- وضع المسيحيين في لبنان

- في مسالك اللاهوت

- قصة الموارنة وعلاقاتهم مع الغرب

- الموقف من الساحة السياسية والعلاقات اللبنانية السورية

- عن العلاقات التاريخية وتطورها بين سوريا ولبنان

 

وضع المسيحيين في لبنان

 سامي كليب
 نصر الله صفير
سامي كليب:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى جبل لبنان. هذه أرزة حديثة الزراعة زارعها هو كأرز لبنان أصبح جزءا من تاريخ هذا البلد، يقول البعض إنه بحكمته جنب لبنان خضات كثيرة ويقول البعض الآخر إنه بتسييسه الكنيسة ربما عزز الطائفية. من هو؟ كاردينال المسيحيين الموارنة نصر الله صفير. هذا ما سنعرفه ربما في زيارة خاصة.

نصر الله صفير: نحن بلد عربي ولغتنا عربية وتاريخنا يشهد على ذلك ولذلك نحن في منطقة يتكلم فيها الناس العربية ولكن اللبنانيون يتقنون إلى جانب العربية لغة أخرى إما الإنجليزية وإما الفرنسية وهذا ما يسهل لهم السبيل للتعاطي مع الناس من الأجانب..

سامي كليب: يعني فينا نعرفك بطريرك عربي لبناني؟ ما فيها مشكلة؟

نصر الله صفير: كما تريد.

سامي كليب: بين العروبة والتغريب قصة طويلة عاشها المسيحيون الموارنة في لبنان وأثرت في علاقاتهم مع الطوائف الأخرى ومع سوريا وإسرائيل، والكاردينال مار نصر الله بطرس صفير المولود قبل 88 عاما في ريفون بجبل لبنان درس في شبابه اللغة العربية والترجمة وحمل منذ سنوات طويلة همّ الحفاظ على موقع طائفته وسط التجاذبات التي وضعت لبنان مرارا في مهب الريح.

نصر الله صفير: هذه التجاذبات القائمة فهي لا تبشر بالخير ولبنان بلد كما نعرف جميعا مطموع به وأن أهله بدل من أن يجمعوا صفوفهم فإنهم متفرقون وهذا ما يحمل خطرا عليه ولذلك إنه بلد صغير ولكن على أبنائه أن يجمعوا رأيهم وأن يتضامنوا في سبيل إعلاء شأنه وهذا مفقود حتى الآن.

سامي كليب: نفحة أو مسحة التشاؤم في الواقع كانت قديمة عندك غبطة البطريرك رغم بعض الأمل الذي تعطيه بين وقت وآخر، يعني أقرأ لك تصريحا قبل 22 عاما تحديدا حينما صرت بطريركا على ما أعتقد تقول "لو كنا تمسكنا بالقيم الصحيحة لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من سوء الحال وبات الكل يعرف أن الإنسان في لبنان قد أصبح ويا للأسف الكبير أرخص سلعة"، هل لا زال اللبناني بهذه الحال؟

نصر الله صفير: إذا رأينا الجدل القائم خاصة في المجلس النيابي والتراشق الكلامي الذي نسمعه في هذه الأيام نرى أن الأمور ما تحسنت كثيرا، لا بل يمكننا القول أن نقول إنها ساءت لأن الكلام الذي يوجهه البعض للبعض الآخر ليس بالكلام الذي ينتظره الناس من الذين يمثلونه.

سامي كليب: حين أجريت هذا الحوار مع الكاردينال الماروني مار نصر الله بطرس صفير كان مجلس النواب اللبناني يناقش بيان حكومة فؤاد السنيورة وسبق ذلك كالمعتاد في تاريخ لبنان الحديث تهافت أهل السياسة على اقتسام جبنة الوطن بسكاكين الطائفية، ولفتني أن الكاردينال صفير الذي يرفع دوما لواء القلق من هجرة أبناء طائفته ليس لدى كنيسته المارونية إحصاء دقيق حول نسبة المسيحيين اليوم في لبنان.

نصر الله صفير: يبدو أن هناك ما يقارب المليون لبناني تركوا لبنان منذ سنة 1970 حتى اليوم وربما كان معظمهم من المسيحيين.

سامي كليب: ولكن كم يبقى؟ يعني أنا أسألك سؤالا طبعا بالنسبة للتوازن الموجود في البلد يعني يقال مثلا إن الشيعة ربما تخطوا الموارنة.

نصر الله صفير: طبعا العائلة المسيحية قليلة العدد بالنسبة إلى سائر العائلات في لبنان وهناك من يهاجرون وأخيرا قيل لنا إن عددا من طلاب الجامعات الذين أحرزوا شهادات عليا وبحثوا عن عمل في لبنان فلم يجدوا فاضطروا إلى مغادرة لبنان إلى بلدان سواء أكانت مجاورة أم غير مجاورة.

سامي كليب: طبعا ولكن هذا ربما ينسحب على الجميع أيضا يعني حتى حين نذهب باتجاه الدول النامية دول أفريقيا دول المغرب العربي نلاحظ أنه في كمان...

نصر الله صفير: نعم أقول إن الهجرة لا تشمل فقط اللبنانيين لا تقتصر عليهم تشمل جميع الناس إنما العدد بالنسبة إلى المسيحيين ربما كان أكبر من أعداد الطوائف الأخرى.

سامي كليب: السبب اقتصادي؟

نصر الله صفير: اقتصادي. وأيضا السبب هو أن يكون هناك استقرار في البلد ويمكّن جميع أبنائه من أن يعيشوا في طمأنينة وأمان.

سامي كليب: ولكن غبطة البطريرك هل يعقل أنه ما عندكم احصاءات لعدد المسيحيين والموارنة؟ يعني إحصاءات رسمية مثلا في الكنيسة على الأقل؟

نصر الله صفير: عندنا إحصاءات يقومون بإحصاءات ولكن هذه الإحصاءات تتغير من بين الفترة والفترة.

سامي كليب: يعني هل برأيك تخطى عدد المسلمين المسيحيين والشيعة الموارنة مثلا؟

نصر الله صفير: تخطى؟

سامي كليب: عدد المسلمين المسيحيين في لبنان؟

نصر الله صفير: ربما كان هناك لأن العائلة غير المسيحية هي أكبر عددا من العائلة المسيحية.

