبد الهادي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

حسين عبد الهادي: الحقيقة أنا لديَّ رغبة في محاولة لإزالة التهمة عن العلمانيين.

ماهر عبد الله: تفضل.

حسين عبد الهادي: في الواقع أنا معجب جدًّا بموضوعية الشيخ الجوزو، وقد قرأت له كتاب "مفهوم العقل في القرآن" وفيه مادة معرفية خصبة، ولكن أريد أن أعلق تعليقًا بسيطًا لو سمحتم، أعطوني فقط دقيقة واحدة.

ماهر عبد الله: تفضل.

حسين عبد الهادي: إن لهذه الكلمة -العلمانية- وهي بالفرنسية secularition وبالإنجليزية civilization فهي في الحقيقة لها أصل لاتيني صحيح هذا، ولكن هناك معادل لهذه الكلمة في تراثنا العربي الإسلامي، الذي أعني به التفكير الدنيوي أو التفكير في العالم، والعلمانية من العالم أي إعطاء التفكير في العالم الأولوية المطلقة.

ولهذه الكلمة-إذن-أصولها في التراث العربي الإسلامي حيث ظهرت منذ ظهور الدعوة الإسلامية، فقد ذكر لنا القرآن الكريم الحوار الذي دار بين المشركين والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-عارضًا أطروحة المشركين في تفسيرهم الدنيوي أو العلماني إذا صحَّ القول، وذلك بايثارهم حياة العاجلة (بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) بل تحبون الحياة العاجلة، وتذرون الحياة الآجلة إلى آخرة.

ثم ننتقل إلى العصور التالية فمعروف أنه بعد الفتنة الكبرى والصراع على السلطة، وتولي الأمويين الخلافة أخذ الميل العام نحو إيثار الحياة الدنيا، وفي العصور العباسية جرى تعتيم على هذا المصطلح ومضمونه الدنيوي.

وقد ظهر -رغم ذلك- في العصر العباسي الأول والعصر العباسي الثاني التيار العقلي أو الخطاب الذي ناوئ الخطاب الديني على لسان شخصيات كـابن المقفع وعيسى الوراق والشاعر أبو العلاء المعري هؤلاء وغيرهم ممن عارضوا، و تبنوا الفكر العقلاني المحض المستقل عن النص، وفي عصر النهضة -أيضًا- منذ منتصف القرن التاسع عشر تجسد هذا التيار في كتابات شبل شميل و فرح أنطون و سلامة موسى ..إلى آخره.

ماهر عبد الله: تسمح لي، تسمح لي بسؤال؟

حسين عبد الهادي: نعم.

ماهر عبد الله: تسمح لي بسؤال؟

حسين عبد الهادي: تفضل.

ماهر عبد الله: يعني أنت قلت إن التيار العقلاني ناقش العقلانية، وناقش العلم بمعزل عن النص، أعطني مثالاً على هذا، كان هناك محاولة علمانية واضحة مكشوفة لاغتيال ابن رشد وتجييره إلى مشروع علماني، ابن رشد هو ابن النص، ابن رشد لا يمكن لفقيه عربي تراه اليوم إلا ويقرأ كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وقيل عن ابن سينا، وابن سينا يعني فقيه قبل..

حسين عبد الهادي[مقاطعًا]: هؤلاء الفلاسفة المسلمين، صحيح لم يجر اغتيالهم من قبل..من قبل السلطة السياسية ولأسباب معقدة جدًّا، لأسباب سياسية يعرفها المؤرخون، أنا أريد أن أقول أنه في عصرنا الراهن..حتى أنت يمكن فهمت من كلمتي أنه في كتابات التقدميين والحداثويين، وأيضًا بعض اليساريين أيضاً ظهر هذا التيار، وهو في الحقيقة نابع من تراثنا، الخلاصة أنه لا مجال لإلغاء هذا التيار، أو حذفه من تاريخنا، فهو أحد السبل الناجعة والعقلانية التي قد تقود إلى مجتمع ديمقراطي، لا أقول السلطة الديمقراطية، وإنما مجتمع ديمقراطي، وهذا الحوار بين أهل الدين وأهل الدنيا هاي تجديداً لروح تتجلى فيها التسامح والإخاء، وكل ذلك على سبيل.. في سبيل تحقيق مجتمع متوازن مواكب للعصر، وفي رأينا يظل العقل معيارَ الأمور والأشياء، والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: طيب مشكور جدًّا يا أخ حسين، يعني أنا بس قبل أن أعطيك الفرصة للإجابة أكثر ما أعجبني في كلام الأخ حسين عبد الهادي أنه ردَّ على الأخ الذي قال إن العلمانية من العلم، قال إنها من الدنيا والاهتمام بما هو دنيوي، وأعتقد هذا يوضح للمشاهدين اللبس، وأنه لبس ليس مصدره الإسلاميين بقدر ما هو العلماني، يريد أن يلبس على الناس بالإصرار على القضية العلمية في الموضوع، طيب أنا أبدأ لك بالأسئلة بترتيبها، الأخ شوقي إبراهيم الذي اتصل من أوروبا، وقال إن الأخوان المسلمون هم المسؤولين عن هذه الثنائيات والازدواجيات، عربي مقابل إسلامي، علماني مقابل ديني..وإنما هي من العلم لا من..

