مقدم الحلقة ماهر عبد الله
ضيف الحلقة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، داعية إسلامي
تاريخ الحلقة 14/01/2001

د. يوسف القرضاوي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين، سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

لنبدأ بالقول أن الإنسان كائن غريب خلقه الله -سبحانه وتعالى- بطباع متعددة وخلق فيه مجموعة من القابليات التي تكون متناقضة في بعض الأحيان، فهو يضحك ويبكي، يحكم عندما يكون فرحاً غير ما يحكم عندما يكون غضباً، ولما كانت هذه الشريعة -شريعة الإسلام- الشريعة الخاتمة من الله -سبحانه وتعالى- سلم أمرها بعد ذلك لعقل الإنسان ليفهمها وليستفيد منها في حياته كان لابد لها من أن تحتوي على مجموعة من العوامل والعناصر التي تمكنها من التعامل مع هذا الإنسان بكل جوانبه.

ولهذا اخترنا أن يكون موضوعنا لهذا اليوم عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية كيف تتعامل مع هذا الإنسان وكيف تلبي حاجاته وتقضي مصالحه.

يسعدني -كالعادة- أن أرحب باسمكم بفضيلة العلامة الإمام الدكتور يوسف القرضاوي الذي سنتباحث معه حول هذه القضية.

مولانا أهلاً وسهلاً بك مجدداً.

د. يوسف القرضاوي:

أهلاً بك يا أخ ماهر وبارك الله فيك.

ماهر عبد الله:

إذا كنا نريد من هذه الشريعة أن تخدم مصالح العباد وهذه المصالح متناقضة ألا يكون مدخلنا هو هذا الإنسان بتناقضاته، بتنوعاته، بما خلقه الله فيه من حب للضدين في بعض الأحيان؟

د. يوسف القرضاوي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد.. فهذه الشريعة التي بعث الله بها رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم- ليختم بها الشرائع، هذه الشريعة تميزت عن الشرائع السابقة بعمومها وشمولها، عمومها الزماني وعمومها المكاني وعمومها الإنساني، هي عامة لكل الناس.. للعالمين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، (ليكون للعالمين نذيراً)، وهي عامة لكل الأزمان ولكل الأجيال، ليست لجيل معين ولا لقرن معين، هي الشريعة الخاتمة الخالدة تبقى ما بقي هذا الإنسان وما بقي المكلَّفون على ظهر هذه الأرض، فليس بعدها شريعة أخرى، وهي أيضاً من عمومها وشمولها أنها عامة في شؤون الإنسان، كل شؤون الإنسان: روحية ومادية، فردية واجتماعية، سياسية واقتصادية، كل هذه الأمور، فهي لا تشرع للإنسان فرداً.. لأ.. تشرع للإنسان فرداً، وتشرع للإنسان أسرةً، وتشرع للإنسان مجتمعاً، وتشرع للإنسان أمةً، وتشرع لعلاقات الأمم، وتشرع لعلاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالإنسان. هذه يعني- ليس هناك دائرة الشريعة مالهاش دعوة بها، نقول لها: لأ.. أنت يا شريعة مالكيش.. لأ، يعني إذا كان في الإنجيل مثلاً قال: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فمالوش العلاقة.. لأ، الشريعة الإسلامية تقول: وما قيصر وما لقيصر لله الواحد الأحد. فهي تشرع في كل الأمور، ولذلك علماء الإسلام قالوا: الشريعة حاكمة على جميع أفعال المكلفين. كل أفعال المكلفين لازم يكون فيها حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب أو الاستحباب أو الحرمة أو الكراهة أو الإباحة. قد يكون الحكم الإباحة، يعني متروكة.. الإذن فيها عام للإنسان. هذه الشريعة العامة الخالدة لابد أن يكون في داخلها من العناصر والعوامل ما يجعلها تتسع لتغير الزمان وتغير المكان وتطور الإنسان وتطور الحياة وإلا جمَّدت الناس، هي شريعة من طبيعتها شريعة قائمة على اليسر لا على العسر، وعلى التخفيف لا على التشديد (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، (يريد الله أن يخفف عنكم)، (وخلق الإنسان ضعيفاً)، (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

وكان من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم- في كتب أهل الكتاب أنه (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم). فإذن جاء يوسع على الناس ويضع عنهم الآصار والأغلال التي عرفت، ولذلك من أدعية المسلمين (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا). فهذه الشريعة الواسعة الميسرة المرنة لابد أن يكون فيها من عناصر السعة والمرونة ما يجعلها قابلة وصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وهذا ما رأيناه في التاريخ، يعني ورأينا هذه الشريعة حكمت المسلمين حوالي ثلاثة عشر قرناً، يعني قبل أن يدخل الاستعمار إلى بلاد المسلمين لم يكن هناك قانون يحكم غير قانون الشريعة، كانت الشريعة هي مصدر التشريع ومصدر القضاء ومصدر الفتوى، لا يفتي مفتٍ ولا يقضي قاضٍ ولا يحكم إلا بالإسلام، ولا توجد قوانين إلى من هذه الشريعة.

وكل البلاد التي دخلتها هذه الشريعة سواء البلاد البدوية أم البلاد الحضرية دخلت بلاد الحضارات القديمة كلها، دخلت يعني- بلاد الفرس ودخلت بلاد الروم ودخلت بلاد الفراعنة ودخلت بلاد التبابعة، ودخلت كل هذه البلاد فما ضاق ذرعها بجديد ولا وقفت عند شيء وقالت أنا ماليش حل فيه، لأ.. كل شيء له حل وفق مصادر هذه الشريعة ووفق نصوصها العامة والمطلقة، ووفق مقاصدها الكلية وقواعدها الضابطة والحاكمة.

ماهر عبد الله:

طيب، قبل أيضاً- أن نخوض في صميم الموضوع، يعني أعتقد لابد من التنويه على أن في الأساس هذه الشريعة جاءت إنما جاءت لخدمة مصالح الناس في المقام الأول..

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:

هو ده ما قرره الأصوليون، قرر الأصوليون هذا بصراحة مثلما قرره الإمام ابن القيم في (إعلام الموقعين) وما قرره الإمام الشاطبي في (الموافقات) أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد.

يعني في الدنيا والأيه؟ والآخرة.

وذلك أمر بديهي لأن الله سبحانه وتعالى- غني عن الناس، يعني الله ليس في حاجة إلى الناس، الله غني عن العالمين فما شرعه إنما شرعه لمصلحة عباده، هو لا تنفعه طاعة من أطاع ولا تضره معصية من عصى، (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين)، (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم).

إذن لماذا شرع الله هذه الشريعة؟ لمصلحة العباد، كل ما في الأمر إن المصلحة ليست كما يتصور بعض الناس، بعض الناس يتصور المصلحة هي المصلحة المادية الدنيوية الجزئية الفردية الآنية القاصرة، لأ.. المصلحة قد لا تكون فردية، تكون مصلحة اجتماعية، قد لا تكون مصلحة مادية فقط.. مادية وروحية ومعنوية، قد لا تكون مصلحة آنية.. فيه مصلحة في المستقبل، قد لا تكون مصلحة لك ولكنها مصلحة لغيرك، لأن كل واحد بيريد المصلحة لنفسه ولكن لأ.. الله سبحانه- حينما يشرع المصالح يراعي هذه الجوانب التي قد يقصر عقل البشر العادي عن الإحاطة بها من جميع الجوانب. ولذلك الله (يعلم المفسد من المصلح)، (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

هذه يعني الآية تدل على إنه هذه الشريعة..

يمكن السؤال اللي سألته في الأول الإنسان والشريعة.. ما هو من خالق الإنسان؟ الله. ومن منزل الشريعة؟ الله. فالله خالق الإنسان لا يمكن أن يأتي له بما يضاده ويناقضه، هو خلق الإنسان مزدوج فيه الروح وفيه المادة وكما قلت- يضحك ويبكي.. ويسر ويحزن.. ويهدأ ويثور.. ويرضى ويسخط.. ولكن الله الذي خلقه عرف فيه هذا، لأن هو الخالق. مش دايماً لما مصنع بيصنع جهاز بيعمل مع الجهاز ده إيه؟ كتالوج.

ماهر عبد الله:

تعليمات.

د. يوسف القرضاوي:

يقول لك كيف تشغل هذا الجهاز، كيف تعمل كذا ويِدِّيلك الخطوات، طب ولو حصل خلل تعمل إيه وكذا وبعدين، الله هو صانع هذا الجهاز، هذا الإنسان وهو أعلم بما يصلح الإنسان وما يفسده، ما يرقى به وما يهبط به. فمن أجل ذلك لابد أن نأخذ العلاج الإلهي والهداية الإلهية لهذا الإنسان من خالقه أي من شريعته التي أنزلها على خاتم رسله محمد -صلى الله عليه وسلم- لتكون رحمة للعالمين وهداية للحائرين.

ماهر عبد الله:

طيب بالآية هذه: رحمة للعالمين ندخل في صلب الموضوع كيف وأنت رجل مطلع على علم الأصول وفقيه ودرست التاريخ أيضاً- كيف عالجت الشريعة هذا الموضوع تحديداً؟ ما هي العوامل التي تتوافر عليها الشريعة لتضمن هذه الصلاحية؟

د. يوسف القرضاوي:

هناك عوامل خمسة ذكرتها قديماً في كتاب لي وأنا أستطيع أن أضيف إليها عاملين آخرين، هذه العوامل الخمسة نعددها ثم نحاول أن نلقي عليها.. كل واحد منها ضوءاً.

أولاً: أن الشريعة لم تنص على حكم كل شيء.

هناك أشياء نصت عليها وأشياء لم تنص عليها.. تركتها. ثانياً: الأشياء التي نصت عليها الشريعة العامل الثاني- لم تنص عليها بطريقة جزئية تفصيلية، وإنما كثيراً ما يكون النص على الأحكام بطريقة كلية إجمالية وتترك التفصيل للزمن ولاجتهاد العقول. الأمر الآخر الثالث: هو إن حتى الأشياء التي جاءت فيها نصوص تفصيلية الشريعة صاغتها بطريقة تقبل تعدد الأفهام واختلاف التفسيرات، يعني لم تجعلها إنها فقط- تقبل وجهاً واحداً ولا.. لأ.. هي مصوغة بطريقة يمكن أن يعني- يقبلها هذا بشكل وهذا بشكل ويفهمها هذا بصورة وهذا بصورة أخرى، وهذا من رحمة الله تعالى- بالناس. الأمر الثالث[الرابع]: أنه الشارع جعل هذه الشريعة قابلة لتغير الأحكام والفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف إلى آخره، فهي حتى تراعي ظروف الزمان والمكان والإنسان.

الأمر الخامس أو العامل الخامس: هو مراعاة الضرورات والحاجات والظروف الاستثنائية التي تطرأ على الحياة وتنزل بالناس.

فهذه العوامل الخمسة جعلت هذه الشريعة قابلة لمواجهة التطور ومواجهة التغير والصلاحية لكل زمان ومكان وإنسان.

