مقدم الحلقة

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة

د. عماد الدين خليل، كلية الدراسات الإسلامية والعربية - دبي

تاريخ الحلقة

02/09/2001

- أهمية العقل النقدي في دراسة التاريخ الإسلامي
- أنماط مصادر التاريخ الإسلامي

- فلسفة التاريخ الإسلامي بين السرد والتحليل

- المنهج التاريخي في القرآن الكريم

- التجني على الدولة العثمانية في الكتابات التاريخية

- جدلية العلاقة بين الفكر والتاريخ

- صياغة التاريخ بين المنهجية والتأثيرات الخارجية

- التاريخ والعقيدة وتأثير كل منها على الآخر

عماد الدين خليل
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، سلام من الله عليكم وأهلاً ومرحباً بكم في حلقةٍ جديدةٍ من برنامج (الشريعة والحياة).

من لا يقرؤون التاريخ معرضون لتكرار أخطائه. ودورات الخطأ في عالمنا العربي أصبحت من القصر بحيث صرنا نكرر الخطأ في العقد الواحد، فضلاً عن القرن الواحد. من ناحية أخرى ثمة تيار كبير في هذه الأمة اليوم مغرق في العيش على التاريخ ولا يأمل أي حل مستقبل هذه الأمة إلا من خلاله، ليس هناك عقلية نقدية تتفحص تاريخنا، على الأقل لم تدرج بعد على العقل المسلم قضية الاقتراب من التاريخ والدخول إليه بعقلٍ ناقدٍ فاحص يجعله.. يحوله إلى أرضية لبناء الحاضر ولبناء المستقبل.

لمناقشة أهمية التاريخ وأهمية فلسفة التاريخ، سواء في فهم ماضينا والانطلاق إلى حاضرنا، أو لاستكمال مشروع الصحوة الإسلامية ومشروع الانبعاث الحضاري، لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي الدكتور عماد الدين خليل، والدكتور عماد الدين خليل معروف للكثيرين منكم فهو أستاذ التاريخ الإسلامي على مدار ما يزيد على ثلاثين عاماً في الجامعات العراقية، له مجموعة من الكتب في موضوع التاريخ وحول التاريخ، له "التفسير الإسلامي في التاريخ"، وله دراسة في السيرة، وله كتاب عن "مدخل عن إسلامية المعرفة" كما له دراسة في كتاب بعنوان "مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي"، وله كتاب حول إعادة تشكيل العقل المسلم.

الدكتور عماد الدين خليل أيضاً أستاذ في التاريخ الإسلامي هذه الأيام في كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، دكتور عماد الدين، أهلاً وسهلاً بك في (الشريعة والحياة).

د. عماد الدين خليل: أهلاً ومرحباً.

أهمية العقل النقدي في دراسة التاريخ الإسلامي

ماهر عبد الله: يعني سيدي، أنت تمارس التدريس الأكاديمي منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، أهمية العقل النقدي للمشروع الإسلامي، يبدو أننا يعني نميل إلى الحفظ وفي التاريخ نميل إلى الحوليات أكثر من الدراسات التحليلية، سواء في التاريخ أم في غيره، هل من المهم.. كم هو مهم أن نمتلك عقلية نقدية للدخول في مختلف جوانب الحياة؟

د. عماد الدين خليل: بسم الله الرحمن الرحيم، وأفضل الصلاة والسلام على رسول الله.

الحقيقة هذه المداخلة تثير جملة قضايا لكل من يعني بالتاريخ والفقه الحضاري وتأثير التاريخ أو فلسفة التاريخ. يعني فيما تثيره مثلاً ما سبق وأن ذكره المفكر الجزائري المرحوم مالك بن نبي -رحمة الله- الذي حذر من الهروب من الحاضر للاحتماء أو الالتجاء إلى التاريخ، والتغني بالأمجاد، وتحويل التاريخ إلى أنشودة رومانسية تغيبنا عن الحاضر وعن تحدياته، وما سماه.. ما سماه في وقتها "بعصر الميكانيك وتحديات الميكانيك"، والآن تحديات الإنترنت والتكنولوجيا في أقصى حالاتها تفوقاً وتقدماً، نحن بأمس حاجة إلى أن نكون في قلب العصر وأن نكون أيضاً للمستقبل، ولن يكون الانبعاث إلا بأن نركز أقدامنا في الأرض واقعاً، وأن نخطط ونبرمج لمستقبلنا، تذكرني أيضاً هذه المداخلة بخصوص العقل النقدي وضرورة التعامل النقدي مع التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالخطيئة الكبيرة التي وقعت فيها أكاديمياتنا وجامعاتنا ومعاهدنا -حتى في مراحل الدراسات العليا- من أنها أعطت المساحة الأوسع للتاريخ السياسي، وضيقت الخناق على الحلقة الحضارية في تاريخنا، بما أن التاريخ السياسي هو أضعف الحلقات في تاريخنا، والحلقة الحضارية الحركية الدعوية العقدية الاجتماعية هي الأقوى، فقد نكون قد أجرمنا بحق أنفسنا على مدى مائة سنة من العمل الأكاديمي في تدريس مادة التاريخ والحضارة عندما أعطينا المساحة الأوسع للجانب السياسي، وضيقنا الخناق على الحلقة الأقوى وهي الجانب الحضاري تثير أيضاً إشكالية أخرى أننا ونحن نكتب في التاريخ السياسي.. في تاريخنا السياسي، ونستمد من معطيات الآباء والأجداد، كنا نسرد في معظم الأحيان ولا نحلل أو نوغل فيما وراء الحدث بحثاً عن المغزى والمعنى بدأ أجدادنا الرواد والإخباريون والمؤرخون فيما بعدهم.. فيما بعدهم بتقديم التاريخ، ويمكن تكون تحديات حفظ الرواية من الضياع تقتضيهم أن يعنوا بالسرد وأن لا يوغلوا فيما وراءه باتجاه البحث عن المغزى وما يسمى اليوم "بتفسير التاريخ".

لكن ليس هذا قدر محتوم علينا وعلى الأجيال المعاصرة على مدى المائة سنة الأخيرة، وكان علينا أن ننتبه إلى أن السرد هو خطوة على الطريق، وأن إعمال العقل النقدي في الرواية ضروري جداً من أجل أن نفرز الصحيح من الخاطئ.
ماهر عبد الله: في.. في هذا الاتجاه، في هذه الوقفات يعني في كلامك أنا استوقفنى أيضاً.. يعني الإصرار على التاريخ السياسي مقصود، يعني لم يأتِ عفواً، لم يأتِ اعتباطاً، ثمة إحيائيين إسلاميين، إصلاحيين إسلاميين، يحاربون الكتب التي لا تتحدث عن التاريخ السياسي بحجة أن أغلب من كتبها هم من أبناء الأقليات الدينية، يعني كثيراً ما يرفض "العقد الفريد"، العقد الفريد.. صح ثمة جزء كبير منه سياسي، لكن أيضاً تعرض لجوانب..، عندما تذكر "ألف ليلة وليلة" لأنه البعض يحاول تحريمه وإخراجه من السوق. ماذا تقول؟

يعني أليس هناك صحة في وجهة النظر التي تقول أيضاً أن هذه الجوانب لابد من إغفالها في تاريخ الأمة؟

د. عماد الدين خليل: كتب التاريخ الأدب الحقيقة عندنا في سياق البحث التاريخي يعني مهزوزة في مروياتها، لأنها غير موثقة بما فيه الكفاية، ويذكر على سبيل المثال الأخطاء العديدة والمطبات العديدة التي وقع فيها أبو الفرج الأصفهاني في "الأغاني"، وصنوه في الأندلس ابن عبد ربه في "العقد الفريد".

والأبشيهي في "المستطرف" إلى آخره.

لكن هذا ليس هو النمط الوحيد المعتمد في إعادة دراسة وكتابة وصياغة تاريخنا الحضاري، هنالك سبع أو ثمانية أنماط أخرى من المصادر يمكن أن تصب في هذا الاتجاه وتمنحنا رؤية أكثر دقةً وموضوعيةً وعلميةً، لإعادة بناء تاريخنا الحضاري وتقديمه بالصورة الأفضل والأكثر مقاربةً.

ماهر عبد الله: لكن ما.. يعني.. في.. في توثيق الكتاب نفسه سواء كان ما ذكرت أم ما لا يذكر من كتب أخرى، يعني حتى الكتب المعتمدة المتفق على توثيق أصحابها مثل "البداية والنهاية" لابن كثير مثلاً، ثمة تشكيك أن البعض يريد أن.. أن يقترب من التاريخ بنفس المقاربة التي اقترب فيها من الحديث، هل.. هل.. هل هناك منطق لأن نعامل التاريخ بنفس الدقة في الرواية والدراية التي نعامل بها الحديث؟

د. عماد الدين خليل: يصعب هذا إلى حد كبير لأن منهج المحدثين..، صحيح أن التاريخ هو الابن البار للحديث، خرج من رحم علم الحديث، وعلم الحديث كان له افضل في تشكيل يعني جانب معرفي في حضارتنا ذو أهمية بالغة وخصوصيات، وهو الفقه التاريخي، فيما لا نجد يعني نجده بهذا النضج والخصب لدى أي أمةٍ أخرى، وبخاصة في سياق التراجم التي تشكل تقريباً 70% من مكتبتنا التاريخية، والتي تضم في ثناياها آلافاً مؤلفة من أبناء هذه الأمة، تحكي عن حياتهم، وعن معطياتهم، وعمن أخذوا، وعمن.. ولمن أعطوا.

فحقيقةً التاريخ يدين بفضل تشكله لمدرسة الحديث والمحدثين، لكن يبقى أن تنفيذ مناهج المحدثين على المرويات التاريخية سيضعنا في زاوية ضيقة جداً، بما أنه سيلغي الكثير من المرويات التي لا تقوم على إسنادٍ معتمدٍ أو صحيح. إذا كان المحدثون قد وافقوا -حتى في الحديث الضعيف، حتى على قبول الحديث الضعيف -في الإخبار، وفي آداب السلوك، وليس في العقيدة أو الشريعة فما لنا نحن لا نقبل منطق المحدثين أنفسهم فيما يتعلق بالمرويات التاريخية، وأن نأخذها قدر الإمكان دونما إعمالٍ صارم لتقطيع أوصالها؟ إذا حاولنا أن.. يعني أذكر على سبيل المثال أن الطبري اعتمد في معظم مروياته عن العصر الراشدي على اثنين، على راوي.. على إخباريين قدما جُلَّ ما قدمه الرجل عن عصر الراشدي، وهما: أبو مخنف لوط بن يحيى، وسيف بن عمر. وكلا الرجلين، في اتجاهيهما المتضادين مطعونٌ فيهما من قبل أهل الحديث، فإذا رفضنا روايات هذا وهذا لا يكاد يتبقى لنا شيء.

ماهر عبد الله: طيب سيدي..

د. عماد الدين خليل: فلابد إذن قدر الإمكان من قبول ليس النقد الخارجي وإنما إعمال النقد الداخلي في المرويات، لأنها الطريقة الأسلم في التعامل مع الخبر التاريخي.

[فاصل إعلاني]

أنماط مصادر التاريخ الإسلامي

ماهر عبد الله: سنعود للنقد الداخلي والنقد الخارجي لكتب التاريخ، لكن ذكرنا كتب التراجم، ذكر عرضاً كتب تاريخ الأدب، لكن أيضاً أنت ذكرت أن هناك أكثر من مصدر، ثمانية أنواع مختلفة من المصادر للتاريخ الإسلامي، باختصارٍ شديدٍ لأني لو..

د. عماد الدين خليل: باختصار شديد أيها الأخ الكريم هناك على سبيل المثال نمط يسمى بمصادر التاريخ، مصادر الجغرافيا والرحلات، ومصادر.. والتراجم، وكتب التاريخ المحلي ذات القيمة البالغة في تقديم تفاصيل الأشياء عن هذه المدينة أو الإقليم أو الدويلة أو تلك. هناك أيضاً مصادر الفقه، من حيث أن الفقه كان يومذاك يصنع الحياة ويصوغها، وتنزيلات الفقهاء كانت في فتاواهم وفي نوازلهم كما يسميها المغاربة، كانت تتابع قضاياً الحياة اليومية، فهذا المصدر الذي لم يعطى ما فيه الكفاية ممكن يقدم لنا إضاءة في غاية الخصب على الحياة الاجتماعية.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: خلينا.. كيف.. كيف.. كيف يمكن للفقه أن يكون مصدر إثراء تاريخي؟ يعني بشيء.. من.. من التفصيل.

د. عماد الدين خليل: بحيث أن الفقه كان يتعامل مع الحياة يوماً بيوم ودقيقةً بدقيقة، وأن الناس كانوا يسألون عن هذا الفقيه أو ذاك لحل هذه الإشكالية أو تلك، وكان الفقهاء يدخلون على الخط في إجابةٍ للناس على أسئلتهم، أو في تقديم معطيات كما فعل أبو يوسف في كتابه "الخراج" بتوجيهٍ من الخليفة العباسي لحل مشكلات الفلاحين والمزارعين، وإشكاليات جباية الخراج وعمله، فقد هذا الكتاب، وقدمت كتب كثيرة أخرى استجابة لمطالب اللحظة التاريخية في هذا السياق أو ذاك.