في مسالك اللاهوت

سامي كليب: الإحصاءات شبه غائبة في لبنان أو يغيبها قادة الطوائف والأحزاب ذات البعد الطائفي أو المذهبي ذلك أن تقاسم السلطة يفرض تعتيما على عدد كل طائفة، ولم يكن هذا موضوع هذه الزيارة الخاصة ولذلك لم ألح بالسؤال على الزعيم الروحي للطائفة المارونية الذي أصبح في فترات عديدة أيضا زعيما سياسيا لها. ولكن ماذا عن بدايته؟ ماذا عن بداية هذا الراهب الحائز على الدكتوراة بالفلسفة واللاهوت والمترنحة حياته دائما بين ثوابت الدين ومتغيرات السياسة؟ هل فعلا أن امرأة قالت لأمه إنه سيصبح راهبا؟ وأن أمه كانت تخشى من انقطاع النسل ذلك أنه وحيد لخمس بنات؟ في بحثي عن أرشيف الصور وجدت هذه الصورة القديمة له تعود إلى أكثر من 85 سنة وصورا أخرى تعود إلى صباه على مقاعد الدراسة وصورا ثالثة تشير إلى بدايته في مسالك الروح واللاهوت، فلماذا سلك هذا الطريق؟

نصر الله صفير: لأنني نشأت في بيت وعائلة مسيحية ومنذ الصغر تعودت أن أتردد إلى الكنيسة وأتتني الدعوة لأنني كان هناك من أقربائي وأنسبائي كهنة وأحببت أن أكون مثلهم وسهل الله علي الدخول إلى المدرسة الإكليريكية وبعد ذلك أصبحت كاهنا.

سامي كليب: كان تحديدا ابن عمك على ما أعتقد كاهنا.

نصر الله صفير: نعم نعم قريبي.

سامي كليب: طيب حضرتك طبعا مولود سنة 1920 في ريفون ومن يشاهدك اليوم لا يعتقد أنك بهذا العمر يعني اسم الله العمر الطويل إن شاء الله، ولكن بالنسبة للاتجاه نحو الدين لفتني في بعض ما قلت حضرتك عن بدايتك أنك كنت منذ البداية تود الاتجاه باتجاه اللاهوت والدين وكأنه كان في بذرة في شخصك منذ الطفولة رغم أنك مررت قليلا على مهنة التعليم تعليم الأدب واللغة العربية والترجمة.

نصر الله صفير: نحن كما قلت ولدت في بيت مسيحي وممارس ووالدي كان قريبا من الكنيسة ووالدتي أيضا والإنسان هو ابن بيئته وابن تربيته تربيت تربية مسيحية وأنا أحمد الله على ذلك وقادتني نعمة الله إلى الكهنوت وصرت كاهنا وبعد ذلك..

سامي كليب (مقاطعا): ولم تفكر يوما بعمل آخر وأنت في شبابك مثلا؟

نصر الله صفير: ربما فكرت ولكن رأيت أن الدعوة هي طريقي في الحياة.

سامي كليب: في مهنة أخرى كانت ستغريك مثلا غير التعليم؟

نصر الله صفير: لا، شعرت أن كل المهن الأخرى مسدودة في وجهي ولم يبق من دعوة إلا هذه الدعوة الكهنوتية.

سامي كليب: كانت مسدودة لأي سبب يعني؟

نصر الله صفير: ربما لعجزي عن التعلم أو قلة الوسائل بين يدي أو لما سوى ذلك من وسائل.

سامي كليب: كانت العائلة فقيرة، عائلتك؟

نصر الله صفير: ليست فقيرة وإنما ليست غنية كسائر العائلات.

سامي كليب: رغم أن الوالد والوالدة كانا قريبين من الكنيسة ولكن حسب ما فهمت اعترضا على اتجاهك باتجاه اللاهوت في بدايتك.

نصر الله صفير: لأنني كنت وحيدا طبعا وهذه عاطفة الوالدين وكانا يودان أن أنشئ عائلة وأن يستمر الذين.. أن تتوالد العائلة وأن يكون هناك من يرثهم، هذه نظرة بشرية طبعا لا غير.

سامي كليب: ربما حتى اللبنانيين لا يعرفون كثيرا اسمك الحقيقي ليس مار نصر الله وإنما كان المفترض يكون أنطونيوس وأن نصر الله هو فرع عائلة صفير.

نصر الله صفير: هذا في العماد، لا، في العماد فالعادة هو أن يطلق اسم على الولد اسم العماد واسم المطلق المعروف، اسمي في العماد أنطون تيمنا بالكاهن أنطونيوس.

سامي كليب: الكاهن المتقشف والقديس أنطون كان متقشفا، على ما يبدو حضرتك تأثرت بسيرته كثيرا حسب ما فهمت.

نصر الله صفير: نعم القديس أنطونيوس الكبير هو أبو الرهبان.

سامي كليب: سيدنا، في الكلام عن التقشف يعني اسمك على اسم كاهن كبير وراهب كبير متقشف، السيد المسيح كان متقشفا جدا، فقط في بعض ظواهر الكنيسة في العالم يعني مثلا حين نشاهدك في بعض الاحتفالات في بعض المراسم نرى مثلا الكثير من الذهب تلبسونه هناك غنى في الكنائس واضح، طيب ألا يتناقض ذلك مع فكرة التقشف عند السيد المسيح مثلا؟

نصر الله صفير: أنا لست بمخترع لباس جديد للكهنة والبطاركة فهذا اللباس تعود البطاركة أن يلبسوه وأن يضعوا شارات الدعوة التي دعيوا إليها ولذلك نحن توارثنا هذه الأثواب عن سوانا من الذين سبقونا.

سامي كليب: تميز الكاردينال المسيحي الماروني مار نصر الله بطرس صفير منذ بداية توليه المسؤولية الكنسية بحس ديمقراطي ومحاولة للابتعاد عن التجاذبات حتى داخل طائفته، لا بل أن من يقرأ تاريخه الطويل سيجد مثلا أنه اعترض على تعيين أحد المطارنة من قبل الفاتيكان تعيينا وأراد الأمر انتخابا، والواقع أن الفاتيكان غالبا ما تكون له الكلمة الفصل في التعيينات الروحية الأساسية في العالم وهذا ما قادني لسؤال الكاردينال صفير عن هامش حريته وطبيعة علاقته مع الحبر الأعظم أو بابا الكثلكة في العالم.

