- الأصول العائلية والمؤثرات البيئية والعمل السياسي
- عن الشعر والماركسية والعلاقة بالدين والصوفية
- قضيتا العراق وفلسطين ودور المفكر في مواجهة الاحتلال

 سامي كليب
 
 عبد الحسين شعبان
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. حين قسا النظام العراقي السابق على ضيفنا عرف المنافي وهرب من العراق سيرا على الأقدام باتجاه الكويت، من تربيته الإسلامية وتجربته الشيوعية ودراسته في الغرب وضع أكثر من أربعين كتابا حول العراق وفلسطين وحقوق الإنسان في العالم العربي، يسعدني أن أستضيف الكاتب والمفكر والسياسي العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان.

عبد الحسين شعبان: ربما لو عدت الآن إلى العراق أو اضطررت للعودة إلى العراق ربما سأشعر بمنفى جديد فأنا متآلف مع هذا المنفى والعراق في داخلي والعراق معي والعراق تشكل كياني وهذا الأمر أعتقد وصلت إليه منذ زمن.

الأصول العائلية والمؤثرات البيئية والعمل السياسي

سامي كليب: في بيروت أجريت هذا الحديث مع المفكر والحقوقي والأديب العراقي عبد الحسين شعبان، بيروت وليس بغداد لا لضرورات الأمن فقط وإنما أيضا لأن بيروت لها في ذاكرة وتاريخ ضيفنا الكثير فهو لجأ إليها كما إلى دمشق والكويت وتركيا وبراغ حين هرب من العراق في سبعينيات القرن الماضي وفيها كتب جزءا من عشرات المؤلفات والمقالات التي ينشرها حول العراق والمعاهدات الأميركية فيه ولكن أيضا حول الصراع العربي الإسرائيلي والديمقراطية والحرية، فماذا عن البداية هل فعلا كما تشير هذه الشجرة العائلية في منزله أن أصول عائلته تعود إلى اليمن؟

عبد الحسين شعبان: أصل العائلة من اليمن من حمير القحطانية وطبعا حمير يعني بطن من بطون حمير وهي بالأصل من جبل النبي شعيب ويسمون بني الإشعوب وبني الشعبانيين وصولا إلى الملك حمير والهميسع، وتمتد شجرة العائلة إلى نائب السادن عبد الله الذي كان قاضيا ثم تمتد الآباء والأجداد وصولا لي، ومن الطريف بالأمر أن ابنتي سوسن كانت قد اعترضت أن هناك نوعا من التمييز و Discrimination فخلت اسمها واسم سنا بعد اسمي باعتبارهما من ذريتي وهكذا الأمر، فعلا تحسست أن الموضوع النسب يعود إلى الرجال ولا يعود إلى النساء وهذه مسألة بدأت بعض منظمات حقوق الإنسان الآن على مستوى أوروبا تطرحها، هل يمكن النسب أن يعود إلى الأم أو فقط إلى الأب؟ وهل يمكن للابن أن يأخذ جنسية أمه؟ هذه مسألة إشكالية ما تزال عالقة.

سامي كليب: شعبان هو اسم عائلته وأما اسمه فهو لم يقف عند حدود عبد الحسين وإنما تغير أكثر من مرة طبقا لمتغيرات الزمان والمكان والنشاط السياسي فمثلا كان اسمه الحزبي الخفي سلام حين كان ناشطا في الحزب الشيوعي، كان شيوعيا رغم ترعرعه في بيئة دينية وفي كنف والد كان يمضي نهاره قارئا للقرآن الكريم.

عبد الحسين شعبان: أستطيع القول بأن رافدين أساسيين كانا منذ البداية وظلا حتى الآن مؤثرين في حياتي الشخصية والفكرية والثقافية، الرافد الأول هو دور القرآن الكريم حيث كان الوالد يقرأ القرآن في البيت يبتدئ نهاره أو صباحه إذا جاز لي التعبير أن أقول بقراءة القرآن بصوت عال وهذا ظل ملمحا أساسيا أتذكره منذ أيام الطفولة وحتى الآن، والشيء الثاني دور الشعر والأدب فالنجف بحد ذاته هي معهد دراسي أو مدينة جامعية إذا شئت التعبير أن تقول لأنه كان فيها مختلف القوميات يأتون من مختلف بقاع الأرض للدراسة في جامعتها التي مضى على تأسيسها نحو ألف عام منذ أيام الطوسي الذي جاء إلى النجف عام 449 هجرية وتوفي فيها عام 460، النجف بحكم كونها معهدا علميا وساحة ثقافية وأدبية كان الشعر يلعب دورا أساسيا في تكوين الفرد النجفي والشخصية النجفية.

سامي كليب: تذكر بعض هذه الأشعار مثلا شيء قصيدة كانت مشهورة؟

عبد الحسين شعبان: بالطبع هناك الكثير من..

سامي كليب (مقاطعا): يعني أي نوع أي نمط من الشعر، الشعر السياسي؟

عبد الحسين شعبان: أولا كان هناك المطارحات الشعرية كأن تقول أنت صدر البيت والآخر يقول عجز البيت أو تبدأ بحرف الميم وتنتهي القصيدة بالميم ويبدأ الثاني بالسين وينتهي الآخر بالسين.

سامي كليب: أسواق عكاظ الشهيرة.

عبد الحسين شعبان: وهكذا كان هناك الشعر الشعبي أيضا ممكن أن تقول الشعر الشعبي، البقال يقول الشعر والحارس يقول الشعر ومعلم المدرسة يقول الشعر ورجل الدين يقول الشعر وهكذا، بيئة النجف هي بيئة شعرية أستطيع القول إنه في عهد كانت النجف قبل أكثر من مائتي سنة لم يزد عدد نفوسها عن ثلاثين ألف كان فيها مائتي شاعر، تصور!

سامي كليب: من ثلاثين ألفا.

عبد الحسين شعبان: من ثلاثين ألفا كان فيها مائتي شاعر معترف به.

