مقدم الحلقة: ماهر عبد الله
ضيوف الحلقة: الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: داعية إسلامي كبير
تاريخ الحلقة: 23/06/2002

- أخطار الجوع على العقيدة والمجتمع
- الأسباب الحقيقية وراء الجوع والفقر
- عوامل دفع الفقر والجوع في الإسلام
- زيادة النسل وتأثيره على معدل الجوع والفقر

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

قضية الفقر والجوع قضية تعاني منها البشرية منذ بدء الخليقة، البعض يعيد ذلك إلى الطبيعة إذا كان ملحداً، والبعض يلوم الأقدار، والبعض يدرك أن السبب قد يكون هو سوء إدارة الإنسان للموارد التي وفرها الله –سبحانه وتعالى- وسخرها لخدمته ولمصلحته.

الأمم المتحدة تتحدث عن 800 مليون جائع، وهؤلاء هم في الطبقة الدنيا من شريحة أكبر هي شريحة الفقراء في العالم، بعض الإحصائيات تقول إن أغنى 400 مليونير غربي يملكون من الثروة ما يزيد على ما تملكه بضع وثمانون دولة من دول عالم الجنوب الفقير.

الإسلام من ناحية أخرى يقول أنه دين متكامل ونقول ونؤمن أنه دين شامل متكامل يُفترض أنه يتوافر على الحلول لكل مشكلات البشرية، ولعل هذه واحدة منها.

لمناقشة قضية الجوع والفقر وما يمكن للإسلام أن يقدمه سيكون نقاشنا هذا اليوم، ولكن قبل هذا اسمحوا لي أن أبدأ بالترحيب بفضيلة العلامة الدكتور القرضاوي، وأن أعطيه فرصة لرثاء أحد أصدقائه الذين انتقلوا إلى رحمة الله –سبحانه وتعالى- في الأسبوع الماضي، اتفضل.

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأزكى صلوات الله وتسليماته على المبعوث رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بسنته وجاهد جهاده إلى يوم الدين.

أما بعد، فقبل أن نتحدث عن موضوعنا لابد أن نودع بكلمة أحد إخواننا الأحبة العالم العامل الرباني الداعية الذي فقدناه منذَ أيام.. منذُ أيام وكان ملء السمع والبصر والفؤاد وطالما أطل على الناس في الفضائية المصرية في برنامجه المحبب (دنيا ودين) ذلكم هو الأخ الحبيب الشيخ الدكتور عبد الله شحاتة، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى وجزاه خير ما يجزي العلماء العاملين والدعاة الصادقين.

كان الدكتور عبد الله شحاتة أستاذاً للتفسير وأستاذاً في الدراسات الإسلامية بصفة عامة في كلية دار العلوم وأُعير إلى عدد من البلاد العربية وكان له إسهامه الواضح في الدعوة إلى الله، كان يخطب في مسجد الإمام الشافعي لمدة طويلة من الزمن، ثم صار يخطب في مساجد أخرى، وفي آخر مدته كان يخطب في المقطم إلى أن توفاه الله تبارك وتعالى، وشارك في العديد من الأنشطة الدعوية والثقافية والعلمية، ومنها مشاركته في برنامج (تفسير القرآن) الذي سعدت بالمشاركة فيه أيضاً.

وكان الدكتور عبد الله شحاتة في سنواته الأخيرة يطل على الناس من برنامجه الشهير المحبب (دنيا ودين)، وقد عرف الناس في هذا الرجل الطيبة والدماثة وحسن الخلق فكان رجلاً هيناً ليناً سمحاً، كريماً مُيسَّراً مُيسِّراً، هكذا عرفه الناس من خلال برنامجه وعرفه أكثر من عاشروه فلم يجدوا فيه إلا الفضل وحسن الخلق، وهكذا عرفته من لقاءاتي القليلة معه، عرفته رجلاً محبباً إلى الناس، وإذا أراد الله بامرئ خيراً جعله محبباً إلى خلقه، ينادي جبريل في الناس "إن الله أحب فلاناً فأحبوه" وكان هذا الرجل محبباً عند خلق الله.

نسأل الله –تبارك وتعالى- أن يتقبله في عباده الصالحين وأن يخلفه في أهله وذريته بخير ما يخلف به العلماء العاملين والدعاة الربانيين، نسأل الله –تبارك وتعالى- أن يحشره في ذمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ونسأل الله أن يعوِّض الأمة خيراً، فهذه أيام ذهاب العلماء، أصبحنا في زمن رحيل العلماء واحداً بعد الآخر، في السنتين الأخيرتين رثيت من هذا المنبر عدداً من العلماء الربانيين الفقها والدعاة والمفسرين والمحدثين ذهبوا ولم يخلفهم غيرهم، لقد قال علي –رضي الله عنه- "إذا مات العالم كلمُت في الإسلام كُلْمة لا يسدها إلا خلف منه"، تظل هناك كُلْمة يعني فراغ وخلل، هذا الخلل لا يمكن أن يُسد إلا إذا هيَّأ الله عالماً مثله، نسأل الله –سبحانه وتعالى- أن يسد هذا الفراغ بعلماء من الأجيال الصاعدة تقوم بالمهمة، نسأل الله أن يجعل من هؤلاء الذين يعلمون فيعملون ويعملون فيخلصون ويخلصون فيثبتون ويصدقون ويُقبلون، اللهم آمين.

ماهر عبد الله: جزاك الله خيراً، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعله في الآخرة مقبولاً مرضياً كما كان في الدنيا.

سيدي، لو عدنا إلى موضوع الحلقة، خطر الجوع.. يعني يتبادر إلى الذهن أنه الخطر المباشر على الصحة والمرض والموت، لكن ثمة أخطار اجتماعية أخرى، هذه يعني واضحة ولا داعي للنقاش الطويل فيها، هل يُحدث خلل في الأسرة، في المجتمع، أم يقتصر دفع الثمن فقط على خسارتنا للأفراد؟

أخطار الجوع على العقيدة والمجتمع

د. يوسف القرضاوي: الحقيقة أن خطر الجوع بصفة خاصة والفقر بصفة عامة خطر على الإنسان الفرد، وخطر على الأسرة البشرية، وخطر على المجتمع، وخطر على العالم كله إذ ساد الجوع كما نراه اليوم، كما أشرت إنه الأمم المتحدة قالت إن فيه 800 مليون جائع في العالم، ويُرجى أن يعملوا على تخفيف هذا العدد وتقليل العدد بحيث يصبح سنة 2015، 800 مليون.. 400 مليون يتخفف إلى نصف العدد، هذا الجائعون الذين لا يجدون القوت، وهناك الفقراء بيقدرون بمليار وثلاثمائة مليون، وأنا أعتقد هؤلاء الفقراء الشديد والفقر، أما معظم العالم فقراء، يعني للأسف الأغنياء في العالم دول معينة ومعظم الشعوب تعاني الفقر، الفقر والجوع خطر على الإنسان الفرد، خطر على العقيدة، لأن الإنسان إذا لم يجد القوت الذي يشبعه إحنا نعرف إن في مصر وفي كثير من البلاد نسمي الخبز العيش وهنا في بلاد الخليج يسمون الأرز العيش، يعني القوت اليومي بيسميه الناس العيش يعني الحياة، يعني الخبز هو الحياة والأرز هو الحياة، بدون هذا كأن الإنسان ميت لا يجد..، فالإنسان إذا لم يجد هذا القوت، هذا خطر على عقيدته لأنه ربما يشك في الحكمة الإلهية وفي العدل الإلهي، ويظن إن الله ظلم الناس، كما قال بعضهم قديماً:

كم عالمٍ عالمٍ تلقاه مفتقراً وجاهلٍ جاهلٍ تلقاه مرزوقاً
هذا الذي ترك الألباب حائرة
وصير العالم النحرير زنديقاً

