مقدم الحلقة

د. حامد الأنصاري

ضيف الحلقة

د. يوسف القرضاوي - داعية إسلامي كبير

تاريخ الحلقة

21/02/1999

الدكتور يوسف القرضاوي
الدكتور حامد الأنصاري
د. حامد الأنصاري:
بسم الله الرحمن الرحيم، أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء جديد مع (الشريعة والحياة).

عنف الجماعات وعنف السلطات ظاهرة دامية تصرخ في وجوهنا في العديد من مجتمعاتنا الإسلامية، وبغض النظر عن مَنْ البادئ بالعنف ومَنْ الراد بالعنف المضاد، مَنْ الإرهابي ومَنْ الممارس لإرهاب الإرهاب، ففي كل الحالات جاءت المحصلة تدميراً ذاتياً ينخر في القدرات، ويبدد الطاقات، ويمزق المجتمعات بالعداوة والبغضاء.

جاءت المحصلة ممارسات وسياسات قدمت صورة شوهاء للإسلام والمسلمين حكاماً كانوا أم محكومين، اليوم نبحث عن جذور العنف، والبيئة المنشئة له في الداخل، ولا نغفل العوامل والقوى المؤججة له في الخارج، والبحث في العوامل والجذور لا يعني بأي حال تبريراً للوجود، وإنما هو الطريق الوحيد للبحث عن الحلول.

في ضوء ما أوضحه فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي في الحلقة السابقة من ضرورة التزام السلمية في وسائل التغيير للمجتمعات الإسلامية التزاماً بكليات الدين ومقاصده.

في ضوء ذلك نطرق أبواب الحل برؤية إسلامية تخرج مجتمعاتنا من أتون الصراع، بلا استئصال للدين والمتدينين، وبلا عنف وقتل وتدمير، ولنبدأ أولاً بالمبادئ والجذور، مرحباً فضيلة الشيخ.

د. يوسف القرضاوي:
مرحباً بيك يا دكتور حامد.

د. حامد الأنصاري:
فضيلة الشيخ، عوامل نشأة ظاهرة عنف الجماعات الإسلامية، هناك الكثير من الناس -يعني- يعيد هذه .. سبب نشأة العنف إلى العوامل الاقتصادية أو عوامل اجتماعية بالذات أصحاب نظرية التفسير المادي بدعوى أنه كلما ازداد المجتمع فقراً ازدادت ظاهرة العنف فيه فهل هذا الكلام صحيح؟ أو بمعنى آخر: هل هناك عامل واحد فقط لنشأة العنف أم أن هناك عوامل متعددة؟

د. يوسف القرضاوي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد .. فلا شك أن هناك تفسيرات عدة لهذه الظاهرة التي عانى منها مجتمعنا أو مجتمعاتنا الإسلامية في بلاد شتى -ظاهرة العنف- وسواء كان هذا العنف عنف الجماعات الإسلامية أو عنف السلطات التي تقاومها، هذه الظاهرة بعض الناس يريد أن يفسرها تفسيراً مادياً كما هو شأن الماركسيين خاصة والعلمانيين عامة يريدون أن يربطوها بالجانب الاقتصادي، لا ننكر أن للجانب المادي تأثيراً في هذا، والقرآن نفسه لم ينكر العامل المادي في تفسير الظواهر كما في قتل الأولاد من إملاق أو خشية إملاق.

يعني ممكن العامل المادي يصل إلى قتل الأبناء الأولاد أنفسهم، ولكن الذي ننكره أن يكون هذا هو السبب الأول أو السبب الأوحد، أيضاً هناك من يفسر هذه الظاهرة بما نسميه التفسير التآمري للأحداث، أن هناك مخططاً جهنمياً تقوم بعض الجهات وهي التي تدفع هذه الأشياء، وهذا تفسير يريح كثيراً من الناس لأنه يعفي من المسؤولية ما دام غيرنا هو الذي يتحمل هذا، و.. ثم يجعلنا غير قادرين على أن نفعل شيئاً أمام هذه الجبرية السياسية.

أنا ضد الجبريات كلها: جبرية دينية، أو اجتماعية، أو سياسية، الإنسان حر، فلابد أن لا نعتمد على هذا التفسير أيضاً، وإذا كان بعض الناس يقولون: إنهم يخططون لنا فهل هذا عذر؟ لماذا لا نخطط لأنفسنا؟ إلى متى نظل ضحية تخطيط الآخرين؟ على كل حال التفسير الأحادي لمثل هذه الظاهرة تفسير مرفوض، وهناك تفسيرات أحادية للتاريخ: التفسير المادي، والتفسير الجغرافي، والتفسير النفسي، فرويد .. وتفسيرات .. هذه أصبحت علمياً مرفوضة، هذه ظاهرة مركبة معقدة لها أسباب عديدة: أسباب داخلية وأسباب خارجية، بعض هذه الأسباب نفسية، بعضها فكرية، بعضها اجتماعية، بعضها اقتصادية من غير شك هذا .. فإذا أردنا أن ننصف أنفسنا...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
وهناك عوامل خارجية أيضاً..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]:
وهناك .. وعوامل خارجية، هناك أناس -يعني- يركزون على العوامل الخارجية، وهذا في الحقيقة أيضاً ليس إنصافاً...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
نعم، لابد من الموازنة بين..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]:
وليس علمياً ولا موضوعياً، لابد أن نوازن بين هذه الأمور كلها، والقرآن حينما وجه المسلمين بعد...

[فاصل إعلاني]

د. حامد الأنصاري:
فضيلة الشيخ، كنا نتحدث عن عوامل نشأة ظاهرة عنف الجماعات الإسلامية، وكنا نبدأ بالعوامل الداخلية.

د. يوسف القرضاوي:
نعم، هناك عوامل شتى لهذه الظاهرة، ومن هذه العوامل تغييب الفكر الوسطي المعتدل، لابد أن يوجد فكر إسلامي وسطي معتدل يعمل علناً وعلى رؤوس الأشهاد، ويراه الناس ويشاهدونه ليجد فيه الشباب ضالتهم، ويعملوا فوق الأرض بدل أن يعملوا تحت الأرض، لابد من .. من هذا.

مطاردة الفكر الوسطي أدى إلى هذا الفكر المتطرف وده طبيعي، أيضاً هناك غياب العلماء، العلماء الراسخين القادرين على الإقناع بالحجة وبالكتاب وبالسنة وبالأصول الإسلامية، غيابهم عن الساحة، وترك الأمر للسطحيين من العلماء أو للعلماء الذين يسمونهم علماء السلطة، أصبح هؤلاء الشباب جعلوا من أنفسهم هم مشايخ الأمة، كل واحد عمل نفسه شيخ إسلام، وأصبح هو الذي يفتي في أعوص المشاكل وأشد الأمور التي تحتاج إلى حجج، فهذا أيضاً..

أيضاً اضطهاد الشعوب والتضييق عليها، على الحريات، يعني هذا للأسف في مجتمعاتنا عامة نعاني من هذه، لا يوجد ما يسمى في العالم الغربي الديمقراطية، الرأي والرأي الإيه؟ الآخر، لا تقارع الحجة بالحجة، وإنما بالضغط والتضييق، ومن المعروف إن شدة الضغط تولد الانفجار، والقانون الطبيعي إنه كل فعل له رد فعل مساوي له في القوة ومضاد له في الاتجاه...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
وعدم السماح بالتداول السلمي للسلطة..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]:
نعم، احتكار السلطة لفئة وعدم السماح بها بأي طريقة، ومعروف عندنا تزوير الانتخابات، والتسعات الأربع، وهذه الأشياء، فهذا كل يفرز هذه الأمور. أيضاً التنكر للشريعة، هناك يعني بلاد تقول: الإسلام دين الدولة الرسمي، وبعضها يزيد الشريعة هي المصدر الرئيسي للقوانين، ثم يرى الناس قوانين مخالفة للشريعة، وأنظمة مضادة للشريعة، وأعمال على مستوى الإعلام، وعلى مستوى الثقافة، وعلى مستوى القوانين تخالف الشريعة هذا أيضاً يثير.

نحن مجتمعات إسلامية هذا ما يجب أن نعلمه، ولذلك كل عمل يضاد الشريعة لابد أن يثير هؤلاء الشباب، استعلاء المنكر، واستشراء الفساد، وانتشار التحلل، وتمكن الظلم في المجتمعات كل هذا أيضاً من أسباب الإثارة.

د. حامد الأنصاري:
قضية السماح للآراء .. للآراء الأخرى بالتجرؤ على الدين...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
آه، هذا اللي بنسمه..

