مقدم الحلقة ماهر عبد الله
ضيوف الحلقة - محمد حسين فضل الله، المفكر الإسلامي المعروف
تاريخ الحلقة 18/07/1999






محمد حسين فضل الله
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: أعزائي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة) المتابع لحركة الفكر الإسلامي في الآونة الأخيرة، يُرى أنه يمر بعدة مخاضات كبيرة ويُرى -أيضاً- قلة المنشغلين بالفكر الإسلامي ه وخصوصاً على صعيد تجديده، وبعث حياة وروح جديدة فيه.

ضيفنا هذا الأسبوع -ويسعدني أن يكون ضيفي- هذا الأسبوع السيد محمد حسين فضل الله المرجع والمفكر الإسلامي المعروف، وهو لبناني نشأ في النجف، وتعلم فيها على يد والده، وعلى يد نخبة من علماء النجف لعل أشهرهم المرحوم الإمام الخوئي عليه رحمة الله، والسيد فضل الله له مجموعة من المؤلفات في الفكر الإسلامي، وفي الفقه الإسلامي.

وله كتاب مشهور في التفسير باسم "من وحي القرآن" وله إسهامات عدة في مجال العمل الخيري، حيث كان المؤسس لجمعية (المبرات الخيرية) التي تُعتَبر من أكبر إن لم تكن أكبر المؤسسات الخيرية العاملة في الساحة اللبنانية، وأهم ما يميز ضيفنا في هذه الحلقة، هو انشغاله في التنظير لفلسفة المقاومة في الإسلام، وله كتاب حول هذا الموضوع حول منطق القوة في الإسلام.

وبسبب من هذا تعرض لمحاولة اغتيال -عدة محاولات في الحقيقة- كان أبرزها القصة التي حصلت في ساحة (بئر العبد) في بيروت حيث قُتِل في تلك الحادثة أكثر من مائة قتيل، وسقط أكثر من 200 جريح، ولكنه نجا بفضل الله.

سماحة السيد فضل الله، لو سمحت لي أن أبدأ، أولاً أهلاً بك في برنامج (الشريعة والحياة)، أهلاً بك مع قناة (الجزيرة).

محمد حسين فضل الله: أهلاً بكم أيضاً.

ماهر عبد الله: لو سمحت لي أن أبدأ بسؤالك، في ظل العولمة، وما نسمعه من (أنسنة) كل شيء، والإنساني المشترك في هذه القرية الصغيرة، هل مازال هناك مبرر للحديث عن فكر إسلامي متميز؟ هل هناك-فعلاً-فكر إسلامي متميز؟

محمد حسين فضل الله: لعل الحديث عن الأنسنة أو العولمة، هو الذي يجعل الحديث عن الفكر الإسلامي حيوياً،لأن الإسلام فكر ينفتح على الإنسان في العالم كله (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) فالإسلام لا يتأثر على منطقة معينة، ولذلك فإن علينا -عندما تُطرح مسألة توحيد العالم- لابد لنا أن ندرس ما هو الفكر الذي يستطيع أن ينفذ إلى عقل العالم وإلى روحه وإلى حياته؟ تماماً كما يُطرح أيُّ فكر آخر لهذا فإننا لابد أن نؤصل نظرتنا إلى الفكر الإسلامي لنقدمه إلى الإنسان المعاصر في كل مكان كفكر يمكن أن ينفتح على تطلعات الشباب، وعلى حركيتهم، ويمكن أن يجيب على علامات الاستفهام التي تنطلق من نظرتهم إلى كل المتغيرات، وكل التطورات التي تَطرح في كل يوم فكراً جديداً، لتطرح سؤالاً جديداً أو..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: لو سمحت لي بالمقاطعة..ما هي علامات الاستفهام التي تراها؟ ما هي الجوانب التي يمكن للإسلام، أو للفكر الإسلامي أن يُسهم فيها يعني بالنظر إلى الثقافة العالمية اليوم، بالنظر إلى ما نشهده من تقدم حضاري، باعتقادك ما هي الثغرات التي يمكن للفكر الإسلامي أن ينفذ منها ليقدم للبشرية شيئاً؟

محمد حسين فضل الله ]مستأنفاً[: علينا أن... عندما نريد أن نناقش أيَّ فكر، فلابد لنا أن ندرس الأسس التي يرتكز عليها في حركيته للإنسان، فنحن نرى أن الله سبحانه وتعالى قدَّم العقل كقاعدة لمعرفته، وكقاعدة للتفكير في كل ما يتحرك فيه الإنسان في العالم، حتى أننا نجد في بعض الكلمات المأثورة، أن العقل هو لرسول من داخل، كما أن الرسول هو عقل من خارج.

ولذلك فإن العقل هو حجة الله على الناس كلهم، فالله يحاكم الإنسان من خلال عقله، ويثيبه، ويعاقبه من خلال عقله، وهكذا نجد أن الإسلام اعتبر العلم بكل امتداداته، وبكل مواقعه أساساً.. أساساً لحركية الإنسان، وللقيمة فالله يقول (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).

وقد أراد الله للإنسان أن يفكر في كل شيء، وأن يحرك فكره من أجل المعرفة، كما أن الإسلام من خلال المنهج القرآني للمعرفة، يُقدِّم للمعرفة مصدرين حيويين: التأمل والتفكير ثم التجربة، وثم نلاحظ نقطة أساسية وهي مسألة تأكيد الإسلام على العدالة، حتى أننا نقرأ في بعض آيات القرآن الكريم، أن الأديان كلَّها كانت منطلقة من قاعدة العدالة (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) فالأديان كلُّها انطلاقة في خط العدالة..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: لو سمحت.. لو سمحت لي مولانا.. يعني ذكرت –أنت- في الحديث التفكير والتجربة، يعني الحضارة الغربية، إذا تميزت بشيء فإسهامها الأكبر هو العقلانية المبنية على التفكير-على الأقل- الذي يتمظهر بأنه عقلاني، ثم هو يعني أغرقت في تجريبيتها لدرجة أنها أنكرت كل مصادر المعرفة غير الحسية، فبماذا يختلف الإسلام في قضية التفكير وقضية التجربة؟

محمد حسين فضل الله ]مستأنفاً[: أننا عندما ندرس.. ندرس انطلاقة التجربة كمصدر للمعرفة في الواقع الغربي، فإننا نلاحظ أنها أخذت ذلك من خلال الثقافة الإسلامية في الأندلس، ونحن عندما نُحرك التجربة، فإن العقل لابد أن يتحرك مع التجربة، لأن التجربة تتحرك في دائرة خاصة، أما أن تأخذ القانون من التجربة، فلابد أن تنطلق مع العقل الذي يحاول أن يمد التجربة إلى كل المفردات المماثلة، على أساس أن حكم الأمثال فيما يجوز، وفيما لا يجوز واحد.

ولكننا -في الوقت نفسه- لا يمكن أن نعتبر التجربة، هي كل شيء بحيث نبتعد عن التأمل والتفكير وما إلى ذلك..حتى -كما قلنا- حتى الذين يؤكدون التجربة، يحتاجون إلى التأمل في دراسة التجربة في عمقها وفي امتدادها وفي شموليتها، فلا معنى أن يصادِر التجربةُ العقلَ، بعد أن كانت هي لون من ألوان حركية العقل.

ماهر عبد الله: طيب لو.. في موضوعة العقل هذه يعني الإسلام كدين الروحانية تشكل جزءاً كبيراً منه، يعني الإسلام بلا روح لن يختلف عن أيِّ نظرية مادية أخرى.. هناك تركيز في كل الأديان -وخصوصاً- في الإسلام على هذا الجانب الروحي، والجانب الروحي هو إيمان بالغيب.. والغيب هو مالا يُدرَك بالحواس.. العقل يستطيع أن يعمل في المساحة التي تعمل فيها الحواس.. فكيف تجمع بين هذه العقلانية التي يدعو إليها الإسلام، وهذه الوجدانية الانفعالية، غير المرتبطة -بالضرورة- بمنهج عقلي؟

محمد حسين فضل الله: نحن نعتقد أن الإيمان بالغيب، لا ينفيه العقل، لأن العقل لا ينفي إلا ما ثبت عنده استحالتُه، نحن نلاحظ أن العلماء بكل تجاربهم، ينطلقون من خلال الخيال العلمي.. فالخيال العلمي الذي يثير أمامهم احتمالاً هنا، واحتمالاً هناك، هو الذي يدفعهم إلى أن يبحثوا، وإلى أن يفكروا، وهناك كلمة لابن سينا يقول: "كل ما قرع سمعك، فذره في بقعة الإمكان، حتى يَزُودك عنه واضحُ البرهان".

