مقدم الحلقة:

ماهر عبد الله

ضيف الحلقة:

د. يوسف القرضاوي

تاريخ الحلقة:

09/11/2003

- الخطاب الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة
- سمات العصر الحالي وكيفية العيش فيه

- كيفية توازن الخطاب الإسلامي بين الروحانية والمادية

- موقع الترويح عن النفس في الخطاب الإسلامي

- قيمة توحيد وتسويق الفكر الإسلامي

ماهر عبد الله: سلامٌ من الله عليكم، وأهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من برنامج (الشريعة والحياة)، التي تأتيكم في هذه الأمسية الرمضانية في هذا الشهر الفضيل الذي ندعو الله أن يتقبله منا ومنكم جميعاً.

تحدثنا خلال الأسبوعين أو ثلاثة التي مضت عن الخطاب الإسلامي في عصر العولمة، ونقاشنا هو تقريباً نقاش لكتاب سيصدر قريباً لفضيلة العلامة الدكتور القرضاوي حول خصائص.. حول خطابنا الإسلامي في عصر العولمة.

تحدثنا كثيراً ويتحدث الجميع عن العولمة وعن ضرورة تطوير الخطاب الإسلامي، نتحدث عن عصر معلومات وتقارب العالم، لكن مع كل هذا التقارب الذي يشهده العالم تتسع الهوة الثقافية بين المسلمين وبين الغرب تحديداً، الشيء الوحيد القادر على تجسيد [تجسير] هذه الهُوَّة هو تطوير الخطاب لدى الطرفين، لن نكون معنيين.. معنيين في هذه الحلقة بالخطاب الغربي كيف يتحاور معنا، سنكون معنيين بالنظر إلى أنفسنا، كيف يمكن لخطابنا أن يوصل ما عندنا وما نزعم أنه الحق إلى.. إلى الآخرين على الأقل لتحاشي سوء الفهم ولضمان أننا عندما نُحَارَب وعندما نُقَاتَل، وعندما يُطلب منا أن نغيِّر مناهجنا، وأن نغيِّر الطريقة التي نفكر بها، نريد أن.. أن نتيقن من أن الذي يطالبنا بالتغيير يعلم حقيقة الأساليب التي نوظفها سواء في التفكير أو في الاعتقاد أو في التعبير عن أنفسنا.

إذن نواصل في هذه الحلقة حوارنا مع فضيلة العلامة الدكتور القرضاوي حول الخطاب الإسلامي في عصر العولمة.

الخطاب الإسلامي بين الأصالة والمعاصرة

سيدي، تحدثنا مرتين، وكان في الأسبوع الماضي تحدثنا عن خصائص أو وصلنا إلى خصائص هذا الخطاب، تحدثنا بشيء من الإسهاب عن.. عن أنه خطاب يجب أن يؤمن بالوحي، وألا يغيِّب العقل، في الكتاب تذكر بعد ذلك أن هذا الخطاب يجب أن يحرص على المعاصرة، وأن يتمسك بالأصالة، هذه ثنائية شغلتنا على مدار قرن من الزمان، عندما يطرحها عالِم مسلم مفكر مسلم مثل القرضاوي، ما الذي يقصده بالحرص على المعاصرة والتمسُّك بالأصالة؟

د.يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا وأسوتنا، ومعلمنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً)، (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ).

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، وبعد:

فقد ذكرت مجموعة خصائص للخطاب الإسلامي المنشود في هذا العصر الذي يسمونه عصر العولمة، وأهم ما نقصده بعصر العولمة أنه عصر التقارب بين الناس حتى كاد العالم يصبح قرية صغرى وليس مجرد قرية يعني كبرى، فهذه الخصائص ذكرنا منها في الأسبوع الماضي خصيصة أنه يؤمن بالوحي ولا يُغيِّب العقل، وهذه الخصيصة التي أشرت إليها الآن، وهي أنه يحرص على المعاصرة، ويتمسك بالأصالة، هذه معادلة يعني ربما بعض الناس يظنونها معادلة صعبة، ولكنها بالنسبة لنا -نحن المسلمين- ليست يعني صعبة ولا متعذِّرة ولا متعسِّرة، المسلم المفروض أنه يعيش عصره، ويتمسك بأصوله، ولا ينسى جذوره، في ما جاء عن بعض السلف يقول: "رحم الله امرئً عرف زمانه واستقامت طريقته"، يعرف زمانه، وفيما جاء عن صحف إبراهيم أنه قال: "ينبغي للعاقل أن يكون عارفاً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه"، عارفاً بزمانه، وكان سيدنا علي من وصاياه، يقول: "لا تكرهوا أولادكم على عاداتكم، فإنهم خُلقوا لزمن غير زمانكم"، يعني حتى الجيلين الآباء والأبناء كل واحد له يعني الزمن، ومن أجل هذا ينبغي للإنسان أن يعرف مكانه وزمانه، فمعرفة الزمان هذه هي المعاصرة، أن تعرف عصرك، فكل عصر له خصائصه، وله مشكلاته، وله تياراته الفكرية، فلا ينبغي أن نعيش في عصر بعقلية عصر مضى.

ماهر عبد الله: اسمح لي نتوقف قليلاً لأن هذه النقطة تستحق البحث.

[فاصل إعلاني]

سمات العصر الحالي وكيفية العيش فيه

ماهر عبد الله: مرحباً بكم مرة أخرى في هذه الحلقة التي بإمكانكم أن تشاركوا فيها معنا بعد قليل إما على رقم الهاتف: 4888873.

أو على رقم الفاكس: 4890865

أو على الصفحة الرئيسية (للجزيرة نت) على العنوان التالي:

www.aljazeera.net

سيدي، قبل الفاصل تحدثت عن جريمة أسميها أن.. أن نفكر بعقلية عصر لعصر مختلف عنه.

د.يوسف القرضاوي: نعم.

ماهر عبد الله: قبل أن نتحدث عن.. عن هذا الخلل الفني، ما هي سمات العصر الذي نعيش، والتي ستتطلب منا بالتالي أن نفكر فيه بطريقة مغايرة؟

د.يوسف القرضاوي: إذا كان لكل عصر سماته، فهذا العصر له سمات عدة، من أبرز سمات هذا العصر أنه عصر السرعة، يعني الإنسان يستطيع أن ينجز فيه أشياء كثيرة في وقت قليل، إنه عصر اختصر المسافات، الأشياء اللي كانت تأخذ من الإنسان شهراً ذهاباً أو شهوراً يقضها الآن في.. فكان الناس مثلاً في الزمن الماضي كان بعض الناس في الحج، واحد من العلماء شاف واحد شعره أبيض ليس فيه سواد، سأله من أي بلد؟ قال له: من بلد كذا بعيد يعني من أقاصي الصين، فقال له: ومتى خرجت من بلدك؟ قال له: أنت شايف شعري الآن دا؟ قال له: آه، ليس فيه شعرة سوداء، قال له: خرجت من بلدي وليس في رأسي شعرة بيضاء، فشوف كم اقتضاه حتى وصل إلى مكة، الآن تستطيع تأتي من اليابان أو من الصين أو من أميركا ومن أي مكان في ساعات10 ، 12 ساعة تأتي من شرق الأرض إلى غربها، فهذا عصر اختصر الزمان، واختصر المكان، هذا من.. من سمات هذا العصر.

من سمات هذا العصر إنه عصر العلم أصبح كل شيء بيخضع للعلم وللعقلية العلمية، العقلية العامية أو العقلية الخرافية التي تصدِّق كل ما يقال لها، وتقبل كل دعوى بلا برهان، هذه العقلية العامية أو العقلية الخرافية لا مجال لها في هذا.. في هذا العصر.

يعني هذا العصر من سماته -كما قلنا- التكتُّل، يعني الناس تحاول أن تتكتل، نرى مثلاً العالم الآن يكاد يصبح كتلاً، أوروبا كانت دولاً متفرقة، وحارب بعضها بعضاً قروناً طويلة، بعدين رأت أن من خيرها أن يتكتل بعضها مع بعض لتقف كتلة اقتصادية كبيرة، كتلة سياسة، فتستطيع أن يكون لها يعني وجود حتى في الناحية الاقتصادية الآن ما يسمونه الإنتاج العريض، الإنتاج الصغير دا لا يستطيع أن ينافس في سوق العالم، لابد أن يؤكل ويداس، لابد أن يتجمع الناس بعضهم، حتى ترى بعض الدول الكبيرة.. الصناعية الكبرى تجد بلدين يحاولان أن يتفقا ويتعاونا لإنتاج شيء كبير زي طيارة متطورة مثل الكونكورد، تتفق دولتان لإنشاء هذا، يعني فهذا عصر التكتل، وعصر -كما قلنا- عصر التقارب، يعني إنه يكاد يكون قرية واحدة، هذه كلها من سمات هذا.. هذا العصر.