ماهر عبد الله:

لو عدنا إلى البداية، أنت ذكرت.. وأعتقد أنه تطرقنا إلى هذا قليلاً في الأسبوع الماضي ما أسميته بمنطقة (العفو). أولاً مشروعية منطقة العفو هذه، يعني قد يكون هذا اجتهاد عقلاني صرف. إلى أي مدى لم يكن الشارع عبثياً في أنه سكت عن بعض الأشياء؟

د. يوسف القرضاوي:

الشارع في الحقيقة- ترك هذه المنطقة قصداً، يعني ما.. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم- في الحديث وهو من أحاديث الأربعين النووية: (إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان مش ناسي- فلا تبحثوا عنها). هذه الأشياء إذن ربنا تركها قصداً، وجاء في الحديث الآخر: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: (وما كان ربك نسيا) قول الله تعالى: (وما كان ربك نسياً)، (لا يضل ربي ولا ينسى). فإذن الأشياء هذه ربنا فعلها هذا رحمةً بنا، لماذا هناك معيار وراء الأشياء التي نص عليها والأشياء التي لم ينص عليها. الأشياء التي تتغير كثيراً بتغير الزمان والمكان والإنسان لم ينص عليها، تركت. لأنه لو نص عليها سيجمد الحياة ويجمد الإنسان.. تركها. والأشياء التي لا تتغير مثل العبادات هذه جاء عنها نصوص في القرآن ونصوص أكثر في السنة، مثل شؤون الأسرة مثلاً لم يفصل القرآن في أمر كما فَصَّل في شؤون الأسرة، وفَصَّل في شؤون الطلاق والانفصال أكثر مما فصل في شؤون تكوين الأسرة وإنشاء عقد الزواج، لأن الناس في حالة الغضب وفي حالة انفصال بعضهم يجور بعضهم على بعض، فاحتاجوا إلى الضوابط في هذه الحالة، ولذلك وَسَّعَ في سورة البقرة وفي سورة الطلاق، فكان ابن مسعود وبعض الصحابة يسمون سورة الطلاق الصغرى وسورة الطلاق الكبرى، سورة الطلاق الكبرى البقرة، لأنه وسع فيها أكثر مما وسع في السورة التي سميت بسورة الطلاق، ذكر أحكاماً كثيرة.

فهناك أشياء لا تجد مثلاً يمكن بعض الناس اللي درسوا القوانين، ييجي يقول لك: طب فين قانون الإجراءات أو قانون المرافعات أو قانون.. لا يكاد يوجد نصوص في هذه الناحية، لأن الأشياء الإجرائية والأشياء دي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فلا يوجد فيها نصوص وإذا وجد نصوص قليلة جداً. فمن أجل هذا ترك الشارع هذه المنطقة التي سماها الرسول (ما سكت عنه فهو عفو) وأنا سميتها منطقة العفو أخذاً من هذا الحديث، عفا الله عنها فتركها لنا لنملأها بطرق عديدة من طرق الاجتهاد، عندنا طريق القياس: إلحاق شيء يعني فرع بأصل لمساواة.. لاجتماعهما في علة مشتركة وليس بينهما فارق معتبر، عن طريق الاستحسان وهو إنه القياس إذا قبح يجمل الاستحسان في هذه الحالة ويخرج من القاعدة الكلية إلى شيء جزئي استحساناً، أو مثلاً هناك الاستصلاح المصلحة المرسلة، وهذه قالوا إن المالكية هم الذين قالوها ولكن ذكر الإمام القرافي أن كل المذاهب أخذت بالمصالح المرسلة، وهذا حقيقة، مَنْ يقرأ في كتب المذاهب يجد كل المذاهب قالت بالمصلحة المرسلة، ولكن يمكن مذهب أكثر أو أوسع من مذهب، هناك مراعاة العرف، هناك الأخذ بالاستصحاب، هناك قول الصحابي، هناك شرع من قبلنا، هذه مصادر تبعية أو أصول تبعية. فهذه كلها أعطتنا نوعاً من السعة، لأن لو ألزمنا الله في كل شيء بنصوص هذه النصوص ستقيدنا فترك هذه المساحة الكبيرة والرحبة لعقل المجتهد المسلم هذا لا شك من عوامل السعة والمرونة.

ماهر عبد الله:

طب اسمح لي ما ذكرته من مصادر تبعية كلها يقع تحت باب الخلاف يعني حتى القياس الأكثر أو الأقرب إلى القبول الإجماعي حتى القياس للبعض عليه تحفظات.

ما مدى مشروعية هذه اليوم؟

قد يكون مثلاً رجل مثل الإمام أبو حنيفة إذا قال بالاستحسان يستطيع أن ينافح عنها أمام علم كبير مثل الشافعي رفضه. اليوم هل هي أصبحت هذه المصادر التي أسميتها تبعية- من المعلومة عند الأصوليين بالضرورة؟

د. يوسف القرضاوي:

معلومة طبعاً، بالرغم من إنه اختلف فيها الناس إنما القياس أخذ به جمهور الأمة ما عدا فئة قليلة من المعتزلة والظاهرية، يعني المعتزلة رغم إنهم ناس عقليون بعضهم رفض القياس، إنما جمهور الأمة قالوا بتعليل الأحكام، حتى إن هناك بعض المتكلمين بعض علماء العقائد رفضوا تعليل أفعال الله وقالوا: أفعال الله لا تعلل ولكنهم قالوا: أحكام الله تعلل. فهم متفقون على تعليل الأحكام، أن الله لا يشرع شيئاً إلا لحكمة ولعلة عرفها مَنْ عرفها وجهلها مَنْ جهلها. ومَنْ تدبر القرآن الكريم وتدبر الأحاديث الشريفة وتدبر الوقائع وجد أن القرآن يعلل كل شيء، حتى العبادات معللة في القرآن، يعني الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الزكاة تطهرهم وتزكيهم بها، الحج ليشهدوا منافع لهم، الصيام لعلكم تتقون، يعني حتى العبادات فما بالك بغيرها؟

ولذلك نجد هذه: (لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، (لئلا يكون..)كذا. هذه كلها.

حتى قال الإمام ابن القيم إن هناك التعليل ده في القرآن بصيغه المختلفة في نحو ألف موضع، في نحو ألف موضع من النصوص الشرعية. فلذلك نحن نقول إنه العلماء متفقون على تعليل الأحكام، القياس قال به جمهور الأمة وأصبح شيئاً مقرراً، تعتبر هذه المصادر الأربعة اللي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس يعني شبه متفق عليها. هناك ابن حزم الظاهري أو الظاهرية نازعوا في مسألة القياس، ولكن أيضاً أتوا بأشياء يعني غريبة.

يعني حينما يسأل الرسول عليه الصلاة والسلام -عن فأرة وقعت في سمنة يقول: خذوها وألقوها وانتفعوا مثلاً- بما حولها أو كذا. هو ابن حزم يقول لك ده في الفأرة وفي السمنة، إنما لو مثلاً- شيء آخر مثلاً اللي بنسميه العِرْسَة أو أي حاجة مثل الفأر وقعت وافرض بلاش سمنة افرض في زيت أو في..، يقول لك لأ.. هي الفأرة..، لأ هذا كلام يعني ما.. ، وأحياناً يرفض أشياء -يعني- لما يقول الرسول: لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم. فابن حزم يقول لك الحديث في البول في الماء الدائم، إنما لو أن واحد بال في قارورة وصبها في الماء يقول لك لأ.. هذا لم يخالف الحديث لأنه لم يبل في الماء. هذا.. فلذلك منطق الذين يرفضون القياس منطق غير مقبول. فهذه المصادر الأصلية، والمصادر التبعية كما قال الإمام القرافي إن جميع المذاهب تقول بالمصلحة ماعدا ابن حزم والظاهرية، إنما كل المذاهب ترعى المصالح.. فالمصلحة.

والاستحسان يؤخذ به عند إذا طبقنا القاعدة الكلية قبحت، مثلاً سيدنا عمر جاءه بعض الورثة في تركة وبعدين حكم لهم وكان من ضمن إخوان لأم وإخوة لأب وأم، فالإخوة لأب وأم دُوُلا بيعتبروا في نظر الشرع عصبة يعني مهمتهم إنهم منتظرين كده بعد توزيع التركة على أصحاب الفروض، ده الربع وده التُّمن وده السدس وده الكذا ياخدوا الباقي، فلما سيدنا عمر وَزَّع وَزَّع كذا وبعدين بقيت ثلث التركة أعطاها للإخوة لأم..

ماهر عبد الله:

تسمح لي نعود إليها بعد الموجز.

د. يوسف القرضاوي:

طيب إن شاء الله.

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

الحقيقة نعتذر عن خلل فني، بسبب تأخرنا في الدخول إلى الأستوديو فاتنا أن نبدأ هذا البرنامج بتقديم العزاء في عَلَمَين من أعلام هذه الأمة، قضيا نحبيهما قريباً. والحقيقة أترك الفرصة للشيخ وهو من يعرفهما معرفة جيدة، مولانا.. أنا أعتذر أنني لم أذكرك بالموضوع. يعني فقدنا الإمام ابن عثيمين، وفقدنا الشيخ محمد مهدي شمس الدين من لبنان.

د. يوسف القرضاوي:

بسم الله الرحمن الرحيم. هذا يدل على أن الإنسان ينسى. ذكرنا في الحديث قوله.. أن النبي صلى الله عليه وسلم- استشهد بالآية الكريمة قال: (وما كان ربك نسيا) وهذا معناه إن الإنسان ينسى ولكن الله لا يضل ولا ينسى. ولذلك نُسيَ هذا الأمر أن نبدأ بتقديم العزاء في هذين العلمين، نحن كما رأينا- أن هذه المرحلة فقدنا فيها عدداً من أعلام الأمة. تحدثنا عنهم في هذا البرنامج في حلقاته المختلفة. ابتداءً من علاَّمة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وبعده فقيه الأدباء وأديب الفقهاء الشيخ على الطنطاوي، وبعده فقيه الأمة الشيخ مصطفى الزرقا، وبعده مُحدِّث الأمة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وبعده العالم الرباني والداعية الكبير الشيخ أبو الحسن الندوي، يعني رحم الله الجميع، وهناك علماء آخرون سبقوهم أو لحقوهم، الشيخ منَّاع القطان، الشيخ محمد المجذوب، والشيخ عطية سالم، وآخرون من علماء الأمة. ثم ها نحن نفقد في يوم واحد عالماً من علماء السُّنة، وعالماً من علماء الشيعة، العالم الأول هو العلامة الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين، وهو عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، وهو رجل عاش عمره معلماً، ومرشداً، ومفتياً، ومدرساً في المسجد الحرام، ومدرساً في جامعة الإمام محمد بن سعود، ويقصده الناس للاستفتاء والتعلم فلا يدخر وسعاً في تعليم الناس، وفي إفتائهم، وكان رجلاً يتبع الأدلة من الكتاب والسنة، وكان بعيداً عن المظاهر، وطلب المناصب والجاه، حتى إنه في سنة من السنوات منح جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، فلم يُكلف نفسه أن يحضر ليتسلم الجائزة، ويلقي كلمته بهذه المناسبة ولكن أناب عنه من ألقى الكلمة ومن تسلم الجائزة، فهذا يدل على أنه رجل غير مشغول إلا بالعلم وبالدين، رحمه الله، كان الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين أحد العلماء المعدودين لم ألقه كثيراً في حياتي، لأنه لا يترك المملكة العربية السعودية ولا يشترك في المؤتمرات وهذه الأشياء التي يلقى الإنسان فيها كثيراً من العلماء، ولكني لقيته في المدينة المنورة في أحد المؤتمرات العالمية.

ولقيته منذ سنتين في شهر رمضان المبارك، وكنت على وشك أن أزوره منذ شهرين أو أكثر، عندما انعقد المجمع الفقهي في الرياض، فعرفت أنه مريض ونويت أن أزوره، ولكن عندما اتصلت به لم أجده في البيت.