فالعقل لا ينفي الغيب ولكنه لا يثبته، لأنه لا يملك الوسائل التي.. الوسائل التي يمكن له أن يتعرف فيها الغيب.. ومن هنا نأتي -من خلال هذا الإمكان- لنتحرك على أساس النبوات التي لابد أن ترتكز في إثباتها على شيء من العقل، وإذا ثبتت النبوة وثبت النبي كشاهد على الوحي، فإننا نستطيع أن نتعرف الغيب من خلاله، كأي شاهد يمارس أية تجربة لا يطلع عليها الآخرون.. لذلك نقول الروح.. العقل لا ينفي الروح، ولكنه.. ولكنه يفكر بأنها ممكنة، وهذا ما لاحظناه في القرآن الكريم –عندما تحدث عن اليوم الآخر- يقول "وضرب لنا مثلاً ونسى خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أوَّل مرة وهو بكل خلق عليم" إن إمكان البداية يعطي إمكان النهاية..

ماهر عبد الله: طيب لو سمحت لي -قد نعود إلى هذا لاحقاً- لكن فيه مفارقة يشهدها المسلم، ويشهدها غيره من المراقبين من غير المسلمين، يعني النظرية الإسلامية تبدو جميلة.. تبدو براقة.. تبدو مقنعة.. لكن الواقع العملي للمسلمين -اليوم- يعني لا يبشر -كثيراً- بخير..كيف تفسر هذه المفارقة، بين ما يعيشه المسلمون، وما ينادي به الإسلام؟ علماً بأن الإسلام إنما جاء لإنقاذ البشرية ابتداءً بهؤلاء المؤمنين به.

محمد حسين فضل الله ]مستأنفاً[: نحن عندما نقرأ تاريخ الشعوب، فإننا نرى أن الشعوب تتمثل أفكارها والتزاماتها الدينية وغير الدينية من خلال مستواها الذهني، لهذا فإن عوامل التخلف التاريخية التي عاشها المسلمون، هي التي فرضت عليهم أن يتمثلوا الإسلام بشكل متخلف أو يمارسوه بشكل متخلف، هذا بالإضافة إلى العوامل الخارجية التي حاولت أن تربك الواقع الإسلامي، وتحرك الوضع فيما يشبه الفوضى الفكرية والشعورية.

إن الواقع الإسلامي ليس بدعاً من ألوان الواقع في التاريخ، لأن كل جماعة تتمثل الفكر من خلال مستواها الثقافي، لهذا فالإسلام استطاع.. إننا إذا أردنا أن نعرف هل يمكن للإسلام أن يُنتجَ حضارة أو شعباً، فإن علينا أن نفهم الإسلام عندما انطلق فقد كان الوضع وضع جاهلية مع بعض المفردات الثقافية هنا وهناك واستطاع الإسلام أن ينطلق، ليصنع مجتمعاً.. مجتمعاً متكاملاً، ويؤكِّد وينتج حضارة في مدى أقل من 100 سنة، بحيث كانت-كما يقول (الباندين نهرو) إنها أُمُّ الحضارات الحديثة.

إن التجربة الإسلامية الحضارية تدل على أن الإسلام قادر على أن يصنع الحضارة من جديد، لو تمثَّل المسلمون العقلانية والموضوعية والعلمية والعدالة وما إلى ذلك..لكننا نقول الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر!!

ماهر عبد الله: سماحة السيد في كلامك ذكرت أن الإبداع في كل أمة –وخصوصاً في التاريخ الإسلامي- كان يعتمد على المستوى الثقافي المنتشر، يعني هذا يُدخِلنا –ضمناً- في موضوعنا الآخر، وهو أن غالبية القواعد الفكرية المتعارف عليها، والمقبولة في الأوساط الإسلامية اليوم، إنما قُعِّد لها ونُظِّر لها، في فترات، مستوياتها الثقافية -لا نريد أن نميز- ولكنها على الأقل مختلفة، أليس هذا مبرراً لحركة تجديدية في الفكر الإسلامي بحيث..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: إنني أتصور.. أتصور أننا في بدايات ما يُسمَّي بعصر النهضة انطلقت -هناك- أكثر من تجربة ثقافية متقدمة، قد تكون إبداعية، وقد تكون قريبة من الإبداع، وهذا ما لاحظناه في حركة المرحوم الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني وغيرهم من المفكرين الذين حاولوا أن يفكروا بالإسلام من خلال نصوصه ومن خلال قواعده بطريقة لا تبتعد عن الجدة.

ونحن نتصور أننا.. أن هناك -في واقعنا الإسلامي الحاضر- الكثير من المفكرين والمثقفين الذين حركوا تجاربهم الثقافية، في إنتاج فكر إسلامي، ينفتح على قضايا الحياة، ويخاطب الجيل المعاصر، ويحاول أن يُقدِّم الإسلام إلى العالم، كدين يملك الكثير من الإجابة على علامات الاستفهام، أو حل المشاكل التي يعيش فيها الإنسان..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: لكن أغلب الذي ذكرتَ، أو ما أشرت إليه من حديث عن مجالات التجديد -باعتقادي- أغلبها يندرج تحت باب ردات الفعل، يعني غالبية التجديد إنما يأتي إما من نخب علمانية، لم تعد تقيم كثيرَ وزن للدين أو لانتقادات غربية.. نعم..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: أتصور.. إني أتصور أن أية حركة تجديدية، سواء كانت دينية أو علمانية تنطلق في البداية من رَدَّة فعل.. ثم تتحول إلى فعل، إننا نلاحظ أن أغلب مواقع التقدم في العالم -في أي جانب- كانت رد فعل لحاجة أو رد فعل لمشكلة حتى أن أوروبا في كل حركيتها.. حركيتها -بعد القرون الوسطى- كانت رد فعل كل ذلك التخلف والجهل والصورة التي عاشها الإنسان -هناك- في فهمه للدين باعتباره ضد العلم، أو ما إلى ذلك أن يكون.. يكون الإنتاج الإسلامي الحديث رد فعل لواقع التخلف، أو لواقع التحرك الحضاري الغربي في العالم، هذا لا يمثل حالة سلبية بل إنه يمثل حالة إيجابية لأنك عندما تعيش الصدمة، ولا تسقط أمامها فإن الصدمة تستطيع أن تعطيك الكثير من حالات التوتر الفكري والروحي والحركي.

ماهر عبد الله: يعني ردات الفعل هذه في بعضها تأتي من نخب غير مؤمنة بالفكرة الإسلامية، هل يمكن أن نعتبر هذا مساهمة في تجديد الفكر الإسلامي، حتى من نخب غير مؤمنة بفكره؟

محمد حسين فضل الله: نحن نعتقد.. نحن نتصور أن الإسلام ليس (كهانوت).. بحيث.. بحيث لا يمكن أن يشارك فيه أو في فهمه إلاَّ علماء الدين، الإسلام هو فكر انطلق من القرآن ومن السنة ومن تجارب العلماء المسلمين في مدى التاريخ، وبإمكان أي إنسان -حتى لو كان مسلماً، غير مسلم- إذا كان يملك الاختصاص في اللغة العربية، والاختصاص في الفكر الديني، وفي كل القضايا المتصلة يمكن أن..

