- عن الجريمة المستمرة والبيت المسروق
- تأثير مسيحية الغرب ووضع المسيحيين الفلسطينيين

- آثار العلوم على الحضارة والعودة إلى حكمة الطبيعة
- فن التعلم بين عالم الناس وعالم المؤسسات

عن الجريمة المستمرة والبيت المسروق

سامي كليب
منير فاشه
سامي كليب
:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى عمان. لو طبقنا كل مفاهيم ضيفنا لربما غيرنا الكثير من مفاهيمنا في الحياة خصوصا ما يتعلق منها بالحرية والديمقراطية والتربية والتعليم وحرية الفكر، ابن القدس الذي تعلم في جامعة هارفرد عاد ليقول إن العلم ربما أساء للإنسان والطبيعة أكثر من الجهل، يسعدني أن أستضيف الدكتور منير فاشه.

منير فاشه: كلمة نكبة عربيا ولغويا ممكن أنها تشير لزلزال يعني انتكب الناس من زلزال، هلق في فرق كبير بين كلمة نكبة وكلمة جريمة، جريمة معناها في فاعل وفاعل عن سوء نية، اللي صار في فلسطين سنة 48 هو جريمة وليس نكبة.

سامي كليب: من نكبة فلسطين أو الجريمة كما يصفها إلى نكبة التعليم إلى نكبات الحياة المعاصرة، سيرة عمر قادت هذا الأكاديمي الفلسطيني الحامل دكتواره بالتربية من هارفرد وماجستير بالرياضيات من فلوريدا لأن يهجر جل أوهام الحياة المدنية ويعود إلى العنزة والدجاجة والأرض ونقاوة الأصول بحثا عن الحكمة. التقيته في عمان لتعذر إجراء المقابلة في فلسطين المحتلة وسألته بداية عما إذا كان قد تعذب هو الأكاديمي عند الحواجز كما يتعذب أي فلسطيني آخر.

منير فاشه: ما هي كلمة عذاب صار لها يعني تاريخ في حياتنا وصعب الواحد يتحرك بدون عذاب بس بنفس الوقت صعب كمان يتحرك بدون أمل.

سامي كليب: حتى مثقف مثلك ويعني عمليا معروف، معروف عندهم في مخابراتهم ومعروف في الأوساط الفلسطينية حتى أنت بتتعب على الحواجز؟

منير فاشه: طبعا، بالنسبة لهم بيجوز في بعض الأحيان إذا في له علاقة رسمية مع الإسرائيليين يمكن أن يسهلوا لكن أي إنسان آخر يعني يعامل بنفس الطريقة يعني طريقة يعني زي اليوم مثلا الشنطة، شنطة صغيرة فيها بس البدلة رحت محل الشناطي طبعا بيجيبوا الشناطي بيجيبوها في تراك وبيرموها على الأرض والطريقة اللي بيرموها اليوم أول مرة بأشوفها يعني، بيمشي التراك واثنين بيبقوا موجودين بيزتوا في الشناطي على الأرض وبيصيروا الناس لاحقين شناطيهم بيصير الواحد يفتش..

سامي كليب: يعني ممكن يتكسر أي شيء فيهم.

منير فاشه: أي شيء طبعا طبعا، ففي نفس الوقت انتظرت الشنطة اليوم حوالي ساعتين يعني بعد ما طلعت استنيت، ففي شيء اسمه تحقير للإنسان ما له لا مبرر ولا له أي.. وفي رأيي ما بيعطي نتائج، كل اللي بيعطيه نوع من الحقد على حضارة ما بتعرف يعني بأقدر أقول إنها قبيحة، يعني أنا بيجوز أحسن كلمة بأقولها بالنسبة للإسرائيليين أنها حضارة قبيحة.

سامي كليب: الغريب أنه لا أسباب أمنية ولا أسباب منطقية يعني أنه الإذلال للإذلال وليس فقط لحماية الشعب ولا لتأمين الحواجز ولا لتأمين المرور.

منير فاشه: 100%، يعني أخذت وقت العيد تصريحا وهذا شيء صعب بس أخذت تصريحا أروح على القدس، طبعا القدس بلدي ومدينتي ولدت فيها وعندنا بيت فيها بس طبعا البيت آخذينه اليهود، الإذلال على الحاجز يعني بتدخل كأنك بتدخل بين أسلاك وممرات اللي بيجوز تقدر تقول أقرب لمرور حيوانات، حتى الحيوانات لا تعامل بهذه الطريقة، شيء أصبح جزءا من حياة الناس لكن في شيء غريب كمان أن هذا الكلام بيزيد من إصرار الناس أنه ما بديش أترك ما بديش أطلع.

سامي كليب: لا وبيصيروا بيصمدوا أكثر وبيكرروا أكثر طبعا وتعودوا يعني العذابات على عذابات والسهام على السهام يعني بيتعود الإنسان.

منير فاشه: يعني ستين سنة وبيحاولوا يلغوا وجود الفلسطيني كلمة فلسطيني، وهلق أنا في رأيي بيجوز أكثر شعب معروف عالميا هو الشعب الفلسطيني.

سامي كليب: يعني آسفين طبعا أزعجناك وغلبناك كما يقول الأردنيون للعودة للمجيء إلى هنا إلى الأردن وكنت أتمنى أن أكون عندك في فلسطين ولكن كما تعلم يعني الظروف تمنع ذلك. في العودة إلى ما تفضلت به أنك ابن القدس حضرتك مولود عام 1941 وفهمت أن العائلة تشردت عام 48، تذكر أولا ماذا حصل؟ خصوصا أنه كنت يعني بالسبع سنوات عمرك تقريبا.

