ماهر عبد الله:

 د. أبو يعرب المرزوقي

ماهر عبداللة

أعزائي المشاهدين.. سلام الله عليكم، وأهلاً ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج "الشريعة والحياة".

(ابن تيمية) و(ابن خلدون) ظاهر الأمر أنه لا جامع بينهما: ابن تيمية من زعماء المدرسة السلفية التي غالبًا ما يشار إليها بأنها مدرسة نقلية في مقابل المدرسة العقلية، ابن خلدون بالطرف المقابل من كبار ورموز المدرسة الأشعرية التي غالبًا ما تنتسب إلى العقل، وإن كانت في محصلتها النهائية مدرسة نقلية أيضًا. أحدهما برز كعالم اجتماع والآخر برز كفقيه.. شكلا مفصلاً من مفاصل تطور التاريخ الإسلامي..

لمناقشة أثرهما في الفكر الإسلامي والتاريخ الإسلامي يسعدني أن يكون ضيفي لهذا اليوم الدكتور (أبو يعرب المرزوقي) أستاذ الفلسفة العربية واليونانية في جامعة تونس الأولى. دكتور أبو يعرب أهلاً بك في "الشريعة والحياة".

د. أبو يعرب المرزوقي:

أهلاً، شكرًا.

ماهر عبد الله:

لو ابتدأنا بهذه المقدمة: ما الجامع -باعتقادك وأنت من دعاة الاثنين- بين النقلي السلفي الحنبلي والأشعري ابن خلدون؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

بسم الله الرحمن الرحيم.. اسمح لي أولاً أن أشكركم على هذه الدعوة الكريمة وعلى حسن الضيافة، وأن أهنئ أسرة "الجزيرة" على الخدمات الجليلة التي تقدمها للإعلام، والتي تقدمها لقضايا الأمة والإنسانية.

هذا السؤال -فعلاً- سؤال أساسي باعتبار أن هذين العلمين الكبيرين اللذين عاشا في القرن الثامن الهجري إذا نظرنا إليهما من خلال الصورة التي ترسخت، التي ألصقت بكليهما، لا يكاد يمكن أن نقارن بينهما، خاصة وأن مستعملي النصوص يتعاملون معها عادة -تمامًا- كما نتعامل مع الآلات، نستغلها دون أن نحاول أن نفهم كيف تعمل، ولا ما يوجد وراءها إلى أن يحصل عطب، وأعتقد أن العطب قد حصل، أي أن استعمال هذين العلمين قد أدى إلى عطب.

ماهر عبد الله:

كيف؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

حُصر كلٌ منهما فيما ظن وجهه الأغلب، أحدهما اعتبر ممثلاً للعمانية، والثاني اعتبر ممثلاً للسلفية.

ماهر عبد الله:

سنعود إلى لماذا اعتبر كل منهما على حدة، لكن دعنا في..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعًا]:

إذن كيف نستطيع أن نتجاوز الصورة التي ألصقت بهذين العلمين لكي ندرك الدور الذي أدياه في الحضارة العربية بل والإنسانية؟.. أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال يمكن أن ندخل إليه من مدخلين: إما بمراجعة ما تقدم عليهما لكي نحدد الدور الذي أدياه في فهمه ونقله، أو بالنظر إلى ما حدث بعدهما -وبعلة اعتبار النهضة العربية والإسلامية- هذين العلمين مدخلين لإعادة النظر في الحضارة العربية تاريخيًّا وكلاميًّا وفكريًّا.

ماهر عبد الله:

خلينا نسأل السؤال الثاني: ما الجامع بينهما باعتبارهما مدخلاً؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

إذن الجامع بين هذين الفيلسوفين هو طبيعة العلاقة التي تطورت في الحضارة العربية بين ثقافتين ظلتا كأنهما غريبتين في نفس المجال التاريخي: ثقافة تسمى فلسفة وعلوم عقلية، وثقافة تسمى كلام وعلوم نقلية. وهاتان الثقافتان مرتا من التجاهل المتبادل إلى العداء الصريح، إلى الصلح الزائف، والصلح الزائف يتمثل خاصة في "رسائل إخوان الصفا" التي اعتبرت الدين مجرد ظاهر وباطنه هو الحقيقة التي توصلت إليها الفلسفة.

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

باعتقادك هذا الصراع والتدافع والتصالح الزائف هل له مظاهر في وقتنا الحالي حتى يكون موضوعنا ذا قيمة؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

أعتقد أن نفس المعركة عادت من جديد، أصبحت الحضارة العربية الحالية وكأنها في حرب أهلية بين ثقافتين كلٌ منهما تتنكر للأخرى ولا تعترف بها، لكأن الثقافة الدينية النقلية لا عقل لها، والثقافة العقلية لا روح لها.

ماهر عبد الله:

هذا يعيدنا إلى ما تفضلت به آنفًا وهو: لماذا باعتقادك استحوذ من يسمون اليوم أو من يُتعارف على تسميتهم بالإسلاميين، هناك إجماع على ابن تيمية دون تنكر بلا شك لابن خلدون وغيره.. وهناك نوع من التبني الشديد والعنيف والحثيث لابن خلدون عند فئات تُصنف وتسمى علمانية.. لماذا تبنى هؤلاء هذا وهؤلاء ذاك؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

أعود إلى المثال الذي ضربته في البداية وهو الاستعمال النفعي السريع يجعل الوجه الأول الذي يطغى؛ يحصر العمل في ذلك الوجه، حيث إن ابن خلدون الذي في نقاشه للموقف الفلسفي من العلاقة بين النبوة والدولة ولموقف الأحكام السلطانية لهذه العلاقة؛ قال: إنه يرفض التصورين وسيدرس العلاقة من حيث الوجود لا من حيث الأحكام الشرعية ولا من حيث النبوة، ثم قدم في نصين شهيرين ما يفيد بأنه يعتبر قضية الدولة والسياسة قضية مصلحية إجماعية لا علاقة لها بالدين، وهو الموقف الأشعري الرسمي في رده على (الإمامية)، فاستنتج من ذلك أنه علماني.

ماهر عبد الله:

هل باعتقادك كان علمانيًّا؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

أبدًا، لا يمكن أن يكون علمانيًّا لأنه بنى هذا الموقف على حكم شرعي، أي أن اعتبار الحكم السياسي قضية مصلحية إجماعية هو حكم شرعي.

ماهر عبد الله:

لكن ألا يتعارض هذا مع صاحب العقيدة (الطحاوية) التي تعتبر جوهر عقيدة من يُسمون وما يسمى بأهل السنة والجماعة؛ أن موضوع الإمامة داخل في مسمى هذه العقيدة؟ بمعنى أنه لابد من نظام سياسي يتمظهر به الطرح الإسلامي بشكل من الأشكال.

د. أبو يعرب المرزوقي:

بالنسبة إلى ابن خلدون.. النظام السياسي لابد منه، ولكن كونه لابد منه ليس أمرًا دينيًّا، وإنما هو أمر وجودي، ثم يضيف: وقَلَّ أن يخالف الأمر الشرعي الأمر الوجودي.. وهذه الجملة تربطنا مباشرة مع جملة مثيلة لها عند ابن تيمية وهي أن صحيح المنقول لا يمكن أن يعارض صحيح [ويقصد صريح] المعقول.

ماهر عبد الله:

لنبدأ بابن تيمية.. الصورة النمطية عنه أبعد عن صورته الحقيقية، في حين أن هناك تداخل في حال ابن خلدون.. باعتقادك أنت من أصحاب الطرح الذي يقول أن ابن تيمية لعله قد يكون أبرز فيلسوف في تاريخ الإسلام، ولك كتابات تفضله على من صُنفوا تاريخيًّا في عداد الفلاسفة كـ(الفارابي) و(الكندي) وخصوصًا (ابن رشد).. ما هي المبررات والتصورات التي أوصلتك إلى نتيجة أن ابن تيمية فيلسوف في المقام الأول؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

هناك مبرران: المبرر الأول هو أن ابن تيمية قد حقق ما فشل فيه الغزالي.. الغزالي في كتاب (تهافت الفلاسفة) أراد أن يتجاوز الصدام بين الفلسفة والدين، فحاول أن يبين أن كل ما في الفلسفة مما يناقض الدين هو في الحقيقة ليس علميًّا، ومن ثَمَّ فهو يدعي الانتساب إلى العقل دون أن يكون عقليًّا، ولكنه مع ذلك أبقى على المنطق الأرسطي بل صيّره أداة لكل العلوم النقلية، بحيث إن الغزالي في محاولة تحقيق الصلح بين الدين والفلسفة لم يصل إلى الحل رغم أنه قد أدرك مكمن الحل الممكن، وهذا المكمن يتمثل في بيان أن معرفة الطبيعة المبنية على التحليل المنطقي والرياضي لا يمكن أن تكون يقينية إذا أثبتنا أن نظرية البرهان تشترط صحة نظرية السببية، لكن لا شيء يثبت نظرية السببية إذن البرهان يصبح احتمالي وليس برهانيّ، ومع ذلك أبقى على المنطق الأرسطي وخاصة على (نظرية الحد).

ماهر عبد الله:

كيف نجح ابن تيمية في حل..؟

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعًا]:

قبل أن نصل إلى كيف نجح؟ ننظر في القضية الثانية، القضية الثانية عالجها الغزالي في كتاب (فضائح الباطنية).. في كتاب فضائح الباطنية بيّن الغزالي أمرين: الأمر الأول هو أن الباطنية تستند إلى تأويل تحكمي، وإذا اكتشفنا قوانين التأويل يزول الفهم الباطني للدين، لكننا لا نستطيع أن نكتشف هذه القوانين إذا لم نعلم أنها مبنية على الميتافيزيقا الفلسفية، وإذن فكتاب (فضائح الباطنية) مرتبط بكتاب (تهافت الفلاسفة):
كتاب (تهافت الفلاسفة) أساسه ما بعد الطبيعة، إذن نظرية الوجود ونظرية العلم..
كتاب (فضائح الباطنية) أساسه ما بعد التاريخ، نظرية التأويل ونظرية طبيعة الظاهرة التاريخية.. إذن طرح المشكل ولكن لم يقدم له حل.. ولما طرح المشكل ولم يقدم له حل، بعده عادت الفلسفة من جديد لكي تعيد إحياء الميتافيزيقا بالمعنى الأرسطي عند ابن رشد وبالمعنى الأفلاطوني عند (السهروردي) ولكي تعيد سيطرة الميتافيزيقا على الكلام عند (الرازي) وسيطرة الميتافيزيقا الإشراقية على التصوف عند (ابن عربي)، بحيث وقعت عملية ترميم على حلول غير سليمة، والحل غير السليم يتمثل في إعادة النظر في نظرية الوجود ونظرية البرهان، وهو ما حاول أن يقوم به ابن تيمية في كتابيه (الرد على المنطقيين) و(درء تعارض العقل والنقل).

ماهر عبد الله:

اسمح لي بتعريجة خفيفة قد تكون خارجة عن الموضوع، فلو استثنيت ابن رشد جانبًا، الثلاثة الذين ذكرت في محاولتهم لإحياء الفلسفة بعد تهافت الفلاسفة اشتهر عنهم أنهم متصوفة في المقام الأول.. فكيف كان بالإمكان..