نصر الله صفير: عادة الفاتيكان لا يتدخل بأمور سياسية وإذا تدخل فإنه يسأل قبلا وإنه يأخذ رأي المعنيين بهذا الأمر.

سامي كليب: لا يتدخل؟ تدخل كثيرا، يعني المبادرات إلى في الوضع اللبناني، وزير الخارجية، الفاتيكان جاء مرارا إلى هنا، السياسة...

نصر الله صفير (مقاطعا): تدخل ولكن ليس دون معرفة رأي المسؤولين محليا.

سامي كليب: كل المسؤولين؟

نصر الله صفير: يعني هو كما يرى هو.

سامي كليب: يعني مثلا حين فتحوا العلاقات مع إسرائيل استشاروك؟

نصر الله صفير: لم يستشيروني في العلاقات مع إسرائيل إنما يعرفون أن هذه العلاقة هي لا تضر لبنان بل تفيد لبنان.

سامي كليب: كيف؟

نصر الله صفير: لأنه إذا كانوا على حسن علاقة مع إسرائيل بإمكانهم أن يتدخلوا لمصلحة لبنان أيضا ولمصحلة الكنيسة في لبنان وفي غير لبنان.

سامي كليب: تدخلوا؟ خدموا لبنان منذ إقامة العلاقات مع إسرائيل؟

نصر الله صفير: نعرف أنهم حاولوا على قدر الإمكان.

سامي كليب: في مثال محدد سيدنا؟

نصر الله صفير: ليس عندي مثل الآن حاضر محدد إنما هذا لا يضر لبنان يفيده أكثر.

سامي كليب: تذكر أول خطاب لك ارتجالي حين انتخبت بطريركا؟ ماذا قلت فيه؟

نصر الله صفير: ارتجالي؟

سامي كليب: إيه آنذاك لم يكن مكتوبا أول مرة عام 1986 قلت "انتخبتموني ولست بألمعكم ولا بأعلمكم ولا بأقدركم ولا بأوجهكم ولكنها إرادة الله، إني أعرف إني ضعيف" كنت طبعا في بدايتك يعني.

نصر الله صفير: صحيح ولا أزال عند هذا القول.

سامي كليب: لا تزال ضعيفا؟

نصر الله صفير: قوتي من الله، الإنسان ضعيف مهما علا شأنه والقوة تأتينا من الله والاعتماد عليه.



قصة الموارنة وعلاقاتهم مع الغرب

سامي كليب: في خلال صعودي عبر جبال لبنان إلى منطقة الديمان المقر الصيفي للكاردينال مار نصر الله صفير تذكرت ذاك التاريخ الروحي والسياسي الهام للرهبان المسيحيين الموارنة في لبنان، فهنا في هذا الوادي المعروف باسم وادي القنيبين حيث الأديرة محفورة في الصخر وسط الطبيعة الصعبة اعتصم الرهبان تارة بحبل الإيمان ومرة أخرى هربا من هجمات الأتراك ولا يزال بعضهم يعيش هنا تقشفا ونسكا، ولكن ما هي قصة الموارنة؟ لمن ينسب اسمهم؟

نصر الله صفير: ينسب اسمهم إلى مار مارون، مار مارون عاش في سوريا وأتى الموارنة من سوريا إلى لبنان واعتصموا في هذا الجبل وأنشؤوا طبعا أديارا وأنشؤوا كنائس وأتباعه اليوم منتشرون في صدر المعمورة.

سامي كليب: كان في سبب لمجيئهم من سوريا إلى لبنان يعني سبب أمني سياسي؟

نصر الله صفير: نعم كانت هناك أسباب أمنية طبعا جاؤوا إلى لبنان واعتصموا في هذه الجبال وهم..

سامي كليب (مقاطعا): شو كانت الأسباب السياسية؟

نصر الله صفير: (متابعا): أسباب سياسية أسباب طارئة طبعا معروفة.

سامي كليب: طبعا اسم الموارنة جاء تيمنا بمار مارون، شو كانت أهمية مار مارون في الكنيسة المسيحية؟ لماذا تبعهم؟

نصر الله صفير: هو المؤسس وهو الناشئ وهو الواعظ ولذلك اجتمع جماعة من الرهبان حوله وانطلقت الطائفة مع مار مارون ومع رهبان لم يسمعوا..

سامي كليب: هل في خلافات أو تباينات أو بعض الأشياء الخاصة بالموارنة غير موجودة عند المسيحيين الآخرين يعني لماذا نقول اليوم ماروني وليس مثلا روميا أو ما إلى ذلك؟

نصر الله صفير: الموارنة هم كاثوليك تابعون لروما، وغير الموارنة هناك طوائف هي طبعا مستقلة عن روما وأما الموارنة فمعروفون بتعلقهم بروما وبمحافظتهم على إيمانهم وتقاليدهم.

سامي كليب: التعلق بروما كان دائما إيجابيا بالنسبة للموارنة هنا خصوصا يعني أنا أسألك لأن قبلك استضفت أحد رجال الدين المسيحيين تعرفه لا شك المطران جورج خضر ويقول إنه حين قامت الحملات الصليبية أن ربما تعرض الروم لموجات أكثر من الاضطهاد وقفوا إلى جانب المسلمين آنذاك في القدس وإلى ذلك، وكأن البعض يوحي وكأن الموارنة دائما كانوا إلى جانب الغرب أكثر من جانب العرب وما إلى ذلك.

نصر الله صفير: للأسف صحيح كانت لهم علاقات مع الغرب ولكن لهم علاقات مع الشرق أيضا وكانوا يحاولون أن يعيشوا في محيطهم بوفاق وسلام.

سامي كليب: الموارنة أتوا إلى هنا إلى وادي القنيبين منذ أربعمائة سنة وكانوا قبل ذلك في إيليج في مدينة جبيل المؤرخة لحقبة الفينيقيين وغيرها ولخروج الحرف باتجاه العالم، ذهب الرهبان إلى هناك نتيجة الاضطهاد وأقاموا ديرا مدفون فيه ما يقارب 18 بطريركا، والدير الرئيسي هنا أنشأه البطريرك إلياس الحويك أحد أسلاف الكاردينال صفير، تغير العالم وانتهت السلطنة العثمانية التي قمعت الموارنة وجاءت دول وسلطنات أخرى حتى استقر الأمر عند الإمبراطورية الحديثة أميركا، والموارنة غالبا ما ارتبطوا بالغرب وخصوصا فرنسا ثم أميركا بعلاقات هامة.