د. محمد علي الجوزو: الإخوان المسلمون ظهروا متأخرًا في عهد الاستعمار الإنجليزي، أواخر أيام الاستعمار في مصر بعد أن وصلت الأحزاب السياسية هناك إلى نقطة اللارجوع في التعامل مع المستعمر، ظهرت حركة الإخوان المسلمين كحركة تريد أن تصحح الواقع، وخاضت الحرب ضد الوجود الإنجليزي في قناة السويس ومعروف أن.. أن دور هذه الحركة لم يكن متقدمًا على دخول العلمانية إلى العالم العربي، إذا كانت القومية قد توجهت توجهاً ماركسيًّا، القوميات توجهت توجهاً ماركسيًّا، أصبح كل قومي يدافع عن الماركسية أكثر مما يدافع عن الإسلام.

من هنا.. أنا لا أريد أن أدافع الآن عن الإخوان المسلمين؛ لكن أريد أن أقول إن الإخوان المسلمين لم يخترعوا هذه القضية، وليس صحيحًا ذلك، على العكس طه حسين قبل الأخوان المسلمين عندما حاول أيضًا أن يأتي بهذه المباديء إلى مصر، أودُّ أن أقول إن كاتبًا مثل رئيس الحزب الشيوعي في مصر محمد أمين العالم له يعلق على قضية ..

ماهر عبد الله: محمود أمين العالم.

د. محمد علي الجوزو: محمود أمين العالم، يقول هنا عن..هو معجب جدًّا بحسن حنفي ويتحدث عن قضية العلمنة والعلم "تجديد اللغة تجديد معنى وتجديد الشيء، أو..الواقع أما تجديد اللغة يتم-كما يقول-باستخدام الألفاظ المتداولة بدلاً من الألفاظ التقليدية، فنستخدم كلمة أيديولوجية بدلاً من كلمة دين، وكلمة قبلي بدلاً من كلمة شرعي، وكلمة الإنسان الكامل بدلاً من كلمة الله" الخطورة هنا.. وهكذا.

أيضًا هنا نفس الكلام حسن حنفي "العلمانية هي الرجوع إلى المضمون دون الشكل، وإلى الجوهر دون العرض، وإلى الصدق دون النفاق، وإلى وحدة الإنسان دون الازدواجية، وللإنسان دون غيره، فالعلمانية إذًا هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ، تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفه عن التطور..".

فضيحة كبرى أن يقول حسن حنفي أستاذ في الجامعة، وهو أستاذ لأبي زيد، وأبو زيد -هذا- قال على صفحات الصحف في لبنان في حديث له لجريدة "النهار" قال: "أنا أطالب بدولة علمانية لا دين لها" يعني هو أقرَّ بأن العلمانية لا دين لها.

وليس صحيحًا أن العلمانية هي فقط التي تهتم بالعقل، الإسلام سابق في قضية الاهتمام بالعقل كما بيّنا، والذي قرأ كتابي "في مفهوم العقل والقلب" يعرف إلى أين ذهبنا، أريد أن أقول إن تركيا علمانية الآن، لماذا لم تستطع أن تتقدم في ميدان العلم؟

ماهر عبد الله: اسمح لي، اسمح لي أن نطرح السؤال الثاني.. هذا سؤالي، أن نصل في نهضة أوروبا ليتك تضمنه في الإجابة، كلام الأخ عماد عبد الملك من هولندا الأصل في نهضة أوروبا هي الحرية التي يتمتع بها بعدما أخرجت الدين من الفضاء السياسي.

د. محمد علي الجوزو: الحرية أين هي في تركيا الآن؟ أين هي في الجزائر؟ أين هي في كثير من البلاد التي تدعي بأنها علمانية، وأنها قفزت إلى العصر..هذا كلام متناقض، لا يمكن أبدًا أن نقول أن اليساريين الذين يطالبون بالعلمنة عندما حكموا ماذا فعلوا؟ ماذا حدث في العراق من سحل وقتل.

ماهر عبد الله: الديمقراطية العلمانية.

د. محمد علي الجوزو: لقد وجدنا أن الرفيق يقتل رفيقه، وكانت الخليات تتقاتل من داخل إطار الأحزاب نفسها.

