- الجذور والعائلة وانعكاساتهما الشعرية
- عن الأردن وفلسطين والعلاقة بالملك حسين
- قصائد مشاكسة ومواقف سياسية
- قبل الشعر والسياسة تبقى فلسطين

 سامي كليب
 حيدر محمود
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج زيارة خاصة. منتقدو ضيفنا يقولون إنه شاعر السلطة والبلاط والقوات المسلحة والملك هنا في الأردن، ومحبوه يقولون إنه شاعر الضفتين فهذا المثقف الفلسطيني الذي جاء إلى الأردن وعاش فيه وأصبح من أبرز شعرائه عرف بقربه من الملك حسين وأصبح وزيرا للثقافة ولكن ذلك لم يمنعه من الإقالة من وظيفته حين انتقد الحكومة بقصيدة شعر، حيدر محمود وزير الثقافة الأردني السابق في زيارة خاصة.

 

الجذور والعائلة وانعكاساتهما الشعرية

حيدر محمود:

لا ريحنا ريح ولا غبارنا غبار

والنار حتى وهي تحرق الضلوع

أصبحت بدون نار

فلنستعذ بسورة الفلق

من شر ما خلق

ولنستعذ بسورة الأنعام

من شر ما تخفي لنا الأيام

هذا زمان الصمت

واللبيب لا يحتاج للكلام

ومن يرى بالقلب

لا يحتاج غيره ليقهر الظلام

ما أكثر الذين فوق الأرض

لكن وحدنا الأحياء

لأننا نملك ما لا يملكون

الحب والرضا ونملك الصفاء

وهؤلاء يا صديق الوجع الممض والعناء

ليسوا سوى أشياء

مثل سائر الأشياء

سامي كليب: لم يكن غريبا على هذا الصوت الرخيم أن يصبح أحد أهم المذيعين في الأردن قبل أن يتولى وزارة الثقافة ولم يكن غريبا على ابن حيفا أن يبقى مسكونا طويلا بالذكرى حتى ولو أن عمان قطفت من بستانه أفضل القصائد، ولو فتحت دواوينه ستجد أبا الطيب المتنبي هناك سيدا وموحيا أو تجد غزة أو حيفا، أما لو فتحت سيرته فيكاد جزؤها الأكبر يختفي خلف صفة شاعر العرش أو البلاط أو الملك، هو لا ينكر ذلك ولكنه يوسع أفقه صوب العروبة. فما الذي جاء به إلى عمان التي ما تغزل بامرأة كما تغزل بها؟

حيدر محمود: التهجير الإسرائيلي القسري بعد أن احتلت إسرائيل فلسطين، أنا ولدت في حيفا طيرة حيفا، الطيرة اللي هي جزء لا يتجزأ من حيفا، اضطررنا إلى الهجرة شمالا وجنوبا وشرقا وغربا فأنا كان عمري خمس أو ست سنوات تقريبا، ولو كنت كبيرا لقاتلت يعني على الأقل صمدت كما صمد أهلي الآخرون في الطيرة الذين استشهد أغلبهم يعني في عام 48.

سامي كليب: وهجرت مع الأهل.

حيدر محمود: نعم.

سامي كليب: طيب ولدت في الطيرة في منطقة حيفا في البحر حسب ما فهمت..

حيدر محمود: نعم..

سامي كليب: وتقول، تروي -أنا افتكرتها في البداية طرفة ولا نكتة ولكن صحيحة- أنه أكلت أول صفعة من البحر..

حيدر محمود: أو قصيدة..

سامي كليب: أو قصيد.

حيدر محمود: لا، هي في الواقع هي واقعة يعني كان جريا على عادة أهل السواحل أو الشواطئ كان الأهل في فسحة بحرية يوم جمعة يوم عطلة وأمي كانت سريعة الولادة بالمناسبة تستغرب يعني كانت تجيب الأبناء بسرعة..

سامي كليب: كم ولد أنتم اسم الله؟

حيدر محمود: نحن ستة المجموع بين أبناء وبنات يعني، أنا في الوسط تقريبا، فيبدو أني كنت مستعجلا ففي يوم عطلة جاءها المخاض، وهذه قصة واقعية مش شعر يعني..

سامي كليب: وهي على البحر.

حيدر محمود: وهي على الشط يعني فأنا أول ما جئت كان حمامي الأول بالماء المالح بماء الأبيض المتوسط، لذلك في ذكريات ترد كثيرا في الشعر في قصائدي البحر موجود في قصائدي.

سامي كليب: حلو، ولذلك هناك قصة أخرى أيضا حول علاقة أهل الطيرة بالبحر، أنه قوسوا البحر..

حيدر محمود: بالله عارف هذه القصة!

سامي كليب: أطلقوا النار على البحر!

حيدر محمود: أما هذه غريبة فعلا..

سامي كليب: أود أن ترويها للمشاهدين لو سمحت.

حيدر محمود: هذه القصة في منتهى الرومانسية في الواقع، هي تترواح بين الرومانسية والجنون إذا جاز التعبير، كان..

سامي كليب: هو ما في رومانسية بلا جنون.

حيدر محمود: يعني هي واحدة منهما على الأقل والرومانسيون يعني المغرقون في الرومانسية أقرب إلى الجنون. كان طيراوي ما من أهلنا يعني وكان الطيراويون عادتهم أن يحملوا مسدسات على جنبهم أو خنجرا أو سيفا أو اللي هو سلاح يعني وكانوا بطبيعتهم مقاتلين، فكان خاطبا جديد فمشوا على البحر في أول مشوار لهما بعد كتب الكتاب فالبحر تطاولت إحدى موجاته على أقدام خطيبته، حلف يمين إذا كررها البحر سيقوسه سيطلق عليه الرصاص فطبعا البحر يعني أجن من الطيراوي فزادها شوية وصلت إلى ركبها تقريبا فسحب المسدس وأطلق النار على البحر.

سامي كليب: فعلا أطلق الرصاص على البحر؟

حيدر محمود: هذه عن جد صارت، فعلا..

سامي كليب: وأكيدة القصة يعني؟

حيدر محمود: وموجودون أهل هذا الرجل، طبعا هو توفي الرجل ويمكن ربما زوجته إنما أبناء وأحفاد هذين العروسين موجودون لحد الآن في مدينة أربد يسكنون في مدينة أربد، هذه قصة حقيقية فذهبت مثلا أن هؤلاء يعني ديروا بالكم منهم لأنه إذا البحر تعدوا عليه فما بالك بالآخرين يعني! كانوا شوية عصبيي المزاج وما يتحملون مزحا يعني كثيرا.

سامي كليب: الوالدة طبعا أنجبتك في البحر ولكنها بقيت في ذاكرتك ومخيلتك وفهمت أنك كتبت لها قصيدة جميلة جدا..

حيدر محمود: صحيح.

سامي كليب: حاولت أن أعثر عليها، لم أجدها..

حيدر محمود: لا، موجودة..