سامي كليب: والدك كان يتقن الشعر كان يكتب الشعر؟

عبد الحسين شعبان: لا.

سامي كليب: فقط القرآن الكريم.

عبد الحسين شعبان: والدي كان يقرأ القرآن الكريم ولكن البيئة بشكل عام متأثرة، الأعمام والأخوال كلهم في هذه الأجواء الثقافية والأدبية، إضافة إلى أن أحد أفراد العائلة برز شاعرا مجددا اسمه الشيخ حبيب شعبان واضطر بسبب الأوضاع المعاشية إلى الهجرة إلى الهند وتوفي في رامبور بقي في رامبور، هذا الكلام قبل 150 سنة تقريبا.

سامي كليب: يعني فيما تتفضل به عن النجف يعني تقول إنه كان جزءا كبيرا من الناس يكتب الشعر ويتقن الشعر ويقرأ الشعر ولكن أي نمط من الشعر، هل كان الشعر السياسي؟ وأسألك لأنه على ما يبدو النجف كانت مسيسة جدا أيضا يعني ليس فقط الجانب الإسلامي أو الجانب الديني الورع عند أهل النجف.

عبد الحسين شعبان: الشعر كان في النجف بكل أنواعه شعرا سياسيا اجتماعيا بالمناسبات..

سامي كليب: غزليا كمان.

عبد الحسين شعبان: بالأعراس بالختان بالوفيات بالمناسبات السعيدة والمناسبات غير السعيدة وأيضا كان شعرا غزليا، الشاعر الكبير الفقيه العالم محمد سعيد الحبوبي كان قد كتب الغزل وهو فقيه وأهم فقهاء عصره، وبالمناسبة هو أحد الثوار الذين تصدوا للاحتلال البريطاني عام 1914 ذهب على رأس مجموعة من الثوار إلى الشعيبة لمقاتلة الإنجليز رغم نقمته على الحكم العثماني، يقول الشاعر محمد سعيد الحبوبي

يا غزال الكرخ آه وا وجدي عليك

كاد سري فيك أن ينهتكا

أعطني كأسا وخذ كأسا إليك

فلذيذ العيش أن نشتركا

وهو لم يذق الخمر بالطبع لم يعرف الراح ولكن على طريقة الشعراء..

سامي كليب: هذا عند الشعراء كثير، صح لم يذوقوا الخمر وكتبوا.

عبد الحسين شعبان: كانوا يتغزلون بها ويصفون ألوانها والتأثر بها.

سامي كليب: ما هي قصة هذا الشعار الذي رفع آنذاك "لا فرق بين قبة الإمام وقبة الكرملين"؟

عبد الحسين شعبان: هذا في الواقع عندما انخرط العديد من أبناء العوائل الدينية لا سيما الذين كانوا في حضرة الإمام علي، آل الرفيعي الذين هم الكليدار، آل شعبان كانوا سر خدمة أي رؤساء الخدم، آل الخرسان، آل الزوين وعوائل دينية أخرى مثل آل الشبيبي وآل بحر العلوم وآل الجواهري بالطبع..

سامي كليب: المهم انخرطوا في التيار الشيوعي.

عبد الحسين شعبان: فكان البعض يعني يتندر أن الجماعة لا بد أن يكونوا تحت قبة فإما تحت قبة الإمام علي أو تحت قبة الكرملين لا فرق لديهم، والواقع أن البيئة النجفية بحكم الظلم وبحكم الاستبداد وبحكم الطغيان الطويل الأمد وبحكم روح التمرد في هذه المدينة التي فيها فكر جدلي فيها فكر صراعي ونقاشي وسجالي إلى حدود كبيرة أسماها الشاعر مصطفى جمال الدين المدينة المنغلقة أو المجتمع المنغلق في الفكر المنفتح.

سامي كليب: بدأ عبد الحسين شعبان حياته السياسية باكرا هتف لسقوط حكومة نوري السعيد ولمعت عيناه لخطابات جمال عبد الناصر، وفي أرشيفه صور وقصائد عن فترة كان يحمل فيها على الأكتاف وينتهي به الأمر إلى السجن.

عبد الحسين شعبان: أريد أن أقول كل الذين أتوا إلى هذا الطريق لم يأتوا عن دراسة وتمحيص أتوا على نحو عاطفي بتأثير العائلة الأصدقاء المدرسة.

سامي كليب: الجو العام.

عبد الحسين شعبان: أنا كان جو العائلة مشبعا بالروح اليسارية والماركسية، والظلم كان سائدا خصوصا ارتباط العراق بحلف بغداد ومصادرة الحريات وضيق فرص حرية التعبير بشكل خاص الأمر الذي دفع المتظاهرين إلى التوجه إلى الشوارع وإلى الاستيلاء على المدينة لا سيما بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وموقف الحكومة العراقية المخزي آنذاك التي كانت متواطئة بهذا القدر أو ذاك مع العدوان، يعني هذا السبب..

سامي كليب (مقاطعا): يعني أفهم كان هناك أيضا، اسمح لي بالمقاطعة، أفهم كان هناك أيضا إعجاب بتجربة الرئيس جمال عبد الناصر من قبلك وقبل المحيط وليس فقط ضد حلف بغداد؟

عبد الحسين شعبان: إلى حد ما كانت، لم يكن الخلاف الشيوعي القومي قد بدأ كان عبد الناصر رمزا لحركة التحرر الوطني آنذاك، أتذكر حتى أن بعض العزاءات الحسينية كانت تأتي على ذكر عبد الناصر يعني مثلا يقول أحد الشعراء الحسينيين في هتاف لعزاء كبير آنذاك عام 1956 بعد العدوان على قناة السويس

قالوا القائد جمال رواحنا كله له

يا هلا نريد مثله نمثله يا هلا

وأميركا بالدولار وفرنسا أم العار

والثالثة بريطانيا رمز الخباثة يا علي

تصور الأمر يربط هكذا لذلك قلت لك إن كان الشعار قريبا من نبض الناس. أتذكر أيضا جاءنا في ليلة من الليالي وكان العدوان الثلاثي قد بدأ محمد موسى الشاب الوسيم الجميل..

