مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ ناصر محمد الشيباني: وزير الأوقاف اليمني الأسبق

تاريخ الحلقة:

24/08/2003

- قيمة العلم في الشريعة الإسلامية
- الأخطار التي قد تنجم عن العلم الشرعي لحامله والمجتمع

- ارتباط الرحمة بتحصيل وتطبيق العلم

- قيمة الأخلاق في العلم الديني والدنيوي

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذه الحلقة سيكون حول العلم.. العلم الشرعي والعلم الديني والدنيوي، ما هو ضار منه وما هو نافع، فالعلم كالكثير من معطيات هذه الحياة التي نعيش يحمل -للأسف الشديد- القابلية لأن يكون نافعاً بقدر القابلية التي يحملها لأن يكون ضاراً، الخلل في.. في معظم الحالات في أغلبها لا يرتبط بجوهر العلم من حيث هو علم، ولكنه يرتبط بجوهر المتعلمين وحملة هذا العلم.

الشواهد على فساد العلم الدنيوي وما قد يؤدي إليه من خراب ودمار كثيرة والتدليل عليها ليس صعباً ولا مستحيلاً، وإن كنا سنتطرق إلى شيء من هذا في.. في حلقتنا هذه، ولكن الأخطر من هذا هو خطورة العلم الشرعي، خطورة نقص في العلم الشرعي، خطورة التعبير عن العلم الشرعي دون أن تكتمل عند الإنسان الصورة الكاملة سواء عن الأسس النظرية التي يريد أن يفهم بها الحالة التي يواجهها أو كان النقص في فهم هذه الحالة قبل أن يتناولها علمياً وقبل أن يسقط عليها نصوصاً أو مبادئ ذات صلة بها، كما أنها في بعض الأحيان ترتبط -وهذا شيء لا يلتفت إليه الكثيرين- ترتبط بشخصية حامل العلم أو زاعم العلم أو طالب العلم، لا يدرك الكثيرون أن الكثير من العوامل تدخل في تشكيل شخصية حامل العلم وطالبه دون أن يعي بها، في حين أنه يعتقد أنه يصدر في فتواه وفي علمه عن تعامله مع النصوص الشرعية المقدسة فقط.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي في هذه الحلقة الشيخ ناصر محمد الشيباني، والشيخ ناصر محمد الشيباني (وزير أوقاف سابق في اليمن) وقبل ذلك عمل عميداً للمعهد العالي للتوجيه والإرشاد في اليمن، كما أنه لا يزال عضو في مجلس الشورى اليمني وعضو دائرة الإفتاء اليمنية، كما أنه أيضاً نائب رئيس جمعية علماء اليمن، له مجموعة من المؤلفات من أبرزها "حديثي إلى الجند" وهو مجموعة من المحاضرات كان يُلقيها في القوات المسلحة اليمنية، كما له كتاب آخر حول مشكلات وحلول للأسرة والمجتمع، له مجموعة أخرى من المؤلفات مازالت تحت الطبع منها فتاوى وقضايا، ومنها كتاب آخر تحت عنوان "صوت المنبر"، سيدي، أهلاً وسهلاً بك بداية.

ناصر محمد الشيباني: مرحباً بكم.

قيمة العلم في الشريعة الإسلامية

ماهر عبد الله: حتى فقط لا نُفهم خطأ إنه.. ولا يُفهم أننا نحض على عدم طلب العلم، لو.. لو ابتدأنا بداية بتبيان قيمة العلم وقيمة.. يعني قيمة الحض عليه في الفلسفة الإسلامية في الشريعة الإسلامية.

ناصر محمد الشيباني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، تتبع الأخطاء أو الخلل في عرض هذا الدين أو العلم لا يعني معارضة التعليم أو الإساءة إلى طلبة العلم أو أهل العلم، أو التقليل من شأن العلم، ولكن بالعكس فإن العلم يكفي شرفاً من يدعيه، وكفى بالجهل عيباً لمن ينكره، فإذا تحدثنا عن بعض الأخطاء أو بعض الخلل أو التصور أو العرض للعلم لا يعني بالطبع الإساءة إلى العلم ذاته، فالخطأ في سوء الاستخدام أو سوء الاستعمال، والإسلام أعطى العلم مكانة خاصة، وإذا قلت العلم فلا أقصد به العلم الديني، فإن العلم بمجموعه كل ما ينفع المجتمع البشري أو الإنساني يُعد محترماً في الإسلام، ويكفي أن القرآن الكريم أشار إلى هذا المعنى للتمييز بين الجهالة والمعرفة فقال (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) بل إن الإسلام يُعد من بين الأديان كلها أعطى الجانب الأعظم والأكبر في العلم أو في مكانة العلم حين قرر بأن الحيوانات التي يألفها.. تألفها بعض المجتمعات وتحرص عليها أُمِرَنا قرآناً أن نعلمها، فإذا كان الحيوان المحترم ولا يعني استنكف أن أذكره الكلب مثلاً ذُكر في القرآن، فالكلب المعلَّم القرآن يذكره للتدليل على أن للعلم مكانة في الإسلام، ذلك في قوله عز شأنه (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) وما.. وما (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ) هذا يفيد بأن الكلب المُعلَّم نأكل مما يصطاده، فإذا كانت الآن جمعيات الرفق بالحيوان في العالم تنظر للكلب نظرة خاصة، نقول لهم إن ديننا أمرنا أن نُعَلِّم الكلاب وأن نجعلها وسيلة للصيد، هذا شرف للعلم أيضاً، ثم أن هناك نصوصاً كثيرة لست بحاجة إلى سردها الآن للتدليل على مكانة العلم في هذا الدين، كثير ما نرددها "وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم" فقط أريد أن أصرف شبهة ربما تدور في بعض الخواطر أو يتصورها بعض الناس أن العلم المقصود به هنا الفقه مثلاً أو التفسير أو الحديث أو غير ذلك، لكن الإسلام لا ينظر إلى هذه التجزئة يدعو إلى العلم بكل صوره وشتى وسائله، مادام نافعاً للمجتمع الإنساني ومفيداً، بل ومحرراً للعقل والضمير والوجدان، هذا علم يحترم وله شأنه في الإسلام.

الأخطار التي قد تنجم عن العلم الشرعي لحامله والمجتمع

ماهر عبد الله: طيب.. طيب لو.. لو عدنا.. لو عدنا إلى.. إلى العلم الشرعي تحديداً كيف يمكن للعلم الشرعي أن يُشكِّل تهديداً لحامله وللمجتمع؟