زنديق ليه؟ لأنه شك في العدل الإلهي وفي الحكمة، لأ ولكن ربنا مالوش ذنب في هذا، الذنب ذنب الناس، لأن الله حينما خلق الخلق تكفل بأرزاقهم (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) كان الإنسان قبل أن ينزل إلى الأرض –كما تقول الكتب السماوية- والإنسان كان في الجنة، الجنة مكفول الحاجات والمعيشة فيها (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) هكذا قيل لآدم، إن كل حاجاتك وكل مطالبك مكفية في الجنة، لا تجوع فيها ولا تعرى ولا تظمأ ولا تضحى.. لا تتعرض لضحى الشمس لإن مالكش مأوى يعني، لأ مأواك موجود وكل.. (فكلا منها رغداً حيث شئتما) هكذا كان الإنسان، لما نزل الإنسان إلى الأرض وداما حذر منه.. حذر الله سبحانه آدم قال (لا يخرجنكما).. (إن هذا عدو لك) الشيطان (عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى) يشقى بالكدح والسعي بعد ما كان قاعد مبسوط وجاي له أكله وشربه وكل شيء، لأ لازم يشتغل، لأن ربنا سبحانه وتعالى كفل له الرزق وحينما خلق الله هذه الأرض بارك فيها وقدر فيها أقواتها –بنص القرآن- بارك فيها وقدر فيها أقواتها (وجعلنا لكم فيها معايش)، (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) فمعايش الإنسان مكفولة في الأرض، إنما كيف يصل إليها الإنسان؟ هناك وسائل للوصول إلى هذا الأيه؟ الرزق.

ماهر عبد الله: طيب تسمح لي نؤجل الحديث عنها إلى ما بعد هذا الفاصل، إذن فاصل قصير أذكركم قبله بأنه بإمكانكم المشاركة معنا في هذه الحلقة على أرقام الهواتف التالية:

رقم الهاتف: 4888873، وهو ما تشاهدونه على الشاشة الآن، أما رقم الفاكس فهو: 4890865، أما الراغبين بالمشاركة عبر الإنترنت فبإمكانهم أن يفعلوا ذلك على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي وهو ما تشاهدونه على الشاشة الآن:

www.aljazeera.net

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: سيدي جعل الله (وجعل لكم فيها معايش) الرزق مضمون، حكمة الله تقتضي أن يكون لكل إنسان رزقه، ولكن ما نشاهده.. يعني قبل الحديث عن الظاهرة هناك تشكيل حديث عن أن البشرية يجب أن تقلل من عددها، أن يقع هناك تحديد للنسل، لأن الأرض لا تملك من الموارد ما يكفي للإنسان، قبل أن نواصل حديثنا عن.. عن الجوع، هل هناك منطق حتى لا نهلك الأرض ومواردها؟

د. يوسف القرضاوي: هو هناك من علماء الاقتصاد الاقتصاديون التشاؤميون، وعلى رأسهم اقتصادي معروف اسمه (مالتوس).. (مالتوس) كان له نظرية يعني بيحذر فيها من فناء البشرية بعد مدة قريبة قرن أو كذا، إنه سيصاب الناس بالجوع، لأنه يقول إن الموارد الاقتصادية بتزيد بمتوالية عددية يعني 1، 2، 3، 4، وهكذا، بينما البشر يزيدون بمتوالية هندسية يعني 1، 2، 4، 8، 16، 32، 64، 128 وهكذا، فيقول هذا ليس هناك تناسق بين زيادة السكان وزيادة الموارد، وهذا يشكل خطر على البشرية، وقال إنه بعد كذا سنة هيحصل، ولكن تبين إن هذه النظرية التشاؤمية لا أساس لها حتى من الناحية العلمية، ومن الناحية الواقعية، لأن الله يهدي الناس إلى اكتشاف أشياء لم تكن مكتشفة من قبل، يعني الناس اكتشفوا إن في البحار.. تعرف إنه يعني حوالي 71% من الكرة الأرضية ماء، هناك في هذه البحار والمحيطات ثروات هائلة يمكن أن يستفيد منها البشر، لم يستفيدوا إلا بالقليل القليل جداً منها، استطاع البشر أن يزيدوا في إنتاج الحبوب والمحاصيل بأضعاف مضاعفة، تحسين البذرة، تحسين التربة، بالتسميد بالكذا، بحيث مثلاً كان يجيبوا مثلاً إردب.. الفدان 5 أراديب، أصبح يجيب مثلاً 15 إردب، 20 إردب، 4 أضعاف يعني، فالإنسان اهتدى بواسطة العلم والاستكشاف البشري إلى موارد جديدة، فهذا أيضاً من المهم، ولذلك أنا أقول إن الله أودع في هذه الأرض ما يكفي للناس، ولكن على الإنسان أن يسعى للاستفادة والاستخدام الأمثل لهذه الأشياء، الاستخدام الأمثل هو الذي يتحدث عنه القرآن، بنسميه إحنا البركة، (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، البركة إنك تستخدم الشيء استخدام أمثل، تأخذ الشيء بحقه وتصرفه في حقه ولا تبخل به عن حقه، هذه هي البركة، فأول ما يطلب من الإنسان أن يسعى، يعني الرزق ما بييجي لكش لحدك كده، لأ لازم أنت تسعى إلى الرزق، فسنة الله أن يسعى الإنسان لاكتساب رزقه، والقرآن الكريم يقول: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)، لازم يمشي في المناكب، إذا جلس ولم يمشي في المناكب لم يأكل ولم يستحق أن يأكل، وهذا ما جعل سيدنا عمر –رضي الله عنه- حينما صلى الناس الجمعة وجد جماعة في المسجد يقبعون جالسين في المسجد، الناس انتشروا وهؤلاء باقون، فسألهم من أنتم؟ قالوا متوكلون على الله، قال بل أنتم متأكِّلون لا متوكلون، قاعدين تتأكلوا، "لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض، أما سمعتم قول الله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) قضيت صلاة الجمعة انتشروا"، فعلا هم بدرته، وأمرهم أن ينتشروا ويبتغوا من فضل الله، وكلمة فضل الله الرزق، التجارة والحاجات دي ربنا سماها فضل، أنت تطلب فضل الله، وفضل الله لا يأتيك كده وأنت جالس كسلان، إنما لابد أن تسعى إليه، هذه سنة الله، فالشاهد هذا يعني اللي خلانا كنا بنتكلم عن خطر الجوع والفقر على العقيدة، إنها قد ربما يعني يفكر بعض الناس إن ربنا هو اللي جعل الأرض شحيحة وجعل الموارد قليلة، وترك الناس يتكاثرون دون أن يكفل لهم مع إنه قال: (على الله رزقها)، قال: (على الله رزقها) إنه رزقها يعني موجود، ولكن هذا لا يمنع إنه الناس يعني تنظم نفسها، يعني ما فيش مانع إن أنا أنظم يعني نسلي على حسب قدراتي وعلى حسب يعني إمكاناتي للسعي فامشوا في مناكبها، على قد قدرتي على المشي ممكن أقول أنا عندي 7، وواحد يقول لا أنا يكفيني 5، وواحد ثاني يقول يكفيني ثلاثة، يعني هذا لا مانع منه، إلا أنه الجوع هو يعني كما هو خطر على العقيدة هو خطر على العبادة، يعني القرآن يشير إلى هذا في قوله تعالى في سورة قريش (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، فلأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، يجب أن يعبدوه، إذن شاء الإله إنه هو يوفر للناس هذه الأشياء حتى يستحق العبادة، وإذا جاء يعني شبع الإنسان استطاع أن يعبد الله حتى الإنسان الجائع ما يعرفش يخشع في صلاته، في فقهنا الإسلامي إن الإنسان إذا كان جائعاً والأكل موجود، بيقول له كُل لا صلاة بحضرة طعام، حتى ابن حزم يقول: إذا صلى تبقى صلاته باطلة، إذا الطعام موجود وهو لأنه هيبقى مشغول بالطعام، "وإذا حضر العشاء والعشاء قُدم العشاء"، هذا مراعاة لهذا الجانب.. البشر هو كده، (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)، حتى الأنبياء ربنا جعلهم جسداً لازم يأكلون، (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا)، حتى رسل الله عز وجل، فخطر الجوع على العقيدة، حتى قال يعني سيدنا أبو ذر: "إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك"، يعني.. يعني ولذلك كاد الفقر أن يكون كفراً، استعاذ النبي –صلى الله عليه وسلم- من الفقر والكفر، فهو خطر على العقيدة وخطر على العبادة.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، تحدثنا عن خطر الجوع على العقيدة، على العبادة، لو انتقلنا للناحية الاجتماعية الصرفة للأسرة والمجتمع، كيف نعاني كأسرة وكمجتمع من الجوع؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً: قبل أن ننتقل إلى الأسرة والمجتمع، أحب أن أقول كلمات أيضاً بالنسبة للخطر على الفرد إنه خطر قلنا على عقيدته وعلى عبادته، وخطر على تفكيره أيضاً، العرب يقولون: لا تستشر من ليس في بيته دقيق.. طحين"، لأنه مشغول بفكره، لن يعطيك رأياً صائباً، ومما يحكونه إن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة كان يجلس مع أصحابه وتلاميذه في الدرس، فجاءته الجارية تقول له: يا سيدي تقول لك سيدتي إن الدقيق قد نفذ، ما عادش عندنا دقيق ولا طحين، فنظر إليها وقال لها قاتلك الله لقد اضعتي من رأسي 40 مسألة من مسائل الفقه كنت أعددتها، حضر في.. في رأسه 40.. لما قالت له الدقيق خلص، راحت.. طارت الإنسان فحتى على التفكير السوي، حتى على السلوك، من الحكم الشهيرة "صوت المعدة أقوى من صوت الضمير"، الجعان تقول له يعني طيب يعمل إيه معدته والناس تقول الجوع كافر، ففيه أثر على السلوك.