سامي كليب: الشاعر الكبير..

عبد الحسين شعبان: شاربان شقراوان جميلان وطول فارع وشجاعة لا متناهية..

سامي كليب: وصاحب الهتافات الشهيرة..

عبد الحسين شعبان: وصاحب الهتافات الشهيرة..

سامي كليب: طبعا بالتظاهرات..

عبد الحسين شعبان:

ها يسقطك والله يسقطك

هذا الشعب اللي قاوم لندن

بالمغوار يسقطك والله يسقطك

على حكومة نوري السعيد. طلب مني أن أحفظ قصيدة وأن أرفع على الأكتاف في اليوم الثاني لقراءة هذه القصيدة.

سامي كليب: قصيدة "يا عباد الدولار"؟

عبد الحسين شعبان:

يا عبادة الدولار وأتباعه

من باع الشعب في اللي يرد باعه

قرب لكم الموت وقربت الساعة

وجيوش الحتم بانت طلايعها

أتذكر أن قصيدة أخرى كانت بقلم زاهد محمد هو شاعر شعبي..

سامي كليب (مقاطعا): آنذاك كتبت الصحف عنك حسب ما فهمت أنه وضعت صورتك وحملت على الأكتاف وخطبت..

عبد الحسين شعبان: لا، الصورة لا لأن التصوير كانت ممنوعا، كانت العادة آنذاك أن نلبس الغترة البيضاء الكفية البيضاء أو اليشماغ ويلبسون النظارة السوداء لإخفاء معالمهم عن شرطة التحقيقات الجنائية آنذاك..

سامي كليب (مقاطعا): ماذا فعل..

عبد الحسين شعبان (متابعا): ولكن كتبت "اتحاد الشعب" أن أحد المواطنين حمل.. أن المواطنين حملوا أحدهم على الأكتاف أحد الشبان على الأكتاف وألقى قصيدة "يا عباد الدولار". وكان الأستاذ عزيز شريف رئيس مجلس السلم ووزير العدل في الستينات كان قد كتب في كتاب صدر في دمشق عام 1957 عن وثبات العراق وأشار بهذه الحادثة ونقل ما كتبته جريدة اتحاد الشعب آنذاك.

سامي كليب: طيب وشعار ضد أنابيب النفط القصيدة المشهورة كمان؟

عبد الحسين شعبان: نعم يقول

ناضل يا شعب واحقد على العدوان

تجي لي من الشعيبة وقلعة الذبان

وامح هالعبيد اللي باعوا الأوطان

وألغ للأبد صك العبودية

ليش الشعب جايع ما يحصل القوت

والكادح أطفاله من المجاعة تموت

أنابيب النفط ملك الشعب وتفوت

كل أرباحها بجيب الحرامية.

سامي كليب: أدت كل هذه التحركات كل هذا الاندفاع عندك إلى الاعتقال حسب ما فهمت عام 1963 في المرة الأولى، ما الذي جرى وكيف اعتقلت؟

عبد الحسين شعبان: في الواقع كدت أن أعتقل العام 1962 خلال فترة أو عملية توزيع مناشير في مقهى من المقاهي اعتقل صديقي آنذاك علي الخرسان ولكني اعتقلت بعد انقلاب 8 شباط عام 1963 وبقيت بضعة أشهر في المعتقل وفصلت عاما..

سامي كليب: من الدراسة.

عبد الحسين شعبان: من الدراسة، ثم أطلق سراحي بتدخلات من قبل الحاكم العسكري العام عبر عمي الدكتور عبد الأمير شعبان الذي كان صديقا لعائلة ناجي طالب والذي ساهم في إطلاق سراحي هو الطيب الذكر ناجي طالب كما أطلق سراح عمي بعد ذلك بتدخل منه أيضا، وأستطيع القول إنني في تلك الفترة اتخذت منهجا آخر.

سامي كليب: ألا وهو؟

عبد الحسين شعبان: بمعنى من المعاني السؤال أولا ما الذي حصل لماذا حصل؟ وبنفس الوقت الاندفاع والاقتحام الميداني آنذاك فاستعدنا نحن مجموعة من الشباب ما سمي بالتنظيم الجديد، التنظيم الجديد يعني إعادة وصل الحلقات الماركسية والشيوعية التي جرى تمزيقها وضرب التنظيمات بهذا المعنى جرت تحركات على هذا الصعيد ولكن هذه التنظيمات اكتشفت مرة أخرى واعتقل البعض.

سامي كليب: وهربت.

عبد الحسين شعبان: واضطررت إلى الهروب والتحقت بتنظيم آخر في مدينة الكاظمية الذي ضرب هو الآخر وحصل الأمر حتى تمت الإطاحة بنظام 1963، 8 شباط، في 18 تشرين عام 1963 الذي أحدث نوعا من الانفراج ما يتعلق بالشيوعيين وإن ظلت الحالة كما هي دون تغيرات تذكر.

عن الشعر والماركسية والعلاقة بالدين والصوفية

سامي كليب: طيب في السجن حسب ما فهمت كنت بدأت تكتب الشعر وتقول إن شيطانه يلاحقني ولكنك لم تتبنه فعلا، كتبت قصائد للحرية ولكن كتبت قصائد أيضا غزلية وقصائد للحب وأنت داخل السجن وليس فقط للفكر الماركسي، تذكر بعض هذه القصائد؟

عبد الحسين شعبان: ما زال هذا الشيطان يلاحقني حتى هذه اللحظة ربما هو يحتلني يحتل عقلي على أقل تقدير ولكن ما أكتبه وما كتبته لا أسميه شعرا.