د. حامد الأنصاري[مستأنفاً ]:
وإعطاؤها الحرية الكاملة في التعبير...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
بنسميه التطرف العلماني، التطرف العلماني أدى إلى التطرف الديني، لأن هناك أناس يجرؤون على أشياء -يعني- لا يمكن أن تصدر في بلد إسلامي وفي مجتمع يدين بالإسلام!! هذا .. هذا خلق وأنشأ هذا التيار المضاد، هناك طبعاً الجانب.. يعني الفكري والجانب الفقهي، ما نسميه الفقه الأعوج هذا أو الفهم الأعرج للأحكام الشرعية هؤلاء الشباب، ومعظمهم يعني عظمهم طري وأكثرهم غير متخصص في فهم الشريعة الإسلامية فأدى هذا إلى أنهم فهموا القضايا الكبرى فهماً غير ما يفهمه علماء المسلمين الكبار، وهي قضايا في غاية الخطورة مثل قضية الجهاد، مَنْ نجاهد ومَنْ نقاتل؟
فهموا هم أشياء في هذا على غير ما يفهمه العلماء الراسخون، قضية تغيير المنكر بالقوة من له حق تغيير المنكر بالقوة؟ وما هي الشروط؟ وما هي الضوابط؟ قضية الخروج على الحاكم الظالم، هل هي كلأ مباح أي واحد معاه سيف يخرج على الحاكم؟ قضية التكفير .. مَنْ الكافر؟ مَنْ الذي نحكم عليه بالردة؟

هذه قضايا في غاية الخطورة، فهؤلاء الشباب يعني فقهوا هذه الأشياء فقهاً أسميه فقهاً أعوج أو أعرج، والآفة تأتي دائماً من نصف المتفقه كما قال السلف: يعني "أفسد العالم نصف متفقه ونصف متطبب"، نصف المتفقه أفسد الأديان ونصف المتطبب أفسد الأبدان، لأن الجاهل المطلق لا يأتي منه خطر لأنه عارف إنه جاهل، والعالم المطلق أيضاً العالم الكامل لا خطر منه لأنه يزن الأمور، ويتهم نفسه، ويشاور غيره، لا يدعي أنه يعلم كل شيء، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).

الخطر يأتي من نصف العالِم، هؤلاء لأنهم قرؤوا بعض الأشياء، وبعض الكتب، وبعض الأحاديث ففهموا أنهم أصبحوا هم أئمة الأمة وسرج الظلمة، وأصبحوا يفتون في كل أمر فهذا هو الخطر، فهذه الأمور كلها أدت إلى هذا النوع من العنف بالإضافة إلى العوامل الخارجية والعوامل...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
عفواً فضيلة الشيخ، قبل أن ننتقل إلى العوامل الخارجية فضيلتك عانيت من الظلم والاضطهاد، دخلت السجن، وكتبت قصيدتك المشهورة الملحمة النونية في أكثر من ثلاثمائة بيت تصف فيه ألوان التعذيب التي تمارسها الأجهزة الأمنية في المعتقلات لأناس كل ذنبهم أنهم قالوا ربنا الله، يعني ذكرت فيها:

أسمعت بالإنسان ينفخ بطنه حتى يرى في هيئة البالونِ؟!
أسمعت بالإنسان يشعل جسمه ناراً وقد صبغوه بالفازلينِ؟!
أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي حتى يقول: أن المسيء خذوني؟!
إن كنت لم تسمع فسل عما جرى مثلي، ولا ينبئك مثل سجينِ.

فالآن نحن نسألك أجهزة أمنية تعتقل أناس لأنهم يقولون: ربنا الله، تزجهم في السجون، تمارس معهم أشد أنواع التنكيل والتعذيب لدرجة همجية وحشية بل قد تصل أحياناً إلى أن يؤتى بزوجة هذا المعتقل أو ابنته، وتغتصب أمامه، أو أنه يعني يضايق على أهله -وهو في المعتقل- في الخارج بحيث يمنع الاتصال بهم أو حتى يمنع زوجة .. والد زوجة المعتقل من أن يساعد زوجته أي ابنته لكي تُدفع إلى الانحراف الخلقي. هذا الشخص الذي يرى هذه الأمور، يرى أن هذا السجان يشتم الله جهراً، ماذا تريد أن يفعل بعد أن يخرج؟! أليست هذه الممارسات الأمنية عامل من عوامل نشأة العنف؟!

د. يوسف القرضاوي:
من غير شك الممارسات الأمنية والغلو فيها من أسباب -يعني- ظهور العنف وانتشاره، وخصوصاً في بعض المناطق، يعني مثلاً في مصر العنف ظهر أبرز ما يكون في صعيد مصر، لأنه الإنسان الصعيدي إنسان لا يمكن أن ينسى ثأره، فلذلك كثيراً مما يحدث في هذه البلاد هو نوع من الثأر.

يعني هؤلاء فعلوا بنا كذا لابد أن ننتقم منهم، وعلى عادة أهل الصعيد لا يقتلوا القاتل نفسه بل يقتل آخر قريب له أو نحو ذلك، ولذلك انتشر هذا، أنا .. يعني ما ذكرته أنت عني وعن إخواني، نحن كنا في مدرسة تؤمن بأن ما أصاب الإنسان ينبغي أن يهبه لله -عز وجل- هذه المدرسة أصيبت ما أصيبت، ورأت ما رأت، وحينما خرجت من السجن لم تفكر في أن تنتقم من سجانيها.

ولذلك الذين اتهموا الإخوان -مثلاً- بأنهم قتلوا الخازندار هذه حادثة ولت ولم تتكرر إطلاقاً رغم أن الإخوان هناك عشرات القضاة حكموا عليهم بالإعدام وبالمؤبد، ومنهم قضاة عسكريون، وقضاة مدنيون، ولم يفكر واحد في وقت من الأوقات أن ينتقم من هؤلاء، ولا حتى من الضباط هذا الذي ذكرته إنه شتم الله -عز وجل- وقال: هاتوا ربكم وأنا أحطه في زنزانة، انتقم القدر منه ومزقه شر ممزق.

فهناك يعني فئة ترى أنه لا داعي أن نقابل العنف بالعنف، ولذلك نحن في حاجة إلى أن نثير هذا الفكر وننشره ونشيعه، وإلا ظللنا في هذه الدوامة لا نخرج من دوامة إلا إلى دوامة أخرى ولا تكاد تنتهي إطلاقاً.

د. حامد الأنصاري:
لو انتقلنا -فضيلة الشيخ- إلى العوامل الخارجية، السؤال: هل العنف ظاهرة إسلامية فقط أم أن العنف ظاهرة عالمية؟ هل الجماعات الإسلامية هي الوحيدة التي تمارس العنف؟ أم أن هناك...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
ليس صحيحاً هذا، هذا أشرنا إليه في الحلقة الماضية، وقلنا: إن العنف ظاهرة عالمية، إلصاق العنف بالإسلام والإسلاميين فرية ما فيها مرية، وكذب على الله وعلى التاريخ وعلى الواقع، العنف ظاهرة عالمية وظاهرة بشرية لها أسبابها ومبرراتها في سائر المجتمعات، وفي عصرنا عرفنا العنف في (بريطانيا) الجيش الجمهوري، وعرفنا في (إيطاليا) الألوية الحمراء، وعرفنا في (ألمانيا) وعرفنا في (اليابان) حتى جماعة (الحقيقة السامية) والغاز اللي من مترو الأنفاق، وعرفنا في أميركا نفسها وحادثة (أوكلاهوما سيتي) التي أرادوا في أول الأمر أن يلصقوها بالعرب وبالمسلمين، ثم تبين إنه فاعلها أمريكي ومعه أمريكيون يعني بيض ليسوا حتى من السود فالعنف في...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
ومع ذلك هذه الجماعة لم تتهم بالإرهاب، ومازال لها تنظيمها ولها مواقعها على الإنترنت، وفقط أخذ الشخص الذي فجر هذا بالجريرة، أما بقية أعضاء الجماعة لم تتهم الجماعة.

د. يوسف القرضاوي:
ولهذا سنتحدث عنه عندما نتحدث عن علاج هذه الظاهرة، كيف يعالج القوم هذه الظواهر عندهم؟ هل يأخذون البريء بالمسيء، والحابل بالنابل أم يعالجون الأمر معالجة أخرى؟ هذه .. يعني وأعظم عنف هو موجود في إسرائيل، هل هناك عنف أكثر مما تمارسه إسرائيل في فلسطين؟ منذ يعني الأربعينات وقبل الأربعينات يعني قبل أن تصير دولة وبعد أن صارت دولة من أيام مع مذبحة دير ياسين، ثم بعد ذلك المذابح الأخرى: صبرا وشاتيلا، وبحر البقر، ومجزرة الحرم الإبراهيمي أو المسجد الإبراهيمي، ونفق القدس، ومجزرة قانا في لبنان وقتل الدولة!

الدولة تقتل أفراد .. تغتال أفراداً بأمر الدولة. (إسحاق رابين) الذي الدكتور فتحي الشقاقي والمهندس يحيى عياش، و(نتنياهو) من عهد قريب يعني حاول قتل خالد مشعل!! دولة تمارس ... قامت على الإرهاب، الإرهاب هو الذي أسس الدولة ولازالت تمارس الإرهاب والعنف، ومع هذا يتهم الإسلام والإسلاميون بالعنف وحدهم.

