مقدم الحلقة

د. حامد الأنصاري

ضيف الحلقة

د. يوسف القرضاوي - مفكر وداعية إسلامي

تاريخ الحلقة

11/04/1999

الدكتور حامد الأنصاري
يوسف القرضاوي
د. حامد الأنصاري: بسم الله الرحمن الرحيم، أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم في لقاء جديد مع (الشريعة والحياة).

نحن اليوم بصدد قضية مأساوية، كما أننا -أيضاً- بصدد إشكالية مستقبلية، أما القضية فهي امتداد لجرائم صربية تمتد بعمق جاوز الستمائة عام منذ معركة (كوسوفا بوبوجي) لاقتلاع مسلمي كوسوفا من أرض الإقليم وذاكرة

التاريخ، حتى أضحينا -الآن- أمام مأساة إنسانية قوامها -حتى الآن- مليون ومائتي ألف مسلم بين طريد ومشرد نزعت منهم الممتلكات، وجردوا من وثائقهم الشخصية -حتى لوحات السيارات- ضمن حملة منظمة للتطهير

العرقي، أو بالأحرى تصفية عرقية، فلماذا صمتت البلدان الإسلامية دهراً؟

ألغى (ميلوسوفيتش) الحكم الذاتي للإقليم في 1989م فهم لا يدرون، وأعلنت كوسوفو استقلالها فهم لا يعترفون، واندلعت صراعات دامية في عام 1990م وهم لا يعلمون، واشتعلت الحرب منذ 1997م لكنهم يتجاهلون، وتتابعت المذابح ولم نسمع احتجاجاً أو اعتراضاً، لماذا؟!

ألأنها قضية قومية لا إسلامية، أم أن ذلك كان استجابة لتحذيرات الغرب للمسلمين بعدم التدخل في كوسوفا باعتبارها قضية أوروبية؟

وحتى عندما فرض الغرب العقوبات الاقتصادية على صربيا لم تشارك الدول الإسلامية في ذلك، وظهرت هوة كبيرة بين المواقف الرسمية والمواقف الشعبية الإسلامية، واليوم يسارع الصليب الأحمر في الإغاثة ويتأخر الهلال، هذه هي القضية المأساوية.

قومية شيفونية معتدية على شعب مسلم مستضعف يبحث عن نصير، ومن هنا حصلت الإشكالية، فقد جاءت النصرة -التي لا بديل عنها- من "حلف الناتو" للمصالح والأهداف المحددة، فهل يؤدي تدخله إلى إعادة الحقوق للشعب المنكوب، أم إلى تشتيته وتفريغ إقليمه لإعادة رسم خريطة الواقع؟

وإشكالية تدخل الناتو الذي نصب الأصولية الإسلامية عدواً له، بعد انهيار الشيوعية أنه يمكن أن يكون اليوم نصيراً مزعوماً في كوسوفا، ومعتدياً آثماً غداً في العراق أو السودان، أهو نصير مبادئ وقيم، أم هو أداة لتحقيق مصالح ومنافع يعلي من سيادة الدول الأخرى سياسياً واقتصادياً بل إعلامياً وثقافية في ظل وهن الأمة أو -بالأحرى- غيابها؟

وهل يكسب تدخل الناتو المبرر في كوسوفا تبريراً لتدخلات تالية؟

ولنبدأ أولاً بالقضية المأساة.

فضيلة الشيخ مرحباً بكم في هذه الحلقة، ونستميحكم عذراً في أن نبدأ حلقتنا بالتعريف بقضية كوسوفا تاريخياً حيث نستضيف اليوم من "مقدونيا" الأخ الأستاذ مصطفى هافولي (مدرس أصول الفقه في كلية الدراسات الإسلامية في برشتينا عاصمة كوسوفا) والذي طردته القوات الصربية منذ خمسة أيام -تقريباً- مرحباً أستاذ مصطفى.

د. مصطفى هافولي: مرحباً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أستاذ مصطفى هل يمكن أن تعطينا لمحة تاريخية عن أصل مسلمي كوسوفا وما العلاقة التي تجمعهم بالصرب؟

د. مصطفى هافولي: يا أخي -إن شاء الله- نحاول -بالإيجاز- ونقول: إن كوسوفا هي أرض ألبانية وقطعة من ألبانيا، وشعب كوسوفا 90% منه ألبان، لم يكن يوماً ما هذا تغير في عدد السكان، ودائماً كانت الأغلبية فيها من ألبان الذين هم مسلمون، فكوسوفا كانت جزء من ألبانيا إلى أن انتهى في ظل الحكومة العثمانية حتى العام 1912م.

وفي نفس العام أعلن الألبان استقلال دولة ألبانيا الكبرى بما فيها كوسوفا تحت رئاسة (إسماعيل كاميلي) في مدينة (فلورا) لكن عمر هذه الدولة كان قصيراً لأنها بعد سنة تكالبت عليها الدول الأوروبية -خاصة البلقانية- بما فيها اليونان وجيوش صربيا وجيوش الجبل الأسود، فانضم جزء كبير من ألبانيا -بما فيها كوسوفا- إلى دولة الصرب والكروات والسلوفيين التي سميت بعد ذلك بمملكة يوغسلافيا، هذا الاسم أعتقد بعد سنة 1929م، وبعد الحرب العالمية الثانية.

[فاصل إعلاني]

د. حامد الأنصاري: أنت تقول إنه لغاية مطلع هذا القرن كانت كوسوفا جزءاً من ألبانيا إلى انهيار الدولة العثمانية.

د. مصطفى هافولي: أي نعم، وبالذات في عام 1913م في اجتماع لندن لأول مرة اجتثت هذا الجزء -ويعني كوسوفا- وبعض الأجزاء الأخرى، وبقيت جزء منها تحت صربيا، وجزء منها تحت جمهورية مقدونيا، وجزء منها تحت اليونان، وجزء منها تحت الجبل الأسود، وكل هذا التقسيم كان حتى لا يكون هناك دولة قوية مسلمة في البلقان، وكوسوفا -بالذات- لها هذه الأهمية لأنها بمثابة همزة الوصل، لأن كوسوفا ثم السنجق هي الواصلة إلى البوسنة، ستكون بهذه الطريقة -يعني- تكون الأراضي المسلمة موصولة فيما بينها، لهذا كان أهمية كوسوفا

-دائماً- وهي كانت -دائماً- المستهدفة من القوات اليوغسلافية والصربية.

نعود ونقول إنه بعد الحرب العالمية الثانية -كذلك- كوسوفا كانت من سوء حظها أن وجدت ضمن يوغسلافيا الفيدرالية التي أسسها (جوزيف بروس تيتو) الطاغية المعروف، ومع الأسف لم تعط لكوسوفا كما أعطيت باقي الجمهوريات الفيدرالية الستة حين ذاك، فبقيت هي ليست جمهورية، ولكن أعطيت لها استقلال ذاتي، هذا الاستقلال الذاتي استمر إلى أن جاء الطاغية التاني (ميلوسوفيتش) فسحبه في سنة 1989م، وبطبيعة الحال من هنا بدأت المشكلة تنتشر وتتعاظم.

وبعدها الشعب الكوسوفي -بعد الانهيار الشيوعي- بدأت كذلك إن هي تطالب يوغسلافيا الفيدرالية بالجمهورية، لكن لم تتح لها هذه الفرصة، ثم بعد انهيار الشيوعية بدأت كل جمهورية تنحو نحو استقلالها التام من يوغسلافيا

الفيدرالية، فأجرى المسلمون الألبان -بهذا الصدد- في كوسوفا استفتاء بعد التفكيك للاتحاد اليوغسلافي في سبتمبر سنة 1991م أسفر عن مطالبة الاستقلال من قبل الأغلبية المطلقة للسكان، وتطور الأمر إلى انتخاب مجلس نيابي وتشكيل حكومة كوسوفا المستقلة، وانتخاب الدكتور إبراهيم روجوفا رئيساً لجمهورية كوسوفا، لكن كل هذا..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: إذن نظرة مسلمي كوسوفا إلى منطقتهم بأنها منطقة محتلة، لكنها ليست جزءاً من صربيا أو من يوغسلافيا أصلاً؟!