رحم الله الشيخ ابن العثيمين، وجزاه خيراً عمَّا قدَّم من علم، ونسأله تعالى- أن يجزيه خير ما يجزي به العلماء العاملين، والدعاة الصادقين.

العالم الآخر الذي فقدناه هو سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، وهو أحد الرجال المعدودين. هو صحيح رئيس المجلس الشيعي.. ولكنه كان رجلاً غير متعصب، عاش عمره داعياً إلى التسامح لا إلى التعصب، وإلى الوحدة لا إلى الفرقة، وإلى الاعتدال لا إلى الغلو، ولذلك كان قريباً من علماء أهل السَّنة، ومن رجال أهل السَّنة في لبنان، وفي غير لبنان، وترك عدة كتب نافعة، وكان رجلاً حر الفكر، حتى إنه خالف نظرية الإمام الخميني المعروفة باسم نظرية الفقيه، ولاية الفقيه، وقال: الولاية للأمة وليست للفقيه. فهذا يحسب له في ميزانه أصاب أم أخطأ، كذلك كان من أعداء الصهيونية، ومن المقاومين لإسرائيل، ومن المؤيدين للمقاومة اللبنانية والفلسطينية، ومن أعداء التطبيع. وقد كتب في ذلك كله فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر له ويرحمه، ويغفر لنا جميعاً، ويرحمنا، ونسأل الله أن يعوِّض الأمة فيمن فقدته خيراً اللهمَّ آمين.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

يبدو مولانا- أن قصة سيدنا عمر مع الاستحسان والورثة لم يكتب لها أن تأتي دفعة واحدة، يعني كنت في معرض تدليك على أن الاستحسان له ضرورة..

د. يوسف القرضاوي:

تكلمنا عن مسألة الاستحسان، وهو.. لأن سيدنا عمر حينما أفتى -في أول الأمر- في هذه القضية التي عُرضت عليه اتبع القواعد والقياس، وقال للإخوة لأم: أنتم لكم الثلث، وهم الذين جاء فيهم قول القرآن: (فهم شركاء في الثلث)، والإخوة لأب وأم قال: أنتم لا شيء لكم. لم يبق لكم من.. أنتو عَصَبة ولم يبق لكم شيء. فقال له بعضهم: يا أمير المؤمنين.. هب أن أبانا كان حماراً، وفي بعض الروايات: هب أن أبانا كان حجراً ألسنا من أم واحدة؟ طب هم دُولا ورثوا من أجل أمهم، طب ما إحنا مشتركين معاهم في الأم. ألسنا من أم..؟ فسيدنا عمر رجع عن هذا الرأي اللي كان أفتى به من قبل، وقال.. وأشرك الجميع فيما بقي من الأيه..؟ من التركة، الإخوة لأب والإخوة لأم. سيدنا عليّ خالفه في هذا، فقال بعض العلماء: القياس ما قال عليُّ، والاستحسان ما قال عمر. عمر قال بهذا استحساناً، علي طَبَّق القواعد. وعمر خرج عن القاعدة إلى هذا، حتى لا يقال له (...): هب أن أبانا كان حجراً أو حماراً، ألسنا من أم واحدة؟ فأشرك.. ولذلك تُسمى المسألة المشرَّكة، وبعضهم يسموها المسألة الحمارية أو الحجرية على ما قاله هؤلاء: هب أن أبانا كان حماراً أو كان حجراً في اليم.

ماهر عبد الله:

هذا كان الموضوع الأول، ولابد من تفصيل في المواضيع الأخرى، والحديث فيه يطول. ذكرت عامل آخر أن حتى ما نُصَّ عليه -هذا كان فيما لم ينص عليه الشارع- ذكرتم أن حتى ما تم النص عليه كان كثيراً في عموميَّات وكليَّات.

د. يوسف القرضاوي:

كان يُنص عليه بطريقة كلية، طريقة إجمالية، لا يدخل في التفصيل ويترك التفصيل لاجتهاد المجتهدين حسب الزمن، مثلاً أضرب لك مثل- الله تعالى قرر مبدأ الشورى في كتابه، وقال عز وجل في وصف مجتمع المؤمنين: (وأمرهم شورى بينهم) في القرآن المكي وفي القرآن المدني قال: (وشاورهم في الأمر) وسُنَّ..

يعني كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس مشاورة لأصحابه كما رأينا في غزوة بدر، وفي غيرها. ولكن هذا جاء النص بعد هذه- بطريقة كلية، لم ينص على من يُستشار، من هم الذين يُستشارون، وفي أي مواضيع يُستشارون وأي مواضيع لا يُستشارون، هل نستشير في كل شيء أو في أشياء دون شيء؟ وماذا نفعل بعد الشورى؟ هل الشورى مُعْلمة أم ملزمة؟ تفاصيل كثيرة لم يذكرها، لماذا؟ لأنه لو ذكر تفاصيل في هذه القضية لكان لابد أن تكون هذه التفاصيل مناسبة لعصر النبوة، وربما لم تناسب العصور الآتية، ولذلك ترك هذه التفصيلات واكتفى بتقرير المبدأ والقاعدة، وبعد ذلك المسلمون يملؤون الفراغ بما يناسب زمانهم ومكانهم وفق القواعد ووفق المقاصد الشرعية. فهذا أعطى نوعاً من السعة والمرونة حيث لم ينص على الجزئيات والأيه؟ والتفاصيل.

ماهر عبد الله:

وأيضاً هذه جزء من قصد الشارع؟ يعني أيضاً ليست.. ؟

د. يوسف القرضاوي:

نعم، مقصود هذا، مقصود من غير شك. والعامل الثالث: إنه حتى الأشياء اللي ذُكرت فيها نصوص تفصيلية هذه النصوص التفصيلية كانت مصوغة صياغة بحيث تقبل تعدد الأفهام واختلاف التفسيرات. وهذا أمر في غاية الأهمية، ولذلك نحن نقول: هذا أمر ظني الثبوت ظني الدلالة، ما معنى ظني الدلالة؟

يعني الدلالة تقبل فيه أكثر من فهم وأكثر من تفسير. وهذا مقصود أيضاً، لأن ربنا سبحانه وتعالى- يريد أن يوسع علينا لا يريد أن يُضيق. لو أراد أن يجعل الأمر رأياً واحداً ونهجاً واحداً، لكانت الصياغة بحيث لا تقبل أي فهم آخر ولا أي تفسير آخر، ولكن الله سبحانه وتعالى- صاغها بهذه الطريقة، يعني تقبل الحقيقة والمجاز، والتصريح والكناية، والفهم بالإشارة، والفهم بالعبارة، والفهم بالفحوى، ولذلك وجدنا الأصوليين يختلفون، ووجدنا الفقهاء يختلفون، يعني تجد.. مثلاً الأصوليين.. الأمر هل هو للوجوب؟ أو هو للاستحباب؟ أو هو للإباحة؟ أو للأمر المشترك بين الوجوب والإباحة؟ أم لا يدل على الوجوب إلا بقرينة؟ أم ما كان في القرآن يدل على الوجوب، وما كان في السُّنة يدل على الاستحباب؟ آراء كثيرة في الأصول، وفي الفقه نفسها، هل هذا النص علامَ يدل؟ افرض واحد مثلاً: (أو لامستم النساء).. يا ترى الملامسة هل هي على ما يُفهم حقيقة من اللمس، يعني البشرة تمس البشرة أو كما قال ابن عباس: المس واللمس والملامسة في القرآن كناية عن الجماع، ولكن الله حييٌّ كريم يُكنِّي عمَّا شاء بما شاء. يعني ما بيجبهاش على بلاطة كده زي ما بيقولوا، لأ، يعني بالكناية. ولذلك أخذ ابن عمر بشيء وابن عباس بشيء، وأخذ الإمام الشافعي بظاهر الـ.. من لمس امرأته انتقض وضوءُه، وأخذ أبو حنيفة إنه لأ، هذا اللمس يعني الاتصال الجنسي، وهكذا.. فلذلك تعدد الأفهام هذا أعطانا سعة، يعني يمكن فهم يصلح في بيئة ولا يصلح في أخرى.

ماهر عبد الله:

اسمح لي في هذه.. ألا تثور هنا شبهة أن يكون في الأمر شيء من تسيُّب؟ هل هناك عملية ضابطة لهذه الأفهام؟

د. يوسف القرضاوي:

طبعاً.

ماهر عبد الله:

يعني ما بين اللمس إلى الجماع الفرق شاسع يعني.

د. يوسف القرضاوي:

آه، ولكن كل واحد مش بيقول على هواه. لأ، واحد بيقول لك أنا هأخذ بحقيقة الأيه؟ اللفظ. يعني اللغة فيها حقيقة وفيها أيه؟

ماهر عبد الله:

مجاز.

د. يوسف القرضاوي:

مجاز، فواحد قال: أنا هاخد بالحقيقة، لأن الأصل في ألفاظ الأيه؟ الحقيقة، وأنا ما الذي يجعلني أترك الحقيقة إلى المجاز؟ الآخر قال له: لأ، أنا باخد المجاز لسبب، وهو أن هناك قرينة تدل على هذا الأمر، وإنه كلمة الملامسة في القرآن، واللمس والمس في مواطن أخرى دلت على هذا، وهي قوله -تعالى- مثلاً: (إذا طلقتم النساء من قبل أن تمسوهن) فليس المقصود أن تمسوهن يعني تضع إيدك على إيديها كده، ومثلاً قالت السيدة مريم: (ولم يمسسني بشر ولم أك..) هذا المقصود به أيه؟ يعني.. فمش كل واحد بيقول على هواه. كل واحد وفق الأصول والأدلة بيحاول يستدل لرأيه، مش بياخد يقول أنا أقول كذا وخلاص، لأ، يستدل.. وده خلاف العلماء، وهذا الخلاف فيه سعة ورحمة للأمة والحمد لله.

ماهر عبد الله:

لو عرجنا تعريجة بسيطة فقط، يعني ما هي أسباب الاختلاف في تعدد الأفهام وتعدد التفسيرات؟

د. يوسف القرضاوي:

هنا.. هذا كنت أنا أريد أن أقوله في العامِلَين اللذين أردت أن أضيفهم على هذه العوامل الخمسة..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

إذا حبيت نؤجلهم ممكن..

د. يوسف القرضاوي:

لأ، لا.. لا.. مادام سئلنا نتكلم عنه. والعاملين الآخرين شرعية الاجتهاد وشرعية الاختلاف، يعني أن الشرع شرع لنا الاجتهاد، أنا حتى قلت في بعض ما كتبت: الاجتهاد فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، لابد أن نجتهد، وإلا ماذا نفعل؟ الشرع عبارة عن نصوص، والنصوص لابد أن يفهمها الناس، فلابد أن نجتهد، ومن روائع شرعنا إنه شرع لنا الاجتهاد وأجاز لنا الخطأ وعذر المخطئ، مش بس عذر المخطئ دا أَجَرَ المخطئ، يعني كنا نتوقع أن يقول: المخطئ معذور، لأ قال: المخطئ مأجور، بس يكون من أهل الاجتهاد، ليس من الدخلاء، ما هو فيه ناس يقحكون أنفسهم في هذا الميدان وليسوا من أهله، واحد يمكن لم يقرأ كتاباً في الأصول، واحد لم يعرف كتاباً في الحديث، واحد لم يتمرس بالفقه، وييجي يعمل نفسه مجتهد، وهي ودي المشكلة، إنما إذا كان من أهل الاجتهاد وأخطأ، الشرع يقول لك: له أجر واحد، إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر، إذا أصاب له أجر الإصابة وأجر الاجتهاد، وإذا أخطأ له أجر إنه بذل جهده، ما هو معنى الاجتهاد هو أيه؟ بذل الجهد في تحصيل الحكم الشرعي، استفراغ الوسع كما يقول العلماء- حتى () بيقول: بذل آخر الجهد، استفراغ الطاقة، يعني يبذل آخر ما عنده حتى يستطيع أن يصل إلى الحكم، بذل ولكنه لم يوفق، لا يحرم من الأجر، وهذا من روائع الإسلام إنه بيشجع حتى على الخطأ، يعني اجتهد ولو أخطأت.