سامي كليب: لا يريد دخول ملكوت الشعر لكنه دخله، هو الحب لا شك والسياسة أيضا ولكن هي الغربة خصوصا ثم السنون. أمضى عبد الحسين شعبان جل عمره بين عاصمة وأخرى وبغداد القريبة البعيدة تثير عنده حنينا أو شجنا أو حشرجة فيصبح الشعر جسرا إليها ولو من بعيد.

عبد الحسين شعبان:

جئت اليوم مثل الحلم

ومثل الحلم ظهرت

وتراءى لي أنك أنت

واحترت أيهما أنت

اتحدت صورتك بالحلم فكنت

هل أنك شئت؟

أم ثمة شيئا غامض كان فكنت؟

هو شيء نعرفه أنا وأنت

وأعرف أني غبت وأنك غبت

صورتك الأولى ارتسمت طيفا

ثم مضيت وأنت مضيت

وما بين اليقظة والحلم سألت

هو ذات الشيء الغامض الذي داهمني رأيت؟

أقسمت بأن الشيء المبهم كان شهيا

كما هو أنت.

سامي كليب: حين قرأت جل ما كتب عبد الحسين شعبان فهمت سر نزوعه صوب حقوق الإنسان فهو نفسه كان ضحية الاعتقال غير مرة في العراق تارة بتهمة الشيوعية وأخرى بتهمة التحريض وثالثة بتهمة التعرض للنظام، وقد كان أن هرب مرة سيرا على الأقدام إلى الكويت ثم دمشق فبيروت واسطنبول فأوروبا حيث درس بضع سنوات في براغ، وهناك في براغ حيث كانت أحد معاقل الشيوعية والمد السوفياتي درس وحصل على دكتوراه في القانون وفلسفته وهناك عمق معارفه بالحزب الشيوعي الذي وإن كان يقدم اليوم نقدا عميقا له وللتجربة الماركسية في كتاب على مشارف الصدور إلا أنه بقي معجبا بالماركسية كطريقة وليس كغاية وقائلا إن الشيوعية لا تعني بالضرورة الإلحاد.

عبد الحسين شعبان: إذا جاز لي التعبير أن أقول إن الدين أعطاني قيما مهمة وإن الماركسية كمنهج جدلي أعطتني فهما آخر للحياة ولمعناها ولجدواها وللجمال ولتصوره ولآفاقه شيئا آخر.

سامي كليب: ولكن مع التقدم بالتجربة والعمر بدأت تنتقد أكثر التجربة الماركسية فهل اقتربت بالمقابل أكثر نحو الإيمان أو من الإيمان بشكل عام؟

عبد الحسين شعبان: لا هذا ولا ذاك، دعني أقل لك إن الماركسية بالنسبة لي كانت شيئا عاطفيا، بعد الدراسة والتجربة والغوص في المنهج الماركسي والفلسفة الماركسية بدأت وخصوصا بعد الابتعاد عن التنظيمات الماركسية كنت أكثر قربا من الفكر الماركسي كلما ابتعدت عن الجماعات والتنظيمات الماركسية، أنا من خلال التجربة بدأت أشعر أين قصر ماركس أين أخفق ماركس أين لم يستكمل ماركس أبحاثه ضمن عمره البيولوجي لهذا لم أشعر بتمامية الماركسية، ماركس كان حلقة واحدة من الماركسية ماركس كانت تعاليمه تصلح له، كان علينا اكتشاف تعاليمنا وفقا للمنهج الماركسي وليس وفقا لماركس.

سامي كليب: كويس بس لو سمحت لي أمر بسيط جدا يعني حضرتك عارف أنه كان ممكن أن نأخذ ساعات طويلة حول التجربة الماركسية ونقدها وحضرتك وضعت كتابا جميلا جدا حول هذا الموضوع مؤخرا صدر لك يمكن العودة إليه ولكن في الحياة اليومية ربما مشاهد بسيط يشاهدك اليوم يريد أن يعرف عنك أكثر كيف توفق بين الاثنين؟ مثلا تصلي ثم تقرأ الماركسية تمارس طقوس الإيمان ثم تقرأ كتابا عن الشيوعية تستطيع التوفيق إلى هذه الدرجة بحياتك اليومية مثلا؟

عبد الحسين شعبان: الإيمانية والعلاقة مع قوى خارقة ما فوق طبيعية ما فوق ورائية شيء ووممارسة طقوس شيء آخر، الماركسية منهج للحياة لا علاقة لها بالماوراء لا علاقة لها بالغيب هي تتحدث عن حياة تتحدث عن فلسفة حضور وليست فلسفة غياب.

[فاصل إعلاني]

عبد الحسين شعبان: أنا لا علاقة لي بالطقوس أنا أتحدث عن مثل عن قيم كونية إنسانية ذات بعد كوني وليس ذا علاقة بهذا المذهب أو ذاك خصوصا وأن بلداننا العربية أغرقت في صراعات مذهبية وطائفية أنا لا علاقة لي بها لا من قريب ولا من بعيد ولا أؤمن بها لا من قريب ولا من بعيد أيضا.

سامي كليب: كي لا يساء فهمك هل الفرائض طقوس بالنسبة لك؟

عبد الحسين شعبان: كل ما يتعلق خارج الفهم الكوني التاريخي للتعاليم الإسلامية هذا شيء والفهم الفلسفي الكوني للإسلام وتعاليمه شيء آخر، أنا لا علاقة لي بالجانب الأول ولكن لي علاقة وثيقة بالجانب الثاني الجانب الحضاري الجانب الثقافي، الإسلام ليس فرائضا وتعاليم وحسب، الإسلام هو قيم هو مفاهيم كوينة هو فلسفة هو حضارة أمدت البشر على مدى 1400 عام بالكثير الذي أسس لعلوم ولفلسفات ولجماليات ولعمران ما زالت تدرس حتى هذه اللحظة، أنا لي علاقة بهذا الجانب ولا علاقة لي بالجانب الآخر.