سامي كليب: ثريا، ثريا العين؟

حيدر محمود: ثريا الغيث.

سامي كليب: الغيث.

حيدر محمود: أيوه، هي من نفس العائلة الباش أيضا بس اسم أبوها غيث فأنا كتبت لها قصيدة أظن أني إن شاء الله ألاقيها، بتحب أقرأ جزء منها؟

سامي كليب: يا ريت لأنه حضرتك كجزء لا بأس به من الشعراء لا يحفظون شعرهم.

حيدر محمود: لا، أنا لا أحفظ شعري وإن كنت قد تكون ميزة لي أنا شخصيا هذه المسألة حتى لا يتكرر هذا الشعر، وأرجو أن ألقاها القصيدة إن شاء الله، موجودة، تذكرتها، وكان يوما يعني له سبب كان عيد ميلادي الستين وأنا تجاوزت الستين يعني بديش أقول لك كم بس تعدينا العقد السادس، فكان..

سامي كليب: وأنا بأعرف بس ما رح أقول كم.

حيدر محمود: يعني على كل حال، يومها بكيت عندما.. لأني كنت متعودا وأنا طفل صغير أن يُحتفل بعيد ميلادي بشكل مميز كوني يمكن كنت مدللا بعض الشيء أكثر من بقية الإخوة كوني يعني كان لي أنشطة وكنت بارزا في المدرسة وفي غير ذلك فكانت تكرمني بشكل استثنائي، فعندما بلغت الستين بكيت، أنا لم أبك في أعياد ميلادي أصلا ولا عمري احتفلت بها بعد وفاتها لكن في ذلك اليوم بكيت، فقلت

بعد رحيل ثريا الغيث إلى باريها

لم يستجب الرحمن لأي صلاة استسقاء

ترتفع إلى العرش المحمول على الماء

لأن ثريا لم تخلق من هذا الطين البشري

ولكن سوى الرحمن الوجه الطيراوي

من السحر وسوى القلب من الذكر

وجمع كل صفاء الكون ليخلق روح ثريا

فإذا استسقته انفتحت أبواب الرحمة

وانهمرت من كل سماء أنهار الماء

لتسقي عطش الصحراء

أذكر -هنا نقطة الولادة-

أذكر أول ما جئت إلى الدنيا

قبلني الموج على خدي

قالت حينئذ يا ولدي

سيكون الموج صديقك طول العمر

فمن يحظى بقبلته الأولى

يملكه ويملك معه البحر

وصحوت من النوم على ستيني

-حتى أؤكد المعنى سأقرأ فقط هذا الجزء-

وصحوت من النوم على ستيني

في هذا اليوم لألقى وجه ثريا

حيا ونديا وبهيا

قالت يا طفلي الستيني

ما زلت برغم عذاباتك صلبا وفتيا

قلت وهذا الشيب؟

فقالت أصبح أقرب للقلب

وقالت وهي تلوح بجناجيها

عائدة للجنة مثل ملاك

أكمل ما تكتبه عني..

إلى آخر القصيدة.

سامي كليب: حلو، رحمها الله.

حيدر محمود: رحمها. شكرا.

سامي كليب: أعتقد أنها من النساء القلائل اللواتي كتبت عنهن.

حيدر محمود: أكيد.

سامي كليب: لأن المرأة لم يكن لها -أو الحب إذا صح التعبير- دور كبير في قصائدك.

حيدر محمود: هو أنا استبدلت الحب بالوطن، بين قوسين يعني، ولم يعد هناك في النقد الحديث أو في الشعر الحديث عامة قصيدة متفردة في الحب أو متفردة في الهجاء، أصبحت هناك يعني خلطة كاملة يمكن الخوض فيها بين الوطن والحب والكراهية والحرب وسمها ما تشاء.

سامي كليب: لكن اسمح لي بالسؤال الشخصي، لم تحب امرأة لذاتها؟

حيدر محمود: بالعكس، بالعكس، أنا أحب.

سامي كليب: وكيف كنت تعبر إن لم تعبر بالشعر وأنت الشاعر الذي يعبر عن كل شيء بالكلمة.

حيدر محمود: موجود، لا، لا، قصائد الحب موجودة لكن ليست يعني شأني كشأن المتنبي جدي المتنبي، من قال إن المتنبي لم يكن يحب؟ هناك الكثير من القصائد التي فيها يعني أجمل ما كتب في الحب لكن يدلف منها إلى القضية الكبرى التي كان يحمل همها، ونحن يعني عندنا قضايا كبرى -ليست قضية واحدة في الواقع- أكبر من مجرد الحب.

سامي كليب: من تراث أهله والأجداد ومن الأرض التي صارت ذكرى ومن الاحتفالات والأغاني والأهازيج والزجل ومن أجداده الشعراء ومن الشبابة والناي والمجوز ورث حيدر محمود كثيرا من الصور والذكريات، ومن جده المتنبي كما يقول ورث التاريخ وروح القصيدة وفي بريطانيا أتقن اللغة الإنجليزية وفن الإعلام وحين كنت أقرأ سيرته وجدته باكيا أمام مصير جامع قريته الذي يقول إن الغزاة حولوه إلى ملهى ليلي.

حيدر محمود: الجامع الوحيد في الطيرة لم يكن سواه لأنها قرية صغيرة وكنا نذهب إلى الصلاة حتى وأنا طفل مع الأهل الوالد والأعمام والأخوال وإلى آخره، كشأن أي قرية في الدنيا، فوجئت بأنني شاهدت فيلما لمخرج فلسطيني والله نسيت اسمه "مآذن في وجه الدمار" قبل سنوات شفته ولا تتخيل الناس اللي حولي وأنا أشاهد -وأنا كنت وزيرا للثقافة عندما شاهدت هذا الفيلم- أغرقني البكاء يعني فجأة، فجأة صرت أبكي -وأنا برعايتي كان هذا الاحتفال- فوجدت جامع الطيرة الذي صليت فيه مرة أو مرتين ربما وأنا طفل في الخامسة من عمري يتحول إلى ملهى ليلي لليهود، مع الأسف الشديد، يعني هذا أدعى إلى ألا أنسى الذكريات الأولى في الطيرة ولا ما حولها في الواقع يعني ليست مجرد الطيرة هي في الواقع حتى موجة البحر التي..

سامي كليب (مقاطعا): كنت تذهب للصلاة دائما في المسجد؟

حيدر محمود: مع الأهل بالتأكيد يوم الجمعة يعني ربما..

سامي كليب: يعني أسألك لأني فهمت أيضا أن الوالد..

حيدر محمود: كان شيخا.

سامي كليب: كان شيخا وخريج جامع..

حيدر محمود: جامعة كان في ما تشبه الجامعة، ليست جامعة بمعنى كلية شريعة كاملة، كان في جامعة أو نصف جامعة في جامع الجزار في عكا..

سامي كليب: في عكا نعم.

حيدر محمود: فدرس العلوم الإسلامية ومات متصوفا في الواقع والدي كان صوفيا مستغرقا في صوفيته وكان قارئا نهما للصوفية..

