- عن الدور المصري وعالم السياسة
- الاعتداء على نجيب محفوظ والموقف من الدين والسياسة

- وضع المثقفين في مصر وفكرة التوريث

- عن الوالد ورحلة الكتابة والأفكار

عن الدور المصري وعالم السياسة

سامي كليب
جلال أمين
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى القاهرة. ما هي علاقة إسرائيل بالاعتداء على الكاتب المصري الكبير الراحل نجيب محفوظ؟ وما هي علاقة محمد عبد الوهاب باليسار؟ وكيف ينتقل إنسان من قيادة حزب البعث هنا في مصر إلى أستاذ في الجامعة الأميركية، ثم يدرس في الغرب ويتزوج من هناك ويعود لينتقد المشروعين الأميركي والإسرائيلي ويناهض تواطؤ العرب مع إسرائيل وواشنطن؟ شخصية لافتة هي شخصية الدكتور جلال أمين ضيفنا في هذه الحلقة. يسعدني دكتور استضافتك في هذا البرنامج وطبعا نحن عندك اليوم وتسمع كما نسمع ما يحصل في غزة يعني تقييمك أولا مفكر وأيضا كإنسان مهتم بهذا الشأن الإسرائيلي العربي والأميركي العربي تقييمك لما يحصل اليوم؟

جلال أمين: أول ما يتبادر لذهني الضعف الذي حل بالدولة المصرية باعتباري مصريا بأتجه إلى ما مسؤولية مصر عما حدث، فأنا شايف اللي حاصل هو حلقة في سلسلة طويلة من مظاهر الضعف الشديد الذي حل بالدولة المصرية الذي جعلها لا تلعب الدور المنوط بها كزعيمة، زعيمة الدول العربية.

سامي كليب: ما يقوله الدكتور جلال أمين عن دور بلاده في الوطن العربي قد يكون فيه الآن شيء من الدبلوماسية قياسا إلى ما قاله في كتبه ومقالاته والمؤلفات، فابن المفكر الكبير أحمد أمين هجر الاقتصاد الذي درسه في جامعات بريطانيا ليستقر في السياسة ومن على صهوتها صار يفند السياسة المصرية التي قال عنها في كتابه "المثقفون العرب وإسرائيل" إنها أكثر من تابعة لسياسة واشنطن.

جلال أمين: صحيح، هي كلمة التبعية مؤدبة حينما تستخدم في وصف العلاقة المصرية الأميركية لأن هي ترجمة لكلمة dependence وترجمة كمان مش كويسة والكلمة نفسها لا تعبر عن الوضع، أصل العالم كله بقى مرتبطا جدا ببعضه وكل يعني حتى الدول اللي -علشان كده ضربت مثل بريطانيا- واليابان تابعة لأميركا في جوانب كثيرة جدا يمكن مش في الاقتصاد أكثر بس في السياسة بيخافوا يأخذوا موقفا ضد رغبة.. يتعارض مع موقف الأميركان، وأوروبا الغربية كلها إلى آخره، فالتبعية ظاهرة عامة، ظاهرة عامة. لما توصل لحالة مصر تلاقي المسألة أسوأ بكثير من هذا، صعب وصفها..

سامي كليب (مقاطعا): أنا سأتركك دكتور جلال أمين طالما ورطت نفسك في هذا الفخ منذ بداية الحديث..

جلال أمين (مقاطعا): أنا ما ورطتش نفسي أنت اللي ورطتني.

(ضحك)

سامي كليب (متابعا): سأتركك تعطينا بعض الأمثلة، ولكن سأذكر ما تقول في بعض ما تكتب لأنه بالنتيجة نحن أمام مؤلف أيضا له عشرات الكتب والمؤلفات والمقالات التي تناولت الوضع المصري بحذافيره وأيضا الوضع العربي بشكل عام. تقول في هذا الكتاب مثلا "المثقفون العرب وإسرائيل" في الصفحة 62 "كان الرئيس مبارك ولا يزال يضايقه وصف السياسة المصرية بالتبعية للولايات المتحدة ولكني على الرغم من أني أيضا لا أحب التعبير لا أجد تعبيرا آخر يفي بالغرض في وصف ما نحن فيه، وقد يكون التعبير قاصرا لا لأنه يتجاوز الحقيقة بل لأنه يصف العلاقة بأقل من حقيقتها فالعلاقة بيننا وبين الولايات المتحدة من نواح كثيرة أسوأ من علاقة التابع بمتبوعه".

جلال أمين: صحيح ولو أن الكلام ده كتبته من زمان بس لا زال صحيحا بشدة لأنه زي ما أنا قلت لحضرتك ممكن تضرب أمثلة للتبعية على اليابان وأميركا وإنجلترا وأميركا، إنما إيه بالظبط الزيادة في حالة مصر؟ أنا في الكتاب الفقرة اللي حضرتك قرأتها ما لقيتش كلمة، ما لقيتش كلمة..

سامي كليب (مقاطعا): أفضل من التبعية.

جلال أمين: آه، لأن الوضع..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن هل لديك بعض الأمثلة؟ يعني لكي لا يقال إنه والله كاتب ويتجنى و..

مصر لا تستطيع أن تدعو إلى مؤتمر أو قمة أو تجلس مع أشقائها العرب إلا إذا أذنت واشنطن لها بذلك
جلال أمين (مقاطعا): مثلا، مثلا، علشان العرب يجتمعوا لمواجهة قضية زي غزة أو قضايا كثيرة حصلت وبتحصل كل يوم، أبسط ما تتصوره أن العرب يقعدوا يتكلموا ويتبادلوا الرأي بافتراض أنه برضه مهما كان الأمر يستطيعوا لما يتكتلوا يجيبوا نتيجة أفضل من وهم متفرقين، أنا تصوري -وأظن دي معروفة- مصر لا تستطيع أن تدعو إلى مؤتمر قمة أو تجلس مع أشقائها العرب إلا إذا واشنطن أذنت بذلك. ده ما ينطبقش على اليابان وبريطانيا رغم أن هم..

سامي كليب (مقاطعا): طيب لهذه الدرجة؟ ثم من أين معلوماتك؟ يعني حين تقول إنها لا تستطيع أن تدعو إلا إذا طلبت واشنطن؟

جلال أمين: يعني هي.. أنا طبعا بأستخدم تعبيرا قد يكون مبالغا فيه بس هي النقطة إيه؟

سامي كليب (مقاطعا): واضح أنه مبالغ فيه.