سامي كليب: على كل حال هذا موضوع بحاجة إلى نقاش طويل وآمل أن يأتي يوم وتناقش رجل دين يمارس فرائض الإسلام لكي تستطيع أن تحاوره ويحاورك لنرى من سيقنع الآخر..

عبد الحسين شعبان (مقاطعا): دعني أذكر لك حادثة فقط بهذا الموضوع..

سامي كليب (متابعا): اسمح لي فقط سأتركك تذكر ما شئت ولكن فقط بالنسبة ما يهمني بهذا الموضوع هو في خلال تجربتك مثلا حين كنت تلجأ إلى الدين، وفهمت أنك قرأت مثلا القرآن الكريم مرتين بعمق..

عبد الحسين شعبان: نعم هذا صحيح.

سامي كليب: مرتين على الأقل.

عبد الحسين شعبان: عام 1978 وعام 1982 مظبوط.

سامي كليب: عام 1978 وعام 1982، ما السر في ذلك؟ ولماذا يعني تخليت -دعنا لا نستخدم كلمة تخليت- لماذا لجأت إلى القرآن الكريم ولم تلجأ إلى شيء آخر في ساعات الشدة مثلا عام 1978 وعام 1982؟

عبد الحسين شعبان: ما زلت أقرأ القرآن مثلما ما زلت أقرأ الشعر وأقرأ ماركس وأقرأ ألتوسير وأقرأ لوكاش وأقرأ كينز وأقرأ آدم سميث وهكذا، هذا علم وبالتالي المعرفة نهر لا يمكن أن يتوقف، هو شلال جار ومستمر. أريد أن أقول يعني فيما يتعلق بعام 1978..

سامي كليب (مقاطعا): احك لي عن عامي 1978 و1982.

عبد الحسين شعبان: عام 1978 شعرت بأن ثقافتي الدينية بحاجة إلى أن تتعمق وأن لغتي العربية بحاجة إلى أن تتعزز فبادرت بقراءة القرآن، كنت قد حصلت عام 1978 على كتابين للمفكر الصدر، محمد باقر الصدر، كتاب "فلسفتنا" وكتاب "اقتصادنا"، هذان الكتابان دفعاني لإعادة قراءة القرآن لأتلمس أين اختلف وأين اتفق وكيف حاول أن يطور الفهم الديني الإسلامي الفلسفة الإسلامية آنذاك من خلال قراءتي للقرآن. عام 1982 بدأت بعض القضايا تلح علي وبالتالي لا بد من العودة للقرآن الكريم خصوصا أن الحرب العراقية الإيرانية كانت قد اشتعلت وكنت آنذاك بحاجة إلى المزيد من المعلومات فيما يتعلق بموقف الإسلام من الأسرى على سبيل المثال، موقف الإسلام من الصراع بين جارين مسلمين وهكذا وهكذا شعرت أن موجة دينية قادمة وهي كانت بالفعل منبثقة وبالتالي لا بد من مواجهة المد الديني بهذا المعنى بقراءة أصول الدين وأصل من أصول الدين القرآن الذي يعتبر واحدا من الأعمدة الأساسية التي لا يمكن الحديث عن الشريعة دون قراءة القرآن ودون قراءة أحاديث النبي المطهر. هذا كان..

سامي كليب (مقاطعا): طيب هذا من الجانب التطبيقي، لو سمحت لي، هذا من الجانب التطبيقي يعني جانب استخدام القرآن الكريم بغية فهم واقع معين استجد وطرأ ولكن ماذا بالنسبة للجانب الروحي في شخصك يعني هل كنت تتعاطى مع هذه المسألة أيضا روحيا؟

عبد الحسين شعبان: عندما أقرأ الشعر وأقرأ القرآن وأقرأ ماركس أشعر بطمأنينة روحية وداخلية لدي خصوصا للقيم والمثل الإنسانية العميقة التي كانوا يبشرون بها كل على طريقته، بالنسبة لي الإنسان هو المعيار الإنسان هو الأصل هو مقياس كل شيء هو أغلى رأسمال بهذا المعنى كنت عندما أقرأ القرآن أو أقرأ أي نص أتأثر به خصوصا بالمشاعر بالأحاسيس أشعر شعورا كبيرا بالطمأنينة، شعور بالاستقرار الروحي شعور بالصداقة والمصالحة مع النفس أكثر فأكثر.

سامي كليب: على كل حال لك مفهومك الخاص بالنسبة للدين بالنسبة للعلاقة مع الآخر، الآخر إن كان مسيحيا أو يهوديا أو ينتمي إلى أي طائفة أخرى، وتنقل عن البعض من يقول إن هناك طائفيين بلا دين..

عبد الحسين شعبان: علي وردي.

سامي كليب: نعم. في كتاب "فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي" والذي قدم له المطران جورج خضر -وكان ضيفنا في حلقة سابقة- مطران منفتح جدا يعرف بالقرآن الكريم..

عبد الحسين شعبان: دنيز.

سامي كليب: نعم، كما يعرف بالإنجيل والتوراة وله معرفة واسعة. في هذا الكتاب تستشهد في بدايته بابن عربي ما دفعني لسؤالك عن اتجاهك الصوفي، هل لديك اتجاهات صوفية استجدت بعد التجربة الماركسية أم فقط تتعاطى مع الآخر من أجل الانفتاح من أجل الحوار مع الآخر؟

عبد الحسين شعبان: الاثنان معا، يعني لا شك أن هناك جانبا شخصيا يشدني إلى الصوفية، المثل، التجرد، التماهي مع الآخر، التماهي مع قيم عليا، التماهي مع القوى الكونية الخارقة، مع الله أحيانا، بهذا المعنى هو شيء من الاندغام وشيء من الانغماس في روحانيات لها أول ولكن بتقديري ليس لها آخر على الإطلاق.

سامي كليب: رأى عبد الحسين شعبان الكثير في حياته فاعتقل في العراق أكثر من مرة وكان بينه وبين الإعدام شعرة.

عبد الحسين شعبان: كنت قد أنجزت مرحلة الدكتوراه وعدت إلى الوطن وذهبت إلى العسكرية بقرار حزبي آنذاك، ولكن كانت العلاقات قد ساءت ولذلك كنت مهددا بين لحظة وأخرى بالإعدام خصوصا بعد الاستدعاءات الكثيرة والتعرض للتعذيب وما شابه ذلك. أريد أن أقول لك أيضا كنت قد ذهبت إلى زيارة مكة لأداء العمرة وكان معي أحد الأصدقاء وكان هو قد ذهب عدة مرات إلى مكة، هناك في مكة سألني -باعتباره مؤمنا ومطيعا وقائما بجميع الفرائص- سألني هل تشعر بالخوف أو بالرهبة؟ قلت بالاطمئنان الكامل، ربما لأن ذنوبي أقل. -مازحته قليلا- هناك كنت وأنا أنتظر لحظة بلحظة أنتظر القدر الغاشم الذئب الذي كاد يفترسني وربما وصل حبل المشنقة إلى عنقي، كنت أشعر باطمئنان كامل بسوية كاملة بهدوء كامل لا أدري من أين أتاني، ربما هناك قوى خارقة هي التي جاءت به إلي، لذلك الإيمان ليس بتلاوة الصلوات أحيانا أو بأداء بعض الفرائض ومخالفتها في اليوم الثاني أو القيام في نفس الساعة بشيء آخر، الإيمان هو قوة روحية داخلية تربطك بهذا الخارق الذي لا حدود له ولا معرفة له.

 قضيتا العراق وفلسطين ودور المفكر في مواجهة الاحتلال

سامي كليب: شرح عبد الحسين شعبان الكثير من التاريخ والواقع العراقي ووضع عشرات المؤلفات يفند فيها أباطيل المعاهدات التي عقدتها الولايات المتحدة أو فرضتها على حكومات ما بعد الاحتلال، وقلما يمر شهر لا يشارك في مؤتمر أو مقابلة تلفزيونية. ولكن أليس الكلام من عواصم هادئة خارج بغداد أسهل من المعارضة من قلب العراق؟

عبد الحسين شعبان: أعتقد يعني هذا السؤال هو يجيب عن نفسه، أولا ليست وظيفة المفكر أن ينزل فقط إلى الشارع وأن يكون في هذا المكان أو ذاك المكان، وظيفة المثقف هي النقد وظيفة الكاتب هي الكتابة، أنا وظيفتي الكتابة وظيفتي كمثقف النقد أينما أكون وحيثما أكون. الشيء الآخر، على الأقل بعمري و.. الإنسان يحتاج إلى عدد من المستلزمات، لا يمكن للمرء الآن وهو تخطى الستين أن يذهب لعدم وجود مستلزمات أولية من الماء الصافي إلى الكهرباء إلى غير ذلك، فضلا عن ذلك وجود العنف الإرهاب القتل على الهوية، لا وجود لبيئة للبحث العلمي لا وجود لفرصة لحياة طبيعية، وأنا إنسان أنا أعيش أعيش حياتي كما هي أذهب وأتبضع وأذهب إلى مطعم..

سامي كليب (مقاطعا): إيه حياة رفاهية لمثقف يعني طبعا..

عبد الحسين شعبان (متابعا): وهكذا، هذه بالنسبة لي الحياة لكن لا يعني ذلك إن قلت رأيا صحيحا حيثما تكون قل رأيا أينما تكون إن كان هذا الرأي صحيحا..

سامي كليب (مقاطعا): أليس هذا هو هدف المحتل أن يبعد المثقفين أن يقتل جزءا أن يبعد جزءا آخر أن يدفع الجزء الثالث للصمت؟

عبد الحسين شعبان: لا، أنا قضيت بضعة سنوات ربما عقدين ونيف من الزمان في المنافي وكان المنفى بالنسبة لي مشكلة في البدايات لكنني تآلفت مع المنفى، المنفى أصبح جزءا مني وهو جزء من الوطن أيضا والوطن فيه جزء من المنافي أيضا فيه جزء من الـ alienation الاغتراب، لا يمكن أن تعيش في وطن وتحت حراب المحتل وفي ظل غابة البنادق وفي ظل الاحتدام والاحتراب الطائفي، ليست هذه مهمتي.

سامي كليب: حضرتك دكتور عبد الحسين شعبان تحدثت فيما كتبت أيضا عن مدينة شهيرة تاريخيا وحضاريا في العراق، مدينة أور، وتقول إنها سرقت وإن فيها عاش النبي إبراهيم وإنها ذكرت في العهد القديم وإن من سرقها ليسوا أناسا عاديين وإنما هناك عصابات منظمة لا بل هناك مسؤولون ربما خلف من سرق ذلك. هل يمكن أن تقول لنا ولو باختصار ما هي أهمية أور؟ وما الذي سرق؟ ومن الذي سرق؟

عبد الحسين شعبان: أور أولى الحضارات في التاريخ وبالتالي يوجد في العراق 12 ألف معلم حضاري باعتراف من اليونسكو، في أور توجد مئات المعالم الأثرية وهناك مدن ربما تحت الأرض لم تكتشف حتى الآن، وجود قاعدة عسكرية على بعد عشرين كيلومترا عن أور أدى إلى خلخلة التربة وهناك الكثير من الآثار التي لا تقدر بثمن سرقت بطريقة منظمة أو شبه منظمة بين مقاولين وبين عسكريين أجانب وغير أجانب وبين شركات..

سامي كليب (مقاطعا): القاعدة العسكرية هناك ساهمت في ذلك؟

عبد الحسين شعبان: ساهمت في ذلك بالطبع فضلا عن ذلك جرى التعامل مع مدينة أور بلا أبالية وكأنها أرض قفراء أو خالية.