د. حامد الأنصاري:
بل نجد هذه الدولة تدعم من قبل الدول العظمى، وتؤيد في كل مواقفها، ويستخدم حق النقد -الفيتو- ضد أي قرار ربما يدين أي تصرف من هذه التصرفات. فضيلة الشيخ، ألا ترى أن هناك بعض الدول الكبرى المهيمنة تستخدم أو تحاول أن تزيد من عنف الجماعات الإسلامية عن طريق اختراق هذه الجماعات كما حدث مثلاً في قضية تفجير مركز التجارة العالمية في (نيويورك) عندما استطاعت الـ FBI من غرس عماد سالم...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
الضابط المصري المتقاعد..

د. حامد الأنصاري[مستأنفاً]:
نعم .. في وسط جماعة الشيخ عمر عبد الرحمن، وسجلوا جميع المكالمات هو الذي حثهم وخطط لهم، ثم بعد ذلك يعيش هو الآن في فيلا متمتع بالمكافأة التي حصل عليها من الـ FBI هذه يعني عملية إرهابية قامت بتخطيط من المخابرات المركزية الأميركية.

د. يوسف القرضاوي:
هذا .. يعني اختراق الجماعات الإسلامية أمر معروف، أحياناً يأتي من الخارج، وأحياناً يأتي من الأنظمة الحاكمة نفسها تخترق هذه الجماعات، حتى إني عرفت إن بعض الحكومات أرسلت أناساً من عندها ليختلطوا بالشباب الذين كان يجاهدون في أفغانستان ليظهروا أنهم إسلاميون ويدخلوا في هذه الجماعات بعد ذلك ويفعلون ما يفعلون باسم هذه الجماعات، ولذلك ليس كل ما ينسب إلى الجماعات هو من فعلها حقيقة.

إذا أردنا أن نكون علميين، وموضوعيين، ومنصفين لابد أن نحلل هذه الأشياء فنرى إنه هناك أشياء تنسب إلى هذه الجماعات وليس من صنع هذه الجماعات وهناك أحياناً في بعض الحوادث تشير الأدلة إلى أصابع الموساد، الموساد هذا الأخطبوط له اتصالاته في كثير من الأماكن والبلاد.

[موجز الأخبار]

د. حامد الأنصاري:
ونحن نناقش الآن الظروف الدولية لنشأة العنف عند الجماعات الإسلامية، ويسعدنا أن نستضيف على الهاتف من القاهرة الأستاذ الدكتور مصطفى علوي (أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة) مرحباً دكتور مصطفى.

د. مصطفى علوي:
أهلاً وسهلاً بحضرتك وبالسادة المشاهدين.

د. حامد الأنصاري:
حياك الله. دكتور مصطفى، هل العنف ظاهرة إسلامية فقط أم أنها ظاهرة دولية، وماذا عن عنف الدول المهيمنة -الدول الكبرى- وهل لهذا العنف -العنف الدولي- أثر على تأجيج عنف الجماعات الإسلامية؟

د.مصطفى علوي:
لا يمكن القول بأن العنف ظاهرة إسلامية، العنف لا دين له ولا جنسية، فإذا كان هناك جماعات إسلامية متورطة في بعض أعمال العنف والإرهاب فإن العنف والإرهاب أيضاً يستخدم من قبل جماعات .. بل ودول إما يهودية كإسرائيل، أو هندوسية كما في حالة الهند، والعنف الذي يمارس من قبل جماعات هندوسية إزاء أصحاب الطوائف والديانات الأخرى، أو أنه يستخدم من قبل جماعات مسيحية متطرفة.

ومن ناحية أخرى .. كما في البلاد الغربية بطبيعة الحال يعني اليمين المسيحي المتطرف هو أيضاً يمين أصولي يستخدم العنف كأداة أساسية لتحقيق أهدافه السياسية، العنف أيضاً ليس له جنسية فكما يقع العنف في بلاد عربية يقع في (الولايات المتحدة الأميركية) وفي اليابان، وفي إيطاليا، وفي (أسبانيا) وفي (فرنسا) وفي بريطانيا، وفي (أفغانستان) وفي (رواندا) وفي (بوروندي) والقائمة في حقيقة الأمر طويلة جداً، وفي اليابان..

قائمة الدول التي يستخدم فيها العنف كأداة لتحقيق أهداف سياسية من قبل بعض الأطراف، أو الجماعات، أو حتى .. وده أخطر بقى الحقيقة لما يستخدم العنف كأداة لتحقيق أهداف سياسية من قبل بعض الدول، وبصفة خاصة إسرائيل عندها سجل أسود في استخدام العنف والإرهاب بشكل دائم ضد الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
لكن -دكتور مصطفى- هل هذا العنف يعني له دور في تأجيج عنف الجماعات الإسلامية؟ هل يعني هو يعد دافع لزيادة عنف الجماعات الإسلامية؟

د. مصطفى علوي:
شوف حضرتك، العنف أساساً ظاهرة عرفتها الجماعات الإسلامية وغيرها من الجماعات، إما لأن الإطار السياسي الديمقراطي لا يسمح بدرجة كافية باستخدام الأدوات السلمية في التعبير وفي مباشرة الحقوق السياسية، وإما لأن هناك جماعات بطبيعتها متطرفة وتحول العنف بالنسبة لها إلى عقيدة واستخدام العنف يتحول إلى عقيدة في هذه الحالة كما هو في حال .. فيه مثلاً جماعة (الألوية الحمراء) أو (النازيون الجدد) في ألمانيا، أو (بادر ماينهوف) أو غيرها من الجماعات، فهذه هي الظروف العامة التي تدفع أو تنشئ ظاهرة عنف.

أما وأن العنف يستخدم بشكل منظم من قبل بعض الدول ذات النزعة الاستعمارية كإسرائيل فلا شك أن العنف الإسرائيلي الرسمي والمنظم كان أحد أهم الدوافع وراء استخدام جماعات إسلامية للعنف في الدفاع عن نفسها إزاء العنف والإرهاب الإسرائيلي، كما حدث من قبل جماعة (حماس) أو جماعة (الجهاد) وهي جماعات ليست إرهابية بطبيعة الحال، وإنما هي جماعات تدافع عن حقوق الشعب الوطني .. الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتكافح من أجل حرية هذا الشعب ونيله استقلاله...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
طيب هذا يا دكتور مصطفى، يقودنا إلى السؤال التالي وهو ما تقييمكم للإجراءات المتخذة عالمياً أو دولياً لمقاومة العنف وخاصة عنف الجماعات الإسلامية؟

د. مصطفى علوي:
هذه الإجراءات هي إجراءات قاصرة بطبيعة الحال، أولاً: لأنها إجراءات منفردة تقوم بها بعض الدول أو المنظمات الغربية ومدفوعة بدوافع سياسية وليس من أجل مكافحة هذا العنف أو تخليص العالم من العنف أو تهيئة الظروف السياسية المناسبة لكي يتم تخفيض استخدام العنف إلى أقصى قدر ممكن، وإنما تستخدم الجماعات نفسها التي قد تلجأ إلى العنف، كما يستخدم العنف في مواجهة هذه الجماعات أحياناً يعني هناك حوار واتصال سياسي بالجماعات الإسلامية من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وغيرها من الدول الغربية، والمنظمات الغربية لتحقيق أهداف سياسية، ليس لهذه الجماعات وليس للبلاد الإسلامية، وإنما لتحقيق أغراض سياسية لهذه الدول التي تستخدم هذه الجماعات.

من ناحية أخرى فإن أسلوب مكافحة العنف بشكل عام على المستوى الدولي مازال قاصراً عن تحقيق أهدافه، لأن الأسلوب المتبع هو إجراءات وطنية تتخذ من جانب دولة واحدة بشكل منفرد، وبشكل يخرج كثيراً أو في أحيان كثيرة عن الشرعية الدولية كما حدث -مثلاً- من جانب الولايات المتحدة الأميركية حينما ضربت مصنعاً لإنتاج الأدوية في ضواحي الخرطوم، وكما حدث حينما ضربت أفغانستان في خروج عن الشرعية الدولية انتقاماً لتفجير سفارتيها في بيروت وفي (أوغندا) فلم تحصل على أي تفويض من مجلس الأمن أو من الأمم المتحدة، وهي الجهات المنوط بها إصدار هذا الترخيص لاستخدام العنف لأي غرض كان في العلاقات الدولية.

فمسألة الانفراد باتخاذ إجراءات دون معرفة الأسباب الحقيقية، ودون التنسيق على مستوى عالمي بحيث يتم علاج الأمراض، لأن العنف هو مظهر أو عرض للمرض وليس هو المرض ذاته، ومن ثم فإن كل الإجراءات التي تتجه إلى معالجة العرض دون معالجة، دون الغوص في الأعماق لعلاج المرض نفسه الذي أنشأ هذا العرض ستكون إجراءات قاصرة، وما لم توحد الجماعة الدولية جهودها في تهيئة الظروف لإيجاد حلول للمشكلات التي أدت إلى استخدام العنف بشكل مكثف، وما لم أيضاً تتحد جهود الجماعة الدولية في مكافحة العنف في شكل جماعي ومشروع، فستبقى كل المحاولات والإجراءات المتخذة على المستوى العالمي قاصرة عن مخاطبة مشكلة العنف وإيجاد حل سليم لها.

