د. جاسم محمد الفارس

ماهر عبد الله

ماهر عبد الله:

أعزائي المشاهدين سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من برنامج "الشريعة والحياة"، هذه الحلقة التي تأتيكم من العاصمة العراقية (بغداد)، ويسعدني أن أستضيف فيها الدكتور (جاسم الفارس) وهو أستاذ مساعد في الاقتصاد الإسلامي بقسم (الفقه وأصوله) في جامعة (صدام للعلوم الإسلامية).

أما موضوعنا لهذا اليوم فهو القرآن الكريم، فمن المعلوم أنه خلال الأربعة عشر قرنًا التي مرت ظل المسلمون يعتمدون على القرآن مصدرًا أولاً ورئيسًا للتشريع ولفهم الحياة وتسيير أمورهم، لكن طريقة التعامل مع القرآن كانت تختلف من عصر إلى عصر.

والسؤال الذي نحاول أن نجيب عليه في هذه الليلة، هو هل ثمة طريقة معينة لفهم القرآن؟ هل هناك ضوابط قرآنية للتعامل مع القرآن، أم أنها ساحة مفتوحة للجميع لكلٍ أن يدلي فيه دلوه دون أية ضوابط قرآنية أو شرعية؟ إذًا نتحول للدكتور جاسم محمد الفارسي.
وسؤالنا الأول لفضيلة الدكتور: القرآن الكريم يتعامل مع الحياة، كل الحياة، فيه جوانب فلسفية، فيه جوانب (عقيدية) عقائدية في المقام الأول، وفيه جوانب فقهية وما إلى ذلك، يتعامل مع الحسِّ البشري، ويتعامل مع العقل البشري، والعلاقة بين الحس والعقل هي التجريب والخطأ والصواب، هل هناك نظرية معرفية تجريبية في القرآن الكريم؟

د. جاسم الفارس:

في البدء أتقدم بالشكر الجزيل لقناة الجزيرة الفضائية لإتاحتها الفرصة لهذا الحوار مع المسلمين الذين يملؤون الأرض ضوءًا وبركة، وأتقدم بالشكر الجزيل لبرنامج "الشريعة والحياة" -أيضًا- للسبب نفسه، في هذا الحوار في قضايا القرآن والعقل والعلاقة بينهما؛ لإلقاء الضوء على هذا الموضوع المهم في محاولة لتفسير كثير من الظواهر الفكرية الثقافية المعرفية الاجتماعية الاقتصادية إلى آخره.

وفي البدء حتى نلقي الضوء بوضوح على هذه المسألة المهمة والحيوية، وهي مسألة القراءة القرآنية للقرآن الكريم، الوظيفة الحضارية للقرآن الكريم، أثر القرآن الكريم في بناء الشخصية المسلمة، المجتمع المسلم، وفي تصحيح مسارات العالم على المستويات كافة.

حتى نكون في الصورة الواضحة للقضية، لابد من إلقاء نبذة تاريخية على معطيات تاريخية سبقت نزول القرآن الكريم، وبعض المعطيات التاريخية الأخرى على طبيعة العرب عشية نزول القرآن الكريم؛ لنتمكن من الوقوف على طبيعة المرحلتين قبل الإسلام وبعد الإسلام، وأثر القرآن في هذا التحول، ومن ثمَّ مكانة القرآن في قيادة عملية التحول الحضاري على مستوى الأمة العربية ومن ثمَّ على المستوى الإنساني.

على المستوى العالمي عشية نزول القرآن الكريم كان العرب يعيشون في ظل حضارتين تكاد تتقاسمان القرار الدولي سياسيًّا، عسكريًّا، اقتصاديًّا: الحضارة الفارسية من جهة والحضارة الرومية من جهة أخرى، لكل من الحضارتين ميزة وبنية حضارية تكاد تكون منسجمة، متناسقة، واضحة الأبعاد، واضحة المعالم، تعمل في إطار المنظومة الحضارية المعروفة، وهي منظومة الأخلاق، ومنظومة العقيدة، ومنظومة المعرفة.

على المستوى الاقتصادي.. مثلاً الحضارة الفارسية -على سبيل المثال- كانت تمثل تجانسًا فكريًّا واضحًا جدًّا أن هناك (المزدكية) في مرحلة ثم جاء (كسرى أنو شروان) وألغى هذا وانتصر لـ(الزرادشتية). على المستوى الاقتصادي المجتمع أو الحضارة تعمل اقتصاديًّا بطريقة كفؤة، توفر مستلزمات الحياة، ومستلزمات المجتمعات التي تعيش وتمس قضايا الإنسان، إنتاج واضح المعالم واضح الأبعاد.
من الناحية العقائدية قلت لك أن المزركية أو الزرادشتية تعمل بشكل واضح، وعبادة الإلهين: إله الخير وإله الشر. ومن الناحية العسكرية جيش موحد منظم، قيادة عسكرية موحدة، قوات عسكرية تعمل بشكل..

فإذن صورة الحضارة هذه بشكل عام على المستوى السياسي تكون موحدة، على المستوى العقائدي موحدة، على المستوى الاقتصادي موحدة، على المستوى العسكري كذلك. وفي المقابل الحضارة الرومانية نفس المسألة، عقائد..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي أرغب أن تواصل هذا، لكن باختصار حتى ندخل في طبيعة القرآن خصوصًا في إطاره الحالي، نحن متهمون دائمًا بأننا نكثر من الحديث عما مضى وعما.. فالمشكلة هي القرآن اليوم كيف نفهمه؟

د. جاسم الفارس:

إن شاء الله، هذا التأكيد ضروري لأننا نعيش في وضع دولي يكاد أن يشبه الوضع الدولي قبل نزول القرآن، فهذه الإشارة أراها ضرورية ليس من باب الاستطراد التاريخي، فأنا أيضًا لا أحب الاستطرادات التاريخية كثيرًا، أنا أهتم بالآن وأهتم بالمستقبل كذلك، وينبغي على العقل المسلم اليوم أن يكون هكذا في تصرفه.

الحضارة الفارسية.. المسألة -كما قلت- أنها امتازت بتجانس عقائدي اقتصادي عسكري إلى آخره، في حين أن الوضع العربي يفتقر إلى كل هذه المقومات، ليس هناك من قيادة عسكرية موحدة، ليس هناك من قيادة سياسية موحدة، ليس هناك من عقيدة موحدة. لو ألقينا نظرة على مكة التي كانت تمثل العالم، صورة للعالم مكثفة عشية نزول القرآن الكريم، لترى العقائد النصرانية، اليهودية، المجوسية،الصائبة، الدهريين، الماديين، والموحدين، وهذه القوى العقائدية الكبرى، فأي اتفاق وأية وحدة، وأي تجانس بين هذه المنظومة العقائدية المتناقضة والمختلفة؟!

جاء القرآن الكريم بلسانٍ عربيٍّ مبين، يخاطب هذه الأمة التي كانت تعيش حالة ضلال، وهنا أحب أن أؤكد على قضية، حسب فهمي المتواضع، أن الضلال في القرآن الكريم المقصود في هذه المسألة ليس كما يتصور البعض أنه في صفة سلبية، صفة سيئة رديئة، لا، بالمنظور المعرفي إذا نظرنا إلى هذه القضية معرفيًّا.. فالضلال الذي كان يعيشه العرب يوم ذاك، هو عملية بحث غير منظمة، غير منهجية يبحثون عن بديل، يبحثون عن نهضة، يبحثون عن خلاص، ولكن لم يكن لهم أو لم يتوفر لديهم الدليل المعرفي المنهجي القوي المتماسك القادر على اقتناص هذه اللحظات وتوجيهها وقيادتها، فكانت إرادة الله -سبحانه وتعالى- أن يكون القرآن الكريم هو راعي هذه المهمة، أو القيادة النبوية -كما أسميها- القيادة النبوية ممثلة بالقرآن الكريم وبمحمد -عليه الصلاة والسلام- الذي قاد عملية التحول الأولى، وهذه مسألة ضرورية جدًّا لأنه يجب أن تكون هناك نواة حضارية في البداية لأي حضارة، يجب أن تكون هناك نواة لعملية النهضة والتحول والنمو، وإلا كيف تكون المسيرة، هذا من جانب.

النقطة الأخرى التي أريد أن أؤكد عليها؛ أني سأختصر فترة زمنية طويلة، فترة الرسالة، انتهت هذه الدعوة، مسيرة القيادة النبوية انتهت بقيام دولة التوحيد الرائعة التي أقامها الرسول -عليه الصلاة والسلام- في المدينة، هذه الدولة توحدت عقائديًّا، دولة التوحيد، دولة الشورى، دولة العدل، ودولة المسؤولية الشاملة، هذه القوى الأربعة التي قامت عليها هذه الدولة، باقتصاد -على بساطته- موحد، قيادة موحدة سياسيًّا، جيش موحد، أصبح مؤهل للانتقال إلى مرحلة أخرى لنقل الدعوة إلى العالم علميًّا ومعرفيًّا وبالأسلوب الأخلاقي الإسلامي المعروف، هذا النموذج أو هذه الممارسة ابتدأت تصنع أمة..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

دعنا في صناعة الأمة -أعتقد- أنها دخلت في صلب الموضوع، كيف فعل القرآن دوره، يمكن أقول لك ببساطة أن الوجود الشخصي للرسول -صلى الله عليه وسلم-كشخصية متميزة..