ماهر عبد الله:

طب شرعية الاختلاف؟

د. يوسف القرضاوي:

شرعية الاختلاف هذا أمر مهم جداً وهو إنه ما دام أباح لنا أن نجتهد ونحن لسنا نسخاً مكررة، صور يعني كربونية أو صور من شيء واحد، كل منا له عقله، وله المؤثرات عليه، له ثقافته، فلابد أن نختلف، مادمنا سنجتهد، فلا بد أن نختلف، وهذا أمر مشروع، ولذلك الصحابة اختلفوا رضوان الله عليهم- والنبي عليه الصلاة والسلام- رآهم يختلفون ولم يمنع الاختلاف، يعني في قصة معروفة اللي هي قصه صلاة العصر في بني قريظة بعد غزوة الأحزاب وغدر يهود بني قريظة، كان المفروض إن بني قريظة يكونوا مع النبي -عليه الصلاة والسلام- في مقاومة المغيرين على المدينة- كما هو المعاهدة التي بينه وبينهم -اللي هم عكسوا الأمر، انضموا إلى المغيرين وغدروا بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في ساعة الشِّدة والعسرة، فبعد أن (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال) وانتهوا من معركة المشركين، قال: لابد بقى من تأديب هؤلاء، بني قريظة، فقال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة). فالصحابة نهضوا عشان يروحوا إلى بني قريظة، طب جُم في الطريق مجموعة منهم وجدوا أن الشمس (تتضيف) للغروب يعني أصبح.. قَرُبَ غروبها، قالوا: هل نضيع العصر؟ لم يرد النبي -عليه الصلاة والسلام- منا أن نضيع الوقت ولكن أراد منا سرعة النهوض، فلنصلِّ في الطريق، وخصوصاً إن إحنا إذا ما صليناش هنا سنصلي بعد ما نروح يعني الوقت لابد إننا نقضيه في الصلاة هنا أو هناك، فلنصلِّ العصر في وقتها. فأخذوا بفحوى النص، بمقصود الأمر النبوي، لكن هناك آخرون قالوا: لأ، هو قال فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، فلا نصليها إلا في بني قريظة ولو وصلنا منتصف الليل، يعني بني قريظة كانت في ضواحي المدينة، فجماعة أخذوا بمقصود النص، وجماعة أخذوا بحرفية النص، وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم- فأقر هؤلاء وهؤلاء، لماذا؟ لأن الاثنين صنفان موجودان في الحياة، فيه الصنف الحرفي، وفيه الصنف المقاصدي، فلا يمكن إلغاؤهما حتى في تفسير القوانين، في شرح القوانين، هناك فيه مدرسة الفحوى الموسعة، وفيه المدرسة المضيقة، مدرسة حرفية النص، فيه حتى في القوانين. فالرسول أقر هؤلاء وهؤلاء، وفي أشياء كثيرة اختلف الصحابة ولم ينكر عليهم في هذا، وبعد عصر النبوة كان الاختلاف أكثر، ولكن المهم إنه وسع بعضهم بعضاً، وصلى بعضهم وراء بعض، وكان سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: والله ما أود أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا، لأنه لو لم يختلفوا لكان أمراً واحد ولا يسعنا خلافه، ولكن لما اختلفوا تستطيع أن تأخذ برأي هذا أو برأي ذاك أو برأي ذلك، وفي كل سعة. وأنا أزيد على هذا إنهم لما اختلفوا شرعوا لنا إن الاختلاف أمر مشروع فأصبح..، إذا كان الصحابة اختلفوا فما بالك بمن بعدهم؟ فلذلك قالوا اختلافهم رحمة. وقال الإمام ابن تيمية: اختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة. ولذلك أنا ذكرت في بعض كتبي أن اختلاف الفقهاء في المسائل المختلفة هذه رحمة وسعة وضرورة وذكرت إنه ضرورة، ضرورة تقتضيها طبيعة الدين، وتقتضيها طبيعة اللغة، وتقتضيها طبيعة البشر، وتقتضيها طبيعة الكون نفسه.

فأما إنها تقضيها طبيعة الدين لأن الدين لم يرد أن يكون الناس شيئاً واحداً، الله أنزل القرآن منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، لو أراد إنه يكون كله محكمات كان..، طب ليه جعل المتشابهات؟ ودي تختلف فيها، إذن هذا الله أراده، كان يجعل كله نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة. أيضاً طبيعة اللغة: اللغة كما ذكرنا- فيها الحقيقة وفيها المجاز وفيها الصريح وفيها الكناية، فطبيعة اللغة تقتضي إن الناس وهم يفهمون الدين وهو الدين نصوص لغوية فلابد أن يختلف الناس في فهمها. طبيعة البشر: البشر كما قلنا- منهم المشدد ومنهم الميسر، شدائد ابن عمر، ورُخَص ابن عباس. فلذلك حتى قلنا إن الأنبياء.. يعني أخوان، سيدنا موسى وسيدنا هارون وهما أخوان كل واحد له طبيعة..، وهو ابن أب واحد وأم واحدة، فلابد أن يكون الاختلاف لمراعاة طبائع البشر، فيه الظاهري وفيه المقاصدي، فيه المشدد وفيه الميسر، فيه من يراعي الزمان والمكان ومن لا ينظر إلا إلى.

فهذا كله اقتضى إنه الاختلاف..، غير طبيعة الكون والحياة، الكون خلقه الله مختلفاً ألوانه، اختلاف الألوان.. التنوع، الظاهرة -اللي إحنا بنسميها ظاهرة الأيه- التنوع، فظاهرة التنوع في الكون هذه أيضاً لازم يكون فيه تنوع في الفقه، ولذلك عندنا مذهب أهل الأثر ومدرسة أهل الأثر، ومدرسة الرأي، والمدرسة الظاهرية، والمدرسة المقاصدية، ومن يقول بالقياس، ومن ينكر القياس، هذا كله..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

طب.. في هذا الإطار كيف تصنف حملات مفكرين كبار في هذا القرن إنه لابد من التخلي عن المذهبية وإنه المذاهب شافعي حنفي أضاعت من وقت الأمة وهي جزء من سبب التفرقة، يعني ضمن ما تقولون يبدو الأمر طبيعي وكان لابد من وجوده.

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

لأ هو الذي أدعو إليه عدم التعصب للمذاهب، ولكن لا ألغي المذاهب، لا نستطيع أن نلغي المذاهب، إنما المذاهب مدارس، المذهب هو إمام رأى آراء وجاء بعده تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وخدموا هذا الأمر، وكل مذهب خدمته عقول عبقرية على طوال القرون، فأصبح كل مذهب مدرسة هائلة فيه يعني من المصادر الفقهية ما تفخر به هذه الأمة. ولذلك يعني المؤتمرات العالمية والدولية قالت: يجب الانتفاع بالثروة المذهبية واعتبار أن هذه ثروة تشريعية حقوقية يعني لابد أن تستفيد منها، فلذلك أنا لا أقول بإلغاء المذاهب لأ، ولا أطعن في المذاهب أيضاً كما يفعل بعض القاصرين. نقول: هذه المذاهب ثروة هائلة، ولكن الذي أنكره التعصب للمذهب، قد أكون أنا مذهبي.. أنا مذهبي الرسمي حنفي، وكنت حنفي بالصدفة. يعني إحنا قريتنا في مصر قرية شافعية، معظم أهل الوجه البحري في مصر شوافع، قريتنا شافعية، وكنت اللي في ذهني إن أنا هأقدم شافعي كأهل القرية عشان لما أدرس لهم أدرس لهم المذهب بتاعهم، ولكن العالم الذي كتب لي طلب الانتساب إلى الأزهر، وهو بيقول لي كده: أيه رأيك يا شيخ يوسف مذهبك هتعمله أيه؟ أيه رأيك تخليك حنفي مثلي؟ هو كان حنفياً رحمه الله الشيخ عبد المطلب البتا. فقال أيه رأيك تكون حنفي مثلي؟ قلت له: خلاص خليني حنفي مثلك. فيعني هكذا، هل هذه تحكم على الإنسان إن أنا يعني أكون حنفي حتى وإن بدا لي بعض الأشياء إن المذهب الحنفي ضعيف أو مضيق في هذه، لماذا لا أترك المذهب الحنفي في الشيء الذي يضيق فيه إلى مذهب آخر وَسَّع فيه، ولذلك كثيراً ما ذهب بعض المذاهب.. فقهاء الحنفية خرجوا من مذهب أبي حنيفة إلى مذهب مالك، لأن وجدوا مذهب مالك أوسع في هذه القضية، قضية مثلاً المفقود، مثلاً المذهب الحنفي يقول الشخص المفقود في الحرب أو في سفر أو كذا تظل امرأته حتى يبلغ عمره التسعين. شوف يمكن هو عمره 20 سنة، يقول لما يبقى عمره 90، تقعد 70 سنة والبعض يقول لك: لأ. حتى يموت آخر أقرانه، يعني لو كان واحد من أقرانه عُمِّر وقعد لـ 120.. طيب ومراته المسكينة دي تقعد لا تتزوج، وتركته لا تُوزع و..!! فأخذ بعض الأحناف، قال لك: نأخذ بمذهب مالك، يعني، فهذه المذاهب ثروة لنا ننتفع.. خصوصاً إذا أردنا مثلاً أن نقنن، يعني نقنن، افرض هنا في قطر عايزين يعملوا قانون الأحوال الشخصية، لا. لماذا يلتزمون بمذهب واحد!! نحن نأخذ من المذاهب -يعني- أسمح ما فيها وأرحب ما فيها وأوسع ما فيها، حتى نوسع على الأمة.

ماهر عبد الله:

طيب سنؤجل الحديث على العاملين الآخرين لأنه عندنا مجموعة من الإخوة ينتظرون على الهاتف. معايا الأخ علي سعد من أمريكا. الأخ علي يتفضل..

علي سعد:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

علي سعد:

أخي ماهر: شكراً، الحقيقة إنه النور. نور العلم ونور الفتاوى والفقه وصلنا إلى أميركا عبر قناة الجزيرة، وهذا يعني شرف عظيم، وبركة من الله سبحانه وتعالى-.

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

مش سامع يا أخي

علي سعد:

فضيلة الشيخ..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

ممكن الصوت شوية.