فلا ينبغي لنا نحن المسلمين أن نعيش بعيداً عن هذا، العالم يتكتل، ونحن نتمزق، العالم يتقارب، ونحن نتباعد، العالم يتبع العلم، ونحن لازلنا نتبع الخرافات، يعني ونأتي بأشياء، زي الذين يفتحون عيادات للعلاج بالقرآن، الصحابة -يا أخويا- ما فتحوش عيادات ولا التابعين ولا الأمة في أفضل قرونها، ولو المسلمين عملوا هذا ما برعوا في علم الطب، ولا كانت لهم الكتب العلمية التي استفاد منها العالم، ولكانت لهم المستشفيات والكذا، يعني نحن لازلنا يعني نجري وراء هذه الأشياء، العالم ينجز الأشياء بسرعة، وإحنا عندنا نقول لك: يوم الحكومة بسنة، يعني ما.. يعني الناس واخدين على إنه كل حاجة يعني سيبها، والناس من ضمن الأمثلة يقول لك: "لف سنة ولا تعدي قناة" إذا كان قدامك قناة وهتحتاج أنك تعديها تقتحمها عشان فيها شيء من المخاطرة يقول لك سيبها ولف سنة، يعني فهذه كلها ليست من سمات هذا..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: كيف سنحرص إذن على هذه المعاصرة دون.. لأنه في.. في المحصلة النهائية ستبقى عندنا مجموعة من.. من الثوابت حتى نبقى متميزين، حتى يبقى الدين دين الله وليس دين العصر، كيف قلت أنها ليست صعبة المسألة؟ كيف سنجمع بين هذا وبين ضرورة ما أن يبقى ثابتاً في حياتنا؟

د. يوسف القرضاوي: ما إحنا ما هو قلت يعني يحرص على المعاصرة ويتمسك بالأصالة، يعني ليس معنى أن نكون معاصرين أن نترك أصالتنا، بعض الناس يعني يريد أن يُفهمنا إن المعاصرة هي التغرب، أن نتبع الغرب شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، وبدون هذا لا نكون معاصرين، لأ، هذا.. هذا ليست معاصرة، هذا ذوبان، هذا انحلال للشخصية، هذا معناها أن نكون يعني أذناباً وقد جعلنا الله رؤوساً، أن نكون عبيداً لغيرنا وقد جعلنا الله سادة وأحراراً، لأ، ليس.. ليس هذا هو المعاصرة، المعاصرة أن تأخذ بأفضل ما في العصر، أفضل ما في تقنيات العصر، أفضل ما في أساليب العصر، حتى مش بس حتى الناحية التقنية أو التكنولوجية، أو.. لأ، نأخذ هذا، ونأخذ حتى الأساليب الإدارية والاقتباس في هذا ليس ممنوعاً، يعني ممكن نأخذ من الغرب، نأخذ منه كل ما يصلح لنا إذا كان عندهم نظام، يعني في إنشاء المستشفيات أو في توزيع البريد، أو في الناحية الصحية، أو في أي، في تنظيم الحياة، وجدنا في هذا النظام خيراً نأخذه، وإذا أخذنا نظاماً من.. من عندهم نحاول إننا نطعِّمه بالمطعِّمات الإسلامية التي تجعله جزءاً من منظومتنا القيمية، فيفقد جنسيته الأولى، يعني مثلاً عندهم الديمقراطية مثلاً، يعني الديمقراطية هنأخذها.. تأخذ الضمانات والأساليب الديمقراطية، عندهم نظام الانتخاب، ما كانش عندنا يعني هذا النظام الصناديق الزجاجية البلورية هذه، خذناها منهم ولا مانع، "الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها"، ومعنى المعاصرة أنك تأخذ من العصر، لا يقف أمامنا شيء إلا ما يضاد يعني قيمنا وشرائعنا وأخلاقياتنا وعقائدنا، هذا نرفضه، الذي يعني يصادم الثوابت يعني عندنا، فنأخذ يعني هذا ونطعِّمه، مثلاً إذا كان الإسلام يقول مثلاً إنه الشخص الذي لا دين له لا يصلح أن يكون مرشحاً في مجلس من مجالس الأمة، رجل لا يصلي، رجل يشرب الخمر، أو رجل مشهور بالفجور، هذا لأ، (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ)، نريد الشخص "إذا.. إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"، فإحنا نضع شروط وضوابط بحيث تجعل الأشياء التي نقتبسها من غيرنا تكتسب الجنسية الإسلامية، تمسها الروح الإسلامية ندخل فيها نفحة جديدة تجعلها إسلامية، هذا هو الأصالة المعاصرة التي نريدها بحيث لا تتناقض مع الأصالة، نحن نريد معاصرين أُصلاء، أي غير منفصلين عن.. عن.. عن جذورهم، وهذه معركة كانت قديماً بيسموها المعركة بين القديم والجديد، ناس تدعو إلى الجديد، وناس تدعو..، وكان الجديد هو يعني ما عند الغرب، والقديم هو تراثنا العربي والإسلامي فكان هناك من يدعو إلى التراث، وكذا المشايخ بصفة عامة واحد زي الأديب الإسلامي المعروف مصطفى صادق الرافعي، وكان جماعة بيدعو إلى الجديد مثلاً مثل طه حسين وعلي عبد الرازق وهؤلاء، كانت معركة بين القديم والجديد، والواجب ألا يكون هناك معركة بين القديم والجديد، نستطيع أن نكون جديدين ومجددين في ظل الأصالة وفي ظل القديم، نجمع بين هذا وذاك، إنما لكي تكون جديداً وتتبرأ من القديم، هذا لا يجوز، ودا الذي يعني سخر منه الرافعي حينما قال عن المجددين: هؤلاء يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر، وقال شوقي في قصيدته عن الأزهر عن هؤلاء الذين يتنكرون للماضي يقول: دع عنك.. شوف هو بيمدح الأزهر، فبيقول:

دع عنك قول عصابة مفتونة يجدون كل قديم أمرٍ منكـرا

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا من مات من آبائهم أو عُمِّرا

من كل ساعٍ في القديم وهدمه وإذا تقدم للبناية قصَّرا

شاطر في هدم الإيه .. طب ابني لنا يا أخويا جديد لا يبنى يعني شيئاً، يقول لك: حتى يعني كادون يتبرءون من آبائهم أو من عُمِّر منهم، يعني لو أبوه كبر سنة أو جده يكاد يتبرأ منه، لأ، نحن نريد أن ننتفع بالقديم، نرحب بكل قديم صالح، وننتفع بكل جديد مفيد، فهذا هو الذي نريده.

كيفية توازن الخطاب الإسلامي بين الروحانية والمادية

ماهر عبد الله: بعد ذلك تتحدث في.. في الكتاب عن.. عن.. عن خصيصة أخرى، تقول أنه خطاب يجب أن.. أن يحرص على روحانيته على اعتبار أنه خطاب ديني وفي نفس الوقت يجب ألا يهمل الجانب المادي، والقرن العشرين هو من قرنين والبشرية تعيش هذا الصراع بين الروحانية وبين المادية، هل التناقض هذا أيضاً مصطنع، أم أن هناك فعلاً مشادة حقيقية بين..؟

د. يوسف القرضاوي: مصطنع فعلاً، لماذا؟ لأن الإنسان بحكم تكوينه.. تكوين الإنسان كما خلقه الله تكوين مزدوج الذي أشار إليه القرآن (إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) فالإنسان فيه الجانب الطيني الأرضي الغرائزي اللحم والدم البشري هذا، وفيه هذا الكائن الجواني هذا.. هذه الروح المحلقة، القلب، العقل، الفؤاد، سمه ما تسميه، هذا الجانب هو حقيقة الإنسان، حقيقة الإنسان ليس هذا هو الغلاف الظاهري، بل هو الشيء الذي يسكنه الذي جاء فيه الحديث إذا.. "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا هو القلب" ولذلك الله -سبحانه وتعالى - حينما أراد أن يجعل في الأرض خليفة لم يجعل هذا المخلوق روحانياً خالصاً كالملائكة، الملائكة يعني رنت واشرئبت إلى هذا المنصب (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) أنتم لا تصلحون لعمارة الأرض ولا للخلافة فيها لأن أنتم روحانية خالصة لا أنتم في حاجة إلى أكل ولا شراب ولا طعام ولا شيء من هذا، هتشتغلوا في الأرض إزاي؟ مافيش دوافع تحرككم إلى هذا، فالإنسان لأنه عنده الروحانية وعنده المادية هو الصالح لعمارة الأرض (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا).