د. مصطفى هافولي [مستأنفاً]: ليست جزءاً من صربيا..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: ولا توجد علاقة عرقية بين الصرب والألبان نهائياً؟

د. مصطفى هافولي [مستأنفاً]: لا، ليس هناك أي علاقات، لأن الصرب هم من أصل سلاف جاءوا إلى البلقان في القرن السابع من وراء جبال القرفاط في روسيا، لهذا -إلى يومنا هذا- الروس يسمونهم بالأخوة -إخوانهم- فهم ليسوا من أهل المنطقة أصلاً، لكن الألبانيين هم شعب أصلي في منطقة البلقان، وليس هناك أي صلة بين الألبان والصرب، لا في لغتهم، ولا في اعتقادهم، ولا في دينهم، ولا في عاداتهم، ليس أي صلة بين الشعبين.

د. حامد الأنصاري: أستاذ مصطفى بصفتكم من أواخر الناس الذين خرجوا -باختصار شديد لو سمحت- هل ممكن تعطينا آخر التطورات في وضع أهل كوسوفا الآن؟ هل خروج هؤلاء الناس بكثرة بسبب التصفية العرقية التي يقوم بها الصرب، أم هي أيضاً بسبب قصف الناتو للمنطقة؟

د. مصطفى هافولي: لا يا أخي، هذا التالي الذي ذكرته، هذا الذي تثيره الإذاعات الصربية تقول: "إن ألبان كوسوفا يفرون من ضربات الناتو" لكن هم ينسون أن ضربات الناتو لا تضرب كوسوفا فقط، لكن تضرب صربيا ويوغسلافيا بكاملها، فلماذا لا يفر الشعب الصربي؟! إذن الفرار من ضربات ناتو ينبغي هم يفروا كذلك، لأنهم يضربون كذلك.

لكن المشكلة تأتي لنا -الآن- في الآونة الأخيرة بعد انقضاء (رامبوييه) الاجتماع في باريس في الجزء الثاني منه، كان صربيا شارك فيه -فقط- ليستفيدوا من الوقت، فأدخل في يوغسلافيا قرابة مائة ألف جندي الذين -طبعاً- دخلوا كل المدينة، وأقول طريقة حي –مدينتي التي كنت ساكن فيها اللي هي برشتينا- فكانوا يجعلون هناك جسراً حول كل حي حياً حياً، فيدخلون في البيوت أو في الحي –أولاً- فيقتلون بعض الأشخاص لإدخال الرعب في نفوس السكان.

ثم يدخلون بيتاً بيتاً، ويضربون كل من يجدون في البيت، وينهبون كل من..أحياناً بعضهم، ثم يظل سؤال هو أين النقود؟ وأين الذهب؟ فيفتشونك تفتيشاً

تاماً، يأخذون من النساء كل شيء، حتى الذهب من أيديهم ومن الأذن والعنق بعد ذلك، يبدأ الضربات، ويأتون بالسكاكين ويقولون: اختر أي سكين تريد أن تذبح بها ابنك أو زوجتك، ويسألك هل الزوجة حاملة؟ إذا كانت حاملة يضرب في بطنها، وإذا كان غير ذلك يقول ستكون حامل من الآن -يعني يشير إلى الاغتصاب- وكذا.

ثم بعد ذلك يعطونك مهلة خمس دقائق، ويمزق كل الهويات، ويقول أنت لست من سكان هذه البلد أو هذه الدولة، فاذهب إلى دولتك التي هي ألبانيا على حد قولهم، هكذا فالسكان مضطرون بواسطة الشرطة يوصلونهم إلى محطة القطار ومحطة الباصات، وبالباص والقطار، ثم يحملون إلى منطقة الحدود، نحن كنا ممن خرجوا إلى مقدونيا، فيطردوننا من حدود يوغسلافيا.

فكنا نجلس بين حدود مقدونيا ويوغسلافيا، فالمقدونيون شرطة مقدونيا الخصوصية لا يتركوننا الدخول في مقدونيا، وهم كذلك يرموننا، فبقينا في الحدود بضعة أيام، فنرى الأطفال يموتون من الجوع وكبار السن كذلك، فهذا أمام عين كل المجتمع الدولي.

فما فيه هناك أي تدخل من الخارج إلا بعد أن مرت سبعة أيام..أسبوع..عشرة أيام، كان كل ليلة في المكان الذي كنت أنا جالس مع أهلي فيه يموتون بين أربعة عشر وعشرين طفل كل ليلة، وتقريباً مثل ذلك من الشيوخ والمرضى

وكذا، فالذي رأيناه والله المستعان..أظن ليس هناك شعب يستطيع يعمل مثل هذه المآسي والمذابح إلا الصرب الذين -طبعاً- اشتهروا بهذا في هذا المكان في هذا الوقت وخاصة ضد المسلمين.

د. حامد الأنصاري: أستاذ مصطفى هافولي -من مقدونيا- شكراً جزيلاً على مشاركتك، فضيلة الشيخ سمعنا مقدمة عن المسلمين في كوسوفا، وأنهم اجتثت أرضهم من ألبانيا وأضيفت بعد ذلك وضمت للصرب فيما يعرف باتحاد يوغسلافيا، ما الموقف الذي ينبغي أن يتخذه المسلمون الآن تجاه هذه القضية؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن والاه وبعد، دعني أقدم أسفي واعتذاري للأخوة المسلمين والمشاهدين لتأخرنا في تناول هذه القضية، وذلك لأننا جزء من العالم الإسلامي وجزء من أمة الإسلام، والأمة الإسلامية غابت في هذه القضية وتأخرت حتى اليوم، ولذلك نحن تأخرنا، كان ينبغي أن نتناولها من قبل في هذا البرنامج، ثم دعني أقدم أسفي أو دموعي على ما سمعت من الأخ الكريم، وما يجري للرجال والنساء والتذبيح والتقتيل.

المسألة ليست تهجيراً فقط، المسألة هي أكبر من ذلك، اليوم شاهدت في الأخبار وسمعت في التقارير أن هناك مائة ألف شاب قتلوا، وهذا ما ألحظه، أنا ألحظ المهاجرين، ألحظ أكثرهم شيوخاً ونساءً وأطفالاً ولا أجد فيهم شباباً، أين الشباب؟! ليس معقولاً أن كل الشباب يقاتلوا! يعني الذين في جيش تحرير كوسوفو عدد محدود، فهم إما معتقلون، وإما قد قتلوا وذبحوا، حتى الشابات من النساء –أيضاً- في المهاجرات قليلات، فهم أصبحوا مثل فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء ويستبقيهن للمتعة، أو للخدمة أو للإذلال.

لا أملك إلا أن أقول ما قال الشاعر الذي رثى الأندلس، ورثى سقوط غرناطة

-قديماً- وختم قصيدته بقوله:

لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلام وإيمان

هذه قضية -للأسف- لم يعطها المسلمون حقها كما ينبغي، من حق المسلمين أن يكون لهم كيان مستقل في هذه البلاد، فهم في أرضهم، وهذه ليست أرض الصرب، وليسوا هم من الصرب، ولا علاقة بهم كما ذكر الأخ..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: دكتور مصطفى.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: هؤلاء صربيون، وهؤلاء ألبان، جنس غير الجنس، لغة غير اللغة، قوم غير القوم، دين غير الدين، والصربيون -في الحقيقة- هم قوم أشبه ما يكونون بالصهاينة، هم أخوة الصهاينة تماماً، الصهاينة يحلمون بدولة كبرى تقوم على أساطير، وهؤلاء مثلهم هم شوفونيون عدوانيون وحشيون.

هم بالعكس هم أشد من الصهاينة في وحشيتهم، وهم يزعمون أنهم كانت لهم إمبراطورية قديمة مقدسة في هذه البلاد، ويريدون إحياء هذه الإمبراطورية من جديد، هي قضية أشبه ما تكون بالأساطير المؤسسة لإسرائيل -كما يقول جارودي- هي أساطير عندهم، وعلى هذا الأساس يريدون صربيا الكبرى مثل وليست إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ومن الأرز إلى النخيل، هم يريدون صربيا الكبرى، يريدون ضم هذه البلاد رغم أنف أهلها، هذا أمر لا يجوز -أبداً- أن يقبل، لا بمنطق القانون، ولا بمنطق الأخلاق، ولا بمنطق الدين -أي دين- ولا بمنطلق السياسة الراشدة.

ولذلك رفض المسلمون هذا، كان هناك الاتحاد اليوغسلافي أيام تيتو، حتى هم أيام تيتو كان لهم حكم ذاتي، ثم ألغوه بعد ذلك.

د. حامد الأنصاري: لأن تيتو من كرواتيا، كرواتي الأصل، وكان يحاول أن يحد من القومية الصربية والرباط الصربي.