وبالتالي كان الفقه بمعطياته في هذا الاتجاه أو ذاك يلتحم بالحياة، يعيد صياغتها، وبالتالي فهو ينطوي على بعد تاريخي بكل تأكيد، واستدعاؤه يقدم لنا رؤية عن الحياة الاجتماعية لهذه الأمة التي طالما غيبت، أو تم تجاوزها بالشكل المطلوب في كتب التاريخ السياسي العام التي تعنى بما هو سياسي وعسكري أكثر بكثير مما هو اجتماعي حضاري.

ماهر عبد الله: طيب، إذن عندنا كتب الجغرافيا والرحلات، كتب التراجم، كتب الفقه، والتاريخ المحلي، مصادر أخرى للتاريخ من أين ممكن أن نجدها؟

د. عماد الدين خليل: ممكن أيضاً كتب التاريخ السياسي العام، ممكن نجدها أيضاً في حتى.. في الكتب المعنية بالفهارس التي تقدم لنا منظومات بما ألفه الآباء والأجداد وتضع أيدينا على هذا العقل الإسلامي الخصب الذي قدم هذا الحشد الهائل من المعطيات في سياقات مختلفة، والتي يمكن أن تبين لنا الأطر العامة لحضارة قدرت على أن تقدم هذا الكم الكبير من التصانيف في هذا السياق أو ذاك من المعارف الإنسانية والعلمية والتطبيقية.

ماهر عبد الله: طب إلى.. إلى أي مدى تتفق مع الذين يريدون أن يربطوا بين محتوى ما كتب وبين توجهه الفكري؟ يعني بعض الأحيان نرفض الكتاب الفلاني لأن مؤلفه فلان، يعني حتى في كتب التفسير، المثال الأشهر "الكشاف" للزمخشري.

د. عماد الدين خليل: بالضبط.

ماهر عبد الله: على فضل الزمخشري وفضله، عقل الزمخشري لأنه ينتمي إلى مدرسة تاريخياً أصبحت نسميها مرفوضة -إذا جاز التعبير- تسمع كثيراً أنه: "نحذر من قراءة" كم تنعكس شخصية الكاتب، فكره، والعقيدة التي يؤمن بها، سواء كانت صحيحة أو غير ذلك، إلى أي مدى تنعكس في هذا الكتاب، وإلى أي مدى يمكن أن تشكل حاجز أمام الاستفادة منه؟

د. عماد الدين خليل: منهجياً المفروض أن نجعل الواقعة نفسها تتحدث بنفسها عن مجرى التشكل التاريخي، يعني أن نبدأ بالواقعة، كما حدثنا عنها المؤرخون بعد تحميصها وفق النقد الداخلي كما قلنا، وفق إحالتها على روح العصر الذي تشكلت فيه أجل اختبار مصداقيتها، فدائماً البداية هي الواقعة، هي الرواية، هي الخبر التاريخي. وما يحدث.. وما حدث في الحقيقة على نطاق واسع في القرنين الأخيرين من إسقاط الرؤى البعدية على الوقائع القبلية قاد البحوث التاريخية إلى طرق مسدودة، وانحرف بها عن موضوعيتها وجديتها، إحنا يجب أن نرجع دائماً إلى نقطة الارتكاز الصحيحة وهي الخبر التاريخي الذي بجمعه بعد تمحيصه يقدم لنا الصورة الدقيقة للواقعة التاريخية، وألا نسمح لمداخلاتنا الشخصية، لأهوائنا، لتحزباتنا، لميولنا، أن تدخل على الخط، وتنحرف بالوقائع التاريخية صوب ما نريده نحن لا صوب الصيغة التي تشكلت بها.

وقد نبه إلى هذا حقيقةً وهذه مسألة.. وقد بدأت حديثك أيها الأخ الكريم.. بمسألة العقل.. العقل النقدي، في حضارتنا هنالك نقاط متألقة في سياق النقد ونقد الذات ومحاولة إعمال العقل في المعطى المعرفي في هذا الجانب أو ذاك.
نذكر على سبيل المثال ما فعله ابن خلدون في مقدمته المعروفة، لكتابه المعروف "العبر وتاريخ المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر" إلى آخره، هذا الرجل قدم رؤية نقدية صارمة كاد أن يكون فيها المؤسس الأول لفلسفة التاريخ في الـ.. على مدى التاريخ البشري، فيما يجعل كتابه "المقدمة" هذه يأخذ مصاف واحد من أعظم أو من أفضل عشر مصنفات في تاريخ البشرية كما أشار إلى هذا المؤرخ البريطاني المعاصر والكبير المعروف فضله (توينبي).

ماهر عبد الله: (توينبي).

د. عماد الدين خليل [مستأنفاً]: بما.. بقدرته على اكتشاف قوانين الحركة التاريخية، وعلى إعمال العقل النقدي في المرويات التاريخية، وإعادة تمحيصها وفق هذا المنظور النقدي، وسبقه وأعقبه آخرون. يعني ليس ابن خلدون رجل ظهر في الفراغ فجأةً، وإنما وليد جملة من المحاولات والإنجازات التي عكست رؤية نقدية للوقائع التاريخية، جاء ابن خلدون لكي يزيدها نضجاً، ولكي يقدم في مقدمته هذه الرؤية الخصبة التي اعتبر فيها أول فيلسوف سبق حتى (أوجست كونت) الفرنسي كما ندرس في مدارسنا في اكتشافه لقوانين الحركة التاريخية.

فلسفة التاريخ الإسلامي بين السرد والتحليل

ماهر عبد الله: طيب سيدي يعني الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة غلب عليها المنطق، غلب عليها علم الكلام، أوغلنا في الفلسفة حتى خرج بعضنا من الدين، رغم كل هذا الإعمال للعقل كيف تفسر أن الطابع العام لكتب التاريخ ظل سردياً لا تحليلياً؟ يعني في العقيدة أشبعناها بحثاً وتفصيلاً، الفلسفة يعني.. الكل يعترف اليوم أننا ناقلوها الأوفياء، كل هذا الإعمال للعقل لماذا لم يترجم باعتقادك إلى مدخل نقدي، مدخل تحليلي للتاريخ، وبالتالي بقينا ضعفاء عموماً في فلسفة التاريخ؟

د. عماد الدين خليل: هنالك ملاحظات الحقيقة إجابةً على هذا السؤال، الملاحظة الأولى: أن هذا التعميم يجب أن لا يؤخذ على إطلاقه. فهناك محاولات عديدة قدمها "المسعودي" في وقتٍ مبكر، ابن خلدون في منتصف الطريق، ابن الأثير فيما بعد، أو قبيل بن خلدون بشكلٍ أدق، في مقدماتهم لكتبهم المعروفة "مروج الذهب" و"الكامل في التاريخ" وإلى آخره، فيما يوحي بأن المؤرخ أخذ ينتبه إلى ضرورة أن يتجاوز السرد إلى التفسير، الوقائع، إلى ما وراء الوقائع، فهناك في تاريخنا لمسات قيمه ذات.. تنطوي على بعد نقدي.

المسألة الأخرى: يبدو أن مؤرخنا القديم بسبب من تحديات التآكل والفناء التي طالما تعرض لها.. تعرضت لها المرويات التاريخية والمعرفية بصورة عامة، يعني بدءاً من نقل هذه المعرفة من الغياب من الذاكرة في عصر المشافهة والتقاطها من الرواة فالإخباريين، وتثبيتها في المصنفات الكبرى في عصر المؤرخين الكبار كالطبري والمسعودي والدينوري واليعقوبي، كانوا قبالة تحديات النسيان فكانت مهمتهم -كما اعتقدوا هم- أن يحموا هذا من النسيان، أن يسردوه كما هو، بغثه وسمينه. يعني حتى الطبري، كما يقول في مقدمته -وهي ذات بعد نقدي- "أنه قدمت في كتابي هذا ما قد يستشنئه السامع، ولكني أديته على نحو ما أُدِّي إلي، والعهدة على القارئ"، الذي ممكن باعتماد -هو في اعتقاده- معايير النقد والجرح والتعديل قد يصل إلى مصداقية الرواية أو إلى تكذيبها.. بعدين مرت أمتنا بهزات عديدة، كان أبرزها هزة الغزو المغولي الذي أتى على كم كبير من تراثنا والذي دفع ما يسمى بـ "الموسوعيين" في تاريخنا كـ "الأذري" في "مسالك الأبصار"، والدينوري في "فنون الإرب"، لحماية هذا الذي تبقى من التآكل والضياع.

في الساحة الأندلسية تعرض تراثنا اللي قُدِّر في إحدى الإحصائيات بثمانمائة ألف مخطوط في مختلف السياقات المعرفية، الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، حتى في علم المدافع، حتى في صناعة البارود والمدافع، ابن غانم المورسكي قدم إلنا كتاب في أخريات العصر الأندلسي الغرناطي باسم "العلم النافع في صناعة المدافع".

إحنا كدنا أن نصل.. أن نطل على عصر الثورة الصناعية لولا.. لولا انكسارنا في الأندلس، المهم أن انكسارنا في الأندلس قاد إلى دمار.. تراثنا الفكري والمعرفي هناك، شهدت ساحات غرناطة أيام حكم (فرديناند) و( إيزابيلا) والكاردينال (خامنيث) الذي كان ينادي.. يبعث مناديه في.. في.. في ساحات غرناطة: "اذهبوا أيها النصارى.. اذهبوا إلى.. إلى باب الرملة لمشاهدة عمل من أعمال الإيمان". ماذا كانت أعمال الإيمان هذه؟

كانت الإتيان بتراثنا الإسلامي، بمختلف فروعه المعرفية، ووضعه أكداساً في باب الرملة ثم إحراقه هناك، والناس تهلل وتكبر على تدمير فكر الخصم، وهذا الذي لم نفعله نحن، إحنا في زمن.. الزمن الذي نتهم فيه باغتيال حقوق الإنسان يجب أن نستدعي تاريخنا لتبيان ما الذي فعلناه نحن وما الذي فعله الخصم.

هم عندما انتصروا علينا أحرقوا ثمانمائة ألف مخطوط لم يبق منها في نهاية الأمر سوى 8 آلاف وضعت في أقبية (السكوريال) في مدريد، ثم أتت عليها النار في عام -يمكن- 1908م بقدرة قادر لكي تأتي على ستة آلاف أخرى منها، ولم يتبق من الثمانمائة ألف مخطوط سوى ألفين فقط، لا تزال قابعة الآن في.. هذا هو الذي دفع مؤرخينا إلى محاولة حماية ما تبقى، فلجأوا إلى السرد دون أن يوغلوا باتجاه المضمون والبحث عن المغزى.

ماهر عبد الله: يعني أنت ذكرت الحرق وقلت أننا لا نمارسه، نحن قد لا نمارسه بالمعنى المادي للحرق، ولك نمارس يعني شيئاً شبيهاً يعني في ظاهرة غريبة أنت ذكرت الدينوري أنا أذكر لك ابن قتيبة الدينوري كمحدث والقاضي الجرجاني أيضاً عندما يتحدث عن الأدب وتاريخ الأدب، كان لا يتردد في حفظ أشعار عمر بن ربيعة، على ما فيها مما يسميه مشايخنا من فسق ومجون، وكان القاضي الجرجاني يدافع عن.. عن هذه الفلسفة.

الثقافة الدارجة اليوم، إذا استثيتا الجانب الأكاديمي، ونحن لا نتحدث لمتخصصين، نحن نتحدث إلى.. إلى.. عامة الناس الذين يهمهم تاريخهم.

القاضي الجرجاني منهجه مرفوض في أن نحفظ ما.. ما وصلنا ولكلٍ أن يحكم عقله في الاستفادة منه، كيف مات هذا المنهج؟ لماذا كان ابن عباس يحفظ أشعار ابن أبي ربيعة ولا يتردد في نقلها، ثم نتردد نحن اليوم؟

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، معذرةً أنا سألتك سؤال طويل ثم انقطع، أغلب القدماء عندما كتبوا.. صحيح كان في بعض الأحيان لحظات هزيمة، لكن أيضاً كان فيه ثقة بالمشروع أكثر على الأقل من الحاصل اليوم، لم يكن الإسلام كفلسفة وكعقيدة موضع شك في النفوس فكانت هذه الثقة تنعكس في قبول الغث والسمين من التاريخ بإثباته، على اعتبار أنه هذا الجبل لن تهزه الريح.