جلال أمين (متابعا): أنه يا إما تأخذ الإذن ويا إما مصر تفترض أن واشنطن لن تعترض، لأنه في مناسبات كثيرة حصلت لم تتم المقابلة أو الاجتماع العربي أنا لا أستطيع أن أفسرها إلا أن مصر خائفة من الاعتراض العربي، طبعا في..

سامي كليب (مقاطعا): إذاً هذا تفسير.

جلال أمين: نعم؟

سامي كليب: هذا تفسير وقد يستحق الأمر تفسيرا آخر مثلا.

جلال أمين (متابعا): لا ما عنديش، إذا كنت عايز وثيقة مكتوبة ما أقدرش، إنما أنا عندي معلومات شبيهة بهذا يعني مثلا يكون زعيم من أميركا اللاتينية، مثلا، وطني وكان له حلم أن يجمع دول الحياد الإيجابي القديم لاتخاذ موقف ضد الدول العظمى ففكر كما يجب أن يفكر في مصر، واخد بالك؟ لأن مصر كانت زعيمة للحياد الإيجابي في فترة ما، فمصر ما إدتلهوش وجه، واخد بالك؟ مصر ما إدتلهوش وجه، طيب، الواحد بيعمل أحكامه السياسية من إيه؟

سامي كليب: من بعض الوقائع.

جلال أمين: ما بتيجيليش وثائق، ما بتيجيليش وثائق، إنما أنت لازم تشغل.. واحد لازم يشغل مخه، يبقى ما دام مصر تصرفت كده ده لوقت يبقى لازم تصرفت كده في..

سامي كليب (مقاطعا): طيب مثال آخر على ذلك على تفسيرك السياسي.

جلال أمين: زي مثلا أنا أجزم بأنه مش العرب اللي حطموا برجين في نيويورك.

سامي كليب (مقاطعا): مين؟

جلال أمين: يعني مش حأقول لك مين بس أنا أجزم أن مش دول، إنما ما عنديش أي وثيقة تثبت هذا، إنما القصة كلها من السخافة ولا يصدقها عقل، واخد بالك؟ يعني ده مجرد مثل على أنه إزاي الواحد بيعمل أحكامه السياسية.

سامي كليب: على كل حال فندت ذلك في كتاب آخر وأنصح بقراءته اسمه "عولمة القهر" وتحدثت عن أسامة بن لادن وعن هذه الاعتداءات على الولايات المتحدة الأميركية وذكرت عائلة بن لادن وقلت حتى اليوم لا تزال مشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية في تصدير السلاح أو في بيع السلاح وما إلى ذلك، وإنك تشكك أيضا بكل هذه الرواية حول أحداث 11 من سبتمبر..

جلال أمين (مقاطعا): صحيح ولا زلت لا أصدقها.

سامي كليب (متابعا): مجرد تشكيك وإلا أيضا مبني على..

جلال أمين: ما هو زي ما قلت لحضرتك، الواحد لازم يشغل مخه وأنا لا أقبل ما تقوله الميديا بدون تفكير لأن الميديا إلى حد كبير بتحاول تكرر ما تقوله الدوائر المؤثرة.

سامي كليب: طيب مثلا في خلال الحرب على العراق حين غزا الرئيس الراحل صدام حسين الكويت، حضرتك طبعا من جهة كنت ضد هذا الغزو وضد كل مبرراته وقلت حتى أساء إلى القضية الفلسطينية ولكن في المقابل حين نتحدث عن الدور المصري تقول مايلي إنه "أما إرسال مصر لبعض القوات إلى السعودية فليس من الواضح بالضبط ما يحققه من نفع فمن الواضح أن الجيش الأميركي يكفي وزيادة لحماية الأماكن المقدسة وحقول النفط ولكن..

جلال أمين: صحيح. ولكن..

سامي كليب: الإضافي "فالحقيقة هي أن مصر تفعل كل ذلك لأن الولايات المتحدة تريد منها ذلك وأن القوات المصرية لم تفعل شيئا لا تريد منها الولايات المتحدة ألا تفعله، إذا قررت أميركا الهجوم فعلت القوات المصرية.."

جلال أمين: أهو كده.

سامي كليب: "..وإذا قررت الوقوف حيث هي وقفت".

جلال أمين: أهو كده، ما تقول ليش جيب لي وثيقة تثبت هذا..

سامي كليب: لا ما بدي وثائق.

جلال أمين: المنطق بيقول لك كده، معرفتك بالقوة الأميركية ومعرفتك بالحالة العسكرية في الخليج ومعرفة القوة النسبية العسكرية المصرية، لا بد أن تنتهي إلى هذه النتيجة.

سامي كليب: نتائج قد تكون صائبة أو خائبة ولكن في الحالتين فإن جلال أمين حين يكتب فإنما يستند إلى تاريخ عائلي وإلى قراءة منهجية وإلى اهتمام بالسياسة وهو في الثالثة عشرة من عمره وإلى إحساس بأن جيله الذي كان قبل أكثر من سبعين عاما يتفاعل مع كل حدث سياسي من فلسطين حتى الجزائر يجد نفسه اليوم تقريبا في غربة اجتماعية وسياسية.

جلال أمين: الجيل بتاعي كان اهتمامه بالسياسة مبكرا أكثر منه الآن ومستمرا أكثر منه الآن وأعمق.

سامي كليب (مقاطعا): رغم أن التأثير العائلي ضعيف في المنحى السياسي، حين تتحدث عن الوالد..

جلال أمين: صحيح، أبي ما كانش بيحب السياسة ولا كان يتكلم فيها تقريبا أبدا.

سامي كليب: تقول إنه كان عنده حس أخلاقي وليس حسا سياسيا يعني.

جلال أمين: برافو هو ده بالظبط كان كده، وكان لما يتكلم في السياسة يحكم عليها من باب الأخلاق يعني كان يحب النقراشي باشا مش لسياسته لأنه كان رجلا شريفا ونزيها ويحترم كلمته إلى آخره ده كان موقف أبي. أنا مش عارف جبت دي منين الاهتمام بالسياسة لأن عندي أكثر.. أنا أصغر أخوتي وعندي هذا الاهتمام أكثر من بقية أخواتي بدون شك، ولا فخر يعني، لكن بصفة عامة الجيل اللي اتولد في الثلاثينات مثلا مثلي كان وعيه السياسي واهتمامه أقوى بكثير قوي من الجيل اللي اتولد في التسعينات ولا الثمانينات بصفة عامة، طبعا في شباب رائع في كل البلاد العربية من الجيل الجديد لكن أنا بأقول بصفة عامة ده كان الوضع.