د. يوسف القرضاوي: صربيا نعم، كان لهم حكم ذاتي أيام الحكم الشيوعي (التيتوي) الآن حتى الحكم الذاتي ألغوه، فهؤلاء القوم العدوانيون لا يريدون أن يبقى من الإسلام شيء، هم في الحقيقة -وظهر هذا من أيام حرب البوسنة- أنهم كانوا يقولون نحن فرسان الصليب، نحن نقوم لأوروبا -اليوم- بما قام به الصليبيون بالأمس، فهم قوم أشرار، وهم يمثلون الصهيونية في أوروبا، صهيونية جديدة.

هذه -في الحقيقة- هي التي تجعلنا نقف بقوة مع أخوتنا في كوسوفا، وينبغي أن نكون جنباً إلى جنب معهم، لأنهم يطلبون حقاً، لا يمكن أن تأخذ الناس

بالقوة، وتحكمهم بالعنف، وهم لا يريدونك، أنا أقول: الاتحاد اليوغسلافي هذا كان له ظروف مثلما كان الاتحاد السوفيتي له ظروفه، الاتحاد السوفيتي كان بيشمل الجمهوريات الإسلامية.

[موجز الأخبار]

د. حامد الأنصاري: فضيلة الشيخ كنا نتحدث -في البداية- عن علاقة الصرب أو وضعية الصرب الآن.

د. يوسف القرضاوي: المسلمين؟!

د. حامد الأنصاري: المسلمين، يبقى نظرة المسلمين، النظرة الإسلامية لمسلمي كوسوفا، هل هم أقلية في دولة أوروبية كما هو حال المسلمين في فرنسا أو بريطانيا، أم أن لهم وضعية أخرى من الرؤية الإسلامية؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، المسلمون في كوسوفا هم أهل البلد، يعني شأنهم في الاتحاد اليوغسلافي شأن المسلمين في أوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وكل هذه الجمهوريات الإسلامية العريقة الأصيلة -يعني- بلاد البخاري ومسلم والأئمة، هذه -يعني- بلاد إسلامية دخلت إلى الإسلام من القرن الأول، دخلت في الإسلام، فكان أصبحت جزءاً من الاتحاد السوفييتي، واعتبرت أقليات إسلامية ضمن الاتحاد السوفييتي، وهي أقليات بالنسبة للاتحاد، إنما هي -في الواقع- ليست أقليات، هذه بلاد إسلامية خالصة، فشأن هذه البلاد مع الاتحاد السوفيتي شأن كوسوفا مع الاتحاد اليوغسلافي.

انهارت الشيوعية، وسقط الاتحاد السوفييتي، يجب أن تعاد الخريطة من

جديد، ولذلك من حق هذه البلاد أن تطالب بأن تعيش مستقلة، وأن ترسم حياتها كما تريد هي لا كما يراد لها، فهذه هي النظرة الإسلامية، وهي نظرة تقوم على الواقع، وليست نظرة افتعالية أو نظرة مثالية أو نظرة حالمة، لا، هذا هو الواقع، ناس يعيشون في ديارهم منذ مئات السنين أو آلاف السنين، وهذه هي أرضهم، بالعكس الصرب هم دخلاء على المنطقة -كما قال الأخ مصطفى هافولي- هم دخلاء على المنطقة، ليست هذه منطقتهم، هم مهاجرون، أما هؤلاء فهم أهل الديار الأصليون.

د. حامد الأنصاري: لكن -فضيلة الشيخ- هذا -الآن- التخاذل الكبير من قبل الدول الإسلامية، كل هذه المذابح التي تحدث لم نسمع شجباً أو استنكاراً كما كان يحدث -على الأقل- في السابق، أو حتى التعاطف الذي وجد مع المسلمين في البوسنة والهرسك، لم نجد دولة واحدة من الدول العربية والإسلامية سحبت سفارتها من بلجراد، اللهم إلا الأردن ومصر في الأخير، لكن -أيضاً- بررت سحبها للبعثة الدبلوماسية بأن الأوضاع الأمنية في بلجراد لا تسمح لها بأداء مهمتها، وليس احتجاجاً على موقف الصرب من تذبيح المسلمين في كوسوفا، بم نفسر هذا التخاذل الرسمي للدول الإسلامية؟

د. يوسف القرضاوي: والله نفسره بأن الأمة –كما قلت- غائبة، أمة الإسلام الحقيقية وخصوصاً على المستوى الرسمي، على مستوى القيادات الأمة غائبة، لو كان هناك أمة إسلامية كما يريد الله –عز وجل- (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) (إن هذه أمتكم أمة واحدة) لأحست بآلام إخوانها وتجاوبت معهم "والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" والرسول صور علاقة المؤمنين بعضهم ببعض بالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله، علاقة عضوية.

وهذه -للأسف- ليست موجودة على المستوى السياسي مستوى القيادة، حتى على مستوى المؤسسة التي تمثل الأمة الإسلامية اللي هي (منظمة المؤتمر الإسلامي) هذه المنظمة -للأسف- لم تقم بواجبها كما ينبغي، لم تفعل شيئاً لهذه القضية، المسلمون في هذا..لو كان عندنا خليفة كما كان في الزمن الماضي، كان الخليفة يقول: يا أهل الإسلام، يا أمة الإسلام في مشارق الأرض هبوا لنجدة إخوانكم، إنما ليس عندنا خليفة، وليس عندنا -حتى – "بابا".

أنا كنت بأمازح بعض الزملاء الإخوان بأقولهم المسيحيين عندهم بابا، أما إحنا لا عندنا بابا.. ولا ماما!! يعني ما عندنا لا قيادة سياسية، ولا قيادة دينية تخاطب الناس فيسمع صوتها في كل مكان.

الأمة -للأسف- المعروف في العهد الأول حينما سمع سيدنا عمر بن عبد العزيز أن مسلماً في بلاد الروم أسر، وأنه أهين وعذب وكذا، فأرسل إلى ملك الروم كتاباً مختصراً يقول له: سمعت أنه فيه مسلم عندكم أسير جرى له كذا

وكذا، فإذا جاءك كتابي هذا فاعمل على إطلاقه وإلا غزوتك بحنود أولها عندك وآخرها عندي، وفعلاً حينما جاء إمبراطور الروم هذه الرسالة بحث عن هذا الأسير، وفك أسره وبعث إلى عمر بن عبد العزيز يخبره بذلك، يعني رسالة

تهديد.

إنما هناك رسالة أخرى، لم تكن تهديد بل إنما كان جيش، وهي المسألة المعروفة عندما لطمت سيدة على خدها في بلاد الروم فصاحت وقالت "وامعتصماه" فجاء رجل وقال: يا أمير المؤمنين إن امرأة لطمت في بلدة كذا، وقالت "وامعتصماه" فقال لبيك أختاه لبيك، وجيش الجيوش، وكانت موقعة "عمورية" الشهيرة، يعني واحد بعث برسالة تهديد، والثاني لم يكتف بالتهديد لا، جيش..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: نعم، لكن موقفنا الآن وموقف الدول؟!

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: الآن ما عندناش معتصم نقول له وامعتصماه، ونقول وا…إيه؟ قول لي بس الشاعر العربي الكبير عمر أبو ريشة له قصيدة مشهورة ميمية، وفيها يقول:

رب وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم، لكنها لم تلامس نخوة المعتصم.

للأسف الأمة غير موجودة، ولكن إذا كانت الأمة من ناحية القيادات السياسية غير موجودة، فينبغي أن تكون موجودة من ناحية الشعوب، والشعوب بخير والحمد لله، لاشك أنا لامس أن هناك صحوة إسلامية في كل أقطار العالم الإسلامي، هذه الصحوة ينبغي أن تقوم بدورها، صحيح -يعني- هناك عوائق وعقبات كثيرة في طريقها، ولكن لا ينبغي أبداً أن نستسلم، لابد أن نزيح هذه العوائق، ونعمل على نجدة إخواننا.

د. حامد الأنصاري: لكن وجدنا -فضيلة الشيخ- أن الدول الإسلامية كان لها موقف تجاه أفغانستان، كان لها موقف تجاه احتلال العراق للكويت، وكان لها موقف تجاه أوضاع المسلمين في البوسنة والهرسك، فبم يفسر هذا السكوت الآن؟ هل فقد العالم الإسلامي جميع أوراقه؟!

د. يوسف القرضاوي: هناك في يونيو 1998م مجموعة الاتصال الأوروبية قررت أنه لا يجوز إمداد جيش تحرير كوسوفا، ولا يجوز مساعدته، ويجب عزله وكذا، ويبدو أن هذه كانت إشارة "اتركوا هذه القضية".