انتقل الحال اليوم بحكم.. لا.. يعني لا أدري تفسيره، هل هو فقدان الثقة لكثرة الهجمات؟ إلا أننا إنتقائيين جداً، يعني لا نريد أن نسمع حتى عن الجوانب المظلمة في حياة الصحابة، رغم أن القرآن أثبت جزءاً منها: (وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً). هذه الانتقائية كيف دخلت إلينا؟ وهل الأصوب هو أن نثبت ما أثبت القدماء بالغث والسمين، أم نكون انتقائيين واختياريين في أن نثبت الجانب المشرق فقط من هذا؟

د. عماد الدين خليل: لا أبداً الانتقاء هو نقيض المنهج، نقيض الموضوعية في البحث التاريخي، لابد أن نشير ونحن ندرس التاريخ أو ندرسه أو نكتب عنه إلى الأبيض والأسود من أجل إعطاء المصداقية، للوصول إلى الحقيقة، وصعب حقيقة يعني مسألة أن نصل للحقيقة النهائية في التاريخ، التاريخ علم إنساني، وليس علماً بحتاً، علم إنساني، يعني كما نقول. (Not Exact science) بالوقت اللي يمكن يكون العلم الصرف أو المحض علم منضبط إلى حد كبير Exact Science كالكيمياء والفيزياء والرياضيات، وحتى هذه تعرضت عبر كشوفات (هايزنبرج) و(أينشتاين) إلى هوامش كبيرة للاحتمالية، فكيف بنا ونحن نتعامل مع العلوم والمعارف الإنسانية اللي فيها هامش الاحتمال جداً.. جداً واسع. فمقاربة الحقيقة التاريخية، وليس الوصول إليها في صميمها أو الإحاطة بها علماً، هو الهدف، المقاربة وليس الوصول النهائي إلى الحقائق التاريخية، عبر هذه المحاولة لابد أن نتحلى بالعدل في التعامل مع الظواهر (ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى). لابد إذن في العدل المنهجي، ليس ثمة أمة طلب منها في كتابها الكريم أن تكون عادلةً مع نفسها قبل أن تكون عادلةً مع الخصم كما طلب من هذه الأمة، وهذا العدل يقتضي أن ينسحب حتى على مناهجنا ونحن نحاول أن نعيد قراءة تاريخنا أو تاريخنا.. قراءة تاريخنا أو كتابته من أجل أن نضع أيدينا على الأبيض والأسود، حتى على المستوى التربوي لن يقتنع طلابنا بمصداقية حديثنا إن لم نؤشر على الأسود والأبيض، وإلا تحول المؤرخ إلى شاعر، الشاعر يتغنى، يؤشر على البقع البيضاء في مديحه، أو السوداء فقط في هجائه، أما المؤرخ فهو يمد يديه إلى الأبيض والأسود معاً. وإحنا في القرآن الكريم تأكيد متواصل على ضرورة متابعة الظاهرة بوجهيها معاً المسلمون عندما هزموا في أحد وتساءلوا: كيف نهزم ونحن جند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الموعود بنصر من السماء؟! نزل القرآن الكريم بواقعيته، بموضوعيته، بشموليته، بتأكيده على الأبيض والأسود معاً، فقال لهم: (أولمَّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم). ويوم حنين يشير إلى الإعجاب بالكثرة والغرور الذي يقود إلى التهلكة، فهو نقد قرآني يؤكد أنه حتى جيل الصحابة كان يمكن أن يتعرض لهزات قادته حيناً وكادت أن تقوده حيناً آخر إلى الهزيمة والانكسار.

المنهج التاريخي في القرآن الكريم

ماهر عبد الله: يعني كونك ذكرت النص القرآن واستشهدت ببعض.. بالآيات، البعض يشكك بوجود فلسفة للتاريخ في القرآن، ما في القرآن من مرويات تاريخية، أو ذات طابع تاريخي، الاستشهاد بالأمم السالفة هل هو يعني للإمتاع والإسماع فقط، أم ثمة جوانب ما فوق سردية، ما بعد سردية، تحليلية، وليس فقط بالعبرة المباشرة، يعني البعض الآن يعني يريد أن نقصرها أنه بالعبرة، يعني كما تزور مقبرة لتتعظ بالأموات فأنت ميت. لماذا هذا الإلحاح في القرآن على ذكر السابقين من.. من الأمم؟

د. عماد الدين خليل: نعم، بالعكس تماماً، القرآن الكريم هو محاولة الكشف الأولى في.. في.. في الفكر التاريخي -إذا صح التعبير- لتجاوز الوقائع إلى ما وراءها للبحث عن السنن العاملة في التاريخ، أو ما يسميه فلاسفة التاريخ بـ "القوانين الحركة التاريخية". سبق القرآن الكريم حتى ابن خلدون، والحقيقة أنا في دراسة عن ابن خلدون في كتاب أسميته "ابن خلدون إسلامياً" يعني أدنت ابن خلدون من حيث أنه اعتبر نفسه أول مكتشف لقوانين الحركة التاريخية، لفكرة أن التاريخ لا يتحرك فوضى وعلى غير هدى، وإنما تضبطه قوانين تقوده بشروطها إلى نتائج تنبني على أسبابها. هكذا يريد مفسرو التاريخ أن يقولوا، وأوروبا سحبت البساط حتى من تحت أقدام ابن خلدون يوماً، وقالت أن المفسر الأول لقوانين الحركة التاريخية هو (أوجست كونت) ومن جاء بعده (كروتشه) و(كارل ماركس) و(إنجلز) و(شبنجل) و(توينبي) وإلى آخره. لكن في الحقيقة ليس هؤلاء الغربيون ولا حتى ابن خلدون كانوا أول من اكتشف قوانين الحركة التاريخية وتجاوز الوقائع إلى ما ورائها للبحث عن الأسباب التي تتشكل بموجبها الوقائع التاريخية، وتساق إلى مصائرها، إنما القرآن الكريم محاولة مدهشة للكشف عن قوانين الحركة التاريخية.

ماهر عبد الله: كيف؟ كيف؟

د. عماد الدين خليل: أو سنن الله العاملة في التاريخ.

القرآن الكريم.. نلاحظ للتاريخ مساحة واسعة تكاد تبلغ ثلثي النص القرآني، وهذه مسألة تثير التساؤل كيف يعطي القرآن الكريم هذه المساحة الكبيرة للواقعة التاريخية، السبب أن الواقعة التاريخية معلِّم كبير، فيها مرشد وهادي، وهي في نفس الوقت عملية توثيق لصراع متطاول ما بين الحق والباطل، بين النبوات والطواغيت، بين كلمة التوحيد ونبضه التحريري الأصيل وبين كل صيغ الابتزاز والاستلاب التي يقوم عليها ولا يزال الشرك والوثنية والصنمية والحتمية في تاريخ البشرية.

إذن صراع متطاول يتوجب وقفة طويلة تبين منحنيات هذا الصراع، القرآن الكريم أعطانا مساحة واسعة للتاريخ، وحتى لا يشدنا التاريخ إلى الوراء ويغيبنا عن الواقع، وضعنا القرآن في التاريخ ولكنه حررنا من التاريخ في الوقت نفسه. كيف؟ عندما قال في آيتين متقاربتين في سورة البقرة: (تلك أمةٌ قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون) وهذا جواب على سؤال سبق يمكن -أيها الأخ الكريم- أن طرحته في سياق هذا الحوار من حيث أن الالتفات إلى الماضي قد يبعدنا عن الحاضر وقد يقودنا إلى موقف رجعي مدان، القرآن الكريم يدين الجاهلين بأنهم وجدوا آباءهم على أمة وأنهم على آثارهم مقتدون، رفض القرآن هذا المنطوق الجاهلي، ودعانا إلى أن نكون أبناء عصرنا، فقال في هاتين الآيتين المتقاربتين واللتين تنطويان على الكلمات نفسها، بضرورة أن لا نتشبث بما فعله الآباء والأجداد، وأن نكون أبناء عصرنا، لأننا مسؤولون عن أفعالنا ولسنا مسؤولين عن أفعال السلف.
وبالتالي القرآن الكريم يعطي التاريخ مساحة واسعة ولكنه يحررنا من التاريخ، ويتجاوز التاريخ في خطوة أخرى إلى ما وراءه فيما يسمى "بالسنن العاملة في التاريخ"، شبكة خصبة في كتاب الله تعطينا إجابة على كل الأسئلة المتعلقة بما تهتم به فلسفة التاريخ في.. في.. في القرون الأخيرة، وهي: ما هي العوامل والشروط التي ترفع الأمم والجماعات والشعوب وتضعها في نقطة الارتكاز أو نقطة البداية الحقيقية، الفعل الحضاري؟ وما هي العوامل التي تقودها إلى شلل الفاعلية، والضمور، ثم الانهيار الحضاري؟ قدم القرآن إجابات تكاد تكون كاملة عن أسئلة كهذه، وأعطانا جملة من الآيات القرآنية والمقاطع القرآنية عن عوامل الانبعاث والانكسار.

ماهر عبد الله: طيب هذا.. سنتحدث عن عوامل الانبعاث، لكن قبل أن أسألك عن عوامل الانبعاث البعض يفهم ما تفضلت به فهم تبسيطي بربط كل شيء بالإيمان، إذا وقع سيقع الانبعاث الحضاري، وستقع السيطرة، وإذا لم يقع.. وكأن هذا القانون لا يسري إلا علينا يعني في.. في حالة أننا نعاني من انكسار ومن تردي يكون قوم آخرون انتصروا. إلى أي مدى تتفق مع هذا الفهم.. يعني اسمح لي أن أسميه "التبسيطي" في أن الإيمان هو العنصر الوحيد الفاعل في حركة التاريخ؟

د. عماد الدين خليل: هذا يلتقي مع الواقع التاريخي، يعني إذا ذهبنا مع هؤلاء في منطقهم التبسيطي الزائد هذا سنرتطم بالواقع التاريخي الذي يرفض هذه المقولة، حيث نجد أن الدنيا في كثير من الأحيان تدين للأقوى بغض النظر عن إيمانه أو كفره، والقرآن الكريم يقول -وها هنا بيت القصيد الذي قبل قليل تحدثت عنه- القرآن يعطينا شبكة من السنن وقوانين الحركة التاريخية التي تبين الأشياء على حقيقتها. يقول القرآن الكريم بهذه الخصوص بالذات (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً). فالدنيا لليد الأقوى والعقل الأشطر، وليس للأكثر إيماناً، الأشطر.. فلو أضفنا البعد الإيماني إلى شطارة العقل وقوة اليد. لاستطعنا أن نرجع ثانيةً إلى سقف العالم بعد أن نفينا من التاريخ والحضارة. القرآن الكريم يدعونا دائماً أن نكون أمة سباقة قوية قديرة على التعامل بقوة مع الأشياء، بغض النظر عن المستوى الإيماني (يا يحيى خذ الكتاب بقوة)، (خذوا ما آتيناكم بقوة)، (ادخلوا عليهم الباب)، حيثما تلفتنا في القرآن الكريم نجد دعوة أو خطاب قرآني يؤكد على التعامل مع الأمور بالقوة المطلوبة، هذه القوة التي إذا ما انضافت إلى النبض الإيماني أو الرؤية الإيمانية فعلت الأفاعيل، ولكن الإيمان مجرداً عن القوة، مجرداً عن الفاعلية في الأرض، مجرداً عن الالتحام بالكتلة، وغرس الأيدي والعقول فيها لاستخراج كنوزها وحماية الإيمان بقوة هذه الكنوز، لن يكون لنا مكان في الأرض، بدليل أن ذا القرنين عندما كان يجول الأرض، ومر بجماعة من المستضعفين في الأرض، قالوا له: (يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على تجعل بيننا وبينهم سداً) أي: تحمينا من استكبار المستكبرين وبطش العتاة الظالمين، ما قال لهم تعالوا نصلي ونصوم لكي نحميكم من بطش هؤلاء، وإنما قال لهم: (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة) بيد العامل القوي (أجعل بينكم وبينهم ردما) وبعدين بدأت عملية توظيف النار والقطر أو النحاس السائل من أجل بناء السد الذي حمى المستضعفين في الأرض. هذه نقرأها في القرآن كقصة، وهي ليست قصة بالمفهوم التكتيكي للقضية، وإنما هي تعليم كبير، أراد أن يقول: أن هذه الأمة لن تحمي وجودها في هذا العالم، لن ترجع ثانيةً إلى التاريخ، لن يكون لها مكان بين الأمم إلا بأن تنشب أيديها وعقولها بالكتلة، وتستخرج خاماتها، بدليل أيها الأخ الكريم أن هنالك سورة بكاملها في القرآن الكريم تُدعي سورة الحديد وهي تسميات.. قدمت من لندن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعني.. بالتأكيد تحمل دلالتها، سورة بكاملها باسم سورة الحديد، تنتهي في مقاطعها الأخيرة: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوي عزيز). أي أن حماية الموروث الديني الإيماني الذي آل إلى هذه الأمة لن يتحقق إلى بقوة الحديد، إلا بأن نكون قادرين على أن يكون عندنا الفيزيائيون والكيمائيون والرياضيون والمهندسون الذين يكتشفون ما في الأرض، ويسخروه كما يفعل الغربيون الآن، فالذي يملك رقبة الدنيا ليس الأكثر إيمانياً، وإنما الأكثر قوة. ولكن نقول بأن حضارة لا تملك خلفية إيمانية ستقود نفسها إلى (الإنبيق) كما يقول (مارسيل فوازار) في كتابه "إنسانية الإنسان". ولابد إذن من استدعاء الإيمان بإضافته إلى القوة، إلى العقل، إلى اليد العاملة، ليمكن أن نصنع الحضارة المرجوة التي ينتظرها الغربيون الآن كما يقول كبار علمائهم، وقد تتاح الفرصة للحديث عن بعض هذه المقولات مستقبلاً إن شاء الله.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: سيدي، لو عدنا قليلاً إلى غلبة التاريخ السياسي، في المشروع الإسلامي اليوم -كما يمثله الإسلام التقليدي أو الإسلام السياسي- في هذا الجانب المعاصر الحاضر لتغليب السياسي أيضاً. هل هذا وليد هذا الطابع التاريخي، أم هو يعني لعله سنة الحياة هي غلبة السياسي على كل شيء؟ يعني ألا تتفق معي أنه كثير من الإسلاميين إنه مدخلهم لنقد الحياة مدخلهم للتغيير، أغلبه سياسي؟ هل هذا نتيجة هذا الضغط التاريخي علينا، غلبة التاريخ السياسي، أم لعلها سنة الحياة في أنه السياسي هو الأساس في فهم هذه الأشياء؟

د. عماد الدين خليل: لا ليس لغلبة التاريخ السياسي علينا يعني، لأنه معظم المعنيين بهموم الأمة الإسلامية في القرن العشرين ليسوا بالضرورة قد قرؤوا التاريخ بما فيه الكفاية وغلبت عليهم النزعة السياسية المستقدمة من بطون التاريخ السياسي، أساساً تاريخنا السياسي بمفاهيمه القديمة يختلف عن الرؤية السياسية المعاصرة التي تتبناها كثير من الجماعات الإسلامية. السياسة أداة.. أداة، وسيلة لتحقيق هدف معين، وبالتالي يمكن يكون استدعائها ضرورة من الضرورات في سياق تحقيق الأهداف. لا تستطيع جماعة في الأرض أن تصل إلى أهدافها إلا بأن تستدعي مفردات السياسة للمضي قدماً لتحقيق هذه الأهداف. فليس بالضرورة أن يكون هذا الموقف هو رد فعل لزخم من تاريخ سياسي أحاق أو حاق بالعقل المسلم، وإنما هو وليد ما تتطلبه اللحظات الراهنة من استدعاء السياسة كآلية عمل لتحقيق المجابهة المطلوبة.