د. حامد الأنصاري:
دكتور مصطفى، شكراً جزيلاً على هذه المشاركة. فضيلة الشيخ، لو انتقلنا إلى المحور الثاني في حديثنا وهو نتائج العنف والعنف المضاد كما نري النزيف مستمر، وأكثر من 100 ألف ضحايا العنف في الجزائر، مصر عانت عشرات السنوات من .. أو حوالي عشر سنوات من العنف، في سوريا في مطلع الثمانينات أيضاً واجهت العنف مع الجماعات الإسلامية.

لكن هل حقق هذا العنف أهدافه؟ سواء أكان بالنسبة للجماعات أو بالنسبة للدول أو الأنظمة التي تستخدم العنف المضاد أو ما يسمى بإرهاب الإرهاب لاستئصال هذا العنف، هل العنف والعنف المضاد حقق نتائج لأي طرف من الطرفين؟

د. يوسف القرضاوي:
العنف حقق نتائج سيئة وأثاراً ضارة على الطرفين على من مارس العنف وعلى من مورس ضده العنف، لم تستفد الجماعات الإسلامية من العنف ولم تستفد الحكومات من العنف المضاد، الواقع المستفيد الوحيد والكاسب الوحيد من وراء هذه الموجات هو إسرائيل والقوى المعادية للإسلام، الشعب لم يستفد شيئاً، خسر دماءً، وخسر أموالاً، وخسر منشآت، وخسر أوقاتاً، وتضحيات كثيرة دون أن -يعني- يحل مشكلة.
صورة الإسلام شوهت من آثار هذه الظاهرة، ومن نتائجها إنه أصبحت صورة الإسلام مشوهة يعني هذا الذي يقول هؤلاء الأجانب أشبه بالدواب، لا .. يعني يا أخي الرسول -عليه الصلاة والسلام- حينما مروا عليه بجنازة قام لها واقفاً فقالوا: "يا رسول الله إنها جنازة يهودي!!" يعني ليست جنازة واحد مسلم مش نعش مسلم، فقال: "أليست نفساً؟!" يعني افرض إنه يهودي مش نفس إنسانية، إذا كان الإسلام بيحترم الهرة، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت، الحيوان الأعجم!!

فالإنسان .. فهؤلاء شوهوا صورة الإسلام، وأعطوا حجة للقوى العالمية للكيد للإسلام، وأظهرت إن الإسلام ده كأنه غول، وأن المسلمين وحوش أو ذئاب مسعورة وتريد أن تفترس الناس، ولذلك خططوا مخططاتهم للوقوف ضد هذا أحياناً تحت اسم التطرف أو التشدد، وأحياناً تحت اسم الأصولية، وأحياناً تحت اسم العنف أو الإرهاب، وهم هؤلاء يعطون الحجة لهؤلاء، أعطوا الحجة أيضاً للعلمانيين ليهاجموا التيار الإسلامي كله، ما يسمونه الإسلام السياسي هو فيه إسلام سياسي وإسلام..

الإسلام كله سياسي، لأن الإسلام دين المجتمع، كما أنه دين الفرد، ودين الدولة، أعطوا الحجة لهؤلاء، أعطوا الحجة للأنظمة الحاكمة لضرب التيار الإسلامي كله، الأنظمة التي تقف موقفاً معادياً من الإسلام هؤلاء أعطوها أعظم حجة، هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام، أعطوا فرصة لظهور الإسلام غير الحقيقي، الإسلام الزائف، إسلام الموالد والموائد وهذه الأشياء، فهذه هي الآثار السلبية التي أدت إلى .. أدى إليها العنف.

لم يسقط العنف حكومة يعني تغتال واحد هل إذا اغتيل الشخص يبقى سقطت الحكومة؟ أنا أقول لك شيء الشيخ حسن البنا -رحمه الله- في سنة 48 ديسمبر 48 حينما حلت الإخوان، واعتقل الإخوان ونشطاء الإخوان جميعاً إلا رجلاً واحداً لم يعتقل وهو الشيخ حسن البنا، فانتهز هو هذه الفرصة وذهب يطوف بالناس المؤثرين في السياسة وقابلهم وقال: يا جماعة، نريد أن نصلح ذات البين ونتقابل مع الناس ونحل هذه المشكلة حتى لا تتفاقم، وقد تحدث أشياء، لا نضمن هؤلاء الشبان ماذا يفعلون.

فواحد قال له من رجال الحكومة المعروفين قال له: يعني يا شيخ حسن، هيعملوا إيه؟ هيقتلوا رئيس الحكومة إن ذهب عير فعير في الرباط يعني واحد عير .. حمار يروح وحمار ييجي. فهذه أعمال العنف لا تحل المشكلة، ولا تسقط حكومة، ولا تغير مجتمع، المجتمع بهذه الأمور المجتمع يتغير بالتغيير السلمي، الفكري، الثقافي، الديني، الأخلاقي، التغيير من الداخل ما عبر عنه القرآن الكريم (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

فمن أراد أن يغير المجتمع لا يغيره بهذه الأشياء، هذا ما شاهدناه إنه العنف لم يصنع شيئاً، ولم يكسب منه أحد أي شيء لا الجماعات أو من يقاوم الجماعات.

د. حامد الأنصاري:
نعم، إذن هذه نقطة أخرى هل سياسة الاستئصال التي تتبعها أو اتبعتها الأنظمة الحاكمة هل قضت على عنف الجماعات الإسلامية؟

د. يوسف القرضاوي:
لا هي تسكت هذا الصوت، وتسكنه مدة من الزمن، يعني تتغلب عليه لفترة من الزمن، ولكن تظل الجمرة تحت الرماد مشتعلة، يعني وبعد مدة يظهر هذا العنف باسم آخر وبأسلوب آخر، لأن جذور المشكلة قائمة وأسبابها لم تحل، إذا أردنا أن نحل المشكلة لابد أن نحلها من جذورها، نعرف الأسباب، ونعالج هذه الأسباب.

د. حامد الأنصاري:
طيب، ما دمنا تطرقنا إلى قضية العلاج، قبل ذلك لدينا مكالمتين الأخ أبو معاذ من (لندن). أبو معاذ.

أبو معاذ:
آلو، السلام عليكم ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

د. يوسف القرضاوي:
وعليكم السلام ورحمة الله.

أبو معاذ:
إني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، وأسأله أن يصلي ويبارك على نبيه محمد الضحوك (القتال) الذي بعثه...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
أخي أبو معاذ، ممكن تدخل في السؤال مباشرة اختصاراً للوقت لو تكرمت؟

أبو معاذ:
يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "كل حديث لم يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع"، ولذلك يجب على أن أبدأ بحمد الله أو باسم الله، فهذا يجب أن يكون المسلم الحق أن يبدأ كلامه بهذا، ثانياً:...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
أخي .. أخي أبو معاذ، رجاءً الوقت ضيق والإخوة على الهاتف يعني كثيرون.

أبو معاذ:
أقول سبحان الله، يعني تجدون وقت للكلام، ولا تجدون وقت لحمد الله!

د. حامد الأنصاري:
طيب، اتفضل يا أخانا.

أبو معاذ:
على أية حال .. يقول الشيخ القرضاوي فيما يعرض من كلامه، على أن هؤلاء الجماعات كل ما لديهم هي مجرد يعني كلام أو أحاديث حفظوها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتب، والحقيقة هي عكس ما يقول، الحقيقة أن هؤلاء الجماعات كما هو .. يعني لا نشك في علم الشيخ القرضاوي، ولكن كما هو له علم، فهذه الجماعات لها طلبة علم ولها شيوخ كالشيخ عمر عبد الرحمن -فرج الله عنه- هو أحد من هذه الجماعات، وهو خريج الأزهر، كما هو الشيخ القرضاوي هو خريج الأزهر، فلذلك فلينتبه.

الناحية ثانية، قضية هؤلاء الجماعات فيما يعيبونه على هؤلاء الحكام، قضية الجماعات هي ليست إلا فقط إنهم يكفرون هؤلاء الحكام، ويرون الخروج عنهم بالسلاح، قضية الحكام هم كفروا من جوانب كثيرة، موالاتهم لأعداء الله، صدهم عن سبيل الله، يعني كذلك تحكيم شريعة غير شريعة الله.