سامي كليب: ماذا سرق منها يعني حسب معلوماتك؟

عبد الحسين شعبان: عشرات المعالم الأثرية، عشرات المعالم الأثرية سرقت من أور.

سامي كليب: تعرف أين ذهبت؟

عبد الحسين شعبان: ربما ذهب قسم منها إلى الولايات المتحدة عبر البلدان العربية، في الخليج أيضا قسم منها..

سامي كليب: من الذي تورط..

عبد الحسين شعبان: 99 في كندا..

سامي كليب: من الذي تورط في السرقة؟ مسؤولون غربيون، أميركيون، عراقيون أيضا؟

عبد الحسين شعبان: دعني أقل لك إن هناك سرقات بدأت لبعض الآثار حتى قبل سقوط النظام أو قبل الاحتلال ولكن محدودة من بعض المتنفذين ربما، بيعت بأرقام فلكية في الخارج..

سامي كليب: قبل سقوط النظام؟

عبد الحسين شعبان: نعم ولكن الحملة الفعلية المنظمة الهائلة التي يقول البعض إن هناك أصابع صهيونية وراءها بما فيها ما يتعلق ببابل أيضا والسبي البابلي وهناك آثار سرقت من بابل أيضا.

سامي كليب: أعود إليك بالسؤال ماذا تفعل كقانوني من أجل ذلك، كقانوني عراقي؟

عبد الحسين شعبان: أعتقد أن ملاحقة هؤلاء لا تقل عن ملاحقة السياسيين يعني مسؤولية ملاحقة السياسيين هي مسؤولية أساسية لا سيما وأن القانون الدولي يعطي الحق للشعب المحتلة أراضيه خصوصا وأن الاحتلال باعتراف الجميع كان احتلالا غير شرعي وغير قانوني الأمر الذي دفع الرئيس بوش للاعتراف أن المعلومات التي حصل عليها كان مخطوءة ومضللة ولو حصل عليها لما كان قد قام بالغزو وهذه ترتب مسؤوليات جنائية..

سامي كليب (مقاطعا): كله فاهمينه، حضرتك ماذا فعلت؟

عبد الحسين شعبان: نعم، أريد أن أقول إن الأمر بحاجة إلى إمكانات مادية ومعنوية وهيئات للعمل لملاحقة الجناة سواء السياسيين..

سامي كليب: باشرتم بذلك؟

عبد الحسين شعبان: هناك اتصالات واستشارات وهناك خطوط وقنوات مع جهات عربية وربما مع جهات دولية لبحث هذه المواضيع ولمتابعتها علما بأن هذه لا تسقط بالتقادم، ما حصل للعراق لا يسقط بالتقادم، ستبقى هذه الجرائم التي ارتكبت بحق العراق والعراقيين محط مساءلة قانونية -حسب القانون الدولي- من اليوم إلى يوم يبعثون كما يقال.

سامي كليب: عند المفكر والحقوقي والسياسي العراقي عبد الحسين شعبان في منزله هنا في بيروت مكتبة كبيرة فيها من كتب الحقوق والقانون ما يساعده في مسيرة دعم الحريات والديمقراطية في العالم العربي وفيها من الشعر والأدب ما أعادنا في هذه الحلقة إلى صداقته العميقة مع الجواهري، فما سر هذه العلاقة؟

عبد الحسين شعبان: تعرفت على الجواهري لأول مرة وجها لوجه عام 1959 ثم انعقدت بيني وبينه صداقة بعد أن تعرفت عليه في بغداد في السبعينات، كل السبعينات في براغ ثم في دمشق في الثمانينات وحتى وفاته عام 1997.

سامي كليب: ودار حوار طويل بينكما حضرتك وضعته في كتاب.

عبد الحسين شعبان: وضعت جزءا من هذا الحوار في كتاب وأنا أنوي الآن أن أصدر كتابا حواريا بيني وبين الجواهري حول الكثير من القضايا التي لم يعط رأيا سابقا بها أو أنه أعطى مثل هذا الرأي على نحو محدود، أحتفظ بمجموعة كبيرة من الحوارات مع الجواهري سأصدرها قريبا في كتاب موسع.

سامي كليب: طيب فهمت أيضا أنه في هذا الكتاب لك "الجواهري، جدل الشعر والحياة" أنه كتب لك شعرا، أهداك قصيدة وبعنوان "تحية الجواهري إلى شعبان" "أخي العزيز عبد الحسين شعبان" -يخاطبك بأخي- والقصيدة موقعة في براغ في 2/ 7/1990، إذا كنت تحفظ هذا الشعر قله لنا.

عبد الحسين شعبان: نعم أحفظه..

سامي كليب: وإذا لا أعطيك الكتاب.

عبد الحسين شعبان: هو كنت قد أصدرت معه بالتعاون المشترك كتابا بعنوان "الجواهري في العيون من أشعاره" عام 1986 وصدر عن دار طلاس، كان قد قال كلمة بحقي..

سامي كليب (مقاطعا): دار مصطفى طلاس في سوريا.

عبد الحسين شعبان: مصطفى طلاس. "وفي الختام أود أن أشكر أخي وصديقي المؤلف الأديب -فلان- على فرط أتعابه وفيما تعامل به معي باختيار هذه العيون وفي ضم هذه اللقطة إلى جانب تلك، وقديما قيل

من يصنع الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس"

أعتقد أن هذا البيت لأبي العتاهية. في هذا كانت مطارحات وحوارات مستمرة بيني وبين الجواهري على مدى عقود من الزمان نحو ثلاثة عقود وكتب لي هذه القصيدة إهداء على كتابه "الجمهرة" كتبه لي

أبا ياسر وأنت نعم الصحيب

وقل الصحاب ونعم الخدين

لقد كنت في محضر والمغيب

ذاك الوفي وذاك الأمين

وفي ذكرياتي كنت الصميم

سمير المعنى وسلوى الحزين"

سامي كليب: العراق دائما في البال، كيف لا والجرح نازف والفراق القسري مستمر والمستقبل مجهول، ولكن العراق ليس وحده في مسيرة المفكر والحقوقي والسياسي العراقي عبد الحسين شعبان، فلسطين والعراق في نضاله صنوان وما اللجنة العربية لمناهضة العنصرية والصهيونية التي تولى أمانتها العامة سوى غيض من فيض ما قام به لنصرة القضية الأم وخصوصا حين شكل مع رفاق له لجنة لدعم القرار 3379 الذي كان يقضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية منذ عام 1975 فتم القضاء على القرار عام 1991.