ماهر عبد الله: ذكرت لحد الآن.. في.. في معرض الكلام ذكر حركة التاريخ، ذكرت فلسفة التاريخ، وذكر فقه التاريخ والفقه الحضاري. هل المطلوب -قبل أن أن.. نتحدث عن.. عن فلسفة التاريخ بمعناها المباشر- هل المطلوب منا مجرد وعي بالتاريخ، إدراك لما وقع به، أو المطلوب هو.. يعني إيجاد نوع من الوعي التاريخي، يعني نقترب من الأشياء، ونحن نعي بالتاريخ، أم.. أم كما يفهمه الكثيرون اليوم.. يفهمون الوعي التاريخي هو أن تحفظ أكبر كم ممكن من القصص والمواعظ؟ ما.. ما.. ما هو المطلوب؟ أين مكان الوعي التاريخي والوعي بالتاريخ في حركة البحث عن.. عن الأمة مجدداً؟

د. عماد الدين خليل: نعم.. التاريخ يجب أن لا يفصلنا عن الحاضر وعن تحديات الحاضر ومطالب الحاضر، يبقى.. يعني تبقى عملية استدعاء التاريخ، استدعاء خبرة، خبرة أمة من الأمم، من أجل أن تتجاوز أكبر قدر ممكن من الأخطاء، وأن تمضي إلى أهدافها على خطوطٍ مستقيمة قدر الإمكان، ما من عقيدة أو حركة أو فكر شمولي في أوروبا أو في الشرق بنت حيثياتها إلا ووجدت في التاريخ فرصة ضرورية للاستدعاء، يستدعى التاريخ، سواء كان في الفكر الـ.. في العقيدة الشيوعية.. الماركسية اللينينية، أو في كل.. حتى في العقيدة.. في.. في.. في المذهب الرأسمالي، في الوجودية، في كل السياقات الأخرى، كان التاريخ هو المنجم الذي تستمد منه الخبرة لصياغة حيثيات هذه المذاهب المحدودة أو الشمولية. ولكن كل هذه المذاهب ما قالت يوماً بأن التفاتها إلى التاريخ يعني إشاحتها عن تحديات اللحظة الراهنة ومطالب المستقبل، وإنما كانت هذه بمثابة نقاط ارتكاز Traffic Light ليعلمها هنا أو هناك كيف تمر، كيف تتوقف، كيف تتريث قليلاً، وبالتالي كان هدفها أن تعيد صياغة الحاضر والمستقبل، يعني كانت الماركسية اللينينية تدعي أنها ستعيد صياغة العالم وفق مقولات قوانين الحركة التاريخية التقدمية كما اعتقدت، ولتمثيل قمة الانطباق مع واقع النبض التاريخي. عندما نقول التاريخ بالمفهوم الفلسفي لا يعني تاريخ الماضي فقط، وإنما يعني القوة المحركة للأمم والجماعات والشعوب على المدايات الزمنية الثلاث: على الماضي والراهن والمستقبل. فاكتشاف قوانين الحركة التاريخية سيضعنا في التاريخ وسيحررنا من التاريخ من حيث أنه سيقودنا عبر الراهن والمستقبل أيضاً، ولهذا اعتقدت العقيدة الماركسية للمادية التاريخية أنها بلغت القمة في تقدميتها من حيث أنها اكتشفت النبض الحقيقي لقوانين الحركة التاريخية التي ستسوقها في يوم ما إلى نهاية التاريخ، ها هنا نجد أنفسنا قبالة تحدي جديد، تحدي نظرية (فرانسيس فوكو ياما) في "نهاية التاريخ"، يعني كأن (فرانسيس فوكوياما) يعيد على الطرف الأميركي الرأسمالي ما سبق وأن قاله (ماركس) و(إنجلز) في المادية التاريخية من حيث أن التاريخ سينتهي هنا في الشرق على يد حكم البروليتاريا، وهناك في الغرب على يد الخبرة الليبرالية. ولكن أيهما.. سقطت النظرية الماركسية، وتبين أن التاريخ لا يمكن أن يقف، ولا يمكن أن تكون له نهاية، وستسقط بالتأكيد نظرية (فرانسيس فوكوياما) التي ترى في الخبرة الليبرالية نهاية للتاريخ، والذي يبقى هو مقولات هذا الدين في كتابه العظيم الذي يؤكد أن التاريخ "هو حركة وتغير وصراع وجدل متواصل لا نهاية له". (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم). أيهما أكثر تقدمية وأكثر مصداقية، وأكثر واقعية: النص القرآني الذي يؤكد على أن التاريخ سيظل في صيرورة متواصلة إلى أن يقم الحساب، ولن يقف عند مرحلة معينة، أم نظرية.. النظرية الماركسية اللينينية التي تؤكد نهاية التاريخ في حالة حكم البروليتاريا، أم نظرية فرانسيس فوكوياما التي تقول بنهاية التاريخ على يد الخبرة التاريخية الغربية الليبرالية؟ النص القرآني هنا يتبدى بإعجازه الظاهر، بتأكيده على المضي قدماً وفق جملة من المتغيرات، ولن يكون هذا العالم يوماً ملكاً لأحد، وإنما هي الأيام يداولها الله بين الناس، ولهذا يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم أيضاً في واحدة من أهم وأخطر مبادئ الحركة التاريخية في المنظور القرآني والعالمي على السواء: (أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، والله يحكم لا معقب لحكمه). ما أعرف إن كان الوقت يتسع للاستفاضة في هذه الآية المدهشة في عمقها التاريخي بخصوص ما نحن فيه من مجابهة للنظريات الأكثر حداثةً؟

ماهر عبد الله: خلينا ننقلها قليلاً، عندي بس بعض الإخوة على الهاتف من.. من فترة.. واستغل هذه الفرصة لتذكير الإخوة بأنه بالإمكان أن يشاركوا معنا أيضاً على الإنترنت على موقع الجزيرة نت، على الصفحة الرئيسية على

www.aljazeera.net <http://www.aljazeera.net/>

وأظنكم تشاهدونه على الشاشة الآن، معي الأخ محمد ظاهر من فرنسا. أخ محمد، اتفضل.

محمد ظاهر: ألو، والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد ظاهر: أرحب بك أخ ماهر، وأرحب بضيفك الكريم الدكتور عماد.. عماد الدين خليل.

ماهر عبد الله: أهلاً بيك.

محمد ظاهر: وأشكرك على هذا البرنامج القيم. نعم.. عندي أول شيء بعض التساؤلات. أقول للضيف الكريم من يكتب تاريخنا الحديث؟ إن تاريخنا الحديث مليء بالمشاهد المرعبة تاريخ فلسطين، من يكتب تاريخ فلسطين؟

ماهر عبد الله: ممكن الصوت يا إخوانا شوية.

محمد ظاهر: نعم.. من يكتب تاريخ فلسطين؟ ومن يكتب تاريخ الأمة العربية في هذه.. في هذا الـ.. في هذه الأيام؟ فإن السيد أبو علي مصطفى شهيد سطَّر آياتٍ من الجهاد، بينما العلماء الذين يحرمون ألعاب (البوكيمون) قاعدين في حجورهم، من يكتب هذا التاريخ؟ من يكتب الخيانة و(السنفرة) الذي يتم على القضية الفلسطينية؟ من يكتب بجرأة هذا التاريخ؟ هذا التاريخ.. إن الوطن العربي تاريخ حافل، نريد إنسان شجاع أن يكتب عن هؤلاء الخونة الذين يلتفون على الانتفاضة بوساطات، فهذه الوساطات لا.. لا.. لا تفيد القضية الفلسطينية. هذا التساؤل الأول.

تساؤل آخر للأخ الضيف. إن تاريخ الدولة العثمانية، أظن تاريخ الدولة العثمانية كتب بكثير رمن الـ.. مسطري التاريخ.. أو الذين رووا التاريخ، وهذا التاريخ في الدولة العثمانية أظن أنه فيه بعض الـ.. بعض التشويش، لأنه السلطان عبد الحميد رفض إعطاء دولة فلسطين لليهود، بينما كان الذين كتبوا التاريخ قالوا أن الدولة العثمانية دولة محتلة، ربما هذا كان في النهاية، لكن بداية الدولة العثمانية كانت دولة يعني بمعنى دولة إسلامية وتطبق الإسلام في الوطن العربي، و.. ويكفينا فخراً أن السلطان عبد الحميد -برغم ما قيل عن السلطان عبد الحميد- فقد رفض إعطاء فلسطين لليهود، بينما عندما أتت فرنسا وبريطانيا.. بريطانيا أعطت فلسطين لليهود، فقد يعني أقنعونا بأن البريطانيين أفضل من العثمانيين، ودخلوا البريطانيين وعرفنا النتيجة. وشكراً الأخ.. ماهر.

ماهر عبد الله: مشكور أخ محمد، معاي الأخ أحمد عزت من السعودية، أخ أحمد، اتفضل.

أحمد عزت: السلام عليكم أخ ماهر، تحية لك، وتحية للدكتور عماد.

د. عماد الدين: خليل عليكم السلام.

أحمد عزت: وسأكون سريعاً جداً مراعاةً للمتصلين من.. من بعدي إن شاء الله.

ماهر عبد الله: مشكور.

أحمد عزت: وأقول إن المتصل دائماً بيشغل بالانتظار فبالتالي ما بيتابع مثل هذه الجواهر، وهذا من الأشياء اللي بتفوتنا كثيراً. على كلٍ أسأل الدكتور عماد الدي خليل تعيقه على بعض المقولات في التأريخ ومنها "التأريخ هو المستقبل "تاريخ أي أمة هو مستقبلها. "المقولة الثانية" :إن القرآن الكريم في أكثرة كتاب تأريخ". المقولة الثالثة: "أن الدين كله يمكن أن يتم تعليمه وغرسه من خلال السيرة، وهي تاريخ"، تعليمه عقيدةً وفقهاً وغيره.

المقولة الرابعة في التأريخ وهي: "ما نقرأه كثيراً من أن الأمة مرت بمراحل، منها المرحلة الكذا.. والكذا، ومرحلة النصرانية ثم المرحلة الإسلامية"، وأضع ألف خط تحت هذه الكلمة ماذا تعني "المرحلة الإسلامية"؟ هل هي مرحلة ومرت؟

وبعد ذلك تعليق بسيطة يا أخ ماهر في خلال محاورتك للدكتور عماد قلت: "إن كان ثمة أمل في انبعاث حضاري"، وأظن أترك أيضاً تعليق الدكتور على مقولتك هذه، أظن أن فيها قدراً ولو ضئيلاً من عدم التفاؤل يا أخ ماهر، وما لم نعهد ذلك فيكم إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب، ماشي.

أحمد عزت: ثم أختم بأمل ورجاء أن يكون هناك قدر أكبر من البرامج الدينية المتنوعة. وتعليق أخير على الأخ محمد ظاهر اللي اتصل من فرنسا، الشق الثاني من كلامه عن الدولة العثمانية طبعاً فيه أخذ ورد، والدكتور عماد خليل من.. عماد الدين خليل من أقدر من يردون على ذلك، نعم فيه صحة كثيرة، أما الشق الأول المتعلق بالبوكيمون وتحريم العلما له وغيره فهذا أمر يرجع إلى العلماء، وهم أيضاً -كما ذكر الدكتور عماد الدين خليل- علاقتهم بالتأريخ وفقه الواقع -كما يقال- علاقة كبير جداً ولا يبخسون حقهم في هذا المضمار، وشكراً لكم مرة أخرى..

ماهر عبد الله: شكراً لك يا سيدي، معاي الأخ خالد يوسف من الإمارات، أخ خالد، اتفضل.

خالد يوسف: آلو، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

خالد يوسف: يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة". ما صحة.. الحديث هذا؟ وهل الأشاعرة والصوفية يدخلون فيها؟

والسؤال الثاني: النصارى هل هم كفار أم مشركون، أم كفار ومشركون؟ وعندي اقتراح يا أخ ماهر لو سمحت: يا حبذا لو تأتون بعلماء السعوديين أو هيك كبار العلماء كالشيخ صالح الفوزان.. هؤلاء العلماء.. العلماء السلفيين الذين نشهد لهم بالصلاح، إن شاء الله، فالرجاء يعني وثم.. يعني نترجى وأنتم -إن شاء الله- خير الناس أن تأتوا بعلماء التوحيد وعلماء الدعوة السلفية.

وآخر شيء: لا نقول فلان شهيد، نقول: "نحسبه كذلك"، أما علي مصطفى وغيره شهيد فهذا غلط، نقول: "نحسبه كذلك، الشهادة لما الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال، نحن لا ندخل في النيات، ولكن نقول: نشهد.. نحسبه كذلك فلان شهيد، فلان لأ ما نقدر نقول هذا. والسلام عليك.