فهؤلاء لا شك في كفرهم، وكذلك هؤلاء الجماعات، أين يستندوا من أقوالهم؟ يستندوا إلى كتب أهل العلم، فهل هو هذا الشيخ حادث جديد أم هو يرجع للتاريخ الإسلامي؟
بلى يرجع للتاريخ الإسلامي بدليل قتال شيخ الإسلام للتتار، وكان التتار يعني يحكمون بكتاب سموه (الياسق) وهو مأخوذ من شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والإسلام، وقد خرج عليه شيخ الإسلام وكان يدرس طلبة العلم، وقد توقف عن التدريس وخرج وقاتل هؤلاء التتار.

كذلك قتال أبا بكر لمانعي الزكاة، قتال علي -رضي الله عنه- للخوارج مع أن هم الذي بدؤوه بالقتال، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإن في قتلهم لأجراً يوم القيامة، يعني قد يكون ابتداءً ولا يكون حتى يبدءونهم بالقتال. ثانياً: مانعي الزكاة...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
طيب أخ أبو معاذ، الوقت .. الوقت ..

أبو معاذ:
نعم؟

د. حامد الأنصاري:
الوقت قصير وهناك مكالمات كثيرة تنتظر.

د. يوسف القرضاوي:
فُهم السؤال، فُهم.

د. حامد الأنصاري:
والسؤال .. يعني فسؤالك وصل، وإن شاء الله فضيلة الشيخ سيجيب عليه، نأخذ الأخ أبو أسامة من فلسطين.

أبو أسامة:
السلام عليكم ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

أبو أسامة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، الحقيقة لابد أن يصل حق واضح لجميع المسلمين في كل العالم، ألا وهو أن هناك قضيتين بين المسلمين اليوم في كيفية معاملة الحكام في العالم الإسلامي بشكل عام، ولكن الأمر لا يؤخذ إذا حدث النزاع من أقوال العلماء لقول الله -تعالى- (فإن اختلفتم في شيء .. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وحدد ذلك (إلى الله والرسول) فقط (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر).
والسؤال الذي لابد أن يطرح على علماء المسلمين في كل العالم: ما هو موقف القرآن .. بالقرآن والسنة بنص صريح، من الطاغوت تعريفاً وموقفاً؟ وكيف نكون معه في حياتنا؟ أليس الطاغوت والمعاملة معه من أصول الدين لا يجوز الاختلاف فيه؟
فهناك اختلاف مستساغ وهناك اختلاف تضاد، اختلاف مستساغ في كيفية الصلاة هيئات كثيرة، أما الاختلاف التضاد التي تصل إلى حد .. تصل فيه أصول الدين لا يجوز أبداً، فلهذا نرد الأمر لله والرسول فقط، وهذا من شرط الإيمان، ولهذا قال العلماء معنى الطاغوت...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
أخ أبو أسامة .. أخ أبو أسامة، عفواً .. إذا كان عندك .. يعني السؤال الآن وصل وإن شاء الله فضيلة الشيخ سيرد عليه، شكراً جزيلاً، فضيلة الشيخ قبل أن نتطرق للإجابة أو للتعليق على هاتين المكالمتين، لو بدأنا في قضية الرؤية للعلاج يعني الآن الواقع أثبت فشل...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
لأ .. قبل الرؤية لازم نرد على هؤلاء الإخوة.

د. حامد الأنصاري:
سنرد بس حتى نكمل موضوعنا.

د. يوسف القرضاوي:
لأ، ما هو ده .. لأنه ده أصله بيتعلق بالنتائج.

د. حامد الأنصاري:
بالنقطة الأولى.

د. يوسف القرضاوي:
آه بالنتائج هذه، أريد أن أقول لبعض الإخوة، أنا لست مدافعاً عن حكومة معينة ولا عن نظام معين، أعتقد أن أحداً لا يمكن أن يتهمني بذلك، وقد عشت عمري -والحمد لله- مقاوماً للظلم والظلاَّم، ولكني أريد أن أرد الأمور إلى أصولها، وأن نحكم المحكمات في المتشابهات، بعض الإخوة يأتون بأشياء مشتبهة، ويدعون الأشياء المحكمة، يعني موقف أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون مسلماً إلا بأشياء قاطعة.

يعني ابن القيم له بحثه المتميز في كتابه "مدارج السالكين" عن قوله -تعالى- (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وذكر إنه لا نستطيع أن نقول: كل من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، لأن فيه واحد بيحكم بغير ما أنزل الله، ويقول لك: والله أنا ضعيف أو أنا الأجانب لا يزالوا متحكمين، أو مثل هذا، يعني لم يرفض تماماً، لم ينكر إن هذا حكم الله، لم يستحل علناً، نحن لا نحكم على السرائر، وإنما نحكم على الظواهر.

فنحن لا ندافع عن الطاغوت، ولا عن الطواغيت، نحن ضد الطواغيت، وسنظل ضد الطواغيت، ولكن حتى هذا .. هذه الطواغيت كيف نقاومهم؟ هل نقاوم .. يعني إحنا بحثنا هل العنف مشروع؟ لم نجد أدلة على أن العنف .. هل العنف مفيد؟ الذي قلناه إن العنف لم يفد، لم يغير حكومة ولم يسقط نظاماً، ولا يمكن، فلذلك التغيير .. إذا أردنا أن نغير هذه الأنظمة التي لا تحكم ما أنزل الله، والتي لا تحكم شرع الله، والتي تنشر كثيراً من الفساد والتحلل وإلى آخره، وتأمر بالمنكر في بعض الأحيان وتنهى عن المعروف، كيف نغير هذا؟

هذا التغيير لا يمكن أن يأتي بالعنف، هذا ما جربناه، وأعتقد إن السنين الطويلة الآن علمتنا هذا، إنه إسقاط هؤلاء الطواغيت أو تغيير هذه المنكرات لا يأتي بالعنف إطلاقاً، إنما نحتاج إلى عمل ثقافي، وعمل فكري، وعمل اجتماعي، وعمل طويل المدى وعميق الجذور حتى نستطيع أن نغير الشعب نفسه ونغير النخب أيضاً، لأن مشكلتنا إن النخب المثقفة للأسف لا تتبنى الإسلام، تتبناه الجماهير، إنما يجب أن نعمل مع هذه النخب حتى نغيرها.

فهذا هو الطريق وهو طريق طويل، ولكن لا طريق غيره، لا يمكن إنه بهذا .. فالإخوة اللي بيتحدثوا نحن لسنا موالين للعنف، إنما ليس التكفير أمراً سهلاً، إنه تقول هذا الحاكم كافر هو بيروح يصلي مثلاً هتقول عليه كافر إزاي، ولا يتورط في إنه يقول لك: القرآن ده كذا أو يتكلم ضد النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يتورط في هذا حتى لا يحكم عليه بالكفر.

فنحن نتعامل مع الظواهر، وننكر الخروج عن شريعة الإسلام، ننكر الظلم، والفسوق، والتحلل، والفساد، واللصوصية، وكل أنواع المظالم ننكرها، ولكن ليس الطريق إلى تغييرها هو استخدام العنف.

د. حامد الأنصاري:
الأخ أبو معاذ من بريطانيا، استدل بقضية فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضاً هذا في سؤال ورد بالفاكس إنه ابن تيمية دعا إلى الخروج على التتار الذين حكموا الياسق، والياسق هو عبارة عن مزيج بين الشريعة الإسلامية والعادات والتقاليد التتارية.

د. يوسف القرضاوي:
شيخ الإسلام ابن تيمية أنكر هذا، ودعا إلى مقاتلة هؤلاء، ولكن كيف قاتلهم؟ قاتلهم بالولاة المسلمين، فيه ولاة مسلمين كانوا يُحكمون الإسلام، وكذلك من خرج على شريعة متواترة ظاهرة من شرائع الإسلام، يعني يؤمر بها وإلا قوتل، إنما قوتل بمين؟ بولي الأمر بالدولة زي في سيدنا أبو بكر ما فعل هذا، إنه سيدنا أبو بكر قاتل مانعي الزكاة، يعني الدولة اللي بتقاتلهم، مش كل مجموعة تقول: تعالى نقاتل هؤلاء تصبح فوضى، كذلك سيدنا علي قاتل الخوارج، مين سيدنا علي؟ هو أمير المؤمنين ورئيس دولة الإسلام.

فحينما توجد الدولة المسلمة، هي التي تتولى هذا، إنما حينما تصبح الدولة هي، هذا أمر آخر، هذا يحتاج إلى إعداد غير هذا الإعداد، وليس له طريق إلا التغيير التربوي، العلمي، الفكري، الاجتماعي، الثقافي، الطويل النفس.

د. حامد الأنصاري:
وردتنا فاكسات كثيرة، لكن نرجو .. الملاحظ على الفاكسات التي ترد من الإخوة أنها طويلة جداً وبعضها بخط غير واضح، فالرجاء من الإخوة حتى نتمكن من قراءة الفاكس ألا يزيد الفاكس على 60 كلمة لكي نستطيع استعراضه في الحلقة. عندنا فاكسات كثيرة، لكن -مع الأسف- نظراً لطولها لن نتمكن من عرض معظمها، وإن شاء الله نرجع إلى بعضها فيما بعد. فضيلة الشيخ، فيه لدينا الأخ محمد أبو أحمد من بريطانيا، الأخ محمد تفضل.