ناصر محمد الشيباني: هذا الخطر يتوقع متى كان عالم الدين أو حامل العلم الشرعي ضيق الأفق، ضيق الصدر، ليست له رحابة صدر، ولا سعة أفق ولا معرفة الواقع، لأن العالم الذي يدرس العلم الشرعي لابد أن يعرف واقعه، لا يكفي أن أسرد الشواهد والآيات والأدلة ما لم أعرف بيئتي وواقعي ومجتمعي كي أُنزِّل هذه الأدلة والشواهد على الواقع، وإلا لما كانت هناك فائدة للبحث والاستنباط والاجتهاد، إن القرآن الكريم يعتبر.. يعتبر العقل نعمة من نعم الله، لأنه أداة تفكير ووسيلة تفكير وتأمل في هذه الأدلة وغيرها، بل إن الإيمان الراسخ واليقين الثابت لدى المؤمن لا يتحققان إلا في رجاحة هذا العقل وحُسن تأمله، ننظر مثلاً في القرآن ذِكر العقل في هذا الجانب إنه الذي لا يفكر أو لا يعي أو لا يتأمل يعتبره القرآن معذَّباً، أي أن البلادة الذهنية والغباء الفكري.. البلادة الذهنية ذنب ومعصية، (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ) فخطورة العلم الشرعي ليس في ذاتها، ولا في النصوص الشرعية، ولكن في تطبيقها واستخدامها في الواقع، يمكن أدلل على هذا، هذا الصحابي الجليل الذي خرج في سرية من سرايا الإسلام مع مجموعة من الصحابة وبه جُرح فأصابته الجنابة، الجنابة التي توجب الاغتسال، فسأل من معه من الصحابة هل يتيمم، لأن الماء سيؤثر على جرحه، فقالوا لا نجد لك رخصة، لابد أن تغتسل، أخذوا بالنص حرفياً دون تأمُّل أو تفكير، فاغتسل فمات من شدة الألم، فلما عادوا أخبروا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن فلاناً مات بسبب استخدام الماء للاغتسال وهو جريح، فقال قتله.. "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إنما جُعل شفاء العيِّ السؤال" نلاحظ قتلوه قتلهم الله، أخذوا بظاهر النص ولكن لم يمنحوا الرجل فرصة لأن التيمم يقوم مقام الماء عند الضرورة، هنا خطر حلَّ بهذا المسلم، لأنه لم يجد مَنْ يُسعفه عند الضرر أو عند الخطر، وللتدليل على أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقرر من ضمن تقريراته أن السنة النبوية قول وفعل وتقرير، مثل هذا التقرير أن فيما أظن عمرو بن العاص خرج في سرية أيضاً فأصابته جنابة ليلاً فتيمم وصلى بالناس، فشكاه الناس إلى رسول الله بأنه صلى وهو جُنب بالتيمم لم يغتسل والماء موجود، فقال: ما الذي حملك على ذلك؟ قال: قوله تعالى (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتبسم عليه الصلاة والسلام، هذا التبسم كما قال العلماء إقرار بفعله أو بعمله ذلك، هذا هو الحكم، هذا هو الجانب الشرعي في استخدام النصوص عند مثل.. عند هذه الحوادث أو عند هذا الضرر.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: سيدي، فيما تفضلت به من.. من حديث: ما هو الحد الفاصل بين هذا الذي ذكرت والذي أقره الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبين التلاعب بالنصوص، لأنه هذا الباب لو فُتح على مصراعيه قد يقول قائل سننتهي إلى أن كل يُعطِّل هذا النص أو يوظفه لمصلحته التي يحددها آنياً في.. في لحظة ما في حياته.

ناصر محمد الشيباني: هو يعني تعطيل النصوص غير وارد، اختلاف الأمة في النصوص أحياناً يأتي في فهم هذه النصوص، حتى أن الخلاف أو الاختلاف الموجود بين العلم في قضايا متعددة لا يعني بالطبع أن الإسلام دين يدعو للخلاف أو يدعو إلى الشقاق أو يدعو إلى ضياع التفكير، ولكن هو اجتهاد في.. في فهم النص، ليس اجتهاداً في النص نفسه، فلو أتيح الأمر أو أتيحت الفرصة -كما قلت- لمن يريد القضاء على هذه النصوص أو إبعاد الدين عن واقع الحياة لأدى فعلاً إلى التلاعب بالنصوص والعبث بها، لكن دائماً يحدث الاختلاف في فهم النصوص وتنزيلها، وليست النصوص ذاتها، حتى أن تعدد المذاهب في التاريخ لا يعني أنه تلاعب بالنصوص، ولكن في فهم.. في فهم هذه النصوص وتنزيلها على واقعهم وبيئتهم.

ماهر عبد الله: طب هي الاختلاف بين.. بين المذاهب يعني من السهل على الإنسان أن.. أن يرى المنطق بسهولة ومبررات الاختلاف، أنا سؤالي عن القصص التي ذكرت، رجل يخرج على ظاهر النص بصراحة ووضوح، كان يجب أن.. أن يغتسل فلم يغتسل ووجد لذلك تبريراً، في مثل هذه الحالات كيف نميز بين هذا الجائز وبين التلاعب في.. بالنصوص؟

ناصر محمد الشيباني: هو ليس الأمر هكذا سائداً لابد من يعني حُسن الاختيار، يعني الاختيارات في النصوص أولاً تجب أن تكون لأهل الفقه وذوي الاختصاص، لأنه عندنا في الإسلام الدعوة إلى التخصص موجودة في القرآن، فما كل أحد يصلح للاختيار بين النصوص أو التفاضل بينها، أو يأخذ ما يحلو له ويدع ما لا يحلو له، هذا ليس لكل أحد، إنما لذوي الاختصاص من أهل الفقه المتمكنين فيه، ولذلك قال (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) دعوة للتخصص، فلو أن الأمر تُرك هكذا سائباً لتعطَّلت النصوص فعلاً، لكن هذا يعني أعني عمرو بن العاص أخذ بنص الآية ورسول الله -عليه الصلاة والسلام- موجود، لذلك لمَّا.. لم يرَ منه خرقاً للنص أو اجتهاداً عقلياً أو منفعياً وقتياً أقره على ذلك، فيؤخذ من هذا أن إقرار الرسول دليل يُعتد من السنة، كما قلت سابقاً بأن السنة تعني قول النبي أو فعله أو تقريراته.. فيعني إقرار عمرو بن العاص على فعله دليل على جواز ذلك، وهذا نوع من التشريع للأمة، نوع من التشريع للأمة، فما كل أحد يصلح لاختيار النصوص أو التفضيل بينها يعني إلا المختصين.

ماهر عبد الله: طيب.. مقابل هذا التلاعب أو ربما خوفاً من.. من هذا التلاعب فيه جنوح على الأقل في السنوات الأخيرة في ثقافتنا الإسلامية الدارجة اليوم إلى عكس هذا الموقف النبوي تماماً، يعني عندما شُكي له عمر بن العاص استهجاناً لم يبادر إلى إدانته وإنما سأله ما حملك على هذا، فيه جنوح في الخطاب الديني اليوم إلى اتهام من يخرج على ظواهر النصوص، من يخرج على مألوفات الشريعة، نميل إلى إساءة الظن، نميل إلى الترهيب حتى يختلط عند الإنسان بعض الأحيان أن.. أن.. أنه يميز بين التقوى وبين التشدد.

ناصر محمد الشيباني: هذا يعني يلفت النظر إلى أن هناك مَنْ يقف عند النص حرفياً دون الخروج عليه، يعني عطَّل عقله وتفكيره وعطَّل وسائل البحث والتأمل في النصوص، وهذا مذهب قديم ليس حديثاً أو جديداً، هناك عندنا مذهب اسمه الظاهرية، والظاهرية مثلاً يرون نحن نقر على أن.. يعتبرون بعض النصوص مُلزِمة، ومع أن أهل العلم يقولون عكس ذلك، لأنهم أخذوا بظاهر النص، فنحن الآن نجد من يميل إلى التشدد في بعض القضايا، مع أن العلماء الراسخين ينظرون إلى بعض القضايا الفقهية مع النصوص أو بالاجتهاد أو عمل الفكر في فهم النص، فيبحثون عن أيسر السبل وهذا هو الدين، لأنه الحلال والحرام معروفان، الحرام معروف، كل الناس يعرفونه لا خلاف فيه، لكن الفقيه هو الذي يبحث عن المخرج عند الأزمات، عندما توجد أزمة نبحث لها عن نص، عن مخرج شرعي، الفقيه كل الفقه.. كل الفقه فيه هو الذي يبحث عن المخرج، ويحاول أن يجمع بين الأدلة والنصوص حتى يخرج الناس من أزمتهم أو من يعني ضيقهم (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

ارتباط الرحمة بتحصيل وتطبيق العلم

ماهر عبد الله: فيه.. فيه قيمة يعني مثل هذا الكلام يذكرنا بقيمة الرحمة التي تبدو غائبة في كثير من.. من الأحيان، لأنه كوننا تحدثنا عن التقوى والتشدد، يعني العلم الشرعي في المحصلة النهائية أليس الهدف منه في الأساس خدمة الإنسان على هذه الأرض في هذه الحياة الدنيا؟