سامي كليب: في العودة طبعا إلى موضوع إسرائيل أيضا قرأت أنك وزعت منشورا كتبته من عشر نقاط لنصرة فلسطين في لندن ورد عليه اليهود أثناء الدراسة، تذكر ذاك المنشور ماذا قلت فيه آنذاك؟

جلال أمين: والله أنا أذكر يعني طبيعته، إحنا كنا شباب عرب نشيط ومتحمس قوي في أوائل الستينات ما نيش فاكر السنة بالضبط، وجاءت ذكرى إقامة دولة إسرائيل 15 مايو فقلنا ما نيجي نعمل نوزع نكتب منشور قصير ويكون فيه كل الحجج بتاعتنا ولا يزيد عن صفحة واحدة وعشر نقاط، وأنا كتبته وهي كانت مرة واحدة وما كررنهاش، حأقول لك ليه..

سامي كليب: ليه؟

جلال أمين (متابعا): أولا وقفنا طبعناه ووقفنا على باب المدرسة كلية لندن للاقتصاد وكل واحد داخل تلميذ أو أستاذ ندي له، اتجننوا اليهود، ما كانش في إسرائيليين كثير في الكلية ساعتها بس كان اليهود كثير قوي، تجننوا كعادتهم لا يفوتوا شيئا على الإطلاق، فإذا بنا بعد ساعة من بداية التوزيع نلاقي المنشور متعلق على الحيطان وفيها كل نقطة كاتبين رد عليها وكاتبين رد وسخرية وكاتبين ما أعرفش إيه، ليه ما كررنهاش؟ مش لأن اليهود تصرفوا هذا التصرف..

سامي كليب (مقاطعا): وليس خوفا.

جلال أمين: بالعكس ده دليل على أن المشروع نجح، المنشور نجح، لكن بطّلنا لأنه ما لقيناش من الجمهور الإنجليزي اللي كنا عايزين نوصل له ما يدل على أنه جاب أثر، بس.

الاعتداء على نجيب محفوظ والموقف من الدين والسياسة



سامي كليب: طيب في الحديث عن إسرائيل أيضا دكتور جلال أمين لفتني ما قلته عن الشك بأن إسرائيل قد تكون هي التي اعتدت على الكاتب الكبير رحمه الله نجيب محفوظ.

جلال أمين: آه أنت بتحط يدك على حاجات دقيقة قوي، بس كويس دليل كويس، آه صحيح قلت هذا الكلام ولا زلت أعتقد أنه صحيح بس بطريقة..

سامي كليب (مقاطعا): رغم أن الذي طعن معروف يعني.

جلال أمين: معلش.

سامي كليب (مقاطعا): كان اتهم المتطرفون الإسلاميون آنذاك.

حادثة الاعتداء على نجيب محفوظ كانت حلقة من سلسلة اعتداءات متتالية ومتقاربة، وإسرائيل ربما تكون مسؤولة عن الاعتداء ولكن بشكل غير مباشر
جلال أمين: حأقول لحضرتك أنا تصوري للموضوع، أنا لما أقول مثلا إسرائيل مسؤولة ما قصدش بالظبط، ما قدرش أقول لك بالظبط كيف حدثت؟ وممكن تكون المسؤولية عن طريق غير مباشر جدا، بس أنا تصوري حادثة الاعتداء على نجيب محفوظ كانت حلقة من سلسلة اعتداءات متتالية ومتقاربة، أشياء مثل هذه ما حصلتش من مدة من مدة طويلة ودي برضه تحتاج إلى تفكير وتساؤل، بس أنا فاكر حوالين الحادثة دي كان في أوتوبيس واقف في ميدان التحرير يفجر بالسياح، أوتوبيس ثاني في شارع الهرم يحصل نفس الشيء، أهم حادثة كبيرة أظن وآخرها يمكن من أواخرها بتاع 1997 في الأقصر، واخد بالك؟ أنا مش قادر أتصور أن مجموعة من الإرهابيين الإسلاميين هم اللي بيعملوا العمليات دي، واخد بالك؟ سواء نجيب محفوظ أو تفجيرات الباصات، لأسباب يطول شرحها، أولا هم لا يستفيدون شيئا من هذه العملية، لا يخدمون الإسلام وأكيد أي واحد منهم لازم يكون ولو مخه قد كده يقول لك ده لا يفيد الإسلام بشيء، وبعدين التحقيقات والنتائج التي توصل إليها المحققون لا تنشر بالتفصيل، يقول لك قبضنا على المتهم، طيب قولوا لنا بالظبط اللي لقيتوه إيه؟ يعني أنا حأفكرك بمقتل كينيدي..

سامي كليب (مقاطعا): لا خلينا بنجيب محفوظ، قبل كينيدي، نجيب محفوظ، تقول التالي "ولكن هذا ليس هو التفسير الوحيد لهذا الإجماع على تجاهل هذا الاحتمال.."

جلال أمين (مقاطعا): آه خصوصا نجيب محفوظ لأنه..

سامي كليب (متابعا): "..أن تكون إسرائيل أو الموساد أو الصهاينة وراء هذا الاعتداء فهناك تفسيرات أخرى، هناك بالطبع المتعاونون مع إسرائيل أصلا وليس لديهم أي رغبة في فضحها وهؤلاء لو رؤوا مرأى العين إسرائيليا يطعن نجيب محفوظ لنظروا إلى الناحية الأخرى ولقبضوا على أول متطرف إسلامي ولقدموه لك على أنه هو المجرم، وهناك الحكومة التي لا تحب بالطبع أن يكون المتهم إسرائيليا إذ كيف يكون منظرها حينئذ وهي تبدي كل هذه المحبة والاستعداد للتعاون مع إسرائيل؟ وهناك أيضا من ذكرت لك ممن يرتعشون رعبا من احتمال سيطرة المتطرفين الدينيين على الحكم".

جلال أمين: والله أنا ما كنتش عارف أني أنا كتبت الكلام الكويس ده.