سامي كليب: لأي طريقة؟

حيدر محمود: لم تكن له طريقة في الواقع، ما أظنش يعني لم..

سامي كليب: صوفي بشكل عام.

حيدر محمود: هو كان من محبي -كما نشأت أنا شخصيا- من محبي محي الدين بن عربي وكان يعني يقرأ في كتبه كما أقرأ أنا في الواقع يعني هو الذي دلني على هذا الموضوع الصوفي ولذلك تجد في..

سامي كليب (مقاطعا): وعندك كثير من الشطحات إذا صح التعبير..

حيدر محمود: نعم صحيح..

سامي كليب: الصوفية وقصائد صوفية، ممكن تسمعنا واحدة منهم..

حيدر محمود: إيه طبعا..

سامي كليب: حتى نكمل الحوار.

حيدر محمود: يعني في قصائد كثيرة لكني سأختار قصيدة "الحصار" وأرجو أن أجدها بسهولة من بين هذا الكم، الحصار يؤرقني.. سأحاول التذكر من الذاكرة، الحصار طبعا مش المقصود فيه حصار سياسي ولا حصار اقتصادي كما هو شائع الآن، هو حصار الجسد للروح، حصار الطين اللي هو الجسد. سأبدأ من البداية حتى..

يؤرقني فارق اللون

بيني وبيني

فيا حزن

قبل اكتشاف دمي لا تسلني عن الياسمين

من الجرح تأتي شفافية البوح

من وتر في الشرايين يأتي الغناء الحزين

ويمضي إلى النهر دون شراع

ويسقط دون وداع

كما يسقط الدمع من حدقات العيون

هو الوجد

حد السكاكين حينا ونار البراكين حينا

ولكنه الفرح المتجدد فينا

وصدفتنا الأزلية

خيمتنا الأبدية

ندفنه ثم نبكي عليه

ونهرب من سهده المستبد إليه

فلا شفيت منك يا وجع الشوق

لا حرمت من عذابك أفئدة العاشقين

عن الأردن وفلسطين والعلاقة بالملك حسين

سامي كليب: قبل أن يصبح وزيرا للثقافة كان حيدر محمود قد بدأ حياته الفكرية كاتبا في صحيفة فلسطين، كان الإحساس بالنكبة طريا فكتب القصص القصيرة حول النكبة والجرح وكان في القصص نبض الشعر، كانت الصحافة رفيقة خطواته الأولى في الحياة العملية ووصفي التل رئيس الوزراء الأردني الذي اغتيل في القاهرة عام 1971 هو الذي أرسله في بعثة علمية إلى بريطانيا أكملها بالدراسة في أميركا وهذا ما دفعني لسؤال الشاعر الأردني الفلسطيني حيدر محمود عن موقفه حيال ما عرف بأيلول الأسود أي ذاك القتال بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني فهو كان آنذاك يعمل في الإذاعة الأردنية.

حيدر محمود: هي لأوضح نقطة في منتهى الأهمية بكل صراحة وتجرد والتزام بالتاريخ، لم تكن القضية بين الأردنيين والفلسطينيين كانت بين أناس جاؤوا من الخارج وبين النظام الأردني والدولة الأردنية..

سامي كليب: من وين جاؤوا، من إيطاليا؟

حيدر محمود: من دول عربية مختلفة..

سامي كليب: ok.

حيدر محمود: لا، مش من إيطاليا، بالتأكيد مش أجانب يعني هم عرب لكن كانت الصراعات العربية، كما حصل في لبنان في فترة من الفترات، يعني كل المتناقضين في فلسفاتهم في أحزابهم في دولهم إجوا صبوا كل هذا في الأردن وكان يعني الصدام حتميا وضروريا وانتهى إلى ما انتهى إليه، أما الصورة ليست أردني وفلسطيني إطلاقا، الأردن وفلسطين بالذات بينهم من الوشائج والعلاقات ما هو أقدم من الـ 48 بالمناسبة..

سامي كليب: طيب أنا أقدر كلامك الدبلوماسي ولن أغرقك..

حيدر محمود (مقاطعا): لا، إطلاقا مش دبلوماسي..

سامي كليب: لن أغرقك بالكلام السياسي..

حيدر محمود: لا، لا، هذا الكلام واقعي..

سامي كليب: ولكن طبعا يعني كان في منظمات فلسطينية وكان في..

حيدر محمود: كان في بس اخترقت من كثير من الجهات الخارجية.

سامي كليب: وأين كنت حضرتك؟

حيدر محمود: أنا كنت في عمان.

سامي كليب: ماذا فعلت؟

حيدر محمود: يعني كنت في الإذاعة والتلفزيون في ذلك الوقت لفترة قصيرة ثم غادرت بعد ذلك إلى الخارج للدراسة..

سامي كليب (مقاطعا): حين كنت في الإذاعة طبعا يعني كان مطلوبا من المذيعين أيضا أن يذيعوا البيانات التي تنشر كل شيء ضد هذه المنظمات في الواقع التي دخلت إلى الأردن وقاتلت هنا في الأردن بما يعني أنك كنت كفلسطيني تقول أو تذيع بيانات ضد فلسطينيين، هل كنت تشعر بالتناقض أم تشعر أنك تخدم الدولة؟

حيدر محمود: لا، ما هو أنا برضه استطرادا لما سبق.. وهذه مش دبلوماسية وصدقني، أرجوك أن تصدقني..

سامي كليب: خلص مصدقك، تفضل.

حيدر محمود: أنا أقول الحقيقة بكاملها، ما دامت على قناعتي، أنا ما زلت على قناعتي أن الصراع لم يكن أردنيا فلسطينيا أو العكس، كان صراعا أيديولوجيا من أطراف كثيرة مختلفة، حتى الفلسطينيين.. والإذاعة على فكرة مش أنا الفلسطيني الوحيد فيها، مليانة فلسطينيين حتى هذه اللحظة..

سامي كليب: ما هو وزير الإعلام كان فلسطينيا، عدنان أبو عودة.

حيدر محمود: بأقول لك، عدنان أبو عودة وسواه يعني لم تكن القضية قضية أنه أنا مختلف أنا والفلسطيني الآخر، لم يكن هناك فلسطيني آخر، كان في أردنيين وأصبحوا أردنيين يعني في رؤساء وزارات فلسطينيين من أصل فلسطيني وفي وزراء وفي مسؤولين يعني اختلطت الأوراق كثيرا في هذه الدولة وحمت الفلسطينيين، إذاً عندما كنت أذيع بيانا أو أذيع تعليقا سياسيا أو أكتبه كنت أكتبه ليس ضد الفلسطيني وإنما ضد الخارج على القانون كائنا من يكون هذا الرجل يعني وأحيانا لو كانوا أردنيين أيضا بده يطالهم هذا لأنه لم يكن الفلسطينيون وحدهم..

سامي كليب (مقاطعا): طيب دعني أقرب السؤال، ياسر عرفات، جورج حبش، أبو جهاد، أبو إياد..