إنما الواقع أنه علينا -نحن المسلمين- فرداً فرداً، على كل من يقدر على عمل شيء من المسلمين أن يساعد هؤلاء الأخوة، وينصرهم في الدين، نحن عندنا في الجهاد أنه إذا احتلت -أيضاً- أو اعتدي على أهلها وجب على أهلها أن يدافعوا عن أنفسهم بالنفس والمال وبكل ما يقدرون عليه، فإن عجزوا فعلى أقرب البلاد إليهم أن يساعدهم، ثم الأقرب فالأقرب حتى يشمل المسلمين كافة، وعلى المسلمين في أنحاء العالم أن يساعدوهم ويمدوهم بالمال وبالسلاح وبالخبرة وبكل ما يستطيعون.

ونقرأ في كتاب "البحر" وهو من كتب الحنفية "امرأة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب أن يخلصوها" مش بس على أهل المشرق، حتى على أهل المغرب أن يخلصوها وفي الكتب المالكية يذكر الإمام أبو بكر بن العربي والإمام القرطبي في تفسيره عن الإمام مالك "أن على المسلمين أن يفدوا أسراهم ولو استغرق ذلك جميع أموالهم، فالمسألة مش أسير أو اثنين أو عشرة أو امرأة استغاثت بمعتصم، ده مئات الآلاف، أين واجب الأمة الإسلامية؟!

فواجب الأمة الإسلامية كان المفروض –في أول الأمر- نحاول أن نساعد جيش كوسوفا، وإذا لم نستطع فواجبنا –الآن- يتمثل في أمرين أساسيين، الأمر الأول هو نجدة هؤلاء بالمال وبالإعانة العينية والنقدية، ويجب أن نشكر لرئيس دولة الإمارات العربية أنه أقام جسراً جوياً بين الإمارات وبين الأخوة في كوسوفو في ألبانيا، وفي مهاجرهم لإمدادهم، وهذا يجب أن يكون في كل بلد، والأخوة هنا في قطر (جمعية قطر الخيرية) وجمعية (الشيخ عيد بن محمد) وغيرها والأخوة في نقابة الأطباء في مصر، يعني يجب على الهيئات أن تسارع لنجدة هؤلاء، الإغاثة الإنسانية هذا واجب.

والأمر الثاني: في الحقيقة -وهو أمر يغفل عنه الكثيرون- هو واجب

المقاطعة، يجب على المسلمين جميعاً أن يقاطعوا الصرب، هؤلاء قوم معتدون ظالمون وحشيون، لابد أن يقابلوا بالمثل، وأقل ما نفعله حيالهم أن

نقاطعهم، للأسف فيه بعض البلاد الإسلامية تمدهم بالبترول والنفط وهذه الأشياء و هذا لا يجوز.

بعض البلاد تتعامل معهم، ولهم موظفون في كثير من البلاد، يوغسلافيين موجودين في كثير من البلاد بلاد الخليج، لهم تجارات مع كثير من الناس، وكثير من الناس يشترون السلع اليوغسلافية، يشتري أثاث يوغوسلافي، معنى هذا أن هذه الأموال تتحول إلى أسلحة ضد إخواننا، كل درهم وكل ريال وكل فلس تعطيه لهؤلاء يتحول إلى خنجر في صدر إخوانك، إلى رصاصة تقتلهم، فأقل ما يجب علينا في هذه القضايا أن نقاطع هؤلاء، إذا لم تستطع الحكومات وضعفت الحكومات أو عجزت عن أن تفعل ذلك -وهذا أقل ما يجب- أن نقاطع

هؤلاء.

حتى أنت ذكرت في حديثك أن البلاد الأوروبية قاطعتهم، وبلادنا الإسلامية سمن على عسل معاهم، تشتري منهم وتبيع لهم للأسف ظلت، أين الأخوة الإسلامية؟! الله تعالى يقول (إنما المؤمنون إخوة) "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم" "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" معنى لا يسلمه -يعني- لا يخذله، ولا يتخلى عنه، ولكن -للأسف- نحن نخذل إخواننا ونتخلى عنهم، ونمد أيدينا بالبيع والشراء لأعدائنا وأعداء أمتنا وأعداء إخواننا.

د. حامد الأنصاري: طيب -فضيلة الشيخ- لو كان شعب كوسوفا هؤلاء ليسوا مسلمين، فهل كان سيكون موقفنا تجاههم كما موقفنا تجاه مسلمي كوسوفا؟!

د. يوسف القرضاوي: الموقف الإسلامي من أي طائفة مستضعفة في الأرض وتظلم، الموقف الإسلامي هو نصرتها، نصرة كل ضعيف ومظلوم أينما كان، والإسلام يشرع القتال من أجل المستضعفين، الله -سبحانه وتعالى- يقول (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) المستضعفون..غزوة الفتح كانت لماذا؟ لأن هناك حلفاء للنبي –صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا مسلمين، قبيلة خزاعة اُعتدي عليها من قبيلة بكر، وكانوا حلفاء قريش، فاعتدوا عليها، وجاء رجل يقول: يا رسول الله هم بيتونا بالوتير هجداً، وقتلونا ركعاً وسجداً، فانصر رعاك الله نصراً أيداً.

فكان جيَّش جيشاً من عشرة آلاف للدفاع عن هؤلاء والثأر لهؤلاء، فنحن مع المستضعفين ومع المظلومين ولو كانوا غير مسلمين، نحن ضد الظلم والعدوان ولو حتى المسلم هو اللي ظالم، نكون ضد المسلم.

د. حامد الأنصاري: نستقبل بعض المكالمات، معنا الأخ منذر عبد الله من الدانمارك، أخ منذر.

منذر عبد الله: السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله.

منذر عبد الله: حقيقة هناك نقطة مهمة في الموضوع بالإضافة إلى ما يعانيه المسلمين في كوسوفا، وهي أن تدخل حلف الناتو هل كان فعلاً لإنجاد المسلمين، أم أن دول حلف الناتو كانت ضالعة في التآمر على المسلمين؟ وكلنا يعلم أن الدول التي رعت (رامبوييه) هي التي وضعت شروطاً الكل يعلم أنها وضعت شروطاً من المعروف أن سلوبودان ميلوسوفيتش يرتضيها، ومنها نزول قوات حلف الناتو إلى كوسوفا، ولم يضعوا خياراً آخر مما عقد المسألة ودفع الأحداث لهذا التصعيد..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لم يكن هذا من الشروط يا أخي.

د. حامد الأنصاري: اللي هو كان وجود قوات برية لحماية الـ..

د. يوسف القرضاوي: آه، وجود قوات برية آه.

منذر عبد الله [مستأنفاً]: نعم، هناك إشكالية، بعض المسلمين يظنون بأن حلف الناتو أشفق على المسلمين وتدخل لنجدتهم، والكل يعلم ما حصل في البوسنة، الدول الغربية تفرض حظراً للسلاح، وهذا الحظر للسلاح شمل المسلمين، والصرب لم يؤثر عليهم هذا الحظر، لأنهم يملكون السلاح، والمسلمين كانوا لا يملكون السلاح، مما أدى إلى ذبح المسلمين وقتلهم، ثم المناطق الآمنة في سربرنيتشا وزيفا لم ننساها، وما حصل فيها من قتل ومصير عشرة آلاف من الشباب في سربرنيتشا مازال غير معروف بسبب الدول الغربية، فيجب أن يعي المسلمون.

المشكلة الأساسية -حقيقة- أننا ننساق إلى ما تريده لنا هذه الدول الغربية، يجب أن يتعامل المسلمين مع عدوهم على أنه عدو، الله -سبحانه وتعالى- يقول: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) ويقول: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) فأمريكا بالنسبة للمسلمين عدو، فيجب أن يتعامل معها كعدو، فلا يستنجد

بها، ولا تطلب نصرتها، ويجب ألا نكون جزءاً من الأحداث التي تصنعها، أما بالنسبة للحل، فالحل ليس بالمساعدات الإنسانية، لأن المساعدات الإنسانية ماذا تعني امرأة مسلمة في كوسوفا أو في البوسنة أن تكون..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: أخ منذر هل تطالب -الآن- هل تطالب حلف الناتو بوقف هجماته، بالتوقف عن ضرب الصرب؟

منذر عبد الله [مستأنفاً]: لا، الذي أطالب به -يا سيدي- أن يكون المسلمون واعون، وألا يكونوا جزءاً من سياسات الدول الكبرى، أن يصنعوا هم الأحداث، أن تكون المبادرة بأيدينا، إذا أردنا الاستقلال عن صربيا يجب أن يكون ضمن برنامج وخطة نستطيع أن ننفذها نحن بأيدينا، لا أن نكون أداة لأمريكا وللدول الكافرة التي هي عدوة للمسلمين.