نصر الله صفير: العلاقات هي تبنى على المصلحة طبعا سواء كانت دولا كبيرة أو صغيرة ولكن الأميركان لهم علاقة بلبنان لأن هناك كثيرا من اللبنانيين من هم أصبحوا أميركان ونالوا الجنسية الأميركية وهم فاعلون في بعض الأوساط ولذلك لا يمكننا أن نتجاهل العلاقة مع الأميركان وهي دولة كبرى.

سامي كليب: بس بهالحالة السيراليون لازم تلعب دورا لأنه في كمان مجموعات كبيرة من اللبنانيين هناك وحصلوا على الجنسية يعني هل هذا مبرر لأن تلعب أميركا دورا إيجابيا أو سلبيا؟

نصر الله صفير: لها علاقات ولكن لا يمكننا أن نقول إن كل العلاقات هي سلبية، علاقات طبعا فيها شيء سلبي وفيها شيء إيجابي وربما يكون الإيجابي أكثر مما هو سلبي.

سامي كليب: الدور الأميركي ربما إيجابي أكثر مما هو سلبي في التاريخ كليا.

نصر الله صفير: ربما.

سامي كليب: لأن حضرتك طبعا زرت الولايات المتحدة الأميركية مرات عديدة والتقيت وكانوا يستقلبونك طبعا استقبال رؤساء الجمهورية ويحتفون بك، ولكن في بعض المرات أيضا حصلت أزمات كبيرة وضغطوا عليك ضغطوا على الموارنة وعليك شخصيا لأنني أتذكر ريتشارد مارفي عام 1988 حين جاء إليك من دمشق يقول لك إما ميخائيل الضاهر رئيسا للجمهورية أو الفوضى، يعني هل كانت حساباتهم مع سوريا لها الأفضلية مثلا؟

نصر الله صفير: لا يمكننا أن نقول ذلك إنما كانت لهم وجهة نظر طبعا وجهة النظر هذه لا ننكرها على أي بلد آخر وعلى الأخص البلدان التي يكون لها يعني حجم أميركا.

سامي كليب: ولكن هل مثلا من مثال محدد حول دور أميركي إيجابي في لبنان؟ لأن خصوصا أن الطرف الآخر إذا صح التعبير يعني وتحديدا اللي هم حزب الله ومن يدعم الحزب ومن يقف إلى جانبه دائما يقولون إن أميركا بالعكس كل هذه الفترة لعبت دورا سلبيا ودعمت إسرائيل وشجعت احتلال لبنان وما إلى ذلك.

نصر الله صفير: الأميركان لهم في كل بلدان العالم علاقات وخاصة مع دول الشرق الأوسط وكانوا هنا وقد خسروا أيضا شهداء كثيرين عندما تفجرت..

سامي كليب (مقاطعا): تفجير المارينز يعني.

نصر الله صفير(متابعا): تفجرت شاحنة في المخيم أو في الكامب الذي كانوا فيه وهذه العلاقات تتبدل وتتغير أحيانا تقوى وأحيانا تضعف على حساب المصالح التي تسيّر كل بلد آخر مع الولايات المتحدة.

سامي كليب: النظرة الإيجابية للكاردينال الماروني مار نصر الله صفير حيال الولايات المتحدة الأميركية ألبت ضده وضد طائفته مرارا أولئك المناهضين للسياسة الأميركية في المنطقة، ولكن هذا الزعيم الروحي للطائفة المارونية بقي كأرز الديمان المزروع في ديره ثابتا على موقفه لا بل ومدافعا أيضا عن ضرورة الحوار مع إسرائيل فهو يرى في الحوار ويصد أطماع الجوار حتى ولو أنه يميز بين إسرائيل الجارة العدوة وسوريا الجارة الشقيقة والتي يتجنب حاليا زيارتها.

نصر الله صفير: العلاقة حتى اليوم كانت علاقة بلدين متخاصمين عدوين وقد قامت إسرائيل بحملات عدائية للبنان فوجهت طائراتها وضربت الطرقات والسدود والجسور وما سوى ذلك، وهذه العلاقة لا تزال على ما هي ولم تتحسن إنما نعتقد أن البعض من بلدان المنطقة يريدون أو هم قد أقاموا علاقات مع إسرائيل خلافا للبنان.

سامي كليب: يعني من خلال وجهة نظرك الشخصية إسرائيل لا تزال بلدا عدوا الآن؟

نصر الله صفير: حتى اليوم هذا ما يظهر.

سامي كليب: تؤيد المفاوضات غير المباشرة معها من أجل خروجها مثلا من مزارع شبعا؟ خصوصا أنك تقول إن السياسة تستطيع أن تخرج إسرائيل من شبعا.

نصر الله صفير: نحن نتمنى أن يكون هناك محادثات وأن تعود الأمور إلى وضع طبيعي بحيث يعيش كل بلد في نطاق حدوده في أمان واستقلال وسلام.

[فاصل إعلاني]

الموقف من الساحة السياسية والعلاقات اللبنانية السورية

سامي كليب: وحين تقول إن المقاومة حق ولكن يجب اتباع أيضا طرق أخرى هي الطرق السياسية والسلمية والمفاوضات وما إلى ذلك، أعرف وجهة نظرك بالنسبة لما حصل مؤخرا في الداخل اللبناني حين قام حزب الله بالسيطرة على مدينة بيروت ودائما تطالب بنزع سلاح الحزب وكل أسلحة غير شرعية في لبنان ولكن يعني كتقييم عام لنضال الحزب ضد إسرائيل في السنوات العشرين أو الخمسة وعشرين الماضية، هل تقيمه تقييما إيجابيا يعني هل تعتقد أنه بفضل هذه المقاومة انسحبت إسرائيل من لبنان؟

نصر الله صفير: المقاومة ضد إسرائيل طبعا لها إيجابيات ولكن من يدري إذا كانت ستستعمل هذا السلاح الذي بيدها ضد اللبنانيين، ولذلك ليس بلدا في العالم فيه جيش للمقاومة وجيش للدولة، يجب أن يكون هناك جيش واحد.