[موجز الأخبار]

ماهر عبد الله: سيدي، عندما نتحدث عن الروحانية وعدم إهمال المادية يعني فيه ملاحظة لا يمكن إغفالها وهو إنه حتى الحركات الإسلامية الإحيائية عندما تتحدث عن الإسلام طابعها العام بعد كل هذه السنوات إنه تحولت إلى حركات مواعظ وإذا شاركت في.. في الحياة فتشارك فقط في الجانب السياسي، يعني الطابع العام للعلوم المادية فضلاً عن الجانب المادي الصرف لحياتنا المعاصرة وهو الاقتصاد والتركيز عليه، يبدو ضعيف حتى في حركة التجديد الإسلامي، ما كُتب في المواعظ، ما كُتب في الأخلاق، ما كتب في الروحانيات الإسلامية في الخمسين سنة الماضية أو المائة سنة الماضية يكاد يكون مئات الأضعاف لما كتب في الجوانب المادية، فكيف سنحافظ على التوازن بين الروحانية والمادية، إذا كان الفكر الإسلامي ينتج من الروحانيات أضعاف ما ينتج من الماديات؟

د. يوسف القرضاوي: بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أعتقد أن مقولتك غير صحيحة فلا شك أن هناك.. إذا نظرنا مثلاً إلى جانب كجانب الاقتصاد، لأن ما هي الروحانية؟ وما هي المادية؟ وما هي مظاهر الروحانية؟ وما هي مظاهر المادية؟ مثلاً الروحانية تتمثل في الإيمان بالله، الإيمان بالآخرة، العبادات الشعائرية، الزهد في.. في الدنيا، إيثار الآخرة على الأولى، دي كلها روحانيات، الماديات تتمثل في الدنيا، المال، الاقتصاد، التكنولوجيا كل ديت هي مظاهر المادية، الذي أراه أن المسلمين في علم مثلاً مثل علم الاقتصاد أنتجوا فيه انتاجاً هائلاً أنا أضرب لك مثلاً، أنا من أكثر من يعني من حوالي خمسين سنة يعني أو أكثر بدأت أكتب في الزكاة، وكنت أبحث في كتب الاقتصاد فلا أجد للاقتصاد الإسلامي ذكراً في الكتب الاقتصادية، يتحدثون عن الاقتصاد عند الفرس وعند الروم وعند اليونان وعند.. وكأن العرب والمسلمين لم يكن لهم اقتصاد يعني قط، هذا ما لمسته أول.. عندما أقيم أول مؤتمر للاقتصاد الإسلامي في مكة المكرمة وتحت رعاية جامعة الملك عبد العزيز في ذلك الوقت قدم أحد الأساتذة الاقتصاديين الدكتور محمد نجاة الله الصديقي قائمة ببلوجرافية بالكتب التي أُلفت في العربية والأردية والإنجليزية، فكان أكثر من ثلاثمائة كتاب، هذه القائمة الآن تضاعفت أضعافاً وقُدِّمت عشرات الرسائل في كليات الشريعة وكليات الحقوق وكليات الاقتصاد وكليات التجارة في موضوعات اقتصادية إسلامية، ماجستير ودكتوراه أقيمت مراكز أبحاث اقتصاد إسلامي، صدرت مجلات اقتصادية يعني..

ماهر عبد الله: إسلامية.

د. يوسف القرضاوي: إسلامية، أقيمت مؤسسات اقتصادية إسلامية مالية، بنوك إسلامية، شركات إسلامية، لو يعني أحببت أن أعمل الآن قائمة بالكتب الاقتصادية الإسلامية لكانت مئات وربما زادت عن المئات ودخلت في الألوف، يعني فلا ينبغي أن نبخس يعني هذا الأمر، لأنه من الصفر.. يعني شوف من الصفر لم يكن هناك شيء بدأ هذا الزحف، وهناك ندوات يعني أنا جئت يعني في الأسبوع الماضي كنت في مكة المكرمة عندنا ندوة اقتصادية، ندوات البركة وهي الندوة الخامسة والعشرين اليوبيل الفضي -زي ما بيقولوا- إن دا الندوة الخامسة والعشرين وأصدرت ندواتها في.. في كتب وفي الكمبيوتر وفتاوى، يعني هذا.. يعني فلا يجوز إن إحنا نقول إن إحنا أهملنا يعني، إنما على مستوى الأمة لا شك إن الأمة أهملت الجانب المادي ولم.. لم تعطه حقه، إذا نظرنا إلى الأمة في مجموعها، البلاد العربية جميعاً دخلها القومي لا يوازي إسبانيا مثلاً، مش ألمانيا أو بريطانيا، حتى يعني إسبانيا، حتى بلاد البترول هذه، فنحن لازلنا متخلفين اقتصادياً، عندنا مواد خام ولكن للأسف نبيعها بأرخص الأسعار، ثم تصنع وتعاد إلينا بأغلى الأسعار، وأنا أقول دائماً أمة سورة الحديد لا تصنع الحديد، الأمة اللي نزلت عليها سورة.. اسمها سورة.. (وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فيه بأس شديد إشارة إلى الصناعات الحربية، ومنافع للناس إشارة إلى الصناعات المدنية ونحن لا أتقنا الصناعات الحربية ولا أتقنا الصناعات المدنية، نحن بلاد زراعية ونستورد أكثر من نصف أقواتنا من العالم الخارجي، فنحن في الحقيقة كأمة مقصرين في هذه..، لم.. لم نقرأ القرآن، لم نفهم قوله تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) ليس عندنا.. حتى يوم الجمعة عندنا يوم عمل ما فيش عندنا تعطيل (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) قبل الصلاة. (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ) يعني كانوا بيبيعوا ويشتروا قبل الجمعة وبعد الجمعة (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) سيدنا عمر لما رأى جماعة بعد الصلاة قابعين في المسجد سألهم: أنتم أيه؟ من أنتم؟ قالوا: نحن متوكلون. قال: بل أنتم متأكلون، إن الله.."لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض" وعلاهم بالدرة وقال: أما سمعتم قول الله تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) أخرجهم من المسجد، نحن لم نفقه قرآننا ولم نفقه سنة نبينا، ولم نفقه ديننا كما ينبغي أن نفقهه، شاعت الأفكار الصوفية المنحرفة، حتى مش الصوفية الحقيقية كان بعض الصوفية يعني.. يعني يسلك مريديه ويقول: ما أحسن أن يكون منشار النجار سبحته، سبح وأنت بتنشر كده قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله..، كان هكذا الشيخ علي الخواص والناس، ففيه صوفية يريدون إنه.. الدراويش قاعد تنبل ويريد الناس أن يتصدقوا عليه و.. لأ.. الصدقة إنما جُعلت لأصحاب الآفات والعاهات، لا تحل.. الحديث يقول: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" يعني.. ولما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني اثنين يعني جاءا.. جاءا يسألانه، فصعَّد فيهما النظر وصوَّبه وقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولكن لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" يعني علمهم هذا، القوي المكتسب ما لوش حظ، فهذه الأفكار الحقيقة الميتة المميتة هي التي انتشرت بين المسلمين في عصور التخلف وعصور التراجع الإسلام، عصور القوة والازدهار لم تكن لهذه الأفكار قيمة مؤثرة في الحياة.