[موجز الأنباء]

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: سماحة السيد، كنا سألناك عن غالبية النخب التي تدعو إلى التحديث والتجديد في.. في الفكر الإسلامي، إنما هي من خارج -ما يمكن تسميته- الصف الإسلامي؟ هذا يعني ليس تكفيراً لأحد، ولكن –يمكن القول- أنها دعوات من الخارج، وكنت هل تريد التعليق على هذا؟

محمد حسين فضل الله: نحن لا نتصور أن الظاهرة الكبرى هي ظاهرة مشارَكة الآخرين من غير المسلمين أو الإسلاميين في هذا المجال، لأن هناك الكثيرين من المفكرين المسلمين انطلقوا في هذا الجانب..إننا نحاول أن نسجل ملاحظتين في مشاركة غير الإسلاميين في بحث في الحديث في إثارة قضية التجديد في الفكر الإسلامي.

أولاً: هناك أن البعض الذي يجد هناك مشكلة.. مشكلة في الواقع الإسلامي الذي يتحرك فيه سياسياً أو فكرياً لأن الغالب هو الإسلام والمسلمون، سيحاول أن يُقوِّل الإسلام ما يقوله، ويحاول أن يفرض رأيه على الإسلام، من أجل أن يتخلص من المأزِق الحركي في هذا المجال.

وهناك أناس يحاولون أن يفهموا الإسلام بطريقة تتناسب مع ثقافتهم..نحن لا نمانع من ذلك ولا نعتبر البحث في الفكر الإسلامي حكراً على المسلمين، فيمكن أن نجد مسيحياً أو نجد ملحداً يحاول أن يدرس الفكر الإسلامي من خلال نصوصه وقضاياه، ولكننا نحاول أن نناقش هذا الفكر، ونتحرك معه على أساس عقلاني موضوعي لنحقق، لنصل إلى النتيجة التي قد يلتقي فيها هذا البحث بالحقيقة، وقد لا يلتقي بالحقيقة.

أننا لا نمانع في أن.. في أن ينطلق غير المسلمين في بحث الإسلام، كما يمكننا نحن كمسلمين أن ننطلق في بحث المسيحية أو اليهودية أو العلمانية في كل اتجاهاتها.

ماهر عبد الله: طيب لو إحنا -مرة أخرى- شاهدنا مشهد الفكر الإسلامي، نلاحظ –بصفة عامة-وجود تيارين يدعوان إلى التجديد، التيار الأول يمكن أن نعته بأنه التيار الحركي الإسلامي بالمعنى المنسوب إلى الحركات الإسلامية، أو ما اصطلح على تسميته بالإسلام السياسي، في الطرف المقابل نجد تيار فكري فيه دعاوى تجديد.

ولكن يمكن أن يوضع في خانة أنه إما فكر تقليدي.. بمعنى نابع عن علماء دين يُوصَفون بالتقليدية أو الإسلام الرسمي المرتبط -بصيغة أو بأخرى- بأنظمة الحكم السائدة.. ما هو المبرر لوجود هذين التيارين في الفكر الإسلامي المعاصر؟

محمد حسين فضل الله: إن الفكر.. الاتجاه الآخر هو الاتجاه الذي عاشه التاريخ الإسلامي من خلال العلماء المسلمين، ومن خلال الواقع الإسلامي، ومن خلال علاقة هذا الاتجاه بالأنظمة التي عاشت في بلاد المسلمين، وأتصور أن هذا التيار.. التيار ليس تياراً واحداً، باعتبار أن هناك عدة اتجاهات في الفكر الإسلامي.. أما موقفنا تقليدي، أما موقفنا من هذا التراث، أو هذا الاتجاه فإننا نحترمه ونحترم اجتهادات القائمين عليه.

ولكننا نقول: إن هؤلاء.. إن هؤلاء ليسوا معصومين، وأنهم يمثلون الحقيقة المطلقة فلهم اجتهاداتهم التي قد تخطيء وقد تصيب وقد ينطلقون في هذه الاجتهادات من خلال ثقافة معينة أو من خلال بيئة ذهنية معينة، لذلك فإننا نتصور أننا لابد أن.. نعم.. لابد..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يعني لو سمحت لي المقاطعة هنا.. الفكر الحركي، أو فكر الإسلامي السياسي، لن يُقدِّم صمام الأمان الذي قدمه الفكر التقليدي والفكر الرسمي الفكر الرسمي لم يفرز حركات متطرفة.. في حين أنه حركات الإسلام السياسي، أو ما يسمي بالفكر الحركي الحديث، سمح بوجود حركات متطرفة، مارست العنف ضد مجتمعاتها؟

محمد حسين فضل الله: إنني أعتقد أن هذا التاريخ الإسلامي الذي حفل بكثير من الصراعات الفكرية، أدخل المسلمين نتيجة الظروف التي أحاطت بهم ونتيجة العصبيات التي عاشت في واقعهم والتي حكمت تفكيرهم وعدم اعترافهم بالآخر، حتى في داخل الواقع الإسلامي- إنها قد أجرت بحاراً من الدماء في كل التاريخ الإسلامي.

إننا لا نستطيع أن نبرئ التاريخ مما يعيشه الواقع، ولا نريد -من خلال ذلك- أن نقول إن العلماء المسلمين هم الذين أنتجوا ذلك، ولكنهم بشكل مباشر أو غير مباشر -ربما- ساهموا في ذلك بألاحظ هذا التعاون الذي صار من خلال بعضهم -ولا نتحدث عن الكل- مع الأنظمة القائمة.

أما الحركات الإسلامية الحاضرة، فنحن لا نستطيع أن نقول: إن كل الحركات الإسلامية هي حركات متطرفة، وحركات دموية وما إلى ذلك..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: هي ليست دموية ولا متطرفة، ولكن الفكر الحركي نبعت عنه إفرازات، يعني الفكر الرسمي لم يفرز التطرف.

ماهر عبد الله ]مستأنفاً[: صحيح طلع إفرازات..لكن علينا -عندما- ندرس الفكر الحركي، أو التيار الحركي، إن علينا أن ندرس الظروف السياسية والأمنية من داخلية ومن خارجية التي انفرضت على هذا التيار أو ذاك الكثير من حالات الانفعال، أو حالات ردود الفعل، ونحن نعتقد أن الحركات الإسلامية، ليست بدعاً من هذا الاتجاه.

فنحن عندما ندرس واقع المنطقة -منذ الخمسينيات- فإننا نجد على أن العنف هو الذي كان يحكم الحركات القومية والحركات الماركسية والاشتراكية وغيرها لأن الجو.. الجو الذي كان يسود المنطقة هو جو العنف.

وقد وُلِدت كثير من الحركات الإسلامية في أجواء العنف ولذلك فنحن نقول: إنها تأثرت بأجواء العنف فتحركت في مفردات العنف الموجودة في الفكر الإسلامي والتي -ربما-لم تدرسها دراسة دقيقة عميقة لتتعرف مصادرها ومواردها، إنني أعتقد..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: سماحة السيد، سماحة السيد -قد نعود لهذا- لأنه نود أن نُشرك الأخوة المشاهدين معنا الأخ عاصم العظم من دمشق من سوريا، الأخ.. الأخ عاصم تفضل.

عاصم العظم: يا سيدي الكريم هل سمحت للشيخ حسين فضل الله باعتباره من المراجع الشيعة فهو يتكلم وبشكل حضاري وعصري جداً، بينما نحن -السنة- الاجتهاد توقف عندنا، وحين يتحدث أيُّ إنسان بشكل يخالف المرجعية والسلفية يعتبر خارج عن الدين، ويعتبر كافر أو ملحد.. ولدينا شاهد كبير في سوريا، لدينا الدكتور محمد شحرور يتحدث بشكل عصري عن القرآن والكتاب، وهو يُهاجَم من الجميع وبخصوص رجال الدين، فما رأي سماحة الأستاذ الشيخ حسين فضل الله في هذا الموضوع؟

ماهر عبد الله: طيب قبل أن يجيب سماحة السيد، أنا عندي مكالمة أخرى من الأخ أحمد قعلول من بريطانيا، أخ أحمد تفضل.

