مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. محمد عمارة: مفكر إسلامي

تاريخ الحلقة:

13/07/2003

- الأزمة التي تعاني منها الأمة الإسلامية
- الحرية وتطبيق الشريعة مطلبان لحل الأزمة

- أسباب غياب الجدول الزمني لتحقيق المشروع الإسلامي

- أسباب توتر العلاقات بين الأنظمة والحركات الإسلامية

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة).

منذ سنوات تعيش هذه الأمة أزمة متعددة الطبقات، متعددة.. متعددة الأشكال، كما أنها تؤثر على كل مجريات (حدثنا) وحياتنا، هناك أزمات متعددة وعاصفة داخلية وخارجية، هناك علاقات مأزومة مع الذات، مع الآخر، مع العالم من حولنا، هناك كثير من المؤشرات على عدة حالات من انفصام في الشخصية، انفصام في التعامل مع الذات، انفصام في التعامل مع الآخر، الحديث يتركز كثيراً على الانفصام السياسي الحاصل لدى الكثير من الشعوب على سبيل المثال لا تريد علاقات جيدة، لا تريد هذا النوع القائم من العلاقات بين الولايات المتحدة على سبيل المثال والشعوب الإسلامية قاطبة، في حين نرى النخب السياسية أكثر حرصاً على هذه العلاقة مرة بحجة الواقعية وإدراك موازين القوى، ومرة بأن العالم لا يستطيع أن يعيش بدون قائد يقوده مثل الاتحاد.. مثل الولايات المتحدة، هناك أزمة هوية نعاني منها منذ ما يزيد على القرن كثيراً مَن نحن؟ عرب أولاً.. مسلمون أولاً، عرب مسلمون.. حاولنا، كل النظريات، سقط الكثير بالتجربة والخطأ.

في كل هذا الزحام يبقى ما يسمى بالمشروع الإسلامي يطل برأسه بين الفينة والأخرى، يشهد العديد من لحظات الصعود، ثم يشهد الكثير من لحظات الهبوط والتراجع والنزول مرة أخرى.

لمناقشة هذا الموضوع يسعدني أن يكون معي من القاهرة (المفكر الإسلامي المشهور) الدكتور محمد عمارة، وأظن نفسي غير مضطر للتعريف بالدكتور محمد عمارة، فأنا أظن أنه سيبقى أكبر من أي تعريف يمكن أن نقوله عنه، دكتور محمد عمارة مرحباً بك مرة أخرى في برنامجنا.

د. محمد عمارة: أهلاً بكم ومرحباً.

الأزمة التي تعاني منها الأمة الإسلامية

ماهر عبد الله: سيدي نحن ننتمي أنا وأنت ومشاهدينا إلى أمة مأزومة، لو حاولنا يعني بداية هل تتفق معي في التشخيص في أننا نعاني من أزمات متعددة بعضها فوق بعض، ظلمات بعضها فوق بعض، نعاني من أزمة علاقات، حتى مع أنفسنا.. مع ذاتنا لا نستطيع أن نحدد من نحن فضلاً عن أن نحدد أي نوع من العلاقة يجب أن نقيمه مع الآخر؟

د. محمد عمارة: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة وسلاماً على سيدنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحابته أجمعين.

أنا أتفق معك تماماً في أننا أمة تعاني من أزمات متعددة، لكن هذه الأزمات أتصور أنها أمر طبيعي، يعني لا يمكن لإنسانٍ عاقل خبير بشؤون الحياة وخبير بالواقع الدولي الذي نعيش فيه يمكن أن يتصور خلو حياة الأمة الإسلامية من الأزمات، بل أنا أقول إنه الأزمات ليست وقفاً على الأمة الإسلامية وإنما أيضاً حتى عند القوى المهيمنة التي تهيمن على العالم أو تحاول الهيمنة على العالم، وتجعل هيمنتها أشد في نطاق العالم الإسلامي وفي نطاق الجنوب، أيضاً هي تعاني من أزمات.

يعني دعني أعود إلى التعبير القرآني، القرآن الكريم (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) هي القضية ليست أننا في أزمة أو في.. أو لسنا في أزمة، هذا أمر لا جدال فيه، إنما القضية: هل هذه الأزمة تجعلنا نُسلِّم؟ هل هذه الأزمات هي نهاية المطاف؟ هل هذه الأزمات تجعلنا ننقض غزلنا أم نحاول إحكام هذا الغزل؟ هل هذه الأزمات تجعلنا أسرى للهزيمة النفسية فلا نرجو من الله ما لا يرجون؟ هذه هي القضية، يعني لا جدال في أننا نعاني من عديد من الأزمات، وأننا أمة في حالة مخاض، لكن أنا أقول، ودائماً، وشيخنا الغزالي -عليه رحمة الله- كان يردد هذه المقولة، يقول: إننا نُضرب ونُضرب بعنف، وتسيل دماؤنا كما لو كانت أرخص الدماء على ظهر هذه الأرض، لا لأننا موتى. فلو كنا موتى ما ضُربنا بهذا العنف، الضرب في الميت حرام، يعني الميت لا يستأهل أن يُبذل جهد في ضربه، إنما لأن هناك يقظة، هناك محاولة للعودة للأصول وللجذور وللمرجعية، وهناك خوف لدى الآخر وإرادة لمعاجلة هذه اليقظة، فهذا يحدث.. هذا الذي نحن فيه، إذن نحن في مخاض، نحن في تحديات...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لو سمحت لي بالمقاطعة بس قليلاً، قبل الحديث عن اليقظة دكتور محمد، يعني سنعود لموضوع اليقظة وموضوع الخوف منا، لكن خطورة هذا الكلام أو أهميته وحرجه أنه يعني يُشتمُّ منه رائحة إنه بإلقاء اللوم على الآخرين يعني لابد أن أزماتنا بجزء من تركيبها، جزء من تعقيدها أنه فيها أبعاد داخلية، نُغلِّب نحن في العادة التعويل، يعني عندما ذكرت المرحوم الغزالي ذكرت أننا نُضرب وأن هناك خوف منا، لكن إلى أي مدى السؤال الذي لا يبدو أننا نجيب عليه بصراحة ولا نواجهه ولا نحب أن نواجهه هو: إلى أي مدى يعتبر داخلنا وذواتنا مسؤولة أولاً عن.. عن ما نعاني من أزمات؟

د. محمد عمارة: هذا كلام صحيح، وأنا معك تماماً في هذا السؤال، أنا كثيراً ما أردد أننا نتعرض لهجمة ولتحديات لها بُعد داخلي وأسباب داخلية ولها بُعد خارجي هو الهيمنة التي نتحدث عنها، نحن أمة تعاني من تخلُّف موروث، وأمراض داخلية ممكن أن يضمها ويجمعها هذا التخلف الموروث وهيمنة غربية، نحن أحياناً نركز على الهيمنة الغربية لا لأنها العامل الوحيد في هذا الذي نعاني، وإنما لأن هذه الهيمنة تحرس تخلفنا الموروث، يعني نحن أمة –بصريح العبارة- تعاني من الاستبداد السياسي والإداري والمالي، وهذا الاستبداد يقود إلى الطغيان (كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) هذا الانفراد بالسلطة، الانفراد بالسلطة المالية الانفراد بالسلطة السياسية، لكن من الذي يحرس هذا الاستبداد؟ هذا الاستبداد مرض داخلي، لكن الخارج يحرس هذا المرض الداخلي، وأنا أضرب لك مثلاً، يعني لا جدال على أن نظمنا في الداخل نظم استبدادية، لكن بعد حرب العراق ندوة عُقدت في إسرائيل من الجنرالات الإسرائيليين، وقالوا بصريح العبارة: إنه الحديث عن ديمقراطية في العالم العربي ليس في مصلحة إسرائيل، إن أمن إسرائيل متعلق بالنظم الاستبدادية، لأنه الحرية والديمقراطية ستأتي بقوى سياسية نحن نعاني منها على أرض فلسطين، حماس والجهاد التيار الإسلامي، يعني أنا أقول عندنا استبداد داخلي، لكن من يحرس هذا الاستبداد؟ مَن.. يعني يا سيدي في الجزائر كانت هناك محاولة لصندوق اقتراع مَنْ الذي أجهضها؟ قوى داخلية محروسة، فاشيست داخلي محروس بكل ديمقراطيات العالم التي تتحدث عن الديمقراطية، إذن هناك علاقة جدلية وعضوية بين العامل الخارجي في الأزمة وبين العوامل الداخلية في الأزمة، يعني إحنا عندنا خرافة، عندنا فكر جامد يقف ببلادةٍ أمام ظواهر النصوص، ولا يدرك المقاصد من هذه النصوص، لكن أنا أقول: الآخر الغربي يتعايش مع هذه الخرافة، يتعايش مع هذا الجمود طالما أنها لا تقلق هيمنته وسيطرته، بينما التيار الوسطى المعتدل الذي هو أقرب إلى الصيغة الإسلامية يتعرض للهجوم من أهل الجمود والخرافة ومن التنويريين والمتغرِّبين، يعني أنا أقول لا نركز فقط على العامل الخارجي، ونجعله مشجب نعلق عليه كل أزماتنا، وإنما نحن نكشف عن العلاقة العضوية بين العامل الخارجي في الأزمة وبين العوامل الداخلية في الأزمة.