منير فاشه: سبع سنوات، أذكر جدا بعض الأحداث الكبيرة مثل الانفجار في أوتيل سميراميس وفي أوتيل الكينغ ديفد لأنه كان أبي عنده تكسي فكان لما يصير في حادث من هذا النوع فكان يأخذني أنا وأخواتي ونروح نتفرج، فكانت يعني كان دائما يحاول أنه يخلينا نشوف شو اللي عم بيصير والخبر ما يكونش بس خبر وإنما يكون نوعا من الخبرة، فبأتذكر كل هذا الكلام بس كمان اللي بأتذكره أكثر أنه كل ما يصير نوع من القصف من مستوطنة قريبة مننا، بيقور حاييم قريبة من بيتنا يعني ما كانش في طبعا ملاجئ عند العرب كانوا أهلي يفيقونا من النوم ويوقفونا تحت الأبواب لأنه هم باعتقادهم أنه إذا انهد البيت بيظل حلق الباب ممكن يحمينا، فهذه بأتذكرها تماما.

سامي كليب: طيب بتتذكر كيف غادرتم البيت؟

منير فاشه: إيه بأتذكر أنه بعد مجزرة دير ياسين اللي حصل أن الإسرائيليين أو وقتها كانوا اليهود طبعا حملوا بعض.. يعني قتلوا كل أهل القربة ما عدا بعض الفتيات والفتيان،حطوا الفتيات والفتيان في زي Pick-ups ولفوهم في القدس وصاورا يقولوا إن أي واحد ما بيترك رح يصير فيه هيك رح يصير فيه زي ما صار في دير ياسين، فطبعا أبي وأمي خافوا.

سامي كليب: طبعا.

منير فاشه: في لنا أقارب في أريحا فقالوا ننزل على أريحا عند أقاربنا لأسبوع أسبوعين ومنعاود نرجع يعني عمره  واحد ما ترك بيته على أساس أنه مش رح يرجع.

سامي كليب: طبعا وفهمت حتى أنه وحضرتك كتبت هذا الموضوع أن الوالد في إحدى المرات كان عائدا إلى البيت ورأى الجنود الإسرائيليين يحطمون رأس فتى فلسطيني على الحائط.

منير فاشه: هذا بعد الـ 67.

سامي كليب: بعد الـ 67.

منير فاشه: يعني هذا كان في الـ 1977 تقريبا، في الـ 1977 لأنه هو بيقرأ الإنجيل والتوراة وإلى آخره فلما شاف اثنين جنود إسرائيلين بيخبطوا برأس واحد على الحيط وقف بده يعني يوبخهم أنه هذا.. فواحد رفع البارودة عليه وقال له إذا ما رجعت على السيارة بأطخك، فهو رجع وجهه أحمر وكان بيرج وبيقول هدولة مش ممكن يكونوا يهود، لأن فكرته عن اليهود بتختلف، يعني من قراءاته في الدين..

سامي كليب (مقاطعا): يعني فكرته عن أي أبناء دين آخر كان.. بالضبط.

منير فاشه: بالضبط، فلما شافهم أنه عم بيعملوا هذا الكلام قال أكيد هدولة مش يهود، يعني كان أبي عم بيحمي اليهودية من تصرف الجنود الإسرائيليين.

سامي كليب: حضرتك بتفكر نفس الشيء اليوم، أن ما نراه من الإسرائيليين لا ينتمي للدين اليهودي بشيء؟

منير فاشه: أنا شخصيا أعتقد أن إسرائيل والصهيونية قضت على اليهودية كما عرفت بالتاريخ، لأنه للحق في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر اليهود كانوا يلعبون دورا هاما جدا في العدالة الاجتماعية في أوروبا بالذات ولحد كبير اليهود اللي في أوروبا ولدوا في.. يعني أفكارهم وتوجهاتهم نبعت في الأندلس وهذه كمان قضية لازم ننتبه لها لأن اليهود اللي حماهم من الاندثار هم العرب والمسلمون في الأندلس يعني أحيوا لغتهم، وهذا الكلام يعني حكى عنه أو كتب عنه سمحا فلاتمان في أكثر من كتاب وهو يهودي يعني..

سامي كليب: على كل حال الأفكار التي يجب أن ننتبه إليها كثيرة وخصوصا حضرتك حاولت أن تضيء على بعض المواقع التي يجب أن ينتبه إليها العرب إن كان بالنسبة لما فعلته إسرائيل طبعا بالتربية بتربية الفلسطينيين، بتعليمهم، بمنعهم من التعلم وليس التعليم كما تقول، وأيضا في مجالات الحرية والديمقراطية والأفكار سنحاول أن نمر على كل ذلك. ولكن هناك حادثة أيضا حصلت معك شخصيا بعد أسبوعين من حرب 67 ذهبت إلى منزلكم في القدس، المنزل الذي ولدت فيه عام 1941 ووجدت فيه يهودا، ما الذي حصل؟

منير فاشه: لما نزلت يعني كان لي 19 سنة ما دخلت البيت ما وصلت المنطقة، راح معي واحد يعني صديق وقلت له أنا كل اللي بأعرفه أن البيت موجود على خط الحديد سكة الحديد، فظلينا نمشي لما وصلنا سكة الحديد ومشيت، لما وصلت البيت عرفته مع أنه كان عمري سبع سنوات آخر مرة لما شفته، فأنا يعني ذهلت أنه لسه البيت موجود وشجرة الليمون أمامه موجودة.

سامي كليب: اللي كنت تلعب تحتها.

منير فاشه: اللي كنا نلعب تحتها، ويعني كل الذكريات رجعت فأنا دقيت على الباب طلعت امرأة قلت لها أنا ولدت في هذا البيت وأود أن أراه، صارت ترج كانت حاملة مكنسة وبدها تكنس، قالت لي مش إحنا اللي أخذناه الحكومة اللي أخذته راجع الحكومة، هذا بعد أسبوعين من انتصار الحرب، قلت لها أنا مش جاي آخذه هلق جاي بس لأنه عاطفيا مرتبط بهذا البيت حابب أني أشوفه فهي خافت كثيرا وصارت يعني ترج أكثر وتصيح فجاء الجيران والجيران التموا وفي واحد جاء ومعه بارودة جارها وقال لها أنا بأدخل معه يعني ما تخافيش وحامل البارودة وكذا برضه ما قبلت، بعدين سألتني أنت عربي؟ قلت لها آه أنا عربي طبعا، قالت لي لا هذا البيت كان لمسيحيين.

سامي كليب: على أساس أن المسيحيين ليسوا عربا.