د. أبو يعرب المرزوقي: 

هم كانوا متصوفة بالمعنى الفلسفي للكلمة، يعني إذا أخذنا السهروردي فبصريح عبارته هو إعادة الفلسفة الأفلاطونية في مفهومها الصوفي الحقيقي، ومن ثم في مفهومها المتقدم حتى على أفلاطون إلى حكماء اليونان وحكماء فارس، وإذن فهو تصرف فلسفي ولذلك يسمى فلسفة إشراقية.. إذا أخذنا ابن عربي هو تصوف فلسفي لأن ابن عربي يبني نظريته في الوجود على القول بالثوابت في العدم، والثوابت في العدم هو في الحقيقة مفهوم صوفي لنظرية (القوة) في المادة الأولى بالمعنى الأرسطي، ومن ثم فابن عربي هو قول صياغة صوفية للميتافيزيقا الأرسطية، والسهروردي صياغة صوفية للميتافيزيقا الأفلاطونية، والرازي صياغة كلامية لنظرية المثل الأفلاطونية.

ماهر عبد الله:

لو رجعنا إلى: كيف حقق ابن تيمية ما فشل في تحقيقه الغزالي في حل التناقض ما بين الفلسفة والدين؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

حل التناقض، إذن القضية: كيف يمكن أن نشكك في نتائج الفلسفة اليونانية؟ ونحقق التصالح بينها وبين الدين؟ ونبقي نظرية الوجود ونظرية المعرفة كما هي؟ وهو ما فعل الغزالي، بل عممها في أكبر العلوم الإسلامية وخاصة في (أصول الفقه) في كتاب (المستصفى) مثلاً. القضية هي: هل المنطق الأرسطي ونظرية الوجود الأرسطية -فعلاً- مطابقة لحقيقة الوجود وقادرة للتمكين من معرفة الوجود الطبيعي أم لا؟ هنا يأتي قضية الحد، طبيعة الماهية، وقضية البرهان، وقضية البرهان مبنية على العلاقة.. الفرق بين العرضي والذاتي.

بطبيعة الحال بالنسبة إلى الفلسفة القديمة والفلسفة اليونانية والفلسفة العربية، الحد يتألف من الجنس والفرق النوعي، ويعتبر الجنس والفرق النوعي من مقومات الماهية.
ابن تيمية سيبين أنها ليست من المقومات، وإنما هي مجرد علامات نسمي بها الأشياء، وبحيث نستطيع أن نغيرها إذا اقتضى النسق العلمي تغييرها لكي نرمز إلى الشيء بعلامات أخرى.. الحد صار اسم علميّ ولم يبقَ تحديد لجوهر أو لماهية. أما البرهان.. البرهان كان الفلاسفة يبنونه على العرض الذاتي، الفرق بين العرض الذاتي والعرض العام.. العرض الذاتي -مثلاً- أن يكون المثلث مجموع زواياه 180 درجة، العرض العام أن يكون المثلث كبير صغير الخ.. ابن تيمية يبين أن هذا الفرق أيضًا تحكمي.. قد يكون شيء ما في لحظة من اللحظات عرضه الفلاني ليس أساسيًّا ثم يصبح أساسيًّا، فكيف سنميز بين ذاتيته وعدم ذاتيته؟ أي أنه جوهري أو غير جوهري للشيء.. إذن العرض الذي نثبته ليس ذاتيًّا للشيء، ليس من جوهر الشيء، وإنما هو ما يصل إليه العلم باعتباره دالاً على ذلك الشيء.

ماهر عبد الله:

لو سألتك أنا بعد هذا التقديم: هل هذا يجعل من ابن تيمية فيلسوفًا أم مجرد ذرائعي كان يدافع عن نظرية أهل السنة أو ما يسمى بأهل السنة في تصورهم للدين، فوظف هذه الآليات الفلسفية ليس بالضرورة عن قناعات داخلية فيه بأن للفلسفة قيمة غير أنها أداة؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

هذا يأتي من كون كل من تصور أن الرد على الفلسفة رد للفلسفة يخطئ كثيرًا.. ابن تيمية وحتى الغزالي يردان على الفلسفة ولكنهما لا يردان الفلسفة، لا ينفيان الفلسفة. هما ينفيان حصيلة فعل التفلسف الذي تصوره البعض حقيقة مطلقة، ولكن فعل التفلسف يتجاوز حصيلته التي هي تاريخية دائمًا.. إذن هو يرد نتائج فعل الفلسفة في وقت من الأوقات، ولكنه لا يرد فعل التفلسف، وهو يقول قولته الشهيرة -الغزالي في مقدمة التهافت- يقول: الفلاسفة الكبار لا يتصورون الحقائق التي يصلون إليها في الميتافيزيقا حقائق برهانية، وإنما هي على الأقرب حقائق جدلية، وابن تيمية يقول: هذه الأمة بليت بالأنصاف: نصف الطبيب، ونصف المتكلم، ونصف اللغوي، ونصف الفقيه، ويقول: نصف الطبيب يفسد الأبدان، ونصف المتكلم يفسد الأديان، ونصف النحوي يفسد اللسان، ونصف الفقيه يفسد البلدان. وفي نصٍ آخر يشير إلى أن المتصوفة الذين ينقدهم؛ ينقدهم لأنهم من هذا النوع من السلوك.

ماهر عبد الله:

لو سألتك أنا سؤال حتى نرجع بعد ذلك لابن خلدون لأنه ليس من الإنصاف تجاهله طول هذه المدة.. غالبية من صاغوا النظريات الفلسفية الإسلامية وابن تيمية كان جزءً من ثقافته تتلمذ -على الأقل على الصعيد النظري- على بعض الأشاعرة. وابن تيمية له موقف عنيف بعد ذلك ممن اصطلح على تسميتهم لاحقًا بالأشاعرة.. كيف جمع ابن تيمية بين هجومه على الأشاعرة وتأثيره فيمن جاء بعده من علمائهم وخصوصًا ابن خلدون وأمثاله؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

أولاً: تأثير ابن تيمية على ابن خلدون ليس ثابت، هناك تماثل في التشخيص وفي العلاج ولكن لا نجد إشارة صريحة لابن تيمية في أعمال ابن خلدون. نجد إشارتين: واحدة تتحدث عن الحنابلة المحدثين، وربما يقصد بها ابن تيمية في فصل التوحيد، وأخرى نجدها في حديثه عن مدارس أصول الفقه، ولكن لا نجد ذكر لأعمال ابن تيمية في أعمال ابن خلدون، إذن ليس هناك تأثير مادي قابل للإثبات نقليًّا.

ماهر عبد الله:

وحتى لو ما كانش تأثير مباشر، خلينا نقول: هذا التناص..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعا]:

لكن نصف السؤال أريد أن أجيب عنه، النصف الأول من السؤال: ابن تيمية عندما يهجم على الأشاعرة هو في الحقيقة يهجم على فشل حل الغزالي لهذه الإشكالية..

ماهر عبد الله:

هل فقط هذه أم موقفه الشنيع من القول بالجبرية وبالتالي التخاذل أمام التغيير؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

 نعم، لكن هذه قضية ثانية، هذه القضية من الأشعرية ككل، ولكن من قضية الأشعرية في علاقتها بالفلسفة، هو لا يقبل الحل الذي قدمه الغزالي في (تهافت الفلاسفة) أي مجرد مناوشة مع الفلسفة دون فلسفة بديلة، دون ميتافيزيقا بديلة، دون نظرية علم بديلة.. ابن تيمية تجاوز الغزالي في أنه قدم نظرية وجود بديلة، رفض نظرية الحد ورفض نظرية البرهان الأرسطي.

ماهر عبد الله:

أنا مصرّ على موضوع الجبرية لأن ابن خلدون في المحصلة النهائية أشعري، اكتشف نظرية في كيفية إدامة العمران الإنساني، الشروط التي تغير وتقدم المجتمع الإنساني، نظرية في أبسط صورها بعيدة عن الجبرية.. فلو دخلنا إلى ساحة ابن خلدون كيف جمع كأشعري بين التصور العام للأشعرية في الجبرية التي كان جزء منها القبول بأي حاكم لأن الله قدَّر لهم أن يكون هناك؛ وبين هذه الدعوة للأخذ بأسباب تقدم المجتمعات وانحطاطها؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

والله القول بأن الأشعرية تقول بالقبول بأي حاكم فيه ظلم كثير للأشعرية، لأن الأشعرية تقول القبول بأي حاكم إذا كان الخيار بين ذلك الحاكم والفوضى، لا تقول القبول بأي حاكم وكفى، إذا كان الخيار بين حاكم ظالم والفوضى؛ هي تفضل الحاكم الظالم، نظرًا إلى أن أدنى النظام أفضل من الفوضى، ولكن نظرية الكسب الأشعرية تقتضي أن هناك جهدا ضروريا للتصدي لأسباب العطالة.. في كتاب (فضائح الباطنية) الغزالي في حوار مع إمامي يبين أن أصل النظام هو الاختيار عند الأشاعرة.. الاختيار، والاختيار ينبغي ألا يعتمد على الشوكة فقط، بل ينبغي أن يعتمد على الشوكة المصحوبة بالشرعية، يقول ويضرب مثالاً: لو أن أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- عندما مد يده إلى أبي بكر لم يتبعه أحد لما انعقدت البيعة، وإذن فليست قوة أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- هي التي أسست الحكم.

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

شغلنا الحيز الماضي بابن تيمية فلنعد إلى ابن خلدون، التصور العام عنه أنه رجل عالم اجتماع، هناك نوع من الحوصلة العلمانية حوله بمحاولة تقديمه على أنه فيلسوف علماني في المقام الأول، علمًا أنه كان مشهور كقاضي، وهذه حتمًا تعني أنه كان فقيهًا من الطراز الأول.. كيف دخل إلى الفلسفة وعلى أي أساس تخرجه من دائرة القضاة والفقهاء ودائرة عالم الاجتماع المؤسس إلى دائرة الفلسفة؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

هو بداية من حصول الصلح الذي حققه الغزالي صار برنامج الفلسفة جزءً من تكوين علماء الدين بصورة عامة، بحيث إن أي عالم دين أصبح يحصل على كل المقرر الفلسفي التقليدي، وابن خلدون كان قد حصل على هذا المقرر في التربية الفلسفية وفي التربية الخاصة بالعلوم النقلية، وكان قاضيًا مالكيًّا مشهورًا ودَرَّس الفقه المالكي في مصر، ومارس القضاء، ولكنه بالأساس فيلسوف وليس فقط "فيلسوف تاريخ" وإنما فيلسوف بالمعنى العام للكلمة.. وأعتقد أن ما يمكن أن يبين ذلك نصان أساسيان: نص أول هو في عنوانه كأنه ضد الفلسفة وهو في إبطال الفلسفة وبيان فساد منتحليها، ولكن هنا -أيضًا- ينبغي أن نأخذ كلمة فلسفة كما هي موجودة في هذا النص، ويقصد بها الحصيلة الميتافيزيقية التي صار الفلاسفة التقليديين يعتبرونها عين حقيقة الوجود، بل أكثر من هذا يعتبرونها هي عند الحصول عليها النعيم الوحيد وهي البديل من البعث والجنة، وهو قد ألف هذا الفصل لكي يدحض هذين الموقفين. والنص الثاني هو نص في إبطال (الجفر) وهو نص من المقالة الثالثة في إبطال الجفر ويحاول فيه أن يثبت أن نظرية التاريخ الفلسفي وليس فقط نظرية الوجود؛ نظرية -في الوهم- رياضية وهي في الحقيقة لا علاقة لها بالرياضيات، لأنه يبين أن الأرقام -أرقام الحروف- التي تستعمل هي مجرد مواضعات لا علاقة لها بحقائق الوجود، وهم يستعملونها للحساب الفلكي ثم يحددون بها أعمار الدول وأعمار الممالك، وهذا لا علاقة له بحقيقة التاريخ.. ومن ثم فهو قد نفى ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ، دون أن ينفي فعل التفلسف الذي قال فيه عندما حاول أن يؤسس علمية التاريخ؛ بأنه علم خليق بأن يعد من علوم الحكمة.