سامي كليب: تؤيد ما قامت به المقاومة ضد إسرائيل؟

نصر الله صفير: نؤيد طبعا لكن يجب ألا يرتد هذا السلاح إلى اللبنانيين.

سامي كليب: لا، مفهوم هذه وجهة نظر مفهومة غبطة البطريرك، ولكن أنا أسألك على المستوى الشخصي يعني مثلا حين كنت تشاهد مقاتلا من حزب الله يدمر دبابة إسرائيلية على الأراضي اللبنانية بالنتيجة دبابة غازية يعني هل كنت تفرح مثلا؟

القتال لا يحل المشكلة لأن القتال متى ابتدأ فإن الخصم كما تهاجمه فبإمكانه أن يهاجمك والأمر لن ينتهي
نصر الله صفير: نحن ضد القتال، القتال لا يحل المشكلة لأن القتال متى ابتدأ فإن الخصم كما تهاجمه فبإمكانه أن يهاجمك ولذلك هذا لا ينتهي لازم أن يكون هناك تفاهم بطريقة أو بأخرى.

سامي كليب: إذاً يجب أن تكون هناك مفاوضات مع إسرائيل؟

نصر الله صفير: طبعا.

سامي كليب: في أواخر الثمانينيات تعرض الكاردينال صفير لإهانة مباشرة من رجال نسبوا إلى الجنرال ميشيل عون اقتحموا كنيسته بعد أن وصل خلافه مع الجنرال المتمرد آنذاك إلى حد القطيعة، تماما كما كان حاله في بعض المرات مع القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع. والكاردينال صفير الواضع كتابين بعنوان "من ينابع الإنجيل" و"غابة وجوه" والمترجم عدة كتب بينها كتاب "يسوع حياة النفس"، سعى جاهدا للسير بين نيران أحفاد المسيح خصوصا حين انجرّ البعض إلى أحلام التقسيم وإقامة الدويلات داخل الدولة وهو لذلك ناهض الاقتتال المسيحي المسيحي وانعزال المسيحيين.

نصر الله صفير:المسيحيون خلافا للطوائف الأخرى منقسمون على بعضهم وهذا شيء لا يدل على نية صالحة من قبلهم، نحن نتأمل أن يجمعوا صفوفهم وأن يكونوا كغيرهم من الطوائف في لبنان تلتف حول وطنهم لكي ينهضوا به.

سامي كليب: هناك طرفان الآن في الجانب المسيحي الماروني بارزان العماد ميشيل عون وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، حضرتك في مرحلة معينة اختلفت مع الرجلين كل واحد هاجمك بطريقته ميشيل عون دخل إلى قلب الكنيسة يعني أو على الأقل رجال اعتبروا تابعين للعماد ميشيل عون وحاولوا إهانتك شخصيا وإهانة البطريركية، والقوات اللبنانية أيضا في مرحلة معينة كتبت على غلاف مجلة "المسيرة" "صلبان من ذهب وصدور من خشب" وكانوا ينتقدونك، اليوم كيف تقيم تجربة الرجلين على الساحة المسيحية المارونية؟ تغير؟ هل أصبح أقل تشددا وأفضل للمسيحيين؟

نصر الله صفير: نسأل الله أن يغفر للجميع.

سامي كليب: لأنك بفترة معينة قلت إن ميشيل عون كان قاد مشروعا لشرذمة البلد والتقسيم، تغير؟

نصر الله صفير: يعني تغير، ليس لي أن أقيّم.

سامي كليب: يحافظ الكاردينال مار نصر الله صفير على صحته بشكل دقيق وفي الحفاظ عليها يسير مسافات طويلة كل يوم في الجبال بين أشجار الصنوبر والسنديان والأرز، ولو ارتفع في السير إلى قمة الجبل سيرى سوريا وإسرائيل ورغم قصر المسافة مع دمشق إلا أنه رافض زيارتها منذ سنوات حتى حين زارها بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولص الثاني. ولكن من يقرأ تاريخه سيجد أن علاقته الشخصية مع دمشق ومع الرئيس حافظ الأسد كانت في بعض المرات أكثر من حميمة، فلماذا تستمر مشكلته معها طالما انسحب جيشها من لبنان؟ وهذا كان مطلبه الملح.

نصر الله صفير: ليست مشكلتي وحدي هي مشكلة لبنان وسوريا، نحن نقول بأن لبنان وسوريا جاران طبيعيان ويجب أن يكون هناك تفاهم بين الجارين وتعاون، وهذا مرت فترات في التاريخ لم يكن قائما ولذلك نحن نود أن يكون قائما وأن يحترم الجار لجاره.

سامي كليب: ولكن كنت تشكو دائما حتى حين كان الآخرون في الواقع كثير من قادة الموالاة اليوم ربما يذهبون إلى سوريا ويعني يقررون في سوريا وتفرض القرارات هناك، كنت تقول إن المشكلة هي وجود أربعين ألف جندي سوري على الأراضي اللبنانية، طيب مثلا العماد ميشيل عون قال إنه بعد خروج القوات السورية انتهت المشكلة مع سوريا، اليوم ما هي المشكلة؟

نصر الله صفير: نحن نتمنى أن تكون المشكلة قد انتهت وأن يكون لبنان مستقل وأن تكون سوريا مستقلة ولكن ليس لهذا أو ذاك من البلدان أن يتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، هناك لبنانيون لهم علاقات مع سوريا تؤثر على وضعهم في لبنان وربما يكون السوريون أقل ولكن نحن نقول هذا القول وهو إن كلا البلدين مستقل ويجب أن يتصرف على هذا الأساس وأن يكون هناك تعاون بين البلدين في كل المجالات إنما في الأمور السياسية يجب ألا يطغى بلد على آخر.

سامي كليب: طيب غبطة البطريرك يعني ثمة ربما الكثير من المشاهدين العرب الذين سيحضرون هذه المقابلة دائما يسألون، طيب أن هناك اتهامات كثيرة مثلا لسوريا وحضرتك تقول إن بعض الأطراف اللبنانية ربما متأثرة بالسياسة السورية وطبعا تعني حزب الله تعني حركة أمل تعني ربما العماد ميشيل عون، بعض الأطراف الأخرى، ولكن كيف تجسد أو يجسد هذا التدخل السوري؟ مثلا منذ خروج سوريا من لبنان هل شعرت حضرتك، هل من أمثلة محسوسة أن سوريا فعلا تدخلت بالسياسة اللبنانية؟

نصر الله صفير: سوريا لها أتباعها في لبنان وهم يتدخلون ليس باسمها إنما ظاهرا وفاقعا فهم يتدخلون على أساس أنهم ينالون ما يرغبون بوساطة سورية يمثلون سوريا..