[فاصل إعلاني]

الحرية وتطبيق الشريعة مطلبان لحل الأزمة

ماهر عبد الله: سيدي، تحدثت عن.. عن الاستبداد كظاهرة كبرى ضمن دوامة هذه الأزمة، كلامك هذا ذكرني بكلام تحدث به فضيلة الدكتور القرضاوي من هذا المنبر ومن هذا البرنامج، وأثار الكثير من الجدل عندما ذكر ما ذكر، باختصار إذا جاز لي أن أعيد صياغة ما.. ما قال، حتى لا أنسب له ما لم يقل، قدم الحرية كمطلب على المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة، ما تحتاجه الأمة اليوم كان باعتقاده الحرية، كان يجب أن يُعلى من شأن الحرية كمطلب عند كل أصحاب المشاريع السياسية بما في ذلك المشروع الإسلامي والمنادين به وقدمها على تطبيق الشريعة.. على المطالبة بتطبيق الشريعة، إلى أي درجة تتفق مع هذه المقولة؟

د. محمد عمارة: يعني أنا أخشى إنه.. إن البعض يفهم من مثل هذه الترتيبات والمقولات وترتيب الأولويات أننا نتنازل أو نُرجئ الشريعة أو نضعها في الأدراج، لأنه أنا أقول: المنهج الإسلامي في التغيير منهج يعتمد على سُنَّة التدرج، يعني نحن لو نظرنا في تجربة النبوة ونضع في الاعتبار عنوان: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، تجربة النبوة بدأت بإعادة صياغة الإنسان، 13 سنة في مكة لإعادة صياغة الجماعة أو الإنسان، عندما أُعيدت صياغة الإنسان صياغة إسلامية جاء دور هذا الإنسان في تطبيق الشريعة، في إقامة الدولة، في النظم، في الحكومة، في الجيش، في الفتوحات، في كل هذه الأمور، هل هذا التدرج الذي هو سُنَّة من سنن الله، سنة في خلق الكون، سُنَّة في نزول الشرائع، سُنَّة في تطبيق الشرائع. بل أنا أقول إنه حتى التراجع الحضاري يتم بالتدريج، والعودة والتجديد تتم أيضاً بالتدريج، ولو نظرنا إلى التراجع الذي تم بعد الخلافة الراشدة وإلى تجربة عمر بن عبد العزيز المجدد الأول وخامس الراشدين سنرى سنة التدرج، أنا أفهم إن الشيخ يوسف –حفظه الله- عندما يعني يسلط الضوء على الحرية ويُعطي للحرية أولوية، هذا لا يخرج عن مقاصد الشريعة، لأنه مَن الذي سيطبق الشريعة؟ مَن الذي سيطبق كل مقاصد الشريعة التي حددها العلماء؟ الإنسان، هذا الإنسان دون حرية لا يمكن أن يكون إنساناً يطبق الشريعة ويحقق الاختيار، دا أنا أقول الإنسان نقطة البداية بالنسبة له أن يكون مختاراً.. أن يكون مختاراً فيختار تطبيق الشريعة كيف يكون مختاراً؟ وأنا سأضرب مثلاً واقعاً، واقعياً.. إحنا عندنا تيار إسلامي، سواء كان حركي، أو فكري، أو تيار شعبي لا علاقة له بالحركات والتنظيمات، هذا التيار متى سيُمكِّنَّ من أن يطبق برنامجه المنطلق من الشريعة الإسلامية؟ إذا أُتيحت له فرصة الحرية كي يصل إلى مواقع التأثير، يعني أنا بدون الحرية لا يمكن أن أُطلُّ من هذا المنبر الذي أتحدث فيه الآن، بدون الحرية لا يمكن أن أكتب عن الشريعة في الصحف وفي المجلات، بدون الحرية لا يمكن أن يصل نواب إلى مجالس التشريع في البلاد الإسلامية، يعني أنا أفهم إن الشيخ يوسف عندما يركز على الحرية هو يعني هذا ولا يعني التقليل من الشريعة، لأنه الحرية دي الفطرة الإنسانية الأولى، هو عمر بن الخطاب قال أيه: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، يبقى إذا كانت الحرية فطرة منذ الولادة هذا الإنسان سيطبق الشريعة وسيسعى إلى تطبيق الشريعة، ويجاهد ويُستشهد في سبيل تطبيق الشريعة، الفدائي اللي بيستشهد على أرض فلسطين أو على أرض العراق أو على أرض أفغانستان بدون الحرية.. بدون أن تكون له حرية الاختيار لا يمكن أن يقوم بهذه الأعمال الفدائية والاستشهادية، يعني أنا لا أريد أن ندخل في قضية البيضة والفرخه، والعربة والحصان، إنما أنا أفهم أن هناك وضع مهم وله أولوية بالنسبة لقضية الحرية، لا لتأخير الشريعة وإنما لتطبيق الشريعة يعني هذا ما أفهمه، وأيضاً أعتقد أن هذا هو فهم أخانا العزيز الدكتور يوسف حفظه الله.

ماهر عبد الله: لكن سيدي يعني واحدة من العبارات الجوهرية التي وردت في.. في هذا التحليل الجميل قصة إعادة صياغة الإنسان، هذه تحولت في بعض الأحيان إلى مأساة، يعني دون أن نذكر أسماء بالتحديد، الحركات التربوية من أصحاب المشروع الإسلامي، ركزوا.. يعني أدركوا خطورة هذه العملية، إعادة صياغة الإنسان على أسس جديدة أكثر انسجاماً مع الشريعة، أكثر انسجاماً مع متطلبات العصر، المأساة أن هذه تحولت إلى قصة طويلة يبدو أنها لا نهاية لها إذا تتحدث عن عقود طويلة، في حين أنك تحدثت في التجربة النبوية عن.. عن سنوات محدودة، نحن نتحدث عن 13 عاماً، هل يمكن لعملية إعادة صياغة الإنسان أن تتحول هي بحد ذاتها هاجس، تتحول على الأقل كما تحولت عند الحركات الماركسية إلى هندسة مجتمع بحيث أنه أصبحت مطلوبة أولاً لذاتها.

اثنين: صارت أقرب إلى عملية غسل الأدمغة منها إلى إعادة صياغة الشخصية؟

د. محمد عمارة: لا، يعني أنا أتصور إن إعادة صياغة الإنسان بالمفهوم الإسلامي وفي المنهاج التغيير الإسلامي يعني لا نتوقف ونقول إننا لن نطبق شيئاً إلا بعد أن نعيد صياغة الأمة كلها كي تكون نخباً وصفوة ودعاة وعلماء، هذا غير معقول، وأنا أقول حتى المجتمع النبوي، يعني لم يكن كل الناس على المستوى الذي نتحدث عنه عندما نذكر الصحابة، بل أنا أشير إلى حقيقة، يعني رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عندما التحق بالرفيق الأعلى عندما توفي كان تعداد المسلمين 24 ألف من الناس، لما العلماء تحدثوا عن "أعلام الصحابة" و"أُسْد الغابة في الصحابة" وإلى آخره، تحدثوا عن حوالي 9 آلاف، 9 آلاف يعني منهم أكثر من ألف من النساء والباقي من الرجال يعني أنت عادة عندما تتحدث عن إعادة صياغة الإنسان تبدأ بصياغة طليعة تبدأ بصياغة نخبة تفهم الإسلام تعيش الإسلام، تطبق الإسلام وهنا يمكن أن تبدأ في التطبيق وتبدأ في الإنجاز والعملية عملية مستمرة يعني كُلَّما هذه النخبة كانت أقوى وكانت أكثر جودة في إعادة صياغتها وأكثر تأثيراً كلما استطاعت أن تضم يعني شرائح أخرى في المجتمع وكلما وصلت إلى مراكز تنفيذية..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: إذا سمحت لي بالمقاطعة قليلاً بس سيدي، إنه ما يجري الآن أعتقد عندنا من.. من الوقت تحدثنا عن عقود، ما يكفي للحكم لإصدار حكم تاريخي حتى لو من.. من مراقب ليس بالضرورة أن ينتمي إلى التيار الإسلامي شعبياً أو حركياً أو.. أو فكرياً، ما.. ما يجري وما جرى في العقود السابقة هل هو أقرب إلى صياغة الإنسان التي تريد أن تخلق هذه النخبة التي تتحدث عنها هذه الطليعة أم أنه تحول إلى مشروع قولبة وخلق نسخ كربونية -إذا.. إذا جاز التعبير- بحيث أنه يعني النتيجة كانت جمود لمحاولة شخصية.. بناء شخصية واحدة، لكن ذات وجوه متعددة؟