ماهر عبد الله: بس هذه.. هذه معادلة أليست يعني مغلوطة اليوم في أذهان الإسلاميين؟ هم يعتقدون أن بمجرد الإيمان، بمجرد أن نحمل المشروع الإسلامي ستنزل البركات ولا يقيمون كثير أهمية لموضوع الجوع والفقر الحاجات الأساسية للإنسان؟

د. يوسف القرضاوي: لا هو لأن المشروع الإسلامي إذا أخذناه بتكامله وبفهم صحيح لابد أن يعالج هذه المشكلات، ويعالجها بطرق علمية لا بالكرامات والخوارق ولا بالأوهام والخزعبلات، لأ يعالجها عنده لكل مشكلة حل، ولكل داء دواء ومبني على مراعاة سنن الله في الكون، والأخذ بشبكة الأسباب والمسببات، فهكذا ولذلك أنا أقول يعني بركات من السماء، مش بركات يعني.. يعني أنت جالس وينزل لك الرزق، لأ، لابد الأمة تسعى وتعمل حتى تستحق أن تتبوأ مكانتها، فهناك –كما قلنا- خطر على الفرد في نواحي كثيرة، وهناك خطر على الأسرة، الأسرة إذا لم يستطع الرجل أن ينفق على أهله، وليس للأسرة مورد ولا دخل كيف تعيش الأسرة؟

القرآن ذكر لنا إن بعض الناس قتلوا أولادهم من إملاق أو خشية إملاق، إملاق يعني فقر، يعني من فقر واقع أو خشية فقر متوقع، فيعني قد يؤدي الفقر إلى مثل هذا السلوك الوحشي ونحن.. يعني طبعاً الجماعة الشيوعيين والماركسيين يقولون أن الاقتصاد هو المسير الأول للسلوك البشري، ونحن نوافقهم في الجملة لكن في.. يعني لنقول إن الفقر له أثر على السلوك، ولكن ليس هو المؤثر الوحيد، ففيه خطر على الأسرة إذا لم تجد من الموارد ما يسد حاجاتها، ممكن المرأة تطلب الطلاق من زوجها لأنه مش.. غير قادر على أن ينفق عليها، ومن حقها شرعاً إن القاضي يحكم بالتفريق، فهكذا هناك خطر على المجتمع، سيدنا أبو ذر يقول: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه؟" الله.. أنا مش هأموت من الجوع وخصوصاً إذا كنت أنت يعني لا.. لا تجد اللقمة وتجد غيرك يعني يشكو من كثرة التخمة، من المؤسف أن هناك أناس يموتون من الجوع.. نحن نجد في العالم أناس يموتون من الجوع، ونرى الهياكل العظمية التي تعرضها شاشات التليفزيون، ناس هم هياكل عظمية، أولاد لا.. لا وهناك أناس ترمي في القمامات ما يكفي شعوباً بأكملها يقولون أن الفرد في أميركا وفي هذه البلاد يستهلك ما ينفقه مائتا فرد في بنجلاديش أو في أفريقيا أو في بعض هذه البلاد التي يموت فيها الجائع، 200 شخص، وكما قال يعني سيدنا علي: "ما جاع الفقراء إلا بترف الأغنياء" إنه أكل أكثر من حاجته، وكما يقول الحكيم قديماً: "ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضيع" فالإنسان يخرج شاهراً سيفه إذا وجد نفسه إن هو.. وكثير ما يكون العاملون جائعين والعاطلون شابعين إلى حد التخمة، يعني بيحكي أحد الأدباء بيقول إنه وجد واحد واضع إيده على بطنه، قال له لماذا تضع..؟ قال له والله أشكو عضة الجوع، وبعدين فات على واحد تاني لقاه واضح إيده، قال له..؟ قال له والله اشكوا كثرة التخمة، أكل لحد ما أتخم وعايز بقى حاجة يعني.. فوار، يأخذ يعني.. يقول لك دواء فوار عشان يهضم، طيب يا أخي كل على قدك، يعني فهذا التظالم هو الذي يؤدي على الخطر على المجتمع، هناك خطر على البشرية كلها إذا ساد هذا المنطق بين الناس

كانت الثورات الحمراء، هي الثورات الاشتراكية والشيوعية والحاجات دي قامت في بلاد لا فيها تظالم، يظلم الأغنياء الفقراء والأقوياء والضعفاء، فثار الناس، ليه جاء في.. في الحديث روي عندنا "حصنوا أموالكم بالزكاة" ما هو حصنوا لأنه إذا حصنت بالزكاة معناها إن أنت أشبعت الفقير فلا يتطلع إليك بنظرة حقد ويتمنى اليوم الذي يقضي الله فيه عليك وعلى ثروتك، إنما إذا حس إن هذه الثروة يناله منها نصيب يعني يحرص عليها ويحميها يدافع عنها، إنما إذا عاش جائعاً والآخرون يشبعون إلى حد التخمة فينقم على المجتمع، فهذه كلها من أخطار الجوع، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من الجوع ويعلمنا أن نستعيذ بالله من الجوع ويقول: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع"، يعني بئس الرفيق الذي يضاجع الإنسان و.. ويرافقه.