سامي كليب: ممكن مش أنت كاتبه، ولا بلى؟ ولا نسيت؟

جلال أمين: لا هو أكيد، بس أنت ما قرأتش حاجة مهمة قوي، أنا بأبين ليه ممكن الادعاء بأن نجيب محفوظ زعل المتطرفين أغضبهم، قصة واهية جدا، نجيب محفوظ من أرق الناس وأقل الناس استعدادا لأن ينتقد الإرهابيين بالشكل ده، ده رجل مهتم بأدبه وفنه ولا شيء أكثر من هذا.

سامي كليب: لا بل كان عنده بعد صوفي كمان يعني.

جلال أمين: وبعد صوفي، وبعدين القصة بتاعة "أولاد حارتنا" ما تزعلش كل هذا الزعل وتحتمل التفسيرات، ومين اللي قاعد يقرأ "أولاد حارتنا" بالدرجة دي لدرجة أن ينفعل، واخد بالك؟ دي قصة معقدة وعميقة مش قدها الرجل اللي بيمسك خنجرا أو مطوة و.. غير بقى كده الرواية بقى لها كان لما حصلت دي أظن أربعين سنة، فجأة واحد قرأها وزعل! واخد بالك؟ وقرر! بقى ده معقول؟!

سامي كليب: معقول ربما أو غير معقول، وربما بسبب سيره عكس التيار اتهم الدكتور جلال أمين من قبل منتقديه بأنه بات قريبا من الإسلاميين، ورغم أنه درس في الغرب وأمضى أكثر من خمسين عاما في جامعات غربية كثيرة وعربية قليلة دارسا أو مدرسا إلا أنه فيما يكتب منذ سنوات يبدو أكثر عودة إلى الأصول العربية والإسلامية فانتقده البعض لقربه من الإسلاميين.

جلال أمين: أنا لا أنا سلفي ولا معادي للغرب، الدكتور المسيري الله يرحمه يقول لي أنت علماني أصلا، أقول يعني هو ده أقرب إلى الصحة، علماني أكثر طبعا من أنني سلفي. هي المسألة موقفي من الغرب بسيط في الحقيقة بس يبدو معقدا، وهو بالمناسبة ما دام كنا بنتكلم على أبي هو تقريبا نفس موقف أبي الذي انتهى إليه، هو كان مفتونا جدا بالغرب في شبابه أيام ما كان بيكتب "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" فتن بالمنهج العلمي في الكتابة الغربي وقال يا ريت أقدر أطبقه، وهو طبقه بنجاح شديد في كتاباته وبالذات في سلسة "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام" إلى آخره، لكن على أواخر أيامه كان شاف من الحياة ما يكفي أن يجعله يقول لك يجب ألا نخون أنفسنا، يجب ألا نخون تراثنا، واخد بالك؟ وابتدى يشوف المستشرقين بطريقة مختلفة، لقى منهم كثير نصابين ولاقى فيهم كثير عداوة لنا ولا يحبون لنا الخير واخد بالك؟ وهو انتهى إلى هذا. أنا..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن صحح لي دكتور جلال أمين أيضا أنه كأن للعمر دورا في هذه المسألة، يعني تحدثت حضرتك عن الدكتور المسيري رحمه الله وكان ضيفنا، أيضا استقبلنا مؤخرا بعض الكتاب الكبار يعني دون أن نذكر أسماءهم يعني نلاحظ أنه حين يقطع الإنسان مرحلة عمرية متقدمة يعود إلى الأصل يعود إلى..

جلال أمين: آه، ده صحيح، بس أنا أميل إلى أن أعتبر الموقف الأخير ده في العمر المتقدم شوي، المتأخر شوي السن الكبير هو الأقرب إلى الصحة، لأنه إحنا شفنا كثير وتجاربنا تعددت، يعني أنا شاب صغير مثلا في إنجلترا شفت، لا بد كان أفتن بالغرب لا بد، وبعدين لما تعددت التجارب.

سامي كليب: والعلاقة مع الدين أيضا علاقة خاصة بينك وبينه، يعني أنا فقط في العودة إلى الأصول وما إلى ذلك يعني ربما مر علي أنك قرأت بعض الكتابات لكتّاب أيضا عرب كبار مثل شكيب أرسلان مثلا واللي ساعدك أيضا في فهم ربما جزء من هذا التراث..

جلال أمين (مقاطعا): صحيح.

سامي كليب (متابعا): ولكن في الكلام عن الدين تقول ما يلي -صحح لي إن كان الأمر خطأ- أنه بعد تجربة طويلة في الغرب وقراءات لشكيب أرسلان لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ يعني الذي كتبه شكيب أرسلان وحاضر العالم الإسلامي، بدأت أعود أكثر إلى الأصول بما يعني وتنتقد الغرب وكتبت منذ عام 1979 "المشرق العربي والغرب" و"تحديث الفقر" و"لماذا جرى ذلك"، تقول أيضا "تبينت أن الدين -وهنا المهم- رغم أنه لا يقوم على التجربة أو الملاحظة قد يكون قوة دافعة لأعمال عظيمة، لقد وجدت أن الكتّاب الإسلاميين أقرب إلي في كثير من مواقفهم السياسية والاجتماعية.."

جلال أمين (مقاطعا): بعضهم، بعضهم.

سامي كليب (متابعا): يعني هذا اللي حضرتك كاتبه "لقد وجدت أن الكتاب الإسلاميين أقرب إلي.."

جلال أمين (مقاطعا): لا مش كلهم، من الكتاب الإسلاميين بس آه.

سامي كليب: ربما. "أقرب إلي في كثير من مواقفهم السياسية والاجتماعية مما كنت أجد في كتابات كثير من الماركسيين والعلمانيين" رغم يعني أنك فتنت بالماركسية في مرحلة معينة بطريقك.

جلال أمين: أنا فتنت بالماركسة وبعدين لقيتها لا تشفي الغليل، فيها شوية حاجات كويسة لغاية دلوقت أعتبرها كويسة بس كنظرية عامة للكون مش.. لا تجذبني على الإطلاق..

سامي كليب (مقاطعا): يعني وجدت إجابات أكثر في الدين؟

جلال أمين: لا، لقيت في الدين القوة اللي حضرتك قرأته، القوة الدافعة لأعمال عظيمة.

سامي كليب: هل يصل موقفك إلى حد أنه قد يكون من الأفضل أن يتولى الأخوان المسلمون السلطة في مصر مثلا؟

جلال أمين: أنا الحقيقة لا، إجابتي على هذا بالنفي لأن أنا موقفي من الدين موقف سوسيولوجي أكثر منه ميتافيزيقي، بمعنى اللي يهمني، اللي يهمني تأثير الدين في النفسية والتصرف مش التمسك بالشعائر..