د. جاسم الفارس:

هذا مهم جدًّا وضروري، وأنا قلت إنها القيادة النبوية، القيادة النبوية هي قيادة القرآن، دور القرآن.. القرآن هو المؤسس لدولة الإسلام، القرآن هو المؤسس للإسلام، القرآن هو بداية الإسلام، هو المصدر الرئيسي للإسلام، وكل المصادر الأخرى هي تبع له، بنيت عليه، حتى السنة النبوية في كثير منها هي تطبيقات لقضايا القرآن الكريم في إطار مرحلة البناء الأول للدولة، عدا ما يتعلق بالشريعة ويتعلق بمسائل العبادة التي هي توقيف للرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا أن هناك الكثير من المسائل التي فيما يتعلق بالاقتصاد، فيما يتعلق بالسياسة، فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية بشكل عام..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أنا لو سألتك: الرسول -صلى الله عليه وسلم- مؤيد بالوحي، الوحي جاء لخدمة أغراض دعوته في مراحل معينة، الآن النبي ليس موجودًا بين ظهرانينا، وما بقي هو النص، وما نستطيع أن نقوم به هو أن نحاول فهم هذا النص، لو دخلنا في..

د. جاسم الفارس [مكملاً]:

من أجل محاولة الفهم المطلوبة الآن على مستوى الأمة الإسلامية، أولاً علينا أن نفهم وظائف القرآن الأساسية، هذه المسألة مهمة جدًّا..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

باعتقادك ما هي وظائف القرآن الأساسية؟

د. جاسم الفارس:

وظائف القرآن الأساسية نأخذها من القرآن، هنا نبدأ بالقراءة القرآنية، وبمنهجنا الذي اتفقنا على معالجته.. ووظائف القرآن الكريم أولاً أنه كتاب هدى، بسم الله الرحمن الرحيم {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين} الهدى هنا هدى منهجيٌّ.. يجب أن يكون في الذهن، أو ينبغي -عفوًا- أن يكون في ذهن الإنسان المسلم أن هذه الهداية هداية منهجية بالدرجة الرئيسيَّة، زائدًا الهدايات الأخرى، فأنا في هذه القراءة اتفقت أن أركز على البعد المعرفي..

ماهر عبد الله:

إيش قصدك من الهداية المنهجية؟

د. جاسم الفارس:

منهج يعني كيف تصل إلى الحقيقة؟ كيف تنجز المعرفة؟ كيف تنجز العمل بأدق وباقتصاد في الجهد وبثمرات كبيرة جدًّا؟ فهذا المنهج كيفية الوصول إلى الحقيقة.. {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا كبيرًا} يهدي للتي هي أقوم، هذه أيضًا وقفة يجب أن نقف عندها وقفة منهجية.. كيف؟

كثير من الناس مع الأسف الشديد في التعامل مع القرآن الكريم يقول إن القرآن الكريم ليس كتاب علم، وأن القرآن الكريم ليس كتاب تاريخ، وأن القرآن الكريم كتاب كذا، كذا، كتاب هداية.. أية هداية؟ القرآن الكريم، نعم، القرآن ليس كتابًا في الفيزياء، ولكنه يهدي إلى الفيزياء على أروع ما يمكن، ليس في التاريخ ولكن يهدي إلى استيعاب رائع وعميق للتاريخ، ليس كتاب في الاقتصاد ولكنه يهديك إلى أروع ما في الاقتصاد، لماذا؟ لأنه يقدم لك المنهج الذي يعينك في بناء هذا العلم..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

اسمح لي فقط، بس ضروري -أعتقد- التنبيه أنه في المقام الأول هو هدى إلى الله، ما ذكرت..

د. جاسم الفارس [مقاطعًا]:

بالتأكيد، معك، سأصل إلى هذه النقطة أستاذ ماهر، هذه نقطة مهمة، عندما نتكلم عن مفهوم العلم في الإسلام، أو الرؤية العلمية، هدف العلم، كما سنقف عند آيات السير والنظر -إن شاء الله- في هذه المسألة.

ماهر عبد الله:

الهدف الثاني..

د. جاسم الفارس:

الهدف الثاني: الإخراج من الظلمات إلى النور {كتاب أنزلناه إليك مباركٌ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} الإخراج من الظلمات، كم ظلمة تتخيل الآن أمام النور الذي ستصل إليه؟ أنت في مأزق حضاري، في مأزق شخصي، في مأزق اقتصادي، في مأزق سياسي، ويأتيك القرآن الكريم ويخرجك من كل هذا إلى..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي، ما هو الفرق بين الهدى وبين الإخراج من الظلمات؟ أليس الهدى هو إخراج من الظلمات إلى النور؟

د. جاسم الفارس:

لا، قد يكون الهدى.. أحيانًا أنت لست في مأزق، ولست في مأزق كبير، إنما يمكن أنك أنت واقف على بوابة الوصول إلى حقيقة معينة، ولكنك لا تستطيع أنك تفكر.. أنك مشغول في البحث، مشغول في التقصي، ويأتيك هذا الضوء الرائع جدًّا. وأمَّا الإخراج من الظلمات عندما تشتد المحن وتشتد المآزق، وتشتد الأزمات، وترى أن القرآن الكريم يقدم لك وسيلة الإخراج بكل معطياته العقائدية والأخلاقية والعلمية والمعرفية.

تثبيت للقلب.. وظيفة ثالثة، تثبيت للقلب، تثبيت للعقل الإنساني في إدارة معركة البناء الحضاري الذي كلف الله -سبحانه وتعالى- الإنسان بإنجازها والقيام بها، {هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}، فالتثبيت يأتي هذا التثبيت في خطاب القرآن للنبي عليه الصلاة والسلام..

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

وصلنا في الحديث إلى وظائف القرآن الكريم، والأهداف التي نزل من أجلها، ذكرت لنا أنه جاء للهدى والهدى المنهجي تحديدًا، وأنه لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأنه لتثبيت القلب والعقل، وكنت على وشك أن ..

د. جاسم الفارس [مقاطعًا[:

التثبيت، كنت أريد أن أوضح معنى التثبيت الذي خاطب به الله -سبحانه وتعالى- رسوله المصطفى -عليه الصلاة والسلام- {كذلك لتثبت به فؤادك}.. لتثبت به فؤادك هذه مسألة كبيرة جدًّا في حياة النبي أن القرآن الكريم يأتي مؤيدًا الرسول لمواجهة قوى رهيبة متعددة الاتجاهات والأبعاد والعقائد، ويأتي رسول ينتظر الوحي المؤيد في هذه المعركة، ففي هذه المعركة يحتاج إلى تثبيت إلهي، فكان القرآن الكريم يقوم بهذه المهمة، نحن الآن في معركتنا الحضارية مع الغرب بحاجة إلى التثبيت، بدون أن نستمد هذا التثبيت من القرآن الكريم..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

كونك ذكرت واقعنا هذا الحالي، كيف سيمنحنا القرآن هذا التثبيت؟ لأنه إحنا نمر في مرحلة تشكيك وتشكك في كل ما هو ديني، في كل ما هو إيماني؟

د. جاسم الفارس:

علينا في هذه القراءة أن نركز على جملة مسائل، أولاً: حتى تكون القراءة مثمرة- كما أثمرت- فأولاً نتعامل مع القرآن الكريم ككتاب كلي بلا تجزئة، أو نبتعد عن القراءة العِضينية للقرآن الكريم، وهذه مسألة أكد عليها القرآن في التعامل معه، بعبارة أخرى، بشكل آخر..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

وضح لي ماذا تعني بالعضينية؟

د. جاسم الفارس:

نعم، سأوضح لك ماذا تعني.. القرآن الكريم عندما تحدث عن نفسه في القرآن الكريم، قال: كتاب وقرآن، وسائر الأوصاف الأخرى المعروفة، ما قال آيات، ولم يقل سورة، ولا كذا، إنما الخطاب كله قرآني {ذلك الكتاب} {كتاب أنزلناه إليك مبارك} لأن القرآن الكريم بهذه السعة وبهذه الشمولية وبهذا العمق الإلهي قد تنحرف بعض العقول في التعامل معهتعاملاً عضينيًّا..كيف؟

القرآن الكريم يقول في سورة (الحجر) بسم الله الرحمن الرحيم: {الذين جعلوا القرآن عضين. فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون} القراءة العضينية للقرآن الكريم، هذا المنهج أشار إليه القرآن الكريم في التعامل مع القرآن الكريم، لكنه مرفوض، وهي القراءة الجزئية التجزيئية.

سأعطيك مثلاً على هذا.. الله -سبحانه وتعالى- يشير إلى الشخصية الإسلامية بكل تكاملها، عندما يذكر بعد إشارته إلى خلق السماوات والأرض {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار}.. القراءة الكلية للقرآن الكريم تعطيك ملامح الشخصية المسلمة ذكر وفكر.. القراءة العضينية لهذه المسألة أنك تقف عند حدود الذكر، وتقول: إن القرآن وكذا والحياة الإسلامية والشخصية الإسلامية تقف عند هذا الحد، وعندما يذكر العقل أو يذكر التعليم أو يذكر التفكير وكذا؛ تثور ثائرة البعض على هذه المسألة، هذه قراءة..