حيدر محمود (مقاطعا): نايف حواتمة أردني..

سامي كليب: طيب كانوا متورطين بهذه المعركة، شو كنت تعتبرهم، خارجين على القانون؟

حيدر محمود: نعم، نعم.

سامي كليب: طيب.

حيدر محمود: نعم، لسبب، أثبت التاريخ أنه بالآخر بعد أن انتهت القضية إلى ما انتهت إليه الآن أن كل تلك المقدمات كانت ستؤدي إلى هذه النهاية التي نعرفها الآن ونراها.

سامي كليب: بعض محبيك يصفونك بأنك شاعر الضفتين، شعرت في الأردن ولا زلت أنه هذا هو وطنك الأصلي وليس الوطن البديل وليس الوطن الثاني؟

حيدر محمود: إطلاقا، هي كلمة الوطن البديل نبتعد قليلا عنها لأنه مكروهة عند الطرفين في الواقع. هي أنا أحس بوطني حيث تكون الحرية وحيث يتوفر العيش الكريم يعني من عادة الإنسان في هذا البلد أو الفلسطيني بشكل عام أيضا يعني عندما يذهب إلى أي مكان في شغلة غريبة -قد تكون لاحظتها أو لم تلاحظها لا أدري- كان الفلسطيني عندما يشتغل في الخليج أو في أي مكان أول هم له أن يكون عنده بيت ليكون وطنا صغيرا له، مش وطن بديل وطن صغير يكون مسؤولا عن حدوده البسيطة هذه، البيت ولو غرفة واحدة، فأغلب الفلسطينيين الذين هاجروا إلى الخارج تملكوا بيتا حتى على الأقل يحس..

سامي كليب: في الأردن..

حيدر محمود: سواء بالأردن أو غير الأردن، أنا بحكيش عن الأردن..

سامي كليب: طيب كل واحد بيسافر بيحب يتملك بيتا..

حيدر محمود: بيحب يتملك، لا، الفلسطيني بالذات فيها رمزية خاصة. في الأردن ما في إنسان أردني حتى من الأردنيين الأصليين إلا ويحس بالجرح الفلسطيني ينزف من دمه ومش بالمراسلة لأن الأردني أقرب للموضوع الفلسطيني ولفلسطين من سواه كما هو جغرافيا على الأقل، تاريخيا أيضا في مصاهرة قبل 48 موجودة بين الطرفين يعني ما كان في حدود ما كان في جوازات سفر حتى قبل 48 حتى بين سوريا والأردن ولبنان وفلسطين كانت كلها بلاد واحدة..

سامي كليب (مقاطعا): إذاً باختصار تشعر أنه بلدك كما فلسطين بلدك.

حيدر محمود: بالتأكيد أنا.. يعني حتى الأردني يشعر بهذا لأن فلسطين مش لي لوحدي.

سامي كليب: طيب لأنه يعني في الواقع أسألك لأنك كتبت عن الموضوع ولذلك ثمة من وصفك بشاعر الضفتين "حلو أو مر هذا وطني وأنا أهواه".

حيدر محمود: حلو أو مر هذا وطني وأنا أهواه. صح.

سامي كليب: تتذكر؟ "يسعدني أو يشقيني.."

حيدر محمود: لا أرضى بسواه. فعلا أنا يعني قابل بهالوطن مهما كان فقيرا وصعب الحياة يعني حتى ما عنا ماء كثير إحنا بالمناسبة يعني في الأردن ومع ذلك نحب هذا الوطن، فقير ولكنني أحبه. أنا رفضت أن أعمل في أي مكان في الدنيا إلا..

سامي كليب: عملت في دبي.

حيدر محمود: في فترة قليلة جدا، محدودة جدا ثلاثة أربعة أشهر يعني لا تعتبر خبرة، وقتها كنت مضطرا للمغادرة لأني زعلت..

سامي كليب: وفهمت أن قصيدة أرجعتك إلى الأردن.

حيدر محمود: صحيح، صحيح هذا صحيح، هذه المعلومات كاملة عندك، فعلا قصيدة اسمها "المتنبي يبحث عن سيف" المتنبي اللي هو حضرتنا يعني تشبها بالمتنبي، وسيف سيف الدولة اللي هو الملك حسين، فبالنسبة لي كان سيف الدولة فكتبت قصيدة رمزية جدا على فكرة لا تتضح أبدا أنه واحد حابب يرجع، فهي رسالة من المتنبي لسيف الدولة..

سامي كليب: نشرت في صحيفة الرأي.

حيدر محمود: في الرأي، وقرأها وهو على الطائرة، كان مسافرا من عمان لا أدري إلى أين والله نسيت فطلب رئيس الوزراء كان دولة الرئيس مضر بدران وقال له -مكتوب دبي والتاريخ، هذا الكلام يمكن بالسبعينات بنهاية السبعينات عندما غادرت يعني- قال له يعني شو بيعمل حيدر في دبي؟ قال له والله خليني أسأل، عرف القصة أني زعلان وكذا قال له ابعثوا له جيبوه، وفعلا جئت، ووقتها عينت في هذه العودة مديرا عاما لدائرة الثقافة والفنون قبل إنشاء وزارة الثقافة..

سامي كليب: صح، لا بل أنك تقول إنه كنت أعمل في إدارة الثقافة أفضل مما عملت كوزير للثقافة..

حيدر محمود: مليون مرة..

سامي كليب: وأنها كانت أفضل إدارة..

حيدر محمود: مليون مرة، وما زلت أقولها حتى هذه اللحظة، كانت دائرة صغيرة فيها خمسون موظفا أو أقل ربما وميزانيتها بسيطة جدا وكنا نعمل مسرحا ونطبع كتبا وندوات ونعمل أكثر بكثير مما تفعله وزارة الثقافة عندما أصبحت وزيرا للثقافة.

سامي كليب: طيب دعني فقط أتوقف عند مسألة مررنا عليها مرورا عابرا، حين تقول عن الأردن يسعدني ويشقيني..

حيدر محمود (مقاطعا): أو يشقيني.

سامي كليب: أو يشقيني ولا أرضى سواه..

حيدر محمود: بسواه.

سامي كليب: لا أرضى سواه يعني حصرت فيه بالأردن مش فلسطين؟

حيدر محمود: لا، المقصود أنا عندما أتحدث عن الأردن وفلسطين كأنهما واحد في رأيي والحديث بهذا الشكل الواسع لا يلغي الآخر، هذه القصيدة كتبت قبل أن تحتل إسرائيل الضفة الغربية لأنه كنا بلدا واحدا قبل انفصال، الانفصال بسبب الاحتلال طبعا الاحتلال الإسرائيلي، كانت الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من الأردن كما تعلم يعني ويعلم الناس جميعا يعني كنا بلدا واحدا، فهذا المقصود بالعبارة.