سامي كليب (مقاطعا): أو التوظيف السياسي.

جلال أمين: وناهيك عن التوظيف السياسي، وأنا أبي كان موقفه من الأخوان نفس الشيء لما كتب كتبه الإسلامية فحسن البنّا كتب له وقال له ما تنضم لنا، ونشرها في مجلته. وأبي كان رأيه أن الأخوان المسلمين أخطؤوا لما تحولوا من جمعية أخلاقية إلى جمعية سياسية.

سامي كليب: بس أنا فهمت أن بعض الأخوان المسلمين هنا حين يقرؤون مقالاتك يقولون لك نفس الشيء، أنت أقرب إلينا من أي مفكر آخر.

جلال أمين: والله كثر خيرهم، كثر خيرهم. علشان كده بأقول لك المسائل معقدة ومش كل واحد يفهم الآخر الفهم الصحيح.

سامي كليب: بس جاوبني بصراحتك المعهودة، الأخوان خطر على مصر؟

جلال أمين: خطأ؟

سامي كليب: خطر على مصر؟

جلال أمين: لا ما تقدرش تقول كده لأنهم بيعملوا كمان أعمالا مفيدة جدا يعني الأخوان هم اللي كانوا بيحاربوا الإنجليز سنة 1951 على القنال.

[فاصل إعلاني]

وضع المثقفين في مصر وفكرة التوريث



سامي كليب: أعجب الدكتور جلال أمين بأفكار كثيرة في شبابه قبل أن يعود إلى الأصول الأخلاقية التي رآها في العالم العربي والإسلامي أكثر مما اكتسبها من الغرب. بدأ حياته معجبا بالتجربة الاشتراكية ثم صار مسؤولا بعثيا قبل أن يغادر بلاده صوب الغرب حيث حصل على دكتوراه في علم الاقتصاد ودافع من هناك عن فلسطين، واللافت أنه حين كان يدرس في بريطانيا أرسلت الاستخبارات لتلاحقه هناك، حصل ذلك في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

جلال أمين: آه طبعا ده مؤكد، إحنا ما كناش.. إحنا كان بقى لنا مدة طلبة في لندن وكنا بعدنا عن مصر من سنة 1958 ما كانش النظام بقى بوليسي للدرجة التي كان وصل إليها بالفعل، وأتاري المسألة أكبر بكثير مما كنا نظن، إحنا مشغولين بالدراسة وبتاع وفجأة بقى اكتشفنا أنه في شباب بيجي بيسجل في كلية لندن للعلوم الاقتصادية وهم ضباط مباحث ورجع واحد منهم -ده بالذات اللي كتب في تقريرا سيئا جدا- رجع بقى رئيس سجن من السجون السياسية، يعني ده مؤكد لهذا الشخص اللي أنا ساعدته أني لقيت له أوضه وسكّنته وبتاع وفاكرينه..

سامي كليب (مقاطعا): طلع مدير سجن.

جلال أمين: آه طلع مدير سجن وباعتينه بناء قالوا روح شوف العيال اللي بتوع لندن دول بيهببوا إيه..

سامي كليب: حتى فهمت أنه حين عدت مع زوجتك البريطانية وعلى الباخرة جرى معك تحقيق ولوحقت هنا في الداخل.

جلال أمين: صحيح، هو ما كانش تحقيقا بس، خوفوني خوفا فظيعا، طلع ضباط على المركب وأنا خائف أنهم يعاملوا زوجتي معاملة مش تمام لأنه كان عبد الناصر مختلف مع الإنجليز في عدن، الكلام ده سنة 1964، فإذا بهم يستقبلونها استقبالا جيدا جدا كعادة المصريين مع الأجانب، أهلا يا مدام بالإنجليزي ويجربوا الكلمات الإنجليزي اللي بيعرفوها معها وبعدين قلت الحمد لله دي جاءت سليمة ودخلت هي وإذا بيجوا لي أنا، بصوا في اسمي كده وبتاع وقالوا لي قف هنا، ويعاملوني معاملة وحشة قوي، طلع أنه أنا..

سامي كليب: مشبوه.

جلال أمين: وصولي يعني مرتقب يعني أول ما يوصل ده خذوا بالكم وراقبوه، واللي قال كده -ذكرتها أنا- أن طبيب المركب شافني مرة بعدها بأسبوعين بالصدفة..

سامي كليب: في الإسكندرية.

جلال أمين: في إسكندرية، قال لي أنت عامل إيه بالضبط؟ دول بيراقبوك يا ابني خذ بالك.

سامي كليب: طيب كويس يعني العصر الحالي أفضل على الأقل تكتب وتنشر وما إلى ذلك ولا أحد يراقبك ولا أحد يعتقلك..

جلال أمين: كل عصر له شخصيته.

سامي كليب: فيما كتب ويكتب المفكر المصري جلال أمين غالبا ما كان يمر على عهد عبد الناصر، تجده متحمسا له حين يؤمم قناة السويس ويقر مبادئ الاشتراكية ومنتقدا حين يتم إبعاد اللواء محمد نجيب عن قيادة الثورة، لكن الثابت هو انتقاده لعهد أنور السادات، هو فارق الكبرياء، يقول جلال أمين، بين الرجلين.

جلال أمين: هذا الكبرياء ما كانش عند السادات، كبرياء وطني وشخصي، ما كانش يحب أحدا يهينه شخصيا ولا يهين بلده. السادات أنا كنت في أميركا لما اتوقعت كامب ديفد وشفته وهو بيوقع وجانبه بيغن والناحية الثانية مين؟ كارتر، مش كان كارتر؟ فبيغن قال حاجة معناها إن اليهود هم اللي بنوا الأهرام فضحك السادات، أنا دي حاجة لا أغفرها له، بدل ما يرد ويغضب ضحك! يعني دي تبين لك أي نوع من الأشخاص هو.

سامي كليب: للسبب نفسه انتقدت الرئيس ياسر عرفات حين تحدث إسحق رابين.

جلال أمين: صحيح، صحيح؟ أنا لا أذكر أنني أبدا كتبت في ياسر عرفات.

سامي كليب: عن ياسر عرفات؟ بتحب أذكّرك شو كتبت؟

جلال أمين: قل.