ماهر عبد الله:

لو سألتك، كونا الآن نتحدث بنوع من الخروج عن الموضوع، أنت من المغرب العربي وابن خلدون من المغرب العربي بل هو لعله من نفس البقعة الجغرافية التي تنتمي إليها.. ثمة مقولات عند بعض فلاسفة المغرب اليوم بأن ابن خلدون والمدرسة الرشدية مثال لعقلية برهانية تميز بها المغرب العربي في مقابل عقلية عرفانية كوننا نتحدث عن ابن تيمية كمشرقي، هل تتفق مع هذا الطرح أن المشارقة العرب في تاريخهم كانوا عرفانيين نقليين في المقام الأول، في حين أن المغاربة العرب أو المشارقة العرب عندما تغربوا أصبحوا برهانيين عقلانيين؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

 أنت تريد أن تورطني في هذه القضية.

ماهر عبد الله:

 لا.. نحن لا نريد أن ندخل في تفاصيل.

د. أبو يعرب المرزوقي: 

 لا بأس.. كلمة قصيرة، أولاً: لا نستطيع أن نقارن ابن رشد بابن خلدون، فابن رشد عاد إلى الفلسفة وكأن نقدها لم يحصل، أي أن "تهافت التهافت" -وهو ما  شخصيا أعتبره نقص في هذا الكتاب- أهمل الرد على المقدمات الأربع وعلى فاتحة كتاب "تهافت الفلاسفة"، ورد على القضايا الواردة في كتاب "تهافت الفلاسفة" مع التسليم بأن الميتافيزيقا اليونانية ليست موضوع نقاش، وبأن نظرية البرهان ليست موضوع نقاش، بحيث إن كل النتائج التي استنتجها ابن رشد باعتبارها حجج داحضة لموقف الغزالي -وهو ما يسمى في علم الكلام إلزامات- كلها لصالح الغزالي، أي أن الغزالي كان يمكن أن يقبلها دون حرج.. مثلاً: نفي الطبائع، الغزالي ينفي الطبائع لأنه يعوضها بما يسمى (بالخلقات).. الطبيعة هي كون الشيء يكون ما هو بدون أن يقبل التغير حتى ولو أراد الله التدخل، وهو مفهوم الطبيعة الثابتة المطلقة، في حين أن مفهوم الخِلقة يقتضي تغيير نظرية الهوية.. هوية الشيء ليست طبيعة ثابتة..أولاً: لو كانت طبيعة ثابتة لما استطعنا أن نعلمها، ولما استطعنا أن نعلم أن علمنا لها مطابق لحقيقتها، وإذن فعلمنا لها هو معرفة متدرجة لما ندركه من علاماتها، ومن ثم فهو دائمًا معرفة على التقريب.

إذن نظرية البرهان في الوجود لا معنى لها حتى عند أرسطو.. أرسطو لم يقل في أي نص من نصوصه إن الميتافيزيقا برهانية، وإذا كان ابن رشد يقول ذلك فهو ليس أرسطيًّا. فالقول بأن الميتافيزيقا علم برهاني وبأن الحقائق التي يتحدث فيها الدين تقبل المعرفة البرهانية؛ قول لا يمكن أن يقبل فلسفيًّا حتى في الفلسفة القديمة، أما في الفلسفية الحديثة فهذا مفروغ منه وخاصة منذ النقد (الكانتي).. لا يعقل أن نتحدث عن معرفة برهانية في مجال ما بعد الطبيعة.. ابن خلدون لا يقول بمعرفة برهانية في مجال ما بعد الطبيعة، ينفي ذلك.

ماهر عبد الله:

أنت مُصِر على أن ابن خلدون لا يجوز تصنيفه علمانيًّا، ونحن متفقان على ذلك.. سؤالي التالي إليك: أن هذا الإيغال والمبالغة في التعويل على العقل عند ابن تيمية وعند ابن خلدون وبروز وتضخم الجانب الفلسفي لديهما لم يمنعهما من أن يكونا مؤمنين حد التزمت وحد أن يصبحا علمين من أعلام الإيمان في التاريخ.. المقولة الدارجة اليوم أن العقل والإيمان بمعناه (القروسطي) -كما يشاع- لا يمكن أن يجتمعا.. كيف أو هل هناك استحالة للجمع بين العقل والإيمان؟ إذا نحن نتحدث أو بعض العلمانيين العرب اليوم يتحدثون عن عقل ما بعد الدين، ما بعد العقل الديني.
كيف جمع الرجلان بين هذه الدرجة من العقلانية وهذه الدرجة المبالغ فيها من التدين؟
وهل يمكن الجمع بين العقليتين اليوم؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

 تلاحظ أن ابن تيمية سمى كتابه (درء التعارض بين العقل والنقل) ولكن اعتبر أن ذلك الدرء لا يتعلق لا بالعقل ولا بالنقل، وإنما بما يشوب المنقول والمعقول فقال: إن ذلك الدرء يقتضي أن نزيل من المعقول ما ليس صريحًا وأن نزيل من المنقول ما ليبس صحيحًا.. والسؤال هو: بماذا سنزيل ما ليس صريحًا في المعقول؟ وهنا تأتي الثورة المنهجية: تغير نظرية العلم، وبماذا سنعلم ما ليس صحيحًا في المنقول؟
وهنا تأتي ضرورة إيجاد منهجية تاريخية، بحيث إن هذا الوصف نفسه يقتضي البحث عن حلين: إعادة النظر في نظرية العلم لمعرفة الصريح من المعقول.. والصريح هنا تعني معنييها: الصريح بمعنى الخالص والصريح بمعنى الذي ليس فيه ضمني، بهذين المعنيين.. والصحيح أيضًا تعني بمعنييها: الصادق، لأن الإنسان يمكن أن يكون صادقًا في نقل خبر ومع ذلك فالخبر غير صحيح.. الصادق والحقيقي ومن ثم فإن هناك ثورة منهجية تجعل المقابلة بين العقل والنقل ناتجة عن معقول غير صريح ومنقول غير صحيح، فإذا اكتشفنا المنهج الذي يمكّن من معرفة المعقول الصريح والمنقول الصحيح فإن الجمع بين الإيمان والعقل يصبح أمرًا ضروريًّا خاصة في رسالة هي خاتمة الرسالات، وخاصة أن هذه الرسالة قد أعطت النموذج الذي ينبغي استعماله لتخليص الفلسفة من تحريفها.. هي نقدت التجربة الدينية لتخليص التجربة الدينية من التحريف، وابن خلدون وابن تيمية قياسًا عليها دون أن يكون لهما عصمة الأنبياء حاولا أن ينقدا التجربة الفلسفية السابقة لتخليصها من التحريف.. والتحريف ما هو؟ هو الإطلاق الميتافيزيفي الذي يتصور المعرفة معرفة محيطة، والإحاطة هي التي تجعل المعقول غير صريح أي غير نقي أو متضمن ضمنيا.

ماهر عبد الله:

هل مدخل ابن تيمية إلى الفلسفة كان نفس المدخل لابن خلدون؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

 المدخل واحد لأنه تشخيص ما بدأ يدب في كيان الحضارة العربية الإسلامية من أمراض، تشخيص الأمراض، لكن تشخيص ابن تيمية انطلق من الميتافيزيقا التي تحول دون الفعل الحر، ولذلك فهو يميز بين الأمر الكوني الذي يخضع للضرورة، والأمر الشرعي الذي يحدث مسافة الحرية الإنسانية.. والتكليف غير ممكن من دون أن يكون هناك فرق بين الأمر الكوني الذي يخضع لقوانين الضرورة، والأمر الشرعي الذي يخضع للاختيار الحر، ومن ثم فالثورة تتمثل في تغيير الميتافيزيقا لكي يصبح الأمر الشرعي ممكن ولا يتنافى مع الأمر الكوني.

ماهر عبد الله:

حسن، سأعود لمناقشة هذا الأمر معك خصوصًا مدخلي الرجلين، لأن ابن تيمية -في الأخير- قدم نظرية علمية أكثر تجريدًا، في حين أن ابن خلدون كان أكثر عمليًّا.. لكن عندي بعض الإخوة على الهاتف منذ فترة، معي الأخ (أحمد هويس) من سوريا.

د. أحمد هويس:

السلام عليكم، الدكتور (هويس) من سوريا يحيي الدكتور أبو يعرب المرزوقي والأستاذ ماهر، ويشكرهما، استفدت من الحلقة الماضية، أعطيتك لقب دكتور يا أخي ماهر إن شاء الله، ويشكركما على اختيار هذا الموضوع الصعب الفلسفي، ولنا رؤية مختلفة حول هذا الموضوع وحول طريقة الطرح.. الأخ المرزوقي أنا عشت 19 سنة في الجزائر، وكنت عضوًا في البعثة التعليمية السورية، والأخ الدكتور (عبد الله شرَيَّط) قدم رسالة دكتوراه دولة في الفلسفة الأخلاقية عند ابن خلدون، والأستاذ الذي درس لنا تاريخ الحضارة الإسلامية هو (أبو زهرة) وله كتاب فخم حول (ابن تيمية)، فسبحان الله جمعتما أمر لي باع فيه، وكلا العلمين يهمانَّا.. بقليل من الموازنة بين هذين العلمين، يمكننا أن نرصد بعض القواسم المشتركة التي تجمع بينهما، وتجعلها متماثلين في الريادة والتجديد، كل في مجاله: هذا في مجال الفقه والعقيدة السليمة، وهذا في فلسفة التحولات الديمغرافية و(الديالكتيك) Dialectic  فيما بعد، أي (كتابة التاريخ) والعقيدة العلمية السليمة، رغم أنه أشعري أقصد ابن خلدون.

لا أريد طرح الأمر بشكل فلسفي كما أنتم عليه، أنتم في مستوى توتر عالي 15 ألف فولت، أنا الوحيد اللي عم بافهم عليكم -يا أخي- أنا سأتكلم بمستوى خمسة آلاف فولت: بسم الله.. ابن تيمية كلهم في القرن الثامن بداية القرن الثامن أي عصر الانحطاط وهجوم البرابرة المغول والتتار واجتاحوا كالوباء الأصفر المناطق والضعف والوهن إلى آخره.. ابن تيمية كان زعيمًا للسلفية العريقة، إذا آمنا بهذا فإنه فقيه مجدد وعالم حنبلي فذ دعا إلى فلسفة التوحيد الصحيح واعتماد القرآن والسنة حسب منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعقيدة الرسول والصحابة ومن تبعهم من السلف الصالح رضوان الله عليهم.. هذا في كفة الميزان الأولى.. في الكفة الثانية ابن خلدون رجل سياسة وفيلسوف ومؤرخ مجدد وباعث (علم العمران) ما أسميته منذ قليل التحولات الديمغرافية وعلم (الدياليكتيك) أي أنظمة قوانين تطور المجتمعات من البسيط إلى المعقد، من المتخلف إلى المتقدم..الخ وله أبحاث في هذا، إذن باعث علم العمران فهو مؤسس للعلوم الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى كونه يقينيًّا وعقيديًّا أشعري السلوك.. الموازنة الأولى كلاهما عالم مجدد في ميدانه هذا بالخط الأحمر.