سامي كليب: كيف مثلا؟ اعطني مثلا واحدا.

نصر الله صفير: لا حاجة إلى إعطاء أمثلة فهي معروفة.

سامي كليب: معروفة ربما للمشاهد اللبناني ولكن ليس للمشاهد العربي، يعني سوف يقال إن هذه الاتهامات تأتي جزافا..

نصر الله صفير:(مقاطعا): ما هم يعرفون ذلك أحسن مما يعرفه اللبنانيون كذلك.

سامي كليب: بالمقابل يعني سمعنا بعض القيادات التي قالت صراحة إنها ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية تطالب بإسقاط النظام السوري يعني التدخل اللبناني بسوريا أيضا كبير.

نصر الله صفير: ربما، ربما لا أدري لا أريد أن أبرئ أحدا.

سامي كليب: في تدخل من الجانبين؟

نصر الله صفير: طبعا.

سامي كليب: طيب في العودة إلى هذه العلاقة بينك شخصيا وبين سوريا، حين تم انتخابك بطريركا، وفق ما تقول الوثائق إن المطران إبراهيم الحلو بادر للاتصال بالرئيس السوري حافظ الأسد يبلغه بأنك انتخبت، هل كنت تعلم بذلك؟ هل حضرتك طلبت منه أن يبادر للاتصال بالرئيس الأسد؟

نصر الله صفير: هو تدخل ولكن أعلمني بذلك ولم أمانع.

سامي كليب: قبل ولا بعد؟

نصر الله صفير: لا، قبل.

سامي كليب: آه طيب شو السبب؟ أنه شو كانت فكرتك للاتصال بالرئيس الأسد؟

نصر الله صفير: الفكرة هي أننا بلدان متجاوران وأن هناك طائفة مارونية كبيرة في سوريا وجرت العادة أن يكون هناك تبادل آراء.

سامي كليب: وفي حفل تنصيبك أيضا أرسل الرئيس حافظ الأسد وفدا برئاسة وزير الشؤون الخارجية، وفد كبير لتهنئتك كان يعني كانت البداية.. أنا أعود إلى هذا التاريخ لأقول إنه كانت البداية جيدة بينك وبين الرئيس الأسد.

نحن لسنا ضد سوريا نحن مع استقلال لبنان ومع استقلال سوريا وألا يكون تداخل بين البلدين بحيث يطغى بلد على بلد
نصر الله صفير: ولا تزال جيدة، نحن لسنا ضد سوريا نحن مع استقلال لبنان ومع استقلال سوريا وألا يكون تداخل بين البلدين بحيث يطغى بلد على بلد.

سامي كليب: لا تزال جيدة مع الرئيس بشار الأسد اليوم؟

نصر الله صفير: نعم لا أشعر أن هناك ما..

سامي كليب (مقاطعا): يعني في اتصال بينك وبينه؟

نصر الله صفير: لا اتصال إنما كان سابقا اتصالات ولكن الآن نحن نتمنى لهم كل خير.

سامي كليب: قرأت أنك حين زرت سوريا، طبعا حضرتك على ما يبدو زرت سوريا مرتين فقط عام 1962 و 1975 ومذاك لا تريد لأسباب حضرتك عرضتها مرارا وتقول إنه لا أريد أن أذهب لرحلة سياحية.

نصر الله صفير: زرت سوريا عندما كنت مطرانا وكنا نهتم بسوريا كانت طبعا.. ولكن لنا الآن مطران في دمشق ومطران في حلب ومطران في اللاذقية.

سامي كليب: زرت في 1962 و 1975 للغاية نفسها؟

نصر الله صفير: نعم زرنا نعم كنا نهتم بدمشق.



عن العلاقات التاريخية وتطورها بين سوريا ولبنان

سامي كليب: طبعا حضرتك في السنوات التي أعقبت ذلك كنت دائما تقول أنا لا أريد الذهاب برحلة سياحية إلى سوريا إن لم أحصل على نتائج لن أزورها، وفي الواقع لم تزرها، فيما زارها كل المسؤولين اللبنانيين حتى الذين كانوا أعداء لسوريا في مرحلة معينة. ولكن لفتني بلقائك مع الرئيس حافظ الأسد عام 1975 أنك قلت له ما يلي -حصل لقاء بحزيران 1975 وزرت للمشاركة طبعا بجنازة لأنه أرسل وفدا للمشاركة بجنازة البطريرك المعوشي آنذاك في لبنان- قلت له للرئيس الأسد، نحن مدينون لسوريا بمنشئنا فمار مارون عاش قرب حلب ومؤسسوا رهبانيتنا في أواخر القرن السابع عشر هم سوريون، كما أن العلاقات بين الموارنة والبطريركية على الأخص مع سوريا طيبة جدا. سؤالي عن مار مارون لأنه طبعا حكي الكثير عنه وطبعا من يود أن يعترض على الدور الماروني في لبنان يقول طيب ما هم في الأصل سوريون، يعني مار مارون سوري، بالنتيجة هل تعتبر نفسك بطريرك الموارنة سوري ولبناني في آن؟

نصر الله صفير: تتغير الخريطة فهناك بلدان خسرت استقلالها وهناك بلدان حصلت على استقلال جديد وقبلا عندما كانت تركيا في هذا البلد ظلت أربعمائة سنة ولكن جاء الفرنسيون ولبنان حصل على استقلاله كما سوريا حصلت على الاستقلال فالتداخل ليس له من مجال ونحن قلنا..

سامي كليب (مقاطعا): يعني حضرتك غبطة البطريرك المولود عام 1920 أول تذكرة كانت عندك شو كان مكتوب عليها؟ لبناني؟ تركي؟ سوري؟

نصر الله صفير: لا، لبناني أعتقد لبناني.

سامي كليب: من 1920؟

نصر الله صفير: إيه صار 1920 أتى الفرنسيون.