علي سعد ]مستأنفاً:[

الدكتور، جزاك الله خيرا، الحقيقة سمعتكم بتتناقشوا حالياً حول المذاهب، هنا في داخل.. عندنا في أمريكا، كان الخلاف موجود حول المذاهب لحد أنه استطاع البعض يصلي في مسجد، والبعض الآخر يصلي في مسجد، إلا إنه بفضل الله تعالى.. و جامع الأزهر.. الفقهاء والمشايخ الذي آتون من جامع الأزهر، استطاعوا يوضحوا لنا هنا إنه اجتماع المذاهب رحمة نوعاً ما، وأصبحنا إخوة أكثر يعني، ما.. أصبحنا نتمشى بما يتمشوا به المشايخ هنا عندنا، سيدي بدي ألفت انتباهكم إلى نقطة معينة، إنه أمس يعني سمعنا من تليفزيون القاهرة، نشرة الأخبار.. حق الجرائد إنه الـ (S.S.I) قال: إن العالم الإسلامي في المستقبل إن هو 15 سنة بيحصل فيه متاهات ومشاكل يعني فقهية وغير فقهية، فالبعض قليلي الإيمان أصبحوا يسمعوا إلى هذا المنطق، يعني من باب قِلْ إيمان، فهل الخرافات يعني الذي كان يستخدموها بعض الناس، أصبح يستخدمها الـ (S.S.I)؟ فأرجو من فضيلة الشيخ توضيح لبعض المشاهدين، أو الذي يسمعوا الأخبار هذه، أن يكون فيه قوة إيمان، أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. وجزاكم الله عنا خيراً، وزادكم نور فوق النور، ورحم الله فقداءنا الذي قد انتقلوا إلى رحمة الله، وأطلب من الله تعالى أن يلحقنا بالصالحين.. وشكراً.

ماهر عبد الله:

مشكور يا أخ علي، مشكور جداً على مداخلتك، معي الأخ: عبد الحميد حاج خضر من ألمانيا، أخ عبد الحميد تفضل.

عبد الحميد حاج خضر:

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم..

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم ا لسلام .

عبد الحميد حاج خضر:

يا أخ ماهر إحنا مطلوب منا الشيء الكثير، مطلوب منا ألا نبطيء ولا نوجز.. ألا نبطيء ولا نخطئ، فأرجوك إنه..، لأن المسألة جداً حساسة ودقيقة يمكن يعرف بها الشيخ..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

لأ. هو مطلوب ألا نخطئ، لكن مطلوب أن نوجز!!

عبد الحميد حاج خضر ]مستأنفاً:[

نعم. لا نبطيء ولا نخطئ خير إن شاء الله، أخي الكريم.. أستاذنا الكريم، يعني تجديد الفقه الديني أسمع بيه منذ حوالي 30 سنة..

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

أنا لا أسمع الحقيقة..

ماهر عبد الله:

ممكن الصوت يا إخواننا شوية؟

عبد الحميد حاج خضر:

نعم.. يعني مسألة تجديد الفقه الديني.. الفقه مسألة نسمع بها منذ أكثر من 40 سنة تقريباً، فالحقيقة حدث في هذا المجال الشيء الكثير، ولكن يبدو لي، يعني من خلال ممارستي العمل العام احتجت إلى أن آخذ على الأقل بعض المبادئ التي أتحرك ضمنها، وبدأت بقراءة كتاب (المستصفى) للغزالي فوقفت أمام مشكلة، كأني أقرأ رياضيات، أو أقرأ فلسفة، وأقرأ أشياء منطقية، يعني كانت فعلاً مضنية جداً..

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

الأخ.. ثقافتك الأساسية أيه؟

عبد الحميد حاج خضر:

أنا مهندس.. مهندس ولكن مطلع أيضاً لي دراسة إنسانية في التاريخ والفلسفة، لكن.. فتتبعت هذه المشكلة.. هذه القضية منذ 40 سنة، ووفقني الله أخيراً إلى كتاب هو أمامي الآن، اسمه (نحو فقه جديد) للأستاذ جمال البنا، حيث طرح القضية فعلاً بشكل.. بشكل استطعت أن أستوعبه، فالمشكلة إنه الفقهاء عندما بدؤوا الاشتغال في عملية.. في القرن الثالث، وخاصةً في بداية القرن الرابع، كانوا متأثرين بخلفياتهم المعروفة، إما لغويين، أو يكونون من أصحاب الرواية مُحَدَّثين، أو كانوا أيضاً متأثرين بالمنطق الأرسطي، بالمنطق اليوناني، فمثل ما ذكرت لك إن الغزالي كان فعلا..، يعني كأني أدرس منطق أرسطو، فهنا مشكلة، لم أستطيع يعني فعلاً يعني- أدخلت عليَّ مشاكل كثيرة، في كتاب نحو فقه جديد، يجعل الأستاذ جمال البنا أن الضوابط الفقهية يجب أن تكون من منطلق..

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

لكن هذا يا أخي خارج الفقه، هذا يعني ليس من أهل الصنعة.

عبد الحميد حاج خضر:

نعم.. يا سيدي على كل الصنعة.. يعني هاي قضية أخرى نعم، لكن أنا أقول إنه.. تنطلق من القيم..

ماهر عبدا لله ]مقاطعاً:[

طيب.. ممكن.. ممكن أخ عبد الحميد.. ممكن تختم بسؤال للشيخ.. أخ عبد الحميد..

عبد الحميد حاج خضر:

نعم.. عزيزي. بسرعة يعني.

ماهر عبد الله:

أنا عايزك.. أنا عايزك بس، لأنه عندنا ناس على الهاتف، وعندنا بعض محاور لم نختمها بعد، ممكن تصيغ لي أن تختم بسؤال، أنا أعدك بأنه أفتح هذا الموضوع مع الشيخ، موضوع الأخ جمال البنا، لأنه يثور كثير من الكلام ممكن أتمنى عليك أن تختم بسؤال؟

عبد الحميد حاج خضر:

نعم، أنا أقول إنه يجب أن تكون القيم الحاكمة في القرآن والتي تتكرر مئات المرات: العدل، الحرية، الرحمة، التي تتكرر في كل آية، وكذلك قيم الجهاد، هي الرابطة لنا عندما نتحرك في القضايا الفقهية، لأن هذا بالنسبة للشعب، بالنسبة للإنسان العادي، يجب أن تكون القيم أيضاً داخل الشعب، حتى يكون هناك صلة بين الفقه وبين..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

طيب.. طيب.. أخ عبد الحميد مشكور جداً وإن شاء الله ستسمع تعليق بإذن الله من الشيخ، مشكور جداً يا أخ عبد الحميد، معايا الأخ عبدو السطو من سوريا أخ عبدو.. تفضل

عبدو السطو:

آلو. أخ ماهر، دكتور يوسف أحييكم من جوار ضريح الشيخ عقيل المانبجي، أحييكم وأقول لكم السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

أهلاً وسهلاً.. حياك الله. عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

عبدو السطو:

الحقيقة يا أخ ماهر، دكتور يوسف، يواجه المسلمون اليوم -في كل أرض يعيشون عليها، في صورة دولة مستقلة، أو في حالة أقليات محكومة- أموراً زمنية كثيرة، وشؤوناً جديدة في عالم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، بل وفي شؤون العبادات أيضاً، نشأت إما من المبتكرات الحديثة في عصر السرعة والتكنولوجيا الذي نعيش فيه، وإما من الوسائل والأساليب الجديدة في التجارة والصناعة والاقتصاد، وإما من تطور العادات والمقاييس الاجتماعية في الحضارة المعاصرة، دكتور يوسف إن دور الاجتهاد في الماضي قد أدى وظيفته خير أداء في خدمة الشريعة و إقامة فقهها العظيم، فملأ (الفراغ) الذي خلفته وفاة النبي -عليه الصلاة السلام- دكتور يوسف حبذا أن تكلمنا عن دور الاجتهاد في الوقت الحالي والمستقبل، طبعاً بعد أن عرفنا خطيئة الماضي -إذا كانت هناك خطايا- وما هو رأيك في هذا القول: "لقد كان الاجتهاد الفردي ضرورة الماضي، وهو اليوم ضرر كبير". شكراً لك يا دكتور يوسف، وشكراً لك يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله:

طيب.. مشكور، مشكور جداً يا أخ عبدو، يعني أدخلنا الأخ عبدو في محور تغير الزمان والمكان، الحقيقة يعني.. اسمح لي إن موضوع جمال البنا، وما يكتب.. الحقيقة وصلني الكثير من الاتصالات، والكثير من الفاكسات، ليست بخصوص هذه الحلقة، ولكن عبر السنة الماضية هذه تسأل عن هذا الطرح الجديد، الذي يتفضل به جمال البنا، وكونه سمى كتابه "نحو فقه جديد".

د. يوسف القرضاوي:

لأ، هو أنا يعني الأخ جمال البنا هو يعني رجل غير متخصص حقيقة، يعني لم يدرس الفقه، ولم يدرس أصول الفقه، ولم يدرس الحديث، ولذلك دخل.. وأهو ده اللي بنحذر منه الحقيقة، أنا من دعاة الاجتهاد وفتح باب الاجتهاد، ولكن لأهله في محله، أما واحد يريد أن نلغي كتب الحديث، وأن نلغي الأصول زي ما الأخ هو مهندس وراح يدرس أصول الفقه يدرس في (المستصفى)، ما عندوش أدوات الدراسة كيف يعني؟! ولذلك من علمائنا قالوا: لا تأخذ العلم من صُحفي يعني اللي بيأخذ العلم من الصحف، لا يمكن يروح يفهم، وراح () للمستصفى، المستصفي يعني.. المتخصصون يتعبون في فهمه وتحصيله، فما بالك بمهندس يريد أن يقرأه وحده؟! المشكل هؤلاء الذين يعني يدخلون على العلم ولم يتهيؤوا له ، يعني هذه..، وهذا يعني مشكلة، إحنا ذكرنا في الأسبوع اللي فات هذا، إن كل علم يعني.. يُحترم التخصص فيه إلا علم الدين، فكل واحد يعني يتراءى له شيء يعني يقول..، واحد يريد أن نلغي الفقه الإسلامي كله ونلغي كتب الحديث كلها، ونبدأ من جديد، هذا يعني شيء مستحيل، ولم يحدث هذا في أي علم من العلوم.

ماهر عبد الله:

تسمح لي أعيد صياغة كلام الأخ عبد الحميد بطريقة أخرى؟ أنه لعله ما كان يقصده هو..، يعني كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، لعله من أعظم كتب الأصول، لكن لتعقيد اللغة المستخدمة فيه ينحرم منه الكثير من الناس الذين يبحثون عن ثقافة عامة، لماذا لا نفهم..؟

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

هذا لا يقرأه المثقف ثقافة عامة، هذه.. هناك كتب تُصنف للتثقيف العام، في كل علم يعني، أنا لما أروح أقرا في الفيزياء أو الكيميا أو كذا، لا أفهمها، إنما فيه ناس تكتب للمثقف العادي، ممكن يعني يبسط لك علم الفيزيا، أو علم الفلك، أو كذا، وتقرأ وكأنك بتقرأ مقالات، هناك أشياء تكتب ليقرأها المثقف العادي، المتعلم العادي، الجامعي العادي، إنما هناك كتب للمتخصصين فهنا يعني.. الشخص غير المتخصص علشان يقرأ (المستصفى) أو يقرأ (تنقيح الفصول) أو يقرأ (البرهان) لإمام الحرمين، أو يقرأ (الموافقات) للشاطبي، هذا يعني لا يمكن دي تحتاج إلى أدوات لا بد أن يستكملها الأخ، مفاتيح الفهم، فمن لا يعرف اللغة العربية ومصطلحاتها ونحوها وصرفها وبلاغتها، من لم يدرس الفقه ويعش فيه مدة ويتدرج من البسيط إلى المعقد، ومن الخفيف إلى الثقيل، ومن الأشياء الصغيرة إلى الأشياء الكبيرة، من لم يعش هذا كيف يستطيع أن يفهم هذه الأشياء؟ هذه مشكلة حقيقة يعني.. فالأخ كونه يعني شاف إنه ما قدرش يفهم أصول الفقه، وبعدين عرض عليه واحد غير متخصص أشياء وجدها سهلة طبعاً سهلة، إنما هذه الأشياء غير منضبطة بضوابط العلم التي أجمع عليها علماء الأمة. واحد يقول لك لأ، مافيش حاجة اسمها علماء الأمة. يعني أبدأ من الصفر، هذا كلام الحقيقة لا يغير شيئاً ولا يصلح من الأمور.

