مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. عبد الرحيم علي: مدير جامعة أفريقيا العالمية

تاريخ الحلقة:

14/12/2003

- صورة الإسلام في كتابات المستشرقين
- التحول في نظرة دراسات الاستشراق للإسلام

- ضعف دور علماء المسلمين في تحسين صورة الاستشراق عن الإسلام

- أسباب إنشاء أقسام للدراسات العربية والإسلامية في الغرب

- تضاؤل الاهتمام بدراسة الآخر في الجامعات العربية

- حقيقة مساهمة المناهج التعليمية في خلق صورة مشوهة عن الآخر

ماهر عبد الله: سلام من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة)، والتي تأتيكم لهذا اليوم من الخرطوم العاصمة السودانية.

تشهد الخرطوم حركة نشطة هذه الأيام حول الطريقة التي يجب أن يقدم بها الإسلام، شهدت مجموعة من اللقاءات ذات الصبغة الشرعية الصرفة تتحدث أو تحدث بها أعضاء من مجامع فقهية عن الطريقة التي يمكن أن يُعرَّف بها في الإسلام المصطلحات الفقهية التي يمكن أن.. أن تحمل الحساسية، المصطلحات الفقهية التي لابد من التشبث بها والحض عليها.

هذه الأيام نشهد مؤتمراً آخراً عن الحوار مع الغرب في هذا العالم المتغير، السودان بلد على الأقل ارتضى لنفسه أن.. أن يرفع شعار أنه دولة إسلامية في هذا الزمن الذي لا نعرف إذا كان الإسلام هو الذي يُحارَب فيه، أم بعض المسلمين هم الذين يُحارَبون فيه على اعتبار أنهم يمثلون شريحة نزعم ويزعمون ونتمنى أن تكون شريحة أقلية تتحدث عن الغاب وعن العنف كوسيلة وحيدة للتغيير.

تأتيكم هذه الحلقة أيضاً في ظروف لها علاقة بالسودان بعد اعتقال الرئيس العراقي السابق إذا تيقن الخبر، نقطة العراق نقطة تماس كبيرة بين ثقافتين بين حضارتين، هناك من يريد أن يحصرها في أنها سياسية صرفة، تتعلق بزوال ديكتاتور، وهناك من يعتقد أنها جزء من حرب ثقافية وعسكرية واقتصادية بين ثقافتين بين حضارتين، لعل الزمن وحده هو الذي سيعطينا الإجابات الشافية على كل هذه التساؤلات.

أما موضوعنا لهذه الحلقة فهو أحد محاور هذا المؤتمر الذي تحدثت عنه، والذي نظمه مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم بالتعاون مع وزارة الأوقاف السودانية، والذي ضم نخبة من مفكري العالم الإسلامي المهتمين بسواء تقديم صورة جميلة عن الإسلام للمسلمين وغير المسلمين أو للذين يشتركون في حوارات مع غير المسلمين، كان محاولة للاستفادة لا سيما من أولئك الذين اتصلوا بالعالم الغربي لمعرفة ما الذي يريده هذا العالم الغربي على الصعيد المعرفي الصرف، بغض النظر عن.. وعن.. عن الصراع وعن الصدام.

يسعدني أن يكون معي أحد ضيوف هذه الندوة وهذا المؤتمر البروفيسور عبد الرحيم علي، والبرفيسور عبد الرحيم علي هو (المدير الحالي لمعهد الخرطوم الدولي للغة العربية)، كما أنه عمل مديراً لجامعة إفريقيا هنا في السودان، سبق له أن درس في جامعة الخرطوم، وأكمل دراساته العليا في أدنبرة، حيث اتصل عن قرب بمستشرقين طالما اتهمناهم بأنهم ساهموا في صياغة الصورة السلبية عن الإسلام والمسلمين، وكان موضوع دراسته في.. في الدكتوراه عن التراكيب الأدبية في القرآن الكريم، له كتابان على الأقل منشوران، واحد باللغة العربية تحدث عن منهاج النبوة في التغيير الاجتماعي، وكتاب آخر بالإنجليزية عن الحضارة في القرآن، له كتيب صغير مطبوع أيضاً عن اتجاهات الدراسات الإسلامية في اسكتلندا على اعتبار أن اسكتلندا بها كلية أو أكثر من.. من كلية مشهورة بدراستها الإسلامية والشرق أوسطية.

بروفيسور عبد الرحيم علي، أهلاً وسهلاً بك في (الشريعة والحياة) وفي (الجزيرة).

عبد الرحيم علي: تشرفنا أهلاً وسهلاً، السلام عليكم جميعاً.

صورة الإسلام في كتابات المستشرقين

ماهر عبد الله: سيدي، موضوعنا لهذه الحلقة إحنا هيتركز على محور من محاور هذا المؤتمر هو عملياً ما يتعلمه الغربي صغيراً عنا، وما يتعلمه المسلم عن الغربي في مناهجنا، وإن كنا لن نقصر هذا على مناهج التعليم، لكن هي موضع تماس خطير، على اعتبار أنه يُطلَب منا الآن بإلحاح شديد وبلا استثناء لا.. لا.. لم يستثن من ذلك أحد يعني لا دولة ولا حركة ولا حزب سياسي، يجب العمل على تغيير المناهج.

بداية كمقدمة أنت تتلمذت –إذا جاز التعبير- على يد مستشرقين، ولعله يعني من درست عليه.. من أشرف على.. على أطروحتك كان مشهور بموسوعية علمه عن الشرق الأوسط عن الإسلام عن.. عن اللغة العربية، الآن بعد كل هذه السنوات أدرت جامعة، والآن تدير معهد، كيف تقيِّم بعد كل هذا الزمن تلك التجربة، كيف ساهم (مونتجمري وات) أستاذك السابق الذي انتقل إلى.. إلى الرفيق الأعلى..

عبد الرحيم علي: لا، أعتقد ما زال حياً.

ماهر عبد الله: مازال حيا، لكن عجوز.. يجب أن يكون عجوزاً..

عبد الرحيم علي: جداً.. جداً في التسعين.

ماهر عبد الله: إلى أي مدى شعرت أن هذا المستشرق الذي أشرف على العديد من.. من الطلبة، وأنا أعرف بعض من رموز الفكر الإسلامي المعاصر اليوم، هل تعتقد أن هذه الصورة النمطية أن المستشرقين –ونحن نتحدث عن المناهج- ساهموا في غرس هذه الصورة، لأنه ليس كل طلبته كانوا من المسلمين، كان هناك من غير المسلمين.

عبد الرحيم علي: نعم، طبعاً.

ماهر عبد الله: هل أسهم عبر كتاباته.. عبر مشاركاته في الموسوعات البريطانية في تكريس باعتقادك صورة نمطية سلبية، أم إيجابية، أم محايدة عن الإسلام والمسلمين؟

عبد الرحيم علي: والله يجب أن أقول إنصافاً أنه مونتجمري وات ساهم في الجانب الإيجابي من الاستشراق، لكن في حدود، يعني هو من أوائل المستشرقين الذي حاولوا أن يُهذِّبوا لغة الاستشراق، وقال ما يعتبر في البيئة الاستشراقية يعتبر يعني شجاعة منه، من أنه يجب أن نقبل أن النبي محمد.

ماهر عبد الله: صلى الله عليه وسلم.

عبد الرحيم علي: عليه الصلاة والسلام يجب أن نسميه نبياً، فهذا حق له، ويجب أن نقبل أنه لم يكن كاذباً عن عمد، كانت هذه هي الصورة النمطية السائدة في.. في أوساط الاستشراق أن يُكذَّب نبي الإسلام بصورة نمطية، وأن يقال عن القرآن كل الأوصاف القذعة، مونتجمري واضحة وأن يقول أن هذا غير ممكن أو لم يعد مقبولاً على كل حال في.. في البيئة الأكاديمية، لأنه هذا الرجل على أقل تقدير كان صادقاً مع نفسه، وكانت هنالك أشياء كثيرة تدل على أنه كان يصدق، وحاول أن يهذب اللغة، وأعاد كتابة الكثير جداً مما كتبه المستشرقون لكن بلغة يعني يستطيع المسلم أن يبتلعها، صحيح أن كتبه لم تخلُ من تحليلات قائمة على نفس الأساس، نفس القاعدة التي بنى عليها المستشرقون، وهي أنه ليس هذا هو الدين الصحيح، وأنه لا تزال المسيحية هي الدين الأعلى، وأنه ربما كانت هنالك أشياء نفسية أو بيئية جعلت هذا الرجل يعتقد أنه نبي ويتلقى أشياء، وراح يبحث في الأمور النفسية ليجد مدخلاً ليدخل به على هذا النوع من التفسير، على كل حال نحن نعرف له أنه هذَّب اللغة التي كتب بها الاستشراق، لكنه لم يُكرِّس الصورة النمطية، هو كان تلميذ لـ (بيل)، وبيل كتب كتاباً عن القرآن الكريم قال فيه إن القرآن كُتِبَ بطريقة مضطربة، وأنه لا يمكن أن يقرأ، وحاول أن يطبق بعض النظريات المتعلقة بدراسة النصوص في إعادة ترتيب السور في داخلها، ويقول أنه الكتبة أخطأوا فوضعوا هذا النص في هذا الموضع الخطأ، ونقلوه عن موضع آخر، ويبحث عن المواضع الصحيحة لبعض الفقرات من السور، وات قال بعد سنوات طويلة أنه كتاب بيل يعني ظُلِمَ لأنه كتبه بطريقة مستفزة للمسلمين، فلم يُستفد منه، فأعاد كتابته هو، وكتبه بعنوان جديد "Bill’s Introduction to the Quran " حذف منه ما يمكن أن يحذفه، وبسط ما يمكن أن يبسطه، وعرضه على الناس، وفعلاً الكتاب قُرِئَ لأول مرة بعض الشيء، لكن طبعاً النظرية بقيت كما هي، الاعتقاد بأن القرآن وقع فيه حذف ووقع فيه اضطراب في..، وهذا كله في تقديري يأتي من سوء فهم اللغة العربية وأساليبها، لأنه أسلوب اللغة العربية على غير المتمكن جداً يصعب فهمه وخاصة هذه النصوص القديمة.

التحول في نظرة دراسات الاستشراق للإسلام

ماهر عبد الله: هذا طبعاً.. هذا طبعاً مع افتراض حسن الظن.

عبد الرحيم علي: مع افتراض حسن الظن..

ماهر عبد الله: طيب كمدرسة عموماً يعني أنت خصَّصت هذا المستشرق بشيء من هذا المديح والمقبولية والأكاديمية إذا جاز التعبير.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: لكن كمدرسة أنت تعلم إنجلترا كنموذج أو المملكة المتحدة كنموذج فيها العديد من المراجع، يعني لا تكاد تخلو جامعة..

عبد الرحيم علي: نعم، صحيح.

ماهر عبد الله: من مراكز الدراسات العربية والإسلامية والشرق أوسطية.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: أغلب المشرفين عليها هم من غير المسلمين، كمدرسة عامة إذا بتعمل مجموعة من السنوات هل عانت مما عانى منه مونتجمري.. هل انتقلت هذه النقلة التي تتحدث عنها؟

عبد الرحيم علي: النقلة إلى الأفضل تقصد؟

ماهر عبد الله: إلى.. إلى.. إلى الموضوعية الأكثر.

عبد الرحيم علي: إلى الموضوعية أكثر. نعم، أنا أظن أنه هنالك نقلة عامة في الدراسات الإسلامية أو في دراسات الإسلام في الغرب، سواء في أميركا أو في إسبانيا، أنا اطلعت يمكن في الحوار أشير إليها على بحوث جديدة كُتِبَت عن التطور الذي وقع في الكلام عن الإسلام في المناهج الغربية، هذا التطور يشير إلى انتقال إلى شيء من الاعتدال، الموقف لم يتغير، موقف الإنكار، لكن الذي تغير هو الأسلوب الذي يتم به الإنكار، ومعالجة الدين كظاهرة اجتماعية يجب أن تحترم، هذا الموقف الجديد، الاستشراق القديم كانت فيه بذاءة، ومونتجمري نفسه ذكر هذا الكلام إنه لما بدأت ترجمات القرآن كان الدافع لترجمتها هو الخوف في البيئات المسيحية الغربية من الإسلام، وكان هنالك شعور بأن الإسلام يجتاح العالم ويدخل على أوروبا، وأراد المترجمون أن يقولوا للمواطن الأوروبي أنه هذا الدين الذي تخافون منه ليس فيه شيء يعني، هذا الكتاب، فسبُّوا الكتاب وسبُّوا النبي بأنواع التهم، وحاولوا إثبات أنه هذا الكلام لا يساوي شيئاً، فإذن الدوافع نفسها كانت تقضي بالإساءة، وهذا نجد له صدىً الآن في علاقتنا مع الغرب، يعني كثير من المسلمين الآن إذا أرادوا أن يثبتوا أنه الغرب لا يجب أن نخاف منه، وأنه ليس حضارة حتى نبيع أصولنا لها ونفقد شخصيتنا، يبالغون في الإساءة إلى الشخصية الغربية وإلى الحضارة الغربية، هذا حدث مثله في التاريخ من الجانب الآخر.

[فاصل إعلاني]

ضعف دور علماء المسلمين في تحسين صورة الاستشراق عن الإسلام

ماهر عبد الله: موضوع الحلقة والحوار هو عن أثر المناهج في العالم الغربي والعالم الإسلامي حول صورة كل منا عن الآخر، مناهجنا وأثرها في صياغة صورتنا عن الغرب ومناهج الغرب الجامعية والمدرسية وأثرها في صياغة ما نراه من آثار ونمطيات سلبية عن صورة الإسلام في الغرب.

سيدي لعل خطوة أخرى إيجابية يعني تناقض ما.. ما ذكرت، إذا كانت فعلاً هي إيجابية أن كثير من هذه المواقع التي كانت يشغلها في السابق غير مسلمين، خصوصاً مع.. مع كثرة الجماعات المهتمة وكافة المراكز التابعة للجامعات المهتمة بالإسلام والشرق الأوسط والعرب، وهذا كله تحت مسمى الإسلام والغرب في المحصلة النهائية بدأ الكثير من هذه المواقع يُشغَل من قِبَل مسلمين، يعني فقط على سبيل المثال دكتور محمود عبد الحليم.. محمود عبد الحليم في جامعة ساوس المشهورة بهذه الدراسات، لعلك تعرف الدكتور معشوق علي أيضاً في.. في (ويلز)، كثيرة الأسماء العربية التي بدأت تطرق هذه الأبواب، إلى أي مدى وجود هؤلاء المسلمين، وليسوا فقط مسلمين، يعني مسلمين ليسوا على صدام مع الفكرة الإسلامية، هناك مسلمين أشد استشراقاً من المسلمين في بعض الجامعات، ولن.. ولن نخوض في هذا، المسلمين من الذين لا يصطدمون مع الفكرة الإسلامية.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: لا يصطدمون مع المُسلَّمات المتعارف عليها ما يمكن أن يسمى المعلوم من الدين بالضرورة -إذا.. إذا جاز التعبير- إلى أي مدى يساهم وجود هؤلاء أو أمثالهم أيضاً في تحسين هذه الصورة.. في تحسين على الأقل الوضع الأكاديمي؟

عبد الرحيم علي: نعم، أنا نفسي اشتغلت في جامعة أدنبرة لفترة حوالي أربع سنوات أدرس اللغة العربية، وكان إحساسي أنه هنالك ما يمكن أن يستفاد من وجود عربي أو مسلم بدون شك في نقل صورة –على الأقل- حقيقية وفي حل بعض المشكلات التي تواجه الطلبة والإجابة على بعض الأسئلة، لكن بدون شك الاتجاه العام للأقسام لا يتغير بوجود مسلمين فيه.

ماهر عبد الله: كيف؟

عبد الرحيم علي: قصدي أنه هذه الأقسام أهدافها محددة بصورة قاطعة، وهي إلى حد كبير مربوطة بتاريخها، وجود المسلمين والعرب في هذه الأقسام وجود ثانوي، حتى عندما يكون على رأس القسم أستاذ عربي أو مسلم فإن البيئة العامة للجامعة والأهداف المحددة للقسم لا تسمح له بتغييرات كبيرة، على سبيل المثال مراجع الدراسات الإسلامية في الغرب في كثير من الجامعات لا تزال هي المراجع القديمة التي عرفناها (شاخت)، (جولد سيهار)، (نولدك)، (دوكلمان)، بعض المراجع العربية المتخيرة، ولكن طبعاً الطلبة لا يستطيعون الرجوع إليها، لأن اللغة ضعيفة، بعض الترجمات لما كنت في أدنبرة، قلت لهم: لماذا لا نضيف كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق، قالوا هذا يمكن أن يكون قراءة خارجية، لكن في المصادر أو المراجع لا يمكن، يعني..

ماهر عبد الله: هذا باعتقادك هذا هو السبب الحقيقي؟

عبد الرحيم علي: لا أعتقد أنه هذا هو السبب الحقيقي، أعتقد أنه إدوارد سعيد أضاف إضافة قوية جداً لفهم دوافع الاستشراق والعلوة الكبيرة جداً التي صاحبت هذا التيار الأكاديمي في الغرب، يعني طبعاً هنالك أعتقد دعاية مُبالَغ فيها أن الاستشراق هو موضوعية، لكن الموضوعية قليلة جداً في المناهج الاستشراقية، لأنه بداية الاستشراق لم تكن موضوعية، ولكن أنه طبعاً أصبحت مع كثرة الاستشراق واتساع دوائر..

ماهر عبد الله: أيضاً قلت أن وجود العرب لا يؤثر كثيراً لأن هناك.. فيه هناك مقاعد كراسي محددة افتتحتها دول عربية من جامعات عريقة.

عبد الرحيم علي: وأنا لما كنت هناك أقيم مقعد باسم العراق، سموه هو مقعد العراق، ودفعت العراق قيمة كرسي للدراسات العربية في جامعة أدنبرة حتى لا يسقط ذلك الكرسي بذهاب مونتجمري وات لأنه المقعد كان شخصياً كما يقولون في لغة الجامعات يعني، لم يكن مقعداً مستمراً، كان مربوط بشخصية البروفيسور وات، فلما تقاعد هو، طلبوا من الدول العربية أن تُنقذ كرسي الدراسات العربية وإلا فهو سيسقط من جامعة أدنبرة، فدفعت العراق في ذلك الوقت مبلغاً سخياً، ومن فوائد المبلغ حافظوا على هذا المقعد، هذه صحيح موجودة في كثير من الجامعات وزادت أعتقد..

ماهر عبد الله: طب هذه ينسحب عليها مما تفضلت من أنها لا تقدِّم كثيراً على اعتبار أنه هناك..

عبد الرحيم علي: اختيار الأساتذة إذا كانوا على درجة عالية يخضع لكثير جداً من.. من التدقيق و.. والاعتراض، ولا شك أنه بعض الأساتذة الكبار من المسلمين استطاعوا أن (ينزلوا) إلى مواضع مهمة جداً، لكن نهايتكم أيضاً.. نهايتهم أيضاً كانت مزعجة، فاروقي في بنسلفانيا في فلادلفيا في أميركا أصبح له دور في البيئة العلمية ليس فقط في تلك الجامعة وإنما على مستوى الولايات المتحدة، وفاروقي انتهى نهاية مريبة جداً، لأنه أصبح خطراً علمياً.

ماهر عبد الله: لكن.. يعني ماشي، هل.. هل تعتقد إنه اغتياله له علاقة بـ..؟

عبد الرحيم علي: أنا أعتقد أنه فاروقي عرَّض نفسه لكثير جداً من الخطر.

ماهر عبد الله: طيب، أعتقد هذه حادثة سنتحدث عنها.

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: يعني تتحدث سيدي عن المرحوم الفاروقي وكأنه يعني مقتله كان مرتبط بالقضية الأكاديمية أكثر منه مرتبطاً بأي جوانب سياسية.

عبد الرحيم علي: المعركة الحقيقة بين.. بين ما يمكن أن يسمى باللوبي الصهيوني وبين الحضارة العربية الإسلامية في.. خاصة في الولايات المتحدة ليست على مستوى سياسي فقط، وإنما هي الآن على مستوى حضاري والجامعات هي إحدى مسارحها، وفي.. قرأت أخيراً أنه وقعت يعني تهديدات لبعض الأساتذة من غير المسلمين الذين يحاولون أن يكونوا منصفين ويخرجوا عن النمط التقليدي في تأييد إسرائيل في كتاباتهم، وقامت حركة أخرى معارضة لهذه التهديدات وأخذوا توقيعات عدد كبير جداً من الأساتذة، مما يدل على أن هنالك يعني عمل تآمري في هذا الموضوع، وأصبح هنالك الصراع بين.. جامعة كاليفورنيا لما أرادت –بناء على هذه الدراسة- لما أرادت بعد أحداث سبتمبر أن تكتب مؤلفاً موضوعياً عن القرآن، حتى تضمن أنه هنالك تعريف بهذا الدين الغريب الذي وقعت منه هذه الحوادث قامت معارضة كبيرة جداً، وهذه القضية تصعَّدت إلى المحكمة، والمحكمة حكمت لصالح الجامعة، وكُتب الكتاب وبدأ يُدرس لآلاف الطلبة، قصدي أن أقول إنه هنالك معركة بدون شك حول الدراسات هل تكون موضوعية وتتجه نحو الموضوعية والإنصاف، أو تبقى متحيزة ومملوكة ومحتكرة لجهات محددة.

ماهر عبد الله: لا هو يعني بعض حتى المناوئين للقضايا العربية والإسلامية في أميركا -كونك ذكرت الولايات المتحدة تحديداً- يعني عملوا مواقع على الإنترنت يُدرجون فيها قوائم بأسماء لاسيما الدكاترة والمتخصصين والباحثين العرب المتهمين في العادة بمعادة السامية..

عبد الرحيم علي: نعم.. نعم.. نعم..

أسباب إنشاء أقسام للدراسات العربية والإسلامية في الغرب

ماهر عبد الله: طيب، هذا فيما يتعلق بالدراسات العليا، لكن إلى أي مدى هذه المراكز، لماذا أولاً تفتح هذه الجامعات هذه المقاعد وهذه الأقسام للداسات العربية والإسلامية؟

عبد الرحيم علي: تاريخياً أعتقد أنه كان هنالك رغبة في معرفة الآخر، وكانت معرفة الآخر مربوطة بالشعور بأن الرجل الأبيض يسود، أن العالم هو ملك للحضارة الأوروبية.. الحضارة المادية المعاصرة، وبناء على ذلك فالعالم قُسِّم ودُرس على أسس.. على أسس يعني ليست فقط اقتصادية ولا جغرافية وإنما أيضاً على أسس سكانية أنثروبولوجية، سيسيولوجية لفهم القبائل وفهم الجماعات ولتسهيل السيطرة عليها، فهذا بعض ما استطاع إدوارد سعيد أن يقوله في كتابه عن الاستشراق، يعني الدوافع التي حدت بكثيرين، لكن هنالك كان أيضاً تيار آخر من الاستشراق أسبابه دينية وليست استعمارية، هذا التيار الآخر ذكرته في بداية الكلام، وهو محاولة أن.. أن يقال إن الدين الإسلامي هذا دين لا يجب أن.. أن يُحترم، هذا دين كتابه مضطرب، نبيه نفسياً – ما أدري- كثير جداً من الألفاظ التي ذكرتها..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لعلنا نتحدث الآن عن المراكز الموجودة الآن، نحن نتحدث عن القرن الحادي والعشرين، نتحدث عن عواصم أوروبية تُفاخِر بثقافتها، تُفاخِر بانفتاحها، تُفاخِر بأكاديميتها، ما هو المبرر.. يعني ما هو الهدف الآن من وجودها، خصوصاً أنها تنتشر، في.. في العقد الأخير يمكن ما فتح من مراكز في جامعات الغرب يعادل ما فُتح ربما في قرن سبق..

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: لماذا.. لماذا هذا الإقبال الشديد من هذه الجامعات وبعضها جامعات محترمة على فتح هذه المراكز؟

عبد الرحيم علي: طبعاً فيه تطور كبير حصل، وهذا التطور تضمَّن عدة جوانب، لكن أنا أذكر جانبين، الجانب الأول: أنه بعد اكتشاف البترول والثروة في العالم العربي اكتسب العالم العربي أهمية إضافية، يعني لم يعد العالم العربي ذلك العالم المتخلف الذي لا يهم كثيراً إلا من ناحية أنثروبولوجية ولذلك وقع اهتمام باللغة العربية وبالدين والعادات العربية والتي تسود في المنطقة الإسلامية، ولما حدثت الثورة الإيرانية أيضاً ثارت ثورة اهتمام جديدة بالإسلام عموماً وبالعالم الإسلامي، لأنه كان حدث.. كانت حدثاً ضخماً بدون شك في أواخر السبعينات، فهذه أضافت إلى حيوية هذه الأقسام، وبعض المشتغلين بالدراسات الإسلامية أو الشرق أوسطية أو الشرقية من الغربيين استفادوا من هذا المناخ، وروَّجوا لهذه البضاعة، وقالوا هذا شيء لا يسعكم أن تُغفلوه، يجب أن تدرسوه، وكانت فيه حيوية لهم يعني، وأنا أذكر أنه في تلك الفترة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات انتشرت جداً أقسام الدراسات الإسلامية والعربية.

شيء آخر الذي وعدت بأن أذكره، هو أنه ازداد عدد الطلبة العرب والمسلمين الذين يدرسون في الغرب وأصبحوا جزءًا من الدخل السياحي أو الخدمي المعتبر، وكثير من الجامعات أصبحت تعتمد في حيويتها واستمرارها وتطورها على الطلبة الأجانب، وجزء كبير جداً منهم من العالم الإسلامي من ماليزيا، كان فيه عدد كبير جداً من إيران، من العالم العربي كله، خاصة الخليج وكانوا يدفعون بسخاء، يعني تتصور أنه كلية الطب في بعض الجامعات بصرف النظر عما يصرفه الطالب على نفسه في المعاش وفي السكن والسفر، كانت تأخذ منه ما يعادل 25 إلى 30 ألف جنيه إسترليني في العام، وبعض الكليات الأدبية التي لا تنفق كثيراً على الطالب كانت لا تقل عن سبعة آلاف جنيه استرليني اللي هي عشرة آلاف دولار تقريباً، فهذا دخل كبير جداً للجامعات وأصبحت هنالك منفعة مادية إذن..

ماهر عبد الله: ماذا عن.. عن الجانب التاريخي الصرف إنه هذه المراكز بداية كل الظاهرة الاستشراقية كانت مرحلة مقدمة لابد منا، لأنها مرحلة استعمارية كانت ترابط بين المعرفي وبين السياسي، هل هذا الدور مازال؟

عبد الرحيم علي: هذا الدور مازال، أنا أعتقد أنه هنالك مقالة طبعاً سياسية معروفة أنه الاستعمار بدأ يعود في شكل جديد، وهذا تؤيده مظاهر كثيرة جداً في عالمنا، ويبدو أنه حتى الدول التي لم تكن معنية جداً بهذه المنطقة أصبحت معنية بها لأسباب اقتصادية وعسكرية، وجزء من هذه الحملة يعتمد على المعرفة به، والمعرفة طبعاً ليست كلها استخبارية، أذكر أننا عندما كنا في بعض الجامعات الغربية كان بعض الأساتذة الكبار يقولون يعني –للأسف- حكوماتنا تعتقد أن المعلومات كلها يمكن أن تؤخذ من الصحف وتقارير الاستخبارات، وكانوا يقولون ساخرين أنه كثير من المعرفة بهذه الشعوب لا تتم إلا إذا عرفت بأصول أديانها وأصول ثقافتها، ولذلك تدريس القرآن مثلاً ليس أقل أهمية في معرفة المسلمين والعرب من قراءة الصحف اليومية، ولما قامت الثورة الإيرانية اشتد هذا الكلام، لأنه كانت الاستخبارات الغربية تظن أنها على علم كامل بما يدور في الساحة الإيرانية، ولم يكن عندهم علم بأي شيء عن شخصية الخوميني مثلاً فقيل هذا الكلام في الصحف في ذلك الوقت، أنه نحن اكتفينا بدراسة السطح، لكن العمق الديني والثقافي لهذه الشعوب لم نعرفه، وإذن فقد حاولت هذه الأقسام أن تنفذ إلى.. إلى الطبقات المختلفة من دراسة هذه الشعوب.

ماهر عبد الله: هذا ما يفعلونه هم، يعني أنت رجل أكاديمي، عملت في هذه المراكز الغربية، درَّست في جامعة أدنبرة، كنت مديراً لجامعة عربية مسلمة إفريقية.

عبد الرحيم علي: إفريقية، نعم.

تضاؤل الاهتمام بدراسة الآخر في الجامعات العربية

ماهر عبد الله: في.. في هذا البلد، كم مركز.. نحن لا نتحدث عن تقريباً كل جامعة في إنجلترا فيها مركز دراسات عربية كمثال، كم مركز دراسات إنجليزي أو أميركي أو فرنسي أو غربي في 22 بلد عربي، 46 دولة تنتمي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي تعرف عنها؟

عبد الرحيم علي: والله للأسف لا أعرف أبداً نظير لمراكز الدراسات الاستشراقية أو العربية التي تدرسنا في الغرب، لا أعرف نظيراً لها عند المسلمين أو في البلاد العربية، صحيح عندنا مراكز دراسات استراتيجية وعندنا في معظم الجامعات دراسة لتاريخ أوروبا وفكر أوروبا أو فكرها الاجتماعي والسياسي تدرس في أقسام الفلسفة وتدرس في أقسام..

ماهر عبد الله: لأ، إحنا نتحدث عن الموازي لما يسمى..

عبد الرحيم علي: هذا شيء آخر، لكن اللغات الأوروبية أيضاً تدرس، لكن لا تدرس كجزء من دراسة الثقافة ومعرفة الآخر، وإنما تدرس لأغراض وظيفية لاستخدامها في العمل، لاستخدامها في التعليم.. تعلم العلوم الأخرى وهكذا، فالأمر يختلف تماماً يعني، نحن لا أعتقد أننا نعرفهم إلا من.. من.. من وجهة نظرهم..

ماهر عبد الله: طيب كيف نتحدث الآن في هذا المؤتمر الذي دعوتمونا إليه نتحدث الآن عن حوار، كيف يمكن لهذا الحوار أن يتجاوز حسن النوايا، أن يتجاوز العلاقات العامة، أن يتجاوز إنجازات سطحية ورقية إذا كان الغربي يعني.. ثمة فارق كبير بين أميركي يتعلم اللغة العربية وبين أنا وأنت نتعلم اللغة الإنجليزية، نحن نتعلم إليها.. يعني نتعلمها كما نتعلم شرب الماء وتناول الخبز لنعيش، في حين أنه هو يتعلم ليعرف، وثمة فرق بين الدافعين..

عبد الرحيم علي: نعم.. نعم..

ماهر عبد الله: نتهمه ولنا أن نتهمه ما نشاء، لكن الاتهام وحده لن يكفي ما هي مصادر معرفتنا نحن الأكاديمية المعرفية الحقيقية عن الغرب؟

عبد الرحيم علي: أنا أعتقد هنالك تقصير كبير جداً، وهذا التقصير مفهوم من الناحية التاريخية، لأننا لا نضع أنفسنا في نفس الموضع الذي يضعون أنفسهم فيه، يعني لا ننظر إلى بلادنا وإلى شعوبنا كأننا نريد أن نتعامل مع شعب مناظر أو عندنا رسالة تجاهه، هذا الشعور للأسف ليس موجوداً عندنا، الشعور الموجود في كثير من بلادنا هو أننا نتعلم منهم، نحن نقف موقف التلاميذ، والتلميذ لا يدرس أستاذه دراسة تحليل للأستاذ، نقد لمواقفه، تقويم لعقليته، فهم يدرسون دراسة أستاذية فيها أستاذية، ونحن ندرس دارسة فيها تلمذة، هذه التلمذة في بعض الأحيان تلمذة بليدة وفي بعض الأحيان فيها محاولات ذكية، محاولات للنقد، محاولات لاتخاذ مواقف أصيلة، وعندنا الآن يعني في كثير من الجامعات دراسات نقدية لما يأتينا من الغرب، ومحاولة لفهم عقلية الرجل الغربي تجاهنا وعقدة الاستعلاء الموجودة لدى الغربيين نحو غيرهم من الشعوب، هنالك محاولات كبيرة موجودة، لا شك أنه لا يجب ألا نغمط حقها، ولكن طبعاً الفرق بين ما عندهم وما عندنا هو فرق قرن كامل أو قريب من ذلك، الدراسات العربية والإسلامية بدأت في أوروبا من بداية نهضة أوروبا، وشعورها بأنها تريد أن تغزو العالم، وبدأت بهذه النفسية، ونحن بدأنا تقريباً بعد نهاية الاستعمار، يعني إلى أن خرج الاستعمار من بلادنا كان هم الأذكياء منا، هو أن يتعلموا لغتهم، ويجودا عندهم وظيفة، وإذا وجدوا بعثة في بعض جامعاتهم، استعلينا على شعوبنا، وأصبحنا نحن أيضاً أساتذة على الشعوب، هذا الموقف طبعاً بدأ تدريجياً بعد الاستقلال، تدريجياً بدأ يتبدل، وبدأت كثير جداً من الأقسام الجامعية تعيد النظر في المناهج التي تدرسها، تعيد النظر في أهداف هذه الدراسات، وفي غاياتها، ولكن إلى الآن، إلى يومنا هذا، هنالك شكوى حتى في الأقسام العلمية البحتة، أنه نحن ندرس العلوم التي تهمهم هم، ونحل المشكلات الهندسية التي ترتبط بواقعهم هم، والمشكلات الزراعية التي تصلح لهم، وكانت هنالك نكتة عندنا في جامعة الخرطوم، أنه بعض البياطرة كانوا يقولون ذهب طالب ودرس مشكلات تتعلق بالخنزير في العلم البيطري، معلوم أنه لا.. لا يوجد خنازير في السودان حتى يحل مشكلاتها يعني، هذا النوع من الشكوى موجود جداً على مستوى العالم الإسلامي.

[فاصل إعلاني]

حقيقة مساهمة المناهج التعليمية في خلق صورة مشوهة عن الآخر

ماهر عبد الله: سيدي، لو.. لو.. لو تركنا الشأن الجامعي بمعناه.. ما له علاقة بالدراسات العليا، ونزلنا قليلاً إلى.. إلى المدارس، نحن الآن نبدو مضطرين، أنكرنا في البداية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أنكرنا أننا نتعرض لضغوط.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: أنكرنا بالإجماع، ليس هناك دولة عربية اعترفت بأنها تعرَّضت لأية ضغوط لتغيير المناهج، لكن السنتين الأخيرتين حملت لنا الكثير من الأخبار، ومازال هناك إنكار بأننا نتعرض لضغوط، لكن الإعلام الغربي واضح، التصريحات الغربية واضحة، المؤشرات كثيرة الآن أن الكثير من الدول العربية والمسلمة بدأت عملية تغيير مناهجها، ليس بالضرورة أن يكون هذا سيئاً، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون حسناً، السؤال هو إلى أي مدى وبغض النظر عن الدعاوى الأميركية بغض النظر عن الضغوطات، كأكاديمي له علاقة بالتعليم، بالمدارس، بالمناهج، إلى أي مدى تؤثر مناهجنا لاسيما الديني منها المتعلق بالتربية الإسلامية بعلوم العقيدة، إلى أي مدى يُساهم في خلق صورة مشوَّهة في أذهاننا كمسلمين عن غير المسلمين؟

عبد الرحيم علي: والله سؤالك أعتقد جيد أن.. أن نفصل بين ما.. بين الدوافع الغربية في محاولة تغيير برامجنا وبين دوافعنا الأصيلة في النظر وإعادة النظر في برامجنا التعليمية وأهدافنا، من ناحية موقف أصيل أعتقد أننا حقيقة مناهجنا لا تعرف الآخر معرفة جيدة، وكما ذكرت سابقاً بعض ما ندرسه عن الغرب ليس دقيقاً، نحن عندنا صورة في بعض ما يُنشر عن العالم الغربي، صورة نمطية عن عالم متحلل ليس فيه أخلاق، الأسرة فيه مفككة، وفي نفس الوقت هذه الصورة تقول: عالم مزدهر تغسل شوارعه بالصابون، عماراته كلها زجاجية، يستطيعون أن يفعلوا أي شيء، أطباؤهم ممتازون، يستطيع الإنسان أن يجد فيه حلولاً لكل المشاكل، هذه الصورة البدائية المشوَّهة المضطربة ليست كلها من المناهج في الحقيقة، ولكنها نتيجة...

ماهر عبد الله: لأ، شوف.. سنتحدث عن العوامل الأخرى، خلينا نتحدث عن المناهج لأن هذه.

عبد الرحيم علي: المناهج.

ماهر عبد الله: هذه التي الآن تعاني من التغيير، في طريقها إلى التغيير، يُطلب فيها التغيير، يعني أمثلة كثيراً ما تُذكر –على الأقل- في الإعلام الغربي، أن ما يدرس للأطفال يعني في الجامعة على الأقل أنت عندما ذهبت إلى أدنبرة كنت رجلاً ناضجاً واعياً.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: لكن الطفل ليس عنده من الوعي شيء، ويذهب إلى المدرسة ليصوغ شخصيته، عندما لا يقرن في ذهنه بغض النظر عن البيوت الزجاجية والحياة، لن.. لن نختلف على الإفراز التكنولوجي والعلمي والمدني، لكن عندما يوصف له الغربي بأنه مسيحي، وأن المسيحي كافر، أنه علماني ملحد، وبالتالي لا أخلاقي.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: هذا يدرَّس، يعني كثرة الإشارة، القرآن استخدم كلمة كافر، وبالتالي ما.. ما عندي تحفُّظ عليها، لكن عندما يصبح الإلحاح على تكرارها في.. في خصوصاً في مناهج الدين، وأنت عارف هناك منحى فطري عند الإنسان أن يُسلِّم لأستاذه، وخصوصاً في القضايا الدينية.

عبد الرحيم علي: والله هنا التعميم صعب جداً، لأنه كل بلد له مناهج خاصة، لكن أنا لا أعرف أنه في غالبية البلاد الإسلامية أنه المناهج الدينية تتكلم عن الغرب أو تتكلم عن الكافر على أنه مساوي للرجل الغربي، هذا الكلام غير صحيح في معظم البلاد التي أعرفها، ربما في بلد.. بلدين هنالك إشارات إلى بلاد معينة، لكن الكافر عندنا في مناهجنا شخصية افتراضية لا.. ليست هنالك إشارة بالإصبع نحو جنسية معينة أو..، وفي كثير من البلاد يتعايش المسلمون والمسيحيون في بيوت وفي جيران، السودان واحد من هذه البلاد، وأنا أعرف أن هذا يحدث في مصر، ويحدث في ماليزيا، وفي كثير جداً من البلاد الإسلامية إندونيسيا، دون أن تكون العلاقة هي علاقة..

ماهر عبد الله: استعداء.

عبد الرحيم علي: استعداء، ولا توجد كراهية، فالقول بأنه مناهجنا كرَّست الكراهية، وهو السبب في النقاش الذي يدور الآن هو في تقديري خطأ كبير جداً، وبالعكس أنا أعتقد أنه كراهية الغرب وُلِدَت في المدارس العلمانية قبل أن تولد في المدارس الدينية، لسبب بسيط أنه المدارس الدينية كانت عاكفة على الماضي، ولم تكن معنية بالاستماع إلى الأخبار السياسية أو تطورات الأحدث، ولم يكن خريج المدارس الدينية في معظم البلاد الإسلامية معنياً بالسياسة، بل كان يكرهها، وفي تركيا النورسي كان يقول: السياسة هي الشيطان، ويُعتبر رجل إصلاحي، ودعا فقط إلى دراسة الدين والحرف العربي وهذه الأمور، لهذا السبب خريجو المدارس الدينية لم يكونوا يكرهون الغرب ولا يعرفونه، صحيح هنالك حاجز نفسي بينهم وبين الحضارة الغربية بين زي.. زي الحضارة الغربية وطريقة الحضارة الغربية وبين طريقتهم هم في الحياة، وما لم تمس أنت طريقتهم في الحياة التي يعيشونها لا.. يعني ليس لهم عناية أو اهتمام أو اكتراث لمثلاً حرص الغرب على ثرواتهم النفطية أو عدوانه عليهم، لم يكن هذا في ثقافة الرجل المتديِّن، بالعكس تلاميذ المدارس العلمانية كانوا على وعي أكبر بأنه الرجل الغربي جاء إلى بلادهم ليأخذ ثروتها، وجاء ليستبد عليهم، والمظاهرات كانت تخرج في المدارس العلمانية لا في المدارس الدينية في كثير من البلاد، هذا الأمر حدث فيه تطور أخيراً لأسباب الغرب مسؤول عنها مثلما بلادنا مسؤولة عنها، وحصل وعي ديني بين أبناء المدارس الدينية لأسباب خارجة عن المدارس الدينية.

ماهر عبد الله: وعي سياسي تقصد.

عبد الرحيم علي: وعي سياسي قصدي نعم، هذا الوعي السياسي الذي وقع بين تلاميذ المدارس الدينية أسبابه إلى حد كبير أنه الضغوط السياسية على العالم الإسلامي اشتدت إلى درجة أنها أيقظت المدارس النائمة، وأخرجتها من.. من أكواخها ومن سراديبها، أخرجتها إلى الضوء، وأصبح هنالك إحساس عام حتى عندنا في المدارس في الخلاوي، خلاوي القرآن وكذا أصبحوا يعرفون أنه وقع كذا وكذا في البوسنة، قُتِلَ آلاف المسلمين مثلاً في ليلة واحدة، أنه حصل كذا وكذا في العراق، وهؤلاء ليسوا معنيين بالسياسة، لكن الأحداث العالمية في عصرنا هذا تكاثرت جداً على العالم الإسلامي.

ماهر عبد الله: طيب في.. فيما يتعلق بالشق الآخر من المعادلة بالنصف الغربي، هل هناك ما يُدرَّس عن الإسلام لطلبة المدارس، نحن تحدثنا عن ما يجري في الجامعات.

عبد الرحيم علي: نعم.

ماهر عبد الله: فيما يجري أنا أعلم مثلاً أن (كير) في.. في أميركا راسلت الكثير من التربويات المحلية، وطلبت تعديل بعض المواد بعض المصطلحات فيما يتعلق بالإسلام بنبي الإسلام، وكان فيه استجابة إيجابية

عبد الرحيم علي: نعم.. نعم.

ماهر عبد الله: لكن هذا محصور في الولايات المتحدة، ماذا عن العالم الغربي الآخر على الأجزاء الأخرى من العالم الغربي؟ هل هناك دراسات عربية مسلمة عما يجري على الصعيد الطلابي الصغير يعني من الثانوي والإعدادي؟

عبد الرحيم علي: في.. أخيراً وقع في يدي كتاب نشر عدد من الدراسات عن صورة العربي والمسلم في المناهج الدراسية الغربية، وفيه عدد من الدراسات تناولت بالإضافة إلى الولايات المتحدة وكندا، تناولت بريطانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، وفيه رصد للتطورات التي وقعت، على كل حال طبعاً هنالك نقطة مهمة يجب أن أقولها في البداية إجابة على هذا السؤال هو أنه بالنسبة للبيئة الغربية ما يُدرس عن الإسلام في المدرسة مهم، لأنه ليس هنالك مصدر معلومات آخر عن العالم العربي والإسلامي، فبالنسبة للطفل مثلما نحن يعني ندرس عن بعض الأدغال أو الجزر النائية، نأخذ معلوماتنا عنها فقط من.. من الدرس الجغرافي أو كذا، هم يدرسون العالم العربي والإسلامي من هذه الزوايا الضيِّقة، وما يُدرس قليل جداً، سواء في الدراسات الاجتماعية، أو في الجغرافية، أو في التاريخ، وحصيلة الدراسات التي ناقشت واستعرضت كتب المدارس في أوروبا وأميركا خَلُصت إلى أن هنالك صور نمطية في الدين الإسلامي تشوِّه صورة الدين، يعني مثلاً بعض الكتب تقول أنه القرآن هو دين.. هو الكتاب الذي كتبه محمد ليوحِّد العرب، هنالك إساءات لتاريخ الإسلام تركِّز على أن الإسلام كان له دور في الرق، وأن الإسلام هو الدين الذي يحتقر المرأة، هذه الصور النمطية موجودة في معظم الكتب، صحيح أن الدارسين قالوا إن هنالك تحسُّن وقع في معظم الكتب ومراجعات، السبب في ذلك وجود مسلمين الآن بأعداد أكبر في كل الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية، وهؤلاء أصبح لهم دور في مراجعة هذه الكتب وفي التوسُّط إلى تحسين صورة الإسلام والعربي في هذه الكتب، لكن أيضاً العربي يأتي في كتب المناهج للتلاميذ سواء في الولايات المتحدة أو في كندا أو في أوروبا على أنه شخص متخلف ومربوط بالبداوة، وأحياناً يربط بالترف وبالجري وراء..

ماهر عبد الله: البذخ.

عبد الرحيم علي: البذخ إلى آخره، هذه الصور النمطية.

ماهر عبد الله: سيدي، البعض يعني فيما يتعلق بمناهجنا، البعض يقول أننا صغنا هذه المناهج، وأنت ذكرت قبل قليل إن ابتدأنا مرحلتنا الأكاديمية كلها ما بعد الاستقلال الخمسين سنة الماضية.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: أو.. أو ما يشبه ذلك، صيغت كثير من هذه المناهج في مرحلة الصراع مع الاستعمار أو مباشرة بعد التخلص من الاستعمار.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: ولهذا طغت على هذه المناهج بغض النظر عن الجانب الديني الصرف يعني فيها، حتى التاريخ عندما يُدرَّس لابد من الإشارة أنك حديث عهد بعالم ستصفه بالمحصِّلة النهائية إنه غربي، صليبي، مسيحي.. بصفات، حقيقة أنها كُتِبَت في هذه المرحلة الحرجة، وحقيقة أنها في المحصِّلة النهائية مازالت تقريباً على حالها في نصف القرن الماضي، هل تتفق مع من يقولون إنه هذا كان كُتِبَ في مرحلة التوتر، وبالتالي عَكَسَ هذا التوتُّر، ولابد من تغييره، أم أنها كانت كُتِبَت بشكل طبيعي وموضوعي، وبالتالي لا حاجة إلى تغييرها فيما يتعلق على الأقل بالجوانب التاريخية؟

عبد الرحيم علي: والله أنا أعتقد أنه التوتر يزيد للأسف ولا ينقص، لو بدأنا كتابة كتب الآن عن الغرب سيكون يعني لو كُتبت بصورة طبيعية ستكون النبرة أعلى، لأنه الآن نحن نتعرض من خلال وسائل الإعلام الحديثة والمتطورة إلى صور مباشرة سريعة جداً عما يحدث في فلسطين وما يحدث في العراق، وما يحدث ولذلك صورة الصراع مع العدو أصبحت مترسبة عندنا حتى عند أطفالنا، لا شك أنه ما كُتِبَ في الماضي كُتِبَ أيضاً متأثراً بالصراع مع الاستعمار، نحن درسنا في المدارس الأولية في العالم العربي كله قصائد شوقي وقصائد حافظ، وكلها مليئة بتعبيرات سياسية تتعلق بالفترة التي عاشوا فيها.

وللمستعمرين وإن ألانوا قلوبهم كالحجارة لا ترق

ما ضر لو جعلوا العلاقة في غدٍ بين الشعوب مودة وإخاء

هذا قصية شوقي في.. في شنق عمر المختار، قال:

نصبوا رفاتك في السماء لواءَ ما يستنهض الوادي صباح مساء

ما ضر لو.. إلى آخر ذلك، حتى أدبنا الذي كانُ يدرَّس للأطفال يحمل هذه الصور، فهذا شيء طبيعي، لكنه مراجعته الآن إذا تمت ستتم تحت الضغط والقهر وشعار نشر ثقافة السلام، نشر ثقافة السلام ومنع ثقافة الكراهية، هل نستطيع أن ننشر ثقافة السلام في ظلال الحرب؟ أنا أعتقد أنه الأولوية في الحقيقة هي أن نوقف الحرب.

ماهر عبد الله: لأ، ما هو مش.. السؤال ليس هذا، السؤال: إنه بغض النظر عن الجدوى الأكاديمية.. بغض النظر عن ما الذي يمليه المنطق؟

عبد الرحيم علي: أيوه.

ماهر عبد الله: أنت تتحدث عن طرف قوي يملي على طرف ضعيف.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: النخب السياسية عند الطرف الضعيف أصلاً هي خائفة.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: إلى مرتعبة، إلى جبانة، إلى لا رأي لها.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: قد تنصاع لهذا، ستعدي هذه الفترة، وأنت ذكرت في كلامك كأكاديمي أن.. أن ما.. ما يُعطى للطفل في مراحل حياته الأولى خصوصاً إذا كان هو مصدر المعرفة الوحيد سيرسخ.

عبد الرحيم علي: سيرسخ نعم.

ماهر عبد الله: قد يكون هذا الغربي هدفه استراتيجي إنه لا يعنيه هذا الجيل، هذا الجيل سينتهي، 20، 25 سنة وسينتهي الجيل المتمرد الجيل العايش على.. على الصدام، لكن سيكون ثبَّت.

عبد الرحيم علي: تدري ماذا سيحدث لو أننا كتبنا مناهج مليئة بالسلام والصداقة، وغيرَّنا تعاليمها، وأبعدناها عن الواقع الذي نشاهده في الإعلام وفي الصحف والإعلام، الذي سيحدث أنه ستنتقل الدراسات الحقيقية التي يستجيب لها الطفل أو الطالب إلى الظلام، ستصبح هنالك مصادر أخرى لتكوين ثقافة الأطفال والشباب.

ماهر عبد الله: أي مصادر؟

عبد الرحيم علي: أضرب لك مثل، الأزهر مؤسسة دينية قوية جداً، وهي أقدم المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، ولها نفوذ كبير جداً بدون شك، في فترة من الفترات حصل يعني سيطرة على مناهج الأزهر بحيث لم تعد تتعرض لكثير جداً من الأمور المعاصرة، الأزهر أوقف دوره الذي كان يقوم به لما دخل (نابليون) إلى مصر، وكف عن إبراز صورة المقاومة فترة، الذي حدث أنه هو كثير جداً من شباب مصر أخذوا معلوماتهم الدينية من خارج المناهج، ونشأ ما يُسمى بالجماعات الإسلامية والمتطرفة، وبيعت أو انتشرت كتب كثيرة جداً لم يكتبها علماء، وهذه شكوى موجودة ليس فقط في.. في بلد الأزهر، موجودة في بلاد أخرى كثيرة أنه قد تكون هنالك مصادر للمعرفة مثل تجارة السوق السوداء، إذا أنت منعت السلعة الصحيحة من الضوء، فإنها سيجدها من يطلبها في مكان آخر، هذا ينطبق على المناهج.

ماهر عبد الله: أنت باعتقادك أنه.. أن هذه العملية ستكون عبثية؟

عبد الرحيم علي: أنا في اعتقادي أنه المناهج يجب أن تعبِّر عن واقع الأمة وعن شعورها الحقيقي، ولا نستطيع أن نفتعل، أنا لا أفتعل الغضب، ولا أفتعل الصداقة، يجب أن تكون هنالك وسائل حقيقية لصناعة الصداقة غير الكتابات المنمَّقة، يعني ما.. ما.. ما نستفيد الآن لو كتبنا أنه والله إسرائيل بلد صديق، ويجب علينا أن نحترمه، يمكن أن نكتب هذا لتلاميذنا، هل تعتقد أنهم سيصدقون هذا؟

ماهر عبد الله: لكن الذي يطلب.. ما هذا سؤال يعني نحن نتهم الغرب بأنه عقلاني، نتهم الغرب بأنه مستمع جيد يريد أن يعرف، نتهم الغرب بأنه حريص على أن يعرف قبل أن يتصرف، ثم نجد هذا اللامنطق بالتصور أنه بإمكاننا بتغيير كتاب أو كتابين في هذا البلد العربي أو ذاك يمكن أن نغسل دماغ العربي بحيث يتناسى كل ما حوله من معطيات سياسية واقتصادية تشير بأصابع الاتهام، وليست أصابع اتهام تثبيت تهم على الغرب بأنه المسؤول أولاً وأخيراً، كيف لهذا الغربي العقلاني أن يتجاهل كل هذه المعطيات التي يساهم في خلقها، ويتوقع أنه بمجرد أن أعيد له صياغة ما أقول على ورقة، يعني أين العقلانية في هذا؟

عبد الرحيم علي: الغرب يتعرض الآن إلى ضغوط تجعل منه مشلول الحركة في اتجاه تصحيح مواقفه نحو بلادنا، وأعتقد أن هذه الضغوط وصلت مرحلة يعني أصبح هو يتمرد عليها، أنا أشير هنا إلى الاستقراء الذي أُجري في أوروبا، والذي أزعج إسرائيل جداً، والذي يقول بأن أكثر من نصف الأوروبيين يعتقدون أن إسرائيل خطر على السلام العالمي، هذا الاستبيان لم ينشأ من فراغ، يعني الجهة التي قامت به أرادت أن تعرف ما هو رأي الأوروبيين في حقيقة ما يدور، هذا مجرد مثال لبعض الأمور التي تجري الآن تحت السطح، السياسات التي اتبعها الغرب والولايات المتحدة فترة طويلة جداً، اتبعها لأنه صوت المسلمين والعرب كان خافتاً جداً، حتى في داخل تلك البلاد، وبعض الكتب التي كتبت عن القرارات القديمة التي اتخذت ضد العرب في الخمسينات والستينات، تدل على أنه لم يكن في بريطانيا وفي فرنسا في ذلك الوقت من يرفع صوتاً ليعبر عن حقيقة ما يشعر به هؤلاء المساكين، المزارعين البسطاء في منطقتنا، ولم يكن هنالك لا لوبي ولا إعلام يساندهم، ولا.. ولا أحد، ولذلك وجدت كثير.. الوضع الآن يختلف، الآن الغضب يجعل أبناء هذه البلاد يفجرون أنفسهم، ولذلك صوتهم قد سُمِعَ، وأنا أعتقد أن الوضع سيتغير بدون شك، العقلانية التي تحدثت عنها -يا أخ ماهر- في الغرب، ستقضي على هذا الغرب، بأن يعيد النظر في موازنة..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: بس الغريب يا سيدي أنه.. أن هناك يعني تفسيرات، أشرت قبل يعني.. ذكرت الذي يفجر نفسه، لم يُسمع صوته، فُهِمَ على العكس تماماً، فُهِمَ أن هذا وليد ثقافة يجب أن تنتهي، الاستطلاع الذي جرى في أوروبا، وأرى أن الأوروبي الذي صيغت له مناهج تمنعه من أن يفكر باللا سامية، فسرت ببساطة، أنه هذه عودة السامية، سياسة إسرائيل لا علاقة لها، يعني الغربي لا يريد أن يسمع، الغربي الآن له مصادر المعرفة أشد مما كان متاحاً له في الستينات.

عبد الرحيم علي: صحيح.

ماهر عبد الله: و.. في القرن الثامن عشر والقرن السابع عشر، ومع ذلك الغباء في التعاطي مع القضية أشد بكثير مما كانت في الماضي، يعني نحن باعتقادي سنترحم على الاستشراق حتى المغرض، لأنه ما يجري على الساحة الآن، يفجر نفسه، وأنت تقول أنه يرى، هو يرى ولكن له تفسير مسبق جاهز، أنت لن تفجر نفسك لأنه إسرائيل، أو الاحتلال في العراق، هو الذي يعطيك المبرر لتفعل ذلك، أنت ابن ثقافة لا يمكن إلا أن تؤدي بك إلى..، وبالتالي يجب تغيير ثقافتك، لا أن نغير السياسات في.. في الاحتلال.

عبد الرحيم علي: نعم.. نعم أنا أوافق أنه وُجِدَت كثير جداً من التفاسير غير المنطقية لظاهرة الاحتجاج الشديدة الموجودة في العالم الإسلامي، ولكن هذه التفاسير طبعاً لا يمكن أن تثبت، هذه يعني محاولات لتفسيرات ظاهرة للرجل الغربي، حتي يبلعها، ولكن هنالك كثير جداً مما يكتب في الصحف الكبيرة الآن في الولايات المتحدة وفي أوروبا، وكثير جداً مما يؤلَّف مما يدل على أن هنالك وعي أعمق بحقيقة مصالح تلك الدول في بلادنا ووعي أعمق بحقيقة ما يحدث الآن، مما من هذه التفاسير الظاهرية التي تُعطى لهم، يعني أنا لا أشك في أنه العالم الغربي أذكى بكثير جداً، ولكن هنالك تعقيدات كثيرة جداً، تتعلق بالشركات الكبرى، وصناع السياسيين، ورؤوس الأموال، هذه التعقيدات تجعل التحول صعب جداً في سياسات تلك الدول، فهنالك ثبات تاريخي منذ الحرب العالمية مستمر، هذا رأيي، ولكن مع ذلك بدون شك نحن الآن نعيش فترة مفارقة، مفارقة يشعر فيها، يعني أحد السياسيين العرب قالوا له: ماذا تقول للولايات المتحدة لو كان عندك رسالة؟ قال لهم: أقول لهم راعوا مصالحكم، وهذه رسالة بدون شك مختصرة ومفيدة جداً، مصالح الغرب الآن في بلادنا أن يعي أنه لا يمكن أن يجعلنا نُغيِّر مناهجنا من أجل أن نحبه.

ماهر عبد الله: بس يعني ماشي، يعني هذا.

عبد الرحيم علي: والأحداث تدعو لغير ذلك.

ماهر عبد الله: هذا الكلام يجعل الصورة، مع احترامي لهذا الرأي ومع احترامي للزعيم العربي الذي قال ما قال، هذا يجعل الصورة سوداوية أكثر، لأن الغربي مُصِر على هذا الموقف، والأميركي تحديداً، وهو يرى كل ما يرى، يعني هذا ينقلنا إلى جانب آخر من النقاش لا علاقة له بالمناهج، قد تكون المسألة مسألة.. مسألة صراع قوي في المحصلة النهائية لا علاقة له بالثقافة، يعني كما أن الديمقراطية تُرفَع شعار في مرحلة من المراحل، في حين أنك تدعم ديكتاتوريات نعرفها، قد يكون قصة المناهج، قد يكون قصة إلقاء اللوم على هذه الثقافة أو تلك، ما هي إلا غطاء لحقيقة صراع قوة، كما أسميته قبل قليل، مشروع استعماري جديد، بثوب جديد، ومنطق جديد، قد لا يكون لا منطقياً، لكن يسمى على أنه منطق جديد، أليست هناك خشية حقيقة من أن هذا الذي يجري لا علاقة له بالمناهج.. لا علاقة له بما يسمى بصورتنا عن الغرب، صورة الغرب عنا؟

عبد الرحيم علي: نعم.. أنا أوافق أنه الذي يجري في الحقيقة لا علاقة له بالمناهج، ولا علاقة له بصورتهم عنا، وصورتنا عنهم، هذا مجرد محاولة لبسط السلطان الغربي علينا من خلال مناهج، أو من خلال زوايا، ومن خلال إعلام مكيف أو كذا، لكن الآن لا تستطيع أن تسيطر على الشعوب من خلال مناهج، لا تستطيع أن تسيطر عليها من خلال إعلام موجَّه، لا تستطيع أن تسيطر عليها من خلال القوة، يعني هذا، نفس هذه المحاولات أنا أعتقد حاولها الاستعمار في بلادنا قبل أكثر من خمسين سنة، ومائة سنة وجرت محاولات لصناعة الرأي العام في بلادنا، وجرت محاولات لإلهاء الشباب، وبوسائل مختلفة، وجرت محاولات لشراء الناس، لكن هل استقر الاستعمار في البلاد العربية والإسلامية؟ المسألة مسألة زمن.

ماهر عبد الله: طب ماذا عن.. يمكن حقيقة تاريخية قد لا يحبها البعض أن أيضاً جزء من هذا الصراع جزء من هذا الإشكال، أن القوة والسيطرة والرغبة بهما تعمي، بمعنى أننا لا نريد، يعني بغض النظر أن هناك أجندة، أو ليست هناك أجندة، بغض النظر عما نزعمه أن هناك منطق أو.. أو ليس هناك منطق، الولايات المتحدة بحكم ما تتمتع به من قوة، بحكم ما تتمتع به من نفوذ، بحكم ما تُواجه به من استسلام شبه مطلق من الطرف الآخر، الذي هو نحن، ستعمى أن.. أن ترى الأشياء، هل احتمال أن تعمى الولايات المتحدة عن رؤية ما يجري وارد؟

عبد الرحيم علي: أنا أعتقد أنه الولايات المتحدة تعيش الآن مرحلة صراع داخلي، وهنالك أصوات الآن وصلت إلى مرحلة الانتخابات، بمراجعة الذات وبمراجعة سياسات الولايات المتحدة تجاه الآخرين، وهنالك إحساس بخطورة وأهمية ما وقع من انتشار كراهية للولايات المتحدة على نطاق العالم وليس على نطاق العالم الإسلامي، هذا الإحساس بدون شك في بلد مفتوح مثل الولايات المتحدة، سينتج وعياً جديداً، وسينتج سياسات جديدة، لا أدري كم من الوقت سيستغرق؟ وإن كان سيعبر عن نفسه في الانتخابات القادمة، أو لا يعبر عن نفسه؟ ولكني واثق من أنه لا يمكن على بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية أن يستمر في تجاهل مشاعر الشعوب بأكملها، وأن يراعي مصلحة دولة صغيرة واحدة، أو شعب واحد، لابد من موازنة، وهذه الموازنة ستأتي وعلى كل حال.

ماهر عبد الله: ما.. ما.. ما الذي نفهمه بشعب، بدولة صغيرة واحدة؟ لأنه يعني هناك نظرية دارجة جداً في العالم العربي تجد الكثير من الصدى في أوروبا، حتى أوروبا الغربية الصديقة التقليدية لإسرائيل والتي ساهمت في إيجادها، والتي أوجدتها أصلاً، أن ما تفعله الولايات المتحدة في حقيقة الأمر، يعني لو أخذنا العراق كنموذج، لا علاقة له لا بديكتاتورية صدام حسين ولا بأسلحة الدمار، إنما هو أصلاً خدمة لمشروع إسرائيلي صرف، جزء من عملية تثبيت إسرائيل في المنطقة، هل قصة المناهج هذه بعيدة عن ذلك؟ أم..

عبد الرحيم علي: لأ، أنا أعتقد أن كل ما يحدث له علاقة جداً بحماية إسرائيل، وإسرائيل دعت قبل 11 سبتمبر بعشرات السنوات لمَّا ظهرت ظاهرة الانتحاريين أو.. كما يسمونهم في منطقة الشرق الأوسط، دعت إلى شيء واحد وظلت تعكف عليه، وتركز عليه فترة طويلة جداً، وهو أنه الإرهاب ليس موجهاً ضد إسرائيل، الإرهاب موجه ضد العالم جميعاً، ويجب على جميع العالم أن يتعاون في مواجهة الإرهاب، ثم الإسرائيليون من خلال مناهج، ومن خلال تأليفات، ومن خلال كذا، قالوا إنه الإرهاب ليس له علاقة بالسياسات التي تتبعها هذه الدول، إنما الإرهاب موجود في صلب القرآن، وهذه الشعوب تُدرِّس الإرهاب، فإذن بدأ هذا الكلام في ذلك الوقت، قبل أكثر من عشر سنوات، وقرأناه، وقُرئ يعني على مستوى واسع، ثم وجد صداه بقوة بعد أحداث.. أحداث 11 سبتمبر، ووجدت إسرائيل بغيتها لتقول للعالم كله أنا قلت لكم.

ماهر عبد الله: طيب، دكتور عبد الرحيم شكراً جزيلاً لك، وشكراً جزيلاً لكم أنتم أيضاً على حسن متابعتكم، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم من الدوحة، تحية مني، والسلام عليكم ورحمة الله -تعالى- وبركاته.