في المقابل، عندما يأتيك أحدهم ويقول: العلم والعقل والتفكير وإلى آخره، وما انشغالكم أنتم في الذكر وكذا، هذه مسألة كذا، هذه من الأوصاف السلبية للذكر.. هذه أيضًا قراءة عضينية للقرآن الكريم، إنما القراءة المسلمة الواعية: الذكر والفكر، القرآن الكريم جعل من التذكر والتفكر عبادة، ليس هناك من عقيدة في العالم، ولا كتاب ديني، ولا إلى آخره من الكتب الموجودة جعلت من التفكير عبادة، ومن النظر في ملكوت السماوات والأرض عبادة إلا القرآن الكريم ليؤكد..

ماهر عبد الله:

حسنًا، أتا سأعود لموضوع الذكر والفكر، لكن هناك مسألة تشغلني دائمًا وأحرص كلما التقيت برجل من أهل الذكر والفكر أن أسأله عنها.. نحن نزعم دائمًا أننا محكمون بكتاب الله، بآياته الصريحة، لكن عمليًّا الذي يحكمنا في واقع الحياة هو فهمنا لكتاب الله لا كتاب الله نفسه لأنه بحكم خلفيتي وخلفيتك سنفهمه فهمين مختلفين..

د. جاسم الفارس:

لا، هناك..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

سأرجع لك للذكر والفكر؟

د. جاسم الفارس:

نعم في هذه القضية إحنا متفقين على أنه ليست عملية التعامل مع القرآن الكريم هي عملية انفلاتية، وليست هي مسألة رغبة، ولا مسألة مزاجية، وإلا سقطنا في القراءة العضينية، وأنا أعتقد أن معظم التيارات الفكرية القديمة، التيارات الفكرية الإسلامية في القرن الثاني، خاصة في ظل دولة بني أمية ودولة بني العباس، خاصة التي شكلت معظم التيارات العقائدية.. أنا أقول لك إن معظمهم تعاملوا مع القرآن الكريم تعامل عضينيّ، وقرؤوا القرآن قراءة عضينية.. سأعطيك مثالين لا ثالث لهما.. (الجبرية)أهل الجبر أرادوا أن ينتصروا لسلطات مستبدة، ألغوا إرادة الإنسان نهائيًّا، وألغوا كل إمكانية على التفكير، وكل إمكانية على العقل، وكل إمكانية للتفكير، وأنه حتى إن أحدهم يقول بأن الحركة التي نتحركها إننا لا نتحركها على الحقيقة إنما على المجاز، شأننا شأن الهواء والنهر والحجر وإلى آخره، من أجل تثبيت موقف معين لصالح هذا، فهذه قراءة عضينية للقرآن الكريم.

(المعتزلة) لم يتخلصوا من هذه القراءة العضينية للقرآن الكريم عندما أرادوا العكس من ذلك؛ أن ينتصروا للإنسان، فامتدوا بالإرادة الإنسانية بعيدًا، وامتدوا بالعقل الإنساني بعيدًا، في حين أن القرآن الكريم قد أعطى للعقل الإنساني مساحة كبيرة جدًّا وهائلة في عالم الشهادة.

عالم الغيب مجال للتدبر، القرآن الكريم ما أخاف من التدبر في عالم الغيب، ولكن علينا أن نحكم فيه معطيات القرآن الكريم، الجنة عالم غيب بالنسبة لي أنا أؤمن به وأتعامل معه وأتدبره في ضوء القرآن الكريم وفي ضوء السنة النبوية، الملائكة، الجن، إلى آخره كل عالم الغيب ومعطياته. أنا بدلاً من أن أستنزف طاقاتي، وأستنزف الأمة، وأستنزف الجهد في البحث في مسائل محسوم الأمر فيها وجدا واضحة وأتعامل معها براحة واطمئنان عبر الوحي، الانشغال بها ضيّع فرص على الأمة كثيرة، أن تفقد كثيرًا من إمكاناتها بصراعات ما كان ينبغي أن تخوضها، بمواقف ما كان ينبغي أن تنشغل بها.

القرآن الكريم والعقل الإنساني صديقان رائعان جدًّا، عندما نحسن استيعاب القرآن الكريم، عندما يحسن العقل الإنساني كيف يحترم القرآن، وكيف يتعامل مع قوانينه ومع بنيته الداخلية، ومع بنائه العلمي والمصرفي، عندما يحسن التعامل مع الواقع.. القرآن الكريم انتصر للعقل من أجل استيعاب عالم الشهادة، ومن أجل بناء عالم الشهادة، وأعطاه حرية ليس لها حدود في استيعاب عالم الشهادة. أعطيك الآن القضية القرآنية..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

د. جاسم كنت ذكرت قضية الفكر والذكر، لو حبينا نعود إلى قضية الذكر والفكر، وأنا أعلم أنك من الذين يكثرون من التدبر في إشارة القرآن المتكررة إلى السير في الأرض والنظر، السير والنظر.. في اعتقادك لماذا هذا الإكثار؟

د. جاسم الفارس:

هذا لأن القرآن الكريم أمرنا بها، والقرآن الكريم تكليف..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

لماذا أمرنا بها؟

د. جاسم الفارس:

لماذا أمرنا؟ لأنه هنا يكمن احترام القرآن الكريم للعقل الإنساني، وهنا إعلاء القرآن الكريم لشأن العقل الإنساني، أعطيك من آيات السير والنظر واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} تأمل أخي العزيز هذه الآية الرائعة، وآيات القرآن كلها كذلك، {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق} ترك لك مجال كبير جدًّا لأن تبحث في بدايات خلق الأشياء كلها. ونحن عندنا قاعدة فلسفية أصولية عقائدية أن العالم مخلوق، القرآن الكريم يوجهك إلى..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي، هل أشار لك إلى نظرية في الخلق؟ أفهم من الآية أنه ذكر أنه انظر كيف بدأ الخلق، هل أعطاك مؤشرات؟

د. جاسم الفارس:

نعم، أعطاني مؤشرات في الخلق رائعة جدًّا، مفاتيح قرآنية عظيمة جدًّا في بناء نظرية الخلق، أو تفسير الخلق من منظور القرآن الكريم، أعطيك نأخذ أمثلة، خلق الكون، القرآن الكريم عندما قال وهذا طبعًا بالمناسبة السير والنظر يعد من المفاهيم القاعدية في القرآن الكريم، هذا نجده -أيضًا- في جانب المعرفة والتعامل مع مفاهيمه.

القرآن فيه مفاهيم، أنماط متعددة من المفاهيم، كلها متشابكة مع بعضها، متداخلة مع بعضها، تعطيك في النهاية عندما تستمر في عملية التحليل والتفكيك تصل إلى البنية القرآنية العظيمة الرائعة جدًّا التي تعينك في بناء العالم وبناء نفسك، السير والنظر من المفاهيم القاعدية، تنبثق عنه أمور كثيرة..

لو أخذنا الآيات الثلاث عشرة في القرآن الكريم المتعلقة بالسير والنظر لنراها توزعت على الجانب المعرفي إشارة إلى نظرية معرفة، إلى بدء الخلق، وبدء الخلق إذا أخذنا القضايا الكبرى، خلق الكون، خلق الإنسان، تعطيك البعد الحضاري، تشير لك إلى البعد الحضاري وعوامل النهضة والسقوط في البعد الحضاري. انظر.. بسم الله الرحمن الرحيم في قضية المعرفة: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم  قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} عملية تفكيك علمية معرفية لهذا ترى أن هذه الآية تشير إلى جانبين من جوانب المعرفة أو إلى جوانب ثلاثة من المعرفة المرتبطة: البعد الحسيِ، المعرفة الحسية، المعرفة العقلية، الجانب التجريبي، أين يكمن التجريب في بعض ملامحه في القرآن الكريم؟ أو البعد التجريبي؟ يكمن في كيفَ؟

لو تأملنا وتدبرنا آيات القرآن، آيات النظر في القرآن الكريم، عندما نقرأ آيات النظر في القرآن، ترى كل آيات النظر تأتيك عقب كلمة النظر (كيف؟) {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} انظر إلى هذه، والأمثلة عديدة، الآن أترك مجال..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

خلينا في الثلاث عشرة آية التي قلت إنها معرفية.

د. جاسم الفارس:

الجانب المعرفي {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة} بدء الخلق، وخلق الكون، يعطيك القرآن الكريم المفاتيح الأساسية لخلق الكون، وكيف ابتدأت اللحظة الأولى من الخلق بشكل رائع جدًّا ودقيق، وأنا بالنسبة لي كمسلم بوصفي مسلمًا، أنا أنطلق في فهم الكون وأحاكم معطيات الفيزياء وما يقولون في بدايات الكون استنادًا للقرآن الكريم، عندما أجد ما يعارض القرآن الكريم لا أقف كما يقف بعض المثقفين أو العلماء أو كذا.. إن هذه المسألة بعد العلم، يأتي ويقول لك إن العلم لم يحسم هذه المسألة بعد، أنا بالنسبة لي القرآن حسمها، إذا لم يحسمها العلم فالقرآن حسمها لأن القرآن الكريم جاءنا من الخالق، من خالق هذا الكون {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} أعطاك مفاتيح خلق الإنسان، ليس هناك تاريخ أصدق من القرآن الكريم في خلق الإنسان من لحظة قرار الله -سبحانه وتعالى- أن..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

أتسمح لي بالمقاطعة، حتى آخذ أنا هذه المفاتيح، وحتى أؤمن بأن هذه النظرية الأسلم، هناك شرط سابق، وهو إيماني بأن هذا كلام الله، في حال التحدي المطروح، في زمننا هذا ما يشبه الردة المعرفية، جزء من التحدي هو أصلاً أن تقنع بأن هذا هو كلام الخالق.