أما بالنسبة للحل، فالحل ليس بالمساعدات الإنسانية، لأن المرأة المسلمة إذا اغتصبت وهي شبعى لا يختلف الأمر عنه إن كانت جائعة، فالحل كما قال الشيخ القرضاوي –جزاه الله خيراً- إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وتوحيد البلاد الإسلامية، وطرد نفوذ الدول الكافرة، وإنقاذ المسلمين وغير المسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. حامد الأنصاري: شكراً أخ منذر، شكراً جزيلاً لك، الدكتور قاسم حسن من سوريا.

د. قاسم حسن: آلو، مساء الخير.

د. حامد الأنصاري: أهلاً وسهلاً.

د. قاسم حسن: الحقيقة نسيتم دور الشيطان الأكبر -وهو أمريكا- يجب أن نتساءل: من هو؟ ومن الذي فتت الاتحاد السوفيتي؟ ومن الذي أتى بهذه الكارثة للكوسوفيين؟أمريكا تريد -ظاهرياً- أن تدعم الشعوب، ولكن تقتل الشعوب وتمشي مع الجنازة، وفضيلة الشيخ القرضاوي حول المشكلة الكوسوفية وكأنها مشكلة إسلامية، المشكلة ليست مشكلة إسلامية، فلو أمريكا دافعت عن الإسلام لما قصفت السودان، ولما قصفت ليبيا، ولما وضعت الفخاخ أمام سوريا لولا حنكة السيد الرئيس حافظ الأسد، ولو أن أمريكا تريد أن توصل الشعوب إلى حقوقها لما دعمت تركيا وشردت عشرين مليون كردي.

د. حامد الأنصاري: يا أخ قاسم، القضية ربما لا تكون إسلامية من وجهة نظر أمريكا، لكن بالنسبة لنا هي قضية إسلامية، وأهل كوسوفا أناس مسلمون. نأخذ الأخ كمال محمد علي من السويد، أخ كمال.

كمال محمد علي: السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام.

كمال محمد علي: كيف حالك يا شيخنا.

د. يوسف القرضاوي: مرحباً يا أخي، تفضل.

كمال محمد علي: عندي مداخلة بسيطة بالنسبة لموضوع كوسوفو، أنا أعتقد أنها عملية مبرمجة بالنسبة للغرب، وخطوطها حتظهر وبدأت تظهر الحين، والدليل على ذلك إنه تهجير الكوسوفيين بحد ذاتهم من بلادهم، وأخذهم إلى أوطان بعيدة مثل استراليا وكندا وأمريكا، أقول والله -على حسب رأيي- أقول إن هذه عملية كانت مبرمجة وخطوطها هتظهر فيما بعد، استراتيجيات أمريكا نحن ممكن نعرفها.

لكن بالنسبة لي كقضية إسلامية بالنسبة تهمنا، أنا أقول: قوادنا أو مسؤولينا الموجودين بالحكم ما عندهم أي حاجة عشان يعطوها اليوم، ففاقد الشيء لا

يعطيه، والدليل على ذلك -مع كل الأسف- أن بعض الدول العربية مثل ليبيا -أقول- إن هي قاعدة تؤيد، وهي اليوم ضد الناتو، ضد يوغسلافيا، الموضوع الثاني أننا سمعنا أمس شارون في أمريكا يقول..يحذر الأمريكانيين من عدم إقامة دولة كبرى اللي هي دولة ألبانيا الكبرى، شارون بحد ذاته، أنا ما أظن فرق بين شارون وبين معمر القذافي الذي يتكلم نفس العملية.

فأنا برأيي أو أقدر أسأله لماذا الدول العربية والدول الإسلامية -بصفة عامة- لماذا لم تطالب باستيعاب هادول الأخوة المسلمين اللي قاعدين يضطهدوا في أرضهم لتهجيرهم إلى الدول العربية بدلاً من الهجرة البعيدة اللي هي إلى استراليا؟ ما أظنه بكره ييجي الكوسوفي ييجي من استراليا أو من أمريكا، لكن إحنا لو استدعيناهم كأخوة لنا –كمسلمين- بكرة رجوعهم هيكون أحسن، وخاصة وبكل سرعة..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: عموماً هذه القضية سنناقشها في المحور الثاني من هذا الموضوع، أخ كمال محمد علي من السويد شكراً جزيلاً لك.

فضيلة الشيخ هذه الأسئلة تجرنا إلى المحور الثاني في الموضوع، وهو الرؤية الإسلامية لتدخل حلف شمال الأطلسي في كوسوفا، هل هذا التدخل -فعلاً- لنجدة مسلمي كوسوفا، هل هي بهذه النخوة، أم أن لحلف الناتو مصالح خاصة به وإستراتيجيات خاصة به، قد يتوافق في بعضها مع مصالح المسلمين في كوسوفا؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً: أحب قبل أن أجيب عن هذا السؤال الأخ الذي قال إن القضية دي ليست إسلامية، هذا كلام في غاية الخطورة -حقيقة- لأنه معناه أنه يريد أن يتخلى عن أخوتنا هؤلاء، ونقول هؤلاء ليسوا..قضيتهم ليست إسلامية، وأنا أقول إن قضيتهم إسلامية 100%، ولأنهم قوم يراد إبادتهم وإخراجهم من أرضهم وإخراج الإنسان من أرضه هذا يوازي القتل، يعني القرآن يقول "ولو أن كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلاً" فجعل قتل النفس مثل الخروج من الديار، وجعل هذا مما يوجب القتال.

الإنسان يقاتل إذا أخرج من داره (وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) وقال عن الصحابة (أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن لله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم) هؤلاء الناس يخرجون من ديارهم بمئات الآلاف، وهذا ليس من الآن ده من عشر سنين، من عشر سنين والصرب يفعلون بالمسلمين وقتلوا حوالي نصف مليون، وهجروا حوالي مائتين ألف في المدة الماضية، فنحن مع مسلمين مظلومين ومستضعفين.

وأنا أقول إن أي مسلم حتى لو كان مش ضروري بيقاتل علشان الصلاة، يقاتل للدفاع عن عرضه وأرضه ودمه وأهله وماله، هذا من قتل دون ذلك فهو شهيد في نظر الإسلام، إذا كان هؤلاء يقاتلون عن عرضهم وأرضهم وأهليهم فهذه قضية إسلامية، وأنا قلت حتى لو أن غير المسلمين ظلموا واستضعفوا واستغاثوا بنا نعتبر هذه قضية إسلامية، ويجب أن نشد أزرهم ونقف بجوارهم، فهذا لابد أن نقرره حتى يتضح الأمر.

د. حامد الأنصاري: نعم، لكن نعود إلى قضية تدخل الناتو، هل هذا من أجل عيون مسلمي كوسوفا؟

د. يوسف القرضاوي: لا أظن هذا قطعاً، الناتو له أهدافه الاستراتيجية، وله أهدافه في استقرار أوروبا والأمن الأوربي، وتقليم أظافر الصربيين وغيرهم، بحيث الكل يخضع الجميع، وحتى لا توجد مشاكل إذا حدثت استثارة الأقليات المختلفة، فهم يريدون أمن أوروبا، وأمريكا تريد من خلال ذلك السيطرة على العالم، ولكن يمكن أن تتوافق المصالح، هم يفعلون ذلك، ولكن هذا من مصلحتنا وخصوصاً الآن بعد أن وقع ما وقع، وإن كنا نود بدل ما يحدث هذا إنهم كانوا بس يتركوا المسلمين يدافعوا عن أنفسهم، ويمدوهم بقليل من السلاح لو كانوا صادقين.

إنما تضرب من فوق، الحرب عن بعد هذه حتى لا تمس بسوء، ولا يقتل منك

واحد، ولا يؤسر منك واحد، وإن كان أسر منهم ثلاثة، وبعدين هذا يؤدي إلى مزيد من الانتقامات، هي الانتقام موجود، إنما أدى هذا إلى المزيد أو إلى التعجيل، التعجيل بمأساة المسلمين، قطعاً هم لهم أهدافهم، إنما نحن نقول وإن كان لهم هذا إنما هذا يتفق معنا.