سامي كليب: تولى حيدر محمود مناصب عديدة بينها منصب مستشار لرئيس الوزراء أو لقائد القوات المسلحة، وفي الإذاعة تعرف على الملك حسين وكانت قصة ولاء من شاعر للملك شابهت إلى حد ما علاقة المتنبي بسيف الدولة كما يحلو لحيدر محمود وصفها، ويقال إن الملك حسين كان يبكي حين يلقي الشاعر أمامه قصيدة عن أجداده أو عن القدس.

حيدر محمود: كان يأتي إلى الإذاعة باستمرار، قبل التلفزيون في أوائل الستينيات كانت الإذاعة هي المكان الرئيسي للإشعاع الثقافي والإعلامي في الأردن لأنه لم يكن هناك شيء آخر وكان يأتي دائما إلى الإذاعة وكنت أنا موجودا بمعنى يعني بصوتي وقصائدي وبالبرامج الثقافية التي كنت أقدمها والسياسية أيضا لأنه لا فصل بين الثقافية والسياسية في الواقع، والإذاعة كانت محدودة الناس يعني لم يكن آلاف الموظفين زي ما هو الآن، كان يمكن عدد موظفيها حوالي مائة في ذلك الوقت وكان المرحوم وصفي التل مديرا وكان أيضا خلفه بعد ذلك الأستاذ صلاح أبو زيد لعلك تعرفه..

سامي كليب: نعم طبعا.

حيدر محمود: وهو الذي أسس الإذاعة الأردنية الحالية الموجودة الآن..

سامي كليب: حسب ما فهمت هو يقيم خارج الأردن حاليا.

حيدر محمود: يقيم خارج الأردن نعم في الإمارات. وكنا صغارا، أنا شخصيا يعني كنت بعد في بواكير الشباب وجلالة الملك المرحوم كان أيضا شابا في ذلك الوقت، كلنا كنا شبابا ففي سن متقاربة إلى حد ما..

سامي كليب: إذاً أول لقاء في الإذاعة حصل؟

حيدر محمود: نعم لكن بعد ذلك في المناسبات الوطنية التي كنت ألقي فيها قصائد يعني مهرجانات للدولة، عيد الاستقلال إلى آخره في مناسبات كثيرة كنت أقرأ فيها شعرا وكان يحب.. هو يحب الشعر -الله يرحمه- وكان يقرأ كثيرا وخاصة المتنبي يحب المتنبي بشكل خاص ولذلك أحيانا كنت أرمز إلى كثير من الرموز عبر القصيدة والوحيد اللي كان يستوعبها هو، بتستغرب يعني..

سامي كليب: حلو.

حيدر محمود: كان يستوعبها بسرعة يلتقطها، فنشأت علاقة حميمة جدا وأنا.. علاقة مش مواطن بملك، علاقة إنسان بإنسان.

[فاصل إعلاني]

قصائد مشاكسة ومواقف سياسية

حيدر محمود: هناك كثير من النصوص غنيت لي من كبار المطربين والمطربات منهم نجاة الصغيرة، وديع الصافي، فايزة أحمد وآخرون، لكن آخر كلمات لي ستغنى في ستاد عمان الدولي، ألفا شاب وبنت، في عيد جلوس جلالة الملك العاشر، الذكرى العاشرة للجلوس طبعا، هذا النشيد خلني أسمعكم قطعة منه أو مقطعا

[مقطع من نشيد صدقت الوعد]

سامي كليب: هذا الولاء للعائلة الهاشمية المالكة في الأردن سلط سهام نقد كثيرة على الشاعر ووزير الثقافة الأردني السابق حيدر محمود ذلك أن شعر مديح المسؤولين في العالم العربي المعاصر لم يعد يرضي الشعوب وإنما يريح الأنظمة ويدخل في باب التزلف، ولكن اللافت في قصة حيدر محمود أنه أصيب أيضا بسهام السلطة حين استبدل المديح بالهجاء، شحذت سيوف السلطة ضده حتى وهو مستشار لرئيس الحكومة، هو الذي طالما شحذ سيوف شعره لأجل السلطة، وكانت بداية الخلاف والمشاكسة قصيدة بعنوان "نشيد الصعاليك" ألقيت في جامعة اليرموك عام 1989 أثناء أحداث معان الشهيرة وفي ظل حكومة زيد الرفاعي ثم قصيدة "السرايا".

حيدر محمود: ولي أكثر من قصيدة مشاكسة، وأنا يمكن مشاكس بطبعي إلى حد ما، والشاعر إذا لم يكن كذلك بالمناسبة يعني البحر الساكن أو الماء الساكن يصبح آسنا. فإحدى القصائد المهم هذه القصيدة أشرت فيها إشارات رمزية وليست مباشرة بدليل أنها لم تكن هجاء لشخص يعني هي في هجاء وضع سياسي معين، الحكومة أمرت بسجني وهنا أعود..

سامي كليب (مقاطعا): تذكر ماذا قلت فيها قصيدة الصعاليك؟

حيدر محمود: نعم، هي قصيدة كانت بمناسبة مرور أربعين سنة على وفاة شاعر الأردن الكبير مصطفى وهبي التل عرار في جامعة اليرموك الأكثر ازدحاما والأكثر مشاكسة بين الجامعات الأردنية فصارت ضجة كبرى في حينه فأمر بسجني عقوبة لي وعزلي من الوظيفة العامة.

سامي كليب: لا، ولكن أريد بعض الأبيات..

حيدر محمود: سأقرأ لك أبياتا قليلة حتى لا نعيد الأحداث إلى مسارها القديم اللي انتهى في الواقع. فالملك رحمة الله عليه الملك حسين رفض أن أسجن وبالعكس أصدر قرارا بتعييني سفيرا في تونس وبقيت في تونس عشر سنوات إلى أن توفي رحمه الله.

سامي كليب: وفهمت أنه حين قدمت أوراق اعتمادك للرئيس التونسي زين الدين بن علي قلت له اسمح لي أن أقدم أوراق اعتمادي كشاعر.

حيدر محمود: صحيح، صحيح..

سامي كليب: وليس فقط كدبلوماسي.

حيدر محمود: بالمناسبة قبل حوالي ثلاثة شهور كنت في تونس بعد غياب طويل بعد ما تركتها أنا تركتها في 1/1/2000 عندما جئت إلى عمان لأعين وزيرا للثقافة فيما بعد، ذهبت إلى ضريح الشابي كان مناسبة مرور مائة سنة على ولادة أبو القاسم الشابي فذهبت مرة أخرى وطبعا إكليل من الورد هو أوراق الاعتماد يعني لا أكثر ولا أقل وقرأت قصيدة على ضريح الشابي للمرة الثانية..

سامي كليب: طيب، قصيدة الصعاليك.

حيدر محمود: هذه القصيدة "نشيد الصعاليك" فيها نسج على منوال شعر عرار لأن المناسبة مناسبته، أقول فيها

عفا الصفا وانتفى يا مصطفى

وعلت ظهور خيل المطايا

شر فرساني

فلا تلم شعبك المقهور

إن وقعت عيناك فيه على مليون سكران

إلى آخر القصيدة يعني فيها بلغة عرار..