منير فاشه: قلت لها أنا عربي مسيحي، قالت لي لا بس العرب المسلمين الفلاحين، قلت لها العربي ممكن يكون مسيحي، ممكن يكون مسلم، ممكن يكون يهودي، العربي مش لون واحد، قالت لي لا هذا معناه البيت مش إلك، واحدة ثانية سألتني أنت من بيت مين، قلت لها من دار فاشه، قالت صح، عارفين لمين البيوت، المهم قلت لها بالآخر أنا عربي ولا مش عربي هذا بيتنا وأنا ولدت فيه وبدي أشوفه وبرضه رفضت.

سامي كليب: وما دخلت؟

منير فاشه: ما دخلتني، بعد عشرين سنة بـ 1987 رحت دقيت على البيت على الباب طلعت لي نفس المرأة، قلت لها هذا البيت أنا ولدت فيه وبدي أشوفه قالت لي برضه نفس الشيء يعني خافت بس هذه المرة ما خلقتش يعني حوارا سكرت البيت ورجعت، 2007..

سامي كليب (مقاطعا): هذا دليل كيف عم يتطور حتى الإسرائيلي يعني أنه كان بالأول خوف لشك فيما بعد خوف أكثر يعني بالأول حاورتك ثاني مرة أقفلت الباب.

منير فاشه: أقفلت الباب، في المرة الثالثة رحت يعني كل عشرين سنة، 2007 رحت ما كانش في أحد بس هذه المرة كان معي زوجتي وكان معي أخواتي وعم بأطلع لسه على البيت ولا شفت المرأة جاية من بعيد قلت لهم هذه هي، بس ما حبيتش أسألها لأنه كان معي.. فما سألتهاش هذه المرة.

سامي كليب: ولم تدخل؟

منير فاشه: لا، فإن شاء الله ما يكون في سنة 2027 يعني لسه في بيتي يكون..

سامي كليب (مقاطعا): عندك أمل أنه يوما ما ستدخل إلى هذا البيت، ستستعيد هذا البيت؟

منير فاشه: شوف هون الفرق أنا في رأيي بين -وهذا اللي تعلمته في فلسطين- العيش بأمل والعيش بتوقعات، اللي حصل سنة 1993 كنا بنحكي عن كثير أشياء بـ 1993 بأوسلو..

سامي كليب (مقاطعا): كان في أمل.

منير فاشه (متابعا): قبل 1993 كان في أمل، بـ 1993 تحول الأمل لتوقعات، والحياة بأمل أجمل بكثير من الحياة بتوقعات، إذا بدك تقضي على واحد بدك تخليه دائما شاعرا بنوع من اليأس..

سامي كليب: بلا أمل.

منير فاشه: وبالإحباط وإلى آخره يعيش بدون أمل ويعيش بتوقعات.

سامي كليب: أملك كبير؟

منير فاشه: أنا أملي كبير، أملي كبير لسبب بسيط لأن الأمل لا تستطيع أن تبرهنه وليس قضية عقلية.



تأثير مسيحية الغرب ووضع المسيحيين الفلسطينيين

سامي كليب: منذ ستينيات القرن الماضي دخل منير فاشه سلك التعليم وحين اقترحت عليه أن يشارك في البرنامج فاجأني بأنه لا يحضر التلفزات ولا يعرف إلا القليل عنها فهو يفضل الاتصال مباشرة بالناس والعمل معهم ولأجلهم وقد منع أولاده من التلفزة ومنذ الثمانينيات بدأ بإقامة المنتديات والملتقيات ومنها مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي في فلسطين والملتقى التربوي العربي، وله خمس مؤلفات حتى اليوم ومقالات كثيرة بالعربية والإنجليزية.

منير فاشه: كتيب هو رسالة بعثت بها إلى البابا في عام 2006 بناء على ما صرح به في ألمانيا، كتبت "المجتمعات الفلسطينية المسيحية تختفي بسرعة، فنحن معرضون للزوال، لقد بدأ اختفاؤنا عندما إنشئت إسرائيل في العام 1948 بمساعدة بريطانيا المسيحية والولايات المتحدة التي لا تزال تدعم إسرائيل لطرد المزيد من الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين من أراضيهم وبيوتهم في فلسطين".

سامي كليب: فلسطيني عربي مسيحي هو ولكن مسيحيته هي تلك التي تعود إلى الأصول إلى المحبة والناس البسطاء وتنبذ المسيحية الغربية التي يقول إنها شوهت الدين الأصيل دين أمه.

منير فاشه: لو جئت سألت والدتي ماذا قال المسيح؟ لا تذكر أي شيء ولا تعرف أي شيء قاله المسيح باستثناء عبارة واحدة، أحبوا بعض، دائما تقول لنا إشي وحيد بس اللي قاله المسيح، أحبوا بعض، هلق لما تقول أحبوا بعض في فرق بين ما تقول أحبوا بعض وبعدين هي تكره الناس وبين ما تقول أحبوا بعض وبتحب الناس، في رأيي الشيء اللي خرب روح أي شيء المسيحية، الإسلام، اليهودية، التعليم أو التعلم، التنفس، الصحة هو وجود مؤسسات بمعنى بطلت حياتنا قادرين نعيش ونفكر ونعمل خارج المؤسسات.

سامي كليب: بالمناسبة الوالدة فهمت مع خالاتك أمضين عشرين سنة لإعمار هذا المنزل الذي احتله الإسرائيليون.

منير فاشه: بالضبط.

سامي كليب: لا شك أنها زعلت عليه، لا شك أنها بقيت حتى آخر يوم في عمرها تتمنى العودة.

منير فاشه: بعد الـ 67 كان البيت قريبا وتقدر توصله، بربع ساعة كان منقدر نأخذها من رام الله توصل البيت اللي بنته بعرق جبينها، كنا نأخذها على القدس في نصف الطريق تبدأ بالبكاء ولدرجة نعود نرجعها إلى رام الله نقول بيجوز في الأسبوع القادم أو الشهر القادم، ماتت في 1984 ولم تصل البيت، لم تستطع أن ترى البيت، اشتغلت أكثر من عشرين هي وخالاتي حتى بنوه.