سامي كليب: قلت حين كان يتحدث ياسر عرفات فقال رابين إنه فصيح الكلام وخطابي ربما يكون يهوديا فضحك ياسر عرفات بدل أن يبكي ويهجم عليه.

جلال أمين: ممكن أكون قلت كده، صحيح، صحيح. بس دي في فترة الضعف الشديد بتاع ياسر عرفات، مش كده؟

سامي كليب: صحيح. في الحديث عن الرئيس عبد الناصر تقول -إن شاء الله ما تكون نسيت كمان- "أنا أعتبر نفسي متحيزا لعبد الناصر ولكن تحيزي له لا يتعلق في الأساس بموقفه من المثقفين وإنما يتعلق بمواقفه في السياستين الخارجية والعربية وموقفه من القضية الفلسطينية ومن قضية التنمية وتوزيع الدخل والتقريب بين الطبقات".

جلال أمين: تمام، هو معاملته للمثقفين ما كانتش كويسة أبدا وفي ناس لا تغفر له هذا، ويعتقدون -منهم أظن نجيب محفوظ ولو أن نجيب محفوظ ما كانش بيصرح بهذا دائما، ومنهم الدكتور فؤاد.. عبد القادر القط وإلى آخره، ناس محترمين- لا يغفرون له موقفه من المثقفين وبيعتقدوا أن إذلال المثقف له أثر سيء جدا على البلد ككل، قد يكون هذا صحيحا وهو ذل المثقفين بدأ في عصر عبد الناصر، صحيح يجب أن نعترف بهذا..

سامي كليب: استكمل في عهد السادات.

جلال أمين: طبعا واستمر بقى.

سامي كليب: طيب وحاليا؟

جلال أمين: طبعا، الذل ما فيش له مثيل دلوقت.

سامي كليب: بتحس حالك ككاتب ذليلا في مصر اليوم؟

جلال أمين: بمعنى من المعاني طبعا.

سامي كليب: شو السبب؟

جلال أمين: المثقفون بقوا مالهمش المكانة التي كانت لهم قبل 1952.

سامي كليب: من التاريخ إلى الحاضر يكتب المفكر المصري جلال أمين مقارنا بين عهود ثلاثة، عبد الناصر والسادات وحسني مبارك ويتوقف ناقدا أمام فكرة التوريث التي يرى أن أميركا قد تجد فيها مصلحة ما.

جلال أمين: في ناس محليين يهمهم التوريث، واخد بالك؟ يهمهم جدا. موقف أميركا طبعا من هذا -وده برضه مجرد استدلال منطقي ومتابعة المواقف الأميركية بصفة عامة- موقفهم إيه؟ يا ربي هذا الرجل الجديد لو جاء حيخدمنا في إيه؟ حيخدمنا إزاي؟ وكيف نضمن أنه سيخدمنا؟ ده اللي أنا قصدي.

سامي كليب: بس حضرتك ضد التوريث؟

جلال أمين: طبعا.

سامي كليب: شو السبب؟

جلال أمين: عملية مهينة للمصريين.

سامي كليب: ليش؟

جلال أمين: إيه حكاية أن واحد يخلفه ابنه دي؟

سامي كليب: شو المشكلة إذا ابنه عنده خبرة سياسية واقتصادية وكده؟

جلال أمين: ما عندوش، ما عندوش، ابنه لا يختلف عن كثير جدا من تلاميذي ولا يتميز عنهم، واخد بالك؟ أنا ما عنديش حاجة ضد الشخص، هذا الشاب، غير أنه عايز يبقى رئيس جمهورية، واخد بالك؟ إنما في عشرات الشباب من تلاميذي وغير تلاميذي..

سامي كليب (مقاطعا): طيب مجرد أنه ابن الرئيس..

جلال أمين (مقاطعا): لا..

سامي كليب (متابعا): ممنوع الطموح عنده؟

جلال أمين: لا، لا، لأن أنا ما أنا برضه عندي مشاهداتي، عندي مشاهداتي، مشاهداتي بيتكلم إزاي؟ بيقول إيه؟ بيوافق على إيه وبيعترض على إيه؟ واخد بالك؟ وبأقارنه درجة ذكائه درجة ونوع تصرفاته بالشباب اللي أنا أعرفهم، ما فيهوش ميزة تجعله يطمح -مش بس يحتل المنصب- يطمح إلى هذا المنصب. فإذا كان في بعض الناس يهللون له، واخد بالك؟ فده لمصلحتهم الشخصية مش لأسباب موضوعية بالمرة، طبعا.

سامي كليب: لكي لا يقول المشاهد إنك ربما تتحدث عن السياسة من خلال خبرة المثقف والاقتصادي والأستاذ الجامعي فقط أود أن أذكر أنك كنت في مرحلة معينة بعثيا، لا بل كنت مسؤول البعث هنا في مصر.

جلال أمين: آه صحيح.

سامي كليب: وعلى ما يبدو ندمت على هذه التجربة؟

جلال أمين: أبدا..

سامي كليب: تقول كانت التجربة الوحيدة والأخيرة في حياتي.

جلال أمين: معلش بس أنا لم أندم عليها، لا، جربتها وقلت كفاية عليهم كده، واخد بالك؟ يجب أن لا أستمر، والسبب على فكرة أصل وضعها بالشكل ده سنة 2008 حتخدع، حتضلل ناس كثيرة جدا من المستمعين..

سامي كليب: كيف؟

جلال أمين: البعث اسمه الآن ملطخ بالفضائح، البعث أيام أنا ما كنت فيه ومسؤول صغير، لأنه كنا لا نزيد عن مائة شخص مصري، كنت مسؤولا صغيرا وكان عمري 22 سنة ولا 21 سنة، فتقول أنت كنت مسؤولا عن حزب البعث، حزب البعث ده كان حاجة بسيطة خالص وكانت سمعته زي الفل.

سامي كليب: بس حضرتك توصّف هذه الفترة بأنها كانت فترة صبيانية يعني كأن..

جلال أمين: آه طبعا..

سامي كليب (متابعا): كأن الانتماء إلى حزب البعث وقيادة فرع حزب البعث هنا كان عملا صبيانيا.