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ خالد، النقطة واضحة، وأنا أستغل هذه الفرصة وأقول لك إذا كان بالإمكان الوصول إلى أحد من العلماء الذين ذكرت نحن يشرفنا ويسعدنا في أي وقت أن نستضيف أياًّ منهم، واعتبر هذا إذا كان لك أي صلة بالشيخ صالح الفوزان اعتبرها دعوة شخصية مني ودعوة من (الجزيرة) لفضيلة الشيخ في أي وقت وفي أي موضوع يختار، نحن لا نضع (فيتو) على استقبال أي عالم عنده ما يقدمه لهذه الأمة، هدفنا الإصلاح ما استطعنا، نحن لا نمانع، وأرجو يا أخ خالد أن تكون رسول خير وأن توجه هذه الدعوة لسماحة العلامة الأستاذ صالح.. الشيخ صالح الفوزان، فهذه اعتبرها دعوة على الهواء.

التجني على الدولة العثمانية في الكتابات التاريخية

سيدي، نتحدث عن الدولة العثمانية قليلاً، ونعود إلى.. إلى بدايات النقاش الأولى، المزاج الذي تربينا عليه نحن كجيل، وأذكر أننا كجيل لسنا متخصصين في التاريخ، أنت رجل تاريخ، وأنا لست متخصصاً في هذا، نحن درجنا على كتب صاغت تاريخ الدولة العثمانية من بحث من شرعية.. شرعية قومية جديدة قائمة على نقيض ما مثلته الدولة العثمانية. كيف يمكن لنا أن نوصف الدولة العثمانية اليوم، علماً بأن الجيل الشاب من المؤرخين الذين نضجوا في الـ50، 60 سنة الماضية ولدوا وعاشوا وترعرعوا ثقافياً تحت مقولة مصرة على استعمارية هذه الدولة واحتلالية هذه الدولة؟ سبب شرعية النظام العربي القائم اليوم هو ضرورة أن تكون الدولة العثمانية خطأ، يعني أليس هذا شاهد آخر على أن الشخص الكاتب يؤثر بعنف في شخص.. في.. في فحوى منا يقول وما يكتب؟

د. عماد الدين خليل: بالتأكيد ولكن تبقى الوثائق التاريخية والوقائع التاريخية الحكم الفصل في الحكم النهائي على هذه الدولة أو تلك أو هذه التجربة أو تلك، يعني في مجلة "دراسات فلسطينية" وثيقة بالحرف تنطوي على الرسالة التي بعث بها السلطان عبد الحميد إلى (هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية واللي قاد مؤتمر (بازل) في سويسرا عام 1897م، الذي خططت فيه مسألة قيام دولة إسرائيل المغتصبة في الساحة الفلسطينية. أغرى هرتزل برسالته التي بعث بها إلى السلطان عبد الحميد -فيما هو معروف- بسداد ديون الدولة العثمانية، ومنحها قرض من 30 مليون ليرة ذهبية، وبناء إسطول قوي يعيهها على الدفاع عن ذاتها قبالة التحديات الغربية والشرقية. ولكن السلطان رفض هذا وبعث برسالة إلى.. إلى أوردتها مجلة "دراسات فلسطينية" في أحد أعدادها، يقول فيها: "لن تقتسم إمبراطوريتي إلا على جثتي، ولن.. ولن أعطي فلسطين وأنا حي". يعني معنى هذا أن الرجل الذي يمثل آخر خط من خلفاء بني عثمان الذين وقفوا متراساً إزاء تحديات وهجمات القوى الاستعمارية والصليبية ضحى بنفسه على أن يعطي شبراً واحداً لليهود في فلسطين، ثم ذهبت فلسطين بعد أن سقط السلطان

عبد الحميد، وجاء الاتحاديون والكماليون من بعدهم لكي يواصلوا مشوار الاتفاق المخفي مع عناصر اتخاذ القرار في الغرب، والوصول إلى البؤرة الضيقة التي لا زلنا نختنق فيها.

تبقى الدولة العثمانية وأيضاً نرجع إلى المقولة القرآنية التي يجب أن تعطينا منهج عمل أن نبين دائماً الأبيض والأسود في حكمنا على.. على الأشياء، على الظواهر التاريخية، على الدول والخبرات، على تواريخ الأمم والشعوب، وهو أن.. وهي أن الدولة العثمانية بقدر ما كانت متراساً سداً وقف ما يقرب من خمسة قرون قبالة كل تحديات الغرب الصليبية التي أرادت أن تجهز على العالم الإسلامي، وقد أجهزت عليه فعلاً بعد سقوط هذه الدولة، على أيد سلاطينهم العظام وصولاً إلى السلطان عبد الحميد الثاني، وقفت إزاء هذه لحماية جسد الأمة الإسلامية من التآكل والفناء، هنالك أيضاً خطأ وقع فيه العثمانيون وهو خطأ عدم إصغائهم جيداً للخطاب القرآني وإحنا في الحقيقة الانبعاث الحضاري اللي سأل عنها الأخ خالد يوسف ربما، أو الأخ اللي قبله..

ماهر عبد الله: الأخ أحمد عزت.

د. عماد الدين خليل: الأخ أحمد عزت، يعني ثمة يأس في قول انبعاث، الانبعاث قادم لا ريب فيه، لأن البشرية لن تستوي على سوقها.. وتتجاوز كل الطرق المسدودة التي تختنق الآن فيها بما فيها الحضارة الغربية المتفوقة تقنياً، المتخلفة إنسانياً وأخلاقياً واجتماعياً بكل معاني الكلمة كما يقول بهذا الغربيون أنفسهم، قبل أن يقول به الشرقيون، يعني بما في ذلك (أرنول توينبي) (زيجريد هونكه)، و (مارسيل بوازار) و(موريس بوكاي) و(رومبلاندو)، و(لورافيش فاكاي)، وآخرون كثيرون، يقولون بأن الحضارة الغربية تعاني من اختناقات هنا أو هناك في غياب النبض الروحي، في غياب المستوى الإنساني لهذه الحضارة، في غياب إنسانية الإنسان، وأنه آن الأوان لدخول الإسلام على الخط والمشاركة الفعلية في مصير العالم وإعادة صياغته من جديد.

الأمر قائم بإذن الله، وهذا الدين سيلعب أو سيمارس دوره بكل تأكيد في الانبعاث ليس على مستوى البيئة أو.. أو الجغرافيا الإسلامية وإنما على مستوى جغرافية العالم كله، والقضية قضية وقت، وقد قال القرآن الكريم (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز)، القضية قضية وقت.

لكن يبقى أن الدولة العثمانية مارست خطأها في عدم الإصغاء جيداً للخطاب القرآني، بم؟ بالإعداد.. إعداد القوة، القرآن الكريم يقولها بصراحة: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)، يعني اللي حدث عندنا -أيها الأخ الكريم- أن الدولة العثمانية كانت ترى بأم عينيها في القرون الأخيرة قرون الانهيار والتهافت -أن الغربيين يتسابقون في تطوير قواهم خاصة تكنولوجيا السلاح، فكان على الدولة العثمانية أن تنتبه لما يريده القرآن منها، أن لن تحمي الموروث النبوي في هذا العالم، لن تحمي وجودها لن تحمي إسلامية المسلمين في هذا العالم، إلا بأن تتسلح بالقوة، وأن تلاحق الغربيين خطوة بخطوة، دقيقة بدقيقة، شبراً بشبر، في تكنولوجيا السلاح، وحينذاك لم يكن أحد بقادر على اختراقها وتسميتها بالرجل المريض وانتهاك حرماتها وتصفيتها في نهاية الأمر، وفتح الطريق أمام المشروع الصهيوني لكي يستولي على فلسطين.

ماهر عبد الله: طب اسمح لي اسمح لي أنا.. أقفز من هذا إلى السؤال الثالث سؤال الأخ خالد يوسف، يعني ما تتحدث عنه هو كلام الإنسان الواعي بفقه التاريخ والذي يجد نفسه مضطراً لتقديم نظرة شمولية ترى العالم ككل، في الطرف المقابل سؤال الأخ يوسف ذكرني بمدخل الجزئي، يعني الدولة العثمانية قد تكون رأت ولكنها غلبت النظرية الجزئية، يعني الأخ خالد مصر أن يعرف هل الأشاعرة والصوفية، يعني مُصٌّر أن يعرف إذا كان 95% من.. من المسلمين اليوم هم مؤمنين أم ملاحدة، ما لعل دول الطوائف في.. في غرناطة كانوا ينظرون إلى هذا، يعني هو كان يرى الصليبي قادم لتحطيم هذه الدولة، ولكن كان يعتقد أن جاره المسلم في قرطبة عنده خلل ما في العقيدة، فلابد من البدء بهذا صاحب الخلل الصغير والصليبي كفره واضح سأعود إليه فيما بعد. هذا المدخل الجزئي: أنت مسلم، هو ليس بمسلم، هل أثر في مجرى تاريخنا؟ هل دفعنا له ثمناً، أم هو هذا المنهج الصواب: يجب أن نحرص على عقيدة عماد الدين خليل أولاً قبل أن نستضيفه إلى.. إلى برنامج مثل هذا؟

د. عماد الدين خليل: والله دفعنا ثمنه وثمناً كبيراً واستنزفنا طاقات وأوقات من عمر هذه الأمة وتاريخها عندما انغمرنا في الفرقيات، في الجدل، في استدعاء حتى المنطق والفلسفة اليونانية لتعزيز جدلنا الذي حذر منه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذي قال برؤية حضارية ثاقبة في أن الأمم هلكت قبلنا لإلحاحها في الجدل، في التشرذم في ضرب الرأي بالرأي، ومحاولة.. أو متابعة كل تفاصيل أن نبذ الطرف الآخر من أجل ضربه بمقتل. إحنا بأمس الحاجة لو كان أجدادنا قصروا في عشر معشار هذا اللي صرفوه في المحنة المعروفة ما بين المعتزلة العقلانيين -إذا صح التعبير -وأهل السنة والجماعة الذين مثلهم أحمد بن حنبل- رحمه الله- صراع دامي، وقتل، واستشهاد، وسجن، واعتقال، وكتب عديدة، وجدل لا أول له ولا آخر، في قضية: هل أن القرآن حادث مخلوق، أم أنه أزلي؟ لو أن هذه الطاقات العقلية والزمنية صرفت في تجاوز هذا الجدل باتجاه ما أراده القرآن من هذه الأمة أن تكون أمة ملتحمة بالعالم، أن تكون أمة تحمل مهمتها العمرانية (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) أي: بعثكم في هذا العالم لتطويره وإعماره لو أن المسلمين صرفوا هذه الطاقات باتجاه بناء العالم وإعادة بنائه وبناء أنفسهم وتحصينها بالقوة، لكان الحال غير الحال، ولما استنزفت منهم طاقات.

الرسول -عليه الصلاة والسلام- عندما يقول "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة"، لا يعني على وجه التحديد أن الفرق التي ستتمخض عبر التاريخ سيكون عددها بضعاً وسبعين، وإنما يقصد أن هذه الأمة ستتشظى ويحذرها من هذا التشظي، وأن هذه الأمة ستختلف ويحذرها من هذا الاختلاف الذي سيجعل منها قصعة تولم عليها القوى المغيرة، القوى الطاغوتية وبالتالي إحنا علينا أن نتجاوز الانغمار بالجزئيات بأكثر مما يجب لئلا نفقد القدرة على الرؤية الشمولية، والقدرة على الرؤية الشمولية أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يمنحنا إياها بخطوط عريضة أشبه بشبكة من الـ Traffic Light حمراء وخضراء وبرتقالية، تقول لنا: مروا من هنا، تريثوا هنا، توقفوا هنا. وعندما حذر من الفرقية، ومن الإلحاح بالجدل، ومن الإلحاح بالتأكيد الذات الفرقية على حساب الذوات الفرقية الأخرى، كان يحذرنا من شر مستطير قاد هذه الأمة أو كان أحد عوامل سوق هذه الأمة إلى التيبس الحضاري والسقوط في نهاية الأمر.

ماهر عبد الله: طيب أنا سأعود لمقولات الأخ أحمد عزت لاحقاً. عندي الأخت مها، من فلسطين، أخت مها، تفضلي.

مها: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

مها: لو سمحت أنا بأقرأ كتاب "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة" للدكتور مانع بن حماد الجهني فبأسأل سؤال واحد.

ماهر عبد الله: الجهني.

د. عماد الدين خليل: الجهني.

مها: الجهني، بأسأل عن ما مكتوب في وسط الكتاب عن المهدي، فهل هي حزب أم إنه المهدي..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: عفواً.. عفواً السؤال مرة.. مرة أخرى.

مها: بأقرأ عن المهدي أجى عام 1880م، طبعاً أنا مش موجودة كنت.. بهذاك السنة، ما بأعرفش عنه إشي، بأعرف إنه إيجى بالسودان وهذا اللي قرأته، فالنسبة -بيتهيأ لي- لعامة الناس ما بيعرفوش مثل هاي الشغلة، هل صحيح أن المهدي أجى؟ أنا عن نفس ما بأعرف، هل صحيح المهدي أجى أو ما أجى؟ فأرجوك لو سمحت تجاوبوا لنا هذا السؤال من شأن نفهم معناته للكتب اللي بتنكتب، المفروض الشريعة الإسلامية تكون مسؤولية عن الكتب اللي بتنزل بين إيدين الناس، أنا مش أول واحدة بأقرأ كتاب زي هذا، هذه مشكلة بتساع كل المجتمع الإسلامي.