سامي كليب: واستطعت أن تدفنها في القدس؟

منير فاشه: لا، دفنت في رام الله، يعني إذا ياسر عرفات ما قدر، أمي يعني أضعف كثير من هذه الناحية.

سامي كليب: طيب فيما تكتب في هذا الكتاب بعنوان -وهو كتاب في الواقع جميل جدا لمن يود أن يعرف من فم مثقف مسيحي، اسمح لي بالتعبير الطائفي- عن الفرق بين المسيحية الحقيقية مسيحية الأرض التي ولد فيها السيد المسيح ومسيحية الغرب كما تقول، أما المسيحية الأخرى.. وتتحدث عن مسيحية الغرب غير مسيحية أمك "أما المسيحية الأخرى التي عشتها أثناء سنوات نموي فكانت المسيحية الغربية والتي كانت تبني فوق رأسي وفي داخلي هياكل لفظية وأيديولوجية أسكتت عن طريقها صوتي وصوت أمي وأصوات آخرين مثلنا وألغت أو همشت ما لدينا من مقومات وتراث وخبرات، كان هم المسيحيين الغربيين الذين جاؤوا إلى فلسطين وغير فلسطين هو كسب أتباع لهذه الفئة أو تلك، كما كان تأثيرهم هو خلع أناس كثيرين من جذورهم ومن وسطهم الحضاري" وتتابع طبعا هذا المنوال. إلى هذه الدرجة أثرت المسيحية الغربية على مسيحيي الشرق، على المسيحيين الأساسيين؟

منير فاشه: لسوء الحظ أنهم أثروا، أثروا لأنه.. زي في التعليم، في التعليم جاؤوا الكتب جاهزة الكتب ملونة والكتب ملمعة والامتحانات مرتبة ولندن ماتريك لندن وإلى آخره، فعندك ماتريك لندن وعندك المبشرين اللي كانوا يجيئون على بيتنا يعني ولا واحد منهم.. كانوا يحبون أمي وأبي وكانوا يعتبرون أنه غريب هالجو الجميل اللي في البيت، ولا واحد فيهم ما قال خليني أتعلم كيف خلقتم هذا الجو.

سامي كليب: لا بل تقول إنه أفرغت..

منير فاشه (مقاطعا): أفرغتها كليا.

سامي كليب (متابعا): الدين المسيحي من تعاليم السيد المسيح تقول "لقد أفرغت المسيحية الغربية أقوال المسيح وأفعاله من معانيها ومغازيها وبنت صرحا شامخا بعيدا عن الواقع والظروف، كما بنت تقاليد مقدسة منعت معاني المسيح وتعاليمه والمبادئ التي نادى بها من الوصول إلى وعي الناس".

منير فاشه: هلق اللي حمى أمي والدتي أنها كانت أمية، لأنها كانت أمية طبعا كثير من اللي كانوا يجيئون من الغرب كانوا يعرفوا يحكوا بالإنجليزي فما كانت تفهم ومرات تسمعهم يظلوا يقولوا Jesus وJesus والمسيح وإلى آخره، تقول لهم يعني أنا لو كنت المسيح كان بأتضايق منكم، ما تضلوش تقولوش بس Jesus والمسيح، إذا عملتم عمل خير معناها المسيح رح يحبكم وما بده كل هالكلام، فأمي كانت محمية أكثر من أي واحد فينا، يعني أنا وأخواتي وأبي خلينا نقول دخلنا شوية هذا الجو وتلوثنا، أنا في رأيي تلوثنا يعني وهذا التلوث جاء بفعل الفكر المؤسسي..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن الغريب دكتور منير فاشه أنه ربما بدأت تصحو أكثر على هذا التلوث حين درست أيضا في الغرب يعني حين ذهبت إلى جامعة هارفرد وتفصل ذلك بمقالات عديدة يعني.

منير فاشه: مظبوط، لكن لو أنا قرأت مثلا.. هنا هذا الكلام يعني أظن كثير مهم أنه أنا عشت عالم اللي هو عالم والدتي وبأقدر أحطه يعني بهذا الشكل لأنه هي اللي بتمثل العالم الآخر، العالم اللي أنا بأحبه والعالم اللي تشربت منه كثيرا من الأشياء اللي بأقدر أسميها جيدة فيني.

سامي كليب: عالم المحبة والإيمان الحقيقي..

منير فاشه: وعالم الأمل، عالم العافية، عالم البساطة لكن عالم الحكمة. هارفرد مثلا قعدت فيها 15 سنة، خمس سنين درست وعشر سنين اشتغلت، ما بأقدر أقول أو أتذكر أي قول كان فيه حكمة، غياب الحكمة، أمي ما كانت تحكي يعني والدتي ما كانت تحكي عن الحكمة لكن في كل تصرفها وفي كل إدراكها وفي كل علاقاتها وكيف ربتنا كان في حكمة وهذه أنا اللي بدي أقولها إن الغرب مبهر في التكنولوجيا مبهر في العلوم مبهر في كثير من الأشياء اللي عملها لكن يفتقد الحكمة.

سامي كليب: حتى تسبب يعني وفق ما تروي أيضا في هذه الرسالة وهي كانت عبارة.. أصبحت كتيبا الآن وهي كانت عبارة عن رسالة إلى بابا روما، بابا الفاتيكان بينيديكتوس السادس عشر، تروي كيف أن الحملات الصليبية والحروب الغربية التي خيضت هنا في المنطقة ضد الشعوب العربية بما فيها يعني المسيحيين كنت تقول إن هذه الحروب هي التي أدت أيضا إلى إفراغ هذه المنطقة من الكثير من المسيحيين، وقرأت لك في هذه الرسالة "إن المجتمعات الفلسطينية المسيحية تختفي بسرعة فنحن معرضون للزوال، لقد بدأ اختفاؤنا عندما أنشئت إسرائيل عام 48 بمساعدة بريطانيا المسيحية والولايات المتحدة التي لا تزال تدعم إسرائيل لطرد المزيد من الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين من أراضيهم وبيوتهم في فلسطين، وهناك حاليا بعض العائلات المسيحية المشتتة في القدس، لكن لا يوجد مجتمع مسيحي في القدس".