جلال أمين: ده طبعا، أمال حتوصف إيه واحد عنده ما بين 19 و22 دخل حزبا؟ مش بمعنى أنه كان خطأ اللي أنا عملته، مش كل أعمال الصبيان خطأ، بس أنا كنت صبيا وكنت مدفوعا بكل دوافع الصبية، عايز أكون أشعر بالولاء، بالانتماء لبعض.. الأسباب الاجتماعية والنفسية المختلفة اللي تدفع الصبي في هذا السن أنه يخش حزبا، ومع ذلك أنا لم أغير رأيي في القومية العربية ولم أغير رأيي منذ هذا الوقت في الاشتراكية، مش دي مبادئهم الثلاثة اللي إحنا.. ما كانش حصل اللي حصل ده.

عن الوالد ورحلة الكتابة والأفكار



سامي كليب: للدكتور جلال أمين الذي هجر الاقتصاد صوب السياسة واستقر مدرسا منذ سنوات طويلة في الجامعة الأميركية في القاهرة كتب عديدة، بعضها يتعلق بالهوية المصرية وكثيرها بأسباب تراجع الدور المصري وبعضها بالصراع العربي الإسرائيلي أو بالصورة الباهتة للمثقف العربي. وكلما كتب يثير جدلا فثمة من يقول إنه يخالف ليعرف، وهو يقول إنه يخالف لأنه يعرف. وأما بذور الكتابة عنده فتعود إلى صباه حين كان في الثالثة عشرة من العمر، فماذا كتب أولا؟ هل يذكر؟

جلال أمين: واضح أن هي حكاية أن أبي كان مؤلفا مشهورا دي كانت مهمة لأنه جبت أنا منين فكرة أن الواحد يبقى كاتبا دي؟ يعني مش من المألوف أن الواحد يقرر أن يبقى كاتبا في السن الصغيرة دي، إحنا شفنا أنا وأخي حسين شفنا أبي مشهورا ومحترما بسبب كتاباته وصوره بتطلع في الجرائد، الحاجات اللي تجذب أطفالا صغيرين، وصوته يطلع في الراديو، ما كانش في تلفزيون، والناس تقول عميد الأدب العربي والله دي حاجة عظيمة قوي أن الواحد يكون كاتبا، أظن دي أصل الحكاية، وبالتالي جربت حاجات بعضها خابت وبعضها صابت.

سامي كليب: رغم أنه اختلف مع عميد الأدب العربي، مع طه حسين.

جلال أمين: صحيح، هم كانا شخصيتين مختلفتين خالص، وأنا أفضل النوع بتاع أبي لأنه أنا عندي إدراك قوي واضح قوي لشخصية طه حسين، هو كان رجلا عظيما جدا طبعا وعمل عملا..

سامي كليب: ولكن؟

جلال أمين: ولكن، أبي كان يعتقد -وأعتقد أنه كان محقا في هذا- هو عبقري طه حسين لكن العاهة بتاعته أحد الأسباب الأساسية في عبقريته، واحد ذكي جدا وحساس للغاية وأعمى، واخد بالك؟ وإرادته قوية جدا، يعمل إيه؟ يطلع زي طه حسين كده، عارف أنا أقصد إيه؟ لكن كان بقى إيه؟ أبي كتب مرة عنه حاجة دي نشرها أخي حسين، كان عايز الناس تدلعه باستمرار يعني لازم توافقه على رغبته..

سامي كليب: خصوصا إذا كان له دور في تعيين هؤلاء الناس، كما كان الحال مع والدك يعني..

جلال أمين: صحيح.

سامي كليب: كان هو على ما يبدو حسب ما فهمت مما كتبت حضرتك يعني..

جلال أمين: صحيح يعني هو صاحب فضل كبير قوي على أبي لأنه هو اللي اتصل به وقال له تعال كلية الآداب..

سامي كليب: وكان يريد من والدك أن يشكره على ذلك كل الوقت تقريبا..

جلال أمين: معلش، معلش تشكر، خلاص بقى حتفضل طول عمرك تشكر؟ واخد بالك؟ يعني حتشكر، كثر خيرك، إنما ما تطلبش مني.. يعني مثلا يبقوا قاعدين في مجلس كلية الآداب وأبي العميد وطه حسين قاعد كأستاذ رئيس قسم وعايز يرقي واحدا أبي يعتقد أنه لا يستحق الترقية، لأنه من رجالته، يعني هو طه حسين من النوع ده.

سامي كليب: طه حسين كان يحب الواسطة؟

جلال أمين: دي تسميها..

سامي كليب: أنه يتدخل من أجل..

جلال أمين: آه طبعا، طبعا.

سامي كليب: طيب يعني من يقرأ ما كتبت حضرتك عن والدك الكاتب الكبير والمثقف الكبير أحمد أمين قد لا يحبه في كتابك يعني خلاف..

جلال أمين (مقاطعا): هو قد لا يحبه؟

سامي كليب: يعني أنا قد لا أحبه لو قرأت حضرتك ما كتبت عنه..

جلال أمين (مقاطعا): والله؟

سامي كليب: إيه والله، لكن..

جلال أمين: في ناس قالوا لي العكس.

سامي كليب: ولكن لو قرأت عنه ما كتب أحبه، يعني مثلا تصوره بأنه مثلا كان قاسيا كان لا يعبر عن عواطفه، حتى حين تزوج ذهب لوحده أخذ الصورة لوحده وليس مع والدتك، لم يناد أمك بأم حمادة الاسم الملطف إلا مرة أو مرتين..

جلال أمين (مقاطعا): آه أنا يعني، كل الأمثلة اللي حضرتك قلتها صحيحة بس التوصيف مش صحيح، هي مش قسوة كانت، هو دكتاتور، كان دكتاتورا..

سامي كليب: لا، دكتاتور مش قاسي يعني!..

جلال أمين: طيب.

سامي كليب: في أقسى من الدكتاتور؟

جلال أمين: بسيطة، بسيطة، كان دكتاتورا بس هو نشأ في بيئة كان الرجال الأزواج كلهم تقريبا..

سامي كليب: كده.

جلال أمين: ديكتاتوريين. أبي عمل تقدما كبيرا قوي في الناحية دي وهو كان واعيا ودي ميزته يعني عقله كان نشيطا جدا، كان عارف النقطة دي أن ده عيب أنه ما يصحش يعني لكن..

سامي كليب: ومع ذلك كان يعمل لكم مربى بين الوقت والآخر.

جلال أمين: آه دي حادثة بقى كانت أنت عارفها الحكاية دي ظريفة خالص..

سامي كليب: لما احترق المربى..

جلال أمين: دي كانت المناسبة أنه ما كانش ينادي أمي باسمها أبدا..

سامي كليب: دكتور جلال أمين حضرتك متزوج من بريطانية..