محمد أبو أحمد:
السلام عليكم .. آلو، السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري:
وعليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

محمد أبو أحمد:
جزاك الله خير يا فضيلة الشيخ، هو حقيقة كما قال -صلى الله عليه وسلم- هو "آخر الدواء الكي" دائماً، ولا يبدأ بالكي للعلاج على طول، فنرى أن العنف لا يولد إلا عنفاً في كل أنحاء العالم، وإذا أردنا تغيير أي حال في أي دولة إسلامية أو في أي دولة عربية كانت أو إسلامية نرى أن حتى الجماعات التي تدعي الجهاد أو جزاها الله خير تريد الجهاد والتغيير في نفسها الإخلاص والنية الصادقة، لكن العمل غير منظم.

فلذلك نجد في كثير من الدول الإسلامية الآن كما ترون أنه خمسة .. عشرة .. 15 نفر يفعلون ضرب بالرصاص، أو قتل عسكريين، أو قتل أناس يحمون سفارة أو يحمون مركز شرطة، ثم بعد ذلك ماذا؟ النظام يأتي ويسجن الآلاف والآلاف من الذين لم يشتركوا في هذا الفعل أو الذين يخالفون أيضاً هذا الفعل.

ثم عندي سؤال للشيخ -جزاه الله خير- لماذا .. لماذا .. لماذا تداعى الشباب جميعاً على قضية أفغانستان، وتعاطفوا معها، وأعطت بعض الحكومات العربية .. أعطت تذاكر سفر ذهاباً لا إياباً للشباب، ويرغبون الشباب، وطلبوا من العلماء جميعاً بأن يقولوا: أن الجهاد في أفغانستان فرض عين، وأي شيخ أو عالم يقول أنه فرض كفاية يتهم بالكفر، ويتهم بالعمالة، ويتهم بأنه من هذه الجماعة أو من تلك الجماعة، ولم يفعل .. ولم تفعل هذه الحكومة أو هذا الشعب أو هذه الدائرة ما .. مثل بدولة فلسطين المسلمة التي هي محتلة من أكثر من 50 سنة.

فلماذا هذا الاتجاه في أفغانستان، ولماذا تداعى الشباب جميعاً في أفغانستان؟ ولماذا نزلوا في أفغانستان؟ وعلى رأسهم فضيلة الشيخ -رحمه الله- الشيخ عبد الله عزام، ولم يذهبوا إلى فلسطين، ولم يأمروا العلماء، ولم .. كما تفعل .. كما تعلم حصل في قضية أفغانستان، وهي التي سببت كثير من انشقاق الجماعات وكثير من المصائب التي حصلت في هذه الأمة! جزاكم الله خير أخ حامد.

د. حامد الأنصاري:
أخ محمد، السؤال وصل وشكراً .. شكراً جزيلاً لك، فضيلة الشيخ، قبل أن نستقبل المزيد من المكالمات نريد أن .. سؤال الأخ محمد أبو أحمد لماذا تداعى الشباب وبتأييد من الدول، وبدافع .. هذه الدول تدفع العلماء لتأييد هذا، بينما لا نجد هذا الاندفاع لقضية فلسطين؟ السؤال يعني...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
هو طبعاً معروف الأسباب، طبعاً كانت الدول الغربية -وعلى رأسها أميركا- تؤيد قتال السوفييت في أفغانستان، المسلمون وجدوها فرصة، فالباب مفتوح أمامهم فذهبوا إلى الجهاد، وكان الكثيرون .. حتى من أبناء أفغانستان أنفسهم يقولون: هذا هو الطريق إلى القدس، يعني هم يتدربون ليستطيعوا أن يدخلوا القدس، طبعاً الطريق إلى القدس ليس مفتوحاً، الطريق إلى أفغانستان كان مفتوحاً.

والطريق إلى تحرير القدس مسدود للأسف، لا يستطيع من يريد أن يحرر القدس لا يستطيع أن يذهب إلى هناك، ومما يؤسف له إن هذا الجهاد الذي حدث في أفغانستان بمجرد أن خرج السوفييت انقلبت الصفحة تماماً، وانعكس الأمر فأصبح هؤلاء الذين كانوا يسمونهم مجاهدين بالأمس، إرهابيين اليوم، يقول لك: الأفغانيين العرب والأفغانيين الكذا، طب ما هم دول اللي كنتوا بتبعتوهم يعني وتؤيدونهم، أصبحوا في اليوم التالي بمجرد أن انتهى هذا، خلاص أصبحوا إرهابيين وأصبحوا يطاردون.
وكثير منهم ناس لم يخطر ببالهم الإرهاب، لكن حينما نظرت إليهم أوطانهم هذه النظرة، حاولوا أن يجدوا مكاناً آخر، اللي ذهب إلى (البوسنة) واللي ذهب إلى كذا، واللي اختفى، واللي .. فكأننا نحن الذين دفعناهم إلى العنف. إنما أنا مع الأخ في أن قضية المسلمين الأولى، وقضية المسلمين المركزية، والتي لا يجوز أن تنسى أبداً هي فلسطين، قضية أرض النبوات، أرض الإسراء والمعراج، قضية القدس، قضية المسجد الأقصى هذا لا شك فيه.

د. حامد الأنصاري:
طيب فضيلة الشيخ، لو انتقلنا إلى العلاج، المخرج من هذه الأزمة، أطراف العنف بشقيها سواء الجماعات أو الأنظمة لم يستطع أحد أن يحقق أهدافه من خلال ممارسة العنف أو من خلال محاولة استئصال الجماعات الإسلامية باستخدام العنف المضاد، فكيف الخروج من هذه الأزمة؟ هل هناك رؤية إسلامية للخروج من مثل هذه الأزمة؟ رؤية تحفظ إراقة الدماء؟

د. يوسف القرضاوي:
نعم، هناك رؤية إسلامية لمعالجة هذا الوضع، وهي رؤية أيضاً تنطلق من واقع معروف، يعني من المعروف .. يعني طبياً أنك إذا أردت أن تعالج مرضاً لابد أن تعرف أسبابه، إذا لم تعرف الأسباب وتشخص المرض تشخيصاً صحيحاً لن تستطيع العلاج، إذا واحد يشكو من الدوخة، لابد تعرف سبب الدوخة دي إيه .. لأن الواحد .. الدوخة سببها باطني، أو سببها من العين، أو سببها من الأذن، لأ .. لابد أن تعرف حتى يكون .. فلابد أن نعرف الأسباب، وهذا اللي جعلنا نبدأ في هذه الحلقة بمعرفة أسباب هذه الظاهرة إذا عرفنا الأسباب يبقى أمكننا أن نصف العلاج، فعرفنا إن من هذه الأسباب، إنه عدم تحكيم الشريعة الإسلامية.

نحن أمة إسلامية، وبنقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ونقرأ القرآن صباح مساء، ونذهب إلى المساجد في الجمع والجماعات، ومع هذا لا نحكم الشريعة، فما دامت الشريعة مرفوضة من الحكام أو معزولة أو كثير منها، يعني هو بيحكم، بعض البلاد بتحكم قوانين الأحوال الشخصية، وحتى بعض البلاد حتى قوانين الأحوال الشخصية لا تحترمها، كما في (تركيا) وكما في بعض البلاد التي تحرم الزواج .. تعدد الزوجات وتحرم الطلاق، فهذه .. طول ما هذه الظاهرة موجودة لابد.

فإذا أردنا إننا نعالج الظاهرة من جذورها لابد أن نحترم شرع الله، وأن نحكم شرع الله، صحيح بعض الناس بيقولوا: يا أخي إحنا الشريعة لا تحكم فورياً لابد من التدرج، فقلنا لهم: لا مانع من التدرج، ولكن فرق بين التدريج وبين التمويت، يعني ما معنى التدرج؟ معنى التدرج أن تحدد هدفاً، وتحدد لهذا الهدف وسائل، وتحدد لبلوغ الهدف مراحل، وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة، تقول -مثلاً- إنه بعد عشرين سنة هأحكم الشريعة، فأول .. في الخمس سنوات الأولى أغير -مثلاً- الأنظمة التعليمية...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
يعني وضع برنامج زمني .. برنامج زمني..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]:
آه، برامج محددة، الجانب الاقتصادي، الجانب العسكري، الجانب التكنولوجي، يعني يبقى فيه هدف وفيه مراحل، إنما فيه ناس صار لهم أكثر من 20 سنة، 30 سنة يقولون: سنطبق الشريعة، ولكن بالتدريج، ومرت العشرات السنين وهم محلك سر، هل هذا تدرج؟!