منير فاشه: وأفضل مثال على ذلك أنا كذكر في عائلة فاشه أنا الوحيد، لا يوجد ذكر آخر من عائلة فاشه في فلسطين.

سامي كليب: غريب.

منير فاشه: مش بس في القدس.

سامي كليب: هاجروا؟

منير فاشه: كلهم بالـ 48 تقريبا زيي طردوا بس أغلبهم جاء إلى عمان ومنها إلى لوس أنجلوس، عدد راح للوس أنجلوس بس عائلة فاشه معظمها في عمان وفي لوس أنجلوس، اللي في لوس أنجلوس أنا ما بأعرفهم لأني ما شفتهم، لكن في فلسطين نفسها لم يبق من بيت فاشه كذكور إلا أنا فبموتي تنتهي عائلة فاشه في القدس في فلسطين، وأنا لما أحكي عن عائلتي عائلة أمي أو عائلة أبي، في عائلة أمي اللي بيسموه السنجق في القيامة كنيسة القيامة، طبعا سنجق معناه أن هذه العائلة..

سامي كليب (مقاطعا): من جذور هذه الأرض.

منير فاشه (متابعا): من جذور القدس، حاليا مش موجودة، لا يوجد أي شخص من العائلة موجود في القدس من عائلة فاشه.



[فاصل إعلاني]

آثار العلوم على الحضارة والعودة إلى حكمة الطبيعة

سامي كليب: لم يبق من عائلة فاشه سوى بعض الذكريات وربما بعض الأمل بالعودة يوما ما إلى القدس وإلى القدس الذي عملت أمه وخالاته بمهنة الخياطة أكثر من عشرين عاما لتبنيه قبل أن تحتله إسرائيل وتحرم العائلة منه.

منير فاشه: هذه الصورة عندما كنت عميد شؤون الطلبة في جامعة بيرزيت وكان الشيء اللي أعمله في وقت الانتخابات انتخابات مجالس الطلبة جميع الكتل تكون جالسة أطرح عليهم أسئلة حتى كل الطلبة يسمعوا الآراء المختلفة للكتل اللي نازلة الانتخابات في مواضيع عدة.

سامي كليب: هاجر منير فاشه إلى أميركا، ذهب إلى جامعة هارفرد أستاذا زائرا وحصل منها على دكتوراه بالتربية وتزوج من هناك وكاد يبقى هناك ولكن الأرض كانت أقوى والجذور أكثر حضورا في الغربة منها في الوطن فعاد إلى الوطن وقال من على أرضه إن انتفاضة عام 1987 أخرجتني من العالم الأكاديمي لأتفاعل مباشرة مع الناس.

منير فاشه: كل إنسان دخل العالم الحياة من منطلقه، ما كان في وصي، ما كان في إنسان يقول لإنسان هذا غلط وهذا صح وإلى آخره، أنا شخصيا وصار في نوع من الاعتماد على الذات أني أستطيع أن أحصل على كل شيء من خلال محيطي، فاشتريت عنزة العنزة كانت حلوبا واشتريت بعض الدجاجات، كان ابني الصغير معي كان عمره تسع سنوات صار يحلب العنزة كل يوم الصبح وكل يوم المساء ونشرب الحليب، يعمل لبن، ويعني كانت حياة كثير كثير..

سامي كليب: ورجعت تكتشف الطبيعة يعني بشكل عام.

منير فاشه: أكتشف الطبيعة وأكتشف قديش أنا كنت معتمدا على بضاعة تيجي من بعيد، يعني هيك هلق صار في نوع من الشعور أن كل ما أحتاجه موجود محليا، فاللي عملته مع بعض الشباب سألتهم لمدة شهر اكتب كل شيء بتصرفه العائلة عندك وشوف قديش من اللي بتصرفه أنت ما بتحتاجه والعائلة ما بتحتاجه، كانت مذهلة يعني حوالي 70%، 80% من اللي منشتريه عادة، هذا في 1987 هلق بيجوز 99% منشتري أشياء لا نحتاجها.

سامي كليب: طيب الغريب أنك توصلت إلى هذه القناعة وكنت في المراحل الأخيرة للحصول على الدكتوراه تقريبا يعني في 1987 حصلت عليها في 1988.

منير فاشه: بـ 1988.

سامي كليب: يعني كل الدراسة في الغرب لم تؤثر عليك بالعكس عدت إلى الأرض إلى الطبيعة إلى الحيوانات الأليفة.

منير فاشه: هذه بيجوز جزء منها..

سامي كليب: سببها هناك.

منير فاشه: سببها هناك، يعني خليني أقول لك كيف، في شخص عرفته كان طباخ كثير كثير ممتاز في منطقة بوسطن، قال لي من عشرين مطعم اشتغلت فيهم مستعد يأكل بس في واحد، لما الواحد يشوف المطبخ شو بيصير فيه بيبطل الواحد يأكل، أنا نفس الشيء شفت المطبخ التعليمي، هارفرد هي بمثابة مطبخ، اللي شفته فيها خلاني أقول إنه ضروري نحمي أنفسنا من هذا النوع من التفكير.

سامي كليب: على كل حال الغريب بين أفكارك اللافتة أنه تقول إنه ليس بالضرورة أي يكون العلم ساهم في تحسين الوضع الصحي للإنسان أو وضع الطبيعة، بالعكس ربما العلوم أساءت في مرحلة معينة للإنسان وللطبيعة.

منير فاشه: حاليا مش ربما، حاليا يعني إذا تطلعنا حوالينا معظم الأزمات اللي بنشوفها معظم الأخطار اللي بنشوفها على الحياة على الأرض هي من صنع العلوم ومن صنع الأكاديميين ومن صنع العلماء.

سامي كليب: بتعطي مثالا القاهرة مثلا.

منير فاشه: القاهرة بس حتى هلق بدي أعطي مثالا آخر.

سامي كليب: تفضل.