د. محمد عمارة: يعني أنا أتصور إنه هذه السؤال يمكن أن يشير إلى شيء أنا أتحفظ عليه، يعني كون عندنا قولبة وجمود هذا صحيح، وكون عندنا تيارات سلكت سبيلاً أقرب إلى الرشد والصواب وصنعت شيئاً هاماً في واقع إعادة صياغة الإنسان هذا صحيح، يعني خذ على سبيل المثال، منذ جمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا و.. و.. إلى آخره، هذا التيار الذي أسميه مدرسة الإحياء والتجديد صنع معالم للعقل العربي والمسلم لا تزال هذه المعالم أكثر المعالم تأثيراً وأكثر المؤثرات أثراً في الحياة الفكرية، يعني السلاسل الذهبية من العلماء والمفكرين والمجددين امتداد متطور لهذه المدرسة، إذن ليست هذه قولبة وإنما بالفعل فيه أناس يسعون لصياغة مشروع حضاري وإنهاض هذه الأمة، خذ على سبيل المثال في الحركات الإسلامية والتنظيمات الإسلامية، يعني الإنجاز الذي..

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: نذكركم قبل مواصلة الحوار بأنه بإمكانكم أن تشاركوا معنا في هذه الحلقة وسنستلم مشاركاتكم بعد قليل إما على رقم الهاتف 4888873

بعد المفتاح الدولي لدولة قطر وهو:00974

أو على رقم الفاكس 4890865

أو على الصفحة الرئيسية للجزيرة نت على العنوان التالي: www.aljazeera.net

دكتور عمارة، معذرة للمقاطعة أولاً، عودة إلى موضوع الحوار، كنت على وشك الدخول في الحديث عن الحركات الإسلامية وأزمتها مع القولبة إذا كان هذا هو واقع الحال.

د. محمد عمارة: أيوه، يعني أنا أقول الحركات الإسلامية.. وبالمناسبة أريد أن أُنبِّه إلى أن الحركات الإسلامية لم تبدأ مع الإخوان المسلمين في عشرينيات القرن العشرين، الإخوان كان.. هو الشيخ البنا –عليه رحمة الله- كان تطور في مسيرة يعني جمال الدين الأفغاني في سبعينيات القرن التاسع عشر عمل في مصر الحزب الوطني الحر، في الثمانينيات عمل جمعية العروة الوثقى، الأفغاني.. الكواكبي عمل جمعية أم القرى، إذن نحن أمام حركة إحيائية تقدم محاولة لتجديد الفكر وتقدم آليات حركية وتنظيمية لوضع هذا التجديد في الممارسة والتطبيق، لكن قبل الإخوان المسلمين وقبل الشيخ البنا، كانت الحركات حركات صفوة وحركات نخبة، عندما عمَّت بلوى الاستعمار وأصبحت المرجعية الغربية والعلمانية لها أحزاب في بلادنا، الشيخ البنا المفصل الإنجاز الذي تميز به، هو أنه استدعى الجماهير فأصبح التنظيم تنظيم جماهيري وليس تنظيم صفوة وتنظيم نخبة، وأنا أُنبِّه إلى التواصل في هذه المسيرة، يعني محمد عبده توقَّف في تفسير القرآن عند مكان معين، رشيد رضا بدأ يفسر القرآن من حيث انتهى محمد عبده، رشيد رضا توقف عند حدٍ معين، حسن البنا بدأ يفسِّر القرآن من حيث انتهى رشيد رضا، من أوائل الكتب التي كان يُدَرِّسها الشيخ البنا في الأسر داخل الإخوان المسلمين "رسالة التوحيد" لمحمد عبده وكتاب "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" إذن نحن أمام مشروع في عند عشرينيات القرن العشرين تطور من حركة صفوة ونخبة إلى حركة جماهيرية.

أنا ألفت النظر إلى أن البذرة التي وضعها هذا التيار، وخاصة البذرة التي وضعها حسن البنا –عليه رحمة الله- وُضعت في حينها بذور كثيرة في التربة العربية والإسلامية، أحزاب علمانية، أحزاب وطنية، أحزاب ديمقراطية، أحزاب قومية، أنا.. أحزاب شيوعية وماركسية، الآن بعد مرور هذا الوقت حوالي سبعين سنة أو أكثر أين هذه البذور التي وُضعت في ذلك التاريخ؟ هناك بذرة أساسية وواحدة –بارك الله فيها- وانتشرت لا لأن حسن البنا أكثر عبقرية من الآخرين، ولا لأن الإخوان أكثر تنظيماً من الآخرين، بل لأن هذه البذرة هي المعبِّرة عن هوية الأمة وهي المناسبة للأرض وللتربة في هذه الأمة.

إذن أنا لا أبخس هذا العمل حقه، بالعكس رغم الضغوط الخارجية والاضطهاد والإرهاب والسجون والمعتقلات والمشانق و.. وإلى آخره لا يزال.. لا تزال هذه البذرة هي البذرة الصالحة والناس تتداعى إلى هذه الشعارات وإلى هذه الأوعية رغم الأثمان الباهظة التي تُدفع في هذا الاتجاه وفي هذا الطريق.

إذن أنا أقول: نعم، هناك إنجازات، لكن نعم أيضاً هناك معوِّقات، ونعم هناك أخطاء، أما إذا تحدثنا عن القولبة معك إنه هناك تيار أنا أسميه أو فصيل.. فصيل الغضب والعنف والاحتجاج، هذا هو الذي استعجل وظن أن السلاح سيمكِّنُه من القفز على السلطة ومن التغيير وغفل عن سُنة التدرج، وغفل عن منهاج تغيير النفس وإعادة صياغة الإنسان، الشيخ البنا – عليه رحمة الله- كتب كثيراً وقال: المتعجِّلون يتركونا ويدوروا لهم على.. على مكان آخر، إحنا فيه مراحل، فيه كذا، فيه إعداد، يعني أنا أتصور إنه التيار الإسلامي سواء كان تياراً فكرياً وتجديدياً واجتهادياً أو كان تياراً حركياً في جملته وفي حركته الأساسية والكبرى أحدث إنجازاً وهو الصامد الأول إن لم يكن الوحيد في كثير من الساحات، قل لي يا أخي مَنْ الذي يقاوم في كشمير؟ من الذي يقاوم في الشيشان؟ من الذي يقاوم في العراق؟ من الذي يقاوم في فلسطين؟ من الذي يقاوم في البوسنة؟ في كل بؤر التوتُّر في العالم الإسلامي من الذي يتصدَّى فكرياً وحركياً لهذه التحديات التي تواجه الأمة؟

أنا أقول التيار الإسلامي هو درع الأمة في مواجهة الأزمات، ونحن نشهد الآن في ما.. ما يعني بؤر التوتُّر من الذي له حضور، ومن الذي له جماهيرية؟ أضرب مثلاً وحيداً (شارون) جاء ليخمد الانتفاضة. وإدَّى وعود مائة يوم، النهارده في الدورة الثانية من حكمه ولم يصنع شيئاً، و(كولن باول) لما هدَّد بقوات أميركية تحارب حماس معنى ذلك أن المعادلة انقلبت، أميركا كانت تستخدم إسرائيل للقيام بمهام بدلاً من الجنود الأميركان، عندما تعجز إسرائيل أمام حماس وأميركا تهدِّد بقوات لمحاربة حماس أنا أقول هذا إنجاز، وبالتالي لابد أن نرى النصف المملوء من الكوب ولا نقف فقط عند النتوءات والشذوذ الذي تُسلَّط عليه أضواء الإعلام كما لو كان هو الظاهرة الإسلامية، هؤلاء الذين يُقولبون الأمور، والذين وصفتهم في بداية البرنامج بأنهم يقفون ببلادة أمام ظواهر النصوص وهم متحجِّرون، لكن أنا أتصور أن الحالة الإسلامية فعلاً فيها يقظة وفيها صمود رغم التحديات التي تواجهها.