ناصر محمد الشيباني: بلا شك، لأنه أولاً العلم في شتى فروعه سواء ما تعلق بالدين أو الدنيا الهدف الأسمى منه هو إيجاد المنفعة للناس، الدين أساساً.. الدين ذاته الهدف منه يعني تقديم المنفعة للمجتمعات الإنسانية بصفة عامة، ولذلك يعني الذين لطخوا وجه.. وجه الحياة بالقذى والأذى هم الذين يتهمون هذا الدين بالتعسُّف، ويعرضونه على الآخرين بصورة غير راحمة حتى ظُنَّ أن هذا الدين دموي المزاج، يبحث عن العسر والشدة في كل شيء، في القرآن الكريم للتدليل على هذا نصوص تربط العلم بجانب الرحمة، كأنه العلم بغير رحمة يكون أداة تدمير وتخريب للمجتمعات الإنسانية كلها، نقرأ مثلاً عن قصة الخضر وموسى -عليهما السلام- قال القرآن عن الخِضِر أو الخَضِر قال عنه (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) تلاحظ أنه بدأ بالرحمة، ثم عقب بالعلم.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب تسمح لي نتوقف عند هذه نؤجلها لما بعد الفاصل، نذكركم قبل الانتقال إلى موجز الأنباء، سنعود لقصة الرحمة وهي قصة موسى والخضر عليهما السلام، نذكركم قبلها بأنه بإمكانكم المشاركة معنا في هذه الحلقة إما على رقم الهاتف 4888873 أو على رقم الفاكس 4890865 أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي: www.aljazeera.net

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، تسمح لي قبل أن نواصل قصتنا عن العلم والرحمة أن نستمع إلى بعض الإخوة المشاهدين، نسمع من الأخ إبراهيم السباعي من أميركا، أخ إبراهيم تفضل، أخ إبراهيم تفضل.

إبراهيم السباعي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله. تفضل يا أخ إبراهيم.

إبراهيم السباعي: تحياتي يا أستاذ ماهر لك ولضيفك الكريم، هذه الحلقة من الحلقات الهامة جداً، والحقيقة أصبت كبد موضوع غاية في الأهمية وهو ادِّعاء كثير من الناس الذين هم ليسوا أهل تخصص أنهم يفهمون وأنهم يعرفون ويفتون ويدلون بدلوهم، والمجتمع المسلم -شأنه شأن أي مجتمع آخر- يحتاج إلى العامل وإلى الوزير فكلٌ له مكانته، وكما قال الشاعر قديماً:

الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ

وفضيلة الشيخ أشار إلى الآية رقم 122 في سورة التوبة (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ) فهي طائفة وليست كل الناس، لأن هذا الدين له أصول وقواعد ومرتكزات يعرفها أهل التخصص حتي يدلون.. حتى يدلوا بدلوهم بصورة صحيحة، ما نعاني منه ولاسيما نحن المسلمين هنا في أميركا أن فتاوى تأتينا من وراء البحار لقوم لا يعيشون في المجتمع الذي نعيش فيه، ويريدون أن يفرضوا فهمهم الذي هو بعيد كل البعد عن الواقع الذي نعيشه، فحرَّموا على الناس أشياء كثيرة، وسوَّدوا عليهم حياتهم، وأعطوا الفرصة لغير المسلمين أن ينظروا إلى هذا الدين على أنه دين لا يصلح للحياة، إن الله -تبارك وتعالى- عندما جعل موسى رسوله ونبيه وكليمه يتتلمذ على يدي رجلٍ ليس نبياً وإنما وُصف بأنه (عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) هذا الأمر ينبغي أن يكون واضحاً وأن يتقي الله جميع الناس الذين يسيئون بعدم فهمهم لهذا الدين يسيئون إلى الدين كإسلام..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ إبراهيم مشكور جداً على هذه المداخلة مشكور جداً على المداخلة القيمة، وذكرتنا بقصة سيدنا موسى مع الخضر، وإن شاء الله لن.. لن ننساها، نسمع من الأخ عبد الكريم من المملكة المتحدة، عبد الكريم الأحمد تفضل.

عبد الكريم الأحمد: أهلاً يا أخي أحمد، يعطيك العافية، أحييك وأحيي ضيفك الكريم.

ماهر عبد الله: حياك الله، تفضل.

عبد الكريم الأحمد: حقيقة هو الحث على العلم هو أساس الكتاب الكريم.. القرآن الكريم، ويكفي وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما وصف نفسه بأنه هو مدينة العلم، فديننا دائماً يحث على العلم والتعلم، وأكثر من آية تحثنا على التبصر (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) وتحثنا أن ننظر إلى الآفاق، لكن مع الأسف توجد بعض الفئات التي تنتمي للإسلام، التي تريد أن تتحجر العقول، وأن تتيبس وأن.. وأن تتعطل الأفهام، هناك يا أخي نهج عندنا بعض الجهات، أنا كنت سابقاً في إحدى الحركات السلفية، ولكني حقيقة عند ممارستي معها فُجعت بالأفكار التي تحويها. زين؟ دائماً أفكارها تُقيِّد العقل وتشله، ودائماً تريد أن تؤطره في زاوية معينة، وتمنع التفكير السليم والصحيح والاجتهاد عن بقية الفئات التي تخالفها، هناك فئات جداً خطيرة على الإسلام والمسلمين مع الأسف فغالبية المجتمعات المسلمة تستمع إلى هؤلاء وتصغي إليهم، وتفتح لهم عقولهم وأذهانهم، كثير من المسلمين، فهذه هي الصورة السيئة التي هي.. والتي هدت الحضارة الإسلامية العريقة والطيبة، هذه هي الأفكار التي هدت الإسلام والحضارة الإسلامية، وهي التي عطلت تقدم الحضارة الإسلامية وهي التي زرعت الفتن والخرائب والدمار، يا أخي الكريم أنا..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ عبد الرحمن مشكور جداً على المداخلة، إن.. يعني أنت تسمع من الشيخ برضو تعليق عليها، نسمع من الأخ عبد الرحمن، أخ عبد الرحمن تفضل.

عبد الرحمن: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الرحمن: وأشكرك يا أخ ماهر أنك ما ذكرت.. المهم أنا أدخل في الموضوع، أخي ماهر أنت تعلم أنه من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وهو جل شأنه (يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) أخي ماهر في مداخلتي.. آلو. تسمعني يا أخ ماهر..

ماهر عبد الله: اتفضل.. اتفضل.. اتفضل.

عبد الرحمن: في مداخلاتي الكثيرة.. في مداخلاتي الكثيرة في القنوات، عندما ألقح الآيات بعضها البعض من أجل أن تتضح.. تستفهم بعض العقول يعني كثير من العقول.

ثانياً: يا أخي ماهر فك رموز وشفرات القرآن الكريم أعقد ما يتصورها أي عقل، وهذا.. وهذا كله من فضل ربي الذي أحسن مثواي، المهم بالنسبة للآيات كيف تتنزل على الواقع، أعطيك كتفصيل بعض الآيات، بالنسبة للطاغوت الذي يود أن يعمر ألف سنة وما هو بمزحزح هذا اللي عندنا متمسك بالكرسي اللي جاعل الدنيا أكبر همه، هذه شوف الآية أيش تقول؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم (فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا..) طغى في شبابه وآثر الحياة الدنيا الآن متمسك بالكرسي، يعني الواقع.. القرآن هو على الواقع، وكذلك فيه برضو كثير بالنسبة لطاغوت البحرين تقول الآية...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: لا اسمح لي أخ عبد الرحمن يعني خلينا إحنا في صلب الموضوع إحنا..

عبد الرحمن: طيب ماشي أخ ماهر..

ماهر عبد الله: اسمعني.. اسمعني، يعني هو.. يعني أنا مضطر أقاطعك الآن لأن إحنا مش عايزين يعني التخصيص في.. في هذه الناحية، معذرة مع اعتذارنا واعتقادي إنه الموضوع كثير خارج عن الموضوع، يعني ليس خوفاً من النقد ولا خوفاً من ذكر توجُّه، لكن لأنه الموضوع فعلاً خارج وبعيد عن.. عما نتحدث، نسمع من الأخ محمد الشمري من السعودية، أخ محمد تفضل.