منير فاشه: اللي هو ما في.. يعني معظم القرارات التي اتخذت في أميركا آخر ستين سنة على الأقل اتخذت من خريجي جامعات النخبة، طبعا لما القرارات كلها التي اتخذت من جامعات النخبة ومنشوف المشاكل اللي موجودة في أميركا، إذاً جامعات النخبة في خلق المشاكل واضحة.

سامي كليب: مثلا تقول عن القاهرة لنقرب الفكرة أكثر "هي في رأيي من أكبر الكنوز الحضارية في عالم اليوم، كيف يمكن أن نتكلم عن التنمية والفكر والعلوم والتكنولوجيا والتقدم والتطور دون أن نتساءل عن دورها في تعريض مدينة مثل القاهرة لعملية التدمير البطيء التي نشاهدها".

منير فاشه: القاهرة رحتها أنا أول مرة سنة 1963، في 1963 عشقتها ولا أزال أعشقها لكن هلق عشقي فيه ألم كبير لأنه لما أشوف القاهرة دمرت، دمرت بمعنى يعني كل الحياة فيها صارت استهلاكية، الجمال اللي كان طبيعيا لسه موجود، النيل والناس بيمشوا حول الناس واللي ما همش.. والناس الغلابة زي ما بيقولوا بيتمشوا حول النيل ولسه بيستنشقوا هواء النيل وبيحبوا النيل موجودين، لكن القاهرة يعني الواحد بيتطلع على النزعة اللي موجودة، النزعة اللي موجودة في القاهرة هي تدمير القاهرة، النزعة اللي موجودة في العالم..

سامي كليب (مقاطعا): كيف مثلا؟

منير فاشه: يعني أبسط مثال التلوث، يعني الأهرام لها ثلاثة آلاف سنة أربعة آلاف سنة عمره ما كان في خطر إلا مرات من بعض القنابل هون أو هناك، أما حاليا التلوث إذا ظل بنفس النسبة اللي موجودة حاليا بيجوز بعد مائة سنة ما يكون لا في أهرامات ولا يكون في أبو الهول وأغلب الظن ما يكونش في ناس حتى.

سامي كليب: غريب أنك كيف غيرت الكثير من أفكارك يعني معروف أنك كنت أستاذا للرياضيات ودرست ودرّست الرياضيات لأكثر من عشرين سنة وعدت تقول إن كل هذه الرياضيات وهم بوهم يعني واحد لا يساوي واحد بالضرورة, تفاحة جيدة لا تساوي تفاحة رديئة الإنتاج مثلا.

منير فاشه: وأكثر من هيك، أنا بأقول إن الخطر على فكر الإنسان الحالي هو أي كلمة دخلت فيها الرياضيات مثلا ذكاء الإنسان..

سامي كليب (مقاطعا): مثلا أعطني مثلا حتى نقرب المسألة للمشاهد.

منير فاشه: آه، ذكاء الإنسان، طول عمر الناس بيعرفوا أن فلان ذكي بالموسيقى وفلان ذكي في كذا، ما كانش في مشكلة وما كان في واحد اسمه ذكي وبرقم 95 وواحد برقم 115، الذكاء لا تستطيع قياسه، مجرد أنه صار في قياس للذكاء معناه صار في احتقار للإنسان، صار في احتقار للحياة، أي شيء في الحياة لا تستطيع قياسه، وإذا جئنا اطلعنا على حكمة القدماء ما في ولا أي عبارة حكيمة فيها قياس، يعني لما جلال الدين الرومي يقول "فيما بعد الصواب والخطأ توجد فسحة، لنلتق هناك".

سامي كليب: الحكمة كلمة صارت تتكرر كثيرا في قاموس منير فاشه، راح يبحث عنها بعد أن نزع عن عقله وقلبه وهم العلوم الغربية التي أتقنها خير إتقان وصار يقول إن من يحب الرياضيات مثلا هو انطوائي ومنعزل، ولأنه ذهب صوب الحكمة فإنه صار ينبذ المؤسسات التي يقول إنها تقتل روح المبادرة عند الفرد.

منير فاشه: نضعف كمجتمع، نضعف كأشخاص، أنا بالنسبة لي رأيت شيئا في الانتفاضة الأولى أذهلني.

سامي كليب: اللي هو؟

منير فاشه: لما أغلقت إسرائيل كل المؤسسات ومنعت.. طبعا المحل الوحيد اللي ما قدرت تسكره هو العائلة والجامع والكنيسة، يعني بشكل سريع الجامع تحول لمكان يؤمه جميع الناس لأن الفكرة الأساسية في الجامع هو جامع يجمع الناس وهو يجمع الناس ليس للصلاة فقط، يجمع الناس لكل قضايا المجتمع لكل شؤون المجتمع، الكنيسة ما تحولت، الكنيسة لأنه يعني بشكل أقدم صارت مؤسسة، ولما تصير مؤسسة معناها في عضوية يعني أنت لما تدخل بدك تبرهن أنه بتقدر تدخل لأنك عضو في الكنيسة، الجامع رغم كل المحاولات أنه يصير مؤسسة، الانتفاضة الأولى حولت الجامع بشكل طبيعي بدون ما أحد ما يفكر يعني في الموضوع ولا ينظر على الموضوع، أنا مثلا لأول مرة بأدخل الجامع كانت في الانتفاضة الأولى، الشيوعي اللي بده يروح يجتمع بده.. بيروح على الجامع لأنه هو المحل الوحيد اللي كان..

سامي كليب (مقاطعا): لا بل تقول "إن الإسلام المرتبط بالناس في عالم اليوم يلهمهم على الصعيد الشخصي والمجتمعي وهو الدين الأقل ارتباطا -كما تتفضل حاليا- بمراكز السيطرة والسلطة في العالم، هذا هو سر حيويته وإلهامه والرجاء الأمل الذي يتوخاه الناس منه".

منير فاشه: ما في شك حاليا الإسلام هو دين المقهورين، أغلبية المقهورين في العالم والمظلومين في العالم هم المسلمون فطبيعة الحال حاليا دين المقهورين هو الإسلام.