ماهر عبد الله:

نعود إلى سؤال الأخ علي سعد، السؤال الأول.. لم أفهم من هي المؤسسة التي كان يشير إليها، لكن يشاع عنها أن المسلمون سيبقون يتجادلون في مشاكلهم الفقهية التفصيلية للـ 15 عاماً القادمة، كان سؤاله كيف تطمئن شباب الإسلام أننا لسنا..؟

د. يوسف القرضاوي ]مقاطعاً:[

هو يمكن بيتكلم على (C.I.A) ولا مش عارف أيه

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

(S.S.I) أعتقد..

د. يوسف القرضاوي ]مستأنفاً:[

النهارده كاتبين.. يعني المخابرات الأمريكية مش عارف بتقول: إن المنطقة هذه ستغرق في مشاكل المدة القادمة.. لعله يعني..

ماهر عبد الله:

الأمن.. مؤسسة الأمن القومي.. نعم

د. يوسف القرضاوي:

أيه؟

ماهر عبد الله ]مستأنفاً:[

مؤسسة الأمن القومي الأمريكي.

د. يوسف القرضاوي:

الأمن القومي.. أو أيه هي، فيمكن يقصد هذا هو يقول لك إنه ممكن هو يعني.

ماهر عبد الله:

هو.. هل صحيح.. هل سننشغل مما ترى وتسمع، هل نحن فعلاً منشغلون بقضايا فقهية تفصيلية ستلهينا عن القضايا الجوهرية التي تواجه الأمة؟

د. يوسف القرضاوي:

لا. لا. هذا ما يعني..، هم لا يقصدون هذا ولكن نحن الذي نوصي به، إن إحنا لا ننشغل فعلاً بالخلاف في التفصيلات الجزئية عن القضايا الكلية، أنا يعني أرى أنه من عيوب الصحوة الإسلامية، ومن عيوب بعض الفصائل الإسلامية، أنها تقيم معارك وتشعل حروباً لا تتوقف أبداً، وتظل رحاها تدور، من أجل الخلافات يعني جزئية..، يعني لما تنزل. تنزل على إيديك أو تنزل على ركبتيك أولاً. واحد يقول لك يعني مش عارف أيه (نهي الصحبة عن النزول على الركبة)، أو (الواحة في جلسة الاستراحة) أو... واحد قال لك عملت 9 حلقات في.. محاضرات في إطلاق اللحية أو..، هذه الأشياء لا أرى أنها تأخذ من وقتنا مثل هذه الأشياء، والناس يسعُ بعضهم بعضاً فيها، فأنا مع الأخ إذا كان تضييع الوقت في هذه الخلافات، وإننا نقيم معارك من أجلها، هذا ما لا نقبله، سيظل الناس يختلفون في هذه القضايا، هناك.. وكان السلف، يعني هذا يحلل وهذا يحرم، فلا يعيب من يحلل على من يحرم ولا من يحرِّم على من يحلل، لأن هذه اجتهادات انتهى الناس إليها، والعالم المجتهد لا يسعه إلا أن ينزل على رأيه هو، لا على رأي الآخرين، الله لم يكلفه بأن يتبع غيره، بل كلفه أن يتبع الرأي الذي اقتنع به، وهو الذي يدين الله به ويلقاه عليه، حتى وإن كان خطأً، فهذا هو الذي نراه.

ماهر عبد الله:

نعم.. سؤال الأخ عبدو السطو..، أو اسمح لي آخذ مكالمة قبل.. لأن الأخ هذا على الهاتف من فترة، الأخ واصف هلال من الإمارات تفضل..

واصف هلال:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

واصف هلال:

عندي مداخلة وسؤال لفضيلة الشيخ.. وهي في صلب الموضوع إن شاء الله- بشكل موجز، النقطة الأولى: إن ضيق العقل عن استيعاب سعة الإسلام ليس عيباً في الإسلام، وإنما العيب في هواية متلاف يحب الجمود ويبغض الاجتهاد. ثانياً: تأجيج لهيب العداوة والتعصب وتسفيه أقوال العلماء، والاستطالة عليهم، ليس دليل زهد وإيمان، بل هو دليل خطل وإدمان. عاش سلفنا الصالح الإسلام الواحد في أزياء متعددة واجتهادات متباينة، ولذلك صدق من قال: "العيب ليس في الاختلاف، لكن العيب في اختلاف الناس وتنازعهم فيه"، ولذلك أؤكد ما قاله شيخنا حفظه الله- قول الخليفة العادل الخامس: "ما أحب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنه لوكان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق". سؤالي لفضيلة الشيخ: هنالك استثناءات من الخلاف المقبول عند العلماء، النقطة الأولى: الأقوال الشاذة والضعيفة التي تصادم نصاً، النقطة الثانية: التلفيق ما بين أقوال العلماء، حبذا يا شيخنا أن تقف لنا عندها بأسلوبك، حفظك الله.. والسلام عليكم.

ماهر عبد الله:

طيب.. مشكور جداً يا أخ واصف، سؤال الأخ عبدو السطو أن الاجتهاد الفردي في الماضي كان ضرورة ولكنه اليوم أصبح ضرراً، هل تتفق مع هذه؟

د. يوسف القرضاوي:

لا. لا أتفق معه، يعني.. سيظل الاجتهاد فردياً، حتى الاجتهاد الجماعي الآن مثلاً اجتهاد المجامع الآن اللي بيمثل الاجتهاد الجماعي اجتهاد المجامع، ولكن المجمع لا يمثل كل علماء المسلمين، يعني أنا مثلاً خد أكبر مجمع فقهي موجود الآن، وهو المجمع الفقهي الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي، الذي يمثل جميع الدول الإسلامية، ولكن هل يعني تُمثل البلد بأفضل عالم فيها؟ ليس من الضروري. وهل البلد فيها عالم واحد؟ يعني واحد مثلاً بيمثل مصر، هل مصر فيها عالم واحد؟ واحد بيمثل باكستان، هل باكستان فيها عالم واحد؟ هناك علماء كثيرون، ولذلك لا أستطيع أن أقول إن دُوُل يمثلوا الإجماع، وبعدين تجد إنه كثير من هؤلاء اللي أعضاء في المجتمع، يعني لا يحركون ساكناً لا يكادون يشتغلون، فيه كذا واحد همّ في المجمع، وفيه العلماء الخبراء الذين لا صوت لهم، هم يعني يفيدون المجمع في البحوث والمناقشات، ولكن ليس لهم صوت، فأنا أقول هذا النوع من الفقه أنا أؤيده، أؤيد الفقه الجماعي ولكن أرى أنه لا يغني عن الاجتهاد الفردي، وحتى المجمع بيدعو إلى البحوث الفردية لتقدم، وبعدين هو ينظر فيها، فأنا أقول يعني إنه لا نستغني عن الاجتهاد الفردي مهما كان وأصل الاجتهاد عملية فردية، لأنه واحد بيستفرغ وسعه للوصول، ولكن الشورى مهمة، الشورى حتى في الاجتهاد الفقهي مطلوبة وهي خير من لا شيء على كل حال.

ماهر عبد الله:

طب. تسمح لي آخذ المكالمة الأخيرة قبل الموجز ويعني نتمنى على الإخوة أن يتصلوا بنا بعد الموجز، الأخ سالم عبد الله من بريطانيا.. تفضل.

سالم عبد الله:

السلام عليكم .

ماهر عبد الله:

عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

عليكم السلام ورحمة الله.

سالم عبد الله:

الحقيقة هذه المدرسة، المدرسة التي تسمى مدرسة التجديد ينتمي لها مفكرون وساسة وعلماء مسلمين، خصوصاً من القرن الفائت، من هذه المدرسة الشيخ محمد عبده اللي أجاز التحاكم بالقوانين الإنجليزية، الدكتور على عبد الرزاق [عبد الرازق] ، اللي قال: لا يوجد نظام حكم في الإسلام، ومصطفى كمال أتاتورك اللي سُمي برسول التجديد، وشباب العرب اللي تآمروا في باريس على دولة الخلافة في.. سموا بأبطال التجديد، هذه المدرسة اليوم تريد أن تؤصِّل لكل ما هو يؤدي إلى فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

تسمح لي بسؤال أخ سالم؟

سالم عبد الله

نعم.

ماهر عبد الله:

يعني أنت باعتقادك أنه محمد عبده وكمال أتاتورك من مدرسة واحدة؟!

سالم عبد الله:

أنا أقول.. أنا قلت شيء.. وهذه المدرسة، نحن لا نبحث في النيات والأثر واحد.

ماهر عبد الله:

وأنا لم أتحدث عن النيات يا سيدي، أنا أسألك..

سالم عبد الله:

نحن نتكلم عن شيء واحد أنه هناك مصلحين..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

محمد عبده كان شيخاً للأزهر.. سيدي، محمد عبده كان شيخاً للأزهر..

د. يوسف القرضاوي:

مفتياً.. مفتياً

ماهر عبد الله:

مفتياً لمصر وكمال أتاتورك كان عسكرياً أمياًّ لا يقرأ ولا يكتب.. يعني كيف..

سالم عبد الله:

نعم شيخاً للأزهر.. صحيح، علي عبد الرزاق [عبد الرازق] أيضاً من علماء الأزهر، علي عبد الرزاق أيضاً شيخ من شيوخ الأزهر، المشكلة الآن هناك أفكار محددة، يُراد لها أن تُمرَّر على الأمة الإسلامية، هذه الأفكار تُلبّس بلباس الإسلام، مثل تجويز الإبقاء على تمزيق المسلمين بعد تقسيم (سايكس بيكو) تجويز تعدد الأحزاب حتى الكافرة منها، الجهاد هو جهاد الكلمة والراديو والتلفزيون في الوقت اللي يقاتلونا بأحدث الأسلحة، إباحة الربا باسم الاستثمار، عدم الخروج على الحاكم اللي يحكم بالكفر البواح، احترام الدساتير اللي تُرجمت عن الغرب لأنها تقول بأنها إسلامية..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

طب سيدي.. النقطة واضحة. السؤال.. أخ سالم.. أخ سالم.. النقطة واضحة..، السؤال.

سالم عبد الله:

السؤال، هذه المدرسة تريدنا أن نكون كاليهود اللي قال فيهم رب العالمين: (مَثَلُ الذين حُمِّلوا التَّوراة ثُمَّ لمْ يحملوهَا كمثلِ الحمارِ يحملُ أسْفَارا بئسَ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا بآياتِ الله) نحن أمة نحمل القرآن..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

أخ سالم.. مشكور السؤال واضح والنقطة واضحة، وإن شاء الله ستسمع تعليق، وأرجو أنك أنت يعني نتواصل على الهاتف بعد الموجز يعني اسمحوا لنا بالـ 5، 6 دقائق الأخيرة، حتى على الأقل- نختم محاور هذه الحلقة. الأخ واصف هلال قبل أن نعود للأخ سالم، هل من الاجتهاد هل من ما هو مقبول اليوم، الاعتماد على الأقوال الشاذة والضعيفة، حتى وإن عارضت نصوصاً أكثر قطعية.