سامي كليب: طبعا الكثير عاب على فرنسا وبريطانيا التقسيم تقسيم سايكس بيكو، هل كان هذا التقسيم برأيك من وجهة نظرك لصالح لبنان؟

لبنان انفصل عن تركيا وأصبح له كيان وحده، وفرنسا هي التي قادت لبنان سنة 1943 إلى الاستقلال وهذه نقطة تاريخية لا يمكن إنكارها
نصر الله صفير: في وقتها كان التقسيم كذا انفصل لبنان عن تركيا وأصبح له كيان وحده، وفرنسا هي التي قادت لبنان إلى سنة 1943 إلى الاستقلال وهذه نقطة تاريخية لا يمكن إنكارها.

سامي كليب: كانت إيجابية آنذاك؟

نصر الله صفير: كانت إيجابية، في وقتها كانت إيجابية وإنما انتهى الأمر طبعا وعندما طالب اللبنانيون بالاستقلال وانسحب الفرنسيون وانكفؤوا.

سامي كليب: طبعا أسألك لأنه على ما يبدو في هذا الحوار الطويل الذي جرى مع الرئيس الأسد عام 1975 هو استعرض هذا التاريخ وقال إن سايكس بيكو قسم البلدين وإن نحن شعبان في بلد واحد أو شعب واحد في دولتين بالأحرى وإن عاب عليكم وأنتم جالسون أمامه على الموارنة الابتعاد عن العرب والعروبة.

نصر الله صفير: نحن لم نبتعد عن العرب والعروبة إنما كما قلنا كانت تركيا هي البلد المسيطر على كل المنطقة وكان هناك سوريا وكانت لبنان، ولكن عندما جاء الفرنسيون أعطوا لبنان كيانا موحدا وأعطوا أيضا سوريا كيانا موحدا ولذلك كان الاستقلال للبنان ولسوريا في وقت معا.

سامي كليب: ولكن في ذاك اللقاء هل سألته ماذا يريد من لبنان؟ هل سألت الرئيس الأسد ماذا يريد من لبنان؟

نصر الله صفير: لا أذكر ماذا قلت يوم ذاك وإنما تحدثنا في الأمور الجارية يوم ذاك.

سامي كليب: هل فهمت في خلال تجربتك غبطة البطريرك ماذا تريد سوريا من لبنان؟

نصر الله صفير: سوريا، لبنان، طبعا هي سوريا بلد أكبر من لبنان وهذا شأن كل بلد، بلد كبير وبلد صغير يتداخلوا يتدخل الكبير في أمور الصغير ولكن نحن هناك في العالم بلدان كثيرة صغيرة الحجم وعدد السكان ولكن هذا لا ينفي أنها مستقلة.

سامي كليب: ما جاوبت.

نصر الله صفير: نعم؟

سامي كليب: ما جاوبتني غبطة البطريرك، يعني فهمت شو بدها سوريا من لبنان على مدى كل هذه السنوات؟

نصر الله صفير: لا أدري ماذا تريد سوريا من لبنان منذ زمن بعيد وأنت تعرف ذلك.

سامي كليب: ولكن قلت في تصريحات سابقة إنها تريد أراضي من لبنان تريد ضم أراضي.

نصر الله صفير: تريد السيطرة على لبنان طبعا السيطرة على لبنان نحن ما دمنا بلدا مستقلا فإننا راضون باستقلالنا ولا نريد أن ننضم لا إلى مصر ولا إلى سوريا.

سامي كليب: الرئيس الأسد في ذلك اللقاء عام 1975 لماذا أريد لبنان؟ لا عندكم لا نفط ولا معادن ولا أي شيء آخر.

نصر الله صفير: نعم وهذا ما يحير، ليس في لبنان ما يثير المطامع ولكنهم هم طامعون فيه.

سامي كليب: اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان أسس لشبه قطيعة لبنانية سورية وثار الكثير من الحلفاء السابقين لسوريا ضدها رغم أن جلهم استفاد منها طويلا، ولكن الكاردينال صفير بقي أكثر حذرا ولم يحمل سوريا مسؤولية الاغتيال.

نصر الله صفير:لا يمكنني أنا أن أصدر حكما بذلك هناك قضاء عليه بأن يقول الحقيقة.

سامي كليب: كنتم دائما معارضين للوجود السوري في لبنان، العسكري.

نصر الله صفير: نحن نقول إن الوجود السوري في لبنان هو في غير محله لأن سوريا طغت على لبنان وكان الجيش السوري هو الآمر والناهي في أمور كثيرة تخص اللبنانيين ولذلك نحن كنا نعارض هذا..

سامي كليب: أسألك لأنه في مجلس المطارنة الموارنة الذي التأم في 4 آذار عام 1987 بعد دخول القوات السورية مرة جديدة إلى لبنان، تمنى المجلس -وكان لافتا آنذاك- على الجيش السوري تحقيق الهدف الذي جاء من أجله أصلا إلى لبنان أي منع التقسيم وإعادة السلام إليه، يعني وكأنه كان للمرة الأولى هناك قبول لهذا الدور العسكري السوري في لبنان طبعا لمنع التقسيم والسلام.

نصر الله صفير: ليس قبولا وإنما على ما أذكر دخل الجيش السوري ويجب أن يكون له مهمة والمهمة هي منع التقسيم في لبنان.

سامي كليب: صحيح أن ابن قائد القوات العسكرية السورية في لبنان آنذاك غازي كنعان، اسمه نضال، جاءك يوما بهدية عام 2003 على ما أعتقد.

نصر الله صفير: ربما جاء وزار قلت لا أذكر..

سامي كليب: جاء لتهنئتك بعيد الميلاد عيد ميلادك.

نصر الله صفير: ربما، ربما يكون قد جاء.

سامي كليب: طيب اليوم علاقتك بالرئيس بشار الأسد كيف يمكن أن نصنفها؟ علاقة انتظار ما قد يستجد؟ هل مثلا ممانعتك السابقة بزيارة سوريا، ربما اليوم قد تجد سببا وجيها للقيام بها مثلا؟

نصر الله صفير: نحن نقوم بزيارة أي بلد آخر إذا ما تكون إذا كانت العلاقات بين هذا البلد وبلدنا مستقيمة وحتى الآن لا مانع من أن نزور سوريا وإنما يجب أن تتوضح الأمور ويقال إن هناك سيكون تبادل سفراء بين لبنان وسوريا وسترسم الحدود وما سوى ذلك فإذا تم ذلك فلا يعود هناك من مجال إلى أي اعتراض.