فيه سنة في القرءان اسمها سنة التدافع ذكرها الله -تعالى- في آيتين من كتابه في سورة البقرة، وفي سورة الحج (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً) فهذا التدافع إن ربنا يسلط الأقوياء بعضهم على بعض فيحمي الضعفاء من خلال هذا، من خلال تناقض المصالح وصراع القوى المختلفة، ولذلك كان أيام الاتحاد السوفيتي كان مصلحة للمسلمين، برضه اختلاف الصرب مع الأمريكان مصلحة.

كان من دعاء السلف الصالح يقولون: "اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين" الظالم سيف الله في أرضه ينتقم به، ثم ينتقم منه، والشاعر يقول:

وما من يد إلا يد الله فوقها وما ظالم إلا سيبلى بظالم

فهؤلاء الظالمون يولي الله بعضهم بعضاً، ويسلط بعضهم على بعض، فإحنا لا مانع عندنا أن يضرب الأمريكان الصرب، فهم أشرار وهم شياطين وأبالسة والعياذ بالله.

د. حامد الأنصاري: لكن نحن متفقون على أن ما يقوم به حلف الناتو -الآن- هدفه الأساسي ليس نصرة مسلمي كوسوفا، إنما..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: ليس وحده، لا هم -أقول لك إن أيضاً- هؤلاء الناس الذين يقومون بمجازر وبتاع ضد هؤلاء لا يقبلها منطق إنساني، في الظاهر..

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: نعم، هم اتخذوا ذلك مبرراً لأن..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: نسلم لهم في الظاهر إحنا..

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: المذابح هذه -فضيلة الشيخ- من سنة 1997 م، من 1997م والمذابح قائمة، يعني أكثر من نصف مليون من 1997م إلى الآن شردوا وقتلوا.

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: من عشر سنين، مش منذ 1997م..

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: لكن هذه المذابح بدأت من..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: من عشر سنين وهذا يحدث، وأنا قلت على المنبر هذا -للأسف- إن الناتو يعد بالتدخل والتدخل، ولكنه لن يتدخل إلا بعد أن ينهى على المسلمين، فهو تأخر أيضاً في التدخل، ولكن هو يتدخل لتحقيق أهداف عندهم، ونحن من أهدافنا أن ينتقم الله من هؤلاء الظلمة.

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: بعض المحللين يرون أن من مصلحة حلف الناتو تفريغ كوسوفا من أهلها، الهدف الأساسي لحلف الناتو ليس إعطاء المسلمين الحكم الذاتي، وإنما وجود..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: ولذلك يجب على الأمة الإسلامية أن تطالب حلف الناتو، وتطالب هؤلاء جميعاً أن يضمن لهؤلاء حق العودة، لأنه الواقع هذا التهجير -كما أشار الأخ اللي اتكلم من السويد- أنه تهجير إلى استراليا وتهجير إلى أماكن بعيدة، كيف يعود هؤلاء، وخصوصاً أن الصرب أحرقوا أرشيف هؤلاء، أحرقوا كل ما يثبت هويتهم، أحرقوا شهادات الميلاد، أحرقوا عقود الزواج، أحرقوا عقود التملك، أحرقوا الشهادات الدراسية البطاقات الشخصية جوازات السفر، كل شيء يعني..لم يبقوا يعني الواحد لو عاد من أنت؟ وما الذي يثبت هويتك؟ أنك من البلد الفلاني ومن الشارع الفلاني؟ ما عاد هناك.

فلابد أن يكون هنا للمسلمين -على الأقل- في هذه القضية صوت مسموع، إنه يا ناس لابد أن نضمن عودة هؤلاء الناس، وعودتهم على ما كانوا عليه، لأنه -أيضاً- يخشى أن يعودوا بأوضاع جديدة تتحكم فيها الأهواء والأغراض المختلفة، لابد أن يعودوا على ما كانوا عليه.

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: ما يقوله هؤلاء المحللون أن من مصلحة حلف الناتو تفريغ كوسوفا من أهلها حتى يعودوا، بعد ذلك يعيدهم حلف الناتو، وتصبح هذه المنطقة تحت سيطرة حلف الناتو.

د. يوسف القرضاوي: محمية؟!

د. حامد الأنصاري: محمية لحلف الناتو، كما هو الحال -الآن- في كوسوفا، الذي يستطيع المندوب الدولي عزل رئيس البوسنة، فالبوسنة -في الحقيقة- هي محمية دولية تحت حكم دولي، أما في كوسوفا يراد أن تكون -حسب ما يقول المحللون- أن تكون تحت حكم حلف الناتو، وبالتالي تصبح كأنها قاعدة كبيرة لحلف الناتو، يفرض شروطه على المسلمين، فضيلة الشيخ قبل أن أسأل سؤال يرد إلى ذهني، أريد أن أخذ بعض المكالمات من الأخوة، الأخ الأسعد من فرنسا.

أسعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله.

أسعد: شيخنا الفاضل، كل ما سمعناه من هذا اللقاء أن قناة الجزيرة حريصة كل الحرص على أن توصل مأساة شعب كوسوفو إلى المسلمين في العالم، بينما هناك

تناقض، تضرب لنا موعد، بأنها غداً في برنامج (لقاء اليوم) سوف تبث لنا وزيراً صربياً يناقش أحد الصحفيين، هل هذا معقول؟! والسلام عليكم ورحمة الله.

د. حامد الأنصاري: شكراً يا أخ أسعد، الأخ عبد الله الشامي من فلسطين.

عبد الله الشامي: السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله الشامي: مساك الله بالخير يا أخي.

د. حامد الأنصاري: حياك الله.

عبد الله الشامي: بالنسبة للمشكلة، هي ليست مشكلة مسلمي كوسوفا -فقط- أو مسلمي البوسنة أو مسلمي أوروبا وأمريكا، المشكلة تعم المسلمين في العالم، هذا هو العراق محاصر ويضرب من أجل مصالح أمريكا وخططها، وليس من أجل حماية الأكراد أو حماية جيران العراق، وهذه هي فلسطين سلخوها من أهلها، وأعطوها لليهود، وهذا هو نفط الخليج بدل أن يكون نعمة على أهله حولته أمريكا وحلفاؤها إلى نقمة، فجاءوا لاحتلال البلاد ونهب خيراتها بحجة حمايتها بعد أن أشعلوا فيها الحروب، وأكبر من ذلك هدموا الخلافة الإسلامية، وعطلوا الشريعة الإسلامية من مطلع هذا القرن، ومزقوا الأمة الإسلامية والبلاد الإسلامية من دولة واحدة إلى بضع وخمسين دويلة، ونصبوا عليها حكاماً نواطير عملاء، ينفذون رغبات أسيادهم الكفار على حساب شعوبهم، فالحل إذن هو أن تنفض عن كاهلها هؤلاء الحكام العملاء، وأن تعتصم بحبل الله، وتتوحد تحت راية خليفة واحد يحكم بما أنزل الله، هذا هو الحل الصحيح الناجح، فيكفي هراء أن نسمع من على شاشات الفضائيات..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: طيب أخ عبد الله، هل..

عبد الله الشامي [مستأنفاً]: اسمح لي لحظة إذا تكرمت.

د. حامد الأنصاري: أخ عبد الله هل عندك سؤال يا أخي العزيز؟ الوقت قصير، ولدينا الموضوعات كثيرة، فهل لديك سؤال معين؟

عبد الله الشامي: على راسي..الشيخ القرضاوي حبيت أن أنقل بيتين من الشعر -فقط- الشاعر يقول:

وغير تقي يدعو إلى التقى طبيب يداوي والطبيب مريض

الأصل في الشيخ القرضاوي وغيره أن يعملوا في الأمة على قلع حكامهم العملاء، وأن ينصبوا خليفة كما قال حزب التحرير، وأنت تعلم -يا شيخ قرضاوي- من هو حزب التحرير بقيادة الشيخ عبد القدير زلوم.

د. حامد الأنصاري: طيب، عبد الله الشامي من فلسطين شكراً جزيلاً، الأخ عبد الفتاح جميل من الإمارات.

عبد الفتاح جميل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

عبد الفتاح جميل: أولاً: عاوز أحيي الشيخ، وأحيي منبر حر هو قناة "الجزيرة" ولكني أرجو غربلة المداخلات التي تصلكم من القراء، لأن حكام المسلمين وصفهم بالعملاء في مثل هذه القناة التي يتابعها الملايين، ليست من الإسلام في شيء.