فن التعلم بين عالم الناس وعالم المؤسسات

سامي كليب: ولأنه نبذ المؤسسات فإن الأكاديمي الفلسطيني الدكتور منير فاشه أسس مع رفاق له عددا لا بأس به من المنتديات التي تهدف خصوصا لجمع الشباب العربي وتشجيع الإبداع بعيدا عن المؤسسات وبينها الملتقى التربوي العربي.

منير فاشه: المعيار في الملتقى هو أنه إعادة أو إضافة عافية على المخلوقات أو على الأقل المحافظة على عدم تخريبها، بهذا المعنى بأقدر أقول إن هذه رؤية لأن هذه قيمة. والرؤية عادة مغيبة والرؤية إذا استعملت تستعمل كأهداف، الرؤية ليست أهدافا، الرؤية عبارة عن قيمة لا نخالفها في أعمالنا لا نخالفها في أفكارنا والقيمة اللي أنا بأشوفها أساسية أنه ما نخرب الطبيعة وما نخرب المجتمعات لأن أقدس إشي موجود هو الطبيعة والمجتمعات، والحضارة الحديثة هي قبل أي شيء آخر هي تخريب للأرض وتخريب للمجتمعات. فبالنسبة لنا مهم كثير.. سميناه الملتقى التربوي العربي ونعني بالتربية هنا ليس التعليم فقط وإنما نعني فيه كل أنواع العلاقات بين الناس، الفن جزء منه المجتمع جزء منه، الأطفال، كل أنواع.. أي نوع من الإنتاج الثقافي الأدبي الفني هو جزء من الملتقى. واضح تماما إحنا دورنا ليس أن نقول من الصح والخطأ وإلى آخره وإنما أن نؤكد على أهمية اللقاء بين الشباب العربي وأهمية الإنتاج وتعريف الناس بالإنتاج الشبابي، فعنا مشروعان بالنسبة لهذا الموضوع، المشروع الأول اسمه "سفر" والسفر هو عبارة عن سفر الشباب من بلد عربي إلى بلد عربي آخر ولقاء شباب هناك، هدف السفر هو ليس استعراضيا ولا رسميا وإنما حقيقي، فبالنسبة لسفر يعني القيمة للشباب أنه تفتح المجال بقدر الإمكان للقائهم لكن أيضا الجزء الثاني اللي هو أذكى دنيا، المشروع الثاني أذكى دنيا، هو ما ينتجه الشباب ولا يمكن أن يكون موجودا في السوق لأنه مكلف جدا أن يباع في السوق يعني في web site موجود فيه أي إنتاج شبابي لتعريف الناس في العالم العربي عما ينتج من أدب وفن وإلى آخره.

سامي كليب: من الأمور اللافتة في تجربة وحياة الأكاديمي الفلسطيني الدكتور منير فاشه أنه لم يكتف ببث الأفكار الغريبة والمثالية حول التعلم وليس التعليم وإنما لم يمانع في إخراج ابنه من المدرسة.

منير فاشه: يعني ابني صغير كان عمره تسع سنوات كان في الصف الرابع ابتدائي ما كانت عاجبته المدرسة، قلت له شو بدك تعمل؟ قال بديش أروح عالمدرسة، قلت له ما فيش مشكلة بتطلع، قعد ثلاث سنوات ما راحش عالمدرسة، قلت له بس في شرط واحد غير هيك ما عنديش شرط، التلفزيون مش بديل عن المدرسة غير هيك اعمل اللي بدك إياه وأنا بأكون معك بتيجي معي وبأروح معك وبنعمل بنقرأ بنجرب.. يعني وقتها كمان -هذه كانت في الانتفاضة الأولى- وقتها جبنا العنزة وجبنا.. لحد هلق ابني هذا الصغير يعني بعيد عن عالم الاستهلاك بطريقة أنا يعني أذهلتني.

سامي كليب: طيب تعلم أكثر مما تعلم بالمدرسة مثلا؟

منير فاشه: إيه، أنا برأيي نعم، الغريب برضه أنه لأنه معوش إقامة في رام الله يعني كان وقتها لسه في الانتفاضة الأولى مسموح يعني يدرسوا، اضطر يعني بعد ثلاث سنوات قال لي أنا بدي أروح عالمدرسة، قلت له روح لأني أنا يعني ما قلت له يطلع من المدرسة ولا قلت له ما يرجعش عالمدرسة لأنه مش المدرسة وجود الطالب في المدرسة أو لا، بس قلت له عمرها المدرسة رح تكون مرجعيتك، مرجعيتك حياتك وفكرك وفهمك. لما رجع عالمدرسة في السابع ابتدائي لما أخذته عالمدرسة في أميركا لأنه كان مسموح له يروح عالسابع قال لي المدير بس هذا ما درسش ثلاث سنوات، قلت له جربه، قرأ كثيرا وعمل كثيرا، دخل المدرسة وطلع عالـ honor list، هذه بتفرجيك أن الشيء اللي ممكن الواحد يكتسبه من دافع ذاتي ومن الحياة ومن تفاعله مع الناس وتفاعله مع كل شيء في المجتمع، أنا يعني ذهلت لما طلع هيك، في نفس الوقت هذه ما أقنعته أن المدرسة منيحة وبعد ما أخذ يعني شهادة المدرسة صار يلف يعني صار يعمل كثير أشياء وهلق إنسان أنا يعني كثير بأحبه مش لأنه ابني بأحبه لأنه بيمثل عالما جميلا جدا اللي هو بيجوز قريب لوالدتي بس بمعنى آخر يعني والدتي كانت قبل هذا العصر هو إجا مع هذا العصر ومع..

سامي كليب: العالم الحقيقي.

منير فاشه: العالم الحقيقي يعني الاثنان كانت جذورهما بالحياة كانت جذورهما مع الناس.

سامي كليب: طيب وأن نظريتك أن كل إنسان مبدع وكل إنسان يمكن أن يعطي بقدر ما يتلقى.

منير فاشه: 100% ولهالسبب سنة الـ 1997 لما رحت يعني على هارفرد كأستاذ زائر أولا وبعدين بقيت عشر سنوات العبارة اللي قرأها في هديك السنة وألهمتني واللي بأشتغل عليها من الـ 1997 لحد الآن وراحت بقية حياتي، عبارة للإمام علي "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، فيش أجمل من هيك، "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، أنت قيمتك مش في شهادتك ولا في بيتك ولا في كل الأشياء الثانية، فيما تحسنه، وكل إنسان يحسن شيئا.