د. جاسم الفارس:

أشكرك جدًّا على هذا السؤال وعلى هذه الملاحظة الرائعة جدًّا، هذا يقودنا إلى العودة إلى بنية القرآن كله، إلى البنية القرآنية، أمام بنية العلم أو بنية العقل كما كانوا يستخدمونها في العصور الوسطى أو التي قبلها.. قانون العقل يقول لك إن الشيء لا يكون، يعني انعدام حالة التناقض في حال الشيء، بمعنى أنت لا تكون موجود الآن في (بغداد) وفي (الدوحة) في آنٍ واحد، العقل لا يقبل هذا القانون، من قوانين العقل الإنساني. قانون العقل يقول لك أنت ماهر وليس غيرك، هو هو  أنت هو هو، لا يقبل النقيضين، لا أستطيع أن أقول أنت واقف جالس الآن.. هذه من قوانين العقل بنية بأن القانون العقلي يقوم على هذه البُنى من المعطيات المنطقية. نأتي إلى القرآن الكريم يمتلك بنية لا يمكن أبدًا إذا أخضعت للتجربة، وإذا أخضعت للتفكيك المعرفي والعلمي لا يمكن أبدًا أن نجد فيه تناقضًا.. نجد البنية الداخلية له متماسكة بدليل النقل وبدليل العقل، دليل النقل ما هو؟ {لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} الآن المنطق يقول لك أوجد لي الاختلاف في هذه البنية المعرفية القرآنية حتى أنا أكون يكون هذا القرآن في معزل..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

اسمح لي..

د. جاسم الفارس [مكملاً]:

اسمح لي القضية مهمة جدًّا في هذا الموضوع، القضية الأخرى فيما يتعلق بالقرآن الكريم هنا كبنية معرفية، القرآن طرح نفسه كمشروع تجريبي هائل منذ أن نزلت {قل لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا} وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. مشروع تجريبي قائم، قالوا مفترى.. أساطير الأوليين إلى آخر الأوصاف التي ذكرها القرآن الكريم عن القرآن {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا شهداءكم من دون الله} إلى آخر الآيات التي تصفه.. نزل التحدي ونزلت التجربة، تبسيط العملية التجريبية إلى حد السورة {فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين} وعجزت البشرية لحد الآن -مشروع- ونحن القرآن ما انتهى، ولا هذه الآية
نزلت حتى قريش تتحدى أو ما تتحدى.. العالم كله حتى يتحدى.

انظر هذه البنية بنية العلم، هذه قضية مهمة جدًّا، قوانين العلم كما هي سائدة اليوم أن المشاهدة والتجربة وما يخضع للملاحظة وما كذا.. هذا هو الموقف العلمي، وما يدخل المختبر هو هذا الموقف العلمي، وما عداه فلا، فبما أن الملائكة وأن الجن وأن كذا وعالم الغيب إلى آخره؛ لا تخضع للتجربة، فهي ليست إلا أفكار من صنع البشر وهذه خارج دائرة منظومة العلم.

نأتي إلى البنية المعرفية للقرآن الكريم، أو البنية العلمية في القرآن الكريم لنرى.. القرآن الكريم ما تعامل مع المعرفة معرفة تجزيئية، إنما تعامل معها معرفة شاملة في إطار ما يسمونه وممكن أن نطلق عليه اصطلاح وحدة المعرفة. الموقف الطبيعي في القرآن الكريم أو الموقف الحسي في القرآن الكريم واضح جدًّا ورائع، والقرآن الكريم دفع العقل الإنساني إلى مشاهدة آثار الله وقدرة الله -سبحانه وتعالى- من أبسط الأشياء في حياة الإنسان من طعامه {فلينظر الإنسان إلى طعامه} إلى ملكوت السماوات والأرض.

ماهر عبد الله:

خليني \أستوقفك هنا قليلاً، عندي أخت على الهاتف من فترة طويلة، وسنعيد هذا السير والنظر، أنا متأكد أنه سوف يكون هناك نقاش، أخت (ليلى بن مكي) من تونس، أخت ليلى تفضلي.

ليلى بن مكي:

مرحبًا سيدي، مرحبًا بالأخ الكريم الأستاذ الحاضر، سؤالي هنا بما أننا نتكلم عن الإسلام، وعن وضع المسلم، أو تفسير هل.. يعني سؤالي هنا: هل ما يحدث الآن في الأمة الإسلامية وفي البلدان الإسلامية هو ناتج عن القرآن وما جاء فيه، أو سوء فهم المسلم بصفة عامة لهذا القرآن؟ إن ما يحدث من مجازر ومن مآسٍ في البلدان الإسلامية لهو مدعاة لأن نقف أمامه ولأن نسأل السؤال الكبير: مَنْ المسؤول هنا؟ هل أن القرآن هو المسؤول عن هذا؟ ونحن أن الغاية الأساسية من نزول هذا الكتاب الكريم -كما ذكر السيد في بداية الحصة- أن هذا الكتاب لا ريب أي لا شك هو هدى للمتقين، يهدي ويضع الناس على الصراط البيِّن وعلى الصراط المستقيم، ويهدي الإنسانية جمعاء تكون هناك كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم [كما يقول تعالى]: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} هل ما يحدث الآن في البلدان الإسلامية يعني دليل..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

مشكورة أخت ليلى، أنا أعتقد أن هذا بيرجعنا إلى صميم الموضوع، أنت تحدثت عن نظرية معرفية في القرآن الكريم.. الأخت عملت إسقاط تجريبي ملموس: هل القرآن هو المسؤول؟ أنا أعتقد هي ذكرت ما يحدث للأمة، ولكني أعتقد أنها تتحدث عن الجانب المزري لهذه الأمة، هل القرآن مسؤول عنه أم عدم فهمنا..

د. جاسم الفارس [مقاطعًا]:

بالتأكيد القرآن ليس مسؤول، القرآن كتاب هدى، القرآن كتاب محبة، القرآن كتاب عمل، القرآن كتاب تعاون، كتاب عدل.. المشكلة ليس.. القرآن الكريم لا يتحمل هذه المسؤولية، نحن المسلمين الذين نتحمل هذه المسؤولية، عندما ابتعدنا عن العمل بهديه، ابتعدنا عن العمل بهَدْي القرآن، تحول القرآن عندنا إلى كتاب نقرؤه بلا تدبر، القانون الأساسي في قراءة القرآن مسألة التدبر، نحن لا نتدبر القرآن إنما نقرؤه على عجل، نقرؤه ونبحث عن الصوت الجميل والمقام الجميل، ونقرؤه عندما يموت الميت، ونقرؤه كذا.. فهذا القرآن الكريم أصبحنا منشغلين.. ما يفعل فعله كما أراد الله -سبحانه وتعالى- لماذا؟ لأن القرآن الكريم طرح أهم قضية وأخطر قضية في حياة الأمة، هي قضية العلاقة بين الفكر والممارسة، وهذه من أكبر التحديات التي تواجه الحركات الفكرية..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

قبلها ما نشهده.. اسمح لي سؤال الأخت هنا أعتقد أنه في صميم موضوعنا في المقام الأول، يعني غالبية التطرف وغالبية الدم الذي سُفِك في العشرين سنة الماضية له علاقة بالإسلام بطريقة أو بأخرى، لا أقصد الإسلام كفكرة مجردة، لكن له علاقة بالمسلمين بأمة الإسلام.. وأغلب الذين يشاركون فيما يسمى بالتطرف الأصولي اليوم هم من الحريصين على قراءة القرآن، وبالعكس يكفروننا لأننا لا نقرأ القرآن كما يجب، فأين يحدث الخلل في تعامل هؤلاء مع النص القرآني؟

د. جاسم الفارس:

الخلل أنه عدم الانطلاق من القرآن الكريم في التعامل معه وفي التعامل مع الواقع، إنما ننطلق من رؤى جاهزة، من تصورات جاهزة، ومن قناعات جاهزة تشكلت  في ظل ظرف حضاري معين وفي ظل ظروف حضارية معينة، فلم تعد الآن كثير منها لم يعد قادرًا على استيعاب متغيرات الوضع الدولي.. أنت الآن تعيش في وضع دولي متعدد الأبعاد، متعدد الاتجاهات، متعدد المشاكل.. التحديات الإسلامية الآن يعني التحديات التي تواجه المسلمين تحديات كبيرة جدًّا، على العقل المسلم أن يستوعب هذه المسألة في ضوء القرآن الكريم.. هذه واحدة، القضية الأخرى في الإجابة على سؤال الأخت المهم، هذا السؤال يطرح لنا قضية الإيمان والمعرفة.. أن المسألة عندما أتكلم عن القضية المعرفية وأقول المعرفة والمفهوم وإلى آخره، أنا لا أقصد المعرفة بحد ذاتها، وإنما في الإسلام المعرفة والإيمان قرينان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فقد طرح القرآن هذه القضية في آية مباركة عندما خاطب المؤمنين في موقف يشبه من حيث الجوهر الآن الوضع الذي يعيشه المسلمون، قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كَبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} هذه قضية مركزية رهيبة تطرح قضية العلاقة بين الفكر والممارسة، بين الإيمان والمعرفة، المسألة ليست مسألة قول، هذه عظمة الإسلام، هذه عظمة القرآن الكريم، أنه لا يقبل منك الكلام إنما يقبل منك العلم والعمل إيمانًا متحركًا متجاوزًا الحاضر إلى مستقبل، وأنت في حالة بناء وإعمار بصورة مستمرة،  فالخطأ فينا وليس الخطأ.. القرآن الكريم يحمل قيمته الذاتية لكونه كلام الله، أما قيمته العملية نحن الذين نحدد هذا، إن استطعنا أن.. فيه حديث للنبي رائع في هذه القضية يقول عليه الصلاة والسلام: "من جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعل القرآن وراءه دفعه إلى النار".