الأسباب الحقيقية وراء الجوع والفقر

ماهر عبد الله: على ذكر هذا الموضوع البشري الأخ علاء الدين عفيفي من.. من هولندا يقول: النفط هو محصول يستخرج من الأرض مرة واحدة في العمر، والقمح أو الأرز يستخرج من الأرض كل عام، فكيف يتساوى سعر البترول وسعر القمح؟ وتم.. ومتى تم ذلك؟ ولماذا؟ وكيف نتغلب على هذه المشكلة من أجل تقليل نسبة الفقر في العالم؟ وهل هناك حل لمشكلة رفاهية الشعوب الغربية في عصر العولمة على حساب الشعوب الفقيرة؟ أحد الأسباب: هل هناك سبب سياسي لمشكلة الجوع؟ هل هناك مؤامرة على دول الجنوب الفقيرة لتبقى فقيرة؟

د. يوسف القرضاوي: لا.. لا شك أن الدول الغربية وخاصة الدول الاستعمارية الحقيقة إنما وصلت إلى هذا المستوى العالي جداً من الرفاهية، بأسباب كثيرة، من هذه الأسباب أنها نهبت ثروات الشعوب الفقيرة أيام استضعاف هذه الشعوب والاستيلاء على هذه البلاد والتحكم في رقابها أخذ هذه الثروات مجاناً، وصنعت بها يعني البنية الأساسية، عملت الطرق الرئيسية، وعملت الأنفاق الأرضية وعملت الأشياء التي أصبحت.. سهلت لها الحياة، هذه من ثروات هذه الشعوب، ولازال ما يقوله الأخ كلام صحيح، يعني إحنا عندنا ربنا سخر للبلاد الإسلامية النفط، حتى يعني أحد الناس قال لأحد رؤساء الوزارات قال له يا أخي هو أنتوا النفط ما بيطلعش إلا في البلاد الإسلامية، لماذا يخرج في ماليزيا وإندونيسيا ولا يخرج تايلاند؟ يعني ما.. فربنا أكرم، ومع هذا الغربيين يأخذون هذا النفط بأرخص الأثمان، ويبيعوه لنا بعد ما يأخذوه ويصنعوه.. هو النفط ليس فقط للاستهلاك من أجل البرد و..، لأ دا بتتصنع منه مواد كثيرة جداً وتباع لنا، ترد إلينا بعد ما يصنعها الغرب تباع لنا بأغلى الأسعار، و.. ويوم ما يغلى النفط شويه يهيجون علينا، ولكن هم يعني يأخذونه في النهاية بأضعاف ما يشترونه منا، فنحن المظلومون، وهذا من تحكم الأقوياء في الضعفاء.

ماهر عبد الله: اسمح لي أخذ بعض المشاركات على الهاتف، الأخوة ينتظرون من فترة، معايا الأخ خالد العامر من السعودية، أخ خالد اتفضل.

خالد العامر: بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أولاً: نشكر الشيخ القرضاوي على هذه المشاركات التي نسمعها، نسأل الله عز وجل أن ينفع به.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخ، شكر الله لك.

خالد العامر: فيه ملاحظتين أو ملاحظة وفكرة أخرى. الملاحظة الأولى أن تحديد النسل، أن يقول الإنسان أنا أحدد نسلي على حسب دخلي، وهذا أرى أن.. أن الله سبحانه وتعالى قد تكفل برزق كل أحد، فالولد عندما يأتي يأتي رزقه معه، بل قيل أن الشخص كلما زاد ولده زاد ماله، ولكن هذا يحتاج أيضاً إلى مضاعفة الجهد من قبل الأب لرعاية هؤلاء الأبناء، والله -سبحانه وتعالى- قال في كتابه الكريم (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين).

المسألة الأخرى، أنا عندي مسألة وهي مأخوذة من كلام الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم، سبب كويس جداً لدفع الجوع ودفع الفقر، فالله -سبحانه وتعالى- قال في كتابه الكريم حكاية عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً، ما لكم لا ترجون لله وقاراً) ذُكر أن بعض السلف رحمه الله عندما أتاه رجل فقال له يا إمام إني فقر ليس عندي مال، فقال استغفر الله، وقال الآخر.. أتاه رجل آخر وقال إني لا يُولد لي، فقال استغفر الله، وقال آخر إنني.. إن أرضنا أجدبت، فقال استغفر الله، فقال له واحد جالس عنده أتاك أشخاص متعددون بأمور متغايرة فذكرت لهم علاجاً واحداً ألا وهو الاستغفار، فقال ألم تسمع إلى قول نوح لقومه (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً) هذه واحدة (ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) ثم قال لهم معاتباً لهم (مالكم لا ترجون لله وقاراً وقد خلقكم أطواراً) أسأل الله سبحانه وتعالى أن يغني فقراء المسلمين، وأن يجمعنا وإياكم في جنات النعيم، وصلى الله وسلم على محمد.

ماهر عبد الله: شكراً.. شكراً يا أخ خالد على هذه المداخلة. معايا الأخ يحيى عفيفي أخ يحيى اتفضل.

يحيى عفيفي: سلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

يحيى عفيفي: شيخ يوسف القرضاوي جزاك الله خير، معاك يحيى حسن من مصر.

د. يوسف القرضاوي: أهلاً وسهلاً.

يحيى عفيفي: كان لي سؤال في الآية الكريمة (وكأين من قرية كانت آمنةً مطمئنة يأتيها رزقها..)

د. يوسف القرضاوي [مصححاً]: (وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنة..)

يحيى عفيفي: (وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) صدق الله العظيم.

نعلم أن السلف الصالح والرسول -عليه الصلاة والسلام- كانوا بيعيشوا على تمرات معدودة وكانوا بيعيشوا عيشة بسيطة جداً. هل إن لباس الجوع والخوف اللي ضُرب علينا دَوَّنْ هل من آثار الذنوب المعاصي؟ ولا هل من.. يعني إحنا أصبح فيه الجشع، وفيه حب الدنيا والإطلاع للأكثر والأكثر، فهو سبب اللي إحنا فيه دا من أسبانيا صرعان على الحياة؟ ولا أسباب الذنوب والمعاصي؟ وجزاكم الله خيراً.. السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: مشكور.. مشكور جداً يا أخ يحيى. يعني الموضوعين تقريباً موضوع واحد، نؤجل موضوع تحديد النسل. دفع الجوع بالاستغفار، وأن المعاصي سبب..

د. يوسف القرضاوي: أولاً: أحب أن أقول لأ.. أتكلم برده بالنسبة لموضوع تحديد النسل، وإن كان هذا موضوع كبير ويحتاج إلى أنه..

ماهر عبد الله: لأ أنا مش كنت عايز ألغيه، كنت عايز بس أجله على.. اتفضل.. اتفضل.