ماهر عبد الله: طيب مشكورة يا أخت مها، معايا الأخ أسعد منصور من ألمانيا، أخ أسعد تفضل.

أسعد منصور: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

أسعد منصور: أقدم تحياتي للدكتور عماد خليل وللأخ ماهر.

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

أسعد منصور: ولي مداخلة، أقول: إن ما يحرص عليه من التاريخ هو الحقائق التاريخية وليس الأحداث. فمثلاً إن الأمة لم تنهزم، فهي حقيقة، ولكن خسرانها في معارك هي أحداث، وأن الأمة كانت لها دولة وتطبق الإسلام هذه حقيقة، ولكن حصول إساءة تطبيق في أحداث تاريخية هذه ليست حقائق وإنما أحداث. والتاريخ ليس مصدر تشريعي للأمة، والمصادر التشريعية عند الأمة القرآن والسنة وما أرشدا إليهما، والأمة لا تنهض إلا بالفكر وليس بالتاريخ، والتاريخ ليس له علاقة بنهضة الأمة ولا بحضارتها، فالعرب قبل الإسلام لم يكن لهم تاريخ، وإنما كان تاريخهم صراع.. عبارة عن صراع قبلي، وكانت حضارتهم تستند إلى عبادة الأصنام. ولهذا السبب فإذا أردنا أن ننهض اليوم لا نرجع إلى التاريخ، ولو كانت أمة أو أي شعب من شعوب العالم اليوم أراد أن ينهض ولو لم يكن له أي تاريخ، فإذا تبنى مبدأ شاملاً عن الحياة يستطيع أن ينهض، اليونان كان لهم تاريخ ولكنهم اليوم متأخرون، ولهذا السبب يجب أن نحرص على رفع مستوى الأمة ولا نركز على حوادث التاريخ، ولكن نذكر الأمة بحقائق التاريخ، ولهذا السبب يجب.. أن نحرص على مستواها الفكري.. على رفع مستوى الأمة الفكري، حتى تنهض وتجعل عقيدتها الإسلامية عقيدة روحية سياسية وليست..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ أسعد.. أخ أسعد، الفكرة واضحة مشكور جداً، وإن شاء الله تسمع تعليق من الدكتور عليها. معي الأخ محمد مصطفى -من السعودية- أخ محمد تفضل.

محمد مصطفى: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد مصطفى: سؤالي للدكتور عماد. بالنسبة لو قلنا إن فيه قصة معينة، المؤرخ هيبتدي يتكلم عن القصة، فالمطلوب من تاريخ.. تاريخ القصة، موقعة.. المكان اللي حصل فيه القصة، القصة نفسها، الأطراف، لكن هل مطلوب منه كمان إنه يقول وجهة نظره عن القصة دي، بحيث ده بيعتبر إجحاف للقارئ نفسه؟ إن والله أنت بتتبنى لي وجهة نظر أو بتقول لي وجهة نظر أنا ما أدتنيش فرصة إن أنا أقول وجهة نظري فيها، مع العلم إن لو تلاقي إن التاريخ الإسلامي مختلف بين الدول العربية الإسلامية عامة، تلاقي.. ممكن تلاقي موقعة هنا تختلف عن موقعة هنا، عن موقعة هنا، عن موقعة هنا، ومثل اللي هو الدولة العثمانية و.. وجهات النظر وجمال باشا السفاح، وهنا ده بيقولوا سفاح وده بيقولوا كويس، وده بيقولوا..، يعني وجهات نظر كتير، والتاريخ الحديث..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ محمد السؤال هذا واضح، عندك سؤال ثاني؟

محمد مصطفى: بس شكراً.

ماهر عبد الله: طيب مشكور جداً، واضحة النقطة، وأعتقد إنه سؤال مهم، نرجع إلى سؤال الأخت مها، المهدي جاء أم لم يأتِ بعد؟!

د. عماد الدين خليل: المهدي في السودان شخصية تاريخية معروفة قائد الحركة المقاومة السودانية للاستعمار البريطاني، وانتصر على..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أنا أظن.. أنا أظن سؤالها: هل مهدي السودان هو المهدي؟
د. عماد الدين خليل: لا لا ليس بالضرورة، المهدي رمز عندما يطرح في الأحاديث النبوية الشريفة كرمز لإنسان (...) الأمة من الظلم، ويعيد إليها العدل الذي أمر به كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فإذا ما ظهر هنا أو هناك فإنما هو انعكاس ليعني أقول رأي عام شعبي إسلامي يتوق إلى العدل عبر سلسلة متطاولة من التاريخ الذي انطوى على قدر كبير من القهر والظلم والابتزاز.

ماهر عبد الله: سؤال الأخ أسعد، أو أسئلة الأخ أسعد، سؤاله الأولاني: هل ثمة فرق بين حقائق التاريخ وأحداث التاريخ؟ في بعض الأحيان مجمل الحوادث قد يكون سلبي، أو يعني تكرار لمجموعة من سلبيات الحادثة، لكن الحقيقة التاريخية -من وجهة نظره- قد تبقى هي الأساس، الأمة قائمة، وأمة إسلامية، هل هناك فرق، هناك حقيقة تاريخية، هناك حادث تاريخي؟

د. عماد الدين خليل: والله في المصالح التاريخي عندما ما فيه فرق، يعني الحقيقة التاريخية هو.. هي الواقع التاريخي، الحديث التاريخي، هو الخبر الصادق.. التاريخي بعد تمحيصه وتدقيقه، لعلي به الأخ الكريم أنه أراد يعني بالفرق بين الحقيقة والحدث، أن شخصية الأمة الإسلامية على مدار التاريخ وقيمها وثوابتها العقدية والتشريعية لن تتعرض للتآكل والانكسار، ولكن هذه الأمة عبر تاريخها، عبر تجربتها التاريخية ممكن تتعرض للكثير الكثير من الانكسارات، وبالتالي يجب أن نفرق بين ما هو إسلامي في تكوين هذا التاريخ.. وبين ما هو خبرة بشرية قد تنطوي على الخطأ والصواب معاً، أما أن نجد هناك فرقاً بين الحقيقة والحدث فلا أجد في المصطلح التاريخي ما يفرق بين هذا وذاك.

ماهر عبد الله: ما هو.. يعني الحدث في المحصلة النهائية هو حقيقة، حقيقة.

د. عماد الدين خليل: بعد تمحيصه يصبح حقيقة.

ماهر عبد الله: طيب سيدي سؤاله عن يعني أنت لم تقل أن التاريخ مصدر تشريع، ولكن يبدو فهم أنه هذه دعوة لاعتبار التاريخ شاهد على.. حتى البعد الديني، العلاقة بين التاريخ والتشريع، يعني ما ذكر عرضاً في الكلام أنه الفقه قد يكون أحد مصادر التاريخ، لكن لم نقل أن التاريخ أحد مصادر الفقه.. تشريع..
د. عماد الدين: خليل: مصدراً تشريعياً، ينطوي على خبرة تشريعية، ولكنه ليس مصدراً تشريعياً.

جدلية العلاقة بين الفكر والتاريخ

ماهر عبد الله: "الأمم تنهض بالفكر وليس بالتاريخ"، النهضة إنه مطلوب منها أو حتى تقوم يشترط لها مزج فكري ومحتوى فكري، ولكن ليس بالضرورة أن يكون لها تاريخ ولا أن تتعظ بالتاريخ.

د. عماد الدين الخليل: والله فكرة منهجية خاطئة يعني قضية إما هذا أو ذاك، يعني إحنا كمسلمين ننطلق من رؤية وسطية علمنا إياها القرآن، أن دائماً نرى الكرة الأرضية في طرفيها الليل والنهار، ولعل الله -سبحانه وتعالى- أراد أن تكون كرة لكي يعلمنا من خلال دورانها الذي يتعاقب فيه الليل والنهار على أن دائماً هنالك أسود وأبيض، هذا وذاك. فمنهجنا الإسلامي هو هذا وذاك، وليس إما هذا أو ذاك. إحدى مطبات العقل الغربي هي إما هذا أو ذاك، إما الفردية وإما الجماعية، إما العدل وإما الحرية، إما الوجودية وإما الشيوعية، إما الرأسمالية وإما المشاعية، إلى آخره، إحنا في عقيدتنا ليس في هذا، فيا ريت إحنا نسحب هذه الرؤية الشمولية التي تمسك بالعصا من أوسطها وتقول هذا وذاك حتى في جدلنا اليومي، في طروحاتنا، في مناقشاتنا، يعني يا أخي الكريم، وجهة نظر جيدة والله عندما يوغل في المسألة ويطرحها إنها جدلية العلاقة بين الفكر والتاريخ، والحقيقة أيش أقول إما الفكر وإما التاريخ؟ الفكر والتاريخ معاً يشكلان نبض الأمة حاضرها ومستقبلها، ما من أمة في تاريخ البشرية على مسار التاريخ البشري قادرة على أن تنسلخ عن جلدها وبصماتها وتخرج من معطفها التاريخي، نحن أبناء التاريخ، وبالتالي نتلقى تكويننا وتشريحنا وبيولوجيتنا -إذا صح التعبير- من التاريخ والفكر معاً، ويصعب على المرء أن يفصل بين هذا وذاك، بما أن التاريخ ينطوي بدوره على الفكر، والفكر يتشكل بالنبض التاريخي في بعض حلقاته وحيثياته.

ماهر عبد الله: طيب الأخ محمد مصطفى، أو اسمح لي نأخذ المكالمات وبعدين نرجع لسؤال الأخ محمد مصطفى، والأخ أحمد عزت أطمئنه انه سؤاله يعني مازال، معي الأخ سالم عبد الله، من بريطانيا، أخ سالم، تفضل.

سالم عبد الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

سالم عبد الله: المستشرقين والمبشرين كانوا طليعة الاستعمار الأوروبي لبلاد المسلمين منذ القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر. حصل أن بعض علماء من المسلمين اللي أراد أن يزين بحوث المستشرقين فيما كتبوه عن التاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية، بل إن بعضهم درس الإسلام في جامعاتهم، وعندما رجعوا إلى بلادهم.. بلادهم الأصلية جعلوهم يشرفون على سياسة التعليم ومناهجها، وكان أبرزهم طه حسين اللي على طيلة نصف قرن من الزمان كان يهاجم التاريخ الإسلامي بالشكل اللي جعل منه عميل للفكر الرأسمالي والحضارة الغربية من خلال ما كتبه في عدة كتب بيهاجم به الإسلام. هل ما كتبه الدكتور الفاضل الدكتور عماد الدين خليل هل هذا في المستقبل سيحكم؟ يعني معروف ذكر الأخ بأن ما يطبق من قوانين دساتير على الناس هو الواقع الفعلي اللي.. اللي يعكس ما.. الحياة الاجتماعية والسياسة والاقتصادية لذات المجتمع، فهل الأخ الدكتور يعتبر التاريخ مصدر من مصادر التشريع، ومعروف أن مصادر التشريع في الإسلام هي الكتاب والسنة وما أرشد إليه؟ فهذا أكيد يعني أن التاريخ ليس بالضرورة سيؤدي إلى نهضة الأمة، اللي يؤدي إلى نهضة الأمة تمسكها بعقيدتها الإسلامية والفقه الإسلامية اللي إيجى به الإسلام. وشكراً.

ماهر عبد الله: طيب معايا الأخ طالب نصر الله -من لبنان- أخ طالب، تفضل.

طالب نصر الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. عماد الدين خليل: عليكم السلام والرحمة.

طالب نصر الله: لي مداخلة بسيطة بخصوص.. نشكر لكم أخي ماهر تقديم مثل هذه المواضع، ونشكر الدكتور عماد، الكلام عن التاريخ الإسلامي يفرض علينا حقائق عديدة من أهمها:

منذ وصول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى الحكم في المدينة المنورة والمسلمين يعتنقون عقيدة ويطبقونها، مع إن المسلمين كانوا على مر العصور يطبقون الإسلام، وكونهم.. وكونهم طبقوه عملياً فإن الذي يفصل.. يطبقه هو الدولة، والذي يطبقه في الدولة شخصان: القاضي الذي يفصل الخصومات بين الناس، فإنه نقل بالتواتر إن القضاة الذين يفصلون الخصومات بين الناس منذع عهد الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- حتى نهاية الخلافة في اسطنبول كانوا يفصلونها حسب حكم الشرع الشريف في جميع أمور الحياة، سواءً بين المسلمين وحدهم، أو مع غيرهم. ولم يروى أحد أن قضية واحدة فصلت على غير الأحكام الشرعية الإسلامية، أو إن محكمة ما في البلاد الإسلامية حكمت بغير الإسلام قبل فصل المحاكم إلى شرعية ونظامية، تأثير الاستعمار وأقرب دليل على ذلك سجلات المحاكم الشرعية المحفوظة في البلدان القديمة كالقدس وبغداد ودمشق مصر.

ماهر عبد الله: أخ.. أخ طالب إيش.. إيش المقصود؟ أخ طالب النقطة واضحة، إيش المقصود منها؟

طالب نصر الله: نعم يا أخي، إنه المسلمين طبقوا الإسلام على مر العصور.

ماهر عبد الله: طيب السؤال؟

طالب نصر الله: ولا يؤخذ التاريخ من كتب مثل كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، ولا من غيره.