أحمد قعلول: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد حسين فضل الله: عليكم السلام.

أحمد قعلول: الحقيقة إنه من دواعي الفخر والاعتزاز أن تستدعي قناة (الجزيرة) السيد محمد حسين فضل الله، فشكراً للأستاذ ماهر عبد الله على هذا الجهد، ملاحظتي أو سؤالي في هذا السياق أن آلية التجديد في الفكر الإسلامي كانت آلية تاريخية متكررة منذ وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فخدم هذا القانون داخل الحالة، داخل السياق الحضاري الإسلامي الخاص مدة -تقريباً- عشرة قرون.

لكن منذ ثلاثة قرون -مع نشوء الحضارة الغربية- تدخَّل أو برز عامل خارجي آخر غيَّر معادلة حركة التاريخ داخل الحضارة الإسلامية، ويعني عمِل فيها عملاً معاكس، دفعها أو دفع آلية التجديد داخل الحضارة الإسلامية إلى الافتكاك والنكوص وأوجد فيها عوامل جديدة -في داخلها- لا يمكن أن نسميها بالمعجم السياسي -آلية الاستبداد الحديث -ضمن الدولة الحديثة، بالمعنى.. بالمعنى المعاصر للدولة الحديثة، بأنها هي أداة مركزية تستجمع كل عوامل السلطة في يدها، تحتكرها.

بينما داخل المجتمعات الإسلامية-ضمن آليات التجديد الخاص-كان المجتمع الإسلامي يفرز كل فترة من يجدد له الدين ويجدد الحضارة، الحقيقة يعني تواصل مع حديثكم الحركات الإسلامية هي تواصل مع آلية التجديد الشعبي للدين، ولتجديد الحضارة والعلم الحقيقي..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: طب أخ أحمد..

أحمد قعلول: نعم، دقيقة.

ماهر عبد الله: أخ أحمد مشكور.

أحمد قعلول [مقاطعاً]: نعم العلم الحقيقي بأمور تداخل الحضارة الإسلامية، يعين -الآن- هو من أدوات المحافظة، وأدوات الاستبداد..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: مشكور يا أخ أحمد أنا أعتقد.. أعتقد أن الفكرة وصلت، أرجو إن يكون سماحة السيد، سمعنا.. لو بدأنا بالسؤال الأول سماحة الشيخ.

محمد حسين فضل الله: أما السؤال الأول فإنني أعتقد أن اختلاف أن ننتج فكراً جديداً في فهم القرآن أو في فهم السنة أو في فهم كثير من القضايا الإسلامية لا يطلب أن نتجه إلى أسلوب التكفير، ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً، وإنَّ لي.. وإنَّ لي صلة مع الدكتور محمد شحرور وقد أهداني كتابه كأول نسخة أهداني إياها وحدث هناك بعض.. يعني بعض الحوارات -في بعض الجلسات- بيني وبينه وكنت أناقش في المنهج الذي اتبعه وفي بعض المفردات.

لهذا فإننا لا نميل إلى أسلوب التكفير الذي انتشر هنا وهناك، عندما يختلف معنا أحد، لأن مسألة الكفر هي من المسائل التي لابد أن نحدد ضوابطها، حتى لا يستهلكها الناس بطريقة تمنع الناس من أن يفكروا أو ما إلى ذلك، لهذا فإنني أتصور أن علينا كمسلمين -سواء كنا سنة أو شيعة- أن نستنطق القرآن لنفهمه -لا أقول- فهما جديداً لنفهمه فهماً مستقلاً من خلال الأدوات التي نملكها الآن، مما قد لا يملكها لم يكن يملكها المفسرون المسلمون سابقاً، وكما اختلف المفسرون السابقون –مع بعضهم- في فهم القرآن فيمكننا أن نختلف معهم من دون تضليل أو تكفير.

أما السؤال الثاني فإننا نتصور أن الفكر الإسلامي -كفكر- كان يتحرك في موقع أو آخر ليجدد بعض الأساليب، أو يجدد بعض المفردات، ولكن المشكلة التي عاشها المسلمون، هي عصور التخلف، وهي الأوضاع القلقة التي عاشوها.. عاشها الحكم الإسلامي في بعض.. في بعض تاريخه.

لهذا فإننا نتصور أن الدولة الحديثة والأجواء الحديثة أوجدت -هناك- عدة مفردات وعدة اتجاهات في داخل الإسلامية، لأن المسلمين بدءوا يتحدثون، وهم يتصورون الدولة الإسلامية عن النظام الإداري والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والسياسي ليكتشفوا هذا من خلال مفردة إسلامية، ويكتشفوا ذاك من خلال مفردة إسلامية، نحن نوافق الأخ أن هناك حركات، كانت تجدد فكرة هنا وفكرة هناك، ولكننا نعتقد أن الواقع الحديث جعل المسألة في مستوى الظاهرة، وفي مستوى الشمولية وفي مستوى الحاجة أمام التحديات الفكرية التي تواجه الفكر الإسلامي..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: طيب سماحة السيد، لو سمحت لي بأخذ مكالمة أخرى ومداخلة أخرى الأخ جبوري الشريف من الجزائر، أخ جبوري تفضل.

جبوري الشريف: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

جبوري الشريف: لقد ذكر مولانا الشيخ -الآن- أن من حق المسلم أن يبحث في المسيحية، وفي اليهودية، ومن حق النصارى أن يبحثوا في المسيحي، ويقدموا الجديد وأعتقد أن السابقين النصارى قد بحثوا في القرآن الكريم وبحثوا في التوراة والأنبياء والمزامير واليوم يطرحون تحديات عظيمة، هذه التحديات أعتقد أننا -كمسلمين- قد تجمد فكرُنا منذ القرن الرابع للهجرة.

ودرست كتاباً لإسكندر الجديد يطرح فيه تحديات على المستوى العقائدي، ويقول إن كان محمد موجوداً في التوراة والأنبياء والمزامير، فدلونا عليه، وإن كان حُرف، وطُمس اسمه، فهل من الحكمة أن يحيلنا القرآن إلى التوراة والأنبياء والمزامير ونحيل منها،ثم –منذ أربعة أيام فقط- سمعت في قناة (مورزا) المسيحية تطرح مشكلة أيضاً عقائدية.

أعتقد أنها عقائدية خطيرة – وهي.. وهي تبرر وتكذِّب كل تحريف وقع في الكتاب المقدس وقدمت أدلتها المادية والأثرية والنصية وطرحت هذه الأسئلة على المسلمين متى تم التحريف؟ أين؟ من حرفها؟ من حرفها؟ وما هو الغرض؟ فقالوا نحن -أيضا- نؤمن بالحياة الأبدية وبالآخرة، فما الغرض من هذا التحريف؟ أيحب أحدنا النار؟والمشكل ومما ابتليت به أبناء هذه الأمة -وبخاصة الإعلاميين منهم- عندما تقدم لهم بحثاً، يجيبوا عن هذه التساؤلات كلها، واحدة تلو الأخرى.

يجيبك مدير التحرير -خاصة في الجرائد الجزائرية- ويقول لك لست مستعداً أن أنشر بحثاً يمس بالتقارب بين الأديان، وإني أقدرها بسلام، إما أنهم مخدوعين بالدعاية التبشيرية، وإما أنهم لا غير ناضجين، لا يميزون بين العدوانية وبين البحث عن حقيقة، هذه الحقيقة..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: أخ شريف، أخ شريف ممكن تختم بالسؤال؟

جبوري الشريف: اسمح لي هذه المداخلة الآن؟

ماهر عبد الله: تفضل.

جبوري الشريف: ومن المؤسف أنني طرحت على قناة (الجزيرة) هذا البحث الذي دمت فيه ست سنوات، وأجيب عن كل كبيرة وصغيرة فيه، ولم أتلق أيَّ جواب، وبخاصة مناظرة مثل هذه المناظرة الإسلامية في قناة (اقرأ) وقناة (الجزيرة).