بعض خطابنا الديني بيتبنى هذه الأفكار الميتة، يعني للأسف.. يعني أنا لا أنكر إن هناك من الناس الذين يعني يتولون الخطاب الديني لا يحيون الأمة بل يميتون الأمة بإشاعة مثل هذه المفاهيم التي تعطل المَلَكَة الإبداعية عند الإنسان، نحن عندنا.. لأ ليس عندنا إن الإنسان يقعد يتعبد لله ويترك العمل، العمل عبادة، العمل في نظر الإسلام عبادة والعمل جهاد، يعني جاء في الحديث أن الصحابة رأوا رجلاً يعني مفتول الذراعين قوياً، يعني جلداً، فقالوا لو كان جلده ونشاطه في سبيل الله؟ يعني في الجهاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كان يسعى على أبوين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على وُلد صغار فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى رياءً ومكاثرة فهو في سبيل الشيطان"، فاعتبر هذا في سبيل الله، فالعمل للدنيا هو عبادة وجهاد، ولما ذكر الله عُبَّاده رواد المساجد لم يذكرهم إنهم ناس دراويش، من هم رواد المساجد، رواد بيوت الله؟ قال (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) هؤلاء رواد المساجد، لا تلهيهم تجارة ولا بيع، هم يعني أصحاب أعمال يعني وأصحاب تجارة، اللي إحنا بنقول عليهم الآن (بيزنس)، يعني ناس.. فهؤلاء هم رُوَّاد المساجد، والمسلمون لا يجدون يعني تناقضاً بين العمل للدنيا والعمل للآخرة، الدعاء المشهود (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "نعم المال الصالح للمرء الصالح" والله تعالى امتنَّ على رسوله قال (وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) وكان كثير من الصحابة أغنياء، مثل أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وهؤلاء كانت لهم ثروات وهم من العشرة المبشرين بالجنة، ومرشحين لخلافة المسلمين وبعضهم تولَّى الخلافة بالفعل، فهذا هو.. هذه النظرة الإسلامية للجانب المادي في الحياة، الجانب المادي في الحياة ليس رجساً من عمل الشيطان، ما دمت تأخذه من حِلِّه وتنفقه في حقه، هذا يعني.. بهذا تبرأ من التَبِعَة.

ماهر عبد الله: طيب نسمع من الأخ عبد الله خليل من فلسطين، أخ عبد الله اتفضل.

عبد الله خليل: السلام عليكم ورحمة الله.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله خليل: والله يا أخ ماهر أنا فيه إلي يعني زي ما بيقول مداخلة اتصل على كل الحلقات، ففي هذا البرنامج (الشريعة والحياة) يكثر اتصال أفراد من حزب التحرير يطلبون من الضيوف أن يدعو إلى الخلافة، أرجو أن يتسع صدرك لبعض الفقرات ودقائق معدودة.

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: لا إذا.. اسمح لي أخ عبد الله، إذا تتحدث عن الخلافة أنا هأضطر أقطعك، إحنا بنتحدث عن هذا الموضوع، أنا مقدر قيمة الخلافة وأؤمن بفرضية الخلافة وواجب السعي لموضوع الخلافة، لكن هذا ليس موضوعنا.

عبد الله خليل: اسمعني بس دقيقة واحدة.. آلو.

ماهر عبد الله: والله يا سيدي يعني أنت اللي اعذرني، أنا قلت لك يعني أنا أؤمن والشيخ قال ذلك أكثر من مرة فرضية السعي لها، لكن خلينا في موضوعنا لأنه لن ننجز إذا.. إذا في كل مرة إحنا.. خلينا نسمع من الأخ صلاح عبد الحي من الأردن، أخ صلاح اتفضل.

صلاح عبد الحي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

صلاح عبد الحي: والله دقيقتان يا أخ ماهر لو سمحت.

ماهر عبد الله: اتفضل.

صلاح عبد الحي: حتى يكون يعني الكلام منتج مش.. يعني مقطوع أو مبتور.

ماهر عبد الله: اتفضل.

صلاح عبد الحي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

صلاح عبد الحي: إن الإسلام قد حدَّد طريقة معينة لكل مفهوم أو أمرٍ أمرنا الله به، فالطريقة لا تتغير إلا بحسب فهم الإنسان أو المجتهد لها، ولكن الأسلوب يتغير حسب الزمان والمكان وحسب الشخص الذي يقوم بالتبليغ، فالإسلام بدأ أولاً في الجزيرة العربية من قِبَل جماعة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- واقتصرت على الجزيرة العربية فقط، وحينما أسس النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة الكيان السياسي وبعد ست سنين من هذه.. من هذه الدولة نزل عليه قوله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- إثر هذه الآية رسائل إلى ملوك العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وينذرهم إذا لم يستجيبوا لهذه الدعوة بقوله -صلى الله عليه وسلم- "اسلم تسلم"، وهذا تهديد يعني يبدأ قبل المعركة، فالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- حينما بلغ ملوك العالم أخذ يمتد خارج الجزيرة العربية شيئاً فشيئاً وأكمل الصحابة -رضي الله عنهم- بعد ذلك..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: أخ.. أخ صلاح.. أخ صلاح اسمح لي، خليك معايا على الخط يا أخ صلاح، أيش علاقته هذا بموضوعنا اليوم؟

صلاح عبد الحي: ما هو على أساس كيف نخاطب العالم إحنا كأفراد دون أن يكون هناك دولة تُبلِّغ، يعني أميركا وأوروبا بعد فترة الاحتلال..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب الرسول -صلى الله عليه وسلم- يا أخ صلاح يعني معذرة برضو للمقاطعة مرة أخرى، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل أن أنشأ [ينشئ] الدولة يا سيدي مكث 13 عاماً يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة إلى أن تمكن من أن يكون له دولة وبعد يتصرف تصرف الدولة، وليس تصرف الداعية.

نسمع من الأخ وليد الهللي من السعودية، أخ وليد تفضل، أخ وليد، فقدنا الاتصال بالأخ وليد.

موقع الترويح عن النفس في الخطاب الإسلامي

سيدي، بعد الروحانية والمادية تتحدث عن يعني ثنائية أخرى قد تكون أكثر إثارة للجدل في.. في زماننا هذا، الذي تواجه فيه الأمة الكثير من الصعاب، والكثير من.. من المؤامرات، لكن في المحصلة النهائية يجب أن يكون الإنسان بعيد النظر، ولا يحصر تفكيره في جزئية الأزمة التي نعيشها، تتحدث عن ضرورة أن يتمتع هذا الخطاب بقدر عالي من الجدية والاستقامة، دون أن يكون ذلك على حساب حق الناس الطبيعي في اللهو والترويح والمرح، يعني كما ترى من مجمل الهواتف التي تجيء، يعني أي خروج عن الموضوع السياسي الصلب يعتبر عند البعض خروج عن الإسلام وانحراف عن.. عن الطريقة النبوية، كيف نقنع الناس بأنه للهو وللترويح وللمرح حظ، وربما حظ كبير في هذا الخطاب، ونحن نواجه كل هذه الصعاب؟

د. يوسف القرضاوي: في الواقع إن هذا من مزايا هذا الإسلام العظيم، أنه دين التوازن، يعطي لكل شيء حقه، ويضع كل شيء في موضعه، فهو يعني يطلب من الإنسان أداء الواجب، ولا ينسى أن يعطي الإنسان حقه، ولذلك فهو يدعو إلى الجِد، ويدعو إلى الاستقامة، ويدعو إلى الطهارة، ويشدد يعني في ذلك أداء الفرائض واجتناب المحرمات، هذا يعني لا تهاون فيه بإطلاق خصوصاً الأشياء الأساسية، فيه أشياء يمكن يعني التساهل فيها، النوافل، يعني حينما جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله عن الإسلام وقال له الصلاة والزكاة والحج والصيام، قال: هل عليَّ غيرها؟ الفرائض دي؟ قال إلا أن تتطوع، فيعني الراجل قال له أنا لا بأتطوع ولا.. والله لا أزيد على هذا ولا أنقص يا رسول.. قال أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق، هذه الأشياء الأساسية لا تهاون فيها، المحرمات أيضاً لا.. بل المفروض إن الإنسان، يعني المطلوب من المسلم إذا بلغ مرتبة في الرقي أن يترك حتى الشبهات "الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن وبينهما مشتبهات -يعني لا يعلمون- فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"، ولكن بعد أن يؤدي الفرائض، ويجتنب المحرمات، هناك مجال لأن يروِّح عن نفسه، هذا شأن الإنسان، الإنسان لا يمكن أن يظل على حالة واحدة من السمو الروحي، وهذا حدث عند بعض الصحابة كما روى الإمام مسلم في صحيحه، أحد الصحابة اسمه حنظلة، كان عند النبي -صلى الله عليه وسلم- على حال من الشفافية والرقة، وعندما عاد إلى البيت لاعب الأولاد وداعب امرأته، وانشغل بدنياه، قال: الله، إن هذا نفاق، أنا عند رسول الله بحال، وفي البيت بحال، قال لأ قال له دا ليس إيماناً، هذا نفاق، وخرج من بيته يعدو ويقول نافق حنظلة، نافق حنظلة، قابله أبو بكر في الطريق وهو يقول لأ ما نافق، قال له لأ بل نافق حنظلة، حتى ذهبا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- أيه القصة؟ قال يا رسول نكون عندك في حال، توجل قلوبنا، وتدمع عيوننا.. عيوننا، ونرق كأننا نرى ربنا، ثم نعود إلى البيت فنعاكس الأزواج ونداعب الأولاد، وننسى ما كنا فيه، فقال: "يا حنظلة، لو أنكم بقيتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" ساعة.. كما نعبر في المثل نقول: "ساعة لقلبك وساعة لربك"، وكما قالت إحدى النساء الصالحات كما روى الأصمعي إنه رأى امرأة في البادية تصلي ويعني بخشوع، وبعد الصلاة أمسكت مرآتها وظلت تزين في نفسها وتهندم في نفسها، فقال لها أين هذا من هذا؟ فأنشدت تقول:

ولله مني جانبٌ لا أضيعه وللهو مني والبطالة جانب

يقول فعرفت أنها امرأة لها زوج تؤدي حق الله، وتتزين وتتجمل لزوجها، فهذا هو.. فالإسلام لا يمنع الإنسان أن يكون له حظ من الترويح والترفيه، ولذلك قال سيدنا علي: "إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة"، ويقول: "روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أُكره عمي"، ولذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعني يمزح مع أصحابه، ولا يقول إلا حق، بعض الناس يظنوا كأن الدين هو العبوس، وأن تلقى الناس مقطب الجبين، كاشر الوجه، لا تبتسم ولا تضحك، مع إنه من أوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال عبد الله بن الحارث بن جَزْم ما رأيت أكثر تبسماً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومزاح النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الصحابة روي في كتب، ومزاح الصحابة بعضهم مع بعض، يعني شيء هائل، واحد من المحدثين عمل كتاب اسمه "الفكاهة والمرح" الزبير بن بكار، كتاب كان اسمه.. وذكر فيه أشياء يعني كثيرة، وحينما زَفَّت عائشة -رضي الله عنها- فتاة كانت عندها، وسأل عن الفتاة قالت له زفت إلى زوجها يا رسول الله، قال لها هلاَّ كان معهم لهو، قالت له لأ، قال لها لأ هلا كان.. قال فإن الأنصار يعجبهم اللهو، يعني الأنصار كان ناس يعني أصحاب زي ما نقول فرفشه، يحبوا يضحكوا، يقول "هلا كان معهم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، وفي رواية هلا بعثتم لها من.. معها من تغني وتقول:

أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم

ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم

إلى آخره، حتى اقترح عليهم الأغنية التي يقولوها فكان النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يحب أن تكون الحياة من حوله كئيبة، الإسلام يرفض الاكتئاب، ويرفض الحزن، النبي -عليه الصلاة والسلام- مما استعاذ بالله منه، وعلمه للمسلمين أن.. "اللهم إنَّي أعوذ بك من الهم والحزن" يعني فالشخصية المتفائلة المبتسمة التي تلقى الحياة بروح عذبة، هي هذه التي يريدها الإسلام.

[فاصل إعلاني]

ماهر عبد الله: نستمع من الأخ عبد العزيز حسن من الإمارات، أخ عبد العزيز تفضل.

عبد العزيز حسن: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام والرحمة.

عبد العزيز حسن: بأحييك يا أخ ماهر.

ماهر عبد الله: حياك الله.

عبد العزيز حسن: بأحييك يا أخ ماهر وبأحيي الدكتور يوسف، وكل سنة وأنتم طيبين.

ماهر عبد الله: وأنت طيب يا سيدي.

عبد العزيز حسن: وبأحيي شهداء الانتفاضة الأحياء عند ربهم يرزقون، الحقيقة الدكتور يوسف وحشني جداً باللغة المصرية يعني قبل ما أبدأ الحوار، هو حضرتك أنا بأوجه رأيي للدكتور يوسف بخصوص مسألة الربط أو الدمج ما بين الروحانيات والماديات، وانطلاقاً من مقولة سيادته بأن الدين الإسلامي دين توازن ودين وسطية، وهو رائد في المدرسة الوسطية في العالم الإسلامي، ليه إحنا كرجال دين في العالم الإسلامي وعلماء أساتذة جامعة أو رجال علم، ليه ما بنتحدش نندمج في شكل إنتاج علمي، يعني نعمل منظومة، يعني الدكتور يوسف لسه من شوية بيقول أيه، أنا بأكتب في الاقتصاد الإسلامي، بأكتب في الزكاة، الوقتي أنا كأستاذ بيزنس لما آجي أكتب في الدين، أو أكتب كتاب بيزنس مدعم بالدين هأتعب، لأن هأرجع لـ Feed backوBack ground عشرات السنين، الدكتور يوسف ضيع عمره فيها، فليه ما نتحدش؟ دمج ما بين البيزنس وما بين الدين. مثلاً على سبيل المثال لو إحنا عملنا كتاب مثلاً سيمناه تسويق الفكر الإسلامي في الغرب، دكتور يوسف يتكلم فيه بمنظور خلفية إسلامية، وواحد عالم تاني يتكلم فيه بمنظور تسويقي متعلمين في الغرب ودارسين في الغرب، وعارفين فكر الغرب، وبيتكلموا زي الغرب، والكلام دا كله، أنا أذكر آخر مقال كتبته في القاهرة قبل ما آجي في مجلة "التسويق والإعلان" سميته التسويق السياسي لتفعيل دور الأحزاب السياسية في مصر، أشرت فيه في مطلعه إن تخلفنا كمسلمين ونعتنا بالإرهابيين في العالم كله يرجع إلى تقصيرنا إحنا كرجال دين وكأساتذة جامعة في تسويق الفكر الإسلامي الصحيح في الغرب، يعني إمبارح -على سبيل المثال- كنا منظمين ندوة في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا هنا في الإمارات، حول رؤية حول التمويل الإسلامي، لقيت إن رجال الدين بيتجهوا في اتجاه.. في خط، ورجال العلم أو الماديات أو أساتذة البيزنس -زي ما سماهم الأستاذ القرضاوي- ماشين في خط، الكلام ده ممكن في الندوات والمؤتمرات ندمج الرأي، لكن ليه ما يطلعش إنتاج علمي، منتج كده Product..

ماهر عبد الله: أخ.. أخ عبد العزيز.. دكتور عبد العزيز يعني أتوقع إنه النقطة واضحة، إن شاء الله تسمع من الشيخ تعليق عليها، نسمع من الأخ سليمان السناوي من مصر، أخ سليمان تفضل.

سليمان السناوي: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

سليمان السناوي: إزيك يا أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: حياك الله، تفضل أخ سليمان.

سليمان السناوي: بأحيي الشيخ يوسف القرضاوي، وليَّ سؤال حقيقة أنا مش مداخلة، أنا عايز شوية استفسارات كده شغلاني وتعباني نفسياً يعني.

الأمر الأول: إن الأمة الإسلامية بما فيها من تطاحنات واختلافات كثيرة، إحنا نؤمن أولاً إنه القرآن حق وأن النبي حق صلى الله عليه وسلم، وأن الله موجود، ولكن هل يعني تغيُّب نصر الله عن الأمة والاختلافات اللي إحنا فيها ديت، يعني مش عايز أوصل إلى مسألة الشك في الله وفي الإسلام، إنما لما هُدِم صنم (بوذا) زالت الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية، لنا أكثر من 200 سنة لم يأتِ نصر على أيدي المسلمين، سواء كان بضعف منا أو بتخاذل أو ببعد عن الدين أو ببعد أو بمعاصي أو ما شاكل ذلك، لكن عايز أوصل إلى هل لعنة الفراعنة ولعنة الأصنام أشد وأنكى وأقوى من لعنة الله على الكافرين، يعني هو سؤال: ليه ربنا ما بينصرناش وجعلنا يعني لقمة.. لقمة سائغة في أيدي الكافرين؟

ماهر عبد الله: طيب بس.. طيب سؤال واضح، فيه سؤال غيره أخ سليمان؟ سؤال واضح عندك سؤال ثاني أخ سليمان؟

سليمان السناوي: بس.. جزاكم الله خير.