ماهر عبد الله:

لنعد إلى الإخوة المشاهدين مرة أخرى، معنا الدكتو ر(أحمد هويس) من سوريا.

أحمد هويس:

السلام عليكم، تحياتي من سوريا من حلب، وأشكركم على إثارة هذا الموضوع الحساس حول القرآن الكريم كمصدر للشريعة ومن بغداد، وأدخل في الموضوع مباشرة.

ماهر عبد الله:

تفضل.

أحمد هويس:

القرآن دستور الله لبني البشر بني آدم وحواء، ويشتمل على الشريعة وعلى فلسفة العقيدة والإيمان، فهو دليل عمل صالح لكل زمان ومكان لجميع المسلمين، خزينة علم الله، كتاب مكنون في لوح محفوظ {ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} فهو حبل الله المتصل الذي يربط الأرض بالسماء ويربط العبد بالمعبود، هو العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ويأمرنا الله بالاعتصام به على الأقل حتى نتوحد كأمة {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} ومنه نستمد قيم الهداية والعقيدة والمحبة والسلام.. فالقرآن إذن دليل عمل لخليقة الله.. بل نقول لخليفة الله آدم {إني جاعل في الأرض خليفة} وللخليقة من بعد آدم على الأرض خاصة الإنسان المؤمن الذي حمل الرسالة والميثاق في الاستخلاف، فالقرآن إعجاز الله على الأرض لأنه ثابت.. هذه نقطة أساسية إخواني ركزوا لي عليها.. القرآن كمصدر ثابت، ونحن نختلف في الفهم وفي الشرح وفي التفسير وفي التأويل الذي هو أصعب رتبة.

دليل الإعجاز العلمي في القرآن والإعجاز العددي أن العقل البشري مهما تطور وتثقف لا يمكن أن يستوعب ما يريده الله في العبارة القرآنية {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وهو محيط {قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} فالقرآن خزينة علم الله لتنظيم حيوات البشر على كافة العصور، إن في العبادات، وإن في القوانين الناظمة في علاقات الناس لإنفاذ مقاصد الشريعة.. أعيد لإنفاذ مقاصد الشريعة في أخلاق الناس، ومعاملاتهم ومعاملات الدول..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

دكتور أحمد مشكور جدًّا، نسمع تعليق الدكتور جاسم عليها، أنا أعتقد أثارني أو أثار لدي الفضول على سؤال عندما قال إن هناك تفسير وشرح للقرآن ويمكن للكثيرين أن يأتوه، لكن العملية الأعقد هي ما يسمى بالتأويل، هل أنت تتفق معه في هذا الطرح؟ إضافة إلى..

د. جاسم الفارس [مقاطعًا]:

أيضًا هذا في نفس إطار القضية التي نحن بصدد مناقشتها أن المسألة ليست اعتباطية، وليست ذاتية، وليست انتصار لموقف معين، لا، في قضية التعامل مع القرآن تأويلاً تفسيرًا إلى آخره، أو الوصول إلى الحقائق، أو بناء النظريات، أو بناء العلوم، أو التعامل مع القرآن الكريم.. علينا أن ننبه -أيضًا- إلى مسألة مهمة جدًّا بوصفنا مسلمين، أنا لا أبحث في القرآن الكريم عن تبرير أو عن مسوَّغ أو عن سند لرأيي ولقضيتي، أنا لا آتي وأطرح رأيي وأبحث لي عن مسوَّغ له في القرآن الكريم، لا، إنما أنا أنطلق من القرآن الكريم في بناء فهمي، واكتشاف قوانين إدراكي للعالم.

ماهر عبد الله:

إجرائيًّا مولانا، كيف؟ العملية لا تستقيم لأن أنا في القرن الواحد والعشرين اليوم تطرأ لي القضية فأريد منها موقفًا فأعود للقرآن، أنا أبحث عن موقف.

د. جاسم الفارس:

نعم، تبحث عنها في القرآن.. هناك فرق أستاذ ماهر بين الحقيقة وبين النظرية أو بين الموقف الإنساني، في هذه المسألة التي ذكرت أنا معك فيه حقائق.. عندما أكتشف من حقائق الكون، ومن حقائق من الإنسان من كذا فلا بأس أن أستعرضها أمام القرآن الكريم. أما في المسائل الاجتماعية وفي الآراء السياسية والاقتصادية وإلى آخره، فأن أجي أضع الرأي وأبحث عن مبرر له.. هذا الذي ذكرت لك في البداية في القراءة العضينية للقرآن الكريم، أنا وضعت موقفًا سياسيًّا معين ودافعت عنه من خلال القرآن الكريم هذا لا يجوز، بالنسبة لدليل عمل..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

دليل العمل الصالح.

د. جاسم الفارس:

نعم، دليل عمل.. هو حوارنا يا دكتور أحمد حوارنا مع المسلمين في هذا الموضوع، دليل العمل هو المنهج،أ نا قلت في البداية دليل العمل هو المنهج، أو المنهج هو دليل العمل للعقل الإنساني.

ماهر عبد الله:

أنا أعتقد كان متفق معك.

د. جاسم الفارس:

متفق أنا معه، ولا توجد مشكلة معه.

ماهر عبد الله:

أريد أن أسألك عن سؤال ثانٍ قاطعناك عنه من قبل عن السير والنظر، هناك قصص -أحيانًا- في القرآن الكريم، هي -طبعًا- لم تذكر اعتباطًا ولا عبثًا، وأنا أعتقد يواجهها العقل المسلم اليوم بعض التحديات.. أبو البشر وأبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، أحد آبائنا الكبار ليس أبونا المطلق.. قصته في البحث عن الله كانت متميزة بعض الشيء، وأنا أعتقد أن فيها دلالات للعقل المسلم، سأل أسئلة محرمة اليوم في الإسلام في القرن الحادي والعشرين.

د. جاسم فارس:

نعم، إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم أنموذج رائع جدًّا إذا تكلمنا عن النموذج المعرفي الإسلامي لأن القرآن الكريم -نحن بصدد التأكيد على هذا البعد المعرفي والإيماني - أكو [يوجد] في القرآن الكريم نموذجين للمعرفة: نموذج إسلامي ونموذج غير إسلامي مطروحين أمام البشرية، أن تختار أحدهما هذه مسألة خاصة بمن يختار، لأن الله -سبحانه وتعالى- قد قال.. أكد حرية الإنسان في اختياره للعقيدة، فحرية الاختيار والالتزام بهذا الاختيار يترتب عليه مسؤولية وجزاء، هذا منطق العقل الإنساني يقبل هذه القضية، فأرجو أن لا يعترض في القرآن الكريم.. أنت عندما تعمل، عندما كذا، فأنت اخترت هذا العمل تتحمل مسؤولية هذا الاختيار، تثاب.. منطق العمل يوجب الإثابة.

نموذج المعرفة  الإسلامي معطياته واضحة جدًّا من خلال أوامر الله -سبحانه وتعالى- الواضحة ونهيه عن كثير من المسائل، إضافة إلى هذا أن جاءت المعرفة الإسلامية من خلال نماذج استعرضها الله -سبحانه وتعالى- للبشرية كي تستنبط منها قوانين عمل بشكل مستمر على طول التاريخ الإنساني. النموذج المعرفي الآخر دنيوي سَمِّيه غير الإسلامي.. النموذج الدنيوي هذا الذي اختار الحياة الدنيا بكل معطياتها بكل زينتها اختارها، القرآن الكريم أقر حقيقة وهي أن {قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} مؤشرات الحق والحقيقة التي جاءت من الله -سبحانه وتعالى- صافية أنت تلتزم بها وتعمل بها وتسير في هديها وصولاً إلى مرضاته.
الجانب الآخر من المعرفة، الله -سبحانه وتعالى- اختاره لنا دروسًا معرفية ودروس تربوية ودروس أخلاقية لاستنباط العديد من القيم والسلوكيات والتصورات للعالم.

الآن النموذج المعرفي الإسلامي يتمثل في مستويات.. في مستوى في القرآن الكريم -من خلال قراءاتي – قلَّ من انتبه إليه، مستويات القول في القرآن الكريم فيها تعامل مع العقل الإنساني، أنا سأقول لك كيف؟ في كثير من الأحيان احترام، وفي كثير من الأحيان في أحيان أخرى تحذير للإنسان من هذا النمط من التفكير.