ثانياً: صربيا ورثت جيش يوغسلافيا، وكان جيش يوغوسلافيا هو رابع أقوى جيش في العالم، وكانت أكبر جيش بري في أوروبا، فهل يعقل أن يتصدى لهذا الجيش الذي كان هو رابع أقوى جيش في العالم، أن يتصدى له إلا قوة حلف الناتو.

ويكفي لكي نطمئن إلى صحة كلامي أن نعلم أن أمريكا وتسعة عشر دولة عضو في حلف الأطلنطي تضرب صربيا بطائرات وبصواريخ منذ تسعة عشر يوماً، وإلى الآن يقف الشعب الصربي الظالم المتعصب على الجسور ليحميها، وهو يحمل على صدوره أهداف للتصويب عليها، ورأينا في قناة (الجزيرة) نفسها شاباً صربياً يقبل أرض الجسر، أرجو منكم أن تقللوا من الحديث عن أن المسلمين فيهم حكام عملاء، أو أن المسلمين يحتاجون إلى خلافة، هل ننتظر قيام الخلافة إلى أن تقوم الساعة لكي يتشرد المسلمون؟!

إن الحقيقة هي أن الدول الإسلامية مكلفة أولاً برعاية شعوبها، وبرعاية مصالح هذه الشعوب، وأنا أعتقد -كمواطن مسلم ولست عميلاً لأي أحد- أن الحكومات الإسلامية تقوم بواجبها على خير وجه، وأنا أؤيد كلام فضيلة الشيخ في دعوته للمسلمين إلى نصرة إخوانهم في كوسوفو، ولي مداخلة قصيرة -أيضاً- أرجو من البرنامج أن يسمح لي بها.

د. حامد الأنصاري: والله يا أخ عبد الفتاح نعتذر، لا نستطيع لضيق الوقت، ولوجود أخوة ينتظرون، ولدينا نقاط -أيضاً- لم تناقش -حتى الآن- فنكتفي بهذا القدر، وشكراً جزيلاً لك، شكراً يا أخي، عفواً معذرة، لا نستطيع شكراً

جزيلاً، فضيلة الشيخ الأخ الأسعد من فرنسا ينتقد قناة "الجزيرة" على أنها سيكون هناك لقاء مع وزير صربي في برنامج (لقاء اليوم).

د. يوسف القرضاوي: والله هو على كل حال ماذا سيكون هذا اللقاء؟ هل هو لقاء ترحيب، أم لقاء مناقشة وفضح؟ لعله يريد أن يفضح نوايا هؤلاء، ما أدري ما طبيعة اللقاء إيه؟ وإن كنت لا أحبذ لقاء مثل هؤلاء ولا لقاء الإسرائيليين ولا لقاء هؤلاء الناس، لا أحبذ أنا هذا في قنواتنا، إنما -على كل حال- لعل اللقاء مقصود به ما ذكرت، الأخ..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: عبد الله الشامي من فلسطين.

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: قال كلاماً إنشائي، هذا الكلام إنه يجب أننا نقوم ضد الحكام، يعني حول القضية، إحنا -الآن- نريد أن نوجه الأمة كلها بحكامها ومحكوميها لنصرة هؤلاء، يريد أن نقف ضد الحكام ونترك القضية، هذا شيء خطير، الآن من الأشياء الخطيرة جداً أن كل جماعة تحاول أن تبرئ نفسها، وتلقي المسئولية على غيرها، الناس يقول لك المسؤولية على العلماء، والعلماء يقول لك المسؤولية على الحكام، والحكام يقولوا المسؤولية على الاستعمار.

كل مسلم يجب أن يحمل المسؤولية، وعلمنا ذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- حينما قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" كل واحد قائد في مكانه، وهو على ثغرة، كما قال سيدنا عمر "أنت على ثغرة من ثغر

الإسلام، فلا يؤتين من قبلك" فيجب على الشعوب وعلى أفراد المسلمين -كل واحد في موقعه- يعمل على نصرة إخوانه هؤلاء، إنما ننتظر حتى تأتي

الخلافة.

وهم إخواننا في حزب التحرير دولا يظنوا إنك مجرد ما تعلن إن الخلافة

قامت، الخلافة دي تحتاج إلى تمهيد وتمهيد، لأن تحتاج إلى أمة واحدة في أول الأمر، ثم قيادات تحكم بالشرع، وبعدين هؤلاء يجتمعون ويقرروا تنصيب خليفة فهذا..إلى أن يحدث هذا تظل أمورنا معطلة، ويظل إخواننا يذبحون ويبادون ويصفون، وننتظر قيام الخليفة، هذا كلام لا يقوله عقلاء.

د. حامد الأنصاري: لو عدنا -فضيلة الشيخ- لتدخل الناتو، في قصف الناتو لصربيا بدعوى نصرة مسلمي كوسوفا، ألا ترى أن هذا التدخل يؤسس شرعية لحزب الناتو -مستقبلاً- لكي يتدخل في أماكن أخرى قد تمس أجزاء من العالم الإسلامي، ربما نقبل -الآن- لأن مصالحنا توافق مصالحهم..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: يعني في الأغلب ماذا تريد؟ يعني الآن نريد منهم يوقفوا؟ يعني..

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: لا، أنا لا أقول، أنا أريد..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: ما المراد بهذا الكلام؟ إحنا لو قلنا إن هم لهم أهدافهم، ونحن لا نقر هذه الأهداف، ولكن إحنا من أهدافنا ضرب هؤلاء الظلمة الآن، كل من يضربهم هو يحقق لنا هدفاً، لأن هؤلاء ظلمة، وكما قال الأخ من الإمارات إننا لا نستطيع نحن المسلمين أن نؤدبهم، وربنا بعث إليهم من يؤدبهم يا أخي..

د. حامد الأنصاري [مستأنفاً]: لكن فضيلة الشيخ هذا التدخل..

د. يوسف القرضاوي [مقاطعاً]: لا نقبل، لا يقبل يا أخي، كل قضية تحسب بحسابها، هذه القضية ناس يبيدون منطقة بأسرها، ويفرغونها من أهلها تصفية جسدية وإبادة منظمة ومقابر جماعية، ونساء تغتصب، وأعراض تهتك، ودماء تسفك، ومساجد تدمر محو، فهذا لا يمكن لأحد يقول: لا في هذه القضية، لو وجدت قضية مثل هذا ممكن نقبلها، إذا لم يوجد مثل هذا نقول: لا، إحنا لا نعطي أي أحد كارت أبيض يفعل ما يشاء، لا يجوز هذا، لا الناتو ولا غير الناتو..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: لكن كما تدخل الآن..

د. يوسف القرضاوي [مستأنفاً]: وبعدين القضية قضية الأمة، إذا وجدت أمة إسلامية تستطيع أن تقول لا، يبقى تقدر توقف الناتو وغيره، إذا ظللنا ضعفاء نضرب على أقفيتنا ونسكت مهما قلنا لن يفيدنا هذا شيئاً، المهم أن توجد أمة تقدر أن..إنما إذا كنا كما قال الشاعر:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود

فما قيمة أن إحنا ننكر -الآن- على الناتو أو ما ننكر على الناتو؟!

د. حامد الأنصاري: الأخ عمران العيساوي من البوسنة، أخ عمران.

عمران العيساوي: السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي.