د. يوسف القرضاوي:

لا، الاجتهاد الذي يخالف نصاً قطعياً ليس اجتهاداً هذا ولا يصدر من عالم، ولكن هناك اجتهادات قد تعتبر شاذة أو ضعيفة في وقت ما، لأنها سبقت زمنها، أو لأنها خالفت جمهور الناس، ولكن نحن نرى -حتى في المذاهب المختلفة- قول ضعيف في وقت يأتي عالم فيصححه، قول مهجور فيأتي عالم ويشهره، يعني لأنه -كما سنذكر- إن من ضمن الأشياء اختلاف.. الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والحال، هذا من عوامل السّعة والمرونة، فانظر مثلاً، شيخ الإسلام ابن تيمية جاء بعدة أقوال اُعتبرت شاذة في زمنه، ورموه بها بكل نقيصة، وأُدخل السجن من أجلها مرتين، ومات في السجن من أجل هذه الأقوال. هذه الأقوال إحنا بنعتبرها الآن هي التي أنقذت الأسرة المسلمة، يعني إنه الحلف بالطلاق إن (عليَّ الطلاق أعمل كذا أو أسوي كذا)، يعني لا يقع وفيه كفارة يمين، إن الطلاق بالثلاثة يقع.. واحدة إن الطلاق المعلق فيه كفارة، إنه كذا.. إنه، هذه أشياء يعني رأينا فيها علاجاً لكثير من أمراضنا الأسرية والاجتماعية في عصرنا، فهل اللي بنعتبره شاذاً في وقت من الأوقات يظل شاذاً أبد الدهر؟ يعني.. وبعدين دي مسائل نسبية، ممكن واحد يرى هذا القول شاذاً ومخالفاً، والثاني يقول لك لأ، هذا يعني.. وأيضاً حتى مثلاً: ما هو الصحابة الذين رفضوا الصلاة في الطريق، قالوا لأ.. إحنا لا نخالف النص، يعني اعتبروا الذين صلوا في الطريق خالفوا النص، مثل الإخوة الذين يرفضون إخراج صدقة الفطر نقوداً ويقول لك هذا خلاف السنة...

ماهر عبد الله ]مقاطعاً:[

وهذا شذوذ..

د. يوسف القرضاوي:

أيه؟

ماهر عبد الله:

ظاهره شذوذ وخروج..

د. يوسف القرضاوي ]مستأنفاً:[

آه، معناه أن هؤلاء يعني شذوا وخالفوا السنة، وبعضهم يقول لك باطل باطل، هناك بعض الإخوة في الحج يقول لك: من رمى قبل الزوال فرميه باطل و.. فهذا.. لا نستطيع إننا نأخذ هذه الأشياء على علاتها.

ماهر عبد الله:

طيب.. عندي 3 دقائق نختم بها -على الأقل- المحور الرابع، العامل الرابع، وإنه ذو صلة بكلام الأخ سالم عبد الله، وإلى حد ما بكلام الأخ واصف.

ذكرت أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال وظروف الناس هو أحد عوامل هذه السعة، يعني كيف يكون ذلك؟

د. يوسف القرضاوي:

لا شك أن الفتوى ودا تعبير أدق بدل ما كما قالت مجلة الأحكام، لا يُنكر تغير الأحكام بتغير الزمان. ولكن تعبير الإمام ابن القيم إن الفتوى اللي تتغير بتغير..، أي تنزيل الحكم على الواقع هو الذي يتغير، وهذا له أصل في القرآن، وله أصل في السنة النبوية،القرآن فيه يعني في بعض الأوقات قال: اصبر وكذا، وبعض الأوقات قال قاتل فبعض من العلماء قال: هذا في زمن، وهذا في زمن (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين)، (وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) ده في زمن، وده في زمن، لا يوجد نسخ إنما كل واحدة لها حالة، أيضاً الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يفتي، يعني يجيب بعض الصحابة عن السؤال الواحد بإجابات مختلفة، لأنه كالطبيب مع المريض، واحد سأله عن القبلة للصائم قال له: لا تجوز، واحد ثاني أجازه، فوجد إن ده شيخ، وده يعني شاب، يعني منع في وقت من الأوقات ادخار لحوم الأضاحي، ثم بعد ذلك قال: كلوا وأطعموا وادخروا، لأن ده كان في حالة، وهذا في حالة، وأخذ الإمام الشافعي في هذا إنه في حالة السعة يعني نأكل ونطعم وندخر، إنما في حالة إذا كان الناس في عسرة وضيق، لأ، نجب يعني نطعم كل ما عندنا حتى نوسع على الناس.

ماهر عبد الله:

طيب اسمح لي سنكمل هذا، لكن بعد هذا الموجز.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله:

معذرة قاطعناك وأنت في يعني- حمأة الحديث عن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، فهل لك أن تواصل؟

د. يوسف القرضاوي:

والله أنا.. بسم الله الرحمن الرحيم، أنا لا أدري أين وقفت.

ماهر عبد الله:

إحنا كنا في بداية، إحنا كنا في بداية الكلام عن الموضوع.

د. يوسف القرضاوي:

آه.. كنا نقول إنه النصوص يعني القرآن أثبت هذا الأمر، والسُّنة أثبتت هذا الأمر، وفتاوى الصحابة أثبتت تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، ولذلك وجدنا سيدنا عمر يعني يغير فتواه في كذا قضية، في قسمة الأرض المفتوحة، في الطلاق الثلاث، في زكاة الخيل، في عدة أشياء، رأينا ابن عباس أيضاً يغير يعني- فتواه، يعني جاءه رجل وقال له: هل للقاتل من توبة؟ قال: لا. فقال أصحابه بعد أن مشى الرجل: يعني كنت تقول إن للقاتل توبة، فقال: إني رأيته مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً. يعني هو الراجل مش قتل وجاي يقول هل للقاتل توبة؟ هو يريد أن يقتل وعايز ياخذ فتوى عشان يروح يقتل، فيعني إن القتل، فشاف في عينه يعني شرر الغضب وأنه يريد أن يقتل إنساناً فأراد أن يسد عليه الطريق، ولذلك العلماء قالوا: الفتوى قبل الابتلاء بالفعل غير الفتوى بعد الابتلاء بالفعل. يعني الواحد مثلاً أنا كثيراً ما يسألني بعض الناس عملت كذا وامرأتي وطلقتها أقول له: طيب هل وقع الأمر؟ يقول: لا. قلت له: خلاص يعني، إنما إذا قال: لي خلاص أنا عملت كذا وحنثت في اليمين، هنا أجد له.. أحاول أن أجد له مخرجاً، فقبل وقوع الفعل الواحد يشدد، بعد الوقوع يحاول يخفف وييسر، فالدليل على إن الفتوى تتغير بتغير.. لها أدلة يعني كثيرة جداً، ولذلك العلماء، ذكر الإمام ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين) في فصل تغير الفتوى ذكر قصة الشيخ شيخه-، شيخ الإسلام ابن تيمية حينما مر على جماعة من التتار في أول إسلامهم وجدهم يشربون الخمر، فبعض أصحاب ابن تيمية أنكر عليهم وقال: يا أعداء الله تشربون الخمر أم الخبائث وكذا، قال له ابن تيمية: دعهم في سكرهم ولهوهم فإنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء ونهب الأموال، يعني طول ما هم، يعني صاحيين بيقتلوا في الناس وياخدوا أموالهم، إنما إذا سكروا اتلهوا على عينهم وسكتوا عن الناس، فانظر يعني كيف نظر إلى المقاصد ورأى إنه مش بس أنت تحفظ القاعدة وتقولها في كل شيء، لأ، فهذا أمر يعني مهم جداً تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان وده اللي قلناه الآن أن على فقهاء العصر أن يجتهدوا لعصرهم كما اجتهد فقهاؤنا السابقون لعصورهم، ويجتهدون لبيئتهم كما اجتهد الآخرون لبيئتهم، إنما ما ناخدش الفقه القديم يعني كده (إسطنبة) كده ونحطها على..، لأ..، لأن واقعنا غير واقعهم، فلابد أن نغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال. نعم.

ماهر عبد الله:

العامل الأخير الذي ذكرته في البداية هو عامل الضرورة والاستثناء والظرف غير..، الظرف غير الطبيعي. إلى أي مدى راعت الشريعة هذه المسألة؟

د. يوسف القرضاوي:

طبعاً هناك حالة السعة وحالة الضيق، حالة الاختيار وحالة الاضطرار، الإنسان في حالة الاضطرار يباح له ما لا يُباح له في حالة الاختيار، وده نص عليه القرآن في خمس آيات حينما ذكر القرآن الأطعمة قال: (فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم)، أو (فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) وفي آية خامسة قال: (وقد فصّل لكم ما حرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) فأخذ العلماء من هذا قاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات، ولكن أخذوا من قوله غير باغٍ ولا عادٍ قاعدة أخرى متممة وضابطة لهذه القاعدة وهي: أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها. يعني لا نفتح الباب على مصراعيه ونقول ونجعل الضرورة أصل وقاعدة، لأ، الضرورة تظل ضرورة، يعني تُحفظ ولا يُقاس عليها فتظل القواعد الأصلية مراعاة ونعتبر هذا استثناءً مخففاً، فهذا من واقعية هذا الدين، الدين بينظر إلى الإنسان مش إنه ملك ذو جناح، أو ملائكة أولو أجنحة مثنى وثلاث.. لأ، الإنسان تعتريه الظروف والضرورات فلابد أن نراعي هذا، نراعي ضروراته ونراعي حاجاته، ولذلك حتى قال العلماء: الحاجة تنزل منزلة الضرورة في بعض الأحيان خاصة أو عامة. فمن أجل هذا يعني على المقنن الذي يقنن القوانين ويستنبطها من الفقه الإسلامي، أو على القاضي الذي يقضي بالشريعة الإسلامية، أو على المفتي الذي يفتي الناس أن يراعي هذه القواعد، وإن كان يعني كثير من الناس يتكلم عن ضرورة الفرد، إنما أيضاً هناك ضرورة للجماعة، وضرورة للأمة، هناك ضرورات تنزل بالأمة فلابد أن نراعي هذه الضرورة، ضرورة لجماعة، أقلية مسلمة تعيش في ظرف معين لابد أن نراعي ظروف أقليتها ونخفف عنها ونيسر عليها، الأمة في حالة الحرب غير الأمة في حالة السلم، نبيح أحياناً لإخواننا في حماس وفي الجهاد الإسلامي ما لا نبيح لغيرهم، لأنهم يقاتلون عدواً شرساً يملك ترسانة نووية ويقاتلهم بما لا يحل من الأسلحة فبنجيز العمليات الاستشهادية، وإن وقع فيها بعض المدنيين لأننا بنعتبر المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، فإذا وقع فيه بعض مدني هو في الواقع مدني الآن ولكنه عسكري في الاحتياط يعني.

ماهر عبد الله:

طيب، معي الدفعة الأخيرة من الهواتف أرجو أن تكون هذه الأخيرة، أن يكون الإخوة مختصرين جداً فيما يقولون. الأخ محمد نجيب من السعودية تفضل.