ثانيًا: ابن تيمية ولد في حران وانتقل لدمشق فمصر والإسكندرية وسجن، ثم عاد لدمشق وسجن في سجن القلعة -قلعة دمشق- فهو عالم عامل يدافع عن حوزة الدين والأمة وتوفي عن عمر 67 سنة.. في الكفة الثانية: ابن خلدون ولد في تونس ثم ارتحل إلى فاس وتلمسان وغرناطة ثم عاد بخفي حنين للقاهرة، وذهب للحج في الحجاز ثم عاد للقاهرة ليموت في القاهرة عن عمر 76 سنة.. ذاك كان 67 سنة وهذا كان 76 سنة، إذن كلاهما رحالة عاش الواقع العربي بمرضه وتجزئته وتمزقه، وكلاهما حريص يدافع عن حوزة الدين والأمة أقصد وحدة الأمة.

ثلاث: ابن تيمية عالم سياسي وضع كتابه الشهير (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، وفيه رؤية جديدة في تسييس الراعي وانصياع الرعية، فالناس على دين ملوكهم، وهذا ما أكده ابن خلدون كما تذكرون.. في الكفة الثانية ابن خلدون عالم سياسي أيضًا، هذا عالم سياسي وهذا عالم سياسي أيضًا، كان وزيرًا عند (بني مرين) في (فاس) 760هـ، وفي عام 763هـ -أعتقد- كان وزيرًا عند (بني عبد الواد) في (تلمسان) وفي عام 764هـ كان وزيرًا عند (بني الأحمر) في غرناطة بالأندلس قبل سقوط غرناطة، ثم اعتزل السياسة لأنه لم يجن منها إلا شوك القتات، وتفرغ للبحث العلمي معتزلاً الناس لاجئًا لقلعة (بني سلامة)، ولقد زرتها مع الملتقى الإسلامي السادس عشر، قمنا بزيارة لقلعة (بني سلامة) شرقي (تلمسان) حاليًّا، وهناك كتب كتابه أو مقدمته الشهيرة، الكتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) نخلص من الموازنة الثالثة للنتيجة التالية: كلاهما سياسي خاض المعترك والصراعات والتمزقات، وأوذي من جراء ذلك أوذي في الله وفي علمه

رابعًا: ابن تيمية قابل (قازان) ملك التتار على رأس وفد من علماء وأعيان دمشق مرتين، وألقى خطب كادت أن تودي بعنقه، ليحول دن اقتحام الجيش التتري إلى دمشق وإباحتها لجنوده البربر كما فعل (هولاكو) ببغداد كما تعرفون.. بالكفة الثانية: كذلك الأمر بالنسبة لابن خلدون عندما كان مفتيًّا مالكيًّا في القاهرة، عندما علم بقدوم البرابرة المغول باتجاه دمشق ثم فلسطين متوجهين نحو القاهرة؛ خرج ابن خلدون على رأس وفد من العلماء لمقابلة (تيمور لنك) أو (قازان) أو (كتبغا) القائد العسكري الميداني للغرض نفسه أي للحيلولة دون وصوله إلى القاهرة.. لاحظوا أنهما عالمان عاملان ليسوا كالمتصوفين يخَرْفُوا ويحكوا وفي أبراج، هدول [هؤلاء] دخلوا المعركة مع الجيوش..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

دكتور أحمد، ممكن تختم لي بسؤال لأنه عندي بعض الإخوة على الهاتف أيضًا.

د. أحمد هويس:

يا ماهر.. لا تقطعني لأنك كل مرة عم تقطعني، بقيت نقطة واحدة فقط.

ماهر عبد الله:

تفضل، بس خليها مختصرة.

د. أحمد هويس:

كلاهما ألقى خطبة دينية سياسية ضد الحرب، ووجوب وحدة المسلمين، ومن الحرام أن يرفع المسلم سيفه في وجه أخيه المسلم..

خامسًا والأخيرة -كما وعدت- حارب ابن تيمية الجهل ومظاهر الشرك والتخلف، فنهى عن اتخاذ القبور مساجد أو دفن الناس في المساجد، ومنع الاستغاثة بالأولياء والأدعياء أصحاب الإسرائيليات، وتقديم الشموع والزيوت والبخور والقرابين لهم، والتمرغ بترابهم، وتقديسهم والتغني بهم، وافتعال الكرامات والمعجزات الكاذبة، واللعب بالحيايا والضرب بالشيش، والمشي على النار، وحارب المبتدعة الغلاة وأهل الطرق الصوفية المشخصة، وقال عنهم: مَنْ تطرَّق فقد تفسَّق وتزندق، كما حارب أصحاب العقائد الباطنية والطقوسيات الوافدة والخرافات وما إلى ذلك من كرامات وغيبيات وفكر (جزويتي زمّيت).. في الكفة الثانية: مثله ابن خلدون بدوره حارب الجهل ومظاهر الشرك، والتفرقة السياسية والتخلف بكافة أوجهه، وسعى لوحدة المسلمين ودفع الأذى عنهم، وغامر بنفسه لمقابلة قائد المغول تمامًا كما فعل ابن تيمية، وهو ذو فكر علمي قريب من فكر (المعتزلة) لأنه يعتمد العقل والأقيسة المنطقية وطبائع الكائنات والاستقراء والاستنباط.. فكتابة التاريخ عنده لا تقوم على الرواية والخرافة والحكاية، فلقد تكلم عن التحولات الديمغرافية والدياليكتيك قبل(هيغل)و(إنغلس) و(كارل ماركس)..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

دكتور أحمد.. أعتقد أن هذه كانت النقطة الخامسة، مضطر أن أقاطعك وأشكرك، عندي بعض الإخوة ينتظرون منذ فترة، سأعطيك -إن شاء الله- فرصة للتعليق، معي الأخ (عبد القادر العمري) من النمسا، أخ عبد القادر.. تفضل ومعذرة على التأخر عليك، وأرجوك أن تكون مختصرًا من البداية.

عبد القادر العمري:

السلام عليكم، إن شاء الله، لكن أعطني بعض الوقت -الله يخليك- في الواقع أنه اشتبه على الكثيرين من الناس حقيقة الأمر في كثير من العصور التي أتت بعد ابن تيمية.. الحقيقة هي أن الله تعالى واحد لا شريك له في الألوهية، أي لا خالق إلا الله ولا أزلي إلا الله، وكل شيء في هذا العالم هو مخلوق لله -تعالى- الله خلقه، وأما ما قاله الفلاسفة الذين أتوا بعد بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أخذوه من الفلاسفة القدامى من عقائد غير موافقة البتة للعقيدة الإسلامية التي تنزه الله تعالى عن صفات المخلوقين، فزعم قسم منهم أن العالم العلوي والسفلي أزلي بنوعه وتركيبه أي ليس له بداية، أي ليس له خالق يزعمون ذلك. وزعم قسم منهم أن العالم أزلي بنوعه فقط، وكلتا الفرقتان كفرهما القرآن والسنة وإجماع الأمة وكل علماء المسلمين، هاتان العقيدتان كفَّرهما العلماء، وابن تيمية الحراني تبنى العقيدة الثانية أي أن العالم أزلي بنوعه.. يقول المحدث الفقيه (ولي الدين العراقي) في كتابه (الأجوبة المرضية) عن (ابن تيمية): علمه أكبر من عقله، وكذلك قال أيضًا: إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل: تبلغ ستين مسألة، بعضها في الأصول وبعضها في الفروع، خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها، ويقول ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة النبوية) ما نصه: فإن قلتم لنا فقد قلتم بقيام الحوادث أي المخلوقات بالرب، قلنا لكم: نعم، وهذا قولنا الذي دل عليه الشرع والعقل، ويقول أيضًا في موضع آخر: وحينئذ فيمتنع كون الشيء من العالم أزليًّا وإن جاز أن يكون نوع الحوادث دائمًا لم يزل، قال: فإن الأزل ليس هو عبارة عن شيء محدد..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أخ عبد القادر.. اسمح لي.

عبد القادر العمري:

خلني أكمل الله يخليك..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أنا حأعطيك فرصة  أنك تكمل، بس خليك في صلب الموضوع، نحن لا نناقش في هذه الحلقة، بس اسمح لي فقط أوضح لك أنا محور نقاشنا في هذه الحلقة: ليس عقيدة ابن تيمية صحتها من خطئها، هذا موضوع قد نفرد له حلقة أخرى، نحن نتحدث عن ابن تيمية، لن نتفق معه في كل شيء -قطعًا- لا أنا ولا أنت ولا دكتور أبو يعرب المرزوقي، لكن هل أسس لنا نظرية في المعرفة يمكن للمسلم صحيح العقيدة مثلك ومثلي والكل من حقه يزعم أنه.. هل يمكن لهذه النظرية في المعرفة، بغض النظر عن التفاصيل، حتى لا نقع في نفس (المطب) الذي وقع فيه غيرهم من علماء المسلمين، عندما رفضوا الفلسفة لأن بعض الفلاسفة وصلوا لنتائج خاطئة، أنا أسألك سؤال وأرجو أن تجيبني باختصار دون أن تدخل في التفاصيل: هل نرفض كل ما قال به ابن تيمية لأنه شذ عن الإجماع في مسألة أو مسألتين كانت فروعًا أو أصولاً؟

عبد القادر العمري:

ممكن أكمّل شويه الله يخليك؟

ماهر عبد الله:

جاوبني عن سؤالي.

عبد القادر العمري:

أنا حجاوبك.. حجاوبك عن سؤالك أنا..

ماهر عبد الله:

تفضل.

عبد القادر العمري:

هل ما قاله ابن تيمية في حق الله تعالى من تشبيه له لله -سبحانه وتعالى- بالمخلوقات وتحريم الناس من زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أول مَنْ حَرَّم على الناس زيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أول بدعة ابتدعها ابن تيمية، هل يجوز له ذلك؟! هذا خلاف للدين، هذا خلاف للقرآن..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أنا مضطر أقطعك لأنه نحن لا نتحدث الآن عن عقيدة ابن تيمية، معنا الأخ (أحمد البلوشي) من بريطانيا.

أبو منتصر البلوشي:

معكم أبو منتصر البلوشي، ليس أحمد.

ماهر عبد الله:

عفوًا يا سيدي.

أبو منتصر البلوشي:

كيف حالكم؟

ماهر عبد الله:

أهلاً بك.

أبو منتصر البلوشي:

أخي العزيز بما أن وقتكم غالٍ فأنا لن أطيل عليكم، ولكن الأخ عبد القادر الذي افترى على ابن تيمية بأنه شبّه المخلوق بالخالق.. هذا غير صحيح.