د. يوسف القرضاوي: على كل حال أنا لا أقول بأن الإنسان يحدد النسل خوفاً على الرزق، ولكن الإنسان.. لا أقول بالتحديد ولكن بالتنظيم، تحديد النسل غير وارد، إنما ينظم نسله، يعني يجعل ما بين فترة.. مولود وآخر، وأنا ذكرت هذا من قديم في كتاب "الحلال والحرام" إنه يجعل فترة ما بين كل مولود وآخر، بناء على أن الطفل يحتاج إلى تربية طويلة، خصوصاً في عصرنا، الطفل يحتاج إلى أن يتعلم وإلى أن يدخل المدرسة، وإلى أن يتابع في مدرسته، وإلى أن يساعده أهله و.. وأسرته، ولم يعد الناس يعيشون في أسرة واحدة كما كان الناس زمان، المرأة عليها إنها تنجب وتخلِّف وتدي لحماتها يعني تقول لها.. تقول لها بس أنتِ هاتي لي عيال أنتِ وأنا.. لأ الناس كل واحد عايش لوحده الآن، فلابد أن نراعي هذه الظروف، والإنسان يخشى إذا ضاق عليه رزقه أن يدخل في الحرام، وهذه عملية.. فهنا دافع ديني غير الدافع.. الخوف على الرزق، فحُسن التربية مطلوب، والإنسان لازم يدبر نفسه بحيث إنه لا يقع.. لا يقع في مضايق تُلجئه إلى أن يسقط في الحرام والعياذ بالله، ومن هنا أنا يعني.. يعني أعيب على كثير من إخواننا الذين قرؤوا بعض الأشياء الدينية إنهم لا يربطون النصوص بعضها ببعض، يعني هل معنى هذا إن أنا أقعد وأقول أستغفر الله العظيم.. أستغفر الله، يا أخي قوم اشتغل، يقول لأ ربنا قال استغفروا.. يرسل السماء..!! ربنا هيجيب لي الرزق و..!! ليس هذا، أُمال فين (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) اللي إحنا قلنا عليها، (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) يعني.. (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون) حتى في الحج قال (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم) ربنا أقام هذا الكون على سنن، فالأخ بيأخذ قصص و.. وحكايات وينسى الأشياء الأخرى، هذا الحقيقة هو مما يضر بالعقلية الإسلامية، العقلية اللي تنسى السنن وعايزه تعيش على هذا، لأ، وأنا لما ذكرت (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا) معنى آمنوا واتقوا يعني إيه؟ معنى اتقوا يعني صلوا وصاموا فقط؟ لأ، الإيمان والتقوى إنك تأخذ بالأسباب و.. والمسببات، إنك تجند العلم لاكتشاف الموارد، إنك تجند الطاقات، بتستخدم أمثل استخدام، هذا هو الإيمان والتقوى.

ماهر عبد الله: طيب الصورة.. الصورة الأخرى اللي ذكرها الأخ يحيى عفيفي معاكسة تماماً، أنه قد يكون الإنسان يأخذ بالأسباب ولكن المعاصي قد تتسبب يعني..

د. يوسف القرضاوي: هو.. هنا بقى.. هنا أسباب الجوع إيه في.. في حياة الناس؟ أسباب الجوع في حياة الناس، هناك أسباب قدريه سماوية، إن ناس بيعيشوا على الأمطار انقطعت عنهم الأمطار، أصابهم القحط و(المح)، ماذا يفعل كثير من الناس؟ واستمر القحط سنين عدة، فهذا لا.. لا.. لا ذنب له. أحياناً يكون سبب الفقر والجوع إنه ما بيشتغلش، إنه كسلان، ولذلك النبي استعاذ بالله من العجز والكسل، وأمرنا أن نستعيذ من العجز والكسل، العجز إن قلة الفطنة والقدرة، والكسل إنك لا تريد أن تعمل، ولا تريد أن تتعب وتكدح، الرزق يأتي بكد اليمين وعرق الجبين، وهكذا كان الصحابة –رضوان الله عليهم- كل واحد بيشتغل في ناحية من.. من النواحي، النبي لم يعطل الصحابة عن أعمالهم، كل واحد، حتى سيدنا عبد الرحمن بن عوف هو هاجر من مكة إلى المدينة صفر اليدين، ترك بساتينه وأراضيه وعقاراته وراح المدينة، وبعدين سعد بن الربيع.. آخى النبي بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، سعد بن الربيع قال له زوجتان أطلق لك واحدة منهم، وخذ شطر مالي، نصف مالي، قال له بارك الله لك في أهلك وبارك لك في دارك وبارك لك في مالك، إنما أنا امرؤٌ تاجر فدلوني على السوق، قال لهم عرفوني السوق، وكان السوق اسمها سوق بني قينقاع، اليهود، نافس اليهود وكسبهم، وكونَّ مالاً بالملايين، كانوا.. قالوا ترك ذهباً قُطِّع بالفؤوس، بيبتدأ من الصفر، فهكذا المفروض نحن المسلمون ليس معنا، فأحياناً الإنسان يكون القدر هو اللي حرمه من أسباب العيش، وأحياناً يكون هو اللي.. اللي كسلان، وأحياناً يكون من تظالم الناس بعضهم لبعض، وهذه تحتاج إلى شرح.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: أخ.. معايا الأخ جمال محمد من الإمارات، أخ جمال معذرة على التأخير، اتفضل

جمال محمد: ألو، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

جمال محمد: لو سمحت عندي سؤال لفضيلة الشيخ.

ماهر عبد الله: اتفضل.

جمال محمد: لماذا نلاحظ الجوع والفقر والهياكل العظمية في البلاد العربية والعالم الثالث ولا نراها في أميركا وأوروبا؟ مع العلم أن العالم الثالث والعالم العربي الأغلبية من المسلمين، وهذا يرجع لاعتماد الكسل، وماذا عن النفط؟ لماذا لا نصنِّع النفط في بلادنا؟ لماذا نصدره ونستورده؟ لماذا لا نصنعه؟ وشكراً جزيلاً.

عوامل دفع الفقر والجوع في الإسلام

ماهر عبد الله: طب. مشكور جداً أخ جمال، يعني عندي سؤال الآن شبيه.. راح أرجع لك لموضوع التظالم، بس في سؤال على الإنترنت من الأخ درويش، وهو طالب من البحرين، يقسم بالله يقول لك: والله يا شيخ لو دفع الأغنياء في الخليج الزكاة فقط دون صدقات لزال الفقر، إنهم يسرقون حقوقنا ويتخمون أنفسهم بها، فهل نُشهر عليهم سيوفنا، لماذا الفقر في العالم الثالث علماً بأن غالبية سكانه من المسلمين.

د. يوسف القرضاوي: هو لو نظرنا إلى الأسباب اللي بتسبب الجوع أيه؟ إحنا قلنا إنه هناك أسباب طبيعية.

ماهر عبد الله: قدرية.

د. يوسف القرضاوي: هناك أسباب إنسانية، هناك أسباب اجتماعية، العالم الثالث نُهبت ثرواته، نُهبت خيراته، وتُرك للتخلُّف، كان مهمة الاستعمار في بلاد المسلمين أن يُنمي التخلُّف، يعني حتى يعني فتح مدارس وكذا، كان مهمة المدارس والجامعات إنها تخرج موظفين يشتغلون عند الحكومة الاستعمارية، وكما قال يعني حافظ إبراهيم، يقول:

لقد كان فينا الظلم فوضى فهذِّبت حواشيه حتى صار ظلماً منظماً

يعني الاستعمار ظهر نظَّم الظلم وقنَّن الظلم، وأصبح الضعفاء هالكين، والأقوياء يتمددون ويتوسعون، وهذا كله أدى في النهاية إلى تخلُّف الأمة، الغرب نهب ثرواتها، بعدين هناك شيء آخر أميركا يعني تعيش في قارة يعني 200 وكذا مليون في قارة يعني كاملة، أميركا وكندا واخدين قارة بحالها، حتى كان (ماوتسي تونغ) يقول إن العالم بحاجة إلى إعادة توزيع السكان، لكن الصين ألف وكذا مليون في قطعة معينة، وأميركا 200 وكذا مليون في.. في قارة، وهناك يعني عدم عدالة في التوزيع في أشياء كثيرة، والمفروض إن الغرب الذي ينهب الثروات في أيام الغفلة الناس في بلاد الشرق عليه أن يرد الديون لهذه..، الآن يعني يُكبِّل هذه البلاد بمليارات من الديون، والمفروض إنه يُسقط هذه، دول أقل شيء يفعله، فعلى كل حال نحن مطلوب منا لكي نقاوم الجوع، لابد أن نُجنِّد طاقاتنا البشرية كلها لتعمل وتعمل بإخلاص وبفهم ووعي، بحيث نعرف الأولويات، نعمل مصنع للزينة أم مصنع للأشياء المهمة، نصنَّع المحاصيل الزراعية، مثلاً يعني محتاجين إلى فقه في هذه النواحي، تجميد الطاقة، محتاجين إلى يعني أيضاً ترشيد الاستهلال، نحن في حاجة إلى أن نُرشد استهلاكنا، وقد يكون أنك تزيد الإنتاج، ولكن ممكن تزيد الإنتاج وتعمل بالوعة بتأكل هذه الزيادة، أيه الفايدة؟ فلابد مع تنمية الإنتاج من ترشيد الاستهلاك.