ماهر عبد الله: بس بس يا أخ طالب يعني أعتذر عن المقاطعة، يعني هذه المداخلة الثالثة بهذا الاتجاه، يعني لا الدكتور ولا أنا فهمت منه، نحن لا نقول ولم يقل أحد بأن التاريخ مصدر من مصادر التشريع، نحن نقول: ثمة سنن منتظمة لحركة البشرية في إعمار هذه الأرض، التاريخ هو المدرسة الوحيدة التي تقول وتؤشر، تقول لنا وتشير إلينا، إلى هذه السنن، الدعوة.. أزعم أن الدعوة التي ندعو إليها هو التعلم من هذه النظم، لا التشريعات، ولا القوانين، ولا العقيدة، هذه سنن كون إذا، إذا رأينا الدنيا أمطرت أو.. أو غيمت نعتقد أنها ستمطر، نحن لا نعلم الغيب ولا نلزم الله -سبحانه وتعالى- بإنزال المطر، لكن علمتنا الحوادث أنه إذا هبت الريح سيتلوها غيم، سيتلوها مطر. في التاريخ ثمة غيوم تاريخية، ثمة رياح تاريخية، نحن نريد أن نتلمس إذا كان ثمة آليات لتلمس هذه الرياح التاريخية هذه الغيوم التاريخية، لنعرف إذا كان التاريخ سيمطر أم سنبقى في.. في صحرائنا العربية التي نعيشها اليوم.

سيدي، الأخ سالم عبد الله ذكر عن التبشير والاستشراق وأنا كنت مؤجل موضوع الاستشراق إلى يعني النهاية، على اعتبار أن الأمة بدأت تتعافى شيئاً فشيئاً من الإرث الاستشراقي السيئ، ثمة إعادة نظر حتى في.. في الغرب لموضوع الاستشراق، لكن كان سؤاله أن أغلب من وضعوا مناهجنا -إذا كان سمح لي بإعادة الصياغة- أن أغلب من وضعوا مناهجنا التاريخية وحتى اللغوية هم تلاميذ مستشرقين في مرحلة الانبهار، الفكر الإسلامي في العقود الأخيرة بدأ يتعافى، لكن المناهج لم تتغير ولم تتعاف بنفس الطريقة، هل تتلمس نوع من التعافي في.. في المناهج؟

يعني عندي سؤال مثلاً للأخ جمال الدين، لا يذكر من أي بلد: التاريخ الإسلامي المنقح في المراحل الأولى في التعليم مسألة مهمة في شخصية.. أو مرحلة مهمة في صياغة شخصية كل منا. هل نعتز بتاريخنا الإسلامي بدل من تدريس تاريخ كل دولة حالية؟

د. عماد الدين خليل: الحقيقة كما ذكرت الأخ سالم عبد الله أن المستشرقين والمبشرين كانوا طليعة الاستعمار، هذه مسألة يعني محسومة، وارتبطت معطياتهم حقيقة بالصدمة الاستعمارية في عنفوانها، ولهذا رؤيتنا الإسلامية، رؤية الأجيال الأولى للحركة الاستشراقية بالذات، لندع التبشير جانباً لأنه مسألة مكشوفة بأكثر مما يجب، ومنحازة بأكثر مما يجب، الاستشراق في بدايته الأولى كان مرتبطاً بدوائر الاستعمار الغربي، ومرتبطاً أيضاً بدوائر التوجيه الكنسي، لا ينكر هذا أحد، وبعدين ارتبط أيضاً بدوائر التوجيه الماركسي المادي للدولة السوفيتية فيما بعد، ففي الحالات الثلاث كان أشبه بحراب موجهة إلى عقل هذه الأمة وتاريخها ومعطياتها.

ولكن بمرور الوقت ومرة أخرى دائماً نستدعي المنهج القرآني (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).

ظهرت أجيال من المستشرقين والأكاديميين منهم على وجه التحديد أصبحوا أقرب إلى الموضوعية مما كان عليه آباؤهم وأجدادهم، وبالتالي فإن علينا أن نتعامل مع الموروث الاستشراقي، ليس بصيغة وضع البيض كله في سلسة واحدة، أو بالمسطرة والبرجال، وإنما أن نميز بين غث المعطي الاستشراقي وبين سمينه بين ما يمكن أن يخدمنا ويبني بحوثنا التاريخية وما يهدم هذه الثوابت المتفق عليها، نعم.

ماهر عبد الله: طب على الصعيد الأكاديمي.. على الصعيد الأكاديمي الصرف هل.. هل تخلص الإرث الأكاديمي -وأنت مدرس- هل تخلص الإرث الأكاديمي؟
د. عماد الدين خليل: إلى حد كبير، على سبيل.. يعني من خلال الخبرة الواقعية أنا كنت طالب جامعي في بداية الستينيات في إحدى الكليات في العراق، كان 9 من 10 من أساتذتنا في التاريخ وفي حتى الفروع المعرفية الأخرى، في الفلسفة، في أصول التدريس، في علم النفس، وحتى في اللغة العربية، متأثرين تأثراً عميقاً بالفكر الاستشراقي.

[موجز الأخبار]

صياغة التاريخ بين المنهجية والتأثيرات الخارجية

ماهر عبد الله: سيدي، لو عدنا لسؤال الأخ محمد مصطفى، كان سؤاله يعني يمكن وصفه بأن منهجي، يعني هناك واقعة هناك مكان، هناك أطراف وشخوص في ذلك المكان صنعت هذه الواقعة، عندما نريد أن نؤرخ لهذه الواقعة، وإذا أردنا أن نخرج من السمت العام الحولي السردي، أين تضع -كمؤرخ- وجهة نظرك في نقل هذه الواقعة؟ كيف يمكن أن.. كيف.. يجب أن يكتب التاريخ؟

د. عماد الدين خليل: ينطوي التاريخ أيها الأخ العزيز على بعدين، البعد الأول: هو محاولة يعني بلورة الواقعة وتمحيصها وتأكيدها في نهاية الأمر بما تنطوي عليه من زمن ومكان وفعل إنساني ينصب على الزمن والمكان، فيصوغ الواقعة التاريخية، هذه المرحلة الأولى.

المرحلة الثانية: تفسير الواقعة، هذا التفسير هو قضية احتمال ينطوي على بعد احتمالي كبير، لأنك عندما تحلل واقعة ما لابد أن يكون هناك بعض المؤثرات العقلية والوجدانية والتحزبية تندرج -شئت أم أبيت- في سياق تعاملك مع الواقعة التاريخية. فإحنا نقول: ما دام التاريخ علم احتمالي قدر الإمكان، يعني كما يقول مناطقتنا القدماء: "ما لا يدرك كله لا يترك جله" نحاول أن نقارب الواقعة التاريخية تحليلاً وتفسيراً بأقل قدر ممكن من التأثيرات الشخصية الانفعالية التحزبية، من أجل أن نحقق خطوة أكثر باتجاه تفسير وتحليل هذه الواقعة التاريخية.

ماهر عبد الله: على ذكر التفسيرات وربطاً بالإخوة الذين فهمونا خطأً بأننا ندعو إلى وضع التاريخ مصدر من مصادر التشريع، غالبية العلوم الإنسانية وليس التاريخ وحده، يعني، علم الاجتماع.

د. عماد الدين خليل: علم النفس، السياسية.

ماهر عبد الله: تميل.. هذه العلوم تميل -غير أنها غير دقيقة أنا أتفق معك تماماً ولم يزعم أحد من أصحابها أنها علوم دقيقة هي علوم يعني ليست Exact Sciences زي العلوم الطبيعية ولكن بميل عليها الجانب التفسيري لا التأسيسي، يعني في.. في الرياضيات أنت تؤسس لنظرية ثم تبني عليها صناعات و..، في علم التاريخ كجزء من.. من هذه العلوم الإنسانية، هل يمكن أن يكون يعني علماً تأسيسياً، وبالتالي أنت تعتمده هو الحجة في.. في صياغة المجتمع صياغة جديدة كما حاول (مارتين) أن يدعو، أم هو مجرد علم تفسيري مثله مثل علم النفس، مثله مثل علم..، وبالتالي هو مقدمة لحلول أخرى؟ يعني أنت تاريخياً تدرس الظاهرة، ثم شخص آخر وتخصص آخر هو الذي يسعى إلى..، فهل هو علم تفسيري أم تأسيسي علم التاريخ؟

د. عماد الدين خليل: هو معظم المؤرخين يعني يحاولون أن يعني يتشبثون بتسمية هذا الفرع المعرفي بالعلم، فيسمونه "علم التاريخ"، معتقدين أنه تنطبق عليه المواصفات التي تنطبق على العلوم الأخرى، فهو تأسيسي وتفسيري معاً، وإحنا في الحقيقة -كما قلت قبل قليل- إذا استطعنا أن نقيم تأسيساتنا التاريخية من خلال ضبط المرويات التاريخية نقداً وضبطاً ومتابعة وإحالة على روح العصر وتشذيباً، ممكن أن ننتقل إلى المرحلة التالية، وبالتالي نقارب المفاهيم العلمية في البحث التاريخي، من حيث أنه تفاسير تنبني على وقائع ثبتت صحتها قدر الإمكان، وأقول "قدر الإمكان" تحفظاً، لأن الإمكان المطلق غير وارد في كل العلوم الإنسانية، بما فيها علمي النفس والاجتماع.
ماهر عبد الله: طيب اسمح لي بالمكالمات الأخيرة، معي الأخ أشرف حسن -من هولندا- أخ أشرف، أرجوك أن تكون مختصراً.. تفضل.

أشرف حسن: أيوه، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. عماد الدين خليل: عليكم السلام.

أشرف حسن: هأخش مداخلة سريعة، بالنسبة للتاريخ طبعاً، التاريخ مؤثر هو أباؤنا وأجدادنا الأولين، حتى نحن أنفسنا وبرامج.. البرامج اللي موجودة دلوقتي على التليفزيون بعد 10، 15 سنة هيكون تاريخ، سبحان الله!! ... بيؤخذ منها من الأجيال، ولكن إذا كان المفهوم اللي فهمت منه بالنسبة لهذه الحلقة إن عايزين نعمل علاقة بين التاريخ وبين العقيدة وإزاي تؤثر علينا، مش هو يعني هو المفروض تاريخيين يعني، تمام.. فأي.. فأي تاريخ هل المفروض إن إحنا نؤخذ به؟ المفروض إحنا أمة وسط، ربنا اصطفاها -سبحانه وتعالى- (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) أي نوع من.. من التاريخ نختار؟ أنا مصري، مفيش فرق بين مصري وعربي ومغربي، أي تاريخ؟ هل التاريخ مثلاً الهكسوس، فرعون؟ التاريخ زي ما ذكر السيد الدكتور عماد الدين لما حصل المشكلة بين المعتزلة وبين الجماعة.. أي تاريخ؟

أنا بأعتبر إن الآلة القوية والقوية فعلاً لتأثير للتأثير على.. على التاريخ الإسلامي هو الإعلام المرئي، إذا استطاع الإعلام المرئي أن يوجه بصورة أو بأخرى، إن شاء الله الزمان يمكن إحنا مش.. لن نستطيع دلوقتي، لكن بعد عشر سنين لازم هو ده الموجه، زي الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال لك: "علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل".

طب خيل أيه دلوقتي؟ دامفروض بقى أعلمهم الطيران بقى عشان ربنا يكرمنا -سبحانه وتعالى-، واخد بال سعادتك؟ فلازم يكون فيه...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب أخ أشرف.. أخ أشرف، السؤال واضح وأنا مضطر للمقاطعة، معايا الأخ أحمد عبد العزيز -من بريطانيا- أخ أحمد تفضل، وأرجوك الاختصار أيضاً.

أحمد عبد العزيز: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. عماد الدين خليل: عليكم السلام.

أحمد عبد العزيز: حياكم الله، الله يسلمكم، أستاذ ماهر، بس عندي مداخلة بسيطة كده وسؤالين. (الجزيرة) هي الوحيدة اللي بتقول الحقيقة والواقع التاريخي لما يجري في فلسطين، اليهود هم قاعدوا يخربوا الأراضي الزراعية، الأراضي الزراعية دي ذنبها أيه؟ الأشجار والحاجات التانية، وبيهجموا الإرهابيين على الفلسطينيين يومياً بالدبابات والطائرات والمروحيات، و(الجزيرة) تقعد تجيب.. يعني بينددوا وهذا أضعف.. أضعف الإيمان، وبيدمروا البيوت يومياً يعني، ومع ده عرفات وجماعته بيطلبوا من الأميركان اللي بيضربوهم حماية دولية، حتى في مؤتمر (ديربان) قال: إن إحنا عايزين حماية دولية، يعني ما..، والباقيين بيقولوا لا، العنصرية هي اليهودية وما فيه حاكم مسلم مشى.. ساهم عشان يقول لهم الحقيقة. فيه (الجزيرة) يعني هل (الجزيرة) هم مؤرخين، المؤرخين في (الجزيرة) يبدو التاريخ الحقيقي عشان الأجيال اللي بعدنا حتى الجيل الناشئ ده يعني ما قدر يفهم، آه وهم لسه..

ماهر عبد الله: طيب أخ أحمد يعني مشكور جداً، يعني إحنا (الجزيرة) يعني لسنا مؤرخين ولا أعتقد أننا نطمح أن نكون، نحن نحاول قدر الإمكان نقل الخبر كما هو، وهذا جزء من العملية التاريخية.