أعطيك أمثلة.. أرقى نموذج الله -سبحانه وتعالى- أعطانا هو إبراهيم -عليه السلام- في قضية العمل العقلي، في قضية إدراك العالم، في التعبير عن وحدة المعرفة بالمنظور الإسلامي القرآني، فإبراهيم عليه السلام وهو يبحث عن الله -سبحانه وتعالى- بحث علميّ بكل معنى الكلمة، وإيمانيّ في نفس الوقت {وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قومي إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين}.

نتأمل، لنتدبر بلغة القرآن الكريم.. لنتدبر هذا الموقف، إبراهيم -عليه السلام- يبحث عن الله بحث عقلانيّ هائل جدّ، اكتشف الله، إبراهيم عرف الله -سبحانه وتعالى- من خلال بحث شاق، وكان الله يعينه في هذه القضية لأنه قد أعطاه الرشد من البداية {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل} أعطاه الرشد فاستخدم هذا الرشد استخدامًا هائلاً جدًّا في البحث، هذه المسألة كان يحاجج بها القوم من خلال الآن ما نسميه علميًّا فرضية
علمية، خلي أفرض أن هذه القضية كذا أو ليست كذا وأريد أشوف من خلال البحث هل هي صحيحة أم خطأ؟

إبراهيم عليه السلام افترض أنه شاف الكوكب بازغ قال لك هذا ربي، خليه يفترض هذا ربه، وإذا بعد فترة شاف التغيروأن هذا لا يمكن أن يكون ربّ هذا يطلع الآن ويغيب.. العقل الإنساني ما يقبل إشي ظاهرة أن تكون إله، وإذا يفاجأ بالقمر يمكن في يوم وهو بدر، فقال لك هذا جميل ومضيء في يوم صحو، قال لك هذا ربي، وإذا يكتشف يقعد الصبح ما يدوَّر عليه أو بعد فترة إيجي شاف أيضًا رأى التحول والتغير على حاله وكذا، فأيضًا قال لا، هذا لا يمكن أن يكون إله، أيضًا نفس المسألة رأى المسألة أكبر مع الشمس.. مثل هذه الافتراضات لوما هذا هذا، ولوما هذا هذا، وصل العقل من خلال عمليات التفكير المنطقية أنه لا يمكن أبدًا إلا أن يكون الله -سبحانه وتعالى- إذا ما الله يهديني، هنا شوف هنا المعرفة والإيمان متلازمان مع بعضهم، عرف من خلال الإيمان والمعرفة المقترنين مع بعضهم استطاع أن يصل إلى {إني وجهت وجهي} هذا خلاص معرفي وخلاص إيماني عظيم مقترنين {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين}. شوف النموذج مع إبراهيم لو سمحت، أنا عاشق لهذه القضية، إبراهيم -عليه السلام- شوف القرآن الكريم وصف الإسلام أنه هو أبو المسلمين {هو سماكم المسلمين} أي انظر جهد إبراهيم، هو سماكم المسلمين، ماكو أحد [ما في أحد غيره] سماكم، هو سماكم المسلمين، الصفة الإبراهيمية.. العقلية الإبراهيمية.. المنهج الإبراهيمي، ينبغي أن يعيشه العقل المسلم بمنتهى الوعي وبمنتهى العمق والفاعلية في إطار رؤيته إلى الواقع المعاصر.

انظر إلى إبراهيم عليه السلام وكيف حاجج (النمرود) قال له: إن ربي يحي ويميت قال: أنا أحيي وأميت، كذا يتصور أن الموت والحياة هي مسألة سيف أو طلقة أو كذا {قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهت الذي كفر} هذه أمامك قوانين الكون منظمة بهذه الطريقة ومن ضمنها قوانين الحياة.  

ماهر عبد الله:

أنا أيضًا عاشق لقضية إبراهيم -عليه السلام- معنا الأخ (أمير جابر) من هولندا، أخ أمير تفضل.

أمير جابر:

شكرًا يا أخي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية إجلال وإكبار للأخ ماهر وللدكتور جاسم الفارس في هذا الموضوع المهم، حيث إن الله -عز وجل- يقول: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} أي بمعنى أن القرآن محفوظ من قبل الله -عز وجل- ولكن ما نرى أنه للأسف كما تفضل الدكتور في العصور المتقدمة خاصة في عهد الدولة الأموية، ولأغراض سياسية وضُعِت كثير من التفاسير التي قد تخدم جهات معينة، وهذه التفاسير أو بعض الآراء أصبحت حجة بحيث لا تناقش، وإن تعارضت أساسًا مع القرآن.. مثلاً الله -عز وجل- يقول: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} يأتي حديث ويقول: "أطع أميرك وإن جلد ظهرك، وإن أخذ مالك".. هذه الأمور ربما أنه يتصدى لها بعض العلماء، وعامة الناس لا تفهم مكنون القرآن، والقرآن حمَّال أوجه، فاستخدم القرآن كثيرًا ما لنصرة فكرة معينة سواء أكانت سياسية أو غير سياسية.. مسألة الشفاعة -مثلاً- نفي الشفاعة يأتي التفسير الظاهري للقرآن ويأتي بعدة آيات ويسقطها في هذا الجانب، وعامة الناس لا تفهم، أو مثلاً يُكَفَّر مجموعة من الناس ويأتي بالآيات التي تنطبق على الكفار، ويسقطها على المسلمين وعموم الناس ويأتي ويقول: الله يقول هؤلاء كذا كذا كذا، وهذه مسألة خطيرة جدًّا.

نقول نحن وبما أننا نعيش في عصر الكمبيوتر واستخراج الآيات بسهولة جدًّا، هناك تفسير أشار إليه العلامة الشيخ (محمد باقر الصدر) وهو التفسير الموضوعي للقرآن أي موضوع معين -مثلاً- واستخراج الآيات، وتفسير القرآن بالقرآن، فما رأي الدكتور الفاضل في هذا المجال؟ وجزاكم الله خير الجزاء.

ماهر عبد الله:

معي الأخت (أسماء ملكاوي) من قطر، أخت أسماء تفضلي.

أسماء ملكاوي:

السلام عليكم، أنا عندي مشاركة مستوحاة مما ذكرته بعض كتب التفسير للواقع الملفت للنظر، حيث سمع أحد الصحابة من قبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن حدثًا مروعًا سيصيب الأمة الإسلامية وهو تبخر العلم، فاستغرب الصحابي من ذلك طالما أن القرآن الكريم سيكون موجودًا بين أيدينا يقرؤه المسلمون جيلاً بعد جيل، وينقله المسلمون جيلاً بعد جيل، فأخبره الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أن هذا سيحدث للأمة الإسلامية رغم وجود القرآن الكريم بين أيديها. وعلَّل الرسول الكريم ذلك بسبب تعطل العقل، وعندما يتعطل العقل فإنه لا يستطيع الاستفادة من أعظم الكنوز والدرر، فتصبح الكتب كالأوراق المتناثرة تفقد قيمتها الإحيائية للعقل، وهذا دليل والله أعلم ما نبأ به الرسول -عليه الصلاة والسلام- عندما قال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنة نبيه"، وبما أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- وكما هو معروف لم يفسر إلا الجزء اليسير من القرآن الكريم، حيث لا يتجاوز الواحد بالمائة.. أظن أن هذه هي الحكمة من استمرار دعوة الرسول الكريم للاستمرار بالتمسك بالقرآن الكريم، حماية لنا من الضلال، فهو المنهج الشمولي الذي يمتد بنا عبر الزمان والمكان، ونحن لسنا بحاجة إلا إلى إعادة قراءة متجددة له تعيده للحياة وتعيد الحياة إليه، هذه القراءة المتجددة لا تكون إلا بمنهج تكاملي تستفيد منه كافة العلوم ليس فقط العلوم الشرعية.

وسؤالي هنا ونحن نتفق مع حضرة الدكتور جاسم ومع ما ذكرته كتب الفكر الإسلامي التي تحدثت كثيرًا عن هذا الموضوع وهو إعادة قراءة القرآن الكريم قراءة متجددة، ولكن سؤالي: كيف نعيد هذه القراءة؟ وبعض علماء الشريعة الإسلامية لا يتقنون بعض علوم العصر الحديث بل حتى لا يعترفون أصلاً ببعضها الآخر، أرجو من الدكتور جاسم أن يجيبني عن هذا السؤال، شكرًا جزيلاً.

ماهر عبد الله:

مشكورة يا أخت أسماء، إن شاء الله تسمعين جوابًا على هذا السؤال.