وأطرح سؤالي أخيراً إلى السيد مولانا الشيخ ما هو الفكر التجديدي؟ وبخاصة أن كثير من علمائنا يشككون في دراسة التوراة والأنبياء والمزامير والقرآن الكريم يحيلنا عليها، فكم من آية تقول (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً..قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) فالذي يعرف كتاب التوراة،والأنبياء ويجددها، ويدرسها دراسة بالثقافة الإسرائيلية، لا بالثقافة العربية يعرف أن هذا النبي مرسل.. مرسل..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يا أخ شريف..أعتقد السؤال واضح..

جبوري الشريف ]مقاطعاً[: اسمح لي يا أخي، اسمح لي..إلى كل إخواننا -أهل الكتاب- تعالوا لنتجادل بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، وأني أقول لكم إني على يقين بأن الإنجيل، وهو البشارة بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو آخر أسفار العهد القديم، لم يأتِ إلا ليبشر بقرب تحقق وعد "يهوا" للشعب إسرائيل المتمثل في بعثة خاتم الأنبياء وإمام المرسلين..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: طيب يا أخ شريف، مشكور يا أخ شريف..

جبوري الشريف ]مقاطعاً[: إني أتكلم لأنني قد حرمت من هذا الكلام، وهذه معجزة لي أيضاً إني أتكلم مع قناة (الجزيرة)..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يا أخ شريف هي ليست معجزة، لأنما حصل وبحمد الله، فشكراً لك، سماحة السيد يعني في حالة التجديد وخصوصاً في العلاقة مع الآخر الديني مع المسيحية واليهودية..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: عندما نتحدث نقول: أن من حق كل.. كل شخص من أتباع هذا الدين، أو ذاك أن يدرس، نتكلم من خلال الثقافة، عندما يكون هناك مثقفون، يملكون أدوات الدراسة هنا وهناك أما ما ذكره الأخ فهناك مشاركات من أكثر من باحث وعالم مسلم في دراسة هذه الشبهات -التي ليست شبهات جديدة- بل إنها كانت محل البحث منذ عشرات السنيين.

وأعتقد أن هناك أبحاث علمية دقيقة، تحدثت عن مناقشة الشبهات التي أثارها هؤلاء في مسألة تحريف، رفض تحريف التوراة أو الإنجيل أو ما إلى ذلك وأذكر عالماً مغموراً كان في مدرسة النجف، وهو المرحوم الشيخ محمد زياد البلاغي الذي كتب أكثر من كتاب في مناقشة هذه الشبهات.

إنني أعتقد أن المسلمين شاركوا مشاركة جيدة، ونريد أن يشاركوا مشاركة جيدة، ولا أعتقد أن إثارة هذه الأبحاث بالطريقة العلمية، بعيداً عن كل أساليب.. الأساليب الانفعالية، يمكن أن يسيء إلى العلاقة بين الأديان، لأنني أعتقد أن أصحاب الأديان، كلما كانوا موضعيين أكثر، وكلما كانوا عقلانيين أكثر، كلما جلبوا الناس إلى دينهم أكثر.

ماهر عبد الله: طيب مشكور، معنا الأخ ميمون نجاز من المغرب، أخ ميمون تفضل.

ميمون نجاز: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد حسين فضل الله: عليكم السلام.

ميمون نجاز: يعني فيه بعض الملاحظات والمشاركة في بعض النقاط الأساسية التي أثيرت حول موضوع التجديد يعني..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: بس لو سمحت بإيجاز.

ميمون نجاز: نعم، أنا أعتقد أن قضية التجدد هذه هي يعني صفة ذاتية في المنهج الإسلامي يعني، المنهج الإسلامي بطبيعته الكونية والعالمية يعني يمتلك هذه القدرة على التجدد باستمرار، إنما المشكلة في الإنسان الحامل لهذا المنهج، ومدى قدرة هذا الإنسان على التكيف مع المتغيرات والأوضاع المختلفة، وقدرته على تنزيل قيم ومُثُل الإسلام ضمن المتغيرات المتجددة باستمرار.

وهذا يطرح إشكالية حضارية كبرى، لأن قضية التجديد لا يمكن أن يُنظر إليها من خلال مستوى من مستويات الحياة العامة كالمستوى السياسي أو المستوى الفقهي أو المستوى الاقتصادي.

وإنما هي عملية متجددة في صميم حركة الحضارة بشكل عام، وبذلك أنا أعتقد أن قضية التجديد هذه من وظائف الأمة، وليست من وظائف الأفراد، صحيح أن الأفراد يعني كعلماء وفقهاء ومفكرين يعني يساهمون من خلال إبداعاتهم المختلفة، لكن نحن في حاجة إلى أنفاق مؤسسية، لظبط حركة التجديد، وترشيدها يعني من خلال التحكم في مسار الحياة الإنسانية، ومن خلال إدراك موضوعي لحاجات الإسلام في واقع المتغير، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، أنا أعتقد أن الحديث الشريف الذي رواه أبو داود في سننه في مسألة التجديد، يشير إلى قضية مهمة جداً، يعني يحيلنا على نصاب زمني يمكن اعتباره مقياساً لحاجة الأمة إلى التجديد "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها، أو أمر دينها" ومائة سنة نصاب زمني كافٍ لحصول متغيرات دنيوية في الحقل الحضاري العام.

وهذه نقطة أساسية -أعتقد- حتى لا ينظر إلى عملية التجديد، وكأنها عملية جزئية يعني من خلال إثارة بعض المفردات المنظومة الإسلامية في قضية المرأة.. قضية العلاقة بين الحاكم والمحكوم قضايا الشورى والديمقراطية..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: أخ ميمون مشكور.. مشكور جداً على هذه المداخلة مولانا ترشيد عملية التجديد..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: إننا.. نعم، يعني إنني ألاحظ على هذه المداخلة إننا، أولاً نحن لا نعيش عقدة التجديد، يعني بمعنى أن نضع أمامنا -في الواجهة- أنه لابد أن نجدد الإسلام، بحيث نفرض المسألة، كهاجس نريد أن نثبت فيه للآخرين، أننا لابد أن نُلبس الإسلام ثوباً جديداً، ينطلق من خلال فكر هنا وفكر هناك ليكون.. كما يفهمه البعض -ولا أقول إن الكل- كان.. ليكون الإسلام مجرد معرِض للأفكار التي يثيرها الآخرون.

لكنني أحب -مع هذه الملاحظة- أن أؤكد على نقطتين، النقطة الأولى: أن مسألة.. أن نجدد فهمنا للنصوص الإسلامية، وللتاريخ الإسلامي ولكل ما يتصل بحركية الإسلام في الجانب الفكري- أن الدائرة الأولى هي دائرة الخطوط العامة ومسألة الخطوط العامة في تأصيلها وتجديدها وتطويرها وفهمها لابد أن تتحرك من خلال النخب الفكرية التي تملك أن تفكر وتبدع وتنتج.

أما الدائرة الثانية فهي دائرة التجديد الواقعي للأمة، فالعلم.. فالإسلام عندما يدعوا إلى العلم، وقد تركت الأمة -في مدى قرون- تركت الأخذ بأسباب العلم، فإن الأمة هي التي يجب أن تتجه إلى الأخذ بأسباب العلم، لتتطور علمياً، كما أن الأمة لابد أن تعيش عقلانية الإسلام، سواء كان في الحوار، أو في أي جانب من الجوانب.

وهكذا في.. في تطبيق الواقع الإسلامي الذي يشعر فيه الناس بأن هناك شيئاً جديداً في الحركة، أما مسألة الحديث الذي رواه أبو داود، فقد لا يتصل بالمسألة التجديدية في الفكر الإسلامي.. بل إنه قد يتصل بمسألة إعادة الحياة إلى الواقع الإسلامي من خلال القيادة التي قد تجعل المسلمين يفهمون الإسلام -بعيداً عن التخلف- بعد أن يحصل هناك تخلف، أو يحصل بعض الثغرات، هنا وهناك.

ماهر عبد الله: إذن هو يعني المجدد المذكور في الحديث -باعتقادك- هو مجدد اجتماعي سياسي، يفرز قيادة جديدة..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: مجدد للحياة، لأن مسألة التجديد الفكري الإسلامي ليس مطروحاً في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن النبي كان يقدم الإسلام، ولكنه يريد أن يعتبر -ربما والله العالم- يريد أن يعتبر أن الأمة قد تتخلف، وقد تنحرف، وقد تصاب بكثير من الأمراض، فيأتي.. تأتي القيادة المحددة لتجدد لها حيوية الإسلام في.. لأن ما هو الإسلام؟ فأظن أن هذا لم يتعرض له الحديث.

ماهر عبد الله: أنا سألتك لأنه وصلني (فاكس) بهذا الفحوى، فأسترسل في السؤال لتسمح لي في أخذ مشاركة أخرى من الأخ أيمن مصطفى من ألمانيا، أخ أيمن تفضل.

أيمن مصطفى: سلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد حسين فضل الله: عليكم السلام.

أيمن مصطفى: كيف حالك يا مولانا السيد لدي سؤال واحد.

ماهر عبد الله: اتفضل.

أيمن مصطفى: هناك مؤرخ فرنسي اسمه (لاي مارتين) قال: إن محمد صلى الله عليه وآله وسلم- كان أعظم رجل عاش على الأرض -على الإطلاق- وهناك كثير من المؤرخين الأجانب، يعني قالوا -بهذا الخصوص- حول الرسول؟ سؤالي لماذا –إلى حد الآن- الغربيين لا يعترفون بالإسلام ولا بالرسول العظيم؟ وشكراً.

ماهر عبد الله: شيخنا باختصار، لأنه شوية خارج عن موضوع الـ..

محمد حسين فضل الله: أنا أعتقد أن علينا أن نفهم الرسول من خلال ما نعرفه منه، وأعتقد أن كثيراً من الغربيين يقدرون النبي ويعظمونه ولكن بطريقتهم الخاصة.

ماهر عبد الله: طيب أخ محمد حسين من المغرب، لو سمحت بالمداخلة، بس تكون قصيرة، لو سمحت تفضلت علينا.

محمد حسين: طيب، شكراً السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد حسين: نرحب بالشيخ العلامة، ونعتبر هذا اللقاء فرصة لتقريب الهوة بين الشيعة والسنة وإيجاد أرضية مشتركة، لكن فيما ذكره الأخ الجزائري عن برهان تزوير الإنجيل، يسمح لي فضيلة العلامة إن النصارى قالوا عن عيسى عليه السلام كذا، ويقال أنه صُلِب، وأنه كذا.. وهذا.. كذبوا على نبيهم، والله سبحانه يقول، تعالى يقول في القرآن الكريم (ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) فهذا أكبر برهان على أنهم زوروا الإنجيل، إذا كانوا زوروا نهاية اليسوع المسيح

عليه الصلاة والسلام..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يا أخ محمد هذه..

محمد حسين ]مقاطعاً[: وهو أكاذيبهم بدأت بالتزوير على نبيهم..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يا أخ محمد، هذا تفريع، يا أخ محمد، يا أخ محمد، هذا تفريع، ومش في صلب الموضوع، لو سمحت في موضوع تجديد الفكر الإسلامي.

محمد حسين: أنا أريد فضيلة العلامة، هناك أمور -أنا لا أريد أن أذكرها هنا- يعني الشيعة يخالفون فيها السنة كثيراً، وأنا كلامه جيد ورائع لكن في الحضارات -الآن- وفي دخول القرن الميلادي، نحن نريد قروننا الهجرية نتابعها، لكن في الحضارات، وفي إزالة اللَّبس عن الحضارة الإسلامية، والفكر الإسلامي هناك أفكار كثيرة نريد أن.. على السنة، على الشيعة -كي يستطيعوا الدخول في قلوب كل المسلمين- أن يزيلوها، الثورة الإيرانية لم تستطع أن تخترق المسلمين في العالم من السنة.. لأن هناك أشياء أساسية يناقضون بها السنة، نحن نريد أن نختلف عن النصارى في تكذيب..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: يا أخ محمد، يا أخ محمد، لو سمحت، لو سمحت لي يا أخ محمد..

محمد حسين ]مقاطعاً[: وأقاويل غير صحيحة عن الإسلام، عن الصحابة الكرام..

وأولهم سيد الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى كلهم سواسية..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: أيضاً يا سيدي الكريم الموضوع هو تجديد الفكر الإسلامي التفريعة عن المسيحية من حقك الكلام عن الشيعية والسنة -أيضاً- مشروع، لكن مكانه ليست هذه الحلقة، إحنا نتحدث عما اتفق عليه المسلمون من فكر عام يجمع عليه أو تجمع عليه الطوائف المسلمة، فنرجو أن.. فمشكور يا أخ محمد على هذا السؤال، لو سمحت لي سماحة السيد..

محمد حسين فضل الله ]مقاطعاً[: أنا أحب أن أعلق تعليقة صغيرة حول هذا الموضوع..

ماهر عبد الله: اتفضل.

محمد حسين فضل الله: أولاً: أقول في أسلوبه في الحديث عن المسيحية، إن الله علمنا قال (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) وأما مسألة السنة والشيعة فأعتقد أن في كتب السنة كثير مما لا يرضاه السنة الآن.. وفي كتب الشيعة الكثير مما لا يرضاه الشيعة الآن.. علينا أن ندرس مسألة

السنة والشيعة بالكثير من الموضوعية والعقلانية، وأن ندرس ماذا يفكر الشيعة الآن والسنة الآن، ونفكر كيف يعيش السنة والشيعة التحديات الكبرى في المسائل السياسية والاقتصادية والثقافية.

ماهر عبد الله: طب هذا يدخلنا في صلب سؤال آخر عن يعني.. ضرورات التجديد أو من تبعاته، وما وجب أن ينبني عليه، هو نوع من.. من التذكير بتجديد مفهوم الاجتهاد في الإسلام، أو تجديد الفقه، هل نحن نتحدث -فقط- عن إعادة صياغة لألفاظ ومصطلحات، أم إنه لابد من الحديث عن آليات جديدة تُبْتَكر -كما ابتُكِر علمُ الأصول في القرون الأولى- لإعادة النظر إلى الفقه الإسلامي، ولمفهوم الاجتهاد كله بشكل جوهري؟

محمد حسين فضل الله: من الطبيعي أن الاجتهاد في الفقه كالاجتهاد في أي علم من العلوم، لابد أن ينطلق من طبيعة المصادر الذي يرتكز عليها الفقه، أو ينطلق منها الفقه، ومن الطبيعي أن قضية فهم النص، أو فهم توفيق النص أو البحث عن الأدوات الجديدة في علم الأصول أو ما إلى ذلك، لنرى مدى قوتها وأصالتها وقدرتها على إنتاج شيء جديد هنا وشيء جديد هناك.

ليست المسألة مسألة شكلية، ولكن المسألة هي أن نقول إن الأقدمين فهموا الإسلام بطريقة من خلال ما يملكون من ثقافة في فهم النص وفي فهم التاريخ، أو في فهم الواقع الذي كان يعيشه المسلمون آنذاك،ونقول: نحن علينا أن نحاول أن نفهمه بشكل مستقل فكما أنتجوا من خلال فهمهم واجتهادهم كثيراً من المفاهيم والأحكام علينا أن ننتج ذلك.

وكما قلتُ ليس من عقدة التجديد، ولكن من عقدة محاولة تأصيل الفهم الإسلامي للفكر الإسلامي، سواء كانت المسألة تتصل بالفقه، أو تتصل بالمفاهيم الأخرى المتصلة بحركة الإنسان في الحياة..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: لو سمحت لي مولانا بمشاركة جديدة من الأخ زياد صدقة من أميركا، تفضل أخ زياد، تفضل.

زياد صدقة: السلام عليكم.

محمد حسين فضل الله: عليكم السلام ورحمة الله.

زياد صدقة: سؤالي –الحقيقة- تطرق له -جزئياً- في هذه المداخلة من الأستاذ ماهر اللي هي ما هي الثوابت الإسلامية، التي لا يمكن أن نعتبر أن بها تجديداً، أو أنه لا يمكن أن نقول إنها يعني يمكن أن تتغير بتغير الزمان.

وأضرب مثال: التجديد في أصول الفقه، التجديد في مصادر التشريع وأولوياته يعني أيهما نأخذ أولاً، هذا سؤالي الأول أما الآخر فهو كيف يمكن التعامل -بنظركم- مع حركات الانبعاث الإسلامي والتجديد الإسلامي التي لا تنطبق-إما جزئياً أو كلياً- مع هذه الثوابت التي أطلب الإجابة عليها في السؤال الأول، وجزاكم الله خيراً.

محمد حسين فضل الله: أولاً: الثوابت الإسلامية هي الثوابت العقيدية، يعني التوحيد، النبوة، المعاد، القرآن الذي هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، الذي لم يطرأ عليه أية زيادة وأي نقصان -وهكذا بالنسبة إلى أركان الإسلام، والكثير من الأحكام الإسلامية التحريمية والوجوبية والإباحتية -إذا صح هذا مما فصله -مما لا يختلف فيه المسلمون- جميعاً بالرغم من اختلاف الاجتهادات لديهم.

لذلك نحن نعتقد أن هذه الثوابت، سواء في خط العقيدة أو في خط القيم الأخلاقية والقيم الروحية، والتي تتفرع عنها الكثير من الخطوط الشرعية فيما يأخذ به المسلمون وفيما يتركوه.

هذه الثوابت معروفة لدى المسلمين، أما قضية مصادر التشريع، فنحن نعتقد أن القرآن هو المصدر الأساسي للتشريع، وأن السنة هي المصدر الثاني للتشريع، ولكن قد يختلف المسلمون في توثيق.. توثيق ما ورد عن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فهناك من يعتبر أن بعض الكتب، هي تعتبر ثاني القرآن في الصحة -وربما يناقشها بعض الناس الآخرين.

وهكذا.. وهكذا بالنسبة إلى كل الأحاديث الموجودة في هذا التراث، إن علينا أن ندرس مسألة الوثاقة في هذه الأحاديث دراسة علمية جديدة، قد نلتقي فيها بما ذهب إليه الأولون -وقد نختلف معهم- أما مسألة السنة هي أساس في الفكر الإسلامي (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولكن المسألة هي ما هو المصدر الذي معصوم للسنة؟ وكيف نفهم السنة؟

وأما مسألة قضية الانبعاث الإسلامي وعلاقة.. إن علينا أن ندرس حركات الانبعاث الإسلامي، سواء من خلال المفكرين، أو من خلال الحركيين، لنتعرف جيداً مدى موافقتهم لما ثبت في القرآن وفي السنة، أو مخالفتهم لها، لا نستطيع أن نعطي.. نعطي رأياً حاسماً في انحراف هؤلاء أو استقامة هؤلاء.. كل شيء قابل للبحث فيما يمكن أن يجرى البحث فيه مما لم يكن ثابتاً على مستوى قطعي..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: في هذا الإطار عندي سؤال وصل سؤال بالفاكس مؤداه إنه جزء من هذا التجديد، هو تلاقح وتثاقف مع حضارة الآخر، وهذا في العادة يجرى عبر الحوار.. سؤال الفاكس أن من يقومون بهذا الحوار يتعرضون في العادة للتشكيك.. التشكيك بعقائدهم، أو الوقوع تحت تأثير أطراف أخرى وخصوصاً إذا كان الحديث عن حوار أديان، هل الحوار مع الأديان أحد مداخل هذا التجديد؟ وهل هناك مبرر للتخوف من الدخول في مثل هذه الحوارات؟

محمد حسين فضل الله: إنني أعتقد أن الحوار هو.. هو المنهج القرآني في حركته مع كل الناس، فالله سبحانه وتعالى حاور إبليس كما حاور الملائكة وحاور الكافرين الملحدين، والمشركين وأهل الكتاب، ونحن ولعلنا نكتشف في القرآن أن منهج الحوار في القرآن الكريم لم يقترب منه أي منهج آخر، بالرغم من كل التقدم أساليب الحوار فالله يقول (وإنَّا أو إياك لعلى هدى أو في ضلال مبين) ويتحدث بهذا عن أسلوب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الحوار.

وهو الذي جاء بالصدق وصدق به إنه يقدم نفسه للآخر، ليقول قد أكون أنا على هدى، وقد أكون على ضلال، وقد تكون أنت على هدى، وقد تكون أنت على ضلال.. فتعالَ لننطلق.. ولنكتشف الحقيقة الضائعة بيننا، والحقيقة لم تكن ضائعة عنده، ولكنه أراد أن يخرج الذات من الحوار، إن الحوار الموجود بالعالم هو رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

هناك ذاتية في الحوار، ولكن الإسلام ليس فيه ذاتية بل هناك موضوعية في الحوار لذلك نحن نعتقد أن الذي يخاف من الحوار، هو إنسان ضعيف الحجة هو الإنسان الذي يخاف على نفسه، ويخاف على فكره عندما يكون الإنسان قوياً في حجته وفي فكرته فإنه.. فإنه لابد له أن يتقبل حوار العالم.

أما الذين يصفون الناس الذين يثيرون مشكلة هنا وفكرة هناك أما هؤلاء الذي يطلقون كلمات التكفير والتضليل والزندقة والتفسيق، فهؤلاء ضعفاء هم يخافون من الفكر الآخر، ولا يملكون مواجهة الفكر الآخر، إنني أعتقد.. نعم..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: سماحة السيد، سماحة السيد لو سمحت لي بأخذ مشاركات أخرى، عندي مكالمة من الأخ المرتضى بن زيد من اليمن، الأخ مرتضى تفضل.

المرتضى بن زيد: مساكم الله بالخير.

ماهر عبد الله: حياك الله.

محمد حسين فضل الله: مساكم الله بالخير.

المرتضى بن زيد: شكراً لقناة (الجزيرة) الحقيقة التي فتنت قلوبنا بجودتها وروعتها أستغل فرصة وجود السيد فضل الله، وهو عقلية لها رجاحتها ووزنها..وأن أقرأ للسيد آراء جريئة واجتهاد مبدع وأستعجب لهذه العقلية، وأمثالها من الكثير من علماء الإسلام، تُهَاجم من أبناء مذهبها –يعني مثلاً- هُوجم السيد من كثير من الحوزات والمراجع حتى كاد أن يُخرَج عن الملة تقريبَا، فما هو.. ما هو الحل، حتى يخرج العقل المتنور من التمحور من القوقعة، يعني كيف أنا مثلاً في المدرسة الزيدية، أجتهد أنا حر، لا يمكن أحد يهاجمني لأن الاجتهاد مفتوح، والسيد تكلم عن العقل، فإذا ما وضعنا العقل مع النص، عقل مع نص ما هي المشكلة؟ يعني ما هي المشكلة؟ لماذا يُهاجَم الشخص؟ أو لماذا الجعفري جعفري، لا يمكن أن يخرج؟ والشافعي شافعي لا يمكن أن يخرج؟ والزيدي زيدي، لا يمكن أن يخرج، ما هو الحل؟ حتى نستطيع أن نتفاهم مع الكون مع العالم، إذا ما كنا في جماجم لا يوجد لنا أرضية، أو رؤية -مثلاً- أسمع بعض السائلين من المجتمع إنه الذي على الشاشة شيعي وكأن الذي طلع من كوكب المريخ..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: طيب دكتور المرتضي، أعتقد إنه ما تريد قوله يعني وضح، سماحة السيد أنا أعتقد أن السؤال واضح.

محمد حسين فضل الله: أنا أحب.. أنا أحب أن أؤكد للأخ المرتضي أن ما يُقال عن الحوازات والعلماء والمراجع قاموا بحملة بهذا الشكل، أنا أعتقد أنهم أفراد ولكن أصواتهم ارتفعت أكثر من اللازم وهناك الكثيرون من العلماء الكبار جداً ومن ذا الشباب المثقف المفكر في حوزة (النجف) وفي حوزة (قم) وفي كثير، يقفون معنا في منهجنا.. في منهجنا في الفكر، وقد يختلفون معنا في بعض المفردات.

ولكنهم لا يتحركون بالطريقة الغوغائية التي يتحرك بها بعض الناس، ونحن نعرف أن كثيراً من هؤلاء الكبار والصغار لم يقرؤوا كتبي جيداً، وإنما انطلقوا من خلال كلمة نقلت هناك وكلمة نقلت.. ونحن ننصحهم كما ننصح كل الناس في الواقع الإسلامي أن عليهم عندما يعطون رأياً في مفكر، أو عالم أن يدرسوه جيداً، أن يدرسوه بعقولهم لا بغرائزهم.

إن المسألة تتخذ لوناً من ألوان القضايا الشخصية، أو ما يشبه القضايا

الشخصية، ونحن قلنا -مراراً- نحن نقول لبعضهم سلاماً، ونقول لبعضهم (اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون) بكل محبة، بكل محبة وبكل انفتاح.

ماهر عبد الله: سماحة السيد عندي مكالمة من الأخ عمر الجزائري من بريطانيا،أخ عمر اتفضل.

عمر الجزائري: السلام عليكم رحمة الله تعالى وبركاته.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

محمد حسين فضل الله: وعليكم السلام.

عمر الجزائري: أخي من البديهي إنه أن الملاحظ في الزمن الحالي أن قضية العولمة التي أفرضت على المسلمين، ونحن نعلم -من خلال التاريخ- أن الأمة الإسلامية قد مرت بعدة حضارات، وعدة تقدمات في كل ميادين الحياة، ولم.. وأثيرت قضية العولمة أخيراً، ولهذا فُرض على المسلمين، أنهم لا يكادون.. لا يستطيعون العيش إلا بالعولمة، زمنها.. من أمور هذه العولمة أن المسلمين لابد عليهم أن يتحدوا مع اليهود والنصارى في -كما يقال- في جامعة ديانات لأنها كلها ديانات إبراهيمية، ومن هنا لو أخذنا هذا هذه الفكرة وطبقناها لكان.. لكان.. لهدمنا يعني الثوابت الإسلامية التي أتى بها محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتى بها القرآن الكريم، ولهذا سؤال واحد -جزاك الله خيراً..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: تفضل.

عمر الجزائري: ما ردكم على هذه الفكرة، فكرة العولمة وتغير ثوابت الإسلام؟ وجزاكم الله خيراً والسلام عليكم.

ماهر عبد الله: اتفضل سماحة الشيخ.

محمد حسين فضل الله: العولمة عندما انطلقت -كمشروع في عصرنا القريب- انطلقت كمشروع يُخفِي وراءه مشروعاً سياسياً أميركياً، باعتبار أنه يريد أن يحطم كل الحواجز الثقافية والاقتصادية والأمنية والسياسية في.. لدى.. في كل أوضاع الشعوب لتنطلق (الأمركة) إذا صح التعبير من أجل السيطرة على واقع العالم، ليكون العصر عصراً أميركياً إنها خلفية المشروع.

أما العولمة -كعنوان- فإننا نقول إن الذي طرحها، لا يملك الكثير من

وعي، مسألة العولمة أو (الأنسنة) أو الواقع العالمي، إن العولمة لا تعنى أن تفقد خصوصياتك، لأن العام هو يمثل تجمع كل مفردات الخاص، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم، الذي ركز مسألة الخصوصية لدى كل شعب، الإسلام لم يلغِ القوميات، ولم يلغِ الشعوب، ولم يلغِ الإقليميات.

ولكنه أراد لكل شعب أن ينفتح على الشعب الآخر، ولتنفتح كل دائرة على الدائرة الأخرى، من أجل أن تقدم كل دائرة ما فيها من خصوصيات للدائرة الأخرى للتعارف (يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

لذلك نقول إننا إذا أردنا للعالم أن يتواصل، وأن يتداخل فليس معني ذلك أن نلغي كل الخصوصيات لأنه ليس هناك عام لا يختزن في داخله الخصوصيات بل إننا نقول إنها عملية تجميع النقاط وتجميع الخصوصيات وتواصلها وتعارفها فالغنى الإنساني إنما انطلق من خلال ذلك، ولم ينطلق من خلال إلغاء هذه الخصوصيات، واستبدالها بخط لا طعم له، ولا لون ولا رائحة.

ماهر عبد الله: سماحة السيد، عندي سؤال وصل بالفاكس سؤال فلسفي، وإن كان هو ينطلق من أصول الفقه، القاعدة الشرعية المشهورة تقول: "أن سد الذرائع مقدم على جلب المصالح".. الأخ السائل، يعتقد أنه -فلسفياً- هذه خلت الفكر الإسلامي أكثر محافظة وأكثر بعداً عن التجديد -تحوطاً وحيطة- هو يقول يعني، هل هي كمثال ألا يمكن فيها التغيير بحيث يصبح جلب المصالح هو المقدم، بحيث يصبح الأصل هو الانفتاح على العالم والانفتاح على المتغيرات؟

محمد حسين فضل الله: نحن -في رأينا- في الأصول عندما تُطرح قضية أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، نحن لا نوافق على هذه القاعدة، وذلك لأن علينا أن نوازن بين حجم المفسدة، وحجم المصلحة، فقد يكون حجم المصلحة كبيراً جداً، بحيث لا قيمة للمفسدة التي تحصل من خلال تأكيد مصلحة لا قيمة لها من حيث حجمُها ومن حيث تأثيرُها في هذا المجال.

لذلك نقول لا نستطيع أن نضع هذه القاعدة، أن كل مفسدة لابد أن

ندفعها، حتى لو كانت هناك مصلحة أهمُّ منها، وأكبر منها، أو كل مصلحة تواجهه المفسدة لابد أن نسقطها حتى لو كانت المفسدة أقل

من ذلك، نحن لا نوافق على هذا الرأي، بل علينا أن نوازن بين

المصالح والمفاسد -دائماً- لاسيما إذا عرفنا حقيقة في هذا المجال وهي أنه.. أنه ليس هناك في التشريع مطلق، يعني ليس هناك في كل العالم، سواء في الوجود التكويني، أو في الوجود التشريعي القانوني، ليس هناك سلب، لا إيجاب

فيه، أو إيجاب لا سلب فيه.

إن المسألة هي كيف يكون السلب أكثر من الإيجاب ليكون الحرمة أو النفي، وكيف يكون الإيجاب أكثر من السلب ليكون الإباحة أو الوجوب وهذا ما نستشهد عليه في قوله تعالى (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) فالله يؤكد أن هناك منافع في الخمر والميسر، ولكن لما كانت المضار والمفاسد أكثر، لهذا حرم الله الخمر.

لذلك نقول لابد -دائماً- أن نوازن بين المصالح والمفاسد ما دامت الأحكام الشرعية -على حسب ما عندنا في أصولنا- تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها فكلما كانت المصلحة أكثر كانت..

ماهر عبد الله ]مقاطعاً[: سماحة السيد، سماحة السيد آسف على المقاطعة، انتهى وقت البرنامج، لم يبقَ لي إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لسماحة العلامة السيد محمد حسين فضل الله، وأن أشكركم -أولاً وأخيراً- أعزائي المشاهدين، وأقدم اعتذاري لكل من أرسل لنا فاكس أو حاول الاتصال بنا، ولم نتمكن لا من الإجابة على الفاكس، ولا من أخذ مكالمته الهاتفية، بهذا تنتهي هذه الحلقة، لكم مني أجمل تحية، وإلى اللقاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.