أسباب غياب الجدول الزمني لتحقيق المشروع الإسلامي

ماهر عبد الله: لكن يعني فيما.. فيما تفضلت ومع.. مع تقديري الكبير لما تفضلت به، يعني فيه مَعْلَمَين بارزين في.. فيما تحدثت خصوصاً عندما تحدثت عن الإنجازات وذكرت المقاومة على وجه التحديد، المعلَم الأول أن أغلب ما تفضلت به تم إنجازه على صيغة ردة فعل، المقاومة هي بطبعها ردة فعل على واقع يجب رفضه ويجب تغييره، المعلَم الأخطر منه لعله هو إنه كل المشاريع الإسلامية على مختلف الخلفيات التي ينتمي إليها أصحاب المشروع الإسلامي بكل تفريعاتهم بكل ألوان الطيف التي ينتمي إليها، يغيب عنها الجدول الزمني، هي في علم الإدارة اليوم وفي علم السياسة لا يُقبل من أحد، ولا يمكن أن يُعقل لأحد أن يخطِّط وأن يفكر بالإنجاز دون أن يضع جدولاً زمنياً يمكن أن يحاسب على أساس منه، الجدول الزمني يبدو غائباً عن كل المشاريع الإسلامية.. عن كل الحركات الإسلامية، لا نعرف أحداً يقول أنه بعد عقد.. بعد عقدين، دائماً نتحدث نحن عن عبقرية الحركة الصهيونية.. الحركة الصهيونية وضعت لنفسها نصف قرن من الزمان لإقامة الدولة، ما.. ما بين الثورة البلشفية في.. في الاتحاد السوفيتي السابق وما بين البيان الشيوعي كانت أيضاً فترة محدودة، لماذا يغيب هذا الجدول الزمني عن المشروع الإسلامي بمختلف تياراته وألوانه؟

د. محمد عمارة: أنا أولاً بالنسبة لردود الفعل أنا لي وجهة نظر الحقيقة، يعني التيار الإسلامي تيار فاعل، وعنده رؤية سواء كما قلت تيار فكري أو تيار حركي، لكن هذا التيار يواجه بفعل.. يواجه بحصار، يواجه بمحاولات خنق، هل رد الفعل الإسلامي تجاه هذه المحاولات يعتبر عامل سلبي؟ أبداً، يعني أنا أقول: أنا لست ضد أن يكون لدينا ردود أفعال، هي المشكلة ما هي نوعية ردود الأفعال؟ هل هي ردود انهزامية أو محاولات تصحيح ومحاولات حشد وتجميع للطاقات؟ يعني الشيخ البنا – عليه رحمة الله- عندما قال: مصر إسلامية تطرب للإسلام، تغضب للإسلام، مساجدها إسلامية، مآذنها إسلامية، أسماؤها إسلامية، لكن القضية نريد أن نُنَقي واقعنا ومشروعنا وفكرنا وعقلنا من الشوائب التي جاء بها الغرب والوضعية الغربية والمادية الغربية إلى هذه البلاد، طيب ماذا حدث؟ وُوجه هذا المشروع.. المشروع النهضوي بهذا الذي وُوجه به من سجون ومعتقلات و.. و.. إلى آخره، ردود الأفعال عندما تكون ردود أفعال غاضبة متعجلة عنيفة، نقول: هذا رد فعل خاطئ، إنما عندما تكون ردود الأفعال صمود هذا شيء مطلوب، أنا لست ضد رد الفعل بشكل مطلق..
ماهر عبد الله [مقاطعاً]: هو الأزمة، سيدي لو سمحت لي بالمقاطعة، الأزمة ليست في رد الفعل بحد ذاته، رد الفعل في بعض الأحيان مطلوب وقد يكون فطري وعفوي ويضطر إليه الإنسان اضطراراً، لأن المشكلة ليست هنا، المشكلة أن يكون الطابع العام للطرح مبني على ردة الفعل ولا شيء غير ردة الفعل، يعني واحدة من المقولات المشهورة للأستاذ فهمي هويدي أنه الذي يتحدث مع الإسلاميين يعرف بوضوح تام وبتفصيل ممل ما لا يريدون، ما الذي يريدون تقويضه؟ ما الذي يريدون تغييره؟ لكن الإنسان يجد صعوبة في أن يعرف ما الذي يريدون تحقيقه؟

د. محمد عمارة: هو هذه النقطة أنا يعني كان في الذهن أن آتي إليها.

أولاً: أنت تفضلت بالسؤال عن الجدول الزمني، طيب وضربت مثل بالحركة الصهيونية، الجدول الزمني هذا يأتي في البرامج، إحنا عندنا فارق بين المشروع الحضاري اللي هو معالم نهضة، يعني ما هو الموقف من قضية المرأة؟ ما هو الموقف من قضية الثروة والأموال؟ ما هو الموقف في العلاقات الدولية؟ يعني معالم للنهضة، وتأتي بعد معالم المشروع الحضاري بدرجة أكثر تفصيلاً هي السياسات العامة، ويأتي بعد السياسات العامة درجة أكثر تفصيلاً هي البرامج، أنا أقول الحركات الإسلامية وعندما أتكلم عن الحركات الإسلامية أتكلم عن الحركات الوسطية المعتدلة وليس عن تيار الجمود والتقليد وليس عن فصيل الغضب والاحتياج[الاحتجاج]، لديها رؤى، لكن المشكل أنها لا.. ليست في وضع الحركة الصهيونية، الحركة الصهيونية حركة كان معها الحضارة المهيمنة، بل كانت قفازاً للحضارة المهيمنة شريكاً أصغر في المشروع الإمبريالي يعني أنت متصوِّر إن الـ 15 مليون يهودي أو الـ 13 مليون يهودي دُول يعني كُلَّك.. يعني قادرين على إنهم يصنعوا هذا الذي صنعوا.. هؤلاء أدوات في مشروع غربي، بل إن المشروع الغربي كان يكره اليهود كراهية عنصرية وأراد استخدامهم في مواجهة اليقظة العربية والإسلامية، إذن الحركة الصهيونية كان لها وضع، أما حال الحركة الإسلامية والمد الإسلامي، فهذا شيء مختلف نحن نشهد المأساة، الحركة الإسلامية محرومة من الوجود، يعني مجرد أن تكون موجوداً في الساحة لتخطِّط، لتقرر، لتعلن، لتدرس، لتبحث، يبقى عندك برامج و.. و.. وإلى آخره، كل هذا ده لما واحد بيضبط معه كتاب بيخش السجن...

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طيب سيدي.. سيدي، اسمح لي بالمقاطعة مرة أخرى.. اسمح لي سؤال المقاطعة مرة أخرى أنا أسألك.. أسألك سؤال تجيبني عليه بعد الفاصل، لأنه مضطرين للانتقال إلى.. إلى فاصل آخر، لماذا كل هذا الذي يجري؟ لماذا هذا المنع؟ لماذا هذا التضييق؟ لماذا تستثنى الحركات الإسلامية بهذا التضييق؟ لكن أرجو أن.. أن تجيبني عليه بعد الفاصل.