سامي كليب: طيب في موضوع العلاقة مع إسرائيل والانتفاضة وكيفية الاحتيال في الواقع على الإغلاق والحصار تشير إلى نقطة مهمة جدا أن إسرائيل منعت التعليم داخل البيوت أو التعلم داخل البيوت وكان خطرا عليها أكثر من إقفال المدارس ولذلك أقفلت ومنعت التجمعات داخل البيوت حتى إن كانت من أجل تعليم الأطفال. إلى أي مدى صحيح هذا الكلام؟

منير فاشه: إسرائيل خافت من ثلاثة أشياء في الانتفاضة الأولى، واحد التعلم اللي بيملكه الناس، مش مؤسسة مش وزارة، الزراعة الجماعية يعني الناس ما يستنوا يعني طيب عنا أرض وهذا الحي فيه هذه الأرض خلينا جماعيا نزرع الأرض نأكل، صارت برضه فيها منع تم، والثالثة استعادة الناس للدين أو استعادة الدين للناس بمعنى أن الناس صاروا، الجوامع صارت الناس اللي مالكين، سيد العملية، هذه الثلاث خلت.. طبعا بالنسبة للجامع ما قدرت تحط قانون أنه اللي بيروح عالجامع بنحبسه إنما قالت اللي بيشارك في تعليم أطفال في الحي معرض للسجن، اللي بيكون شريكا في زراعة جماعية بيكون برضه، الثالثة طلبت وقتها أنه بتعيين أشخاص في الجوامع حتى يمنعوا الشباب يدخلوا يعني يدفعون لهم معاشا، هذا كان الحكي بعد سنة ونصف. اللي أنا بدي أقوله إنه في إشي اسمه عالم ناس وعالم مؤسسات وأنا في رأيي أن الطريقة اللي لازم ننظر فيها للمؤسسات، المؤسسة زي شجرة لما بدي إياها بأروح.. أما لما أعمل المدرسة أو المؤسسة زي شمسية لاحقتني وين ما أروح وممنوع أشوف الشمس معناها وقتها لازم أدفش المؤسسة وما أخدش منها.

سامي كليب: للدكتور منير فاشه مؤلفات عديدة حول التربية والإبداع والتعلم والحكمة وقد نشر مقالات كثيرة في هذا الصدد وأشرف على مجلة اسمها "قلب الأمور" لا تعتمد لا على رئيس تحرير ولا على تمويل ولا على أي شيء من الأمور التحريرية التقليدية وإنما كل شخص يستطيع أن يكتب فيها ما يشاء، كما أنه يشجع ممارسة الهوايات الفنية وتغذية الروح بالفن والموسيقى والمسرح.

منير فاشه: إحدى الركائز الأساسية في الملتقى التربوي العربي هو العمل مع مجموعات وأفراد في دول عربية عديدة، بالنسبة للأردن وعمان بالذات مسرح البلد ومجموعة سمرددين تكوين نعمل معهم بشكل مستمر، بالنسبة لمسرح البلد ومديره رائد عصفور نعمل على مشروع حكايا بالمشاركة مع مجموعات في مصر زي الورشة، فرقة الورشة، ومع مجموعات في لبنان وفلسطين. الفكرة الأساسية في مشروع حكايا هي أن أي مجتمع يفقد القصص والحكايا يفقد نسيجه الرئيسي نسيجه الذي يجعل منه مجتمعا حيا ومجتمعا قادرا على توليد الحياة في ذاته.

سامي كليب: من الصعب القبول بكل ما يطرحه الأكاديمي الفلسطيني منير فاشه لكن من الصعب أيضا ألا نقبل الكثير مما يقوله عن مآسي المجتمعات الحديثة وأوهام الحضارة الراهنة، وبين هذا وذاك سألته ألا يخشى من أن يتهم من بعض الناس بالهلوسة وليس فقط بالتغريد خارج السرب؟

منير فاشه: يعني أكيد بعض الناس بيفكروا هيك بس أكثر بدل ما يستعملوا كلمة بيهلوس بيقولوا إنه مثالي، بأقول لهم المثالي هو لما نعمل مدارس 80% من الناس بيطلعوا منها بيعرفوش إشي ليعملوا امتحانات، هذا هو المثالي اللي هو غير ممكن ومستحيل يعني بيجي بيقول لك المدرسة بدها تعلم، أقصى حد 10% و20% والباقي بيطلعوا شاعرين أنهم غير قادرين وحتى فاشلين.

سامي كليب: تقول "يتم تخريب غزة من خلال طائرات ودبابات وبوارج ويتم تخريب رام الله -حيث تسكن حاليا- من خلال بنوك وشركات استثمار ومشاريع تنموية، إسرائيل تحاول تخريب غزة والبنك الدولي يقود عملية تخريب رام الله".

منير فاشه: يعني أوضح شيء على ذلك لأول مرة منذ أربعة آلاف سنة الفلسطيني الفلاح بالنسبة له الأرض مش للبيع، هي فخره هي كرامته هي رزقه هي معنى وجوده من أربعة آلاف سنة، لأول مرة تصبح الأراضي حوالي رام الله معروضة للبيع من خلال الفلاحين أنفسهم آخر أربع سنوات آخر خمس سنوات.

سامي كليب: بسبب البنك الدولي؟

منير فاشه: أنا في رأيي بسبب طبعا البنك الدولي اللي هو يعني الواحد إذا بده يقرأ تاريخ البنك الدولي في تسعين دولة والخراب اللي خربه شيء مذهل.

سامي كليب: دكتور منير فاشه أضم صوتي إلى صوت الذين يقولون إنك مثالي فعلا وتغرد خارج السرب ولكن شكرا جزيلا وإن شاء الله تحقق ما تطمح إليه، أن يعود الإنسان إلى إنسانيته بعيدا عن المؤسسات.

منير فاشه: شكرا لك.

سامي كليب: شكرا جزيلا.