د. جاسم الفارس:

بالنسبة .. أجمع الإجابة عن السؤالين أنا كان بودي أستعرض آيات السير والنظر، وفي ذهني التفسير الموضوعي لأننا نحن بحاجة إلى التركيز، أدعو طلاب العلم ودراسات القرآن الكريم، طلاب العلوم الاجتماعية، طلاب العلوم التطبيقية.. الطب..إلى آخره، إلى أن الكل يعمل في دائرة التفسير الموضوعي مستفيدًا من القرآن الكريم لأن القرآن الكريم لم يفسر بعد التفسير الذي ينبغي أن يفسر به في ظل العصر، ولا يخدم القرآن الكريم ولا يخدم المواطن المسلم الإنسان المسلم مثل التفسير الموضوعي لأن التفسير التجزيئي أعتقد أصبح متعب بالنسبة للإنسان المعاصر وعلينا.. دون أن يتصور البعض أنه دعوة إلى إلغائه، أستغفر الله أن أقول هذا، ولا يمكن أن أقوله، إنما فقط أن الدور الحضاري والوظيفة المعرفية الإيمانية ينبغي الآن أن تكون في دائرة التفسير الموضوعي. أما بالنسبة للأخت أسماء..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

قبل الأخت أسماء، هو ذكر قضيتين أنا أعتقد أنهما مهمتين: الأولى في توظيف القرآن لأغراض، وأن هذه مظاهر مازلنا نعاني منها، القضية الأخرى: هي التفسير المرحلي، سؤالي إليك لو أني استأذنت من الأخ أمير: إلى أي مدى يمكن لنا أن نتوقف عند تفاسير من سبقونا؟ بلا شك أنهم كانوا ذوي علم، ذوي إيمان، ذوي اطلاع، ربما كان بعضهم أقرب عهدًا بالنبوة وجيل الصحابة، إلى أي مدي نقف عند تفسيرهم وبالتالي جرأتنا على تقديم أطروحات جديدة؟

د. جاسم الفارس:

أقف عند حدود -القضية واضحة- أقف عند حدود اللغة بدرجة رئيسية لأن كل التفاسير السابقة صبت جهدًا كبيرًا جدًّا على الجانب اللغوي وعلى البعد
اللغوي، بحيث أننا الآن لو أردنا أن ندرس بلاغة القرآن الكريم فـ(الزمخشري) وغير الزمخشري و(الخطابي) إلى آخره يمدونا بمعلومات كثيرة جدًّا وهائلة في البعد البلاغي للقرآن الكريم، وتوضيح أبعاد إعجاز القرآن الكريم..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

ما كانش قصدي نهذا، هي بلا شك كنوز ويجب العودة إليها، كان سؤالي -لو قلت حرفيًّا شيئًا ما- كم هي ملزمة لي؟

د. جاسم الفارس:

أنا بالنسبة لي أقول لك إنها ليست ملزمة، إلا في إطار أن أطَّلع على خبرتهم في التعامل مع النص القرآني، في إطار ظرف معين وزمان معين، خبرة إنهم يمدونا بالخبرة، وإلا فما أنا بملزم أن أفهم، الآن أتعامل مع القرآن الكريم في عصر العلم هذا في عصر الإنترنت، في عصر الفضاء، في عصر الذرة، في عصر كذا، في عصر البحوث، في عصر الدراسات المتعددة، أنا ما أستطيع أن أتعامل مع رؤية للقرآن الكريم تشكلت في القرن الأول الهجري، لأن هذا عصر تحكمه قوانين اجتماعية معينة، قوانين حضارية معينة..

ماهر عبد الله [مقاطعا]:

حسنًا، كيف ترد على من يقول لك: إنهم كانوا أكثر صلاحًا منا، أكثر تقوى منا، أكثر تخصصًا منا؟

د. جاسم الفارس:

أيضًا هذه نظرة لها بُعد سياسي، أنا لم أتعامل بها لأن التفصيل فيها يسبب المصائب، أنا لا أريد أن أطرح المسائل الخلافية، أنا ضد الخلافيَّات، إنما أنا أتعامل مع ما هو موضوعي، ما هو عقلاني في القضية، إن القرآن الكريم، أنا أستند إلى القرآن الكريم.

القرآن الكريم رفض أن يجعل من الماضي -مثلاً- أو نجعل من الماضي مرجعا إذا ما اختلفنا وإذا ما احتجنا إلى كذا، معرفة أو حل قضية معينة أن أرجع إلى الماضي، لأن القرآن الكريم دعاك إلى تحمل مسؤوليتك ابن الآن {كل نفس بما كسبت رهينة} {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}.
أنا أمة.. هذيك الأمة أنا أتباهى بها، أعتز بانتمائي إليها، وأتشرف كل الشرف أنها عاشت أمانة العمل مع القرآن الكريم، عاشت القرآن وأوصلته لنا بحفظ الله -سبحانه وتعالى- قدمت حلول لعصرها في ظل المتغيرات اللي كانت قائمة، ومستمدة من الثوابت القرآنية قدرة على استيعاب المتغيرات، هذا معنى أن القرآن يصلح لكل زمان ومكان.. أنا لا أردد أن القرآن يصلح لكل زمان ومكان وأنا لا أفهم حركة التاريخ..

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله:

دكتور جاسم لو عدنا لسؤال الأخت أسماء، سؤالها مربوط بسؤال الأخ أمير، وأنت أجبت عن جزء منه حينما تحدثت عن القراءة الموضوعية، هي تقول: الكثيرين يطالبون بإعادة قراءة القرآن الكريم، كيف يمكن أن تتم هذه الإعادة؟ تفاسير جديدة، نظرات جديدة؟

د. جاسم الفارس:

لا، بالتأكيد تكون هذه القراءة في البدء.. خلينا نعرف قضية مهمة أن القرآن الكريم أول من طرح القراءة على أنها علم وليست هي عملية مطالعة هامشية، أو ملاحظات هامشية لما هو مكتوب أو لما هو مشاهد، لأن القراءة هي عملية معرفة لنص سواء كان هذا النص مكتوب، مسموع، مشاهد.. الكون نفسه مخلوق لله سبحانه وتعالى، فالقراءة قراءة كون وقراءة نص مكتوب لأن الاثنين من الله سبحانه وتعالى.. هذه المنهجية مهمة جدًّا أن أقرأ القرآن الكريم في ضوء الكون، وأقرأ الكون في ضوء القرآن الكريم، حتى أقرأ الكون في ضوء القرآن، أحتاج إلى استيعاب للقرآن الكريم استيعاب عميق، وحتى أقرأ القرآن الكريم في ضوء الكون أحتاج إلى معارف العصر: فيزياء، كيمياء، طب وإلى آخره من العلوم والمعارف التي تعين على إدراك القضية القرآنية، إذن القراءة هنا تعتمد بالدرجة الرئيسية على المنهج الذي يقدم لنا القراءة الصحيحة والقراءة الفاعلة والكفؤة للقرآن الكريم وللكون.

ماهر عبد الله:

لو عدتُ بك، رغم أنه.. دعني في هذا السؤال، ففي النفس بقية شيء، سؤال عن الكيفية، عن هذه، هل هناك آلية معينة تقترحها أنت؟ أنت لا تريد مجرد مطالعة، نعم مطلب شرعي، لكن إذًا كيف نقترب من القرآن؟

د. جاسم الفارس:

كيف نقترب من القرآن؟ باستيعاب النسق الحضاري، باستيعاب المعطيات العلمية، باستيعاب المعطيات المعرفية، باستيعاب الإنسان ووظيفته، باستيعاب المؤسسات على مختلف أشكالها يجب أن تستوعب هذه، وأوجه حركتها وأوجه مسيرتها استنادًا للقرآن الكريم، هذه هي القراءة.. أنا أقرأ الواقع، أعطيك مثل، خليني أحجي [أتكلم] بالأمثلة حتى تكون أكثر دقة.. أعطيك مثل على السوق الإسلامية، أنا أريد أوجه السوق الإسلامية توجيه إسلاميّ، أنا أقول السوق الإسلامية هكذا وأنا أقصد السوق السائدة الآن -مثلاً- في مجتمعات الوطن العربي -على سبيل المثال- السوق الإسلامية، وعندك سوق رأسمالية.. لكل من السوقين ضوابط أو بنية قيمية معينة عدا آليات العمل الاقتصادي، عدا المنافسة، عدا الاحتكار بأشكاله المتعددة إلى آخره. قبل هذا هناك بنية قيمية توجه آلية عمل السوق الإسلامية، البنية القيمية في السوق الرأسمالية أو السوق غير الإسلامية ثلاث بُنى رئيسية: الفردية، الأنانية، اللذة.. يعمل السوق كله في ظل هذا التوجه الفلسفي.

الفردية فلسفة الرأسمالية، تقديس الملكية الفردية والدفاع عنها، ورأس المال يتصرف في إدارة الحياة في كل دقائقها، بينما هذه المسائل وكل هذه القيم مرفوضة إسلاميًّا لماذا؟ لأنها تتعارض مع أبسط قيم الإسلام، الآن كيف أوجه السوق الإسلامية مستندًا في قراءتي للقرآن الكريم، أو مستمدًا من قراءتي للقرآن الكريم؛ القيم التي تبني سوقًا إسلامية تتصرف في ظل الهدي الإلهيّ، .. [أجد]التوحيد، عندي العدل، عندي الاستقامة، عندي التقوى، عندي الأخوة، هذه قيم لو نأتي إلى مضامينها العملية سترى أنها كلها توجه النشاط الاقتصادي وآلية عمل الاقتصاد بطريقة كفؤة وعادلة.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله:

نبهني بعض الإخوة على أن إشارة الدكتور للظاهرة العضينية هي حقيقةً إشارة للظاهرة العضينية بالضاد، لأن الكلمة الواردة في القرآن هي بلغة الضاد بالضاد بالحرف الذي يميز هذه اللغة، أنا أخذتها من الدكتور مسلمة لأنني معتاد على اللهجة العراقية، فشكرًا للمنبهين، وأرجو أن يكون حصل الوعي المقصود بها أنها إشارة إلى قول الله تعالى: {الذين جعلوا القرآن عضين}، فالاحتجاج على القراءة العضينية للقرآن وليس العظينية كما يردد إخوتنا العراقيون، معي هاتف من المغرب الأخ (محمد إسماعيلي)، أخ محمد تفضل.