ماهر عبد الله: طيب شكراً جزيلاً، نسمع من الأخ عبد الله أبو مشاري من قطر، أخ عبد الله تفضل.

عبد الله أبو مشاري: السلام عليكم.

ماهر عبد الله: عليكم السلام ورحمة الله.

د. يوسف القرضاوي: عليكم السلام ورحمة الله.

عبد الله أبو مشاري: مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور يا سيدي.

عبد الله أبو مشاري: كيف حال الأخ ماهر.

ماهر عبد الله: أهلا بك تفضل.

عبد الله أبو مشاري: وكيف حال شيخنا الشيخ يوسف القرضاوي.

د. يوسف القرضاوي: حياك الله يا أخي. بارك الله فيك.

عبد الله أبو مشاري: إن شاء الله طيب شيخ يوسف.

د. يوسف القرضاوي: الحمد لله رب العالمين.

عبد الله أبو مشاري: يا أخ ماهر عند نقطتان ويعني كلمة تذكير، يعني أرجو ألا تقاطعني أخ ماهر، النقطة الأولى هي لك ترى يا أخ ماهر، فأرجو يعني تتقبلها بصدر رحب كما عهدناك، إن شاء الله، قلت في الأسبوع الماضي حاسبونا على ما نقول، أقول لك يا أخ ماهر أنت قلت هذا البرنامج ليس محصوراً لتيار واحد معين، ولكن فلنعمل إحصائية لعدة.. لعدة سنوات سابقة، سوف نجد أن أكثر من 70% من حلقات هذا البرنامج لتيار الشيخ يوسف، ولكن أنا أسأل أطرح سؤال، أين التيار (..)؟ وأين التيار السلفي الجهادي المنتشر في المنطقة؟ وخاصة في ساحات الإنترنت؟ وأين جماعة التبليغ؟ وأيضاً أين الطوائف الأخرى مثل النصيرية والدروز وإلى آخره.

النقطة الأخرى اللي هي موضوع الخطاب، أقول يعني أقترح أن يكون لنا خطاب موحَّد، وليس لكل تيار خطاب، وعلى الأقل أن يكون لنا خطاب في المسائل التي نتفق عليها، وهي كثيرة ولله الحمد، وأرى لا فائدة من أن كل تيار له خطاب يخالف به خطاب التيار الآخر، لماذا لا ينبثق منا يا شيخ يوسف؟ لماذا لا ينبثق من رؤانا المشتركة خطابنا الموحد؟

وأما كلمة التوجيه، كلمة عفواً التذكير في أقول حق أخوي حمد بن ثامر (رئيس مجلس إدارة قناة الجزيرة) وأذكر أخوي حمد إن قناة (الجزيرة) لمشاهدي (الجزيرة) وليست فقط لموظفي (الجزيرة) مع احترامي وتقديري لهم، وشكراً.

ماهر عبد الله: طيب شكراً لك يا أخ أبو مشاري، يعني ندخل في.. في الأسئلة سيدي، أخ عبد العزيز يقول لماذا لا يكون هناك إنتاج علمي موحد؟ يجمع بين..

د. يوسف القرضاوي: لا أنا أولاً يعني أريد أن أرد على هذه النقطة بالنسبة للأخ أبو مشاري، وهو إنه يعني ليس من الضروري أن يكون برنامج معين يفتح لكل الناس، ممكن قناة تعمل برنامج لشخص واحد، يعني مثلاً الفضائية المصرية كان فيها برنامج إسلامي يقوم به أخونا -الله يرحمه- الدكتور عبد الله شحاته، اسمه (دنيا ودين)، الشيخ عبد الله شحاته في كل أسبوع بيرد على الناس، فيه برنامج في الكويت مثلاً بيقوم به الشيخ عديل النشمي، دكتور عديل النشمي، فيه في السعودية برنامج يقوم به الشيخ عبد الله بن منيع، يعني.. يعني ليس وهم (الجزيرة) حينما أرادت هذا البرنامج جعلت البرنامج ليَّ أنا، البرنامج ده برنامجي، يعني أنا المكلف بهذا البرنامج أساساً منذ بدأت (الجزيرة)، كون البرنامج نجح وأصبح له جمهور كبير، ويطمع بعض الناس إنه هم يخطفوه هم ويحولوه، هذا كلام لا.. لا.. وبعدين أنا لست يعني محسوباً على أحد، إن كان الأخ يقول إن البرنامج موحد.. ما إحنا.. هذا هو عملنا هذا، اللي إحنا بنقوله من عدة أسابيع، إحنا عايزين خطاب موحد، خطاب إسلامي معاصر يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويحرص على الثوابت، ويوازن بين الثوابت والمتغيرات، ويجمع بين الروحانيات والماديات، ويؤمن بالوحي ولا يغيب العقل، هذا هو..نحن نريده للأمة مش.. مش خطاب يوسف القرضاوي هذا ولا حمد بن ثامر ولا (الجزيرة) هذا خطاب إسلامي للأمة كلها لماذا يعني.. فأنا يعني أعجب لأن الإخوة الذين يعني يريدون إنه أي.. أي برنامج يجب يكون لجميع الناس، لأ ليس من الضروري هذا أبداً، يعني ما..

ماهر عبد الله: يعني هو شوف الأخ أبو مشاري وحتى الإخوة اللي احتجوا في.. في الماضي هي لو كان البرنامج فقهي على برنامج اللي ذكرته في الفضائية المصرية ربما ما كانش ثار هذا الجدل، بس لأننا نتحدث في مواضيع.

د. يوسف القرضاوي: حية تشمل الحياة، ويعني تتناول..

قيمة توحيد وتسويق الفكر الإسلامي

ماهر عبد الله: نعم.. على كل الأحوال هي يعني من حقهم أن يعبروا من وجهات النظر، لكن في الأخير برضو سياسة البرنامج واضحة ومعلومة، وما أعتقد إنه أنها ستتغير.

طيب لو عدنا لسؤال الأخ عبد العزيز قيمة تسويق الفكر الإسلامي، ما هو تحدث عن الخطاب، في المحصلة النهائية الخطاب هو أداة تسويق، أنت تريد أن تبيع ما.. ما تملك، تعرضه على الناس، لماذا لا يكون هناك إنتاج علمي موحد يسوق؟ أو يسوق من خلاله الفكر الإسلامي في الغرب؟

د. يوسف القرضاوي: هو إذا كان يعني لابد من استعمال كلمة التسويق ديت يعني هو يعني هذه البرامج هي يعني من آليات تسويق الفكر الإسلامي ونشر الفكر الإسلامي على مستوى العالم، لا شك أن الفضائيات هي من هذه الأدوات التي سخرها الله لنا، والإنترنت والإذاعات الموجهة والرسائل التي تترجم بلغات شتى، كل دي من أدوات، وهناك يعني أعمال يعني فيها إنتاج يعني موحد، ويتعاون فيها رجال العلم ورجال الاقتصاد، أو رجال الطب ورجال الفقه، يعني أذكر من الأمثلة الحية لهذا المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت، هذه المنظمة تجمع دائماً بين الفقهاء والأطباء علماء الفقه وعلماء البيولوجيا و.. وعلماء الطب يجتمعون لبحث قضية من القضايا زي قضية موت الدماغ أو بداية الحياة ونهايتها أو الأشياء الإنجاب والأطفال المعوَّقين وزرع الأعضاء وأشياء كثيرة، يبحثها رجال الفقه ورجال الطب، رجال الطب بيشرحون القضية بما عندهم، ورجال الفقه يناقشونه ويتناقش الجميع ثم تصدر توصية من الجميع أو القرار، وكثيراً ما انتفع المجمع الفقهي بهذه الدراسات، فهذا.. نحن في المجامع الفقهية مثلاً في المجتمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي وأنا أتشرف بعضويته، أحياناً نبحث قضية اقتصادية فنأتي بخبراء اقتصاديين يشرحوا هذه القضية، أحياناً قضية فلكية نأتي بالفلكيين، قضية تتعلق بأمراض النساء والوراثة والاستنساخ، والحاجات.. يعني نأتي بالمتخصصين، وخصوصاً المتخصصين الذين عندهم اهتمام بالثقافة الإسلامية، يعني مما ينفع في هذا.. أن يكون العالم الإسلامي عنده إلمام بالمعارف العلمية، يعني أنا يعني أنا يعني -وأعوذ بالله من كلمة أنا- اضطررت يعني وأنا بأبحث في الزكاة أنني أقرأ في الاقتصاد أصبح عندي شيء من المعرفة بالاقتصاد وبلقائي مع الأطباء في المنظمة الإسلامية أصبح عندي معرفة بجوانب يعني طبية تنفع في هذه الناحية، بحيث إني أستطيع أن أحكم على الشيء بعد أن تصورته تصوراً ما، فأحياناً يكون للعالم يعني الطبي أو الاقتصادي أو الفلكي أو الفيزيائي يكون عنده إلمام بالجانب الشرعي، أو أحيانا العاِلم الشرعي عنده إلمام بالثقافة العلمية وهذا هو الذي يعطي كثيراً من التزاوج، ويؤدي إلى ثقافة حية ونافعة في هذا.. نعم.