محمد نجيب:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام والرحمة.

محمد نجيب:

الحقيقة إحنا يعني فيه مداخلتين كده في نقطتين، النقطة الأولانية: إنه من رحمة الله -سبحانه وتعالى- أن جعل في هذه الشريعة من عوامل المرونة والسعة ما يناسب يعني الخلق جميعاً في كل زمان ومكان كما تفضل الشيخ القرضاوي، ولكن يعني التاريخ يعني- والمكر والحقد الصليبي يعني- الذي لا يخفى على أحد أوحى إلى كثير من الناس من المسلمين أيضاً يعني- أن تطبيق الشريعة هذا يعني معناه الرجوع إلى عصور التخلف والظلام، ويعني إلى ما نسمعه يعني، فيعني يجب أن نوضح للناس يعني هذا الكلام، ويعني إنه هذه الشريعة يعني قد تركت للعقل مساحة يعني كبيرة كما تفضل الدكتور القرضاوي يمكن تكون أكثر من 90% للعقل البشري أن يستنبط بمصادر التشريع المعروفة من القياس ومن العرف والمصالح المسترسلة والمرسلة وخلافه. هذه نقطة..

ماهر عبد الله:

طيب، هذه النقطة الأولى يا أخ محمد.

محمد نجيب:

نعم.

ماهر عبد الله:

الثانية.

محمد نجيب:

النقطة الثانية: هل يعني من الواجب لأنه كما تفضل الدكتور إنه الفتوى بتتغير بتغير الزمان والمكان وتدور مقاصد الشريعة حول المصلحة ودرء المفسدة، فيعني هل ما استجد من مسائل و أقضية يجب إنه إحنا علماء الأمة يفتوا في هذه المسائل يعني مثلاً زي موضوع يعني زرع الأعضاء البشرية، وموضوع الطيران، وموضوع البنوك وخلافه يعني، هل يجب أن يعمل علماء الأمة، أو يفتحوا باب الاجتهاد في هذه المسائل حتى تكون جاهزة لتطبيق الشريعة؟ أو يجب أن ننتظر حتى تطبق الشريعة ثم نفتي أو نفتح باب الاجتهاد في هذه الأشياء؟ وشكراً.

ماهر عبد الله:

طيب مشكور جداً يا أخ محمد، معي الأخ محمد عياش من قطر، تفضل.

محمد عياش:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله:

عليكم السلام ورحمة الله.

محمد عياش:

حقيقة أنا لا يسعني أن أقدم بين يدي الشيخ الجليل جزاه الله خيراً، لكنه حقيقة كثير من الناس لا سيما من غير ذوي الاختصاص لما يسمعوا مثلاً أن العرف من مصادر الشريعة، والقياس من مصادر الشريعة، وأن العادة محكمة، وأنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان يكون عندهم نوع من الإرباك لأنهم يقرؤون بأن (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، ويقرؤون أن الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- بقوله: (إن عليك إلا البلاغ) في حين أن هذه المصادر هي في الحقيقة على حسب فهمي المتواضع- هي كاشفة لحكم الله في ظروف معينة، فنرجو من فضيلة الشيخ أن يبين لأنه حقيقة على أرض الواقع سمعنا الكثير من الإشكالات من عوام الناس لا يفهمون كيف يكون الدين لله وهنالك عرف مصدر للتشريع، وهنالك قياس مصدر للتشريع.

ماهر عبد الله:

مشكور، مشكور جداً يا أخ محمد السؤال واضح، ومعي المكالمة الأخيرة. وأرجو أن تكون الأخيرة. من الأخ عبد العزيز من السعودية تفضل أخ عبد العزيز.

عبد العزيز الفواز:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله:

وعليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي:

وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد العزيز الفواز:

لا يسعني في بداية الأمر إلا أن أقدم العزاء الخالص لكم خاصة وإلى جميع الأمة الإسلامية بوفاة فقيد الأمة سماحة العلامة الشيخ محمد الصالح العثيمين نسأل الله أن يغفر له وأن يرحمه.

د. يوسف القرضاوي:

اللهم آمين.

عبد العزيز الفواز:

وأن يسكِّنه فسيح جناته، وأن يصبرنا ويصبر جميع المسلمين، ويجعل البركة في باقي علمائنا، وأن يطيل في أعمارهم على الطاعة، ولا يسعني أيضاً إلا أن أطلب من قناة الجزيرة تخصيص برنامج ولو بسيط عن حياة مشايخنا الكرام لأنهم هم القدوة وهم الأسوة الحسنة وهم ورثة الأنبياء، هذا من باب، من باب آخر وفي عجالة بسيطة قد تطرق بعض علماء المسلمين اجتهاداً إنه يجب على الأمة أن تجتمع وألا تختلف اجتهاداً منهم وحرصاً منهم على توحيد الكلمة، ومما أخذت على شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي في أحد المحافل أو في هذا البرنامج خاصة أنه قال -ونرجو أن يسع صدره إلى هذا الانتقاد البسيط- أنه ذهب إلى المجمع الفقهي في إيران واجتمع مع المجمع الشيعي هناك، وأنه ذكر لهم قولة الإمام الحسن البنا: فلنتفق على ما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا على ما اختلفنا فيه. ولكني أقول للشيخ -جزاه الله خيراً- إن اختلافنا مع هؤلاء القوم اختلافاً في صلب العقيدة حيث كيف أضع يدي مع من يتهم أمنا أم المؤمنين عائشة بالزنا؟ ومن يكفر أبا بكر وعمر وهو أعلم مني بهذه المسألة؟ فأرجو أن نوضح هذه المسألة البسيطة.

ماهر عبد الله:

أخ عبد العزيز مشكور.. مشكور جداً، وموضوع يعني خارج عن هذا لكن ستسمع معنا أنا على يقين إنه الشيخ سيوضح، يعين معذرة لهذا التدخل، سيدي يعني اسمح لي أعود بالضرورة سؤال الأخ سالم عبد الله.

د. يوسف القرضاوي:

أنا بس خلينا يعني نجيب عن.

ماهر عبد الله:

تبدأ بهذه، تفضل.

د. يوسف القرضاوي:

نبدأ بما ذكره الأخ يعني، أولاً نحن لا نقبل إن أحد يكفر أحد الصحابة أو يقول عن عائشة كذا، ونحن ننكر هذا، ونحن يعني نتفق مع المعتدلين من الشيعة كما ذكرنا عن الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وهؤلاء الناس الذين ينكرون هذه الأقوال ويقولون هذا عصر مضى، وليس الشيخ حسن البنا هو الذي قال نتعاون فيما اتفقنا عليه، بل قالها زعيم السلفية في العصر الحديث وهو العلامة الشيخ محمد رشيد رضا، ولذلك تسمى قاعدة المنار الذهبية، قال: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، وأعداء الأمة يريدون أن يمزقونا شر ممزق، أن تقوم حرب بين السُّنة والشيعة، حرب دينية حقيقية، هل نحن نحقق لهم ما يريدون؟ نحن خلينا نتفق على الحد الأدنى، وبعض الإخوة يقول لك إحنا مختلفين في العقيدة، ده قرآنهم غير قرآننا وسنتهم غير.. يا أخي لأ.. قرآننا وقرآنهم واحد، يعني المصحف اللي بيطبع عندنا هو اللي بيطبع عندهم، اللي بيطبع في مجمع الملك فهد وبيطبع في الأزهر الشريف في القاهرة هو اللي بيطبع في إيران، فيعني، فخلينا نتفق على الحد الأدنى وهذا من مصلحة الأمة، ولذلك رأينا المملكة العربية السعودية تتقارب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهذا يعني في مصلحة الأمة إن شاء الله.

ماهر عبد الله:

سؤال الأخ سالم عبد الله و إلى حد ما مربوط بسؤال من الأخ محمود عبد الفتاح بالفاكس من السعودية، أن مدرسة التجديد هذه والتي قرن فيها بين محمد عبده وعلى عبد الرازق ومصطفى كمال أتاتورك. انتهت بنا إلى إباحة الربا، وإباحة أشياء كثيرة.

د. يوسف القرضاوي:

بس الأخ خلط في هذه الأمور خلطاً، هناك جماعة يسمونهم المجددين، وأنا أقول هم يعني هؤلاء الذين يسمون مجددين أولى أن يسموا (مبددين) وليسوا مجددين، لا علاقة لهم، هل كمال أتاتورك مجدد، وعلى عبد الرازق مجدد؟ لأ، هذا.. هؤلاء أبعد، الرافعي رحمه الله- سخر منهم وقال: هؤلاء يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر. وبعضهم قال أيه؟ و الكعبة تجدد، أصل فيه أشياء لا تجدد، فيه أشياء أصول لا تقبل التجديد، فنحن هذا نوع من التجديد مرفوض عندنا. ولكن أنا يعني أنكر على الأخ إنه يعني خلط الحابل بالنابل، جعل كمال أتاتورك من المجددين، هل فيه حد في الدنيا يعني مسلم يجعل..؟ هذا رجل كفر بالإسلام والعياذ بالله ووقع يعني أسيراً للصليبية العالمية فهذا أبعد..، على عبد الرازق ما قال أحد إنه من المجتهدين، كل ما عمله في حياته إنه ألف كتيب صغير اسمه (الإسلام وأصول الحكم)، وهو بعد ذلك لم يطبع في حياته ولم يسمح بأن يطبع، وقال: إن القول إن الإسلام يعني دين وليس فيه دول هذه كلمة ألقاها الشيطان على لساني، كما نقل عنه الدكتور محمد عمارة وغيره بعد ذلك، وهو ليس له لا اجتهاد فقهي ولا.. والأخ خلط أشياء اعتبر إن مجرد احترام الدساتير ده خروج على الإسلام، الدستور هو أيه؟ عقد بين الحاكم والأمة يتفقون على إننا نصون كذا ونصون كذا، هذه الدساتير فيها خير وفيها شر، أكثرها خير، وأكثرها حق، وفيها بعض الباطل، إنما إحنا بنتمسك بالحق اللي فيها مثل إن الإسلام دين الدولة، إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للأحكام: نتمسك بما في هذا الدستور، نتمسك بالحرية للناس، لأنهم يريدون أن يصادروا حريتنا في الدعوة وفي التبليغ وهكذا، فأرجو الأخ إنه يصحح فهمه، ويخرج عن القوالب اللي بيحفظوها، أصل مشكلة هؤلاء إنهم يحفظون أشياء عن ظهر قلب، ويظل أسيراً لها، لا يريد أن يخرج عنها، هذا.. إحنا ندعي [ندعو] الإنسان يعقل ويفكر ويتأمل ويجتهد مش يكون مصبوب صباً في قالب معيناً لا يستطيع الخروج منه.

ماهر عبد الله:

طيب، أنا أعتقد هذا يعني لم يترك لنا فرصة للإجابة على كثير من الأسئلة ولا الفاكسات، أعزائي المشاهدين، لم يبق لي إلا أن أتوجه باسمكم بالشكر والشكر الجزيل لفضيلة الإمام القرضاوي على مساهمته معنا هذه الليلة وفي كل مساهماته، ونعتذر أيضاً للإخوة الذين استقبلنا هواتفهم ولم نستطع الإجابة عليها، والذين لم نستطع استقبال هواتفهم، كما نعتذر للذين أرسلوا لنا كمية من الفاكسات عسى أن نستفيد منها في حلقات قادمة.

إذاً هذا كل ما عندنا لهذه الليلة، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية مني والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.