فهذا مثير لهؤلاء الشباب، يعني هؤلاء الناس كذابون، لابد أن .. أن نعطي الحرية للتيار الإسلامي المعتدل الذي يُعلم الناس يسر الإسلام، وعدالة الإسلام، وسماحة الإسلام، للأسف أنا أقول لك الآن: كان الغرب يقول في السنوات الماضية: احذروا الإسلام المتشدد، الإسلام المتطرف، الآن أصبحوا يقولون: احذروا الإسلام المعتدل! احذروا الإسلام .. لماذا؟ لأنه أشد خطراً، وأطول عمراً، وأبقى أثراً.

وبعدين بعضهم يقول: إن الإسلام لا يمكن أن يكون معتدلاً، إنه يبدأ معتدلاً ثم يتطرف، الله! يعني معناها أغلق الطريق عليك، فلابد إنك تتيح للفكر المعتدل أن يكون موجوداً ويعلم الناس هذا.

أيضاً لابد أن يؤدي العلماء دورهم، العلماء الراشدون الراسخون، يتصلون بالشباب، ليسوا علماء السلطة ولا عملاء الشرطة، لأ .. نريد علماء أحراراً مخلصين يثق بهم الشباب إذا تتحدثوا إليهم، ما يقولش: آه ده بتاع الحكومة ما .. لأ، يريد .. ولنا أسوة في سيدنا عبد الله بن عباس بعثه سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم جميعاً- حينما خرج عليه أهل النهروان وأهل الخوارج، بعث إليهم ابن عباس فظل يحاجهم ويجادلهم بالقرآن حتى رجع منهم عدة آلاف بالإقناع. نحن نستطيع أن نفعل ذلك.

د. حامد الأنصاري:
طيب، المؤسسات الإعلامية -فضيلة الشيخ- أليس لها دور في قضية الخروج من ظاهرة العنف هذه؟

د. يوسف القرضاوي:
المؤسسات الإعلامية تستطيع أن تلعب دوراً كبيراً، ولكن للأسف هي بتلعب دوراً معاكساً، وبتظن إنها ممكن تحارب العنف بهذه الأفلام والمسلسلات التي تدخل فيها قضية الجماعات الإسلامية بمناسبة وبغير مناسبة، وتفتري أحياناً، يعني أنا اليوم .. والله والليلة دي كنت بأشوف مسلسل، ولقيت واحد بيقول له: يا أخي، أصله فلان أخويا اصطادته جماعة من الجماعات الإسلامية وكان مش عارف إيه، وبعدين بيقولوا له .. وترك التعليم، قال له: هو التعليم يعني هيعمل لي إيه؟ هاخد .. هتوظف بـ 100 أنا باخد في اليوم أربعين جنيه، يعني بأخذ في الشهر 1200 جنيه، مين هي الجماعات الإسلامية اللي بتدفع للشخص أربعين جنيه، يعني هذا كلام، فليست بهذه طريقة.

الإعلام الحقيقي إنه يتبنى قضية الإسلام، إن الدين لا يصبح .. بعض الناس يقول لك: إحنا عايزين نهمش الدين، وبعضهم ماشيين على فلسفة ما يسمى تجفيف المنابع، منابع التدين الحقيقي الذي يخلق الشخصية المسلمة المؤمنة المعتزة بدينها التي تغار على حرمات الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لأ. هذا ينبغي أن تجفف منابعه في التعليم، وفي مراكز الثقافة، وفي المدارس والجامعات، وفي الإعلام بأنواعه المقروءة والمسموعة والمرئية، هذه .. لا يحارب .. الإسلام عميق الجذور في هذه الديار -في ديار الإسلام- ولا يمكن مهما حاول هؤلاء إنهم يعني يقضوا على الإسلام، لا يمكن لا .. مهما استطاعوا سيظل الإسلام، لأن المسلم بكلمة واحدة يرجع إلى الله، وهم يعرفون هذا، وخصوصاً إذا ألمت بهم الأزمات...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
وهذا الدور هو دور المؤسسات الثقافية والعلمية أن تقوم بتوعية الناس أيضاً، وبدفع وسائل الإعلام إلى اتباع هذا الطريق.

د. يوسف القرضاوي:
المؤسسات الثقافية والعلمية لابد لها من أن تتبنى الإسلام الحقيقي، السمح، المعتدل، المستنير، وأن يقوم على ذلك يعرفون الإسلام ويفقهونه حق الفهم، وأن تعتبر الدولة أنفسها أباً لهؤلاء، يعني نحن المشكلة إنه نعامل هؤلاء الشباب لا بروح الأبوة الحانية بل بروح السلطة الطاغية. ينبغي أن نتبنى قضيتهم هؤلاء أبناؤنا، ابنك .. افرض ابنك فسد يعني ماذا تفعله؟ قالوا لك: جماعة اتسلطوا على ابنك وعلموه المخدرات، تقول له: روح اطلع من عندي، طيب ما هو سيزداد فساداً، العرب يقولون: "أنفك منك وإن كان أجدع".

يعني هب أن هؤلاء الشباب تطرفوا، هل معنى هذا إن إحنا نتخلى عنهم، أو نبرأ منهم، أو نتركهم أو نعاملهم بهذه الروح الحانية المعلمة، الشاعر العربي يقول:

قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي.
فلئن عفوت لأعفون جللاً ولئن رميت لأوهنن عظمي.
هم قتلوا أميم، إنما أنا لو رميتهم السهم هيرتد إلي لأنهم هم مني وأنا منهم.

هؤلاء الشباب منا نأخذ مثلاً من معالجة سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وكرم الله وجهه- لقضية الخوارج. الخوارج كفروه، واستحلوا دمه، وقالوا عنه ما قالوا، ومما قالوه: إنه حكم الرجال في دين الله، لا حكم إلا الله، سمع منهم رجلاً يقول ذلك، فماذا قال سيدنا علي؟ قال: "كلمة حق أريد بها باطل"، هو صحيح، لا حكم إلا لله، إنما ليس معنى هذا إننا لا نحكم الناس في المنازعات، والله -تعالى- حكم فيما هو أدنى من هذا (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً ..) في الشقاق بين الزوجين، تحكيم في الصيد.

فلذلك .. ثم عقب على ذلك قال لهم: "لكم علينا ثلاث" للخوارج، وهم معارضة وتعرف العرب كانوا مسلحين، يعني معارضة حتى كل واحد معاه سيفه، وإنما قال لهم: "لكم علينا ثلاث: ألا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله -تيجوا تصلوا معانا ولا حرج عليكم- ألا نحرمكم حقكم في الفيء إذا قاتلتم معنا أعداء الله، ألا نبدأكم بقتال ما لم تحدثوا فساداً".

يعني أعطاهم حرية الوجود، يعني مع أفكارهم هذه التي يقولون فيها لا حكم إلا لله، إنما ما دمتم لا تستعملون العنف ولا القوة فأنتم .. بهذه الروح الأبوية ينبغي أن نعالج هذا الأمر الخطير.

المعالجة الأمنية لم تفد، المعالجة الأمنية بل بالعكس جلبت أضراراً شتى، فلابد إننا ندرس هذه الظاهرة، يعني ندرسها دراسة موضوعية، للأسف إن معظم دراستنا دراسات تغلب عليها الذاتية، والانتقاء، والاستخدام لهدف معين لا ندرس الدراسة .. يعني للأسف بعض الناس درس ظاهرة العنف وقدم فيها دكتوراه وكان كله يخدم الحكومة، مش بيخدم كيف نعالج الظاهرة علاجاً حقيقياً، ووصف أشياء .. كيف نهمش الدين؟ وكيف نشوه صورة الإسلاميين؟ وكيف نمنع علماء الدين أن يظهروا حتى في التليفزيونات؟ وكيف .. ليس بهذا تعالج هذه الظاهرة، لابد أن نكون مخلصين في تشخيص الظاهرة، وفي علاجها حتى نصل إلى الموقف السليم.

د. حامد الأنصاري:
شكراً فضيلة الشيخ، لدينا مكالمات، الأخ أمين حماد من (اسكتلندا) الأخ أمين.

أمين حماد:
السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري:
وعليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي:
وعليكم السلام ورحمة الله.

أمين حماد:
ذكر الشيخ في الحلقة الماضية إنه لا يجوز الخروج عن الحاكم، أنا أريد أن أسأل إذا كان الحاكم مثلاً استمر في الحكم 50 سنة فهو يستلم الناس بطريقة معنية، وعندما يتركهم يترك جيل أفسده وخرب بيته هذه نقطة، والنقطة الثانية أريد أن أسأل إذا كان الجهاد ضد الدولة من جماعة إسلامية يمتازون بالإيمان .. إلى آخره، لماذا لا ينصر الله -سبحانه وتعالى- مثلاً 20 على 200؟ حيث أن الشيخ قال قبل قليل أنه من الصعب جداً أن ينصرهم على الدولة؟ هذه هي النقطة الثانية. النقطة الثالثة...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
عفواً، السؤال .. ممكن السؤال الثاني بوضوح لو تكرمت.