سامي كليب: أو فيها لغة أكثر..

حيدر محمود: فيها لغة فيها قاسية..

سامي كليب: فيها زعران وفيها كذا..

حيدر محمود: صحيح، لكن لا أريد أن أذكرها لأنه بس فقط أتينا على ذكرها.

سامي كليب: طيب قصيدة "السرايا" خبرنا شو صار حولها؟ لأن هذه التي أيضا أسالت ضدك حبرا كثيرا وموقفا سياسيا أيضا ضاغطا جدا.

حيدر محمود: هي شوف هي ليست.. هي أكثر من قصيدة في قصائد كثيرة في الواقع..

سامي كليب: لكن هذه الشعرة التي قصمت ظهر البعير..

حيدر محمود: الواقع كل القصائد المشاكسة سببت لي أذى في الوقت يعني حتى للرد على هؤلاء الذين يتهمونني بأن في هناك قضية شخصية، لو كنت أريد قضية شخصية كنت أحلها بالشعر أيضا، يعني لاحظ العكس هو ممكن يعني كان ممكن.. الشعر سلاح ذو حدين، ممكن استخدامه للحصول على ما تريد وممكن أيضا لتأليب الناس عليك فأنا كانت نتيجة موقف تسبب به أحدهم لابني، ومن أغلى من الأبناء يعني؟ أضروا به كثيرا فأنا انفعلت..

سامي كليب (مقاطعا): أحدهم من؟ رئيس الحكومة آنذاك؟

حيدر محمود: لا يعني في ذلك الوقت يعني كثير من الناس أكثر من واحد هو في الواقع يعني في تيار كان يستهدف حيدر محمود على وجه الخصوص فكلما قلت شيئا كان ينعكس سلبا مش علي لوحدي على أبنائي، لاحظ أنت، ما ذنب أبنائي في القصة؟ يعني أنا أهاجم موقفا سياسيا معينا بينعكس على أبنائي، إلى أن حلت القضية عبر جلالة الملك عبد الله، لاحظ للمرة الثانية الملك حسين رحمه الله حل قضية تتعلق بي والملك عبد الله الثاني حل قضية تتعلق بابني، لاحظ أنت كيف يعني يتعامل الملوك الكبار.

سامي كليب: ربما الآن نتحدث بالألغاز لمشاهد لا يعرف الكثير عن هذه القصة، في ظل حكومة فيصل الفايز ألقيت هذه القصيدة قصيدة "السرايا" وقلت إن السرايا تشكو للسرايا..

حيدر محمود (مقاطعا): هي ملخصها هي ليست موجهة ضد شخص هي موقف سياسي كما قلت، فقررت أن أشكو لجلالة الملك عما يجري من الحكومة ككل وتقبلها جلالة الملك، الغريب أنه تقبلها لكن بعض الكتاب لم يتقبلها وهاجموني..

سامي كليب: بعض الكتاب وبعض النواب..

حيدر محمود: بعض الكتاب، والنواب هاجموني بعض النواب طبعا مش كلهم.

سامي كليب: في نائب شاعر هاجمك.

حيدر محمود: ولا شاعر ولا شيء، لا، هو ليس شاعرا هو يعني قصيدة يعني حاول يرد فيها علي بس ما كانت يعني بالمستوى المطلوب لا شعرا..

سامي كليب: وعدت رديت عليه.

حيدر محمود: رديت عليه برضه بشعر مداعبات بيسموه.

سامي كليب: قلت له

يا معشر الشعراء والكتاب

صار المهرب شاعر النواب

حيدر محمود: يعني هي رد مداعبة أكثر منها يعني ليس شعرا بالمعنى المباشر للكلام، يعني هذه بتحصل في كل مجتمعات الدنيا، لا أريد أن أدافع عن الموقف لكن لاحظ مدى تقبل الدولة في الأردن والناس -برغم الهجوم علي- القصة ليست لأني أنا لأنه ما في شاعر في الأردن سجن على قصيدة، يعني ظاهرة عامة، ما في سياسي عارض الدولة وصفي جسديا كما يحدث في كثير من دول العالم.

سامي كليب: ولكن فهمت أنك أقلت من مهنتك.

حيدر محمود: يا سيدي الإقالة هذه بسيطة هذه أخف الأضرار، ثم أعود من جديد يعني..

سامي كليب: وابنك عمار كان بلندن بالمكتب الإعلامي..

حيدر محمود: لا كان في الخارجية في وزارة الخارجية..

سامي كليب: وأقيل أيضا.

حيدر محمود: وعين، عينه جلالة الملك مديرا للمكتب الإعلامي الأردني في لندن..

سامي كليب: بعد أن أقيل؟

حيدر محمود: بعد أن أقيل نعم، يعني لاحظ تدخل للطرفين المرة هذه، لي ولابني.

سامي كليب: فهمت أنه لا يزعجك توصيفك بأنك شاعر البلاط..

حيدر محمود: إطلاقا..

سامي كليب: شاعر السلطة شاعر القوات المسلحة..

حيدر محمود: بالعكس أنا شاعر هذا الوطن ملكا وحكومة وشعبا وقضية وقضايا عربية ومثلما أنا شاعر عربي على مستوى عربي أي قضية عربية مستعد أن أكتب عنها وكتبت عن كثير من القضايا العربية.

سامي كليب: صحيح حتى أنك تقول إنه طيب هيدي في لندن في بريطانيا في شاعر البلاط يعني.

حيدر محمود: بالمناسبة في الأردن لا يوجد وظيفة -هذا الفرق- اسمها شاعر..

سامي كليب: طبعا ما في..

حيدر محمود: ما فيش وظيفة ما فيش وظيفة شاعر أصلا ما في وظيفة اسمها شاعر أصلا لا في الأردن ولا في سواه، في فقط الـ  poet laureate بيسموه شاعر التاج أو شاعر البلاط موجودة في بريطانيا يعين رسميا لهذه المهمة، لكني أنا..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن هناك يكتب قصيدة ربما واحدة كل السنة يعني..

حيدر محمود: يا سيدي حر، أما عندنا لا يوجد وظيفة مثل هذه الوظيفة أصلا.

سامي كليب: وبعدين عارف أنه مؤخرا شاعر البلاط البريطاني انتقد جورج بوش وانتقد توني بلير بقسوة.

حيدر محمود: والله معه حق يعني مش غلط يعني إحنا زي ما عملنا إحنا بس أنا مش يعني مثله إنما لا يوجد وظيفة شاعر أصلا.

سامي كليب: شو كان موقفك من وادي عربة من الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية؟

حيدر محمود: الموقف الشخصي يختلف تماما عن الموقف الرسمي بالنسبة لي أنا لكن هذا ليس..

سامي كليب: لأنه رسميا ما عارضت.