[فاصل إعلاني]

أسباب توتر العلاقات بين الأنظمة والحركات الإسلامية

ماهر عبد الله: سيدي، في.. في أكثر من.. في موضع من.. في هذا النقاش ذكرت التضييق، ذكرت يعني هناك ألا ترى معي إنه هناك نوع من المبالغة في قضية هذا التضييق يعني ونحن نتحدث عن.. عن وطن مترامي الأطراف نحن نتحدث عن مجموعة أقطار يتجاوز عددها يعني يقترب من الخمسين في منظمة المؤتمر الإسلامي، لماذا هذا الطابع العام في علاقة الأنظمة والدول والنخب السياسية غير الإسلامية مع الإسلاميين؟

د. محمد عمارة: يعني أنا دعني أضرب لك أمثلة واقعية للتوضيح، لماذا هذا الاضطهاد وهذا المنع وهذا الحظر وهذه المعاملة الشاذة التي يُختص بها التيار الإسلامي، يعني السلطة الاستعمارية أو الحركات المتغرِّبة أو الهيمنة الغربية عندما تتعامل مع تيارات علمانية هي في جوهرها بأشكال متفاوتة ومراتب متفاوتة امتدادات للمشروع الغربي، هذا هو.. هذا لها موقف من هذا، لكن عندما تتعامل مع التيار الإسلامي أو تنظر إلى التيار الإسلامي الذي يريد نهضة أمة، إعادة هذه الأمة مرة أخرى إلى مكانها الطبيعي على خريطة العالم، هذه أمة عاشت لأكثر من عشرة قرون العالم الأول بالإسلام بالحل الإسلامي، هنا الإسلاميون فكر.. مفكرون وحركيون يريدون إعادة الأمة أي تحرير اقتصاديات الأمة ثروات الأمة، أرض الأمة، أوطان الأمة من فم الأسد الغربي، أنت أمام مشروع جذري للتغيير، أما الحركات الأخرى أو التيارات الأخرى فهي تطمع في شيء من الفتات في اقتسام الكعكة، أضرب مثل الثاني الآن حماس التي تقول كل فلسطين وقف إسلامي لا يجوز التفريط في حبة رمل منها، بينما هناك آخرون يعني يريدون شيء من الحكم الذاتي تسميه دولة، شيء من البلديات، شيء من المعازل زي اللي كان موجود في جنوب إفريقيا، ويقنعون بهذا الفتات، وأنا أقول لك إنه الحركة الصهيونية منذ سنوات قالت إنه فيه أهمية لحركة وطنية يمكن أن تمضي حلول جزئية وتنقل الصراع من صراع عربي صهيوني إلى صراع إسرائيلي فلسطيني، يعني أنا أقول الحركات الوطنية، وطبعاً أنا بأتكلم عن الوطنية، الوطنية جزء من الإسلام والقومية جزء من الإسلام، والصيغة الإسلامية تجمع بين الوطنية والقومية والإسلامية، لكن أنا أقول هناك من يقنع بالفتات، موقف الاستعمار منه مختلف، أما الذين يريدون حلاً جذرياً فنحن نرى هم الذين الاضطهاد يعني قاسم مشترك بالنسبة لهم، انظر المشانق من الذي صعد للمشانق في خلال السبعين سنة أو القرن العشرين؟ الإسلاميون. من هم أكثر الناس يعني حضوراً في السجون والمعتقلات والتعذيب؟ الإسلاميون، يعني التعايش بين المشروع الغربي والهيمنة الغربية وبين المشروع الإسلامي هذا لون من المستحيل، وهنا اختُصَّ التيار الإسلامي بهذا القدر من التضحيَّات الابتلاءات والاضطهادات.

ماهر عبد الله: بس هذا .. هذا الكلام يا سيدي يعني سيفتح الباب على مصراعيه للتشكيك بكل ما جرى الحديث عنه في العقد الأخير على الأقل وارتفع الصوت أكثر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عن حوار الحضارات إذا كانت المسألة مسألة استحالة، بس أرجو أن.. أن تفكر لي بالإجابة على هذا السؤال بعد ما نستمع للأخ عادل عبد الله من.. من هولندا معنا على الخط من.. من فترة، وأعتذر له وللإخوة الآخرين، نسمع من الأخ عادل عبد الله أولاً من هولندا، اتفضل أخ عادل.

عادل عبد الله: مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور.

عادل عبد الله: يعني إحنا كنا.. يعني لو بصينا في.. في الدول الأوروبية، الدول الأوروبية ما نجحتش إلا لما فصلت الدين عن الدولة، يعني لو جينا نبص للدول الإسلامية جمعاء لا فيه حرية، ولا ديمقراطية، ولا حقوق إنسان، ولا.. ولا صناعة، ولا تجارة، ولا رياضة ولا أي شيء خالص، وأوروبا لم تنجح -واخد بالك- في.. في الفكر بتاعها إلا لما فصلوا الدين عن الدولة، وهي دي مشكلتنا، ولو قعدنا نناقش المشاكل دي سنين لقدام برضو هو ده حل موضوعنا حل لكل مشاكلنا، فصل الدين عن الدولة.

ماهر عبد الله: طيب يا أخ عادل تسمح لي بسؤال، أخ عادل.. تسمح لي بسؤال لو سمحت؟

عادل عبد الله: اتفضل.

ماهر عبد الله: هل تعتقد إنه الأنظمة العربية الحاكمة اليوم لاسيما يعني تلك التي تجاهر بعلمانيتها وتفاخر بها، هل تخلط بين الدين والدولة أليس الأمر واقعاً في أكثر من.. من بلد دون أن يعني تضطرني لذكر أسماء معينة، هل خرجت من كبوتها هذه الدول التي فصلت الدين عن الدولة؟

عادل عبد الله: حتى.. حتى لو.. لو.. لو الرؤساء العرب لكن.. بيَّدعوا ذلك، لكن فيه وراهم ناس ثانية، ناس ثانية هي اللي بتحركهم ناس.. ناس الدين، الرئيس ما بيحكمش لوحده، الرئيس عنده حواليه حاشية كبيرة..

ماهر عبد الله: أنت هيك هتضطرني أذكر أسماء وأنا مش عايز أذكر أسماء يعني فيه دول استأصلت كل وجود إسلامي، فيه دول تتبَّنى سياسات تسميها جهاراً نهاراً سياسة تجفيف المنابع، لا تكتب في هويتها أي.. أي إشارة إلى.. إلى الدين...

عادل عبد الله: ولكن.. ولكن الدول دي (..).

ماهر عبد الله: لا تعترف بمحاكم شرعية، لا تقيم وحرَّمت الكثير من الحلال وأحلت الكثير من.. من الحرام بحجة علمنة الدولة ومع ذلك لا يختلف وضعها التنموي ولا النهضوي عن غيرها؟

عادل عبد الله: أيوه، بس ده مش هيتم في.. في يوم وليلة، يعني بالنسبة للمغرب أو للبنان أو لبعض الدول وهم للأسف قليلين جداً ده مش هيظهر بين يوم وليلة، ولكني واثق إن الدول ديت لو اتبعت هذا الأسلوب اللي اتبعته أوروبا في فصلها للدين عن الدولة..

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: سيدي، فيه.. فيه دولة تبنت هذا الخط من.. من عام 1965، يعني نتحدث نحن الآن عن قرابة الخمسين سنة، لكن خليني أسمع من الأخ سالم عبد الله من.. من بريطانيا. أخ سالم، تفضل.

سالم عبد الله: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

سالم عبد الله: أريد بدي أفصل بين نزول الشريعة وتطبيق الشريعة، بمجرد نزول الحكم يصبح تنفيذ الحكم الشرعي فوري، ونحن كمسلمين مكلفون بالإسلام كله، ويجب أن يكون هذا التطبيق فوري، لأن الشريعة تم نزولها ونزل قوله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فالرسول –صلوات الله عليه وسلم- استلم الحكم ببيعة الأنصار، ومشرَّف في باكستان بتليفون صعد إلى الحكم على أعتاب رئيس الوزراء السابق، وهكذا كل حكام اللي صعدوا للحكم جاءوا وطبَّقوا ما أرادوه فوراً، فلماذا الدكتور حسب.. اللي يعتبرها سنة إلهية هي قضية التدرج يريد أن يطبِّقها فقط في الإسلام؟ كأمة.. كأمة إسلامية يجب تطبيق الإسلام كاملاً، الأخ اعتبر سلاسل ذهبية أمثال الكواكبي وأمثال محمد عبده وهؤلاء دعاة للعلمانية دعاة لتطبيق لأفكار الغرب المصيبة أنه يريد أن ينهض الأمة الإسلامية بأفكار الغرب، الأخ الدكتور يقول: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" يستدل بها على.. الحرية في زمن عمر، مع أن عمر –رضوان الله عليه- لا يعرف الحرية الفكرية ولا يعرف الحرية الشخصية الموجودة في أوروبا، المقصود متى ولدتهم أمهاتهم أحراراً هو ضد الرق، أنهم لم يكونوا أرقاء، فهل نريد النهضة بأفكار الغرب، وأنا أقول للأخ اللي اتصل أخيراً فصل الإسلام عن الحياة تم تطبيقه من يوم ما إجا مصطفى كمال أتاتورك على أعتاب الدولة العثمانية، فنحن أكثر من مائة سنة يُطبَّق.. حوالي مائة سنة يطُبَّق علينا فكرة فصل الدين عن الحياة، تطبيق حرفي، وهذا ما.. ما وصلت له الأمة الإسلامية.

يجب أن نفرق بين الإسلام وبقية الديانات الأخرى، الديانات الأخرى لا تملك نظاماً للحياة، ليس فيها تشريعات، النصرانية واليهودية يمنعون.. يمنعون (تجسيد) الدين، أما الإسلام فهو شريعة منبثقة عن عقيدة الإسلام ويجب تطبيقه في كل مرفق من مرافق الحياة، وهذه الفكرة التي ينادي بها دعاة الغرب بحمد الله تعالى زالت، المصيبة الآن الذي.. التي يكون فيها حل للمسلمين هو أن ينوجد شخص مثل مشرَّف، لكن بدل ما أن يطبِّق الكفر أن يعمل على تطبيق الإسلام، وهذا الذي يؤدي إلى تطبيق الإسلام تطبيق فوري، أما أن يكون..

ماهر عبد الله: طيب أخ.. أخ سالم.. أخ سالم أعتقد نقطتك الآن واضحة، وإن شاء الله تسمع من الدكتور عمارة تعليق عليها، نسمع من الأخ مرتضى محيي الدين من الدوحة، ومعذرة على التأخر عليك يا أخ مرتضى، اتفضل.

مرتضى محيي الدين: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

مرتضى محيي الدين: الحقيقة مما يثير الدهشة بل الغضب والحنق عندما يسمع المرء بعض رموز الحركة الإسلامية مثل الدكتور محمد عمارة والشيخ القرضاوي يتحدثون عن حرص الحركة الإسلامية على الحرية في حين أننا نرى شواهد واضحة، لم نر حرصهم إطلاقاًَ على هذه الحرية التي يدَّعون التباكي عليها، أمامنا مثال السودان قام الشعب السوداني بانتفاضة عظيمة ضحَّى فيها بالكثير للتخلص من نظام جعفر النميري الديكتاتوري، واستعاد ديمقراطية بلهفة، وما أن مضت أربع سنوات حتى تآمر الترابي وعمر البشير وانقضوا على الديمقراطية في السودان، ولم يكن في السودان فساد، كان يحكمه.. يحكمه أحزاب ذات جذور إسلامية وكان نظاماً ديمقراطياً حقيقياً، وجاء البشير والترابي وأذاقوا الشعب السوداني الهوان والذل، قتلوا عشرات، وسجنوا الآلاف، وفصلوا من العمل مئات الآلاف، وفتحوا بيوت التعذيب، وعملوا كل البشاعات ولم نسمع صوتاً واحداً من أمثال الدكتور أو الشيخ القرضاوي يقولوا لهم: كفوا عما أنتم فاعلون، بل نرى مثل الشيخ الزنداني وغيره يذهبون إلى السودان ويشيدون بتلك التجربة القبيحة التي أذاقت السودان الهوان، وأذاقت الشعب السوداني المرّ في كل مناحي الحياة...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب أخ.. أخ مرتضى يعني نقطتك واضحة، وأن أعتقد الدكتور سامعها، -وإن شاء الله –تسمع التعليق عليها أيضاً، نسمع من الأخ عبد السلام من المغرب، أخ عبد السلام تفضل.

عبد السلام المريدي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: سلام ورحمة الله.

عبد السلام المريدي: أحييك وأحيي ضيوفك أستاذ.. أستاذ ماهر، وبعدين أقول لك إن المستورد اللي هو العلماني الطرح العلماني والطرح الاشتراكي هو برعاية أجنبية يعني كالمستورد، المستورد من (كوكاكولا) أو من.. من (ماكدونالدز) هو له رعاة، رعاة يراعوه، يرعوه في.. في.. في الأماكن يعني تسويقياً هم يسوقوا لمنتجهم، يسوقوه ويدعموه تسويقاً وإشهاراً، ويدعموه دعماً كبيراً، والطرح الإسلامي بما أنه هو طرح محلي فهو ليس له من يدعمه، وهو من رحم.. رحم محلي، وهذا الرحم ليس له، فالاشتراكية دعمها الاتحاد السوفيتي، والرأسمالية يدعمها الغرب، وهذا.. هذا هو اللي صار فيه مشاكل في الطرح الإسلامي، لأن الإسلام ما.. ما.. ليس الطرح الإسلامي ليس له مدَعِّم لأنه محلي، وليس له دعم، فوضع له.. له من.. من.. من الأعداء كثير، وبما أننا نحن الآن نأخذ المستورد والمدعم إشهارياً هذا.. هذا هو طرحي، وشكراً لكم.

ماهر عبد الله: طيب مشكور جداً أخ عبد السلام، أخ عبد السلام، سيدي كان يعني في اتفاق مع جزء كثير كبير مما تفضلت به، بس نسمع منك تعليق بس على كلام الأخ مرتضى، كونك أعليت من راية الحرية، وهو اعتبر أن يعني موقفك منها مزعوم أكثر منه حقيقي، واستشهد بالموقف من النموذج السوداني، تعليقك على كلام الأخ مرتضى.

د. محمد عمارة: يعني أنا هأعلق على عدد من كلام الإخوة الذين تداخلوا، طبعاً موضوع.

ماهر عبد الله: لا.. لا سنعلق عليهم واحداً واحداً، بس الأخ مرتضى كان يعني يتحدث كما قال بحنق وغضب.

د. محمد عمارة: طيب.. ناخد.. ناخد.. ناخد موضوع السودان، أنا.. أنا أولاً ضد أي انقلاب عسكري تقوم به أي جماعة إسلامية أو غير إسلامية، يعني كون إنه الشيخ الترابي وهو يعني نُجِلِّه ونُقدره يلجأ إلى الانقلابات العسكرية وفيه كلام كثير يقال إنه كان هناك محاولة انقلابية أخرى، ودي عاجلت المحاولات الأخرى، لكن أنا أقول من ناحية المبدأ اللجوء إلى الانقلابات العسكرية هذا خروج على منهاج التغيير الإسلامي الذي يعتمد الدعوة والتربية وتهيئة المناخ للمشروع الإسلامي، هذه واحدة.

الأمر الثاني: أن مأساة التجربة السودانية، التجربة الإسلامية في السودان أن السودان بلد هش من ناحية وحدة الشعب، من ناحية وحدة الدولة، من ناحية المشكلات الداخلية والجنوب، ومن ناحية دول الجوار، بلد بهذه الهشاشة تأتي قيادة إسلامية تحمله مسؤولية مشروع حضاري إسلامي عالمي، هذا خطأ فادح، إنه إنسان يحمِّل شعبه أكثر مما يطيق، دولته أكثر مما تطيق، حركته أكثر مما تطيق ولذلك أنا أقول: هذا أدى إلى استعداء الجيران أكثر مما يجب، استعداء الآخر أكثر مما يجب، يعني هذه مناقشة تجربة السودان.

وبالنسبة لموضوع الحرية أنا أقول للأخ: أنا ويمكن كان معانا الدكتور سليم العوا وآخرين في الجزائر في بدايات الانقلاب بتاع الإنقاذ عندما قبضوا على بعض الضباط وأعدموهم، قلنا كلاماً واضحاً معادياً لهذا السلوك للدكتور حسن الترابي وكان معنا في الجزائر، وهذا كلام يعني كثير من الكلام المفروض يقال كي يسجل للتاريخ، يعني أنا أقول موقفنا من الحرية موقف شديد الوضوح، ونحن لا نجامل أحداً حتى ولو كان يلبس أكبر عمائم الدنيا، هذا فيما يتعلق بموضوع.

ماهر عبد الله: طيب سؤال.. سؤال الأخ عادل كان عن أن سرَّ نجاح أوروبا، سر تقدم أوروبا والنهضة التي حصلت والوصول إلى الحرية كان أنها تمكنت من فصل الدين عن الدولة، هل تعتقد أن هذه الوصفة هي التي ستكون الأكثر مناسبة في حالنا؟

د. محمد عمارة: يعني أنا أقول للأخ الكريم، أوروبا عندما فصلت الدين عن الدولة كان لها ظروف لا علاقة لها بنا، ولا علاقة لنا بها، دولة كهنوتية كنسية جمَّدت الدنيا وقدَّست الدنيا، وجمَّدت المتغيرات وأدخلت أوروبا في عصورها المظلمة، هذا حكومة المشايخ أو حكومة الفقهاء، هذا لم تعرفه حضارتنا هذه واحدة.

الأمر الثاني: فصل الدين عن الدولة في المجتمعات المسيحية هو عودة للأصول، عودة للجذور التي تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، إنما تطبيق هذه الصيغة في مجتمعات إسلامية إسلامها منهاج شامل (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) الله ليس مجرد خالق وإنما له الخلق والأمر (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) مش خلقه وبس مش الإله بتاعنا اللي بنعبده هو الإله الأرسطي اللي حرَّك العالم وترك العالم يتحرك بقواه الذاتية، دي صيغة وهذه صيغة.

الأمر الثاني اللي بيقوله الأخ إنه لو كنا علمانيين وفصلنا الدين عن الدولة كنا تقدمنا، إحنا من 200 سنة كان عندنا (نابليون) وعمر مكرم، العلمانيين أبناء نابليون بيحكمونا من 200 سنة عملوا أيه؟ اللي إحنا فيه، إنما أبناء عمر مكرم أبناء الإسلام تكلمنا عن حالتهم بيُواجَهوا كيف يواجهون في هذا؟ إذن أنا أقول -إضافة إلى ما قاله أخي ماهر- إنه فيه دول مش بس أعلنت العلمانية، دا يعني جابت الأحوال الشخصية بتاعة سويسرا اللي مرسوم الصليب على العلم بتاعها زي ما عمل أتاتورك، ومع ذلك لم تؤدِّ إلى هذا، ثم أوروبا العلمانية الآن بعد كل هذه العلمانية والعلمانية المتوحشة، في فرنسا يجي (جيسكار دي ستان) يقول تركيا لأ ما تخشش الاتحاد الأوروبي، لأنه أوروبا نادي.. الاتحاد الأوربي نادي مسيحي، آدي العلمانية لجأت للمسيحية أخيراً، وفي الدستور مشروع الدستور الذي يوضع الآن فيه كلام عن إنه يبقى المرجعية للتراث المسيحي، والفاتيكان بيطلب إنه يُنَص على المسيحية وليس فقط التراث المسيحي، يعني أنا أقول حتى تجربة أوروبا مع العلمانية التي قد تكون مقبولة بالنسبة لواقع الدولة الكنسية والكهنوتية والجمود الذي حدث في أوروبا، فالآن يتم التراجع عنها، وكثير من الدراسات الجادة التي كُتِبَتْ عن سوءات الثورة الفرنسية، وعن سوءات العلمانية، أنا نشرت دراسة لقسِّيس وعالم اجتماع ألماني عن "مأزق المسيحية والعلمانية في أوروبا"، إنه العلمانية همشَّت المسيحية، ثم عجزت عن الإجابة على أسئلة الإنسان، فأصبحت أوروبا فراغ، لا هي مسيحية، ولا العلمانية استطاعت أن تحل محل المسيحية، ففُتِحَ الفضاء الأوروبي لمختلف الديانات من عبادة الكواكب والشياطين والعفاريت إلى الدخول في الإسلام، يعني أنا أقول التجربة العلمانية تعاني مأزقاً حاداً، وبالتالي ليست هي النموذج الذي يُرشَّح الآن كي نسير فيه.

ماهر عبد الله: طيب الأخ سالم عبد الله كان سؤاله عن.

د. محمد عمارة: موضوع التدرج.. موضوع التدرج.

ماهر عبد الله: هو حتى قبل.. قبل التدرج هو كان إتهام.. قبل التدرج.. لأنه التدرج فكرة تستحق إنه نتوقف عليها قليلاً عندها، كان تحدث عن أنك تطالب إضافة لمحمد عبده، جمال الدين الأفغاني ممن ذكرت واستشهدت بهم بأنكم عملياً تقدمون طروحات علمانية تريد تحقيق النهضة بأفكار الغرب، وإن رفعتم شعارات إسلامية.

د. محمد عمارة: يعني أنا الحقيقة هذه الفكرة منتشرة لدى قطاع من الشباب الإسلامي مع شديد الأسف، ويمكن أول من وضع هذه التهمة المرحوم محمد حسين في كتابه "الاتجاهات الوطنية في الأدب"، وأنا الحقيقة سألت بعض المقربين منه، مين اللي أوحى له بفكرة أن الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وكل هؤلاء الناس دُول علمانيين ومتغربين؟ فقال لي أحد المقربين منه – عليه رحمة الله- قال لي إنه هو قرأ (مجيد خدُّوري) ودا مستشرق يهودي اتهم هذا الجيل من الرواد بأنهم كفرة وبأنهم ملحدين، أنا عايز ألفت نظر الأخ اللي سأل هذا السؤال، محمد عبده وجمال الدين الأفغاني أول من وضعوا شعار الحل الإسلامي لما قالوا إن الدين هو سبيل الإصلاح، وأنه لا سبيل للإصلاح في الأمة إلا بالإسلام، الطهطاوي لما شاف تسلل بعض قانون نابليون تحدث عن الشريعة.

"وإن بحر الشريعة الغراء لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحياها".

وأن الفقه الإسلامي لم يترك باباً من أبواب المعاملات إلا قدم فيه حلول، وإنه مطلوب تقنين الفقه الإسلامي هذه أنا أحكم على هذا الجيل بنصوص هذا الجيل، بالمشاريع الفكرية التي قدَّمها هذا الجيل، أنا قرأت كلاماً قريب من اللي طرحه الأخ، كلام يرثى له، عندما كتب بعض الناس الذين يُسمُّون أنفسهم القطبيين، قالوا ليس في التراث القديم إلا ابن تيمية وابن القيم، وليس في التراث الحديث إلا المودودي وسيد قطب، هذا إعلان إفلاسٍ للإسلام، إذا كانت الأمة والحضارة الإسلامية لم تنجب قديماً إلا اثنين، ولم تنجب حديثاً إلا اثنين، هذا إعلان لإفلاس الإسلام، هذا الشباب المخلص يأخذ رموز الإسلام يضعها في سلة العلمانيين، بيكبر الكوم العلماني، ويحرم أمتنا من هذا، أنا أدعو الأخ اللي سأل هذا السؤال أن يقرأ الأعمال الكاملة لمحمد عبده، أنا نشرت أعمال الأفغاني كاملة، أعمال محمد عبده كاملة، أعمال الكواكبي كاملة، اقرأ هذا الفكر المصاغ صياغة إسلامية، والذي يتحدث عن نهضة إسلامية، وبعدين احكم على هؤلاء الناس، ولا تحكم عليهم من كلام قرأه واحد قراءة غير دقيقة وغير أمينة، لأنه عيبٌ...

ماهر عبد الله[مقاطعاً]: طيب اسمح لي دكتور نؤجل موضوع التدرج.. تفضل.

د. محمد عمارة: أيوه كما.

ماهر عبد الله: تفضل.

د. محمد عمارة: موضوع التدرج الأخ قال إنه الشريعة مادام نزل الحكم يبقى لازم ننفذه، هذا صحيح.. هذا صحيح، والذين يتحدثون عن وضع الشريعة في الأدراج، والتأجيل لإلغاء هذا الشيء، لكن أنا سأضرب له مثلاً عمر بن عبد العزيز دا خامس الراشدين والمجدد الأول، ابنه بيقول له "يا أبتِ لِمَ لا تُنفذ الأمور والله لا أبالي إذا غلت بي وبك القدور"، ماذا قال.. يعني بيقول له ليه ما بتطبقش مرة واحدة، أنت كان فيه مظالم صنعت في العهود التي سبقتك لِمَ لا تنفذ الأمور مرة واحدة؟ يقول له شوف عمر بن عبد العزيز اللي هو ضمير الأمة، ونموذج لتقوى المسلم يقول له: يا بني لا تعجل يا بني، إني أخاف أن أحمل الناس على الحق دفعة واحدة فيتركوه فتكون فتنة، إنما كل يوم يحيي سُنَّة، وكل يوم يُميت بدعة، يعني هوه ده الفارق بين الذي يتدرج وبين الذي يضع باسم التدرج الأمور كلها في الأدراج.