عمران العيساوي: تحية لقناة (الجزيرة) وفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، في الحقيقة يا أخي بالنسبة لمداخلتي -يعني- نعم يجب أن ننسى..لا نقول تفتت المسلمين في العالم، المشكلة الأكبر من هيك أن الشعب المسلم في كوسوفا يقتل الآن، فأهم شيء في هذه الأمور، أن نكون كلمة واحدة، لنقدر نساعد قدر الإمكان، أليس درس كبير أن نرى البوسنة أربع..خمس سنوات من القتل ومن التشريد، يعني كل الناس -للأسف- مثل ما بشوف القناة مشاهدين كثير فكرة عن جمهورية البوسنة مائتين ألف قتيل -يعني- كلفت البوسنة والهرسك، وثلاثمائة ألف امرأة مغتصبة، يعني يجب ألا ننسى هذا الشيء، وخاصة السيناريو يعاد في كوسوفا للأسف، فما يعرف ولو كانوا الأمريكان أو حلف الناتو تدخل، فيا أخي أنا طلبتي إذا المسلمين ما غابوا يتدخلوا، فلماذا الناتو والدول الغربية لا تساعد ولو كان هذا على حساب مصلحة المسلمين نوعاً ما؟ فأرجو من بعض الناس أو بعض الأخوة أن يشوفوا، يجمعوا حالهم، يطلعوا على مشكلة كوسوفو ولا يطلعوا يمين ولا شمال، وإمتى بتوحد؟ وإمتى بنقيم الخلافة؟ وإمتى.. حرام يعني..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: أخ عمران هل تؤيد تدخل أمريكا تأييداً مطلقاً، أم أنه لابد من وجود ضوابط لهذا التأييد، هل نؤيدهم بضوابط معينة؟

عمران العيساوي [مستأنفاً]: نعم، أريد أن أقول شيء هنا أرجوك، جمهورية البوسنة والهرسك، نعم قتل بها ناس، وكل الناس تعرف هذا الشيء يا أخي، وشرد..نعم الأمريكان والناتو تدخلوا بالفترة الأخيرة وحموا قطعة أرض وهي اللي موجودين المسلمين عليها في البوسنة، فأنا أؤيد تدخل الأمريكان للدفاع عن شعب كوسوفا، والله أعلم ماذا..هل لهم نوايا غير جيدة لنقول، فأرجو أن يكونوا نواياهم جيدة، وفعلاً لينصروا شعب كوسوفو ها اللي مظلوم بصراحة، يعني يقتل ويشرد..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: أخ عمران.

د. يوسف القرضاوي: إنما يا أخ عمران، هل..الأخ سألك هل أنت تؤيدهم في شيء أم بضوابط؟ أعتقد أي مسلم يقول لابد أن يكون ذلك بضوابط.

عمران العيساوي [مستأنفاً]: لا، لا، لا أؤيدهم، سيدي الأستاذ يوسف، أنا لا أؤيدهم إلا في ضوابط نعم، أنا قلت أين نحن المسلمين؟ هل نستطيع أن نقف –الآن- في وجه الصرب، هل نستطيع أن نقف في وجه الصرب؟ هذا الذي أسأله، لا نستطيع -كمسلمين في العالم- لا نستطيع، فيعني..

د. حامد الأنصاري [مقاطعاً]: أخ عمران نعتذر لضيق الوقت، ونكتفي بهذا القدر، وننهي المكالمة، وشكراً جزيلاً، الأخ أبو آدم من بريطانيا.

أبو آدم: أيوه، السلام عليكم.

د. حامد الأنصاري: وعليكم السلام ورحمة الله.

أبو آدم: سؤالي -باختصار- بدي يا شيخ -يعني- سمعنا كون ألمانيا وأمريكا، أخذوا عشرات الآلاف من المهاجرين، ولماذا لم نسمع بأي دولة مسلمة عربية أخذت ولو مائة؟ هذا..صحيح نحن في ضعف، ولكن بإمكاننا أن نؤوي إخواننا المستضعفين، أو هذا غض النظر عنهم، فهذا سؤالي وجزاكم الله خيراً.

د. حامد الأنصاري: شكراً جزيلاً للأخ أبو آدم، فضيلة الشيخ نعود إلى قضية ضوابط التأييد لتدخل حلف الناتو، لأن التأييد المطلق سيعطي حلف الناتو الشرعية في المستقبل لكي يتدخل في أي منطقة في العالم تعتبر.

د. يوسف القرضاوي: لا يمكن لمسلم أن يؤيد حلف الناتو ولا غيره تأييداً مطلقاً، لا أعتقد أن مسلماً ما يعطيهم الحق في أنهم يفعلوا ما يشاؤون، هذا لا يمكن أبداً، إنما أنا أقول في مثل هذه الحالة الصارخة التي يتضح فيها الظلم والعدوان بشكل صريح وبين، لو وجد مثل هذه الحالة يمكن تتدخل، إذا لم توجد قوة أخرى.

نحن نتمنى إنه لو كان هذا بإقرار من مجلس الأمن ومن هيئة الأمم ومن..ولكن -للأسف- إنه مجلس الأمن هناك الفيتو الروسي والفيتو الصيني، فيقول لك لا يمكن أن تقبل روسيا أن تضرب يوغوسلافيا، فمن أجل هذا يحدث..إنما نحن نتمنى أن توجد، وحبذا أن الأمم المتحدة تطور نفسها، إلى متى يظل هذا حق الفيتو لهذه الدول؟ هذا كان في أول نشأة هذه البلاد، وده صار لها أكثر من خمسين سنة، فآن لها أن تتخلى عن هذه الأشياء، ويبقى الدول بعضها مثل

بعض، ولكن –أيضاً- هو تحكم القوي، ده كله إن الدول صاحبة القوة تتحكم في الدول الأخرى، فلا يمكن أن يحدث شيء في العالم إلا إذا وافقت عليه.

د. حامد الأنصاري: لكن -فضيلة الشيخ- الأمة الإسلامية والعالم الإسلامي، ألا يوجد هناك خطوات عملية ينبغي أن يتخذها حتى لا يؤدي إلى تدخل الناتو في أي قضية إسلامية أو في أي جزء من العالم الإسلامي؟

د. يوسف القرضاوي: المفروض العالم الإسلامي يكون له نوع من التضامن والتلاحم، بحيث يكون له قوة وصوت مؤثر، إنما -للأسف- المسلمون متمزقون شر ممزق، ويجافي بعضهم بعضاً، بل يعادي بعضهم بعضاً، بل ويقاتل بعضهم بعضاً، أنا أدعو المسلمين في أنحاء العالم أن يحاولوا المصالحات، حتى داخل البلاد -يعني- ما يجري في أفغانستان منذ خرج السوفييت من أفغانستان إلى اليوم من قتال بين بعض الأفغانيين وبعض.

ما يجري في الجزائر من قتال بعضهم مع بعض، ونرجو أن تكون الجزائر قد قاربت أن تصل إلى مرحلة جديدة، بالانتخابات الرئاسية هذه الجديدة، وأن يوفقوا في اختيار رئيس لهم يكون أبيض صفحة، وأقرب إلى الإسلام، وأنظف تاريخاً، وأدعى إلى أن يكون قوي في الدعوة إلى المصالحة العامة وعدم استبعاد أي طائفة أو إقصاء فئة من الناس، دعوة إلى تجميع القوى الوطنية كلها، حينما نحل مشاكلنا في داخل البلاد الإسلامية، نستطيع أننا نصل إلى المرحلة الثانية من التلاحم.

إنما كل بلد -للأسف- فيها مشكلة، وبعدين فيه مشكلة عامة هو أننا -للأسف- لم نشعر بالنسبة للقيادات أننا أمة واحدة، كما أمرنا الله عز وجل.

د. حامد الأنصاري: فضيلة الشيخ -في أقل من دقيقة- هل هناك كلمه توجهها إلى العالم الإسلامي في قضية إغاثة إخواننا المسلمين في كوسوفا بالذات؟ كلام الأخ أبو آدم من بريطانيا، الذي يقول أن دول أوروبا استضافت عشرات الآلاف، ولم نسمع بدولة إسلامية استضافت واحد أو اثنين حتى من مسلمي كوسوفا.

د. يوسف القرضاوي: والله أنا شيء آسف له أشد الأسف، إن البلاد العربية والإسلامية لم تظهر ترحيبها بأي مجموعة من هؤلاء، مع أن هؤلاء يخشى إن هم ذهبوا إلى تلك البلاد أن يفقدوا دينهم، ويفقدوا شخصيتهم المسلمة، ولو جاءوا إلى بلاد عربية وإسلامية لحافظوا على هذه الشخصية، فأنا أدعو المسلمين إلى أن يفتحوا أبوابهم لهؤلاء الأخوة، وأن يزيدوا من حملة البدء التبرعات لهؤلاء بكل ما

يستطيعون، والقليل على القليل كثير، وأن يقاطعوا هؤلاء الصرب بكل ما يقدرون عليه، لا يجوز أن نصافحهم، أو نضع أيدينا في أيديهم، أو نبيع لهم أو نشتري منهم، وهم يقتلون إخواننا، ويبيدون هذا الشعب بأسره.

هذه دعوتي إلى المسلمين في أنحاء الأرض، وأسأل الله أن يسدد خطاهم وأن يوفقهم.

د. حامد الأنصاري: شكراً -فضيلة الشيخ- أعزائي المشاهدين، في ختام هذه الحلقة لا يسعني سوى أن نتوجه بالشكر إلى فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي، كما أشكركم على حسن متابعتكم، وإلى أن نلتقي في الأسبوع القادم -بإذن الله تعالى- لكم أطيب المنى أينما كنتم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.