عبد الحسين شعبان: أتذكر أنني كنت في دمشق عام 1985 أحضر ندوة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين -وبالمناسبة أنا عضو شرف في الاتحاد-..

سامي كليب (مقاطعا): أنا لم أستطع أن أذكر كل الاتحادات التي حضرتك فيها عضو شرف لأنه -اسم الله- العشرات يعني..

عبد الحسين شعبان: أقول هذا باعتزاز بالنسبة لفلسطين أقول هذا باعتزاز خصوصا وقد تخلى الكثيرون الآن عنهم. بادرنا أنا والدكتور جورج جبور لإطلاق مبادرة بتشكيل لجنة لدعم قرار الأمم المتحدة 3379..

سامي كليب: دكتور جورج السوري يعني.

عبد الحسين شعبان: الدكتور جورج السوري الذي كان مستشارا للرئيس حافظ الأسد، وأتذكر أن الدكتور جورج هو الذي اقترح اسم هذه اللجنة "لجنة دعم القرار 3379" دعم قرار الأمم المتحدة لحصر الموضوع بالقرار لأهمية هذا القرار..

سامي كليب: واتصلتم بالرئيس ياسر عرفات حسب ما فهمت؟

عبد الحسين شعبان: قبل ذلك كنا قد كتبنا وأنا كتبت رسالة للرئيس حافظ الأسد أطلب منه بتخويل من اللجنة وباتفاق خاص مع الدكتور جورج جبور التدخل لدى مؤتمر القمة الإسلامي بتوجيه إيعاز إلى الوفد العربي السوري لحمل نص كنت قد كتبته يساوي الصهيونية بالعنصرية ويؤيد القرار 3379 الذي صدر في 10 نوفمبر عام 1975، وكنا قد تخوفنا من أن هذا القرار سيعدم وسيلغى خصوصا بعد أن تعهد هرتشوخ الذي أصبح رئيسا للدولة الإسرائيلية بأنه سوف لا يأتي عام 1990 -وهي مدة رئاسته- إلا ويكون هذا القرار قد أعدم، ونظم حملة دولية وقع عليها ثمانمائة شخصية دولية تطالب بإلغاء هذا القرار باعتباره يمس السامية.

سامي كليب: وأعدم القرار.

عبد الحسين شعبان: وأعدم القرار خصوصا بعد الذي حصل من تداعيات في الوضع الدولي وفي الوضع العربي لا سيما بعد غزو القوات العراقية للكويت..

سامي كليب: وبعد اتفاقات السلام أيضا.

عبد الحسين شعبان: وعشية اتفاقيات السلام التي توجت في أوسلو فيما بعد، كان هناك اتفاق مدريد أو التمهيد لاتفاق مدريد، أعدم القرار هذا في 16/12/1991، أتذكر أنني كتبت مقالة في جريدة القدس قلت إن هذا انتصار أشد عارا من الهزيمة، العرب حصلوا على نصر سريع ثم ناموا وبقيت الصهيونية..

سامي كليب (مقاطعا): العرب لم يفعلوا شيئا؟

عبد الحسين شعبان: لم يفعلوا شيئا.

سامي كليب: طيب كتبت الاقتراح ووصل للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، هل جاءك جواب أم كان كمعظم الرؤساء العرب أيضا بدون أي جواب أو بدون أي اهتمام بالموضوع؟

عبد الحسين شعبان: كلا، بالعكس جاء جواب وكان الوفد السوري قد تبنى هذا المقترح وكان قد صدر القرار من مؤتمر قمة الكويت عام 1987 بما كتبناه بالنص أن المؤتمر يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري استنادا إلى القرار 3379 الذي صدر من الأمم المتحدة في 10 نوفمبر عام 1975 وكان -للمناسبة- موقف سوريا موقفا مشرفا من هذه الناحية وكان قد جاءنا من الرئيس حافظ الأسد شكر وتأييد لهذا التوجه.

سامي كليب: لعبد الحسين شعبان عشرات الكتب ومئات المقالات تبدأ بالحريات وتمر بالعراق ومعاهداته وبالشخصية العراقية وتصل إلى إسرائيل والعرب والصهيونية والعنصرية وبعضها راح باتجاه ليبيا لنصرة المعارض المختفي دائما منصور الكيخيا. وعبد الحسين شعبان عضو في عشرات المنتديات والاتحادات ومنها على سبيل المثال اتحاد المحامين العرب، جمعية المحامين الدولية، مؤتمر الفكر العربي، اتحاد الكتاب العرب، اتحاد الحقوقيين العرب، الاتحاد العالمي للصحفيين، اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية، وهو نفسه مؤسس الشبكة العراقية لثقافة حقوق الإنسان والتنمية. ولكن هل كل ذلك يساعده ويغنيه عن العودة إلى العراق؟ وإلام يشتاق في عراقه وعراقنا وهو هنا على شرفة منزله في بيروت؟

عبد الحسين شعبان: أشتاق في الواقع إلى كل شيء، إلى دجلة والفرات والرطب البرحي الأصفر الذهبي الجميل، ولكن أنت تعرف

لا در درك من ربوع دياري

قرب المزار بها كبعد مزاري

تكون في بغداد أنت تشعر بالغربة، تكون في الخارج أنت تحن إلى بغداد وتشتاق إلى كل شيء في العراق.