ماهر عبد الله: نسمع من الأخ وليد الحلبي من السعودية، أخ وليد تفضل.

وليد الحلبي: أخ ماهر مساء الخير.

ماهر عبد الله: مساء النور.

وليد الحلبي: وكل عام وأنتم بخير أنت وفضيلة الشيخ.

ماهر عبد الله: وأنت بخير وسلامة.

د. يوسف القرضاوي: وأنت بصحة وسلامة يا أخي، بارك الله فيك.

وليد الحلبي: فيه -أخ ماهر- في حياتنا الثقافية مجموع من الأخطاء اللغوية والتاريخية وللأسف هذه الأخطاء ترسخت حتى وصلت إلى مكان الصح، والصح التغى منها نهائياً، وهذا ربما يكون مقبولاً لأنه لا يمس جوهر العقيدة أو يمس بالخصوص كرامة الأنبياء، ومداخلتي بالخصوص هنا عبارة عن نقطة مهمة وملخصة بالتالي، سيدي نحن محمديون أتباع محمد عليه السلام، إخواننا العيسويون أتباع عيسى عليه السلام، والموسويون أتباع موسى عليه السلام، ولكن من هم اللوطيون، للأسف أنا لا أتكلم كلاماً بذيئاً، أنا أتكلم عن أهل لوط الذين آمنوا به إلا امرأته كانت من الغابرين أو (قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ)، أما ذلك التراثي العربي الذي أقحم أحرف نبي كريم عظيم هو النبي لوط -عليه السلام- أقحمه إقحاماً في الشذوذ الجنسي، وأصبحت الإشارة إلى الشذوذ الجنسي تقتضي منا استخدام هذه الأحرف الثلاثة واتخذنا منها مصدراً فهذا ما لا يمكن القبول به وما لا يمكن السكوت عليه، وهذا -والحق يقال- مذمة كبيرة درجت على ألسنة المسلمين لمئات السنين، ولو كان غير المسلمين هم الذين نحتوا هذه الكلمة لفتحنا عليهم آخر أسلحتنا، وهي الألسنة الحادة، غير المسلمين لم ينحتوا.. إنما نحتت من داخل البيت الإسلامي وعلى يد -للأسف- علماء مسلمين ربما وللأسف تصدر تصدر.. تصدر.. ضمن..

ماهر عبد الله [مقاطعاً]: طب أخ وليد.. أخ وليد.. أخ وليد.. أخ وليد النقطة واضحة أخ وليد النقطة واضحة، عندك ملاحظة أخرى.

وليد الحلبي: عندي اقتراحات بسيطة جداً أعددها:

المقترح الأول: أن يتفادى كل مسلم استخدام هذه الأحرف الثلاثة للنبي لوط -عليه السلام- على لسانه، في الدلالة على الفعل المشين.

الاقتراح الثاني: يوجه الشيخ يوسف -أطال الله في عمره- نداء إلى المجامع الفقهية.. الفقهية واللغوية لتحريم هذا الأمر.

ثالثاً: يمتنع الناشرون عن نشر أو وإعادة طبع أي كتب تحمل هذا الكلام.

ورابعاً وأخيراً: يخصص خطباء الجمعة بعضاً من خطبهم للتنبيه لهذه الخطأ الفادح، وشكراً.

ماهر عبد الله: طيب، مشكور جداً يا أخ وليد، شكراً جزيلاً يا أخ وليد، نسمع من الأخ محمود عبد الكريم من لبنان، أخ محمود تفصل.

محمود عبد الكريم: السلام عليكم فضيلة الشيخ وأستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمه الله

د. يوسف القرضاوي: وعليكم السلام ورحمة الله.

محمود عبد الكريم: أستاذ ماهر عندي تساؤل في صلب موضوعك، فأرجو أن تعطيني الفرصة عن تطوير الخطاب الديني.

ماهر عبد الله: ممكن بس تنزل صوت التليفزيون عندك يا أخ محمود.

محمود عبد الكريم: نعم.

ماهر عبد الله: تفضل.

محمود عبد الكريم: تساؤلي عن تطوير الخطاب الديني لكن قبل ذلك أريد أن أقدم فيه مقدمة لسؤالي، وأبدأ من حيث بدأت يا أخ ماهر، الهوة تتسع بيننا وبين الغرب نعم، السبب في ذلك هو وعي الأمة على دينها وبعد ذلك شعور الغرب القوي مادياً ذو الحضارة القائمة على أساس فصل الدين عن الحياة، شعوره وإدراكه لاستيقاظ المسلمين على دينهم، وبالتالي لخطر الإسلام والمسلمين على وجهة النظر الغربية القائمة على فصل الدين عن الحياة، الإسلام ومفاهيمه وحضارته يقوم على أساس أن تُساس الحياة وشؤونها والمجتمعات بالإسلام، والغرب حضارته تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، في العقود السالفة كان المسلمون أبعد عن دينهم، وعن فكرتهم عن الحياة، وعن غايتهم في الحياة، لم يظهر هذا الفرق واضحاً بين المسلمين وغيرهم، وإن كان كبيراً بين الإسلام والحضارة الغربية، فالفرق بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب أو الشرق أو غير ذلك هو الفرق بين الإسلام والجاهلية، هو الفرق بين العبودية لله ورفض العبودية لله، وجعلها لغير الله، هذا في الأساس وينعكس على الفروع والتفاصيل، بوعي الأمة على دينها ظهر الفرق، مما حمل الغرب على أن يُطلق على الإسلام أنه إرهاب وأنه يسعى بجيوشه وسياساته ومخادعاته وإلى غير ذلك إلى القضاء على الإسلام.

الحديث عن تطوير الخطاب الديني عبر الاقتراب منهم قليلاً علهم هم يقتربون قليلاً أو كما ذكرت أخ ماهر لا يهمنا ماذا يفعلون؟ ولكن يهمنا ماذا نفعل نحن، أي علَّنا نقترب منهم قليلاً، هذا الحديث ثم بعد ذلك نزيل الفجوة أو نضيقها بيننا وبينهم، هذا الحديث خطر، ويدفعنا إلى التساؤل، حسبما أفهم من الكلام أننا نريد أن نغير بعض الأحكام الشرعية بحجج أو بذرائع شتى، مثل التطوير، التجديد، الوسطية، كل هذه التعابير والمحاولات بصراحة تثير التساؤلات، لا أقول شكوك، أقول تثير التساؤلات أولاً، وهذه التعابير تحتمل معانٍ، أبرزها أبرز معنى محتمل لها تغيير أحكام الدين، قد يقول فضيلة الشيخ لن نغير ديننا ولن ندور، حسناً إضافة إلى قوله أنه يقصد الأساليب أو التقنيات أيضاً حسناً هذا لكن عندما يتحدث فضيلة الشيخ عن الثوابت والمتغيرات يبرز مرة أخرى الحديث عن التغيير للأحكام، يعني يبرز التساؤل، وهذا يحتمل معانٍ مثيرة ويؤكد هذا الأمر.. عندي نصف دقيقة..

ماهر عبد الله: أخ محمود.. أخ محمود بس أعطيني مثال على الأحكام التي طالب الشيخ بتغييرها لإرضاء هذا الطرف أو ذاك، حتى نكون عمليين يعني.

محمود عبد الكريم: أستاذ ماهر عندي.. عندي.. عندي نصف دقيقة..

ماهر عبد الله: أنا أكتفي بمثال واحد.. مثال واحد، أين هو الحكم الشرعي.. أين هو؟

محمود عبد الكريم: الديمقراطية، أستاذ ماهر..