وبعدين من ناحية أخرى لابد من عدالة التوزيع، عدالة التوزيع أمر مهم جداً، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "ليس منا، وفي رواية ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع"، وفي رواية "وهو يعلم"، وفي الحديث الآخر "أيُّما أهل عرسة من المسلمين بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله"، وحتى الإمام ابن حزم يقول: "لو مات رجل في قرية أو في حي من الجوع وجب على أهل القرية أن يدفعوا ديته"، لأن همَّ تسببوا في.. في.. في قتله، اسمه القتل بالترك، يعني تركوه لحد ما.. ما مات، يجب عليهم أن يدفعوا ديته إذا لم يكن يكونوا يعلمون، وإلا كانوا آثمين وجناة، يعني عندنا الشريعة الإسلامية خصبة من هذه النواحي، وقد فرضت في أموال الأغنياء حقوقاً، الزكاة أولها وليست آخرها، والزكاة تؤُخذ من أغنيائهم لتُرد على فقرائهم، الزكاة، وهي مش الحق الوحيد، هناك حقوق بعد الزكاة، وهناك حق التكافل أن يكون الجميع متكافلين كالأسرة الواحدة أو كالجسد الواحد، كما صوَّرهم النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"، فلا يجوز إن الإنسان يعيش هو مترفاً ويترك الآخرين، هذا.. أو يمتلئ هو.. لأ، عمر بن عبد العزيز بلغه أن أحد أقاربه اشترى خاتماً فصه بألف درهم، فكتب إليه كتاباً يقول: أما بعد.. فقد بلغني أنك اشتريت خاتماً فصه بألف درهم، فإذا جاءك كتابي هذا فبعه، وأطعم بثمنه ألف جائع، واشتري خاتماً فصه من حديد، واكتب عليه رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، كان مشتري خاتم فصه بألف درهم، ده الألف درهم تأكل ألف واحد جائع، فمعناها الواحد ممكن يأكل يعني طعام ألف جائع أو ألف أسرة، فمن هنا كان العدالة الاجتماعية التي فرضها الإسلام، وتقليل الفوارق الذي فرضه الإسلام بتعاليم شتى، بحيث يحد من طغيان الأغنياء، ويرفع من مستوى الفقراء، فتقترب المسافة وهناك تعاليم كثيرة في.. في الإسلام فرض بها الإسلام هذا.. هذه العدالة وهذا التقريب بين الناس بعضهم وبعض.

ماهر عبد الله: طيب نسمع رأي الأخ عاصم عبد اللطيف من السعودية، أخ عاصم، تفضل.

عاصم عبد اللطيف: شكراً جزيلاً يا أخ.. أخ ماهر، وسلامي وتحياتي للشيخ الوالد يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: حيَّاك الله يا أخي.

عاصم عبد اللطيف: والموضوع اللي هو يعني لمستوه في أنفسنا هو موضوع حساس وجيد، والشيخ يعني أن.. اللي كنت هأسأله أو كنا هنتعرض به.. يتعرض به في المداخلة بتاعته إن هو تناول اللي هو موضوع الزكاة وموضوع دور أثرياء المسلمين يعني تجاه إخوانهم الفقراء، بس إلى أنه يعني هو كم في بلداننا الإسلامية من معذَّبين ومعدمين، ومن لا يجد وجبة في اليوم إلا بعد عناء ونكد، وكم في البلدان الإسلامية ذات المدن المقفولة المكدسة بالبنيان الشاهق والأسواق المعبأة بكل الأصناف من الطعام والشراب، وحتى ما لسنا في حاجة إليه، وخلف هذه المباني مدن من الصفيح والكرتون والعشش، والحياة المليئة بالصراصير والمياه القذرة، حيث الذباب الطنَّان والفئران تعيش مع الإنسان والعيون المتعبة، والقلوب الحزينة التي تتأمل الغد، وأصحاب الكرافتات متخمين بلهو الحياة، لم تعذبني هذه التناقضات، يتحدثون في التلفزات والإذاعات والصحف والمجلات عن كل شيء، تنظيم يسري يفوق ويملأ النفس.. النفوس باللهب والغثيان، ومثل هؤلاء البائسين على بعد أمتار منا، وكم لمست يا أخ ماهر وتراً فظيعاً في دواخلنا..، يعني سوى أن هذا إن همَّ يعيشون في العذاب في الداخل وأصحاب الثروات يموتون من التخوم وأمراض ضغط الدم والسكر والسرطان، وكلها أمراض وبلايا نتاج ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، والعشرات يموتون جوعاً من عدم الدواء، وواحد من الأثرياء يشتري منديلاً أو لوحاً لحائط بمبالغ تعالج قرية بأكملها من قرى الصفيح والكرتون، وتشرح صدور الآلاف من الفقراء الذين يحلمون بالغد الأفضل، وشكراً لك وللشيخ العظيم.

ماهر عبد الله: طيب أخ عاصم، شكراً.. شكراً، أثرت نقطة جميلة، معايا الأخ عبد الله عثمان من السعودية. أخ عبد الله تفضل.
عبد الله عثمان: السلام عليكم.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم. أخ ماهر

أولاً: تعقيب.. تحياتي لك ولفضيلة الشيخ.

د. يوسف القرضاوي: حيَّاك الله.

ماهر عبد الله: حيَّاك الله.

عبد الله عثمان: تعقيباً على ما تفضل به الأخ السابق، إنه هناك فعلاً أصحاب الثروة يعيشوا فعلاً يعني في ثروة وفي ترف، وفي..، ولكن من الذي يوزع.. عن موضوع الزكاة؟ ومن الذي ينظم الزكاة؟ ومن الذي يأخذ الزكاة من هؤلاء الأثرياء؟ ومن الذي يقوم بتوزيع الثروة بين المسلمين أو بين أعضاء الأمة؟ أليس.. من؟ لماذا لم يُذكر تذكر أسماء، إن لم تُذكر أسماء بينوه لها تنويهاً، ولم يخض فيها بشكل واسع وبشكل دقيق كما أتى به الإسلام استناداً لأحاديث وآيات عن توزيع الثروة والمال في.. في البلد الإسلامي، أو في الدولة الإسلامية، هذا أولاً.

ثانياً: كلنا يعلم أن الإسلام أتى بنظام كامل شامل لجميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغيرها.. ونظمها وفقاً لأحكام شرعية بينها الإسلام، ولكن.. ولكون الإسلام غير مطبَّق حالياً، فقد انتشر الفساد وسوء التوزيع.. سوء توزيع الثروة فانتشر الفقر والجوع، وهذا ناتج عن سوء توزيع الثروة وعدم تطبيق أحكام الإسلام، ونتيجةً لوجود الاستعمار ما يزال في الأمة الإسلامية.. نحن نشاهد آثارة حالياً، ونشاهد كيف.. يتربصون في الأمة الإسلامية حالياً، وإنما.. حكامنا، وكأنهم موظفين في الخارجية الأميركية.