محمد الشمري: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

محمد الشمري: مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور يا سيدي.

محمد الشمري: حبيت بس أسأل الشيخ ناصر وحبيت أمسي عليه جزاه الله الخير، بس سؤالي باختصار شديد، فضيلة الشيخ ما هو موقف الإسلام من الإرث الفلسفي الإنساني، وما هي آلية التعامل معه؟ وهل الحل هو كبت الغرائز الفضولية أم ماذا في نظرك؟ ولك جزيل شكري والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ عبد الكريم الوشني من السعودية، أخ عبد الكريم تفضل.

عبد الكريم الوشني: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الكريم الوشني: أحييك وأحيي فضيلة الشيخ ناصر.

ماهر عبد الله: حياك الله.

عبد الكريم الوشني: اسمح لي أن أتحدث عن العلم، ولكن من جانب آخر سيدي، عندما تفتتح مشروعاً تجارياً مثلاً فمن المفترض أن يتطور هذا المشروع زمنياً لكي نطلق عليه ناجح أي بأنه قد تطوَّر هذا العام وأصبح مردوده أفضل من العام الماضي وهكذا، كذلك ابني عندما أبعث به إلى المدرسة يفترض أن يكون بعد 6 سنوات قد أنهى تعليمه الابتدائي ودخل المرحلة المتوسطة ومن ثم الثانوية فالجامعة، لكن عندما أجد ابني بعد عشر سنوات من الدراسة أجده لم ينته بعد من الحروف الأبجدية، هناك مشكلة حقيقية إما في ابني أو في معلمه.

تأتي سيدي للعقيدة بصفتها المحفز الأول للعلم، نجد الإسلام قد ركز على العلم كثيراً وكانت أول سورة نزلت تحض على العلم، لكن الفهم الخاطئ للنصوص جعلنا مُحيِّدين آية العلم، وحصل هذا فيما يتعلق بالعبادة بمفهومها السطحي المجرد، لهذا ركز أسلافنا القدامى على تمضية وقته وحياته جلها وقضاء حياته محصورة في العبادة، ونسي حظه من الدنيا وتناسى بأن العلم نوع من أنواع العبادة، نحن قد ورثنا موروثاتهم الثقافية كاملة لدرجة إن المتدين الملتزم فينا يعني أصبح يحمل صفة توقف الزمن وعدم الفائدة (...) وهذا مؤسف حقاً، حتى إنك تجد أكثرية تحمل شهادات جامعية، وأنا بأقول جامعية، لكن عندما تستوقفه تجد البعد الفكري لديه صفر، وكأن التحليل والتحريم الارتجالي دور كبير في توقف عجلة العلم لدينا، بحصر العالم في جانب وتحريمه من جانب آخر باعتباره نوع من أنواع الزندقة، إلى أن وصلنا إلى هذه المرحلة المؤسفة من الأمية القاتلة، لدرجة إنك إذا تمتلك أبسط مقومات البقاء نفتقدها مطلقة، نفتقد إلى كل شيء تقريباً، عندما تسأل أحدهم، يقول لك: العلم هذا الذي عند الكفار كله من عندنا سرقوه علينا ولا أدري كيف ينسرق العلم والفكر، فلا أدري من يتحمل المسؤولية، حتى الاستقلال لا نستطيع يعني ممارسة استقلالنا لأننا نفتقر إلى أبسط وسيلة عصرية للدفاع عن النفس وهي الرصاصة لا نستطيع صناعتها، صنعها لنا الآخر. شكراً لك.

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ عبد الكريم يعني فكرة في الصميم، نسمع من الأخ محمد الشمري، أخ محمد عفواً.. طيب سيدي أولاً أعطيك فرصة كون الأخ ذكَّرنا بقصة موسى -عليه السلام- مع الرحمة التي قُدِّمت على العلم نبدأ بها، نعطيك فرصة تكمل.

ناصر محمد الشيباني: شكراً، أولاً ليس الهدف من ذكر قصة موسى والخضر هو القصة ذاتها، إنما ولا يعني تواضع موسى للخضر وطلب العلم أيضاً وإن سافر إليه لمسافات شاسعة طويلة هذا كله وارد، إنما الاستشهاد بالآيات (فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً) أولاً زوده بالرحمة التي يتعامل بها مع الناس، بمعنى أن حامل العلم، الخطيب، الواعظ، المتحدث، المفتي لا ينبغي أن يكون ديكتاتورياً أو من حملة الإرهاب الفكري كما يقولون لأ.

إنما الرحمة هي أساس تعامله مع الآخرين، ولهذا يقول القرآن (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ) واحد منهم، ليس هناك تمييز أو تعالي أو استعلاء، بل (وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ) هو صح يدعو إلى الله، لكن يعد نفسه عضواً في المجتمع، واحد من المسلمين لا.. ليست له يعني درجة الاستعلاء أو التعالي على الآخرين، الرحمة مقدمة هنا على العلم، في موضع آخر يأتي المعنى نفسه أيضاً (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) هدى ورحمة، أيضاً يرتبط بالرحمة، علم لكنه متقيد بالرحمة، دعاء الملائكة الوارد في القرآن (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً)، (رَّحْمَةً وَعِلْماً)، فما يضر المجتمعات هو وجود العلم الذي لا رحمة فيه، يعني لابد من وجود عاطفة تحنو على الناس في المجتمع، أنت إذا رأيت مصاباً ببلاء بمعصية، بخطايا وجاء إليك يعني يطلب منك أن تدله على طريق الخير والخروج من هذه المحنة لا تشدد النكير عليه، أنت لن تقوم مقام الطبيب، وهذا مقام المريض، كما يحنو الطبيب على مريضه، يجب أنت أن تحنو وتعطف وترحم هذا المصاب من الداخل، المصاب من الداخل، فأذكر في هذا كلمة جميلة رائعة لابن عطاء الله السكندري في حكمه، يقول: "رُبَّ معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً" لأن هذا المصاب بالخطيئة أو بالمعصية أو الذنب يكون منكسر القلب، يبحث عن مخرج كيف يصله إلى الله، فهذا الذي يتولى يعني شأن الدعوة إلى الله أو الإفتاء أو.. لابد أن يكون راحماً بهذا العليل وبهذا..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب لو رجعنا لسؤال الأخ إبراهيم السباعي، تحدث عن.. عن 3، 4 قضايا، تحدث عن إدعاء العلم، عن التخصص إنه طائفة وليس كل الناس، لكن يعني ما لفت نظري في كلامه عندما تحدث عن فتاوى تصدر في مجتمع وطبقاً لفهم مرتبط بهذا المجتمع ويفترض في مجتمع آخر هو الأساس معني بهذه الفتوى دون مراعاة للخلافات والاختلافات بين المجتمعين، هل.. هل تتفق معه في أنه هذا قد يكون مصدر كبير للخطورة وللتأثير خصوصاً على الجاليات المسلمة في الغرب؟

ناصر محمد الشيباني: أتفق معه في بعض الجوانب لأنه البيئات التي يعيش فيها هؤلاء تحتاج إلى فقه الواقع، مثلاً: عندما آتي بالنص القرآني نفرض جدلاً أن هناك حفلة عرس، الناس في فرحة وبهجة، الذي يتحدث عن الإسلام في هذا الحفل يمكن أن يقدم للناس صورة واضحة عن الأسرة في الإسلام، كيف يُكوِّن الإسلام الأسرة ويؤسسها ويرعاها ويحترمها، لكن لو جاء واحد من هؤلاء وفسر لهم قول الله (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) طيب. هذا لا يُقال، النص صحيح لكن إيراد النص في حفلة عرس غير وارد، كان يتحدث مثلاً عن قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا).

مثلاً المسلم في أميركا أو في أي دولة أوروبية أخرى في رمضان يؤدي زكاة الفطر كما شُرعت في الإسلام، لكن هذا المتحدث أو هذا الذي أفتى بأنه لا يجوز أن تخرج زكاة الفطر إلا تمراً أو بُراً، طيب. مع أن هناك من يقول بإخراجها نقداً، مع أنه البيئة هذه نفسها من الذي يبحث فيها عن التمر، فتأخذ جانب اليسر في القضية وتأخذ برأي ذلك الفقيه الذي قال بجواز إخراج زكاة الفطر نقداً، مثل هذه القضايا التي تصطدم مع الواقع أو مع البيئات أو مع المجتمعات الأخرى تؤدي إلى خلل في التصور والإساءة إلى الدين نفسه، لابد من حُسن العرض لهذا الإسلام في المجتمعات الأخرى بصورة أرقى وأزكى وأتقى لله لكن استخدام الأساليب أو الفتاوى التي تصلح لبيئة خاصة، بيئة عربية إسلامية خاصة ثم ينقل الفتاوى الأخرى إلى ذلك المجتمع، إلى تلك المجتمعات هذا لا ينسجم مع الواقع أو مع تلك البيئات.

ماهر عبد الله: طب سؤال الأخ عبد الكريم عن أنه: هل تعتقد بوجود حركات وعلماء وأهل علم فعلاً حريصين على تثبيت طريقة في الفهم، طريقة في التعامل مع النصوص تدعو إلى الحجر على العقول، وفي حال ما وُجدت مثل هذه الحركات إذا اتفقنا مع الأخ عبد الكريم، هل تعتقد أن هذا يشكل خطورة أم أنه حفظ للنصوص وإبعاد لها عن الزلل والتوسع في غير مكانه؟

ناصر محمد الشيباني: هو لا يوجد يعني فريق أو طائفة من الناس بهذا الشكل اللي ذكر إنه تحجروا على الناس التفكير أو التأمل أو تحبس العقل، ربما توجد بعض.. يعني بعض الأفراد، ربما وُجد بعض الأفراد ضيقوا الأفق، هؤلاء ليسوا حجة على هذا الدين ولا حجة على هذه الأمة، لهم فقه محدود درسوه في بيئات معينة، فليسوا حجة على أحد، فالعلماء المتخصصون كثيرون، وأهل الفقه والفهم والدراية كثيرون أيضاً، لكن أن يزعم أحد لنفسه أنه هو الفقيه في كل شيء وأن كلام غيره هو الباطل الذي لا يُقبل هذا هو الخطأ، ونحن لا نرضى -كما قلت أولاً- بالجمود الذهني ولا الفكري، لكن لا يعني أن.. أننا ندعو إلى التحرر الفكري بتدمير النصوص والخروج عنها، أو الخروج عليها. لأ، إنما نحن نؤمن بالتخصص، كما ذكرت الآية نفسَها.. كما ذكرت الآية نفسُها (طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) يعني هناك تخصص، فلا شك أن الذي يُكلِّف نفسه الدعوة إلى الإسلام في مجتمعات أجنبية لابد أن يكون واعياً وفقيهاً وذكياً في الوقت نفسه، (ولا) ينعكس الأمر عليه وعلى هذا الدين.

ماهر عبد الله: طيب، نسمع من الأخ أحمد مجدي من أميركا، أخ أحمد اتفضل.

أحمد مجدي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

ناصر محمد الشيباني: عليكم السلام ورحمة الله.

أحمد مجدي: أحييك يا أخ ماهر وأحيي ضيفك فضيلة الشيخ، وأنا الحقيقة لي سؤالين أحب أوجههم لفضيلة الشيخ، سؤالي الأول، إحنا طبعاً هنا في أميركا وفي بلاد الغربة في.. أيه موقف الجهات الدينية الرسمية زي الأزهر الشريف والجهات الأخرى من هؤلاء المتطرفين أو المنحرفين عن الدين؟ اللي إحنا شايفينه إنه ما فيش أي إدانة أو توضيح من هذه الجهات الدينية لما يقوم به هؤلاء المنحرفين أو المتطرفين.

سؤالي الثاني: فيه هم بيستندوا لبعض الأحاديث أو المراجع المشكوك في صحتها، فليه إحنا الجهات الدينية أيضاً لا توضح هذه الأحاديث أو هذه المرجعيات المشكوك في صحتها التي يستند إليها هؤلاء المتطرفين؟ وشكراً.

ماهر عبد الله: شكراً أخ أحمد، نسمع من الأخ إبراهيم عيسى من سوريا، أخ إبراهيم تفضل.

إبراهيم عيسى: يا سيدي الكريم، شكراً لها الحديث التي ترفع من مستوى المناقشة والعلم.

ماهر عبد الله: حياك الله.

إبراهيم عيسى: فمن وجهة نظري أرى أن التفقه في الدين له جانبان جانب يتعلق بالنص، وجانب يتعلق بالعلوم الأخرى، ومشكلة رجال الدين الإسلامي أنهم يُقصِّرون في تقديري بالعلوم الأخرى، لأن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، فما دام صالحاً فمعنى أنه يتطور مع تطور العلوم أو لأنه لا يتناقض مع العلم، فالفيلسوف الفرنسي (موريس بوكاييه) يقول: لقد درست التوراة والإنجيل والقرآن فرأيت أن القرآن يتضمن علوم الفلك والإنسان والحيوان والنبات في القرن السابع الميلادي، حيث لم تكن هناك علوم، وبعد تطور العلوم لم أجد شيئاً يتناقض مع هذا القول.

يضاف إلى ذلك هناك آيات تدل على أن العلم فعلاً موجود، الفتق والرتق مثلاً، فالعلم الحديث بيقول أن.. أن الكون تسبب بانفجار كبير منذ 15 مليار سنة، ففقهاؤنا -حتى لا أطيل الحديث- يبتعدون جداً عن مثل هذا، ولذلك فهم يقتصرون على الشكل أو الأصول البحتة، وما تحدث عنه سيادة الشيخ، بأن.. بأن التقيد بالنص هو سبب عدم التطور، فكذلك عدم فهم العلوم الأخرى لرجل الدين سبب من الأسباب الرئيسية لعدم التطور.

ماهر عبد الله: طيب أخ إبراهيم نقطة.. نقطة جميلة جداً، وتسمع إن شاء الله من الشيخ تعليق عليها، نسمع من الأخ طالب نعيم من لبنان، أخ طالب اتفضل.

طالب نعيم: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمة الله.

طالب نعيم: تحية لك أخي ماهر ولضيفك الكريم.

ماهر عبد الله: حياك الله.

طالب نعيم: عندي مداخلة لو سمحت.

ماهر عبد الله: اتفضل.

طالب نعيم: بسم الله الرحمن الرحيم، إن الكلام عن العلم الشرعي أو الديني الوارد في النصوص الشرعية إنما يُقصد به العلم بما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من عند الله، وذلك يشمل ما جاء في القرآن والسنة، فالتوصل إلى أحكام تتناقض مع الأحكام التي جاء بها الإسلام من مثل إباحة الربا والاستعانة بأميركا والرضا بحكام لا يحكمون بالإسلام لا يسمى علماً شرعياً وإنما هو يتناقض مع الإسلام، ولذلك يقول الله -سبحانه وتعالى- بعد أعوذ بالله من الشيطان الرحيم (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) والله -تعالى- قد أمر الناس بالالتزام بالإسلام، وحتى يتم الالتزام بهذه الأحكام لابد من العلم بها، فالعلم بالأحكام الشرعية إنما يؤخذ بالالتزام بها بشكل كامل، وبما أن الإسلام لا يطبَّق بشكل كامل إلا من خلال دولة الخلافة التي تقوم على تنفيذه وحمله للناس كافة كان لابد من العلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة والأحكام الشرعية التي من شأنها أن توصل إلى إقامة الخلافة، فلا يوجد أي فرق بين حكم الصلاة وحكم قطع يد السارق ولا بين حرمة الزنا وحرمة أن تعيش الأمة في ظل أحكام الكفر، ولا يوجد فرق بين وجوب الصوم ووجوب مبايعة خليفة ولا يوجد فرق بين وجوب الزكاة ووجوب العمل على تغيير أنظمة الكفر في بلاد المسلمين، فالمشكلة أن المسلمين قد غلب عليهم دراسة الإسلام نظرياً بمعزل عن الأحكام الشرعية التي من شأنها أن تجعل الإسلام مطبقاً في واقع الحياة، ولذلك نرى المسلمين أنهم قد درسوا الأحكام المتعلقة بمعالجة المشاكل كأحكام الصلاة والصوم والنكاح والطلاق، وأهملوا دراسة أحكام الجهاد والغنائم وأحكام الخلافة والقضاء وأحكام....

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب، أخ طالب أنا أعتقد الفكرة واضحة، وإن شاء الله تسمع من الشيخ تعليق عليها، شكراً.. شكراً جزيلاً لك.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: سيدي، الأخ عبد الرحمن كان سأل عن: هل هناك موقف شرعي إسلامي من.. مما أسماه من الإرث الفلسفي الإنساني؟

ناصر محمد الشيباني: ما معنى السؤال يعني؟

ماهر عبد الله: يعني أنا في تقديري إذا.. إذا ربطناه أو إذا أنا ربطته بسؤال الأخ إبراهيم عيسى عندما تحدث أن رجل الدين حامل العلم يتعامل مع نص وهو قال أننا تحدثنا كثيراً في هذه الحلقة عن العلم وكأننا نتحدث عن النصوص والعلم الفقهي في حين إنه كان يُفترض أن يكون هناك (إلمامة) دنيوية، وذكر أمثلة على ذلك من موريس بوكاييه علوم النباتات وعلوم الحيوان، وعلوم الطبيعة وعلوم، فجزء من هناك إرث فلسفي إنساني لم يتعرض له الإسلام، لم تتعرض له النصوص بشكل مباشر.

ناصر محمد الشيباني: الجانب الفلسفي يمثل الجانب العقلي، يمثل الجانب العقلي، وقد ظهر في المجتمعات الإسلامية علماء أجلاء في هذا المضمار، مثلاً كان الإمام محمد عبده مثَّل الجانب العقلي في الإسلام، جمال الدين الأفغاني كان يمثل الجانب السياسي، محمد بن عبد الوهاب كان يمثل جانب العقدي أو العقائدي، فالفلسفة جانب عقلي، لكن نحن نتحدث عن جانب شرعي، لكن كل هذه الأقوال أو كل ما ورد إلينا الآن عن مسألة العلم الشرعي والعلم.. والعلوم الأخرى.. آية فاطر تنتظم كل علماء الكون والحياة، تنتظم كل علماء الكون والحياة، وإذا قام بعض العلماء ينكرون على الآخرين الجانب العلمي المادي أو الدراسات النظرية أو المعملية هؤلاء لا يمثلوا الإسلام، هذه الآية تقول (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا) هذا يمثل علم النبات (وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا).

ماهر عبد الله: لأ هو كان سؤاله ليس عن هذا، هو يقر بأن هذا موجود في القرآن، لكن سؤاله: إنه جزء من تخلف هذه الأمة، جزء من عدم التطور كما أسماه ليس فقط أننا لا نتقيد بالنصوص ولا نتقيد بالأحكام الشرعية، ولكن أننا لا نستهدي بالهدي القرآني هذا في الحصول.. الوصول إلى معرفة أكثر في هذه الجوانب التي..

ناصر محمد الشيباني: القرآن هو أصلاً يحمل الدعوة على.. إلى الانفتاح على هذا الكون، وتخلُّف المسلمين على امتداد التاريخ راجع إلى هذه النقطة وهو عجزهم عن مواكبة العصر، أو معرفة العلوم.

ماهر عبد الله: إن تتفق مع الأخ إبراهيم عيسى في ..

ناصر محمد الشيباني: .. أتفق معاه ولا أختلف معه في الجانب.

ماهر عبد الله: أنه..

ناصر محمد الشيباني: هذا يحتاج إلى حديث مستفيض في جانب آخر.

ماهر عبد الله: إذن هي لا تقل خطورة كما قال..

ناصر محمد الشيباني: لا تقل خطورة مثلاً دللت على هذا الجانب بهذه الآية التي شملت كل علوم الحياة في آية واحدة، ثم قال في آخرها (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) علماء النبات والحيوان والنفس و.. يعني القرآن يبعث على الانفتاح على العطاء على أفاق الكون كله، وتخلُّف المسلمين راجع إلى عدم فهمهم لهذه النصوص التي تدعو إلى يعني بناء الحياة، ولذلك أنا أقول إنه العالم الإسلامي كان الأولى أن يُدعى إلى معرفة أركان الحياة، الانفتاح عليها، قبل أن يُعرَّف بالجانب الآخر لابد أن يُعرَّف بالحياة، كيف يعيش مع.. مع الحياة والأحياء وكيف يتعامل معها، ألحظ آية في هذا.. يعجبني أن أستشهد أو أدلل إنه يقول لا تدعو الآخرين إلى التقوى.. لا تدعو الجائع إلى التقوى حتى تشبعه، لا تدعو العاري حتى تستره، لا تدعو المريض إلى التقوى حتى تداويه، لذا يقول يعني (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) أولاً دعا إلى أن تكسو العاري، وتطعم الجائع و.. ثم عَلِّمه التقوى وفن التقوى، إذن فالقصور لدى المسلمين ناتج عن سوء الفهم لهذه النصوص، وليس الخطأ عند النصوص نفسها

ماهر عبد الله: طيب سؤال الأخ أحمد مجدي كما وصفها بالمؤسسات الرسمية الإسلامية لماذا لا تقف موقفاً واضحا يدين التطرف ويدين الانحراف الذي نراه ونلمسه في أكثر من نقاط في هذا العالم الإسلامي؟

ناصر محمد الشيباني: إن ديننا دين التفكير، يُعرض الحق على الآخر ثم يقول (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وصيحات العقلاء والمنصفين والرافضين التطرف والإرهاب صيحاتهم ضاعت وسط هذا الضجيج والصخب والغلط هو الغلط، هناك مؤسسات فعلاً تقوم على هذه الفكرة موجودة (ولا ينكر).. إلا أن ربما أن صوتها أضعف من أصوات الآخرين. نعم.

ماهر عبد الله: طيب سؤاله الثاني إنه: هل صحيح أن التطرف يستند فقط إلى بعض الأحاديث المشكوك في صحتها؟ ولماذا لا يقع التنويه إلى هذا من قِبل المؤسسات الرسمية؟

ناصر محمد الشيباني: أما بالنسبة للأحاديث فقد يعني قام العلماء الأجلاء قديماً وحديثاً في غربلتها وتصفيتها وتنقيتها، فما صح إلا الصحيح، وما أظن أن الدعوات هذه المتطرفة تقوم على نصوص مشكوك فيها، إنما تعتمد على نصوص تريد أن تفرضها على الآخرين فرضاً هي قد تصلح لهم.. بإمكان الإنسان أن يخضع لنصوص معينة فيها نوع من الشدة فيما يخصه، لكن أن يفرض ذلك على الآخرين وفي دين الله سعة، هذا الذي لا ينبغي ولا يجوز، فالحمد لله أن ديننا يعني قد حُمي من التزوير والتزييف والغش الفكري، والأحاديث عندنا الصحيحة معروفة والضعيفة معروفة والموضوعة معروفة هناك مؤلفات كثيرة، إنما العيب في عدم الاطلاع عليها وعدم قراءتها.

ماهر عبد الله: طيب في.. في هذا المعرض ماذا تقول للأخت سارة حسن تسأل: كيف نتعامل مع مَنْ يستخدم العلم الديني بتفسيرٍ خاطئ؟ سيدمرون الكثير من المشاعر الإسلامية الجميلة؟

ناصر محمد الشيباني: كل فكر يقوم على تدمير الآخرين وعدم الالتزام بالرحمة الهادئة الرحمة الهادفة والعاطفة الجياشة في الإسلام يُرفض، لست ملزماً أن أتبع الشارح لهذا النص، أنا ملزم باتباع الشرع أو الشارع الذي شرع، وأتبع الشارع، أما الشارح لست مُلزماً باتباعه، فما يشرحه بعض الناس من.. هذا.. في هذا الجانب ليسوا حجة على الإسلام إنما الحجة أن تأخذ بالنص أن.. يعني النص هو الأصل أنا أتبع الشارع وليس الشارح إنما الذي يظهر أن أكثر الناس يرون أن الشروح والمؤلفات التي يعني .. تُنتج أو تكتب من بعض المتحدثين عن الإسلام يظنون أن الإسلام هو تلك الشروح أو تلك الأفكار، بينما الإسلام عكس ذلك.

ماهر عبد الله: طيب ما هذا بيدخلنا في سؤال الأخ طالب نعيم، المقصود بالعلم الشرعي العلم الذي ورد في القرآن هو فقط ما جاء به الله ورسوله ووما دون ذلك لا يسمى علماً شرعياً وإنما هو يتناقض مع الإسلام، لابد من الالتزام بالنصوص بشكل كامل والبدء بالعلوم التي توصل إلى الخلافة كما أسماها حتى نرى الإسلام .. يعني الفقه هو العلم الذي يسعى إلى تطبيق الإسلام في واقع الحياة، هذا هو العلم المطلوب اتباعه في هذه المرحلة.

ناصر محمد الشيباني: إذا كان الهدف من هذا القول إنه هناك علم شرعي يعتمد على النصوص، فعلاً هذا كلام مقبول، أمَّا أن نحكم على العلوم الأخرى بأنها ليست بشيء وأن العلم الحق هو الشرعي فحسب فأظن هذا.. ذلك خطأ، أو فيه مبالغة، مثلاً عندك علماء الطب، علماء الهندسة، علماء.. هؤلاء يفيدون الناس، وده علم نافع، وإن العالم في أي فن متى قصد بهذا العلم منفعة المجتمع لا شك أنه يُعد من العلماء وقد يُثاب على عمله أو على علمه، فحصر العلم في الجانب الشرعي فحسب لا نقبله، العلم أكثره يعني أوسع أفقاً من هذا.

ماهر عبد الله: طيب الأخ أحمد محمد الأحمد فني كمبيوتر من سوريا يسأل: بماذا.. لا أدري بماذا يفسر الدكتور المحترم تخلف المسلمين في كل أنحاء العالم الإسلامي يا أخ ماهر أحضر خريطة وضع يدك على أي بقعة مسلمة تراها متخلفة!! كيف تفسر هذا التخلف الذي نحن.. إذا كان القرآن يحضنا على هذا العلم الدنيوي والآخروي.

ناصر محمد الشيباني: كلنا في الهم شَرَق

دع المرء مطوياً على ما ذممته ولا تنكأ الجرح القديم فتندما

فالتخلف مُعترف فيه: تخلف فكري، عقلي، ديني، في كل مجال هناك تخلف ولسنا بحاجة إلى الإفاضة في هذا الموضوع، هذا متفق عليه.

ماهر عبد الله: طيب كيف تفسره هذا التخلف؟ لماذا نحن هكذا؟

ناصر محمد الشيباني: أفسر هذا التخلف أننا نعيش في جزر نائية عن العالم.. في جزر منعزلة عن العالم، ثم أن العقل الذي عليه تدور الحياة وهو مصدر التفكير والتأمُّل، عُطِّلت مواهبه، تعطل، عندنا طاقة معطلة بكل مجال، هذه الطاقة المعطلة أدت إلى هذا التخلف الفظيع في كل مجال وفي كل ميدان، وما تراه من مظاهر هذه ليست.. من مظاهر حوارية ليست هذه.. لا تمثل هذا الجانب التقدم العلمي وغير ذلك، هذه مظاهر .. إنما الحضارة الحقيقية والتقدم الصح هو أن نحترم العقل ونستفيد ومن هذا العالم في كل المجالات وفي كل الميادين.

ماهر عبد الله: طيب الأخ عبد العظيم فهمي المراغي يسأل عندما يقول الله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) هل علماء هذه الآية هم علماء الدين فقط أم تعني الآية الكريمة جميع العلماء بما فيهم حتى علماء الذرة.

ناصر محمد الشيباني: قلت ذكرت في أول الكلام إنه الآية قالت يعني (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ)، تكلم عن علم النبات وعلم الحيوان وعلم الجيولوجيا وعلم النفس، هذه الآية اشتملت كل هذه العلوم اشتملت كل هؤلاء العلماء، مادام قد جمع (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) يخشى الله هذا العالم في محرابه وذلك العالم في معمله ومختبره، لا فرق بين عالم وعالم بهذا المجال، صحيح أنه ذاك قد يتميز بجانب.. بالجانب العقدي أو الإيماني، لكن ذاك يتميز بجانب الخدمة للإنسانية فهذه الآية تشمل كل العلماء لكن إذا قال لعالم الذرة بشرط ألا يكون علمه وسيلة دمار للعالم، حتى لا يُقال فيه:

أخفتم السابح في لجة ورحتم في الجو ذات الجناح

هذا وأنتم عَرَضٌ للفنا كيف لو خلدتموا يا قباح

وقد سئل عالم ذرة مرة: لِمَ علمتم تلامذتكم صناعة الأسلحة الجهنمية تجاه الشعوب والعالم؟ قال علمناهم العلم ولم نعلمهم الأخلاق، هذه بعد حادثة نجازاكي وهيروشيما.

قيمة الأخلاق في العلم الديني والدنيوي

ماهر عبد الله: طيب خلينا ندخل في.. في باب جديد، يعني كونك ذكرت الأخلاق أنا عندي كان محور كان لابد أن.. أن نخوض فيه سميناه العلم والأخلاق، درجة الأخلاقية في العلم حتى.. حتى في.. في العلم الشرعي نفسه يعني بعض الأحيان حتى الألفاظ التي تختارها، حتى الصيغ والمفاهيم وبالتالي الطعم العام للفتوى يكون مرتبط بقضية أخلاقية لذات المفتي، لذات حامل العلم، هل هناك ترابط حتمي؟ لو ابتدأنا بالعلم الشرعي أولاً، ثم انطلقنا إلى.. هل ثمة قيمة للأخلاق في العلم، أم إنه قيمة محايدة لا علاقة لها بأي قيمة أخلاقية؟

ناصر محمد الشيباني: الأخلاق هو الركيزة الأولى في ميدان العلم، وخاصة العلم الشرعي، فعلم بغير أخلاق، الجهل خير منه، لأن الجاهل قد يتقيد بعادات وتقاليد، ربما تكون حسنة أو قبيحة، لكن العالم إذا زلَّت قدمه، أو طاش سهمه، ولم يتقيد بأخلاق ولا بأدب، يكون معرَّة على الدين الذي يدعو إليه، ومعرَّة على العلم الذي يحمله، فالأخلاق تعتبر قاعدة أساسية في هذا الجانب، وفي هذا الميدان، ولا مانع أن أذكر سنداً في هذا.. تدليلي على الجانب الأخلاقي في هذه القضية، يدخل أيضاً في جانب العلم المقترن بالرحمة، العلم المقترن بالرحمة، وذلك أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لما خرج إلى مكة، مرَّ الجيش الإسلامي في ممرٍّ، وُجدت فيه كلبة تعوي مع جرائها، فوقف الجيش كله، وأمر أحد الصحابة أن يحرسها حتى يمر الجيش، أليست هذه أخلاق؟

ماهر عبد الله: لا أنت يعني الآن دخلتنا في.. في موضوع آخر يعني، حروب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومعارك تسمى غزوات، كلمة غزوة فيها جانب سلبي وفيها جانب دلالي..

ناصر محمد الشيباني: جانب روحي..

ماهر عبد الله: وأنت الآن تتحدث عن أخلاق رحيمة حتى مع كلبة، أليس هذا من سوء يعني تقديرنا أن.. أن نسمي..؟ بل البعض يقول إنه هذا سوء تعبير حتى عن تاريخنا، عندما نسمي ما قام به -صلى الله عليه وسلم- من.. من.. من حروب غزوات مع كل ما تتضمنه من.. من سلبية، لكن اسمح لي قبل أن أعطيك فرصة أن.. أن تجيب على هذا، نسمع من الأخ إبراهيم الغامدي، ينتظر على الهاتف من فترة، أخ إبراهيم الغامدي تفضل.

إبراهيم الغامدي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

ناصر محمد الشيباني: عليكم السلام ورحمة الله.

إبراهيم الغامدي: مساك الله بالخير، ومسَّى الله بالخير الشيخ الشيباني، وفرصة سعيدة إنني أتكلم بعد الخبر العاجل، والله سبحانه -وتعالى- يقول: (مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ)، (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) الدين هو أعلم أنه لا إله إلا الله، والعلم هو أساس كل شيء وقاعدته، أساس الدين وقاعدته العلم، والله -سبحانه وتعالى- لما أرسل جبريل إلى النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- قال له: "أقرأ"، قال: ما أنا بقارئ. قال: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فالعلم هو وسيلة لكل غاية، وهو وسيلة إلى الجنة، والله -سبحانه وتعالى- يحب الذي يطبق هذا العلم، ويدعو إليه، ونحن نعيش في هذا الزمن، زمن صعب وعصيب على الأمة قاطبة، منذ البدء وفجر التاريخ إلى الآن، فالمسلمين يُقتَّلون في كل حدب وصوب، واتهامهم بالإرهابيين مجرد أنهم مسلمين، فنرجو من الشيخ توضيح هذا الشيء، لا نجعل الرحمة في كل شؤوننا، بأن نسكر وأن نقمر، وأن نقول -مثل ما قال الأخ بأميركا- يحب أن تكون لهم الأشياء مصرحة، هذا شيء يحاسبهم الله -سبحانه وتعالى- عليه (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ) سوف يعود الإنسان إلى هذا الشيء، ولابد أن يعلم الجميع بأننا نقف بهذا الزمان وقفة خطيرة مع تاريخنا، ومع ديننا، ومع قيمنا، فلابد أن نضع الأشياء في مواضعها، وألاَّ نحيد عن الصواب، هناك أمة كافرة، وهناك أمة مسلمة، لابد أن نجعل لكل شيء فاصل، فمن أراد الجنة فلها طريقها، ومن أراد غير ذلك فلها طريقها، نسأل الله الهداية للجميع، وأن يرحم شهداءنا الفلسطينيين والعراقيين والإسلاميين في كل مكان، الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الدين، لإعلاء كلمة...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ إبراهيم مشكور جداً على هذه النقطة، نأخذ.. نأخذ الأخ أبو تركي من السعودية، وأرجوك الاختصار أخ أبو تركي لم يبقِ معنا من الوقت الكثير.

أبو تركي: مرحباً مساء الخير.

ماهر عبد الله: أهلاً بك، مساء النور.

أبو تركي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

أبو تركي: أبداً هو الموضوع مثل ما يقول الإخوان قبل شوي جميعاً، وأنا أتفق مع الشخص الأخير، والأخ الغامدي، وأيضاً كان في حلقة قادمة.. ماضية تحكي، وبرنامج ماضي بالشيخ أبو... العواجي من السعودية، تكلم وأوضح يعني مشكلة العلماء، فما يمر بها الآن الإسلام والمسلمين تحديداً، ثم العلماء، يجب أن يضعوا النقاط على الحروف، (....) يا أخي، ولكن يجب أيضاً أن يضعوا النقاط على الحروف، لدى الزعماء، والمسؤولية للزعماء، بقدر ما هي للعلماء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: مشكور جداً أخ أبو تركي. سيدي، لم يبقَ عندنا الكثير، تعلق على كلام الأخ إبراهيم الغامدي، إنه نحن الآن، هو يتفق بأن العلم وسيلة لكل غاية، وبما في ذلك.. بما في ذلك الجنة، ولكن طبيعة المرحلة التي نعيش أيضاً تريد شيء من التمايز، شيء من الوضوح في تعريف الذات، في تعريف العدو، بغض النظر عن نواياك هناك عدو يمكر، يخطط، يدمِّر، أليس جزء من العلم الصحيح أن نسمي الأشياء بمسمياتها؟ هذا حلال وهذا حرام، وهذا كافر وهذا مسلم؟

ناصر محمد الشيباني: هو لابد أن نعرف أن معرفة خطر العدو أو الأعداء، والإعداد لهم، وهذا جزء من العلم، جزء من العلم، أُمرِنا به شرعاً وقرآناً، آية وحدها تقرر على أن هناك إرهاب مرفوض وإرهاب مفروض (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) إرهاب مفروض، أن تُعدَّ نفسك إعداداً قويًّا وحسناً، حتى يخافك الأعداء، تحمي دينك، وتحمي وطنك، وتحمي أمتك، وتحمي ثرواتك، هذا مطلوب، إنما المرفوض هو إيذاء الآخرين بغير حق، تحويل الأمن إلى خوف وإلى قلق وإلى رعب، هذا هو المرفوض.

ماهر عبد الله: لا باختصار.

ناصر محمد الشيباني: فمن العلم أن تعد الأعداد الحسن، وتعرف مكر أعدائك وتخطيطهم، ووسائلهم، هذا من العلم أيضاً، فعدم معرفة هذه الوسائل يعتبر جهلاً، ولا يجوز في دين الله أبداً.

ماهر عبد الله: سؤال الأخ أبو.. أبو تركي باختصار أيضاً قال إن جزء من المطلوب، جزء من سبب الفشل، وعدم التطور، أننا لا نضع النقاط على الحروف لدى الزعماء، هل تعتقد أنكم -معاشر العلماء- تضعون النقاط على الحروف للزعماء؟ ليروا.. ليروا الأمور كما هي، يرتبوا أولوية، ما يجب على الأمة النهوض به أولاً وقبل غيرهم؟

ناصر محمد الشيباني: هذا حديث يحتاج إلى إفاضة في القول..

ماهر عبد الله: ولهذا بقي معي دقيقة عليه يعني.

ناصر محمد الشيباني: وهو لا يكفي، ولكن يكفي أن أذكر أيضاً البيت الشعري اللي قلته أولاً:

دع المرء مطوياً على ما ذممته ولا تنكأ الجرح القديم فتندما

ماهر عبد الله: طيب شكراً.. شكراً جزيلاً لك سيدي، نختم بس بكلام الأخ حسام صالح محمد، مهندس من مصر، يقول: أنا أعتقد أننا ما نحتاج إليه اليوم هو أن نطعم وأن نسكن وأن نعلم وأن نوفر الرعاية الصحية لكل المسلمين، هذا ما نحن بحاجة إلى التركيز عليه الآن قبل أن نستطيع أن نفكر، وقبل... فإن الأمة الجائعة لا يمكن لها أن تكون علمياً.. علميةً، ولا يمكن لها أن تكون.

ناصر محمد الشيباني: وهذا ورد في حديثنا.

ماهر عبد الله: وقد ورد في حديثنا، سيدي الشيخ ناصر الشيباني شكراً جزيلاً لك..

ناصر محمد الشيباني: الله يفتح عليك.

ماهر عبد الله: وشكراً جزيلاً لكم أنتم أيضاً على حسن متابعتكم، إلى أن نلقاكم، بالمناسبة عفواً الأخ عبد العظيم فهمي المراغي يسأل عن الدكتور القرضاوي، إن شاء الله بعد أسبوعين ترى الدكتور القرضاوي عائداً من إجازته معنا هنا، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.