عمر بن عبد العزيز له كلمة أخرى شديدة العمق، وتستدعي التأمل، يقول: "أنا أحياناً أهُم أن أُخرج للناس أمرا من أمور العدل، فأخاف أن يرفضوه فأُخرج معه أمراً من طمع الدنيا"، لأنه يعني بيغلف العدل والإنجازات والتطبيقات والعودة بأمور يمكن أن تغري الناس يعني بيدي له علاوة علشان يقبل هذا التطبيق للشريعة، يعني أنا أقول الشريعة نزلت بالتدرج وأنت لو شفت الميراث طُبِّق سنة كام من.. من الهجرة، القوانين الجنائية نزلت مادة مادة وطبقت مادة مادة يعني وهذا كلام كتب عنه المودودي، المودودي اللي هو الناس بتتصور إنه هو متشدد، كتب كلاماً نفيساً في موضوع التدرج، ماذا قال المودودي قال: إحنا بنتكلم عن تطبيق الشريعة، طب نشوف الإنجليز قعدوا 200 سنة عشان يغيروا عاداتنا وتقاليدنا وقوانيننا الإسلامية، هل نطمع أن نغير هذا الذي صنعوه بضربة واحدة؟ قال لا، دا أنت علشان تطبق الشريعة لازم أولاً تُكَوِّن القاضي اللي هيحكم بالشريعة، يعني عندك مؤسسات قانونية وحقوقية لازم تعمل فيها تغيير، وتُكِّون المحامي اللي هيترافع بالشريعة، وتُهيِّئ المجتمع الذي يتقبل الشريعة، ولذلك ليه بنقول إن الانقلابات العسكرية دا منهاج خاطئ؟ لأنه بيكون عندك برنامج جميل ومثالي ولا غبار عليه، لكنك لم تهيئ الواقع لتقبُّل هذا، فالقيادة تصبح في السماء، وفيه عوازل بينها وبين الواقع الذي تريد التطبيق فيه، ولذلك أنا أقول فكرة التدرج، وأنا بأقول التدرج شيء والتحجج بالتدرج لتأجيل الشريعة شيء آخر، فكرة التدرج من الأفكار التي تحتاج إلى دراسة في العقل المسلم وفي الحركات الإسلامية، وهي ليست غريبة عن منهاج الإسلام.

ماهر عبد الله: طيب إحنا دكتور.. اسمح لي نسمع من الأخ أحمد محمد من النرويج وأرجوه أن يكون مختصراً كون الوقت بدأ يدركنا، أخ أحمد تفضل.

أحمد محمد: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام.

أحمد محمد: أنا عندي سؤالين لو سمحت، السؤال الأول: لماذا عندما تطالب أميركا الدول الإسلامية بالحرية يكون التركيز كثيراً على حرية المرأة بدرجة أساسية، ويتجاهلون حرية الانتخابات والحريات الأخرى، كحرية التعبير عن الرأي وحرية التفكير؟ والسؤال الثاني ألا يعلل الأستاذ الدكتور محمد عمارة سبب تخلف الدول الإسلامية هو بسبب حرمان شعوب هذه الدول من الحرية؟ وشكراً لكم.

ماهر عبد الله: شكراً يا سيدي، نسمع من الأخ سلطان الماجد من عُمان، أخ سلطان.

سلطان الماجد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام.

سلطان الماجد: عندي سؤال لكن.. لكن الوقت يعني.

ماهر عبد الله: تفضل.

سلطان الماجد: ما معني فض المضامين النصرانية في المصطلحات القرآنية كما جاء في كتاب "الغارة الجديدة على الإسلام"؟

ماهر عبد الله: عيد.. عيد السؤال مرة ثانية.

سلطان الماجد: ما معنى فض.. ما معنى فض المضامين النصرانية في المصطلحات القرآنية؟

ماهر عبد الله: ما.. للأسف مش سامعك صح.

سلطان الماجد: وكذلك المسلم العيسوي.

ماهر عبد الله: ما.. ما..

سلطان الماجد: لأ هذا السؤال للدكتور.

ماهر عبد الله: ما فهمت السؤال بس هأخليك تعيده مرة ثالثة، خليك بس شوية.. شوية الكلمات غابت عني، ما..

د. محمد عمارة: أنا فهمت السؤال.. أنا فهمت السؤال.

ماهر عبد الله: طيب خلاص.. طيب ماشي، طيب تفضل بالإجابة عليه إذن، دكتور عمارة تفضل.

د. محمد عمارة: يعني أجيب على السؤال.. عن السؤال الأولاني اللي هو موضوع المرأة، يعني أولاً يجب أن ندرك جيداً أن أميركا تريد للمرأة أو الغرب بشكل عام يريد للمرأة في العالم الإسلامي أن تصبح على النحو البائس والشديد البؤس الذي هي عليه في العالم الغربي، أنا بالمناسبة كنت أكتب مقدمة لرسالة جامعية أخذها شاب كردي اسمه مثنى من جامعة أم درمان عن الحركات الأنثوية في الغرب، أنا مع أني يعني صورة المرأة في الغرب ليست إيجابية عندي، لكن اطَّلعت على كم من الحقائق والوثائق والصياغات شديدة الغرابة فيما يتعلق بوضع المرأة في الغرب، هل يعلم الذين يتحدثون عن تحرير المرأة على ضوء النموذج الغربي والأميركي إنه أكبر منظمة نسائية في أميركا 60% من عضواتها سحاقيات؟ هل يعلمون أن امرأة سحاقية سويدية هي التي بدأت السيطرة وحركة السحاقيات على لجنة المرأة في الأمم المتحدة، وهي التي تصنع مواثيق (السيداو) ومواثيق السكان وبكين وكل هذه الأمور، وأن أكبر قدر من العنف يمارس ضد المرأة الغربية، وأنه الطفولة غير الشرعية والأسر غير الشرعية والشذوذ، يا أخي دا الاتحاد الأوروبي شرط من شروط دخوله أن يكون الشذوذ الجنسي مباح وحرية، وتركيا الآن ستُعدل قوانينها على هذا الأساس كي تدخل في الاتحاد الأوروبي، هل هذا هو نموذج تحرير المرأة الذي يريدونه لنا؟ لا نحن نريد إنصاف المرأة وتحرير المرأة مع الحفاظ على فطرة التمايز بين الأنوثة والذكورة، هذه واحدة.

النقطة الثانية اللي هي.. ليه عايزين يحرموا العالم الإسلامي من الحرية، لأنه إحنا قلنا الجنرالات الإسرائيليين قالوا الحرية والديمقراطية والانتخابات ستأتي بقوى معادية لإسرائيل ومعادية للهيمنة الغربية، (توماس فريدمان) كتب قال مش معنى الديمقراطية الانتخابات لأ دا إحنا نعمل مجلس للمرأة، مجلس لحقوق الإنسان زي ما بيحصل دلوقتي في كثير من البلاد العربية، فهم أكثر الناس عداءً للديمقراطية والحرية بالنسبة لنا.

الأخ اللي سأل عن المصطلحات اللي أنا كتبتها في كتاب "الغارة الجديدة على الإسلام"، هذا الكتاب دراسة في وثائق مؤتمر (كلورادو) الذي عُقِدَ في أميركا سنة 78 لتنصير كل العالم الإسلامي من داخل الثقافة الإسلامية، إيه بقى؟ إنهم يضعوا المضمون النصراني في المصطلحات القرآنية، يعني يقول لك القرآن بيتكلم عن عيسى إنه كلمة الله، إنه روح الله، يبقى نحط المعنى النصراني للكلمة المعني النصراني للروح في.. في.. في هذا المصطلح القرآني، إنه يبقى فيه مسجد يعني عيسوي يعني اكتشفوا أن الذين يتنصَّرون من العالم الإسلامي يُحتقرون ويُعزلون ولا يكون لهم تأثير، هم يريدون لهم فاعلية، فيقولون مثلاً، نعمل برامج للتنصير في شهر رمضان، يبقى فيه نشاط تنصيري بمناسبة رمضان، إنه مثلاً المسلمين بيسجدوا ويركعوا، مش ضروري إن الكنيسة تبقى بتقعد على الكراسي يعني محاولة للتنصير من داخل الثقافة الإسلامية، من داخل الصيغ الإسلامية، لأنهم قالوا اكتشفوا إنه كل أساليب التنصير على مدى العقود التي فاتت لم تثمر قدر مناسب للجهد الذي بُذِلَ فيه، فمؤتمر كلورادو اللي أنا كتبت عنه كتاب "الغارة الجديدة على الإسلام" هو محاولة لاختراق الثقافة الإسلامية ولتنصير المسلمين من خلال الثقافة الإسلامية، وضع المضامين النصرانية في المصطلحات الإسلامية.

ماهر عبد الله: طيب دكتور، دكتور محمد عمارة شكراً جزيلاً لك، الحديث لا يمكن أن.. أن يُمل وسيبقى مثيراً دائماً ولكن لكل شيء نهاية، لابد أن ننتهي شكراً جزيلاً لك على هذه المشاركة، ونشكركم أنتم أيضاً على متابعتكم، نتمنى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.