محمد إسماعيلي:

السلام عليكم، تحياتي لك يا أخ ماهر ولضيفك الكريم الدكتور جاسم الفارس، وتحيات كبار لشعب العراق المسلم الصامد وأشكركم على هذا الموضوع الهام، وأتمنى منكم تخصيص حصة أو حصص أخرى له، أعتقد -أخي الكريم- أن مشكلتنا نحن المسلمين من جهة نلقي بكل مشكلاتنا وأزماتنا على الغير، إما تحت شعار مؤامرة أو شعار الهجوم على الإسلام، ومن جهة أخرى نحاول أن نبرز بعض تصرفاتنا ومواقفنا من خلال بتر آيات من القرآن الكريم عن سياقها وعن مكانها.. فباسم آيات مبتورة من القرآن تم الصلح مع العدو الصهيوني المغتصب، وباسم بعض آيات مبتورة من مكانها التقى شيخ الأزهر بالعدو الصهيوني، وباسم آيات أخرى..

ماهر عبد الله [مقاطعًا[:

أخ محمد ارفع صوتك فصوتك ضعيف.

محمد إسماعيلي [مكملاً]:

يأتي عدونا وعدو الله إلى بلادنا ليقتل شعبنا المسلم في العراق، ويفرض عليه حصار غاشم، وباسم آيات أخرى يتم تكفير مسلمين وهدر دمهم، وآيات أخرى ظلموا بها المرأة إلى غير ذلك.. سؤالي للدكتور جاسم: كيف يمكن أن تكون هنالك قراءة موضوعية إذا كنا نسقط نحن آراءنا على القرآن، أي كما قلت أنت آخذ موقف وبعدين أشوف له تبرير في القرآن، شيخ الأزهر بيقول: {وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها}..

ماهر عبد الله [مقاطعًا]:

يا أخ محمد إذا سمحت لي وتكرمت عليَّ أنا أعتقد أن السؤال واضح، وما فيش داعي لذكر أسماء وتخصيص، فليس هذا موضوع الحلقة، نحن نريد أن نكون منهجيين كما يصرُّ الدكتور الذي أبديت إعجابك به، فمشكور على.. السؤال أعتقد أنه واضح، ونعتذر عن أي إساءة بدرت.. معي الدكتور(محمد عياش الكبيسي) من قطر، دكتور محمد تفضل.

محمد عايش:

السلام عليكم، أحييك يا أخ ماهر، وأحيي أستاذي القدير دكتور جاسم وأُحيي أطفال العراق أيضًا، وأنا أشهد أني اليوم تتلمذت على يد فضيلة الأستاذ الدكتور بارك الله فيه.. عندي -في الحقيقة- رؤية ربما يشاركني فيها الدكتور أن النظرية التي جاء بها القرآن الكريم -نظرية المعرفة- ممكن أن نقول إنها تعتمد على ثلاثة أسس: المحافظة على النص، التدبر العقلي، والاستشفاف الروحي، فالنص والعقل والروح ثلاث دعائم لنظرية المعرفة في القرآن الكريم، أستشهد على ذلك بعدد كبير من الآيات من مثل قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لأولي الألباب} {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} الربط بين النص وبين العقل من ناحية، ثم من مثل قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} فالمجاهدة في سبيل الله طريق إلى الهداية، وهذا معناه أن الروح في جانب المعرفة القرآنية ركن من أركان المعرفة، والأمة التي تريد أن تنهل من القرآن حقًّا عليها ألا يطغى فيها جانب من هذه الجوانب على الجانب الآخر. فالمحافظة على النص باللغة التي نزل بها القرآن الكريم، والمحافظة على العقل، وإعطاء العقل مكانه في تدبر مقاصد القرآن الكريم وأهدافه القريبة والبعيدة، ثم العمق الروحي واستمداد الهداية من الرب الكريم تبارك وتعالى.

عندي -الحقيقة- إشكال ورد على لسان أستاذنا الدكتور جاسم لما تكلم عن سيدنا إبراهيم، قال إن إبراهيم كان يبحث عن الحق عندما رأى القمر ورأى الشمس  وكذا، وفي تقديري هناك إشكال ورد في قوله تعالى: {فلما أفلت} فهل يا ترى أن سيدنا إبراهيم الآن عرف أن الشمس تأفل أو أن القمر يأفل الآن، أم هذه معلومة سابقة؟

ففي تقديري -والله أعلم- أن إبراهيم عليه السلام هو يعرف هذه الحقيقة مسبقًا، ويعرف أن الله ربه مسبقًا، لكن أراد أن يقيم الحجة ويعلم الناس المنهج الصحيح البحث العلمي والعقلي، مجددًا أشكر أستاذي الذي تتلمذت عليه اليوم، وأشكرك أخ ماهر، وتحية مرة ثانية لأطفال العراق، والسلام عليكم.

ماهر عبد الله:

مشكور، أعتقد أن أي شيء له علاقة خارج الموضوع مش حندخل فيه، الأخ محمد عياش يسألك: كيف تطالب بقراءة موضوعية وأنت ترى أننا في المرة تلو المرة نلقي بمواقفنا على النص ونحمله هذه المواقف؟

د. جاسم الفارس:

بالتأكيد مادة القراءة هو النص القرآني هذه مسألة بديهية، نحن نقرأ القرآن، الكيف أننا نعتمد منهج القرآن في التعامل مع القرآن الكريم، أن نحافظ على سياق
النص، وهذه مسألة مهمة أثار إليها أحد هؤلاء المتكلمين، وهذه إشارة رائعة
جدًّا -سياق النص- نحن لا نجتزئ من القرآن الكريم أجزاءً وآياتٍ لكونها نفس طريقة القراءة العضينية على اللفظ العربي نجتزئ آية معينة، ولا يغيب عن ذهننا أن الآية في سياق سورة، نحافظ على سياقات القرآن الكريم، سياق الكلمة في الجملة القرآنية، في الآية القرآنية، لأنه أحيانًا تأتيك الكلمة هنا في سياق فتعطيك دلالة، وهنا تعطيك دلالة أخرى.
شوف أكو [هناك] قضية جميلة جدًّا أشار إليها القرآن الكريم أيضًا إذا قرأناها قراءة معرفية مهمة، والأمثلة كثيرة، والموضوع من الطول والتشعب بحيث أنه يحتاج إلى..

ماهر عبد الله [مقاطعًا[:

بس أنا أريدك أن تكون مختصر فلم يتبق معي سوى دقيقتين فقط.

د. جاسم الفارس:

سأختصر في مثل واحد، أدعوا الإخوة المشاهدين معي الآن إلى تدبر هذه المسألة ليقرؤوا قصة أو أحداث بني إسرائيل في القرآن الكريم قراءة معرفية، كيف فكر
بنو إسرائيل في الشريعة، كيف فكروا مع الله؟ كيف فكروا مع الأنبياء؟ كيف فكروا في الواقع؟ يقفون أمام قضية، القرآن الكريم يشير إلى قضية خطيرة جدًّا مهمة في حياة بني إسرائيل أدَّت إلى تناحرهم وإلى تمزقهم إلى فرق، وإلى اتجاهات.. يجعلون.. عندما الآية تقول: {تجعلونه قراطيس} {ما قدروا الله حق قدره} قالوا {ما أنزل الله من شيء} إلى آخره، لما إيجا الله -سبحانه وتعالى- ويقيم الحجة عليهم، من أنزل عليكم التوارة؟ {تجعلونه قراطيس} عملية القرطسة هي شكل من أشكال هذا المنهج العضيني المرفوض، أن تقرطس الكتاب، أن تقرطس الشريعة، تظهر ما تريد وتخفي ما لا تريد، الإدانة، هذا الموقف، هذه القراءة المطلوبة وهي قراءة أخلاقية إسلامية.

ماهر عبد الله:

اسمح لي إنصافًا للأخ محمد عياش أنا أعتقد كانت مداخلته سنتفق معها المحافظة على النص، التدبر العقلي، لكن هو سألك سيدنا إبراهيم هل فقط عرف أن الشمس تغيب عندما رآها؟

د. جاسم الفارس:

لا، أنا قلت في البداية أنه كان يمارس عملا علميّا كان يفترض، افرض أن هذه الشمس هي الإله بغض النظر عن كونها تغيب أولا تغيب، خلِّي أفرض هذا الفرض من أجل أن أعيش حقيقة الموقف العبادي الذي يعيشه قومه، أصير مثلهم.. هذه موضوعية، هذه قمة الموضوعية بالنسبة لي عند إبراهيم عليه السلام.

ماهر عبد الله:

اسمح لي أن أشكرك، وأشكر باسمك الإخوة المشاهدين، أعزائي المشاهدين لم يبق لي إلا أن أشكر باسمكم الدكتور جاسم الفارس الأستاذ المساعد في الاقتصاد الإسلامي بجامعة صدام للعلوم الإسلامية. الحلقة القادمة ستأتيكم بإذن الله من بغداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.