ماهر عبد الله:

ونحن لا نتفق معه، ونرجو ألا ندخل في نقاشات فرعية.. تفضل.

أبو منتصر البلوشي:

نعم.. أنا أشكركم على اختياركم هذا الموضوع التجديدي العلمي حقيقة، وأشكر حقيقة الدكتور أحمد هويس على مداخلته القيمة ونحن استفدنا منه، ولكن.. نحن نعرف جيدًا موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وحتى مؤسس فلسفة التاريخ ابن خلدون؛ من فرق الضلال والمبتدعة، ولكن سؤالي المختصر بالتحديد: ماذا في كتاب "مجموع الفتاوى" لابن تيمية؟ بحيث بمجرد ما رآه مرشد الثورة الإيرانية في معرض الكتاب الإيراني قبل عدة سنوات رماه جانبًا، وقال: هذا كتاب ضلال، ثم منعت كتب ابن تيمية ومنع عنه كل شيء، مع أن فضائح الباطنية مثلاً أو كتب ابن خلدون لا يقل شدة من ابن تيمية في رد أهل البدع، فلماذا هذا الموقف المتوتر من ابن تيمية خلافًا للغزالي وخلافًا لابن خلدون؟ وشكرًا لكم.

ماهر عبد الله:

شكرًا جدًّا يا أخ أحمد.. يا أخ (أبو المنتصر) عفوًا مرة أخرى على هذا الخطأ، سيدي أنا أعتقد سنعتبر مداخلة الدكتور أحمد هويس مداخلة أكثر منها سؤال، ولكن  هذا لا يعني ألا نأخذ منها بعض الأسئلة خصوصا كلامه عن ابن خلدون.. هل كان ابن خلدون قريبًا من فكر المعتزلة؟

د. أبو يعرب المرزوقي: 

أعود مرة أخرى للقول بأن فكر المعتزلة ينطلق من صحة نظرية الوجود ونظرية البرهان القديمة، مع إدخال شيء من الرواقية، في حين أن ابن خلدون وابن تيمية كلاهما ينطلقان من وضع نظرية الوجود ونظرية البرهان موضع الشك، وتعويض هاتين النظريتين بنظرية جديدة تجعل علم العمران يصبح ممكن -مثلاً- بالنسبة لابن خلدون، لا يمكن بالنسبة لمعتزلي أن يجعل علم العمران ممكن، لأن علم العمران يقتضي أن نتخلص من مفهوم السببية أي الضرورة، وأن نتخلص من مفهوم القدرية أي الحرية المطلقة، وأن نكتشف علاقة جديدة يكون فيها السلوك الإنساني دون أن يكون مجبرًا لا يكون قدريًّا وإنما خاضع لقوانين احتمالية قابلة للعلم، بمجرد كونه جعل التاريخ الإنساني قابلاً للعلم فلا يمكن أن يكون معتزليًّا ولا يمكن أن يكون فلسفيًّا بالمعنى التقليدي لكلمة الفلسفة، هذا يقتضي أن نتخلص في نفس الوقت من مفهوم الضرورة السببية ومن مفهوم القدرية أي حرية الاختيار المطلق، ولا ينبني إلا على مفهوم الكسب، أي مفهوم الجهد الذي ينبغي أن يصل بين الضرورات باعتبارها محددات دون أن تكون مطلقة، وبين هذا الاستخلاف أو الأمانة التي تتمثل في الخروج عن الضرورة لتحقيق القيم، وهو ما سماه ابن تيمية الأمر الشرعي، التخلص من الأمر الكوني بالأمر الشرعي، الأمر الشرعي هو الأمانة التي تجعل الإنسان كائنًا يستطيع أن يخرج من الضرورة وأن يفعل فيها، لكي يستطيع أن يفعل في الضرورة ينبغي أن تكون له فسحة من الحرية دون أن تكون القدرية، وهذه الفسحة من الحرية هي الكسب.

ماهر عبد الله:

طيب أسأل سؤال الأخ..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعًا]:

ولكن أريد أن أعلق على ما ذكره الأستاذ هويس والأستاذ العمري..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

الدكتور هويس.

د. أبو يعرب المرزوقي: 

الدكتور هويس.. أنا شخصيًّا لم آتِ لأتحدث في تراجم شخصية، ولم أدعى لأتحدث في عقيدتيهما..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

اسمح لي أقاطعك هنا، أنا تركت الأخ أحمد هويس أن يسرد ما سرد لأني أعتقد أن هي تكميلية لما خضنا فيه..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعًا]:

نعم.. ولكن.

ماهر عبد الله:

خصوصًا أنه وردتني بعض الفاكسات تسأل عن التعريف بالعلمين..

د. أبو يعرب المرزوقي: 

لكن في الدراسات الفلسفية هناك مقولة تونسية شهيرة (طاح في البير وطلْعوه) حياة الفيلسوف لا تعنينا، ما يعيننا هو عمله الفلسفي من حيث هو نسق ذو بنية منطقية نستطيع أن نستنتج الغايات إذا تسلمنا البدايات.

ماهر عبد الله:

نعم، أنا أتفق معك تمامًا، لكن نحن في هذا البرنامج لسنا ندوة علمية في جامعة تونس ولا في اليونسكو، نحن نحاول من وراء هذا النقاش الوصول إلى أكبر قدر من الناس، أكبر شريحة حتى نقول لها إن ثمة جوانب لابن خلدون ولابن تيمية إضافة إلى ما هر معروف وشائع عنهما مفيدة أيضًا في تقديم نظرية للمعرفة، والعربي بطبعه يحب أن يعرف مع من يتكلم وعمن يتكلم، ولهذا قلت لك إنني لم أسألك عن تراجمهما، ولهذا سمحت للدكتور أحمد أن يطيل في شرح ما فعله.. لوعدنا للمداخلة..

د. أبو يعرب المرزوقي:

مع العلم أن ما ذكره الأستاذ هويس أيضًا فيه تقدير جيد لموقف ابن خلدون السياسي، لأنه اشتُهر ابن خلدون بكونه انتهازيّ لا أخلاق له، يلعب على الحبال..إلى آخره.

ماهر عبد الله:

مكيافللي..

د. أبو يعرب المرزوقي:

نعم.. ميكيافيللي، لكن الأستاذ هويس بيّن أنه قد قام بدور سياسي إيجابي يتمثل في صون الشريعة باستعمال الوسائل السياسية التي كانت متوفرة عندئذ، والفرق الوحيد ربما بين الرجلين هو أن أحدهما مارسها من منطلق المعارض: ابن تيمية، والثاني من منطلق المشارك في الحكم.. ابن خلدون من منطلق المشارك في الحكم، وابن تيمية من منطلق المعارض للحكم أساسًا، مما يجعل موقف ابن تيمية يبدو وكأنه أكثر خلقية، وموقف ابن خلدون وكأنه أقل خلقية،نظرًا لاختلاف الموقفين.

ماهر عبد الله:

أنا سأرجع إلى بعض الأسئلة التي جاءت من الإخوة، ولكن عندي بعض الإخوة على الهاتف.. الأخ أنور أبو طه من سوريا تفضل..

أنور أبو طه:

السلام عليكم.

ماهر عبد الله:

أخ أنور تسمح لي أتمنى عليك أن يكون في صميم الموضوع ومختصرًا لو سمحت.

أنور أبو طه:

حاضر، سؤالي الأول وهو سؤال مباشر لأستاذنا الكريم أبي يعرب المرزوقي، ونحن سعداء بسماعه، السؤال حول ابن خلدون في نظريته الخاصة بالعمران أو أساس الاجتماع السياسي الإسلامي.. هل هذه النظرية مبنية -وفق تقديركم- على وعي تاريخي اجتماعي؟ أم أنه وعي بالنص الإسلامي حصرًا؟ أم أنه أسس نظريته على كلا البعدين أي على التاريخ وعلى النص المقدس أيضًا؟!

السؤال الثاني: أنا أود أن أتجاوز أيضًا بعض القضايا التفصيلية لأسأل حول موقفكم تجاه التراث العربي والإسلامي: هل تجدون وعي التراث أو الأخذ به كلاً أو جزءًا أمر واجب في عملية استئناف البعث الحضاري للأمة اليوم؟ ثم ما هو رأيكم في بعض الدراسات التي تتوسل مناهجا أساسية غربية -سواء أكانت هذه المناهج لسانية أو فلسفية أو منطقية- في مقاربة أولئك الأعلام الذين ذكرتم أو مقاربة التراث الإسلامي بشكل عام.. ما هو رأيكم في هذه المقاربات؟ وشكرًا جزيلاً أخ ماهر.

ماهر عبد الله:

مشكور، ونتمنى من الأخ عبده السطو أن يكون مختصرًا أيضًا، تفضل أخ عبده.

عبده السطو:

بداية تحيتي إليكم من عرين أبي فراس الحمداني ومدينة عمر أبو ريشة مدينة "منبج".

ماهر عبد الله:

أهلاً بك.

عبده السطو:

الحقيقة من يقرأ المقدمة لابن خلدون بإخلاص ونزاهة لا يستطيع إلا أن يعترف أن ابن خلدون يستحق لقب مؤسس علم الاجتماع وفلسفته، لأنه الحقيقة أنه يرى في العقل أنه قبس من نور الله ميز به الإنسان عن المخلوقات، وأن الإنسان يستنبط سنة الله في خلقه بقوة هذا العقل، كما أنه يستطيع أن يستفيد من تلك السنن الثابتة في جلب المنافع ودفع المضار في حياته الخاصة والعامة، ولهذا هل يمكن أن نقول إن ابن خلدون من الذين يعتمدون على العقل ويثقون به؟!
وإذا كان نعم فإلى أي حد؟ أم أنه لا يسترسل في الاعتماد على العقل استرسالاً كليًّا بل إنه يرى أن نطاق مدركات العقل البشري عاجز عن إدراك ما يقع وراء المحسوسات؟.. وأخيرًا ما هي الحكمة -أخي ماهر- الشاملة التي تجمع بين الدين والعلم والفلسفة؟! وشكرًا أخي ماهر، وأرجو منك للمرة الثانية أن تعقّب على سؤالي، شكرًا لك أخي ماهر.

ماهر عبد الله:

مشكور يا سيدي، مشكور جدًّا على سؤالك، وتعقيبي عليه وأشكرك عليه لأنه فعلاً قيم، وإذا انتبهت في الحلقة الماضية أننا ألغينا استقبال المكالمات للإجابة عن الأسئلة، وأعتقد أن المجموعتين من الأسئلة كانت من سوريا، فتعليقي الوحيد عليها هو أن أحيلها إلى الدكتور وأرجو أن تسمع منه.. الحقيقة الأخ أنور ذكرني بالسؤال اللي كنت سأسألك عنه، وكان ورد في بعض الأسئلة السابقة: أنه أخرج -ابن تيمية- التاريخ من السردية إلى تقديم فلسفة للتاريخ..

د. أبو يعرب المرزوقي [مصححا]:

ابن خلدون.