حيدر محمود: لا، مش هيك يعني إذا بدك نحكي في السياسة الاتفاقيات لها ما يبررها عند الدولة لكن أنا عندي شخصيا ما لي علاقة في الموضع، لست طرفا في هذا الموضوع، يعني أنا كمواطن أردني فلسطيني عربي سمني كما تشاء موقفي يختلف عن هذا الموقف، لكن بالعكس..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن كشاعر لم تكتب يعني لم يخطر على بالك أن تكتب ضد أو مع؟

حيدر محمود: يا سيدي أنا كل شعري عن القضية الفلسطينية إذا.. وعن القضية الوطنية بشك عام.

سامي كليب: إذاً شخصيا ضد الاتفاقية.

حيدر محمود: أنا لست مع حل هذه القضية بالطرق التي تحل فيها لأن إسرائيل مصرة على عدم إرجاع الحق إلى إصحابه وبالعكس مصرة أيضا أكثر أن تأخذ يعني أوطانا أخرى.

سامي كليب: بل كتبت قصيدة لطيب رجب أردوغان.

حيدر محمود: نعم، نعم.

سامي كليب: رئيس وزراء تركيا.

حيدر محمود: على موقفه المشرف الذي وقفه في دافوس في ذلك الوقت و..

سامي كليب: وقلت له، طالما أنك لا تحفظ..

حيدر محمود: يا حفيد السلطان عبد الحميد.. يعني أنا حتى بالمناسبة السلطان عبد الحميد كان يعني عوقب على عدم الاعتراف بإقامة وطن قومي لليهود في زمانه فحورب حربا شعواء وجاء الانقلاب اللي قاده أتاتورك ضد الدولة العثمانية التي حافظت على القدس وفلسطين، فأنا أرجعته إلى السلاطين العثمانيين الذين حافظوا على القدس..

سامي كليب: رغم أن بعض الوثائق تقول إنه ربما العثمانيون أيضا..

حيدر محمود (مقاطعا): لا، السلطان عبد الحميد لا، عوقب على ذلك، السلطان عبد الحميد بالذات.

سامي كليب: طيب، وفي دافوس طبعا كل المشاهدين رأوا أردوغان يقوم من على مقعده..

حيدر محمود: والله أنا أعجبني..

سامي كليب: ويخرج، فعلا.

حيدر محمود: أعجبني جدا..

سامي كليب: بينما الأمين العام للجامعة العربية تردد وبقي.

حيدر محمود: هو فسر طبعا الأمين العام يعني الأستاذ عمرو موسى فسر.. ما أعرفش أكيد شفت تفسيراته، قال إنه لا أستطيع الانسحاب لأني بدي أرد، هذا رأيه لكن أنا شخصيا كنت أتمنى عليه لو انسحب كان سجل موقفا كبيرا، بغض النظر بده يرد والرد كان بالخروج.

سامي كليب: ورغم أن مواقفه تاريخيا عمرو موسى كانت جيدة جدا..

حيدر محمود: رجل وطني بدون شك.

سامي كليب: طيب، قلت لأردوغان

"يا حفيد السلطان عبد الحميد

بك قد عاد شامخا من جديد"

حيدر محمود: من جديد نفس السلطان يعني نعم.

سامي كليب:

فأعدنا إلى الزمن الذي كان عصيا

حيدر محمود: على زمان..

سامي كليب: على اليهود..

حيدر محمود: على إشي لليهود.. على..

سامي كليب:

الذي كان عصيا على اليهود

قل لهم كلنا فرسان

وكل الفرسان عبد الحميد

حيدر محمود: لا، هي فيها خلل هيك بس نسيت أنا والله القصيدة نسيت.. قل لهم.. يعني أنه.. نسيت والله نسيت..

سامي كليب: أنا صرت شاكك أنك مش أنت بتكتب الشعر يعني!

حيدر محمود: لا ما هو..

سامي كليب: مش معقول..

حيدر محمود: الحفظ هلق الحفظ شيء آخر، أنت كاتبها مش.. بيجوز ناقل جزء منها مش صحيحة يعني فيها شيء خلل.

قبل الشعر والسياسة تبقى فلسطين

سامي كليب: بعيدا عن ولائه للعرش الأردني وخلافه مع بعض الحكومات الأردنية فإن وزير الثقافة الأردني السابق والشاعر الحائز على جوائز عديدة وصاحب الدواوين الشعرية العديدة والكتب عن الشعر الأردني وبعض المسرحيات لم ينس يوما فلسطينه فكتب ضد المحتل وضد الجدار العازل وكتب للطفلة الفلسطينية جميلة الهياش التي بتر القصف الإسرائيلي قدميها.

حيدر محمود: هي أبيات قليلة لكن المشهد يعني أثارني جدا كما أثار الملايين العربية كلها

فدى لساقيك سيقان الملايين

القاعدين بلا دنيا ولا دين

والمقعدين فلا ريح تحركهم

ولا يحركهم جمر البراكين

يا أجمل الملكات الجالسات

على عرش من الشوك أزرى بالرياحين

يغار منك الرضى والصبر قال لنا

تعلموني من الصبر الفلسطيني

ذات الجناحين

طيري في السماء فما يليق

بالطهر أن يمشي على الطين

سامي كليب: حلو، حلو، جميل. قصيدة لغزة جميلة أيضا

"لغزة طقس العروس

التي ترفض الكحل إلا إذا كان من أضلع الشعراء

وترفض أن تنحني لغير دم الشهداء

فيا أيها الذاهبون إليها على نسمات القوافي"

حيدر محمود: احملوا من جميع المنافي السلام، مش هيك؟

سامي كليب: بالضبط

"احملوا من جميع المنافي السلام

وقولوا لها وهي تدخل مرحلة الطلق

بورك ما تلدين لنا

قمرا نسميه غزة

أو حجرا نسميه غزة"

ولكن في نفس القصيدة تقول

"إن أمضى السكاكين.."

حيدر محمود: أقربها.

سامي كليب: أقربها.

حيدر محمود: وأمض الجراح التي في الجفون

سامي كليب: ما الذي تقصد بذلك؟

حيدر محمود: يعني الأعداء القريبون هم الأخطر على أي قضية من الأعداء البعيدين.

سامي كليب: من الأعداء القريبون؟

حيدر محمود: والله يعني كثر يعني "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة" مش هيك؟ "على النفس من وقع الحسام المهند" بغض النظر من هم يعني أحيانا بتكون نفسك.

سامي كليب: وحين اشتد ظلم ذوي القربى عليه بعد نعيم عاشه بفضل قربه بالشعر من العرش الأردني سلطت عليه سهام بسبب قصيدة ألقاها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ونسبت إلى حيدر محمود، فهل فعلا هو كاتبها؟

حيدر محمود: قصيدة صدام لم تكن لي ولا حرف منها وبعدين صدام لم يكن ينقصه شعراء عراقيون، العراق مليئة بالشعر والشعراء كما تعلم وهو نفسه كان شاعرا، لكن تتشابه مع قصيدة لي في بعض أبياتها و..

سامي كليب (مقاطعا): وقيل نفس المناخ نفس العبارات تقريبا نفس الأسلوب..

حيدر محمود: يا سيدي نفس القافية نفس الكذا لكن ليست لي بكل معنى الكلمة وأنا أملك من الجرأة الأدبية لأقول، لو كانت لي كنت أعلنت ذلك ولا يهمني شيء.

سامي كليب: والواقع أنه أنا اللي لفت نظري أيضا أن بعض الكتاب الكويتيين شنوا حملة ضدك أنه حضرتك اللي كتبتها حين غزا الكويت وما إلى ذلك..

حيدر محمود: نعم، نعم.

سامي كليب: ولكن تؤكد تأكيدا رسميا وقاطعا حتى بعد وفاة الرجل..

حيدر محمود: إطلاقا..

سامي كليب: أنه لم تكتب هذه القصيدة؟

حيدر محمود: نعم أنا لم أكتبها وأنا قلت لك لو كنت كتبتها لأعلنت الآن على شاشة الجزيرة ولك شخصيا أنه أنا لو كنت كاتبها بأقول كتبتها وفي حينه كان ممكن، ليش أخجل يعني لماذا أخجل من نص كتبته أنا؟ لكن هذه حتى القصيدة أنا شخصيا يعني أبيات ركيكة وليست يعني قوية جدا يعني ليست من طراز شعري أصلا، هو يمكن يكون هو اللي كاتبها أو حدا غيري، ليش أنا أكتبها؟ يعني ما عنده ألف شاعر أو مليون شاعر حتى بالعراق.

سامي كليب: لم يكتب لصدام حسين وإنما كتب للرئيس الأميركي باراك أوباما، تقمص الشاعر الأردني حيدر محمود شخصية طفل فلسطيني يخاطب سيد البيت الأبيض.

حيدر محمود: هذه آخر قصيدة كتبت، عنوانها.. بعد ما نجح أوباما واستلم زمام المسؤولية في الولايات المتحدة أحبيت أوجه له من طفل فلسطيني إلى الرئيس باراك حسين أوباما E.mail وفعلا ذهبت E.mail وترجمت باللغة الإنجليزية ووصلت إليه، تقول على لسان الطفل الفلسطيني يقول

لم أهدم البرجين

ولا أصبت واحدا من ربعكم حتى ولو بالعين

وكنت معجبا وما أزال بالتعددية العرقية الدينية القومية الفكرية

لأنها هي التي قد جعلت بلادكم على مدة قرنين

الدولة العظيمة القوية الغنية

وكنت كلما قرأت عن مدينة نيويورك

أنحني وأرفع اليدين بالتحية لنصب الحرية

لكنني أسأل يا فخامة الرئيس

ما الذي فعلت كي أكون دائما أنا الضحية؟

أدولف -هتلر- لم يكن أبي ولا أبا أبي

حتى تكون لي علاقة بالمحرقة

وموسوليني لم يكن من أقربائي

كي تعلقوا لي كلما لمحتموني مشنقة

أنا الوحيد في جهات الأرض يا فخامة الرئيس

ليس لي جهات

وصار عمري ألف سنة وليس لي حياة

هل تعلم السيدة الأولى وأجمل ابنتين

بأن من يدفع للجلاد كي يذبحني في اليوم مرتين

هو المواطن الذي أغرقه سلفه بالدين؟

فصار دافع الضرائب الغني عاجزا يمشي بعكازين

ولم يزل يدفع من خبز بنيه كلفة القتل وكلفة الدمار

وهو يراها في فضائياتكم وليس في فضائياتنا

تفتك بي وبالنخيل التلحمي والأزهار

وتحرق الأرض التي أنجبت المسيح

كأنهم يخشون أو كأنكم تخشون

أن يولد تحت كل نخلة مسيح!

فخامة الرئيس يا أبا حسين

شكرا لكم فقد بنت قنابل الفوسفور

من أشلائنا أكثر من برجين

سامي كليب: في صحيفة الرأي الأردنية في 10/7/ 1996 قصيدة لك بعنوان "الضد" جاء فيها

"قضي الأمر وانتهى كل شيء

فوداعا.."

حيدر محمود: يا كل شيء وداعا..

سامي كليب:

"يا كل شيء وداعا

كان وهما كل الذي مر من عمري"

حيدر محمود: من عمري، وكل السنين كانت خداعا.

سامي كليب: "كان وهما كل الذي مر من عمري" هل نادم على كل اللي مر بعمرك؟

حيدر محمود: لا، هو في لحظات معينة تمر بالإنسان يعني..

سامي كليب: حالة يأس..

حيدر محمود: آه كنت يومها يعني محبطا كثيرا من كثير من الأشياء في الواقع وقد تستغرب، هذه كتبت بعد توقيع اتفاق وادي عربة..

سامي كليب: بعد بسنتين تقريبا..

حيدر محمود: هذا رد على سؤال سابق لك، هذه في قمة الإحباط أنا كنت عندما كتبتها من هذا المشهد.

سامي كليب: هل نادم على ما كتبت شعرا؟

حيدر محمود: إطلاقا، أنا لا أندم على شيء، أحيانا يؤرقني فارق اللون بيني وبيني كما قلت قبل قليل لكن عمري ما ندمت على شيء، حتى أخطائي..

سامي كليب: كل ما كتبته بضمير؟

حيدر محمود: بضمير ويقظ ومؤمن بكل ما كتبت ولا أتنصل أبدا من أي كلمة كتبتها أو سأكتبها لأني لا أكتب أي شيء إلا بقناعة كاملة.

[شريط مسجل]

حيدر محمود:

مر كالحلم نصف قرن

وأحلى ما رأيناه فيه كان رضاك

مر كالحلم غير أن الذي مر

كألف مما يعد سواك

ولنا أن نقول ما لم تقله أنت

فيما أنجزنته لحماك

ولنا أن نقيم في كل يوم

لك عرسا للشكر ليس يحاكى

فالجنى كله جناك

ولولاك لما كان ممكنا لولاك

وقليل عليك كل بحور الشعر

والورد كله من شذاك

[نهاية الشريط المسجل]

سامي كليب: ربما الشاعر الأردني المولود في حيفا الفلسطينية امتدح العرش الأردني أكثر مما يحتمل البعض ولكن منصفيه يقولون إنه كان شاعر السرايا والقرايا، وهو تعبير محلي يفيد بأنه كان قريبا للعرش والشعب معا. وربما استاءت منه حكومات لبعض قصائده وربما أنه يعيش حياة هانئة ووضعا رغيدا وأنه لا يزال رغم سحابات الصيف العابرة في مسيرته الشعرية ينعم بجوائز السلطة ونعمها ولكن الأكيد أنه كان وسيبقى إحدى العلامات الفارقة في الشعر العربي المعاصر وليس الأردني فقط، الشعر ثابت والسياسة لعبة.

حيدر محمود:

قالت لي أمي في يوم ما

في أرض ما يولد إنسان ما

لا تعجبه اللعبة