سامي كليب: في التاريخ كنت في طليعة من طالب بإقامة سفارة سورية بلبنان وسفارة لبنانية في سوريا، قلت ذلك في خطاب لك عام 2000 وقامت قيامة الكثير من الأطراف التي أصبحت فيما بعد في الطرف الآخر ضد سوريا قامت قيامتهم عليك، هل تصدق غبطة البطريرك أن يوما ما ستقوم سفارة سورية في لبنان؟ سيأتي سفير سوري إلى هنا؟

نصر الله صفير: هذه هي حال كل بلد مستقل فيكون له سفارة مع البلدان التي يتعاطى معها ولبنان له سفارات في كل العالم مع البلدان التي يتعاطى معها، لماذا لا يكون هناك سفارة بين لبنان وسوريا ما دام البلدان مستقلين؟

سامي كليب: من منطلق هذا الاستقلال غالبا ما كان الكاردينال المسيحي الماروني اللبناني مار نصر الله صفير يناهض كل عمليات التجنيس التي جرت في السنوات الأخيرة للوجود السوري في لبنان، فهل يخشى على لبنان من التجنيس فقط؟ أم من احتمال أن يتخطى عدد المسلمين المسيحيين.

نصر الله صفير: طبعا عندما يدخل أناس غير لبنانيين ويصبحون لبنانيين ولا علاقة لهم بلبنان فهذا لا يساعد اللبنانيين على المحافظة على بلدهم، ولذلك قلنا عندما يكون هناك مشروع تجنيس يجب أن يدرس عن قرب وعن كثب لكي يكون لهذا التجنيس معنى. نحن نقول إن التجنيس إذا كان طالبوا التجنيس يستحقونه فيجب أن يجنسوا أما إذا كانوا طارئين على لبنان وجنسوا فهناك نية في تغيير الاتجاه الديمقراطي في لبنان وهذا شيء سيء.

سامي كليب: آنذاك رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط قال إنه صار في الكسليك مكان مختبر لفحص دم المجنسين وانتقد طبعا ما قلته وانتقدوك وانتقدك الكثيرون. في التركيبة الداخلية طبعا أي دولة تقول لك نحن نمنح جنسيات لأجانب يقيمون على أرضنا أميركا تمنح، فرنسا تمنح، أوروبا تمنح يعني ما هو الضرر؟ ما هو الخوف؟ أو هل هو خوف فقط على المسيحي أو على لبنان بشكل عام؟

نصر الله صفير: تمنح الذين يستحقون هذه الجنسية وليس عشوائيا، عندما يأتي أناس إلى لبنان ويجنسون وهم يأتون لتخريب لبنان فليس في هذا شيء حسن.

سامي كليب: من أي طرف؟

نصر الله صفير: أي طرف يأتون إلى بلد لكي يخربوا لبنان.

سامي كليب: شو يعني؟ طرف سوري وإلا فلسطيني؟

نصر الله صفير: لا فرق إن كانت سوريا أو فلسطين أو غير ذلك.

سامي كليب: طيب كيف بتعرف أنه بيخربوا لبنان بلكي لمصلحة لبنان؟

نصر الله صفير: من مسلكهم يعرف، من مسلكهم تعرف ذلك.

سامي كليب: في أمثلة محددة، مثال محدد؟

نصر الله صفير: لا ليس عليه أمثلة إنما الذي يأتي عن حسن نية ويريد أن يساهم في إعمار البلد أهلا وسهلا به ولكن عندما يريد أن يخرب البلد وينال الجنسية فهذا طبعا غير محمود.

سامي كليب: لأن البعض رد آنذاك أنه في بعض العائلات الفلسطينية المسيحية تجنست وباتت جزءا من هذا المجتمع اللبناني وحتى ما عاد حدا يعرف أنه كان أصلها فلسطيني.

نصر الله صفير: آه يعني.. أقوال كثيرة.

سامي كليب: جاءك العديد من الفلسطينيين إلى هنا يطلبون مساعدتك بالنسبة للمخيمات الفلسطينية، والرئيس ياسر عرفات رحمه الله أيضا التقيت به أكثر من مرة وبعتقد قد يكون من آخر اللقاءات في الجزائر حين زارك مداهما مقرك وأهداك على ما يبدو شيئا من القدس، هل ساعدت المخيمات الفلسطينية هنا في لبنان غبطة البطريرك؟ يعني هل استطعت أن تقدم لهم شيئا؟ خصوصا أن هذه مشكلة قائمة، لا العودة واردة في الوقت الحاضر ولا هم يستطيعون العيش في المجتمع اللبناني نظرا للظروف القاسية.

نصر الله صفير: هم موجودون في لبنان ويعيشون كسائر الناس وعندما هوجم المخيم في طرابلس فهم يعيدون إعماره لكي يسكنوا هذا المخيم، ولكن الفلسطينيين هم يقولون إنهم يريدون أن يعودوا إلى وطنهم فلسطين.

سامي كليب: حين شارف الحديث على انتهائه مع الكاردينال مار نصر الله صفير كان أبناء رعيته قد بدؤوا بالتوافد إلى مقره الصيفي في الديمان، فهو ورغم بلوغه 88 من العمر يوحي بأنه في مقتبل عمره الروحي والسياسي ولكن منذ فترة بدأ البعض يسأل عن احتمال تحنيه عن منصبه، فهل يفكر بذلك؟

نصر الله صفير:  هذا أمر كما قلنا تمليه الظروف الراهنة.

سامي كليب: هو خاضع لإرادتك ولا لأسباب أخرى؟

نصر الله صفير:لإرادتي ولإرادة القدسي الرسول أيضا والمجموعة المطارنة المجلس البطريركي.

سامي كليب: ولكن هو عادة يعني قانونا ممكن تبقى مدى الحياة.

نصر الله صفير: نعم.

سامي كليب: قال لي الكاردينال مار نصر الله صفير في ختام هذا الحوار إنه كتب مذكراته ولكنه لم ينشرها بعد ونشر بعضها في كتاب وضعه الزميل انطوان سعد، فهل سيقول يوما كل ما يعرف؟ ربما نعم وربما لا، ولكن الأكيد أن سيرته ستبقى واحدة من أهم سير رجال الدين، لا بل والسياسة، خصوصا السياسة في لبنان.