[فاصل إعلاني]

التاريخ والعقيدة وتأثير كل منهما على الآخر

ماهر عبد الله: سيدي، لو أدخلنا بس شوية تعديل على سؤال الأخ أشرف، التاريخ والعقيدة كيف يؤثران فينا؟ يعني ثمة مقولة تنسب إلى سيد قطب:"أن التاريخ جزء من العقيدة"، وبالتالي حتى نستوعب الإيمان وحتى له تفسير لبعض السور (ما كان للمؤمنين أن ينفروا كافة فلولا نفر..) كان يعتقد أن الذي يفقهون الدين ليس الذين يبقون مع المصطفى، بل هم الذين يتحركون بهذا الدين، بالتالي هو أدخل التاريخ في.. في مسمى العقيدة على اعتبار أنه الأداء الأسلم لفهمها كما تحركت على الأرض ، لا كما نهواها أن تكون. هل تتفق أولاً مع.. مع هذه المقولة، أم هي خطيرة بعض الشيء؟

د. عماد الدين خليل: والله إلى حد كبير، لأنه العقيدة إن لم تتحقق تاريخياً في الزمن والمكان وتصير وقائع معيشة يوماً بيوم وسنة بعد أخرى، فإنها أشبه بنظرية تسبح في الفراغ، وإحنا مصداقية عقيدتنا الإسلامية تأكدت عندما تحولت إلى واقع تاريخي، ولكن متى يكون التاريخ مرآة صادقة للعقيدة؟

عندما تنفذ مطالب العقيدة في بنية هذا التاريخ، وفي حيثياته، وفي خلاياه وشرايينه يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما قال "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، أي الأجيال الأولى، بم أصبحت هذه الأجيال الأولى تاريخياً مرآة صادقة للعقيدة، فأطلق عليها الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- بأنها خير القرون، وقال عنها القرآن الكريم من قبل بأنها خير أمة أخرجت للناس إلى آخره؟
ليس لكونها كانت تعبد الله بالمفهوم التعبدي الصرف أكثر، تصلي وتصوم أكثر، وإنما لأنها حاولت الصلاة والصيام، حولت العبادة إلى واقع متحقق في التاريخ، فأطاحت بدول كبيرة تقوم على الشرك والوثنية والطاغوتية، وأنشأت حضارة، واستطاعت أن تجابه تحديات الردة والتمزق، وحققت الكثير.. الكثير في واقع حياة، كانت خير القرون هي الأجيال الأولى التي بلغت فيها حضارتنا قمة منحناها بالفاعلية، بالالتحام بالكتلة، كما يقول، بتوظيف الزمن والمكان، بتحويل الخطاب القرآني إلى واقع معيش في حياة الناس، حينذاك كان التاريخ مرآة صادقة يعكس الرؤية العقدية في واقع الحياة. ونحن الآن حقيقة في الاتجاه الآخر، في الاتجاه السلبي، انشقاقنا عن العقيدة، عن مطالب العقيدة، عدم قدرتنا على التوحد معها وتحويلها إلى واقع تاريخي معيش هو الذي جعلنا نخرج من التاريخ، فالتاريخ: بهذا المفهوم يعني يؤكد ضرورة أن العقيدة لن تحقق مصداقيتها إلا بأن تلتحم بالناس والأشياء والتجارب المعيشة.

ماهر عبد الله: بالتالي المعكوس لهذا، ثمة هجمة على التاريخ بين الفينة والأخرى، وثمة هجمة حتى على السيرة تحديداً، هل الهجوم على التاريخ هو جزء من هذه الهجمة على العقيدة؟ لأن ثمة فيه محاولة للتشويه.

د. عماد الدين خليل: السيرة هي الوعاء الزمني لتجارب وخبرات وشخصية ومعطيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأي هجوم هو اختراق لثابتة من ثوابت العقيدة الإسلامية، اللهم إلا إذا قصد بالهجوم على السيرة استبعاد المرويات الضعيفة من بنية السيرة النبوية وما أكثر المرويات الضعيفة التي انضافت إلى جسد السيرة...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لا.. استبعادها.. استبعادها تماماً بمعنى أنها ما هي إلا تجربة تاريخية مثال قدم، البعض يقول هذا يعني دون أن نذكر أسماء بالتحديد.

د. عماد الدين خليل: لا أبداً لا هذا.. هذا إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة، أن ننفي حجية سيرة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بما تنطوي عليه من أحاديث ملزمة جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم، هذا لا يقول به شخص يؤمن بثوابت هذا الدين، لكن تبقى عندنا قضية التاريخ، التاريخ ينطوي على الخطأ والصواب، ينطوي على خبرات في غاية الإيجابية وممكن أن نتعلم منها، وينطوي على الكثير.. الكثير من الأذى والشر والسلب وعوامل الإعاقة والشد إلى الوراء، مما نحن في أمس الحاجة إلى أن نتحرر منه، ونرجع ثانية إلى القرآن الكريم الذي يقول: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعلمون).

ماهر عبد الله: طيب الأخ تركي عبد الله الهاجري بيسألك على الإنترنت: بما أن الحاضر غرس الماضي، والمستقبل هو الابن الشرعي لكليهما، فهل لديك استشفاف لتاريخ المستقبل الإسلامي، إذا صح التعبير؟

د. عماد الدين خليل: واضح الانعكاس في مقولة فيلسوف تاريخي معروف إيطالي (بينديت دي كروتشا) الذي يقول: "التاريخ المعاصر.. التاريخ كله تاريخ معاصر"، لا نستطيع أن ننفي، مثل النهر، نهر النيل أو نهر دجلة أو نهر الفرات هو نفسه في كل مكان يتحرك فيه، لأنه ينبع من نفس المنابع وينطوي على المكونات المائية والمعدنية نفسها. كذلك التاريخ هو تاريخ الآباء والأجداد ينصب في الحاضر ويمضي قدماً إلى المستقبل، واليد القديرة على الإمساك بالخبرات الأكثر قدرة على بناء شخصيتنا، وعلى وضعنا في قلب العصر، وعلى مجابهتنا للتحديات، وعلى صياغة مستقبلتنا..

مستقبلنا، هي اليد التي تعرف كيف توظف التاريخ، أما الانسياق الرومانسي إلى التاريخ، الانشداد بأكثر مما يجب إلى التاريخ، سيعود مرة أخرى بنا إلى ما بدأنا به حديثنا أول مرة من التحذير الذي أطلقه مالك بن نبي -رحمه الله- من أن الذهاب إلى التاريخ بأكثر مما يجب يغيبنا عن الساحات، عن الحاضر، عن التحديات، ويبعدنا عن مطالب بناء واقعنا ومستقبلنا على السواء.

ماهر عبد الله: طيب الأخ أو الأخت سلسبيل نسأل: هل الفتوحات الإسلامية كانت استعماراً؟ وإن لم يكن كذلك فما الفرق بين الاستعمار -كما عرفناه- والفتوحات الإسلامية؟

د. عماد الدين خليل: الاستعمار بالمصطلح المعروف البحث عن الأسواق والخامات واليد العاملة الرخيصة، وتمكين الغني الأوروبي لكي يزداد غنىً والفقير الآسيوي لكي يزداد فقراً في مرحلة تاريخية عفا عليها الزمن والحمد لله، وإن كان قد حل محله الاستعمار الجديد والعولمة التي هي أقصى حالات الاستعمار بشكله المعاصر.

يبقى عندنا أن الفتح الإسلامي كان فتحاً معاكساً تماماً للمفهوم الاستعماري، وهو فتح تحريري، وكان شعاره "جئناكم لكي نخرج العباد من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده"، وقد عومل عوملت الشعوب الأخرى معاملة الند للند ماعدا فترات تاريخية محددة ربما كان الأمويون فيها قد تجاوزوا حدود معينة في التعامل مع الموالي، ولكن المدايات الزمنية الأوسع كان غير العربي فيها على قدم المساواة مع العرب، وأتيح لكل الشعوب الإسلامية أن تصعد إلى السلطة وأن تمارس دوراً إسلامياً خطيراً كالشراكسة، والأكراد، والأتراك، والفرس، والزنج، والأسبان.. كل هؤلاء، والبربر كانوا جنباً إلى جنب مع العرب قديرين على الإمساك بزمام القيادة الإسلامية والحركة التاريخية في عالم الإسلام، وأن يلعبوا دورهم المؤثر، وحتى اللحظات الراهنة إذا أتيح لك أن تذهب إلى ماليزيا أو إلى باكستان وتقول لهم: إنك عربي سيطوفون حولك معانقين مقبلين معتزين بك، لأنك تنتمي إلى الأمة التي حملت لواء هذا الدين، والتي كان نبيها -صلى الله عليه وسلم- من العرب أنفسهم.

هذا الالتحام بين العربي وغير العربي يعطينا -حتى اللحظات الراهنة، وسيواصل إن شاء الله إلى المستقبل- يؤكد أننا عندما دخلنا بلدان العالم الأخرى فاتحين استطعنا أن نكسبها لا أن ننفرها، وأن نحررها لا أن نستعبدها، وفرق كبيرة بين استعمار ينتهي به الأمر إلى أن ينسحب من الأرض التي استعمرها في كل الحالات، وبين فتح يستمر في الأرض التي فتحها إلى أن يشاء الله.

ماهر عبد الله: الدكتور زهير من السعودية يسأل: ماذا يجب علينا فعله لتاريخنا اليوم وغداً؟ كيف نخدم تاريخنا؟

د. عماد الدين خليل: نخدم تاريخنا بأن نعيد كتابته بطريقة أكثر علمية، وقد جرت محاولات عديدة في الحقيقة في أكثر من بلد عربي وإسلامي، ولكنها كلها.. ولكنها كلها قطعت خطوات في الطريق ثم توقفت، لأن مشروع إعادة كتابة التاريخ بالطبيعة العلمية (المطلوبة) الذي يضع خبرة الآباء والأجداد بين أيدينا بشكل أكثر دقة وعلمية تحتاج إلى كوادر بشرية، إلى عدد هائل من المتخصصين، وإلى أموال كثيرة، ولابد أن يقوم بها يعني أن.. أن يتحملها جهد مؤسسي، وهذا ما لم يتأت به لحد الآن، رغم أن دعوات كهذه خمسينيات هذا القرن وحتى اللحظات الراهنة، ونحن لا نزال ننتظر المؤسسة أو الجهة التي يمكن أن تتبنى مشروعاً كهذا، وحينذاك يمكن أن يكون التاريخ الإسلامي معروضاً أمام الناس مثقفين وعامة ودارسين، بصيغة أكثر إحكاماً من كل الصيغ التي قدم بها لحد الآن.

ماهر عبد الله: طيب عندي سؤالين من الأخ أحمد عزت.. يعني باختصار شديد بقى معي دقيقتين أو أقل قليلاً، السؤال الأول: يقول الأخ أحمد، أو يتصور، أنه يمكن تعليم الدين بكافة جوانبه من خلال استعراضنا للتاريخ، هل يمكن نقل الإسلام عقيدة وفكراً وسلوكاً لأطفالنا من خلال النماذج التاريخية والأمثلة التاريخية؟

د. عماد الدين خليل: التاريخ كما يسمى في المصطلح "علم مساعد" وكما يسميه.. علم.. "علم آلة"، علم وسيلة لتعليم الشريعة والعقيدة والحقائق الأساسية، يبقى أن تعليم الشريعة والعقيدة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ويبقى أن التاريخ رافد من الروافد التي تغذي هذين التيارين الكبيرين، وقد نتعلم عقيدتنا من خلال الخبرة التاريخية التي عكست بدرجة أو أخرى معطيات هذا الدين في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس ثمة فاصل -في الحقيقة- كبير أو خندق يفصل التاريخ عن القرآن والسنة، من حيث أنه مرآة انعكست عليها معطيات القرآن والسنة، ويمكن أن تعلمنا الكثير.. الكثير في سياق تعالمنا مع العقيدة والشريعة الإسلاميتين.
ماهر عبد الله: التاريخ.. وعندي دقيقة، التاريخ هو المستقبل أننا نعيش مرحلة إسلامية بمعنى أنه من عمر العرب ستكون هناك مراحل ما بعد الإسلامية هل التاريخ هو مستقبلنا؟ وهل نحن نعيش مرحلة إسلامية قد ننتقل إلى غيرها فيما بعد؟

د. عماد الدين خليل: لأ، بالعكس إحنا نعيش مرحلة إلى حد كبير مهزوزة إسلامياً، مرحلة فقدت الكثير من ثوابتها الإسلامية، وننتظر يوم الخلاص، اليوم الذي سننبعث به مرة أخرى مصغين جيداً للخطاب القرني والخطاب النبوي، معيدين بناء حياتنا وفق مقولات القرآن والسنة، قادرين على أن نثبت للعالم أننا أمة جديرة بالحياة والاستمرار..

ماهر عبد الله: هو قصده إنه مرحلة وستنتهي، يعني هذا الانهزام وهذا الانكسار الإسلامي.

د. عماد الدين خليل: سينتهي بكل تأكيد.

ماهر عبد الله: سينتهي ولكن إلى اللا إسلام وليس بالضرورة.

د. عماد الدين خليل: لأ، لأ، ستنتهي إلى الإسلام، لأن العالم كله وليس عالمنا الإسلامي فقط هو في أمس الحاجة إلى الذي.. إلى العقيدة التي تنقذه مما هو فيه، ولن يكون لهذه العقيدة إلا أن تكون، كما يقول (جارودي) في نهاية هذا الحديث يقول: إن المشكلة كونية مشكلة العالم كله كونية، ولا يمكن للجواب إلا أن يكون كونياً، أي بالإسلام الذي يمكن أن يقدم إجاباته على كل الأسئلة الكبيرة المحيرة التي تقلق الضمير الإنساني.

ماهر عبد الله: طيب شكراً لك سيدي، شكراً لكم على حسن المتابعة، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.