ماهر عبد الله: أذكرك بالسؤال التالي.. الثالث -لو سمحت- كان الأخ حسين عبد الهادي الذي عبَّر عن إعجابه بكُتبك، ويحب أن يدافع عن العلمانيين.

د. محمد علي الجوزو: جزاه الله كل خير.

ماهر عبد الله: في المحصلة النهائية هو قال كلمة جوهرية.

د. محمد علي الجوزو: جوهرية.

ماهر عبد الله: أنا كنت سأسألك عنها، لا مش متصل بـ.. لأنه في نهاية المطاف -أحببنا أم لن نحب- هذا تيار موجود، ولا سبيل لإلغائه، فكيف نتعايش معه؟ التيار المسمَّى بالعلماني موجود.

د. محمد علي الجوزو: هذه حقيقية، هناك تيارات كثيرة موجودة، ونحن لا نستطيع أن نلغيها-كما قلنا-هناك التيار..تيار الاستشراق موجود، تيار الإلحاد موجود، تيار القومية موجود، كل هذه، ولكن يجب أن ننبه إلى خطورة هذه التيارات بالنسبة إلينا كأمة لها تاريخ، لها حضارة، بعض الناس يريدون القضاء على هذه الحضارة باسم العلمانية، يريدون أن يلغوا هذا التاريخ، وهذه الحضارة، وهذا التراث، وهذا الدين الذي كان هو الروح المقاتلة.

يعني في تاريخنا الطويل نجد أن كل غزوة من الغزوات كان الدين هو الذي يقاوم، وكان العلماء هم الذين يقاومون، نلاحظ هذا في الجزائر (ابن باديس)، عبد القادر الجزائري في فلسطين عز الدين القسام والحاج أمين الحسيني في مصر الأزهر الشريف، ورجالات الأزهر، في كل معركة من المعارك مع الاستعمار كان الدين هو الذي يصون حرية هذه الأمة، وكرامة هذه الأمة، ويدافع عنها، إذا ألغينا الدين ماذا يبقى لنا؟

ماهر عبد الله: تسمح لي بالعودة مرة أخرى إلى السادة المشاهدين، معنا الأخ علاء الناصري من الكويت، عفوًا الأخ علاء الناصري من دبي، تفضل.

علاء الناصري: أخي من السويد..السويد.

ماهر عبد الله: آسف يا سيدي، تفضل.

علاء الناصري: أريد أوجه سؤال إلى فضيلة الشيخ.

ماهر عبد الله: تفضل.

علاء الناصري: شيخنا الجليل أنا أعيش هنا بالسويد، وقاعد يصرفون إلي مثل ما تقول معونة، وهذه المعونة تجيء لي عن مثل ما تقول البنك الربوي، ما رأيك في هاي الشغلات يعني بأن أخذه شيء مفهوم، فهو هل جائز إلي، أم لا؟

ماهر عبد الله: بس أخ علاء أخ علاء لو تسألنا في الموضوع، نحن عادة في الحلقة الواحدة نحاول أن نلم بأطراف موضوع واحد.

علاء الناصري: إن شاء الله.

ماهر عبد الله: عندك سؤال في موضوع الحلقة.

علاء الناصري: بالنسبة للعلمانية.. العلمانية -كما نعرف- بأن تركيا دولة علمانية، وهذه تركيا على أنها دولة إسلامية في نفس الوقت، وأنها دولة علمانية أشوف هاي الدول العلمانية جرت إسرائيل العدو الصهيوني إلى شمال العراق، (..) بين القاعدات إلى العدو الصهيوني، وإلى الشيطان الأكبر أميركا، وقاموا بضرب العراق، وما موقف إخواننا العرب، وخاصة قادة العرب في هذا؟

ماهر عبد الله: طب مشكور جدًّا يا أخ علاء، معنا مكالمة أخرى من سيد الفرجاني من لندن، أخ سيد تفضل.

سيد الفرجاني: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

سيد الفرجاني: أنا أظن أنه التعميم في حول العلمانية هذا يعني غير مجدي لنا، لأن العلمانية فيها هناك من المتطرفين الذين يرفضون الآخر، وهم أعداء للدين وللتدين تحديدًا، وهناك العلمانيين الذين ليس لهم عداء للتدين، وهم يقبلون الآخر وهم ديمقراطيين، وأظن أنه بالنسبة للعالم العربي بالخصوص أنه الإشكالية التقسيم التقليدي بين علمانيين وإسلاميين- في تقديري- لم يعد مجدٍ رغم أنه تقسيم فني.