أمين حماد:
نعم، أريد أن أسأل لماذا لا يمكن لله -سبحانه وتعالى- أن ينصر الجماعة الإسلامية حتى لو كان قل عددها على الدولة؟

النقطة الثالثة: لو استمرت الحركات الإسلامية، تركت الحرب ضد الدولة واصطادت المفسدين من الممثلين والفنانين وخلافه، هل يجوز لنا -ولو بيننا بين أنفسنا- أن نؤيدهم؟ حيث إن فيه حديث لا أعرف نصه أنه لا يجوز للإنسان أن يتمنى قتل أخيه المسلم إلى آخره، وهذا لو افترضنا أن الممثلين أو الفنانين دول مسلمين.

النقطة الرابعة: هل مشاكلنا هي انتشار المفاسد أم المظالم؟ نقطة أخيرة -أو نصف نقطة- أنا أريد أنا أسأل قبل أربع خمس أيام كان فيه .. كنت أقلب المحطات كان في برنامج في تليفزيون (الجزيرة) وأعتقد أنه سافر جداً، كان فيه تبع أزياء ما أزياء إلى آخره، وأمس كان فيه الشيخ القرضاوي قبل ما يبدأ بثلاث أربع دقائق كان فيه رياضة في تليفزيون أبو ظبي بملابس جداً سافرة، فكيف أنا ممكن يعني أخذ هذه المحطات بثقل بوجود هذه البرامج السخيفة جداً؟

في بداية الحلقة قلت -أخي مقدم البرنامج- إن الحاكم في أميركا رغم (أوهايو) وما أوهايو إلى آخره، لم يفعل شيء إلا للشخص اللي قام بالجريمة، الحاكم في أميركا هو مدير مؤسسة بينما الحاكم في الدول العربية هو مستبد ظالم. شكراً، والسلام عليكم ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري:
شكراً جزيلاً، الأخ أبو سيف من إيطاليا، الأخ أبو سيف .. يبدو أن الخط انقطع، دكتور عصام البشير من الدوحة.

د. عصام البشير:
السلام عليكم ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري:
وعليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي:
وعليكم السلام ورحمة الله.

د. عصام البشير:
حياكم الله، ولفضيلة شيخنا العلاَّمة .. علاَّمة العصر على ما أفضى به من بيان، لعله من المناسب حتى لا يقع التباس ضرورة التفريق بين العنف الذي هو مدمر باعتبار الفتوى وباعتبار الجدوى، وبين المقاومة المشروعة للمحتل المغتصب في أرضه كحالة إسرائيل وهو جهاد مشروع وواجب، وبين صور العنف التي تجري في أرض الإسلام سبيلاً للتغيير الاجتماعي والإصلاح السياسي، وهي صور لا يقرها شرع، أو عقل، أو منطق، أو مصلحة، باعتبار ما آلت إليه وما أفضت إليه من آثار.

أود في هذه العجالة أن أشير إلى أربع مسارات أساسية في العلاج، المسار الأول:هو مسار الإصلاح السياسي المتمثل في إشاعة الحريات وإتاحة الفرصة للتيار الإسلامي ليعمل في وضح النهار ضمن مؤسسات المجتمع المدني بوسائله السلمية التي تمكنه من التنافس المشروع مع القوى الأخرى في ظل الحوار الهادف والموضوعية العلمية، فهي من العوامل التي تؤدي إلى تجفيف منابع الغلو والتطرف.

وكذلك البعد عن مستفزات الأمة، ففي الوقت الذي يحال بين الإسلاميين وبين مشاركتهم السياسية يفتح الباب على مصراعيه للقوى العلمانية والإباحية التي تشكك في عقائد الأمة وهويتها ونظامها القيمي، فأعتقد إتاحة الفرصة للجميع في ظل التنافس الحر المشروع والنزول عند إرادة الأمة واحترام رغبتها مما يعين على تجفيف هذا الباب.

المسار الثاني: وهو مستوى علماء الشريعة أن يكون علماء الأمة في موضع ثقة المسلمين بهم من الانتصار لقضايا أمتهم، وبذل النصيحة الصادقة لولاة الأمر والصدع بكلمة الحق، والانحياز لهموم الدين، بعيداً عن الاستجابة لضغط الحكام أو العوام.
الدائرة الثالثة: وهي دائرة الوسائل الإعلامية، يعني في الوقت الذي تصر كثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية على وصف أي ظاهرة تنسب إلى العنف للتيار الإسلامي بوصف التطرف والإرهاب، ينسبون ما يقوم به المتدينون المتطرفون اليهود في إطار التدين ولا يوصفون بمثل هذا الوصف، فعلى وسائل الإعلام أن تلعب دورها في الانحياز لإرادة الأمة ولهويتها ولعقيدتها.

الدائرة الرابعة: وهي دائرة جماعات العنف لابد من النزول عند إرادة التأصيل الشرعي في ضوء مقاصد الشريعة، لأن النهي عن المنكر إذا أفضى إلى ما هو أنكر منه فلا يجوز، والفقهاء نصوا على هذه القاعدة الشرعية، وحتى ابن تيمية الذي يحتج به هؤلاء الإخوة له فتاوى معروفة جداً ومنها قضية شرب الخمر لقوم التتار حينما قال لهم: "إنما نهى الله عن الخمر لأنها تصد عن الصلاة وعن ذكر الله، وهؤلاء إنما تصدهم الخمر عن قتال المسلمين".

ولنا في تاريخ المسلمين عبرة بدءاً من الخوارج الذين سنوا هذه السنة إلى يومنا هذا أن استعمال القوة قبل استيفاء شروطها، ومتطلباتها، ورعاية أثارها ومترتباها، يفضي إلى شر كثير يضيع على الأمة مصالح جمة، فبقدر ما تتسع هذه الظاهرة في أسبابها تتسع أيضاً في معالجاتها، فعلينا أن نقيم مثل هذه المسارات وأرجو أن يقوم الحوار بين علماء الشريعة وبين هؤلاء الإخوة يردوا فيه الأمر إلى الله ورسوله وفق مقاصد الشريعة ومصالحها، وشكراً جزيلاً.

د. حامد الأنصاري:
شكراً دكتور عصام، فضيلة الشيخ، سؤال الأخ .. أو أسئلة الأخ أمين حماد، ولم يتبق لنا من الوقت سوى دقيقتان، أسئلة أو هي أشبه ما تكون .. إذا كان الحاكم يحكم لمدة 50 سنة ثم عندما يترك .. يترك هذا الجيل المفسد فكيف يعني...

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]:
يترك إيه؟

د. حامد الأنصاري:
يعني يترك وراءه جيل أصبح مفسد سواء كان من الطاقم اللي كان معاه في الحكم، يعني لا يورث إلا شخص يعني مثلما قلت: "إن ذهب عير فعير في الرباط" إذا كان -عفواً- لماذا لا ينطبق يعني لماذا لا ينصر الله -عز وجل- تقول: لابد من توافر القوة للخروج على الحاكم؟ لماذا لا ينصر الله -عز وجل- الجماعة الإسلامية المسلحة ولو كانت فئة قليلة قد ينصرها على الدولة يقول: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) فما رأي فضيلتكم في هذا الكلام؟

د. يوسف القرضاوي:
هو العلماء متفقون على أنه يجوز الخروج على الحاكم إذا رأينا عنده كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، ويجوز أن نغير المنكر بالقوة، ولكن لهذه ضوابط وشروط، ذكرناها في...

د. حامد الأنصاري[مقاطعاً]:
في الحلقة السابقة..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]:
الحلقة السابقة، ومن أهم هذه الشروط أن لا يترتب على المنكر منكر أكبر منه، وإلا دخلنا في فوضى، السابقون قالوا: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم" حتى لا يدخل الناس في دماء تسفك، وحرمات تنتهك، وأعراض تهتك، ومنشآت تدمر، ولا نصل إلى حل في النهاية، إخوانا .. الشيخ عمر عبد الرحمن وجماعته الآن يطالبون بهدنة مع الدولة وبمصالحة، لأنه لم يجدوا في النتيجة أنهم وصلوا إلى شيء وهذا من العقل والحكمة.

الأخ يقول: لماذا لا ينصر الله هؤلاء وإن كانوا ..؟ الله ينصر بسنن، يعني ليس كل محق ينتصر كثير من المحقين .. من الأهل .. اللي ربنا ذكرهم في سورة (البروج) هم كانوا محقين، ولكن استطاع الحاكم أن يضع لهم الأخاديد، عندنا الحسين .. الحسين -رضي الله عنه- كان محقاً ولكنه لم ينتصر! فهناك سنن لابد أن تراعى قبل كل شيء.

د. حامد الأنصاري:
شكراً فضيلة الشيخ، أدركنا الوقت أعزائي المشاهدين، في ختام هذه الحلقة لا يسعني إلا أن أشكر ضيف البرنامج، فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي. إلى أن نلتقي في الحلقة القادمة -بإذن الله- لكم أطيب المنى، والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته.