مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

تاريخ الحلقة:

20/01/2002

- تعريف الحداثة
- ما يؤخذ من الحداثة وما يُترك

- بين تحديث الإسلام وأسلمة الحداثة

- الإسلام سبب نهضة الأمة

يوسف القرضاوي
ماهر عبد الله
ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

موضوعنا لهذه الحلقة هو: الإسلام والحداثة.. تصادم أم لقاء؟

منذ ما يزيد على القرن والأمة العربية ومن ورائها الأمة الإسلامية تحاول أن تجد لها مكاناً في هذا العالم المعاصر أو العالم الحديث إذا جاز التعبير، هل الأزمة التي منعت نهوض الأمة عملية وعملياتية صرفة، أم هي فكرية وعقائدية وفلسفية؟ مال الكثيرون في أواخر القرن التاسع عشر إلى أن أزمتنا هي أزمة فكرية صرفة فلسفية صرفة، وبالتالي لابد من إعادة النظر بالإسلام، لأنه غير قابل وغير مستعد لتقبل أشكال الحداثة على الأقل في أنماطها الأوروبية، لاسيما بعد ما أخذت طابعاً عالمياً.

بعد ذلك ارتبطت الحداثة بالعلمانية والتي تعني في أحد معانيها مناهضة الدين أو رفضه، ارتبطت بالكثير من الفردانية والتركيز على الفرد وحرياته بغض النظر عن مصلحة المجتمع.

لمناقشة موضوع الحداثة والإسلام يسعدني أن يكون معي فضيلة العلاَّمة الدكتور يوسف القرضاوي، أهلاً وسهلاً بك.

د. يوسف القرضاوي: أهلاً بك يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله: ولكن قبل أن نبدأ هذا النقاش أذكركم بأنه للراغبين بالمشاركة معنا بإمكانهم أن يفعلوا ذلك عبر الهاتف على التليفون التالي في الدوحة بعد مفتاح قطر (974) بإمكانكم أن تتصلوا على الهاتف الذي ترونه على الشاشة الآن وهو: 4888873، الراغبين بالمشاركة عبر الفاكس بإمكانهم أن يفعلوا ذلك على الرقم التالي في الدوحة أيضاً: 4885999، أما الراغبين باستخدام الإنترنت فبإمكانهم أن يتصلوا بنا والمشاركة في هذا النقاش وفي هذه الحلقة على الموقع الرئيسي (للجزيرة نت) على العنوان التالي:

www.aljazeera.net

تعريف الحداثة

سيدي، أولاً: أهلاً وسهلاً بك مجدداً، ما هي الحداثة التي نتحدث عن تصادم بينها وبين الإسلام أو إمكانيات لقاء؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد: أود أن أضع المشاهد الكريم في الإطار الذي جعلنا نتحدث عن قضية الحداثة وموقف الإسلام منها، نحن نعلم أن هناك منظِّرين كباراً للسياسات الغربية بصفة عامة، وللسياسة الأميركية بصفة خاصة، ومن أشهر هؤلاء المنظرين المهتمين بالدراسات الإستراتيجية رجلان كان لهما شهرة واسعة في السنوات الماضية، أحدهما هو (فرنسيس فوكوياما) الأميركي الياباني الأصل صاحب كتاب "نهاية التاريخ"، الذي زعم أن التاريخ بعد مراحل وتطورات شتى انتهى إلى انتصار الليبرالية الديمقراطية الرأسمالية الغربية على كل الأنظمة والفلسفات الأخرى، وجاء بعده بسنتين الكاتب الأميركي أيضاً السياسي البارز اليهودي الديانة (صمويل هنتنجتون) صاحب كتاب "صدام الحضارات" أو "صراع الحضارات" الذي زعم فيه أن هناك حضارات سبعة أو ثمانية في العالم، وأهم هذه الحضارات، بعد الحضارة الغربية، الحضارة الإسلامية والحضارة الكنفوشيوسية، يعني الحضارة الصينية، وأن هاتين الحضارتين يمكن أن تتفاهما وتشكلان خطراً على العالم.

فرنسيس فوكوياما كتب مقالاً كما كتب هنتنجتون مقالاً آخر عن حروب الإسلام في هذا القرن، وكتب فرنسيس فوكوياما في مجلة "نيوزويك" في طبعتها العربية في شهر ديسمبر الماضي، تكلم عن الإسلام وموقعه الآن بعد أحداث 11 سبتمبر، وذكر إنه الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي يعني يمكن القول بأن لها إشكالية مع العالم المعاصر أو مع الحداثة كما يسميها، والحداثة عنده يعني تتسم بأنها غربية النموذج.. تتخذ النموذج الغربي أساساً ومحوراً، وتتسم بالتسامح الديني، فهو يتهم الحضارة الإسلامية، وأحياناً يعبر عنها بـ "الأصولية الإسلامية"، وكثيراً ما يعبر أكثر بـ "الفاشية" سماها "الفاشية الإسلامية" أنها تتخذ موقفاً ضد الحداثة بمفهوم الحداثة عنده، وثم إنه بعد ذلك رسم العلاج أو طريقة العلاج للخلاص من ذلك وهو اتخاذ الدولة العلمانية الليبرالية الحديثة، وجعل من تركيا الكمالية هي النموذج الذي يُحتذى، ونحن في الحقيقة إذا أردنا أن نناقش هذه القضية لابد أن نحدد المفاهيم في هذه القضايا الكبيرة، من الضروري جداً أن نحدد المفاهيم والمصطلحات التي يتحدث عنها الناس، ولا تترك عائمة أو هلامية أو رجراجة يفسرها كل امرئ أو كل فريق بما يحلو له، وبذلك لا يمكن أن نقف يعني موقفاً واحداً، أنت تفسره بشيء وأنا أفسره بشيء ومن هنا يجب أن نعرف ما الحداثة.

[فاصل إعلاني]

ما يؤخذ من الحداثة وما يُترك

ماهر عبد الله: سيدي، أزمتنا مع.. مع الحداثة كما تفضلت أزمة مفاهيم، وليس المفهوم الأول ولا المصطلح الأول ولن يكون الأخير، في البداية يعني نُبدي نوع من المقاومة ثم يفرض نفسه على الثقافة المسلمة شئنا أم.. أم أبينا، لكن هذا لا يعني القبول به، فما هو، يعني ما هي الحداثة؟ ما الذي يمكن أن يُقبل منها؟ وما الذي يمكن أن يُرفض؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً أحب أن يعني يعرف الإخوة المشاهدون أن هذه المعركة بين المتقابلات يعني هذه المعركة اتخذت أساليب شتى وعناوين شتى، يعني مرة ظهرت قديماً تحت عنوان "المعركة بين القديم والجديد"، يعني أيام المرحوم مصطفى صادق الرافعي أديب العربية والإسلام في صراعه مع طه حسين والجماعة الذين نادوا بالأخذ بالحضارة الغربية خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يُحمد منها وما يُعاب، وأيام "الشعر الجاهلي" و"الأدب الجاهلي" وهذه الأشياء، فكان الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أصدر كتابه "تحت راية القرآن" قال المعركة بين القديم والجديد، وحتى أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته عن الأزهر الرائية الرائعة:

قم في فم الدنيا وحيّ الأزهرَ

وانثر على سمع الزمان الجوهرَ

إلى آخره، يقول فيها:

لا تحذُ حَذْو عصابة مفتونة

يجدون كل قديم أمر منكرا

من كل ساعٍ في القديم وهدمه

وإذا تقدم للبناية قصرَ

ولو استطاعوا أنكروا

من مات من آبائهم أو عُمِّرَ

يعني يكاد حتى أبوه وجده يتبرأ منه!! فالمبالغون في ترك القديم والأخذ بكل جديد هذه معركة أخذت فترة من الزمن، وكان لهؤلاء أنصاره ولهذا أنصاره، ثم أصبح هناك أخذت تعبيراً آخر "المعركة بين التطور والثبات"، هناك أُناس يدعون إلى الثبات وأُناس.. وهناك أُناس يدعون إلى الإيه.. إلى التطور، يعني وخصوصاً بعد يعني أن ولع الناس بفكرة النشوء والارتقاء وفكرة (داروين) في الطبيعيات وفكرة (سبنسر) في الأفكار والأخلاقيات وهكذا، ثم أخذت تعبيراً آخر "بين الأصالة والمعاصرة"، يعني فكل.. في كل فترة تأخذ عنواناً، ولكن المهم هو هناك حديث وهناك قديم، هل كل قديم خطأ؟ هل كل قديم شر؟ هل كل قديم باطل؟ وبالعكس أيضاً: هل كل حديث شر أو كل حديث..؟ لا، القدم والحداثة، أولاً القدم والحداثة أمر نسبي، يعني ما هو القديم والحديث؟ قديم.. اليوم كان حديث الأمس، وحديث اليوم سيصبح قديم الغد، فما هو القديم وما هو الحديث؟ يعني حتى إنه يعني الفيلسوف المسلم والشاعر المسلم الدكتور محمد إقبال يعني تكلم عن كمال أتاتورك وقال: إن الجديد عنده هو قديم تركيا.. قديم أوروبا، قديم أوروبا أصبح هو الجديد عنده..، وبعدين ذكر قضية مهمة وقال: ليس كل شيء قابلاً للتجديد، يقول: إن الكعبة لا تجدد، يعني ميزة الكعبة اسمها "البيت العتيق"، فليس الكعبة تقول: لا دا هذا يعني الحجارة السوداء دي وبتاع نشيلها ونجيب حجارة أخرى، لا تقبل.. هناك، ولذلك سخر الرافعي من الذين يبالغون في التجديد، وقال: إنهم يريدون أن يجددوا كل شيء حتى الدين واللغة والشمس والقمر!!! فالتجديد مقبول، ونحن عندنا نحن المسلمين التجديد حتى للدين، يعني عندنا الحديث الذي رواه أبو داوود والحاكم وغيرهما: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس على مائة سنة من يجدد لها دينها" فحتى شرع التجديد للدين، فمابالك التجديد في الفقه؟ والاجتهاد فرض على المسلمين، حتى إن الإمام السيوطي ألف رسالة لطيفة حينما ادَّعى هو الاجتهاد في زمنه وقامت عليه القيامة كما هو المعتاد في مثل هذه الحال، فرد عليهم بكتاب لطيف سماه "الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض"، في كل عصر..، فالاجتهاد فرض، لازم أن يكون في المسلمين مجتهدون يستنبطون الأحكام ويجدون للحوادث الطارئة ما تتطلبه من فقه،.. فقه الواقع، وفقه النص، وفقه المقاصد، حتى يعرف الناس حكمها في ضوء المستجدات. فأنا أقول الإسلام شرع الاجتهاد في الدين، شرع التجديد للدين، شرع الاقتباس من الآخرين، "الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها"، ولذلك انتفع المسلمون بحضارات الهند، وحضارات الفرس، وحضارات اليونان، وأخذوا من كل هذه البلاد، أخذوا تدوين الدواوين من الرومان، وأخذوا الخراج وكذا من الفرس، ونقلوا الفلسفة الإغريقية أو اليونانية إلى بلادهم، خصوصاً إن الفلسفة في ذلك الوقت كانت مختلطة بالعلم يعني فيه فلسفة الطبيعة العلوم الطبيعية كانت فلسفة الفيزياء والكيمياء والفلك، الجانب اللي توقفوا فيه وحدثت فيه معركة هو الجانب الإلهي، الجانب الديني الذي يتعلق بالنظرة إلى الوجود وإلى الكذا وهو الذي قامت فيه المعركة بين الغزالي وبين فلاسفة المدرسة المشّائية المعروفة وألف فيه "مقاصد الفلاسفة" و"تهافت الفلاسفة" إلى.. إلى آخره..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: بس اسمح لي.. اسمح لي..

د. يوسف القرضاوي[مستأنفاً]: فالإسلام بيرحب بأن نقتبس من الآخرين أفضل ما عندهم، ولكن لا يرضى إننا نأخذ كل شيء بعُجره وبجُره، لأن نحن أمة ذات رسالة، والرسالة دي بتفرض إن أنت تنتقي ما يلائمك، وتترك ما لا يلائمك، المسلم ليس سائباً، يأخذ ما يشاء ويفعل لأ، دا هو منضبط بأصول مرعية وبضوابط شرعية، فكل ما يأخذه عنده معايير يرجع إليها.

ماهر عبد الله: لكن المشكلة في الكلام الذي تفضلتم به أنه كله إحالة إلى جانب تاريخي مشرق، على الأقل نحن نتحدث عن قرن من الزمان، وبسهولة يمكن أن نقول قرنين.

د. يوسف القرضاوي: أنا مابأتكلمش على جانب تاريخي، دا أنا بأتكلم عن أصول، أصول أنا بأقول المسلم الآن يرجع إلى أصول ومعايير عنده، دي مش تاريخية، الإسلام ليس تاريخاً.

ماهر عبد الله: لكن.. لكن الأمة..

د. يوسف القرضاوي: يعني من الخطأ أن نعتبر إن الإسلام تراث، وإن الإسلام تاريخ لأ..

ماهر عبد الله: لا أنا أقول أن الإسلام تاريخ..

د. يوسف القرضاوي: الإسلام بمعاييره وأصوله الضابطة ليس تاريخاً، دا هو الماضي وهو الحاضر وهو المستقبل.

ماهر عبد الله: نعم لكن.. لكن الأمة في مرحلة من المراحل كما تفضلت- لم تتردد قيد شعره في أن تأخذ من الفارسي نظام الخراج، ومن الفارسي نظام الدواوين، ولم تتردد في ترجمة فلسفة الإغريق على ما فيها من كفر وإلحاد وشاعت في أوساط النخبة المسلمة في ذلك الوقت، في القرن الماضي بطوله وربما أكثر من هذا عملية الاقتباس المفيد حتى (...) يقتصر على الكفر والإلحاد في الرفض، في.. في نظم الصناعة نحن لا نتقدم، في نظم الإدارة نحن لا نتقدم، في مناهج التعليم وضعنا غير طبيعي، ونحن نتحدث الآن عما يزيد عن قرن من حالة من الجمود، لابد أن يكون جانب فكري..

د. يوسف القرضاوي: هذا ليس لأننا نرفض الحداثة، ولكن لإننا لم نحسن الاستفادة لأن أهم ما في الحداثة هو إيه؟ الجانب العلمي، والجانب التكنولوجي، هذه الجوانب، والجانب التنظيمي في الحضارة الغربية تنظيم الإدارة، وهذه الأشياء لم نأخذ للأسف هذه الأشياء، واهتممنا بالأدبيات والمعنويات وإحنا عندنا من أدبياتنا ما يكفي، كان ينبغي إننا نأخذ هذه الأشياء فنطور صناعتنا ونطور زراعتنا، ونطور تكنولوجيتنا، ومع إنه هذه الأشياء في الحقيقة هي أصلاً أخذت منا، يعني المنهج التجريبي الاستقرائي الذي ينسب إلى (فرانسيس بيكون)، و(روجر بيكون)، هو أصلاً منهج عربي إسلامي مأخوذ من الحضارة الغربية.. العربية الإسلامية، فنحن حينما اقتبسنا لم نحسن اقتباس هذه الأشياء التي من شأنها أن ترقي مجتمعاتنا، وأن تأخذ بأيديها إلى الأمام.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: لكن سيدي، ألم تسد أنماط في الفكر الإسلامي خلال السنوات الأخيرة العقود الأخيرة، لأنها عقود طويلة، تمنع هذا التفاعل، النظرية الإسلامية قد تكون في جوهرها جميلة، ومن مقتضيات إيماننا أن نؤمن أنها كذلك، لكن لا يمكن محاسبة كل من ينتقدها بأنه مرتد، لأنه لم يعهد الإسلام كما يجب أن يعهده في البداية، وبالتالي ما رأوه من نمط فكري سائد في الثقافة الإسلامية طوال القرن الماضي لا تبشر بكثير من خير، يعني لو أمثلة بسيطة وسطحية حرمنا أجهزة التليفزيون فترة طويلة من الزمن، أو العلماء حرموا..

د. يوسف القرضاوي: أجهزة أيه؟

ماهر عبد الله: أجهزة التليفزيون كانت حرام فترة طويلة من الزمن، حتى عندما صنع.. عندما استحضر جهاز الراديو في بداية أيامه، فكانت هذه مؤشرات على عقلية سائدة ترفض كل ما هو جديد، بغض النظر عن إن كان له علاقة بالإلهيات أو لا علاقة له البتة بالإلهيات، يعني يجب أن نلتمس نوع من العذر لمن تسميهم فضيلتكم "عبيد النموذج الغربي"، يعني أصبحوا عبيداً للنموذج الغربي لأن ما شاهدوه ولمسوه من النموذج الإسلامي لم يكن مشجعاً؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم، أولاً يعني الكلام ده غير مسلم، لا يوجد فكر إسلامي رفض الراديو، أو رفض التليفزيون، أو..، هذا نسبة هذا إلى الفكر الإسلامي هذا يعني ظلم وخطأ، وحتى قبول الحداثة أو رفض الحداثة، حتى يعني في وقتنا هذا، لا يوجد من يرفضون الحداثة بإطلاق إلاّ يعني فئة قليلة، يعني انظر إلى المسلمين في أنحاء العالم، كل المسلمين أخذوا بالأساليب الحضارة الحديثة، انظر الـ.. يعني الدول التي يعني تدعي إنها بتحكم بالشريعة، يعني خذ مثلاً السودان، هل السودان رفض الحضارة وأساليب الحضارة؟ المملكة العربية السعودية وهي يعني متهمة بإنها وهابية وسلفية، هل رفضت الحضارة؟ هل رفضت الكمبيوتر؟ هل رفضت.. في جامعاتها بتدرس أنواع الـ.. العلوم المختلفة والتكنولوجيات المختلفة، إيران مثلاً وهي دولة يعني أصولية هل رفضت؟ يعني.. ادعاء إن العالم الإسلامي أو المسلمين رفضوا هذا.. هذا يعني دعوى لا دليل عليها، فئة قليلة، يعني مثلاً انظر مثلاً الطالبان، هل طالبان هم كل أفغانستان؟ طب ما قبل طالبان كان فيه يعني كثير من الأصوليين، يعني برهان الدين رباني، وحكمتيار، ويونس خالص، ومحمد نبي، وكل هذه الأشياء الذين شاركوا في الجهاد، وصبغة الله المجددي، كل هؤلاء، هل رفضوا الحداثة؟ بمعنى هل رفضوا الاقتباس من الحضارة الغربية أفضل ما فيها؟ ما فيه أحد رفض هذا، فالذين يمثلون هذا الجمود والانغلاق هم فئة يعني قليلة، أحياناً الإعلام، كما أشار أخونا الأستاذ يعني فهمي هويدي حفظه الله، إن الإعلام هو بيهول من شأن هؤلاء ويضخمهم ويبرزهم أحياناً لهدف في نفسه، كما يظهر بعض هؤلاء المتطرفين في التليفزيونات الغربية والأوروبية وهذا، وهم لا يمثلون يعني قاعدة واسعة من المسلمين، يمثلون شرائح ضئيلة جداً، ولكن إبرازهم حاجة في نفس يعقوب كما يقولون.

فأنا أتكلم عن جمهور المسلمين، عن الاتجاه العام في الفكر الإسلامي، الاتجاه العام في الفكر الإسلامي لا يرفض الحداثة إلا بمعنى التغريب، يعني إذا كان الحداثة إنك تريد أن تغرب المسلمين، أن تأخذ من الغرب كل شيء، أن تتخلى عن أصالتك، أن تسوي بين الرجل والمرأة في.. في كل شيء، أن تبيح زواج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، الآن هو تعرف الغرب.. الغرب إحنا نتكلم هو فوكوياما بيتكلم عن الحداثة، الغرب الآن بيتكلم عن ما بعد الحداثة، وما بعد ما بعد الحداثة يعني الحداثة دية تركها، الحداثة أصبح هناك بيتحدث عن أشياء فوق ذلك بكثير، فنحن الآن مضطرين نتكلم عن الحداثة وهو بيتكلم عن أشياء يعني تجاوزت الحداثة بمراحل ومراحل، فاتهام المسلمين يعني عامة بأنهم ضد الحداثة وإنه ناس وقفوا ضد الراديو، ما هو فيه ناس وقفوا ضد الميكروفون، وأنا أذكر في هذا حادثاً إن أول من أدخل الميكروفون إلى البلاد السعودية وإلى المسجد الحرام كان الشيخ حسن البنا رحمه الله، حينما راح حج أظن في سنة كذا سنة 42 أظن أو حاجة زي كده، أول مرة، وأخذ معه ميكروفون متنقل ويخطب به في الـ..، فبعض المشايخ قال له: هذه بدعة، كيف تدخل بيت الله والمسجد الحرام هذا الميكروفون وهذا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام ولا الصحابة ولا التابعون، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار؟ فالشيخ حسن البنا كان رجلاً موفقاً وقوي الحجة، كان الشخص يلبس نضارة يعني زي ما أنا بألبس كده وأنت بتلبس نضارة كده، فقال له: طيب أنا يعني أسألك، إنت شايفك لابس نضارة وبتقرأ بها القرآن الكريم، بتقرأ بها صحيح البخاري والكتب الدينية وهذا ما فعله الرسول ولا الصحابة ولا التابعون، قال له هذه بتكبر لي الأشياء التي بأقرأها، قال له: هو نفس الشيء، النضارة تكبر المرئيات، والميكروفون بيكبر المسموعات، إنت بتكبر ده عشان تستطيع.. وده بيكبر بها عشان نستطيع أن نسمع. فأفحم الرجل، لكن هذه أشياء يعني توقفات قليلة ثم تنتهي ويصبح هذا الأمر عام، ومايصحش تقول ده المسلمين توقفوا في.. في قبول الراديو، قالوا: إن الملك عبد العزيز بعض المشايخ عنده توقفوا في التليفون، فجاب للشيخ قال له طب خليك كده، وبعدين جاب واحد يقرأ القرآن وقال له: سامع؟ قال له: آه، سامع إيه؟ قال له: قرآن، قال له: هل الشيطان.. وده من الشيطان، قال له: هل الشيطان يقرأ القرآن؟! قال له: لأ، قال له: خلاص.

ولكن هذه الأشياء يعني لا يمكن أن نصل بها إن الفكر الإسلامي جمد ورفض التليفون أو رفض لأ، هذه يعني حوادث قليلة توقفات، ثم يصبح الأمر عاماً وسائداً ومقبولاً لدى العقلية الإسلامية والاجتهاد الإسلامي والفكر الإسلامي، فهذا هو الذي ينبغي أن ينسب إلى أمتنا ولا تنسب الشذوذات.

[فاصل إعلاني]

بين تحديث الإسلام وأسلمة الحداثة

ماهر عبد الله: عندي فاكس من الأخ مبارك المرزوقي من السعودية يقول: إن المطلوب مصالحة، الإسلام.. مصالحة الإسلام مع العصر من خلال تحديث الإسلام، وليس أسلمة الحداثة، الآخرين يفسرون مشاكلنا بقولهم أن معظم وأغلبية المسلمين هم مسلمون رغم أنفهم، وليس لديهم خيار، ويتضح ذلك من خلال أن معظم هؤلاء المسلمين ليسوا ملتزمين بدينهم عدا المسمى، أي أنهم مسلمين بالاسم فقط، من جانب آخر أعتقد أن النوعية هي أولى من الكمية والعدد، وبدلاً من الإنفاق على الدعاة الأولى الاهتمام وإصلاح ما هو موجود، وفئة منضبطة خير من فئات غير منضبطة.

هل هي مصالحة الإسلام مع عصر، أم بتحديث الإسلام وليس أسلمة الحداثة؟

د. يوسف القرضاوي: هم يريدون فعلاً تحديث الإسلام ولا يريدون أسلمة الحداثة ونحن نرفض تحديث الإسلام بمعنى تغيير مفاهيمه لتوافق المفاهيم الغربية، وتغيير قيمه لتوافق القيم الغربية، نحن نقتبس من الغرب ومن حضارة الغرب ما يلائمنا، نأخذ منه إذا كان عنده بعض الأنظمة النافعة، في رعاية البيئة، أو في رعاية الطفولة، أو في تنظيم البريد، أو في تنظيم التعليم، نأخذ منه هذه الأشياء، ونأخذها ونضفي عليها من روحنا ومن قيمنا ما ينسيها الجنسية الأولى، تفقد جنسيتها الأولى، وتصبح جزءاً من المنظومة الإسلامية، هذا هو شأن ما نقتبسه من غيرنا، إنما لا نتنازل عن أصولنا، هناك أشياء اللي بنسميها "الثوابت"، الثوابت لا نتنازل عنها لأحد قط، إنما عندنا منطقة فسيحة غير منطقة الثوابت، القابلة للاجتهاد والقابلة للتطوير، وهذا موجود، ممكن نطور الحياة، ونطور العلم، ونطور الأدب، ونطور الصناعة، ونطور الزراعة، ونطور الأنظمة المختلفة، ولكن العقائد والعبادات والقيم الأخلاقية والأحكام الشرعية القطعية، هذه أشياء لا تُمس، لأنها دائرة مغلقة لا تقبل تجديداً، ولا تطويراً، ولا اجتهاداً، ولا تكون الأمة أمة إلا.. إلا بهذا. فنحن إذا كان تحديث الإسلام بمعنى تغيير هذه الأصول والقيم والقطعيات لأ مرفوضة، إنما بمعنى نأخذ من الآخرين ما ينفعنا وما يقرب بيننا وبين غيرنا أيضاً، يعني إننا نعيش في عالم واحد أصبح قرية واحدة، هذا نقبله ونرحب به...

ماهر عبد الله: ماذا تقول للأخ يحيى عمر من السعودية..

د. يوسف القرضاوي[مقاطعاً]: بس أنا أريد أن أقول للأخ يعني بيقول إنه الملتزمين فئة قليلة، هذا ليس صحيحاً، يظل المسلمون في أنحاء العالم هم الأمة الوحيدة المتمسكة بدينها في الأرض، على ما فيهم من انحرافات وما فيهم من تقصير، إنما المسلمون مع ذلك هم أكثر الأمم، لا توجد أمة، كان في.. في ليلة سبعة وعشرين رمضان اثنين مليون يعني يصلون في المسجد الحرام، وحوالي مليون بيصلوا في المسجد النبوي وفي أنحاء العالم، الناس يصلون وراء أئمتهم، المئات الملايين، لا يوجد أمة، الكنيسة لا يكاد يذهب إليها أحد، والغربيون أنفسهم يشكون من هذا، فالأمة الإسلامية أكثر الأمم تمسكاً بدينها على ما لنا عليها من ملاحظات ومآخذ يقيناً.

ماهر عبد الله: عوداً على الكلام الذي سبق هذا الأخ يحيى عمر من السعودية يقول: إذا أردنا تحديث الإسلام يجب أن لا يكون الدين سقفاً للحياة وسقفاً للعقل وسقفاً لملكات الإبداع، الملاحظ أن العالم العربي أخذ ينحدر شيئاً فشيئاً إلى خانة بن لادن وهو لا يعلم، أصبح في خندق ابن لادن.

د. يوسف القرضاوي: لأ، إحنا الدين الذي نؤمن به وندعو إليه هو الدين الذي يوفِّق بين العقل والنقل، الدين الذي يستلهم الماضي، ويعايش الحاضر، ويستشرف المستقبل، الدين الذي يمزج بين الروح والمادة، وبين الفردية والجماعية، وبين الدنيا والآخرة، وبين المثال والواقع، وبين الحق والواجب، ويؤاخي بين الناس بعضهم وبعض، ويؤمن بالحوار مع الآخر، ويؤمن بالتسامح مع المخالفين، ويؤمن بالشورى والعدالة أساساً للحكم، ويؤمن بالإخاء في المجتمع، ويؤمن بالمساواة الإنسانية، هذا هو الدين الذي نؤمن به وندعو إليه.

ماهر عبد الله: طب اسمح لي أن أعود للإخوة المشاهدين، معي الأخ مصطفى عثمان من أميركا، أخ مصطفى، تفضل.

مصطفى عثمان: أيوه، السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

مصطفى عثمان: والله يا أخي لي مداخلة صغيرة جداً إن لو حكمنا على الدين..

د. يوسف القرضاوي: مش مسموع الصوت يا أخي.

مصطفى عثمان: لو حكمنا على الدين كأنه هو الحضارة أو غير الحضارة، بمعنى إن فيه مسلمين كتير جداً في بلاد أوروبا وفي أميركا من أنجح المواطنين في بلادهم، ويعيشون تحت الرعاية الإسلامية، ومن أكثر الناس اللي بيروحوا عمرة وحج وملتزمين دينياً، هل معنى إيه هذا، معنى إن ده المناخ العام اللي بينشأ فيه الشخص المسلم هل هو هيبدع أو غير مبدع إذا كان يعني محطوط في كورنر، في زاوية ما فيش المناخ العام اللي بيسهله إنه يكون ناجح في تخصصاته، في حياته، في أسرته، في أي شيء. هو ده الفرق بين المسلم اللي تشوفه تقارن به في البلاد الأوروبية أو أميركا إنه ناجح إزاي في جميع المجالات من أرقى وأعلى التكنولوجيا في العالم، وفي البلاد العربية أو الخليج، إيه الفرق بين ده أو ده؟ هو المناخ العام زي رب الأسرة كيف يوجه أسرته، بنفس الشيء كيف حكوماتنا بتوجهنا إلى طريق انغلاق أو طريق انفتاح، ده رأيي في هذا.

ماهر عبد الله: مشكور يا أخ مصطفى، لفتة ظريفة، الأخ إبراهيم الكردي من ألمانيا، أخ إبراهيم، تفضل.

إبراهيم الكردي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام والرحمة.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

إبراهيم الكردي: أحيي فضيلة الشيخ وأحييك أخ ماهر.

ماهر عبد الله: أهلاً بك.

إبراهيم الكردي: لا تؤاخذني أنا برغيف وبيضة بأتعلم ومعلوماتي على قدي شوية، الله يخليك ويطول عمرك.

ماهر عبد الله: لا تفضل بس ارفع لي صوتك شوية.

د. يوسف القرضاوي: علِّ صوتك حتى أسمعك يا أخي والله.

إبراهيم الكردي: ممكن يعني على الحداثة هاي شوية اللي يريدوها يعني الغرب مننا، مثل ما تفضل الشيخ الإباحية، وأن نكون مجردين من ديننا، صدقني مهما يكون حداثتهم لأصغر طفل متعلم كُتَّاب مرفوضة في قاموس الإسلام كله، والشيء الوحيد اللي أقوله أنا كردي أساساً، لي أب فتحت عيوني على الدنيا وهو متصوف على الطريقة القادرية، يشكر في الكمالية التركية، ورغم إنه أباه استشهد في اليمن، يعني مهما أقول لأبي إنه هذا كذا وكذا، وهذا فعل بالإسلام وأسقط الخلافة الإسلامية، في نظر أبي: الله فوق وكمال أتاتورك تحت في الأرض!!! ورغم إنه تركيا مرضى عنها من اليهود ومن أميركا ومن جميع الدول الغربية، والسلام عليكم ودمتم ذخراً ونصراً وعدلاً لجميع المسلمين.

ماهر عبد الله: شكراً أخ إبراهيم، معايا الأخ أحمد صادق من مصر، أخ أحمد، تفضل.

أحمد صادق: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

أحمد صادق: السلام على شيخنا الجليل، والله كان لي مداخلة صغيرة.

د. يوسف القرضاوي: علي الصوت يا أخي والله شوية.

أحمد صادق: معلش، بأقول لحضرتك لي مداخلة سامعين كده؟ الصوت واصل؟

د. يوسف القرضاوي: ماشي.

أحمد صادق: بأقول لحضرتك دلوقتي بالنسبة لطريقة التفكير القديمة وطريقة التفكير الحديثة في الفكر الإسلامي، فنبص نلاقي الفقهاء في القديم كانوا موسوعيين، علماء موسوعيين، في الحياة وفي الفكر الإسلامي أو في الأصول الإسلامية، فكان لهم نتاج حضاري عظيم، ولكن اللي بيحدث الآن إن العلماء علماء دين فقط، وطبعاً صعب في العصر الحديث أن يكون العلماء علماء موسوعيين لأن كثرة العلوم، فمابنجدش أول حاجة التزاوج ما بين العلوم الحديثة وعلوم الفقه في استنباط الأحكام الفقهية في العصر الحديث، أغلب الأحكام هي فردية، وليس أحكام موسوعية أو أحكام مؤسسية، بحيث إن في مجال الحقن إذا كان الأمر يتعلق بأمر طبي يبقى فيه دكاترة وعلماء من مختلف التخصصات مشتركين في هذه الأحكام، دي كطريقة تفكير. ثانياً: التعليم الديني اللي إحنا بنتعلمه بنتعلم ما بنحاولش مابقاش فيه ملكة الإبداع، لا.. لا تُكوَّن ملكة الإبداع في العملية التعليمية، وإنما الحفظ والنقل واستنباط النصوص والاستخلاص وما إلى ذلك، فهذا يصيب الشاب أو الإنسان اللي بيتعلم بالثباتية، مافيش تجديد، فمافيش أي (...) في الإبداع العلمي أو الإبداع الحضاري في العصر اللي إحنا فيه.

ماهر عبد الله: مشكور جداً يا أخ أحمد،يعني مشاركة قيمة وإن شاء الله تسمع تعليق من الشيخ عليها، أعتقد إننا نبدأ بها سيدي، لأنه أعتقد أشار إشارتين جميلتين وفي صميم الموضوع، علماؤنا في الماضي كانوا موسوعيين وكانوا على إلمام، أبو حنيفة كان تاجراً وبالتالي هو خبير بشؤون الناس، علماء اليوم فقهاء فقط، وبالتالي يفتقرون أو الطابع العام طبعاً لا يمكن التعميم على الجميع، وبالتالي الطابع العام هو هذه المحدودية والعزلة عن..، هل تعتقد أن هذا يمكن أن يكون لعب دوراً؟

د. يوسف القرضاوي: أولاً أحب أن أقول يعني شيئاً، العصر الماضي كان الموسوعية فيه يعني ممكنة، هذا العصر عصر التخصص الدقيق، يعني في الماضي مثلاً، كان واحد مثل ابن رشد هو يعني فيلسوف من أكبر الفلاسفة وأعظم شُراح أرسطو في العصور الماضية، وهو طبيب صاحب كتاب "الكليات في الطب" الذي ترجم إلى اللاتينية وانتفعت به أوروبا قروناً، وهو فقيه من فقهاء المالكية اسمه القاضي ابن رشد، وله كتابه "بداية المجتهد ونهاية الإيه..

ماهر عبد الله: المقتصد..

د. يوسف القرضاوي: المقتصد، وكان الفخر الرازي صاحب الموسوعات في التفسير والأصول والعلم الكلام وغيرها كان طبيباً، قالوا: لا تقل شهرته في الطب عن شهرته في علوم الدين. في عصرنا لم يعد هذا يعني ممكناً، بل حتى لم يعد الطبيب اللي يعرف في كل أنواع الطب، دا طبيب يعني حتى مش تقول جراح.. جراح في أيه؟ جراح في المخ، في الأعصاب، جراح أطفال، جراح للكبار، جراح.. يعني لازم.. أصبح التخصص دقيقاً، لاتساع.. يعني بأقول لك إحنا في عصر الانفجار المعرفي، العصور المعلوماتية، المعلومات أصبحت واسعة، فلم يعد الموسوعية بتاع الزمن الماضي ممكنة كما كانت. الأمر الثاني إنه أيضاً تعميم هذا على كل الفقهاء ليس سليماً، هناك فقهاء عندهم الإدراك لبعض العلوم الحديثة، أولاً الأزهر منذ يعني حوالي يعني قرن تقريباً وهو يدرس ما يسميه العلوم الحديثة، يسميها العلوم الحديثة مع إنها كانت علومنا، يعني بيدرس الفيزياء والكيميا والنبات والأحياء والفلك وهذه الأشياء، بتدرس هذه الأشياء، وبيدرس أحياناً علم النفس وكذا، يعني إحنا درسنا الفلسفة ودرسنا علم النفس، ودرسنا أصول التربية، ودرسنا الأشياء ديه، وبعدين درسنا الاقتصاد وعلوم الاقتصاد، درسناها في الحقيقة، فالتعميم إن كل الفقهاء لا يعرفون يعني علوم الحياة ليس سليماً، ثم إن الفقيه يستطيع أن يستفيد من غيره عندما.. يعني إحنا في المجامع الفقهية لما نريد أن نتحدث في أمر من الأمور الطبية نأتي بالأطباء يشرحون القضية من وجهة نظر الطب، لأنه لا يمكن أن يلم العالم بشؤون الطب، وبعدين ننظر إليها في ضوء نصوص الشرع ومقاصده، مسألة فلكية نأتي بعالم فلك، مسألة اقتصادية نأتي بعلماء اقتصاد وهكذا، فيمكن تكامل الثقافات يستطيع الفقيه المسلم أن يبدي رأيه واستنباطه في ضوء هذا كله.

ماهر عبد الله: طيب النقطة الثانية التي أثارها الأخ أحمد كانت أن التعليم الديني في عالمنا العربي والإسلامي لا يشجع ملكة الإبداع، مازال..

د. يوسف القرضاوي: نحن تحدثنا عن التعليم الديني في الحلقة الماضية، وأنا أحب أن أقول للأخ يعني أيضاً التعميم هذا ليس سليماً، هناك تعليم ديني قوي، وبعدين هذا لا ينطبق على التعليم الديني وحده، للأسف إن التعليم عندنا بصفة عامة، بصفة عامة أيضاً لا أعمم، التعليم عامة في بلادنا العربية والإسلامية لا ينشئ مبدعين، ينشئ ناس بيصموا، يعني يحفظ المقرر وبيجي يفرغه ليلة الامتحان على الورق، وبعد ما يطلع من الامتحان لا يعرف شيئاً، ولذلك نحن من مدة دعونا إلى تطوير تعليمنا، التعليم اللي بيخرّج موظف أو يخرّج واحد بيصم المقرر هذا ليس هو المطلوب، ولكن أقول هذا بصفة عامة، ولكن تبدو هناك أشياء برضو في التعليم تخرج موهوبين ونوابغ.

ماهر عبد الله: الأخ مصطفى عثمان أشار إلى ما أسماه بالمناخ العام، البيئة التي يعيش فيها المسلم، إلى أي مدى تقوم.. لأنه يبدو إنه التهمة ملقاة إلى الإسلام كفكر فقط من قبل الحداثيين.

د. يوسف القرضاوي: هو كلامه، أنا.. أنا معاه في كلامه، كلامه صحيح فعلاً، يعني الإنسان لا يستطيع أن يبدع إلاّ في مناخ يساعد على الإبداع، هو يعني معظم الذين ذهبوا إلى أوروبا وأميركا وأبدعوا من العرب والمسلمين اللي بنسميها "الطيور المهاجرة" أو "العقول المهاجرة"، هي عقول تعلمت في بلادها أصلاً، ولكن في بلادها للأسف لم تجد المناخ الذي يشجعها ويساعدها فذهبت إلى هناك ووجدت هذا المناخ، يعني هو مثلاً الدكتور زويل، الذي أخذ جائزة نوبل في الكيميا وهذه الأشياء، هو تعلم في.. في مصر ولكن لما ذهب هناك وجد ما يحفزه وما يشجعه فأبدع وتفوق، فهذا الكلام صحيح، وأنا هذا كتبته وقلته في أكتر من كتاب.

ماهر عبد الله: طب ما هو، يعني سؤالك هذا عن.. أو كلامك عن المناخ فضيلتكم بالإضافة لتعليقك على كلام الأخ أحمد صادق، يعني عندنا أزمة، لا التعليم الجامع في الأزهر أفاد، ولا التعليم الديني في الجوانب المشرقة منه أفاد، نحن نعيش أزمة، نحن عالة عمليا مع غيرنا، نكاد نكون في كل شيء، هل يمكن استثناء الإسلام من أن يكون أحد أسباب هذه الأزمة باعتبار أنه المشكل الأكبر لشخصيتنا؟ ليس ثمة تأثير في شخصية العربي والمسلم أكثر من الإسلام بتاريخه الطويل، هل يمكن عزل هذا المكون الخطير في حياتنا عن الأزمة التي نعيشها اليوم وأننا عالة على كل الذين نرفض؟

الإسلام سبب نهضة الأمة

د. يوسف القرضاوي: لأ بالعكس، هو الأخ حتى بيرد على هذا، وبيقولك نجد هؤلاء أناساً ملتزمين يصلون، ويصومون، ويحجون، ويعتمرون، ويتمسكون بدينهم، ومع هذا تفوقوا في مجالاتهم، مما يدل على إنه لا يمكن أن يكون الالتزام بالإسلام هو سبب.. ،بالعكس نحن نقول أن المسلمون في العصور الأولى حينما كانوا ملتزمين بالإسلام صنعوا أعظم الحضارات، ولما تركوا الإسلام في عصور التخلف والتراجع أصبحوا في مؤخرة الأمم، ولذلك نحن بالعكس نرى إنه تصحيح الفهم للإسلام وتصحيح الالتزام بالسلوك الإسلامي وبالخلق الإسلامي هو الذي ينهض بهذه الأمة، إنما التشويشات التي حدثت وإن ناس بتتمسك بتدين غير سليم، تدين معلول ومغلوط، وبعض الناس اللي بتركز على الشكليات وتنسى الجوهر، وتركز على الأمور الجانبية وتترك الأمور الأساسية هو ده.. الخطر على الأمة المسلمة.

ماهر عبد الله: في الحقيقة عندي فاكس طويل يعني الآن لا أستطيع قراءته لصغر خطه وكبير حجمه، فمعذرة للأخ فاروق بشور.

د. يوسف القرضاوي: نوصي الإخوة بقدر الإمكان بالإيجاز والاختصار حتى يمكن قراءة ما يرسلونه.

ماهر عبد الله: لكن ملخص كلام الأخ هو احتجاج في أكثر من.. من اتجاه، عنده احتجاج على أننا نتحدث دائماً على المسيحية دون أن يكون الرأي المسيحي حاضراً، يعني لا أدري كيف سنخرج من هذا المأزق يا أخ فاروق.

د. يوسف القرضاوي: لا و نخرج إنه فيه بعض المسيحيين بيتصلوا بنا، يعني لا.. لا نمنع أي مسيحي أن يتصل بنا، ونحن ما تحدثنا عن المسيحية في هذا..

ماهر عبد الله: لأ، مش في هذه الحلقة، بيقول في أكثر من حلقة من هذا البرنامج يتم التعرض.. يعنيُ يبدى أو يعطى وجهة نظر المسيحية.

د. يوسف القرضاوي: مع إنه هذا يعني الكلام اللي قاله يعني فوكوياما وتحدث عن الأصولية الإسلامية لم يتحدث عن الأصولية المسيحية، كان مقتضى يعني المنطق والعدل يعني في الحديث إنه يتحدث عن الأصولية المسيحية التي لها.. آثارها في أميركا وأثرت على عشرات الملايين وجعلتهم ينحازون إلى الصهيونية، حتى بعضهم يسميها "المسيحية الصهيونية"، ولم يتحدث عن الأصولية اليهودية وأثرها في الكيان الصهيوني في إسرائيل، يعني ولم يتحدث حتى عن الأصولية الهندوسية ولا غيرها، ركز فقط على الأصولية الإسلامية وسماها للأسف "الفاشية الإسلامية".

ماهر عبد الله: بعدها يقول له رأي في موضوع الحلقة، يقول: إن الإسلام لا يقدر أن يؤسلم الحداثة ولا الحداثة قادرة أن تُحدِّث الإسلام، لكن هناك مسلم قادر على أن.. أن يركض للوراء فيتخلف أو يسعى للأمام فيتحضر ويتقدم بعد ذلك يعني حتى نعطيه بس فرصة..

د. يوسف القرضاوي: هل.. هل الإسلام.. المسلم الذي يريد أن يسعى إلى الأمام ويتقدم ده الإسلام يضعفه أم يقويه؟ الإسلام يشجعه أم يثبطه؟ لا شك الإسلام يشجعه، والإسلام يحفزه، والإسلام يعطيه من الحوافز ما يجعله يتقدم إلى الإمام وهو واقف على أرض صلبة من دينه، لا يجد في دينه ما يمنعه، بالعكس يجد في دينه ما يحفزه.

ماهر عبد الله: طبعاً له.. له احتجاج على حلقة سابقة، يقول أنك نسبت إلى المسيحية خلو الكتاب المقدس من أي نص صريح يُحرم تعدد الزوجات، وطبعاً هو يحتج على هذا الكلام، يقول: لأن أول سفر من أسفار.. (66) يتحدث عن أن الله خلق..، الحقيقة أخ فاروق، أنا قرأت الجزء هذا ولم أجد فيه أي إشارة يعني صريحة تؤيد ما ذهبت أنت إليه، أنا لا.. لا أدري إذا كان يذكر أو لا يذكر.

د. يوسف القرضاوي: أنا ذكرت إنه داوود وسليمان كان عنده.. مئات من الزوجات و..

ماهر عبد الله: لأ، هو هذه.. هذه يقرّ بها، ولكن يقول المسيحية لاحقاً غيرتها، لكن هو يشير إلى بعض الآيات.

طيب نعود إلى الإخوة المشاهدين معايا الأخ محمد فاضل من السنغال.. أخ محمد فاضل.

محمد فاضل كاه: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السالم.

محمد فاضل كاه: أشكر.. أشكر على الأخ دكتور القرضاوي، أريد أن أبدأ بتلك الآية الكريمة التي يقول فيها تبارك وتعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) بشرط: إن كنتم مؤمنين، أما الآن فنرى هناك يعني مسلمون لا يثقون بأنفسهم ولا بدينهم، وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلف، فأما الإسلام.. الإسلام يقوي.. يقوي البشر، يقوي المسلم يعني، ولكن المسلم يطلب منه يعني أن يكون مؤمناً متديناً، ولكن هو مع هذا يقوم بما يمكن أن يضمن له حياة مزدهرة، وهذا ما نراه الآن أو هذا ما نراه.. ما نراه يعني الآن.

أريد أن أقول يعني شيئاً.

د. يوسف القرضاوي: تفضل.

محمد فاضل: هناك من هو يعني تعرض للحداثة فقال: أن الإسلام يخلف البشرية، وأنا لا أوافقه يعني على هذا.. لا أوافق على هذا الرأي، أما الإسلام كالحضارة.. المسلمون الأوائل كانوا يعيشون في الحضارة الإسلامية ويقومون بأعمال جلية، والآن مما لابد يعني للدول الإسلامية أن (ينشؤوا) يعني مدارس يقوموا بتعليم الأبناء الإسلام الصحيح وبعد ذلك يُتيح لهم مناخاً يستطيعون أن يتقدموا أو أن ينجزوا أعمالاً يواكب العصر.

ماهر عبد الله: طب أخ محمد فاضل، مشكور جداً على هذه المداخلة، معايا الأخ حازم الشامي من الدنمارك. أخ حازم، اتفضل.

حاز الشامي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

حازم الشامي: تحية لك ولفضيلة الشيخ.

ماهر عبد الله: حياك الله، اتفضل.

حازم الشامي: الله سبحانه وتعالى يقول (إن هذا القرن يهدي للتي هي أقوم)، إن السبيل الوحيد لإحداث النهضة والتغيير الشامل في الحياة هو بتبنى الإسلام كمبدأ، وبالتالي جعل كل شيء يتصل ببناء الإنسان وتنظيم العلاقات في المجتمع، سواءً في الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع، في علاقة الإنسان بربه أو بنفسه أو بغيره مبنياً على العقيدة الإسلامية ومأخوذاً منها فقط.

صحيح أن الناس في البلاد الإسلامية في مجملهم مسلمين، ولكن هذا لا يكفي لحصول التقدم والنهوض، لأن الناس وإن كانت تعتنق العقيدة الإسلامية، ولكنها لا تُحكِّمها إلا في جزء من حياتها، وهو ما يتصل بالأمور الفردية من تعبدية وأخلاقية وبعض الأحكام التي تتصل بالناحية الاجتماعية، ولا تحتكم الأمة إلى العقيد الإسلامية في أمور السياسة، والحكم، والاقتصاد، التعليم، والإعلام، والعلاقات الخارجية، بل إن.. بل إن الذي يحكم هذه الأمور هو العقيدة الرأسمالية عقيدة فصل الدين عن الحياة، وبالتالي من هنا ينشأ التناقض في مجتمعات المسلمين بوصفهم مسلمين، ويوجد عدم استقرار، ويصعب، بل يستحيل النهضة وتتبدد الجهود بسبب تناقض الأفكار الموجودة، والمشاعر الموجودة مما يوجد تناقض في التيارات وتبدد للمجهود. المطلوب لتحقيق النهضة ولبناء المجتمع وإصلاح الأوضاع، المطلوب تركيز الإسلام في نفوس المسلمين، لأنه الوحيد الذي يملك القدرة على تفجير طاقات المسلمين وتحويلهم إلى نشء جديد، ويحولهم إلى قادة كما فعل عندما آمن به العرب، ونظموا حياتهم على أساسه، وعاشوا من أجله، وحملوه رسالة إلى العالم، فنشروه في أجزاء المعمورة، ونشروا النور والهدى، وبالتالي أصبحوا قادة الأمم، والسبيل الوحيد اليوم إلى ذلك بالالتفاف.. التفاف المسلمين حول حملة الدعوة العاملين لإقامة الخلافة التي أمر بإقامتها الله سبحانه وتعالى، والتي بشرنا رسوله صلى الله عليه وسلم- بإقامتها خلافة راشدة على منهاج النبوة، تطبق الإسلام، وتوحد المسلمين، وتحرر بلادهم، وتُعلي رايتهم، ويتحقق على أيديها وفي أيامها العدل والصلاح للمسلمين ولغير المسلمين، وإلى هذا ندعو المسلمين وبارك الله فيكم.

ماهر عبد الله: مشكور.. مشكور جداً يا أخ حازم، يعني لفتة لطيفة وإن شاء الله تسمع تعليق، معايا الأخ عبد العظيم مصطفى من السعودية، أخ عبد العظيم، اتفضل.

عبد العظيم مصطفى: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

عبد العظيم مصطفى: تحية لكم يا شيوخ.

ماهر عبد الله: حياك الله، اتفضل.

عبد العظيم مصطفى: قال صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني فالذي يليه ثم الذي يليه، أو كما قال"، ونحنا بنرى أنفسنا إسلامياً متى..؟ هل إذاً ذهبنا من الآن تجاه قرون الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني.. أقصد هل نرى أنفسنا متصورين إسلامياً إذا ذهبنا تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم، أم إذا ذهبنا فيما نحن ماضين فيه؟ ونحن نعلم.. نعلم أن الله -سبحانه وتعالى- نبذ الدنيا كثيراً، نبذ كثيراً من الدنيا في كثير من الآيات: (واعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو)، وقال تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور). فسؤالي: إلى أين ذاهبين نحن؟ هل بتطور إذا واكبنا التطور العالمي والتكنولوجيا التي يدعيها الغرب، أم إذا.. إذا تركنا هذا وذهبنا تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم؟.

ماهر عبد الله: طب أخ عبد العظيم، السؤال.. السؤال واضح مشكور جداً، وإن شاء الله تسمع من الشيخ تعليق عليه.

الأخ محمد فاضل باختصار شديد يعني يحيل كل الأزمة إلى فقدان الثقة بالنسب وبديننا الإسلامي، هل تعتقد أنه الأمة طابعها العام فقدان الثقة بالنفس؟

د. يوسف القرضاوي: هو كلامه يعني في جزئه الأول يعني مقبول جداً، ولابد أن نعيد إلى المسلمين الثقة بدينهم، ولابد أن يعتز كل مسلم بدينه، ويعتقد إنه لا خلاص لهذه الأمة ولا سبيل إلى قوتها، وانتصارها، ووحدتها، وعزتها إلا بالعودة إلى الإسلام، الإسلام كله، يعين هو الأخ أشار ما تأخدش بالجزء مثلاً العبادات وتترك المعاملات، تأخذ جزء في المسجد وتنسى المصنع والديوان والمحكمة، لابد أن يؤخذ بالإسلام كله (أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)، وهذا ما نؤمن به وما دعى إليه القرآن (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك). أنا بأعتبر إن الإسلام ده مثل وصفة متكاملة، روشته يوصفها الطبيب، لازم تأخذها بها كلها، لو أخذت ببعض الوصفة الأولى بعض.. فربما تتضرر ولا تنتفع، لابد أن يؤخذ الإسلام كله.

ماهر عبد الله: بهذه الطريقة أنت أجبت على سؤال الأخ حازم الشامي اللي كان.. يعني يقول بإنه عملياً نعيش حياتين، من ناحية نتعلق بالإسلام ومن ناحية تحكمنا آليات الاقتصاد ونظم الإدارة غير مرتبطة بالإسلام.

د. يوسف القرضاوي: هو حال الازدواج، يعني إحنا بنعيش الازدواج، مسلمين في المسجد وبعدين خارج المسجد نجد أنفسنا نطبق أشياء غير شرع الله، ولا.. هذه الازدواجية ينبغي أن تزول من حياتنا وأن تكون حياتنا كلها إسلامية، ومعنى حياتنا كلها إسلامية ليس معناها إننا نمارس حياتنا نتمتع بالطيبات وباللهو المباح والترفيه المباح (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وهذا يرد على الأخ اللي بيتكلم عن (لا تغرنكم الحياة الدنيا) أو (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو)، ليس معنى هذا إننا يعني نعيش للآخرة وننسى الدنيا، لأ.. لابد أن نعمل للحياتين معاً، كما قال الصحابة: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -نخلة صغيرة- فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها". معناه إنه لابد أن يظل عاملاً ومنتجاً ومعطاءً إلى آخر رمق في الحياة، حتى تلفظ الحياة آخر أنفاسها، فلابد أن نجمع بين الدنيا والآخرة وبين الجانب المادي والجانب الروحي معاً.

ماهر عبد الله: بس يعني صيغة سؤال الأخ عبد العظيم وضع كأنه السير بالاتجاهين مستحيل، هو قال: الخيار، هو يفهم الأمور وكأنه إما الخيار بالسير باتجاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسنته، أو الاتجاه باتجاه التطور الدنيوي، هل هما متعارضان بالضرورة؟

د. يوسف القرضاوي: لا الرسول وسنته لا تمنع أن تأخذ بالتطور، وترقي الحياة، وتستفيد من أساليبها، الهول صلى الله عليه وسلم.. يعني سبق كثيراً من الأشياء قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، اتخذ الإحصاء في حياته، قال لهم: "أحصوا لي عدد من يلفظ بالإسلام"، فأُحصوا له فكانوا ألفاً وخمسمائة رجل، وفي رواية: "اكتبوا لي" يعني إحصاء مدون، فهو سبق العلم.. حيث كان يخطط في حياته وأموره كلها مرتبة مش عشوائية، أو أتوكل على الله وأترك.. لأ، يأخذ بالأسباب ويرتب الأمور بعضها على بعض، وكل الغزوات العسكرية للنبي صلى الله عليه وسلم مرتبة غاية الترتيب وإخوانا العسكريين المختصين أبانوا هذا بوضوح.

ماهر عبد الله: طب يعني عوداً على موضوع التليفزيون والإذاعة وإن الذين حرموا كانت، يعني الأخ سالم، رجل أعمال من السعودية، يقول: لماذا حرم بعض العلماء التليفزيون؟ أسألك ماذا استفدنا منه؟ غربي، وكذب، وتفسخ، واستعراض لجسم المرأة، فانظر لحال الشباب وكيف تركوا دينهم وراء تلك الفنانة أو تلك المذيعة، يعني ما.. مازال..

د. يوسف القرضاوي: بس الذين حرموا التليفزيون لم يحرموه من أجل هذه الأشياء، الذين حرموا التليفزيون يعني حرموه لأنه تصوير، وإن التصوير حرام، وإن ده قائم على التصوير، وإلا.. إذا.. إذا قلت إنه التليفزيون حلال في الأصل، ولكن يحرم من أجل ما يكون فيه هذا نوافق عليه، نقول: التليفزيون آلة، والآلات لا يقال فيها حلال أو حرام، لما تقول لي: السيف حلال ولا حرام؟ أقول لك: السيف في يد المجاهد حلال، لأنه أداة من أدوات الجهاد، والسيف في يد قاطع الطريق أداه من أدوات الإجرام لا.. الآلات تأخذ حكم المقاصد، الوسائل لها حكم المقاصد، ففيم تستعمل هذا الشيء وبماذا تستخدمه، هو ده اللي بيحكم عليه، إنما إذا كان هذه الأشياء، طب ما هو فيه.. ممكن مثل هذا البرنامج إذا كان الأخ بيشوفنا ويعمل.. طب ما هو بنستفيد منه، ممكن تستفيد في نشرات الأخبار، ممكن تستفيد في بعض البرامج الثقافية، ممكن تقفله عند الشر وتستفيد منه عند الخير.

ماهر عبد الله: الأخ حسن فني.. لا يذكر هو من أين، يقول: ماذا فعلت الحداثة في الشعوب المتقدمة؟ أنستهم القيمة والتقاليد والعقيدة، والنتيجة الضياع وكثرة الجريمة والإباحية بحجة الحرية. وأنا أطرح السؤال هل.. ما هو المطلوب من المسلم؟ تغيير دينه؟

هل يمكن حصر الحداثة فقط بنسيان القيمة والتقاليد وإهمال العقيدة؟

د. يوسف القرضاوي: هم بالنسبة لهم فعلاً يريدون من الحداثة عندنا أن نترك ديننا، والله تعالى يقول: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)، وهو فوكوياما الوصفة اللي عملها حتى لنتوافق مع الحداثة ونتواءم معها إقامة الدولة العلمانية، هو وجد إن العلاج لحالة العالم الإسلامي الذي لا يتواءم مع الحداثة أن يأخذ بالدولة العلمانية كما أخذ بها كما أتاتورك، واعتبر هذا يعني دواء لكل داء، فهل الدولة العلمانية دواء لنا؟ لا هي كانت دواء للغربيين، لأنها أخرجتهم من تحكم الكنيسة، للكنيسة التي وقفت في وقت من الأوقات مع الجهل ضد العلم، ومع الشعوب يعني ضد.. ومع الملوك ضد الشعوب، ومع الإقطاع ضد الفلاحين، ومع الجمود يعني ضد التحرر، فهذه.. قالوا: مش عايزين الدين، اشنقوا، آخر ملك يبقى معاه آخر قسيس، فـ.. إنما نحن ليس عندنا هذا، لا يوجد عندنا مثل هذا حتى تكون العلمانية دواء لنا، بالعكس العلمانية تحرمنا من مصدر من مصادر القوة، أو من أهم مصادر القوة لحياتنا وهو الدين، الإسلام، هو مصدر القوة لنا، ولم نعتز في تاريخنا ولم نصل إلى الانتصارات وإلى الازدهار طوال التاريخ، من ينظر إلا المد والجذر في التاريخ الإسلامي، يجد المجد والانتصار والازدهار والقوة والحضارة مع التمسك بالدين، ويجد الضياع والذبول والانهيار والانهزام مع ترك الدين. فهذا ما نريد أن نقوله إن الدولة العلمانية ليست دواء لنا، بالعكس، هو بيقول إن الدولة العلمانية تتسم بالتسامح الديني، لم نر هذا، هذه تركيا يتمثل القمة العلمانية هل نرى فيها تسامحاً دينياً؟ رفضت أن يتعلم الناس الدين حتى على حسابهم، أغلقت المدارس القرآنية، لم تقبل الفتاة اللي بتلبس يعني خمار على رأسها أن تدخل الجامعة مع إن ده من الحرية الشخصية والحرية الدينية، النائبة التي انتخبها الشعب عضوة في البرلمان (مروة قاوقجي) دي أو.. البتاع، ضاقوا بحجابها وحرموها وحرموها من عضوية البرلمان، هل هذا.. هذا هو التسامح؟ بالعكس، ونرى بعض البلاد العربية العلمانية تحرم المرأة المحجبة من دخول المدرسة، ودخول الكلية والجامعة، ودخول والتوظف في أي وظيفة حكومية أو وظيفة قطاع عام، أو دخول المستشفى حتى للعلاج، فهل هذا هو التسامح الذي تتسلم به العلمانية؟ بالعكس العلمانية للأسف خصوصاً في بلادنا يعني في البلاد العربية والإسلامية ليست علمانية ليبرالية قائمة على احترام الحقوق والحريات بل بالعكس هي ضد الحقوق والحريات.

ماهر عبد الله: قبل أن أسألك السؤال الأخير يبدو أن الإخوة استفزهم الموضوع عن التليفزيون، يعني أحد الإخوة يعاتبني: هل تريد أن تقول أن كل ما يعرض على التليفزيون حلال؟ هل تريد تمرير هذا على الشيخ القرضاوي؟ الأخ عبد المعز صالح عمران يقول: بعد السلام، إنني أستغرب أشد الاستغراب التحية التي قدمها الشيخ.. فضيلة فضيلة الشيخ لمسلسل الشيخ.. متولي.. الحاج متولي، وهل شاهده الشيخ؟ فإن شاهده فإن هذه سقطة من عالم جليل.

الأخ أحمد الصايدي، قلت يا ماهر كانوا يحرمون التليفزيون والآن أصبح حلال، وكأن الآن أصبح مسلم به، بغض النظر عما يعرض على شاشته يعني، يبدو إنه المسألة مش..

د. يوسف القرضاوي: لا.. لا يقول أحد هذا أبداً، لا يقول أحد إن كل ما يعرض في التليفزيون حلال، كما يقول إن كل ما يعرض في التليفزيون حرام، كل شيء يقاس بمدى ما يشتمل عليه من مواد، يعني مسلسل الحاج متولي لأنه بيؤيد قيمة إسلامية كان الإعلام العربي واقف ضدها باستمرار، وهي مسألة تعدد الزوجات وهو أمر مشروع، فكون الإعلام خرج عن هذا الخط وسمح بمثل هذا أمر ينبغي التنويه به، هذا، إنما قد يكون فيه أشياء لا نقبلها من الناحية الشرعية، ولكن إحنا بننظر للمغزى فقط دون التفاصيل.

ماهر عبد الله: يعني أنا بس عايز أختم بقراءة أخت أيضاً تحتج احتجاج شديد على نفس الموضوع، الأخت نبيهة، إلى هذه الدرجة كانت الهجمة على الكلام، أود أن ألفت انتباهك أخ ماهر إلى أن.. إلى أمر قد بدا عليك واضحاً خلال تقديمك لبرنامج الشريعة والحياة، ألا وهو أنك تخرس كل من يعارض رأيك أو حتى شعورك تجاه أمر ما، وأعني بالمعارض هنا المتصل، وإذا أردت أن تتأكد من صحة ودقة ما أقول فعليك أن تراجع حلقة الحاج متولي.. أصبح اسم الحلقة الحاج متولي!!! لترى كم كنت مجحفاً بحق المتصل صاحب الرأي الآخر، لتخلص بنتيجة مرة ألا وهي: أنك بذلك تخالف شعار قناة الجزيرة: "الرأي والرأي الآخر"، ولا يخفى عليكم مدى الخيبة التي تصيبنا نحن معاشر المسلمين، هو أن تكون ميزة البرنامج الديني الوحيد على قناة الجزيرة إن صحت التسمية إخراس كلمة الحق الأخرى.

يا أخت أم سعد من البحرين يعني على الأقل..

د. يوسف القرضاوي: إحنا لسنا ضد الرأي الآخر، بالعكس البرنامج وكل برامج الجزيرة قائمة على هذا الاعتبار، ونحن لا نصادر حرية أحد إطلاقاً.

ماهر عبد الله: شكراً، شكراً لك يا سيدي، شكراً لكم، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية مني والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.