فهناك من العلمانيين الذين يسعون إلى الاعتراف حتى بالإسلاميين، وهناك إسلاميين لا يمانعون في التعامل مع علمانيين ديمقراطيين ليسوا معادين للدين في حين أن الإشكال في الذين يعادون التدين، وفي الذين يرفضون الآخر حتى من الصف الإسلامي، فالقضية هي أنه لا بد من أن ننظر نظرة وسطية خصوصًا، وأنه فيما يخص العلمانية أنه أكثر تقريبًا، يعني غالبية الأمة تعيش أقليات في العالم، وليست محصورة في العالم العربي، وأنه هذه العلمانية تفيد هذه الأقليات.

وأظن أن القضية الكبرى هو كيف أن تكون هناك علمانية تعترف بالإسلاميين ويعترفون بها الإسلاميين، إذا لم تكن معادية للتدين..للدين والتدين، ولنترك الشعب يتفاعل أفكارنا ودعوتنا، وكل شيء تعتمده في المجتمع بصفة طبيعية.

ماهر عبد الله: طيب يا أخ سيد، مشكور جدًّا على هذه المداخلة، أنا مضطر أقطعك، لأن وقت البرنامج شارف على الانتهاء، ولا بد من إعطاء سماحة المفتي الفرصة للرد، معاداة التدين، التعليق الأخير للسيد..

د. محمد علي الجوزو: نحن نتكلم عن العلمانيين المتطرفين الذين يهاجمون الإسلام، ويحاولون نسف العقيدة، ونسف التاريخ، هذا ما تحدثنا عنه وجئنا بأمثلة، نحن لا نتكلم عن بعض..

ماهر عبد الله[مقاطعًا]: إذن أنت تتفق مع تقسيم السيد الفرجاني في أنه..

د. محمد علي الجوزو: يوجد.. يوجد معتدلون ومتطرفون في كل أمر من الأمور، أنا أرد على هؤلاء المتطرفين والمغالين في العداوة للإسلام، والذين يعلنون حروبًا علينا الآن، يعني هناك كتب تصدر في لبنان..في مصر..في الكويت، هذه المرة الأخيرة، تجاهر بالطعن في العقيدة الإسلامية.

ماهر عبد الله: يوجد خط جامع بين هذه الكتب..لعلك لاحظت أن هؤلاء الليبراليين فجأة، والعلمانيين فجأة كلهم ذوي تاريخ ماركسي.

د. محمد علي الجوزو: نعم ماركسي.

ماهر عبد الله: عندما نتحدث عن متطرفين ومغاليين ومعتدلين، نجد أن المتطرفين هم أصحاب الرهان الماركسي الذي فشل فشلاً..

د. محمد علي الجوزو: ذريعًا في بلاده.

ماهر عبد الله: وكانوا بدلا أن يحملوا الشمسيات عندما تمطر في موسكو أصبحوا الآن فقط يحملونها عندما تمطر في واشنطن هي ما زالت لا تمطر في.. في عالمنا.

د. محمد علي الجوزو: يعني هذا صحيح، أنا ذكرت عدة أسماء الآن ولا أريد أن أستطرد، مأساة أن يتطاول هؤلاء، ماذا يريدون منا؟ حتى نكون ديمقراطيين وحتى نسمح لهم، هل نبيح لهم المراقص، ونفتح لهم الكباريهات حتى يغنوا ويشربوا الخمور وهكذا، لنصبح ديمقراطيين؟! نحن لا، هل يريدون أن يتطاولوا على النص القرآني وأن يهزءوا به، ونسكت حتى نصبح ديمقراطيين؟!

هناك يعني نوع من اللعب على الألفاظ، و المراوغة والخداع، يقول أحدهم "أنا مسلم وأريد التجديد" أنت تريد التجديد، أنت تريد التجديد داخل الإسلام، أم خارج الإسلام؟

ماهر عبد الله: يعني فضيلة الشيخ، أشكرك شكرًا جزيلاً، أعزائي المشاهدين لم يبقَ لي إلا أن أشكر باسمكم فضيلة الشيخ محمد على الجوزو (مفتي جبل لبنان) وأنا أعتذر للأخوة الذين لم نستطع قراءة الفاكسات التي أرسلوها أو الهواتف التي انتظرت معنا كثيرًا، نعتذر لهؤلاء جميعًا.

نتمنى أن تكونوا قد استمتعتم، واستفدتم من هذا النقاش الذي لم نرد أن نصل فيه إلى نتيجة بقدر ما نستفز النقاش حول بعض القضايا، وأعتذر لأي أخ فهم بعض التعليقات على المذهبية والطائفية، لم يكن مقصودًا أبدًا، إنما تحاشينا هذا التعليق عن قصد حتى لا نجري في النقاش إلى مجال آخر، لم يبق لي إلا أن أقول لكم تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.