وكان من المفترض أن يكون لدى الأمة الإسلامية علماء.. لا أقول بدرجة الصحابة، ولكن –على الأقل- أمثال أبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وسعد.. وسعيد بن زبير، وسعيد المسيَّب، وابن تيمية، والعز بن عبد السلام، على الأقل يفعلوا ما فعله العز بن عبد السلام بأن وقف ضد الظلم، وكما فعل ابن تيمية، وكما فعل ابن حنبل لم يسكتوا، ولم يصمتوا، ولم يداهنوا كما يُداهن علماؤنا اليوم، مع كل هذا الفقر والجوع والتنكيل بالمسلمين وخراب بيت المسلمين، والقتل والتذبيح وعلماء المسلمين اليوم كأنهم ليسوا حاضرين، ولم يفقهوا شيئاً، وكأنهم لم يفقهوا في الاقتصاد وبالسياسة وبما يحصل للأمة الإسلامية.

ماهر عبد الله: طيب، أخ.. أخ عبد الله، مشكور جداً على هذه المداخلة، يعني أيضاً أثرت نقطة جميلة، بس اسمح لي سيدي يعني.. يعني أُضيف إلى.. إلى السؤال من الدكتور محمد بن علي العرفي يقول بالفاكس، ويتحدث في البداية عن الزكاة والصدقات كحل، لكن سؤاله يقول: وسؤالي هل يجوز للمسلم أن يُقاتل حكامه إذا منعوه حقه من بيت المال؟

ثم ما قولكم فيمن يجيز لنفسه الأخذ من المال العام بحجة أن هذا جزء من حقه الذي مُنع منه؟

ثم هل يجوز للحكومات المسلمة أن تُساعد حكومات أو أفراداً غير مسلمين إذا كانت الحاجة قائمة لهذه المساعدات في الدول المسلمة؟

د. يوسف القرضاوي: حكومات أيه؟

ماهر عبد الله: هل يجوز للحكومات المسلمة أن تساعد أفراداً وحكومات غير مسلمة إذا كانت الحاجة قائمة لهذه المساعدات في دولٍ مسلمة؟

د. يوسف القرضاوي: لا شك أن المسلمين إذا كانوا في حاجة، فهم أولى من غير شك، الإسلام له نظام في توزيع الزكاة، إنه أهل كل بلد يجب أن تُوزع الزكاة فيهم، حينما أرسل النبي –صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل إلى اليمن قال: "أعلمهم أن الله افترض عليهم في أموالهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم لترد على فقرائهم"، يعني فقراء الإقليم، كل إقليم أولى بالمال الذي فيه، إذا استغنى أهل الإقليم نبعث إلى أقرب الأقاليم إليه أو إلى الدولة المركزية إذا كانت بتجند الجيوش أو بتعمل في معركة أو كذا إنه يساهم، إنما أهل الإقليم أولى، يشعر الفقير إن هذا المال الذي أمامه الزرع اللي شايفه دي، الإبل اللي موجودة هذه، الأشياء، التجارة هذه، له فيها حق فيحدب عليها ويحرص عليها، كان قبل الإسلام اللي بيحصل إيه؟ إن تُؤخذ الزكاة من القرى النائية والمتعبة ومن الفلاحين، والحرفيين، والعمَّال، وتُنفق على العاصمة فيها كسرى أو قيصر وعلى حاشيته وموظفيه وأبهته وجيوشه، وهذه القرى محرومة منها، فكأن الضرائب كانت تُؤخذ من الفقراء لتنفق على الأغنياء، فجه الإسلام وعكس هذا، وقال: لأ، تُؤخذ من الأغنياء كل إقليم لترد على فقرائه، فهذا هو.. فلا يجوز إن إحنا ندفع ملايين كما نرى بعض الناس يتبرع مش عارف لحيوان في الحديقة الفلانية أو لكلب أو لكذا، وأهل بلده من أقرب الناس إليه يكادون يموتون من الجوع، هذا فقه الأولويات.

ماهر عبد الله: طيب تسمح لي نسمع الأخ مؤيد مؤيد من فلسطين، أخ مؤيد اتفضل.

مؤيد مؤيد: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

مؤيد مؤيد: مساء الخير سيدي الشيخ.

د. يوسف القرضاوي: مساك النور يا سيدي.

مؤيد مؤيد: يمكن أحكي.. للدكتور يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: اتفضل.

مؤيد مؤيد: سيدي الشيخ، أنا من فلسطين، عمري 18 سنة ونص كنت في السجن يعني (…) ولي بنت عم.. بنت عمتي مريضة معها غدة في الإيد، وبدها عملية في الأيد، العملية تتكلف حوالي 5 آلاف دينار أردني، وفيش مصاري وفيش يعني هذا خارجه من..، وكان ما فيش شغل، وحكينا مع الجمعيات، والواحد يعني مش عارف شو يتصرف، يعني فربنا فتح علينا…

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ مؤيد، يعني نحن نأسف لهذا الحال، ولكن يعني كما ترى وتلاحظ الموضوع خارج تماماً عن موضوع..

د. يوسف القرضاوي: نحن ندعو أهل الخير أن يعني يعطفوا عليه، وسيجد إن أهل الخير، وإن كان الآن فعل الخير أصبح فيه تضييق عليه جداً، بحيث لا.. لا يستطيع يعني يمكن واحد في قطر إنه يتبرع له، لأنه لابد أن يمر على كذا كذا، أصبح هناك يعني حواجز وقيود على فعل الخير، يعني ويُراد قطع الروابط بين المسلمين بعضهم وبعض، كانت الجمعيات الخيرية تُوحِّد بين المسلمين في أنحاء العالم، تأخذ من أغنياء الأمة لترد على فقرائها، في إفريقيا، في آسيا، في كل مكان، فأنا أرجو ممن يستطيع أن يُعين هذا الأخ أن يعينه، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه إن شاء الله.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ محمد الدوسري من السعودية. أخ محمد تفضل.

محمد الدوسري: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام.

محمد الدوسري: كيف الحال يا أخ ماهر؟

ماهر عبد الله: حيَّاك الله.

محمد الدوسري: مساء الخير يا أستاذنا.. كيف حالك شيخ؟

د. يوسف القرضاوي: مساك الله، بارك الله فيك، حفظك الله.

محمد الدوسري: يا سيدي.

د. يوسف القرضاوي: اتفضل.


زيادة النسل وتأثيره على معدل الجوع والفقر

محمد الدوسري: أولاً: من المعروف، يعني نحنا نتكلم عن الفقر والجوع، كانت الهند يا سيدي مُصدِّره للمجاعة، والآن أصبحت الهند ثاني دولة مُصدِّره للحبوب في العالم عندما كانت فيها إدارة جيدة، ما.. يعني نحنا في النهاية في البلاد العربية لا نبرئ يعني الإدارة من إنها كانت سيئة في الوصول إلى الحالة الاقتصادية اللي.. اللي وصلنا لها، لكن يجب إننا نكون فضيلة الشيخ منطقيين وواقعيين نبتعد عن الخيال، يعني صحيفة "الشرق الأوسط" قبل يومين كتبت تقرير عن مسؤول سعودي، إن المملكة العربية السعودية راح يكون عدد السكان فيها في عام 2020، 54 مليون نسمة، هذا عدد هائل جداً مهما كانت الحالة، مهما توفرت، الآن القضية يا فضيلة الشيخ ما هي قضية بس إنهم يأكلون، يعني القضية قضية شوارع، قضية خدمات، قضية مدارس، قضية جامعات، قضية كذا، الذين اللي يتكلمون الإخوان عن إنه فيه ناس ما يدفعون الزكاة، يا سيدي، اللي ما يدفع الزكاة هو ما هو مسلم، انتهينا من موضوعه يعني، وفيه هناك ناس يتكلمون عن توزيع الثروات على أساس إنهم ينامون ويجدون ثروات تُوزَّع عليهم، يعني تحديد النسل أنا لا أذكر يا فضيلة الشيخ إلا إنه كان في أيام الرسول -اللهمَّ صلِّ وسلم عليه- قال: إن كنا نعزل.. آه، فيعني أصبح هذه قضية مهمة جداً، الدول العربية من أكثر الدول زيادة في السكان وبالذات المملكة العربية السعودية.