ماهر عبد الله:

ابن خلدون -عفوًا- فأجبني عليه مع إجابتك على سؤال الأخ أنور: هل نظريته مبنية على وعي تاريخي اجتماعي؟ أم مصدرها وعي نصي إسلامي فقط؟ أم على كلا الأمرين؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

إذا أخذنا النص ماديًّا فإننا نجد كل استدلال عقلي مصحوب بشهادة نصية من القرآن الكريم، بحيث إن جميع فصول المقدمة تتضمن الاستناد إلى العقل وإلى النقل، حتى إن ابن الأزرق فيما بعد في كتابه حول الملك فَصَلَ بين البعدين وحولهما إلى جزء به برهان مستند إلى العقل والتجربة الخ.. وجزء مستند إلى الأدلة الشرعية.. ولكن أيهما المتقدم؟ بالنسبة لابن خلدون وابن تيمية هذا السؤال لا يطرح.. ليس هناك من مصدر متقدم.. هما ليسا مصدرين، هما ضربان من ضروب عرض المعرفة وليسا مصدرين، بحيث بالنسبة لابن خلدون وقولته واضحة: قَلَّ أن يخالف الأمر الشرعي الأمر الوجودي، الظاهرات الاجتماعية كما وردت في الشرعي وكما وردت في الوجودي هي من طبيعة واحدة، حتى إنه ذهب إلى تفسير النبوات في التاريخ بالعامل الذي فسر به الظاهرات التاريخية، عندما يذكر بالقولة أو بالحديث: لا يبعث نبي إلا في منعة من قومه، بحيث إن العلاقة بين الأمرين بالنسبة إليه ليست علاقة بين أمرين هي أمر واحد، ولكنْ ضربان من ضروب عرض المعرفة.. الآن ما هو الموقف من استعمال الأدوات الغربية؟

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لا.. قبل كان سؤاله عن الوعي بالتراث والإلمام واستيعابه، وسؤاله كان هل واجب من أجل البعث الحضاري لهذه الأمة؟ كيف نقف من جدلية التراث؟ أنت تعرف في الساحة العربية اليوم، هناك ماضويين يريدون خلق صورة مرآوية جديدة لماض ولى، مقابل ناس تعيش حاضرًا غير حاضر هذه الأمة وتتصور أن هذا هو الطريق.. الوعي بالتراث هل نقطع مع هذا التراث؟ هل نعيد تكرراه؟ أم لابد من وعي بصيغة أخرى؟!

د. أبو يعرب المرزوقي:

نعم، أولاً المقابلة بين من يتشبث بالماضي ومن يتشبث بشيء آخر هو أيضًا ماضٍ، الذين يتشبثون بالحاضر الغربي هو ماض لأن الحاضر الغربي الذي الغرب تجازوه، كلما أخذت شخصا يقدم الحداثة على أنه هي مستقبل الحضارة العربية تجد ما يقدمه ماضيّا غربيّا وليس مستقبل غربيّ ولا حتى حاضر غريبّ، بحيث نحن أمام تصورين للزمان، كلاهما يتصور الزمان حدثًا بلا معنى، إذا كان التراث مجرد حدث مضى ومات لأنه فقد معناه، عندئذ يمكن أن نصبح ماضويين، لكن التراث حدث له ما لا يتناهى من المعاني، والحاضر هو هذه المعاني التأويلية للماضي والمشروعات التحقيقية للمستقبل، بحيث لا يمكن أن نقطع مع التراث، رغم أني لا أحب كلمة تراث، لأن كلمة تراث تفيد وكأنه أمر خارجي بالنسبة إلينا ونحن نتعامل معه.. هو ذاتنا، هو ما ترسب في كياننا بما فيه من واعٍ ومن غير واعٍ.

ماهر:

أنا أسرد عليك الأسئلة.. عندي أخ على الهاتف من فترة، معنا الدكتور يوسف من الدوحة.

د. يوسف:

أهلا وسهلا

ماهر عبد الله:

أهلاً بك.

د. يوسف:

أولاً، لاشك أن هذه الحلقة وفقت في الجمع بين ابن خلدون وابن تيمية، لأن هذين المفكرين يشكلان نقطتين بارزتين في تاريخ الفكر الإسلامي. ثانيًا: لا غضاضة في أن ينسب هذان المفكران إلى الفلسفة، ذلك أن الفلسفة هي مجال إعمال العقل، وقد عمل كل منهما بفكره بطريقة لم تتيسر لغيرهما، بحيث أصبح ابن خلدون المفكر الذي أرسى دعائم فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، وأصبح ابن تيمية مؤسس الفلسفة البرغماتية الذرائعية من خلال مفهوم الخطاب الثاني الذي قال به (محمد أركن). ولكني في نفس الوقت أرى أن الرجلين لم يوضعا في موضعهما الصحيح من التاريخ، ابن خلدون نادى بفكرة العصبية، والعصبية عنده لا تعني مفهومها اللغوي الضيق، والذي يحصر في الجانب القبلي والعنصري، وإنما العصبية عنده تعني الأيديولوجيا أو الفكرة التي تقوم عليها الدول، وهذا ما جعل علماء الغرب يعتبرون ابن خلدون أستاذ لـ(توينبي)و(اشبينغلر) و(هيغل) وحتى (كارل ماركس)، لأن فلسفة التاريخ عند ابن خلدون تقوم على الحركة المبنية على المراحل، وأعني بذلك مرحلة قيام الدولة وازدهارها ثم اضمحلالها، وهي نفس الفلسفة التي بنى عليها أولئك الفلاسفة نظرتهم للتاريخ الدياليكتيكي.. ابن خلدون بكل تأكيد كان مفكرًا عالمانيًّا، ولا يعني ذلك أنه كان يقف ضد الدين لأنه في الحقيقة كان مفكرًا وصفيًّا يصف الواقع الاجتماعي كما هو، ولا يتجاوز ذلك إلى القيمة، فالقيمة لها نظرية أخرى.. ابن خلدون هو المفكر الذي نادى بقيام المجتمع المدني، ووصف الأسس التي يقوم عليها هذا المجتمع.

أما ابن تيمية فقد تحدث عن السياسية الشرعية، والسياسة الشرعية غير الشرع لأن السياسة الشرعية إنما تقوم على قراءة النصوص الشرعية التي تشكل الخطاب الأول المتمثل في القرآن والسنة، والقراءة كما هي عند (دريدا) و(بارت) و(فوكو) هي التي تشكل الخطاب الثاني الذي يصبح في حد ذاته مرجعية قابلة للاختلاف، وهذه هي مشكلة الخطاب الثاني في عصرنا الحديث.

من هذا المنطلق فإنني أخالف الدكتور الجليل أبو يعرب المرزوقي في نظرته العامة لهذين المفكرين، وأريد منه أن يؤكد لنا بوضوح موقفهما من المجتمع المدني، وكيف يمكن أن يفسر هذا الموقف بالمقارنة بالمفكرين السلفيين القدماء، بل أيضًا المفكرين المحدثين الذين يتخذون مواقف سلفية؟ كما أريد منه أن يوضح لنا كيف أساءت دراسة الدكتور (طه حسين) لرؤيتنا لابن خلدون، وخاصة هو الذي أشاع أنه مفكر انتهازي.
شكرًا.

ماهر عبد الله:

مشكور جدًّا يا دكتور يوسف.. طيب مولانا نعود إلى التوسل لأدوات ومناهج غربية، السؤال الذي ورد في كلام الأخ أنور سابقًا.

د. أبو يعرب المرزوقي:

إذا سمحت أريد أن أجيب أولاً عن علم الاجتماع والعصبية قبل أن أجيب عن هذا السؤال.

ماهر عبد الله:

أنت حر.

د. أبو يعرب المرزوقي:

أعتقد أن تفسير نظرية ابن خلدون للتاريخ بالعصبية حتى بهذا المفهوم الواسع الذي قدمه الأستاذ يوسف؛ لا يكفي، لأن ابن خلدون لا يبني نظريته في الدول على العصبية، لا عصبية الدم، ولا حتى عصبية الولاء، ولا حتى عصبية الشرعية، لأنه يميز ثلاث عصبيات: الأولى هي عصبية الدم، الثانية عصبية الولاء، الثالثة هي عصبية الشرعية التي تنتج عن تمادي الزمان وحصول أسرة حاكمة على شيء من القدسية تجعلها تنتقل من الملكية إلى السيادة، وهو الحكم المعترف به والمقبول اختيارًا. هو يقول إن العصبية من طبعها مفضية للهرج، ومن ثم فهي تقتضي ضرورة سياسة عقلية، إذن هناك مبدءان: العصبية ممثلة للقوة التي تفضي للهرج -أيًّا كانت طبيعتها- مع العقل، لكن العصبية عندما تكون قوة عمياء لا يمكن أن تحكم، والعقل عندما يكون عقلاً أعزل لا يمكن أن يحكم، إذن فالعصبية ينبغي أن تصبح عاقلة، والعقل ينبغي أن يصبح قويّ، ومن هذا المعنى فإن المبدأ الذي ينبني عليه الحكم عند ابن خلدون ينبني على خمسة مبادئ: العصبية الطبيعية التي هي قوة عمياء، العصبية السياسية التي صارت قوة عاقلة، العقل الطبيعي الذي هو مثالية عمياء، والعقل البرغماتي الذي صار عقلاً فاعلاً، ولكن لو بقينا في هذا المستوى فإن الدول ستصبح انتهازية، ومن ثم ينبغي أن تشد هذه المبادئ الأربعة إلى مبدأ أسمى منها وهو الشريعة، وإذن فهناك الشريعة باعتبارها الممثلة للقيمة المطلقة، ثم أربعة أرجل: العصبية العمياء وهي القوة الطبيعية التي باعتبارها رِجْلاً تؤدي إلى أن تصبح العصبية عاقلة، والعقل المثالي الذي يؤدي إلى التهديم أو إلى الحلم والذي يقتضي أن يصبح العاقل قويًّا، وفوقهما الشرع الذي يضبط ذلك كله بقيمة متسامية على هذه المبادئ الأربعة، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن ننسب لابن خلدون نظرية بناء علم الاجتماع، هو نظرية في فلسفة التاريخ من المنظار الإسلامي الذي يبين أن صحيح المنقول يطابق صريح المعقول في المجال التاريخي.

ماهر عبد الله:

على ذكر المجال التاريخي وفلسفة التاريخ، هو الدكتور ذكر مرتين..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعًا]:

طه حسين.

ماهر عبد الله:

سأعود لطه حسين، لكن في صميم هذا الذي تفضلت بالحديث عنه أنه ترك بصماته، يعني من تحدث في فلسفة التاريخ بعده أشهرهم كان توينبي كمؤرخ وماركس كفيلسوف وشبينغلر، هو يزعم أو زعم الدكتور يوسف أنه ترك عليهم هذه البصمة في تفسيره الأيديولوجي لمعنى العصبية.. باعتقادك هل.. توينبي بلا شك واضح أنه تأثر وإن كان توسع في انحطاط الحضارات، ابن خلدون تحدث عن الدول، وهذا تحدث ووسعها.. نحن لا نقول بالمطابقة التامة، لكن هل تتفق معه بأن هناك بصمات على توينبي و ماركس وشبينغلر؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

والله قضية التأثير بين مفكر ومفكر حتى لو قلنا بها، فإنه يتعذر إثباتها إلا نقلاً، أي إلا إذا وجدنا نصًّا من الأول عند الثاني، أو إلا إذا اعترف الثاني أنه أخذ من الأول، ولكن المماثلات العامة لا تثبت أن الثاني أخذ من الأول، فقد يكون الثاني قد اكتشف ما اكتشفه الأول، هذا أولاً، ثانيًا: لا أعتقد أنه يوجد من بين هؤلاء الأعلام الذين ذكرناهم من يمكن أن يقول بالفلسفة التي يقول بها ابن خلدون.. لماذا؟ لأن كل الفلسفات الغربية التي ذكرت -مثلاً- ماركس أو هيغل أو توينبي الخ.. تنبنى على أن ما يحدث في الواقع الطبيعي أو في الواقع التاريخي لا يمكن أن يرد إلى ما يتعالى عليه، بل هو يتضمن بصورة محايثة مبادئ تفسيره كلها.. بالنسبة لابن خلدون الواقع التاريخي والواقع الطبيعي يتضمنان مبادئ تفسير، ولكن مبادئ التفسير تلك تبقى دائمًا مشدودة إلى مبدأ يتعالى عليها، ويظهر ذلك خاصة في تعريفه لمفهوم الاستخلاف، يقول: الاستخلاف هو القدرة على معرفة الأسباب التي تجعل الإنسان يصبح سيدًا للطبيعة بشرط أن يبقى خليفة.

ماهر عبد الله:

هذا الفرق أو الخلاف الجوهري أو الفرق الذي سيبقى بين الحضارة الإسلامية وبين كل الحضارات الأخرى.

د. أبو يعرب المرزوقي:

نحن نريد أن نتحدث عن المجتمع المدني.

ماهر عبد الله:

قبل هذا أجبني إجابة مختصرة عن: إلى أي درجة أساءت دراسة طه حسين عن ابن خلدون، لأنه كما قال هو أول من نسب إليه صفة الانتهازية، أنا أتوقع أنها لم ترسخ في العقل العربي.

د. أبو يعرب المرزوقي:

لم ترسخ في العقل العربي، ثم هب أن ابن خلدون كان انتهازيًّا، نحن هنا لسنا لتقويم أخلاق ابن خلدون، نحن نتحدث عن ابن خلدون باعتباره مجدد الفكر الفلسفي الإنساني، أي باعتباره.. أنا أعتقد أن ابن تيمية قضى نهائيًّا على الميتافيزيقا الأرسطية، وابن خلدون قضى نهائيًّا على ما بعد التاريخ الأفلاطوني، يعني تفسير التاريخ انطلاقًا من نظرية الطبائع انتهى، وهي النظرية الأفلاطونية، وربما في هذا يرد على شرح ابن رشد لجمهورية أفلاطون. وميتافيزيقا أرسطو -أيضًا- انتهت بعد الرد على المنطقيين، وأصبحنا أمام ميتافيزيقا جديدة، ما بعد تاريخ جديد، وما بعد طبيعة جديدة.. ما هي هذه الميتافيزيقا الجديدة؟ وما هي هذه الما بعد طبيعة التاريخ الجديد؟ بالنسبة لابن خلدون يقول مقولة شهيرة" لا يوجد حدث تاريخي واحد أو حدث سياسي واحد قابل للمقارنة مع حدث آخر.. إذن كيف ستجد للأحداث التاريخية قوانين؟

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

د. أ بو يعرب نفيت أن يكون ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، الأخ عبده السطو أكد كما أكد كثيرون من الذين داخلوا، وهذه الصورة المرسومة عن ابن خلدون أنه مؤسس علم الاجتماع.. خليني أوسع لك التسمية قليلاً بالقول بأنه أول من بدأ التقعيد لعلوم الإنسانيات، وجزء منها وربما الجزء الأكثر حيوية هو علم الاجتماع، خصوصًا وأن الدكتور يوسف عوض -أرجو أن ترد على الاثنين معًا- ذكر أنه أول من وضع الأسس للحديث عما يسمى اليوم بالمجتمع المدني.

د. أبو يعرب المرزوقي:

إذا قصدنا ما يمكن أن نسميه علوم إنسانية أي دراسة الظاهرات الحضارية والثقافية باعتبارها غير الظاهرات الطبيعية، واعتبار الظاهرات التاريخية ذات قانون، نحن نلاحظ أن الأبستمولوجيا اليونانية (فلسفة العلوم اليونانية) لا يوجد من بينها علم اسمه علم التاريخ.. ابن خلدون حاول أن يجعل علم التاريخ علمًا فلسفيًّا يقول: هو جدير بأن يُعَدُّ من علوم الحكمة وقمين.. إذن هو حاول أن يؤسس علم تاريخ، واعتبر أن علم التاريخ يشترط مجموعة من الأدوات من العلوم الأدوات منظومتها هو هذا الذي أسماه(مادة المقدمة)، مادة المقدمة هي مجموعة العلوم الأدوات التي ينبغي أن تتوافر للمؤرخ لكي يستطيع نقد الوثيقة.. هي إذن منظومة علوم الأدوات، وليست علم الاجتماع، لأننا نجد..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

نعم، ولكن ألم يتحدث عن العمران في المجتمع البدوي، والعمران في المجتمع المدني والحضري..

د. أبو يعرب المرزوقي:

نعم، هناك بعض موضوعات عولجت فيما بعد في علم الاجتماع، ولكنها لم تُعالج بالطريقة التي عالجها بها ابن خلدون، عولجت بطريقة علمية التي تُستعمل في علم الاجتماع، وهي طريقة الملاحظة وطريقة الصياغة الرياضية إلى آخره. ابن خلدون في المقدمة لم يعتمد هذه المنهجية، وإنما اعتمد منهجية تستند إلى وضع القواعد العامة التي يمكن أن نقارن معها الوثائق لكي نحكم بما هو ممكن أو غير ممكن في الخبر، فنقبل به أو نرفضه، ولكن مع ذلك نستطيع أن نقول: إنه قد أسس المجتمع المدني.. لماذا؟ لأنه حارب تدخل الدولة في جملة من الأنشطة التي يدعو لأن تبقى حرة، وفي الممارسة الخاصة: الاقتصاد، حرية العدالة، حرية التربية، مجموعة من المؤسسات لا يريدها أن تكون بيد السلطة الحاكمة.

ماهر عبد الله:

وهذا ينفي عنه بطريقة أو بأخرى صفة الانتهازية، لو كان انتهازيًّا لكان الأولى له أن يبرر.

د. أبو يعرب المرزوقي:

طبعًا، تعلم أنه كان يدعو لأن تكون العملة خارج سلطة القوة التنفيذية، لأن العملة يمكن التلاعب بها، ومن ثم تُسلب الحقوق، ولذلك يقول: العملة والقضاء ينبغي أن تكونا تابعتين للخليفة حتى يحافظ على ما لهما من قدسية لئلا يظلم العامل في أجرته مثلاً.

ماهر عبد الله:

لو عدنا لسؤال الأخ عبده السطو: هل كان عقليًّا؟ وإلى أي حدٍ كان يثق بالعقل؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

جواب هذا السؤال موجود في فصل من فصول مقدمة ابن خلدون، خصصه لتحديد قدرات العقل، وبيّن أن العقل يتجاوز قدراته عندما يدعي أن الوجود محصور في الإدراك، إذا حُصر الوجود في الإدراك أي: إذا ظننا المعرفة محيطة، وأن ما نعلمه هو عين الحقيقة، عندئذ يكون العقل قد تجاوز ما يستطيع، وعندئذ يصبح غير عقلي، العقل يصبح غير عقلي عندما يتحول إلى عقلاني، أي عندما يدعي أن كل الوجود شفاف للعقل.

ماهر عبد الله:

وثنية العقل.

د. أبو يعرب المرزوقي:

وثنية العقل.

ماهر عبد الله:

بهذا تكون قد أجبت عن القاسم المشترك في سؤال الأخ عبده السطو عن الحكمة والعقل والنص.. لو عدنا للدكتور يوسف.. هل يمكن الوصول إلى النتيجة التي وصل إليها عندما قال بأن ابن تيمية مؤسس الفلسفة الذرائعية البراغماتية؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

لا أدري في أي مجال؟ مؤسس الفلسفة.

ماهر عبد الله:

السياسية الشرعية، هو ذكر تحديدًا في كتابه السياسة الشرعية.

د. أبو يعرب المرزوقي:

يصعب أن يكون ابن تيمية ذرائعيًّا في السياسية الشرعية، وهو يقول بإطلاقية القيم النصية، يصعب.. وربما في معركة الطبيعة، في علم الطبيعة، نعم.

ماهر عبد الله:

لكن لو قلنا: براغماتي بمعنى حتى في كتبه عن السياسة الشرعية وفي كتبه عن الحِسْبة..

د. أبو يعرب المرزوقي [مقاطعا]:

يعني إذا فهمت كلمة براغماتي بمعنى أن ما هو حقيقي من العلم هو ما يمشي.

ماهر عبد الله:

لا.. فيه على الصعيد السياسي البحت أنه كان عمليّ أكثر منه مثاليّ، الصورة العامة للسلفي النقلي ابن مدرسة الحديث كما هو أنه مثالي أقرب إلى القوالب الجامدة، لكن من يقرأ كتابه السياسة الشرعية وكتابه في الحسبة يجد أن المصلحة تحكم الكثير من حركاته وفتاويه.

د. أبو يعرب المرزوقي:

نعم، ولكن هذا طلب شرعي، فالشرع نفسه هو الذي يوجب هذه القاعدة.. وإذن فهي ليست ثمرة من ثمرات فلسفة ابن تيمية. الشرع بنصه يقتضي أن تكون قضايا الفقه الأصغر والفقه الأكبر قضايا تنبني على الاجتهاد الذي يعتمد على أغلب الظن ولا يعتمد على اليقين، اليقين في مجال العقيدة وليس في مجال ممارسة الشريعة، حتى إن ابن خلدون وضع مبدأ ما يسمى بعدم التأثيم، عندما تحدث عن الحروب الخمسة التي وقعت في صدر الإسلام، وحاول أن يشرح هذه الظاهرة وضع مبدأ عدم التأثيم. يقول: إن كل الفرقاء كانوا مجتهدين، ولا إثم على أي منهم باعتبار أنهم كانوا مجتهدين، والاجتهاد سواء ظننا أن هناك حقيقة فنحن لا نعلم من المصيب، أو ظننا أن كل من يجتهد مصيب، في كلتا الحالتين ليس هناك تأثيم.. هل تسمي هذا ذرائعيّ؟ إذا أسميته ذرائعيًّا فهو ذرائعي.

ماهر عبد الله:

للأسف الدكتور يوسف ليس معنا ليعقب على هذا.. الأخت (أم يوسف) من هولندا تفضلي.

أم يوسف:

الأستاذ ماهر المحترم، عندي مداخلة بسيطة، فيه واحد كل شويه يتصل بكم من لندن اسمه (أبو منتصر) بهدف استخدام قناتكم للهجوم على إيران والشيعة وإثارة الفتن بين المسلمين، فأرجو الانتباه إلى هذا الأمر. وهناك اقتراح عليكم -وأنا مصرية- أن تحاور أحد علماء الشيعة من مصر وهو المستشار (الدمرداش العقالي) حتى يبين عقيدة الشيعة في قناتكم، ومن خلال بعض المتصلين أثاروا الشبهات حول الشيعة.

ماهر عبد الله:

الدمرداش؟

أم يوسف:

فمن حق الشيعة وهم عدد كبير في الوطن العربي أن يبينوا عقيدتهم من خلال علمائهم.

ماهر عبد الله:

ما اسمه؟

أم يوسف:

الدمرداش العقالي.. المستشار الدمرداش العقالي.

ماهر عبد الله:

ماشي يا سيدتي.. مشكورة. الأخ (حسن الطريزي) من الأردن، الأخ حسن تفضل.

د. أبو يعرب المرزوقي:

لي ملاحظة على قضية الشيعة..

ماهر عبد الله:

سنجيب عليها، الأخ حسن من الأردن.

حسن الطريزي:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. في الحقيقة أنا أحب أن أؤكد على نقطة، وهي أن ابن تيمية اتجه اتجاه في الفلسفة أوصله إلى التخبط في بعض مسائل العقيدة..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

ممكن يا أخي تخفض صوت التليفزيون عندك؟

حسن الطريزي:

عند مطالعة كتب ابن تيمية -وهي كثيرة- نجد أن هذا الرجل قد نهل من بعض المناهل بحيث اعتدى على بعض المواريث التي تركها لنا.

ماهر عبد الله:

ممكن تبتعد عن التليفزيون شويه.

حسن الطريزي:

أنا في الحقيقة استرعت انتباهي مكالمة الأخ (عبد القادر العمري) منذ فترة، فأخذت أطالع بعض الكتب الموجودة عندي في مكتبتي -وهي زاخرة بالكتب- وقفت مثلاً على كتاب (الأجوبة المرضية) الذي تفضل بذكره، والحقيقة أن هذا الكتاب يذكر لمؤلفه ولي الدين العراقي وبعض الكتب الأخرى تقف على الأمور التي تركها ابن تيمية، ومنها قوله بأزلية العالم والذي رد عليه الإمام (بدر الدين الزركشي) في كتاب(تشريف المسامع)، وأنا أفترض أنه ينبغي على أي مدعٍ للعلم -وخصوصًا علم دين الإسلام- أن يضع مسألة تنفع المسلمين من بعده، فنحن إذا ما أردنا أن نخوض في الفلسفة، بالنسبة لابن خلدون هو رجل لا شك في مرتبته الفقهية عند العلماء، وهو واحد من تلك المنطقة التي أثمرت في تاريخ الأمة الإسلامية (منطقة المغرب العربي)وخرّجت كثيرًا من علماء أهل السنة والجماعة.

ماهر عبد الله:

قصدك ابن خلدون؟

حسن الطريزي:

بالضبط، أما بالنسبة لابن تيمية الحراني، فأنا عند الوقوف على مؤلفاته أجد أن فلسفته لم تخدم الأمة الإسلامية بالشكل المطلوب، وذلك في انصبابه على مسائل تسفيف وتذبيح الأشعرية، على خلاف ما تفضل به الأخ (أبو يعرب) في بداية الحلقة، وتحدث بشيء عن الأشعرية. أنا أجد أن الأشعرية فرقة مؤسسة في دين الإسلام، نزهت الله -سبحانه وتعالى- عن مشابهة المخلوقات.

ماهر عبد الله:

أخ حسن أنا أيضًا مرة أخرى اسمح لي أنا مضطر أقاطعك، يا سيدي نحن لم نقلل من قدر الأشعرية، ذكرنا لأشعرية ابن خلدون هي جزء من توصيفنا له، يعني ليست تزكية للأشعرية ولا هجومًا عليها، ذكرنا لابن تيمية وعن حنبليته وموقفه كرجل ما يسمى بمدرسة أهل الحديث؛ ليست وقوفًا معه ولا وقوفًا ضده.. أنا أعتقد أنه يجب أن نتعالى عن هذه الحزبيات التي كل الفكرة من اختيار حنبلي وأشعري أنهما قدما لهذه الأمة في هذا التاريخ الطويل ما يمكن أن نجمع عليه، أنا أعتقد أنه كان أولى وكان أنفع لو سرنا على منهج ابن خلدون كأشعري، يعني لا تفهم من كلامي أنه تزكية لأي من الرجلين أو حط من قدرهما، أنا أعتقد هما أكبر ..

حسن الطريزي:

لو سمحت..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

يا سيد حسن إذا حتدخل في مسألة عقيدة ابن تيمية فأرجو أن نقف هنا سنقيمه كفيلسوف.

حسن الطريزي:

أخي العزيز أنا أعتقد أن الفلسفة لابد لها -إذا كان الشخص يريد أن يتكلم في الفلسفة-لابد أن يبحث عن النقاط التي يستطيع من خلالها خدمة الأمة الإسلامية.. ابن خلدون لا شك يعني هناك شبه إجماع..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أسألك سؤال يا سيدي؟

حسن الطريزي:

تفضل.

ماهر عبد الله:

كيف تفسر لجوء تقريبًا كل الحركات الإحيائية الإسلامية في القرن العشرين إلى فكر ابن تيمية رغم أنهم في العقيدة -بعضهم أنا أعلم- أنهم أشاعرة العقيدة، وأعلم بعضهم إباضية العقيدة يعني ما كان يسمى تقليديًّا خوارج؟

حسن الطريزي:

يا سيدي هم على خلاف كبير بينهم، وأنا -سبحان الله- أستغرب من قطعك بلجوء أهل الدين وأهل العلم في هذا الزمن إلى عقيدة ابن تيمية أو مؤلفاته.

ماهر عبد الله:

أنا لم أقل أهل العلم، أنا أعيد صياغة سؤالي إليك: كيف تفسر حركات الإحياء الديني السنية، الأشعرية منها ،مدرسة أهل الحديث، بعض الإباضية، وبعض المعتزلة الجدد.. يعني (محمد عبده) يصنف من المعتزلين الجدد، وأكثر من حارب ابن تيمية حارب المعتزلة!! وفلسفته كلها قائمة على حرب علم الكلام وحرب الاعتزال فكيف؟

حسن الطريزي:

أنا فقط أحب أن تفرق -أخ ماهر- أن تفرق بين علم الكلام والفلسفة. علم الكلام كثير من الناس يقولون بأنه علم مذموم. والحقيقة أنا وقفت على نصوص صريحة جدًّا للإمام (الشافعي) يمتدح فيها علم الكلام الذي همه وجوهره تنزيه الله -عز وجل- عن مشابهة المخلوقات. قال: هو علم ممدوح. وأما علم الكلام المذموم،علم أهل الأهواء هم الذين وصفوا الله بالشريك ووصفوا الله بالنظير، ووصفوه بالتحيز في الأماكن، ومنهم بعض أهل الفلسفة الذين منهم (ابن سينا) أيضًا و(الفارابي) و(أرسطو طاليس)هذا أيضًا شبه الله -عز وجل- في وصفه لخالق هذا الكون وصانعه بأنه أزلي، وقال بأن العالم -أيضًا- أزلي مع الله، وهذه عقيدة شركية نحن لا نقول بها كمسلمين.

ماهر عبد الله:

هذا الكلام أنا لن أقبله على علاتَّه، أنا أشكرك -أخ حسن- لسنا في مقام التقييم العقائدي لأي من هؤلاء الرموز، هذا التبسيط لموضوع أنه شبه وجسّم، أهل السنة عمومًا متهمون من الجماعات الأخرى بأنهم أكبر مجسمة في التاريخ، سواء كانوا أشاعرة أو من أهل الحديث.

فعلى كل أنا أعود للدقائق الأخيرة من البرنامج، ونعود إلى إشكالية طرحها الأخ يوسف على ما أسماه بالخطاب الثاني، إشكالية: كثير من مفكري الإسلام -ولا أدري إن كانت انطبقت على الرمزين اللذين نتحدث عنهما أم لا- أن هناك نصّ أول هو الكتاب والسنة، لابد من شرحه حتى نتعاطى معه ونؤسس للخطاب الثاني. الإشكال الذي يقع فيه المفكر أنه يعتمد أن الشريعة هي هذا الخطاب الثاني الذي فسر فيه الخطاب الأول.. هل وقع ابن تيمية أو ابن خلدون في هذا المطب؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

أولاً: هل صحيح أن الشريعة هي النص الأول؟ الشريعة هي تقدم نفسها على أنها نقد نصوص سابقة.. الشريعة نفسها، نص القرآن هو استعراض لنقد التحريف الذي حدث للشريعة الأولى وللفطرة، ومن ثم فعلاقة النصوص بعضها ببعض موجودة أيضًا في الشريعة نفسها، موجودة أيضًا في النص القرآني نفسه، هو نص ينقد نصوصًا لأنها حرفت نصًّا أصليًّا، أما ابن تيمية وابن خلدون هل وقعا في هذا الخطأ؟ من استعملهما هو الذي وقع في هذا الخطأ، ظن أنهما قد اعتبرا ما وصلا إليه من نتائج حقائق نهائية، ولكنهما لم يقولا بذلك.

وهنا أنا أريد أن أشرح كلمة (سلفية)، ابن تيمية.. سلفي بأي معنى؟ لا يعني أنه علينا أن نقلد السلف، هو ضد التقليد، ليس لنا الحق في أن نقلد أحدًا باستثناء الرسول، والرسول لا نقلده بل نصدقه فيما يأتي به فنطيع أوامر الله. إذن لا نقلد أحدًا، إذن ماذا تعني كلمة (سلفية)؟ أن نعود إلى ما كان عليه السلف من عدم التقليد لأن السلف لم يكن لهم من يقلدونه، إذن علينا أن نكون مثلهم غير مقلدين، أي أن نجتهد. ولعل السبب في أن جميع الفرق في الأحياء عادت إليه هو أنه قد خلصها من الفرق. هو فكر يخلص الاجتهاد من..

ماهر عبد الله:

المذهبية والحزبية والفرق.

د. أبو يعرب المرزوقي:

من المذهبية والحزبية والفرق من التقليد الفرقي بهذا المعنى.

ماهر عبد الله:

سؤالي الأخير إليك -وما معي أقل من دقيقة- هل كان ابن خلدون علمانيًّا- ولم يرد أن يقول علمانيًّا- وصفيًّا ولم يُعِر القيمة الكثير من القدر في حكمه على الأشياء؟

د. أبو يعرب المرزوقي:

ذكرت لك فيما سبق أنه بَيَّنَ أن العصبية وحدها لا تستطيع إلا أن تؤدي إلى الهرج، فتحتاج إذن إلى قيمة أولى هي العقل، ولكن العقل وحده لا يستطيع.. لأنه إذا كان أعزل بدون قوة فسيصبح مثاليًّا، إذن تهديم.. لابد إذن من قيمة أسمى منهما وهي القيمة الدينية، فيصبح إذن القيمة هي الأساس، وعندما يتحدث عن العصبية فهو يقول بأن القوة شرط، ولكنها ليست شرطية.

ماهر عبد الله:

اسمح لي.. أعزائي المشاهدين لم يبقَ لي إلا أن نشكر باسمكم الدكتور أبا يعرب المرزوقي من جامعة تونس الأولى، في هذه الحلقة التي حاولنا فيها أن نتعرض لعلمين من أعلام هذه الأمة، من مدرستين مختلفتين، لكن وجدا من القواسم المشتركة.. إذن إلى أن نلتقي في الأسبوع القادم تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.