ماهر عبد الله: تفضل.

محمود عبدا لكريم: أستاذ ماهر.. أستاذ ماهر، دعني أقول الديمقراطية عندما نتصور.. نصور الديمقراطية هي مجرد الانتخاب، وحقيقة الديمقراطية تعني أكثر من ذلك..

ماهر عبد الله: أخ محمود.. أخ محمود اسمح لي اصبر عليَّ، هأعطيك الفرصة يا أخ محمود اصبر عليَّ أنا هأعطيك فرصة تجاوب أعطيني مثال على حكم شرعي، الديمقراطية ليست حكم شرعي منتج حديث ليس لم يرد فيه نص، ولم يرد عليه إجماع، أعطيني مثال حتى نخرج من دائرة التعميم وإلقاء التهم جزافاً، أعطيني مثال، القرضاوي موجود سيرد.. سيرد عن نفسه، إذا أقنعتني بذلك، أنا سأتهمه على الهواء مباشرة، ما هو المثال الذي طالب فيه الدكتور القرضاوي بتغيير حكم شرعي لإرضاء هذا الطرف أو ذاك؟

محمود عبد الكريم: أنا أعطيك… أنت.. سأعطيك مثال..

ماهر عبد الله: تفضل.

محمود عبد الكريم: سأعطيك مثال.

ماهر عبد الله: تفضل.

محمود عبد الكريم: شراء البيوت بالقروض الربوية، لكن أنا أريد أكثر من ذلك، أنت أستاذ ماهر معك الحق لترد في ساعة أو في حلقات.. اسمح لي بنصف دقيقة اسمح لي أنا أريد، هناك.. أستاذ ماهر.

ماهر عبد الله: تفضل، تفضل أنت على الهواء يا سيدي.

محمود عبد الكريم: التغيير.. التغيير في الأصول.. التغيير في الأصول أخطر من التغيير في الفروع..

ماهر عبد الله: يا سيدي، هذا الكلام على رأسي.. أخ محمود الله يخليك هذا الكلام على رأسي وكلام صحيح، أنا سؤالي واضح، ما هي الأصول التي دعا القرضاوي إلى تغييرها لإرضاء هذا الطرف أو ذاك؟ سؤال واضح وبسيط وما يحتاج لساعة ولا سويعات..

محمود عبد الكريم: عندما تتحدث عن التطوير..

ماهر عبد الله: تقول أن هناك مضامين لتغيير أحكام شرعية فأنا مضطر للأسف الشديد أن.. أن.. أن أقطع هذا الحوار، نسمع من الأخ محمد الجابري من فلسطين.

د. يوسف القرضاوي: أنا أريد أن أعلق على هذا الكلام..

ماهر عبد الله: بس نسمع الأخ محمد.

محمد الجابري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

ماهر عبد الله: تفضل أخ محمد.

محمد الجابري: شكراً، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ماهر عبد الله: وعليكم السلام ورحمة الله، تفضل سيدي.

محمد الجابري: إذا سمحت، تفضل الدكتور.. فضيلة الدكتور، وصدق حينما قال بأن الغرب يأخذ البترول ومن ثم.. بأسعار بسيطة جداً ورخيصة ثم يبيعها لنا بسعر غالٍ، وكذلك نزرع ولا تكفي زراعتنا، علماً الجميع يعرف بأن أرض السودان لوحدها لو اُستغلت لأكفت العالم الإسلامي بزراعتها إن الله قد حبا هذه الأمة ببيت العز والرجال عددهم -ما شاء الله- ما يزيد عن مليار و200 مليون نسمة، لكنهم غثاء كغثاء السيل، وقد حبا الله هذه الأمة ببيت الثروة والمال.. الثروة الموجودة في العالم الإسلامي تستطيع أن تصبح لو كان هناك الإسلام يسير في واقع حياة المسلمين، والإسلام يطبق بكامله لأنه يجمع جميع مشاكل ويحل جميع مشاكل بني الإنسان في الحياة، نعم، لكن لا نستطيع أن نزرع حبة قمح واحدة إلا بأمر من الغرب فكيف لنا أن نقيم مصانع علماً عندنا من الثروة ما تستطيع أن تكون هذه الدولة لو أن المسلمون عملوا جميعاً لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة عندها تكون هناك الزراعة، ويكون أمرنا بيننا، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعيد لهذه الأمة مجدها و..

ماهر عبد الله: طيب، مشكور جداً أخ محمد على مداخلتك، تفضل سيدي كنت عاوز تعلق على كلام الأخ..

د. يوسف القرضاوي: يعني الأخ اللي تحدث يعني قبل هذا، يعني ينسى ما أقوله وأكرره وأؤكده إننا لا يمكن أن نتعدى الثوابت، عندنا دائرتان، دائرة مغلقة: لا يدخلها تطوير ولا اجتهاد ولا تجديد، ودائرة مفتوحة: وهي التي يدخل فيها الاجتهاد، ويُعمل فيها الفكر ويدخل فيها الفقه والاستنباط وهذه الدائرة هي معظم أحكام الشريعة، فنحن لا نتعدى، الثوابت دي يعني فوق رؤوسنا وفوق رؤوس الجميع، ونحن بالمرصاد لكل من يحاول أن يقتحمها بغير.. بغير حق، ولكن عملنا في هذه الظنيات، ما يقولون دائرة الظنيات، في هذا نريد أن.. أن نعمل، الإخوة يقفون يعني كلمة الديمقراطية عندهم أرتيكاريا من.. الحساسية مفرطة من.. كأننا نريد أن نأخذ الديمقراطية بجذورها الفلسفية، إحنا حكم الشعب في مقابل حكم الله، لأ، إحنا بنأخذها في إن حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد، نحن عانينا من الطغاة والمستبدين الذين قهروا الأمة وساقوها كما تساق القطعان، ونحن نريد أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، الآن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: "ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم رجل أمَّ قوماً وهم له كارهون" حتى في الصلاة فما بالك مَنْ يقود الأمة رغم أنوفها، الأمة تعاني من هذا الاستبداد والديكتاتورية، ليتنا نصل إلى ديمقراطية حقيقية يختار الشعب فيها، ودي الديمقراطية الإسلامية يعني وأنا يعني لا أحب استعمال الألفاظ، ولكن المهم المعاني يعني لا يهمنا العناوين متى وضحت المضامين ولا يهمنا الأسماء متى وضحت المسميات، حينما نقول الديمقراطية نعني أن يحكم الشعب بنفسه، أن يختار حكامه بالبيعة والرضا، ولا يفرض عليهم بالتزوير أو بالانقلاب أو بأي شيء، هذا هو الذي يعني أريده ولا أريد أن أدخل في مهاترات مع بعض الإخوة الذين يريدون أن يحُوِّلوا برنامجنا في كل مرة إلى ضياع، يريد أن في كل مرة أن يدخل في نقاش ومراء لا ليس وراءه نتيجة في هذا، يعني أوقات الناس يا أخي أغلى من.. من هذا، ارحموا الأمة، عرفنا آراءكم و.. فاحتفظوا فيها لأنفسكم، أما تريدون أن تخربوا البرنامج في كل مرة، هذا لا يجوز يعني.

ماهر عبد الله: طيب، سيدي يعني شكراً جزيلاً لك، وأعتذر لك أصلاً نيابة عن الكثيرين الذين يسوءهم بعض هذا الكلام، ونقول للإخوة الذين يخالفون الشيخ سيبقى من حقهم أن يخالفوا، وقد يكون، ويجب عليهم أن يخالفوا، كل الذي نتمناه هو أن نركز على القضايا الجزئية التي ندخل فيها ليس إهمالاً منا للقضايا الكلية، ولكن حتى نصل إلى نتيجة، حتى نصل إلى نتيجة، إذا أهملنا كل جزئية في حياتنا من أجل قضية كبرى لن نصل إلى شيء، إلى أن نلقاكم الأسبوع القادم..

د. يوسف القرضاوي: أنا أريد أن أقول شيء يعني هناك فيه قبل هؤلاء فيه جماعة أرادوا أن يفسدوا هذا البرنامج وظلوا حوالي سنة كاملة، وجربوا حظهم ثم انتهى أمرهم بالفشل، فإذا كان الإخوة يريدون هذا فسينتهي أمرهم كما انتهى أمر من قبلهم.

ماهر عبد الله: طيب، إلى أن نلقاكم في الأسبوع القادم، تحية مني والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.