ماهر عبد الله: طيب أخ محمد، مشكور جداً على هذه اللفتة، بس اسمح لي مولانا قبل أن تُعلِّق على كلامه، الأخ علاء أحمد أبو الطيب من فلسطين يذكر نفس الموضوع، يقول: أود أن أقول أن مشكلة الجوع والفقر هي في عدم تحديد النسل من الإنسان، وأيضاً نسبة البطالة الكبيرة وهي موجودة عندنا في فلسطين، هل.. هل تتفق مع الأخ محمد الدوسري إن المسألة لم تعُد فقط إطعام جوعي، وإنما.. يعني مسألة تحديد النسل بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد توفير لقمة العيش.

د. يوسف القرضاوي: هو أنا شايف الناس أصبحوا يحدِّدون النسل بطبيعتهم، يعني خصوصاً المتعلمين، وأنا يعني كما قلت أُفضِّل كلمة تنظيم النسل، الإنسان ينظم نسله بناءً على قدرته المختلفة، مش بس القدرة المالية، الأولاد مش مجرد عايزين يأكلوا فقط، الولاد عايزين يتعلموا، وعايزين إشراف تربية، يعني رقابة في..، فلابد أن نراعي هذا كله. التنظيم إذا كان بقدر، ومش بس إن إحنا نستجيب إلى الغربيين الذين يريدون أن يقللوا أعداد المسلمين، هناك أيضاً مؤامرة من ناحية أخرى لتقليل عدد المسلمين، هناك المسلمون يتزايدون في أنحاء العالم، والغربيون أُصيبوا بكثير من العقم بناءً على يعني الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والشذوذ الجنسي، وزواج الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وانتشار هذه الظواهر الخبيثة أصبحوا يتناقصون والمسلمون يتزايدون، هناك يعني فكرة جهنمية تريد أن تدخل على المسلمين إن لازم تنقصوا أعدادكم لأ، يعني بالطريقة دي كفلسفة عامة لأ، إنما كل واحد ينظم حياته بما يرى إنه يستطيع أن يربي أولاده تربية أفضل من غير مبالغة، يعني فيه واحد يقول: يكفيني ولد واحد أو بنت واحدة، يا أخي طب أنت كنت أنت وزوجتك اثنين تجيبوا للحياة واحدة؟ طب هاتوا اثنين عشان يظل العدد كما هو ما يتناقصش، فهناك ناس مبالغون، نحن في هذه القضايا الحقيقة نقع يعني بين الإفراط والتفريط، والخير كل الخير في الوسط، ونحن دعاة المنهج الوسط، وهذه الأمة أمة وسط، لا تنحرف مع المنحرفين المتسيبين، ولا نشدِّد مع المتزمتين، هذا هو منهجنا في هذه الأمور كلها، يعني بعض الأخوة يقول لك طب استغفر ربنا ويقعد يجي لك البتاع، والأخوة الثانيين يقول لك حُسن الإدارة، صحيح، حسن إدارة له أهمية، يعني سوء الإدارة هو الذي أفسد علينا الحياة يعني كلها، فلابد من مراعاة السنن ومراعاة نظام الأسباب والمسببات إذا أردنا أن نتبوَّأ مكانتنا تحت الشمس، وأن نستعيد ما كنا فيه، كنا الأمة الأولى والأمة القائدة والرائدة، وأصبحت الحضارة الشامخة في العالم لمدة عشرة قرون تقريباً.

ماهر عبد الله: طيب عندي أكثر من مداخلة حول نفس يعني.. باتجاه واحد. أقرأ لك واحدة من الأخ بلال: ما قولكم بفندق عرضته (الجزيرة) في دولة عربية مطعَّم بالذهب، وأجرة الليلة فيه سبعة آلاف دولار، فهل هذا ترف، قال عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الترف يزيل النعم"؟ وما حكم من يملكه ومن يستأجر فيه؟ باختصار شديد، لأنه عندي موضوع حابب إن أختم فيه.

د. يوسف القرضاوي: هو طبعاً من غير شك يعني هذا الترف، بينفقوا الملايين يعني من أجل هذا أو.. يعمل مقبض التباع بالذهب والأكرة بالذهب، هذا.. لماذا هذا؟ ربنا خلق الذهب ليكون رصيداً للنقد، ولذلك الإسلام حرَّم على الرجال أن يستخدموا الذهب ويتحلوا بالذهب، وحرّم على الرجال والنساء جميعاً أن يستخدموا الأواني الذهبية والأواني الفضية أو التحف، كل هذه أشياء محرَّمة، لأن دي حرب على الترف، والترف هو من أسباب ضياع الأمم وانحلالها، (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمرناها تدميراً).

ماهر عبد الله: طيب، سيدي، عندي يعني موضوع خارج عن الموضوع، لكن يعني وصل بالفاكسات بإلحاح خلال الأسبوعين الثلاثة الأخيرة. للأسف الأخ لا يذكر اسمه، يتحدث عن تقرير لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) في.. في أميركا عن أحد القساوسة إنه تطاول على شخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اجتماع المؤتمر السنوي للكنيسة البروستانتية الأميركية، والذي رفض هذا الحشد إدانة هذا التطاول، وهذا الحشد هو جهة رسمية وعالمية ترسم توجُّه الحكومة والشعب الأميركي، يقول إنه حصل اعتذار بعد ذلك، ولكن هل يكفي الاعتذار، أم لابد من المطالبة بمحاكمة هذا القسيس؟ أما آن الأوان ألا نكون في موقف الدفاع؟ هل يعني يبدو..

د. يوسف القرضاوي: ما إحنا في موقف دفاع، نحن يعني كما قال المثل "أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام"، بل نحن أضيع من الشاة في مجتمع الذئاب، مش مجتمع اللئام، مجتمع اللئام هيسيبوا اليتيم ولا يأكلهش، إنما مجتمع الذئاب سيأكل هذه الشاة، إحنا أصبحنا.. أصبح حمانا مستباحاً، وأصبحنا كَلأً مباحاً لكل من يريد أن يرعى، أصبحنا من المستضعفين في الأرض حتى ديننا أصبح يهاجم، ولا نجد من.. من يرد عليه، ولا نجد الدول تتكلم في هذا، ونجد أشياء كثيرة تحدث للمسلمين، إخواننا في الهند زارني أحد الوزراء، كان وزير في الحكومة الهندية، وأخبرني أن الذين قُتلوا في (كوجرات) أكثر من ثلاثين ألفا، أكثر من 30 ألف، وبعضهم أُحرق أحياء، وبعضهم برصاص الشرطة، وبعضهم كان يجمَّعون ويرش عليهم البنزين، ثم يُشعل عود كبريت فيحترق الناس، هل.. احتج أحد؟

المفروض أنه المسلمين والدول الإسلامية والهيئات الإسلامية الكبرى، الأزهر، رابطة العالم الإسلامي هذه تحتج على هذه الأشياء، منظمة المؤتمر الإسلامي أخص بهذه الأشياء، الإسيسكو، كل المنظمات الإسلامية والدول الإسلامية يجب أن تحتج على هذا الأمر، وتطالب بمحاكمة هذا المتطاول المعتدي على حرمات الإسلام والمسلمين.

ماهر عبد الله: طيب.. سيدي، شكر الله لك، نرجو أن تعود من الإجازة سالماً غانماً.

الأخوة الذين اتصلوا عن غياب الشيخ، أُجريت له عملية تكللت –إن شاء الله- بالنجاح، عملية بسيطة ليست من النوع الذي يشغل البال كثيراً.

إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.