جلال أمين: أجنبية آه.

سامي كليب: هل دكتاتور مع زوجتك كمان؟

جلال أمين: ما أقدرش..

سامي كليب: عندك نفس دكتاتور مع زوجتك؟

جلال أمين: لا ما أقدرش، أولا الجيل غير الجيل والدنيا غير الدنيا ولا المصرية ولا الأجنبية تقبل هذه المعاملة الآن.

سامي كليب: في مصر مثل يقول "فرخ الوز عوام" والمثل ينطبق تماما على الدكتور جلال أمين الذي عام على بحر معارف والده المفكر الكبير أحمد أمين، ولكن ريش إبداعه سرعان ما تحول جناحين فطار في سماء الأدب وهو صغير السن طار صوب الأدب الفرنسي أولا حيث ترجم لفولتير وديكارت ثم صوب الأدب الأميركي والشعر الهندي.

جلال أمين: وبعض الترجمات كنت معجبا قوي بكاتب أميركي أرمني اسمه ويليام سارويان، دلوقت مش مشهور قوي بس جاءت له فترة، كنت أعجبت به قوي وقعدت أترجم قصصه. وطاغور، طاغور الشاعر الهندي ترجمت له برضه كل هذه اتنشرت في..

سامي كليب: ترجمت الشعر؟

جلال أمين: بتاع طاغور آه، أصل طاغور شعره سهل ترجمته يعني هو طبعا مش مقفى ولا موزون، هي الشاعرية بتاعته في المعاني فمش صعب وكلامه سهل.

سامي كليب: بتعرف ليش عم أسألك إذا ترجمت الشعر؟

جلال أمين: لا.

سامي كليب: لأنك كتبت قصيدة من بيت واحد..

(ضحك)

سامي كليب: في تاريخك..

جلال أمين: آه كان بيت عبيط قوي، بيت عبيط قوي.

سامي كليب: تقول "أمي العزيزة قد أتت، أمي العزيزة قد أتت" وتوقفت القصيدة..

جلال أمين: بس موزون..

سامي كليب: موزون.

جلال أمين: يعني تلاقي الوزن بتاعه مظبوط. ومما يدل على أن أبي ما كانش قاسيا أكمل لي القصيدة هو أكمل لي القصيدة.

سامي كليب: بتعرف كيف أكملها؟

جلال أمين: آه..

سامي كليب: هيا بنا إليها..

جلال أمين: نلقي السلام عليها. نقول يا أم أهلا..

سامي كليب: ومرحبا..

جلال أمين: وسهلا.

سامي كليب: وسهلا.

جلال أمين: لطيف، لطيف.

سامي كليب: وتوقفت عن كتابة الشعر طبعا.

جلال أمين: لا، ما عنديش الملكة دي أبدا، الشعر مش سهل.

سامي كليب: فشل جلال أمين في الشعر ونجح في الاقتصاد ولكنه سرعان ما هجر الاثنين تماما كما هجر الأحزاب السياسية فالشاب المتحمس لأفكار البعثيين والذي صادق ميشيل عفلق في شبابه عاد إلى بلاده مدرسا فعرفته أولا الجامعات العربية ثم الجامعة الأميركية. ومن يقرأ انتقاداته اللاذعة اليوم لأميركا ولصناديق النقد الدولية ولإسرائيل لا بد وأن يتساءل كيف لهذا المفكر المتزوج من أجنبية والدارس في الغرب والمدرس في الجامعة الأميركية والذي جزء من عائلته يعيش في أميركا كيف له أن يعيش بطمأنينة مع هذا التناقض؟

جلال أمين: لا، أنا مش شايف في تناقض، في ناس بيعتبروها في تناقض، أنا مش شايف في تناقض، أنا في الجامعة الأميركية بأقبض مرتبي من الجامعة الأميركية، كويس، من اللي بيدفع مصاريف الجامعة الأميركية؟ معظم الميزانية الطلبة المصريون يعني جاية من فلوس مصريين، طيب، بأدرس طلبة 99% منهم مصريين، لم أباشر أي عمل إداري مع أنه كان رئاسة القسم وأكثر من رئاسة القسم متاحة لي مجرد التعبير عن الرغبة، لكي لا أتلقى أوامر..

سامي كليب: أميركية.

جلال أمين: أميركية، قد يكون لها أغراض أخرى، فأنا علاقتي بتلامذتي بأقول لهم المحاضرة بأتمتع بحرية أكثر في كلامي أكثر مما كنت أتمتع به في عين شمس لأن عين شمس بسبب ضخامة العدد كان في مخابرات ومباحث قاعدين بيسجلوا اللي أنت بتقوله، دول لأنهم ثلاثون واحدا بالكثير ما حدش خائف منهم حيعملوا إيه.

سامي كليب: الدكتور جلال أمين يعني أنا حاولت أن أرسم صورة لشخصيتك وأنا أقرأ ما كتبت وكل التحولات في حياتك يعني بدأت معجبا بالتجربة الماركسية بدأت بعثيا ثم ذهبت إلى بريطانيا وذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية، نقدت المجتمع الأميركي وأنت فيه، درست في الجامعة الأميركية والآن من أكبر ناقدي السياسة الأميركية في المنطقة. كان من المفترض أن حياتك حتى الشخصية يعني تزوجت من امرأة بريطانية وعشت فترة في بريطانيا ودرست في جامعات أجنبية كان من المفترض أن تنحو باتجاه أكثر غربي وها أنك تعود إلى أصول ربما أكثر من كاتب عربي عاش في دولة عربية طيلة عمره، هل وجدت نفسك أم لا زلت تبحث عن شيء ما؟

جلال أمين: لا والله وجدت نفسي وليس هناك ما أخجل منه ولا أندم عليه، وينستون تشرشل له كلمة لطيفة قوي لما واحد بيقول له أنت كلامك ده يناقض كلامك اللي أنت قلته مرة، فقال.. حأقولها بالإنجليزي الأول conciseness is the fetch of mediocre mind الثبات على نفس الموقف هو فضيلة من فضائل ضعاف العقول. واخد بالك؟ أو ذوي الذكاء المتوسط. فإيه؟ أنا أزعم أنه لو كل واحد قال قصة تطوره الفكري والسياسي إذا كان له دور سياسي، بصدق حتبص تلاقي كلنا عمالين نتغير طول الوقت، بس الناس بتمثل على نفسها وعلى الناس.