- الجذور العائلية والصفات والميول الشخصية
- العمل الطلابي وتفتح الوعي السياسي
- النضال في إطار الحركة الإسلامية
- عن الثورة الإيرانية والحركة الإسلامية السودانية
- الموقف والذائقة الفنية والأدبية

سامي كليب
غازي صلاح الدين
سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى الخرطوم. ضيفنا يعتبر أحد منظري الحركة الإسلامية في السودان، بدأ حياته في العمل بالزراعة مع والده ودرس الطب في بريطانيا قبل أن يصبح مستشارا لرئيس الجمهورية وتولى ملف السلام في السودان. يعتبر اليوم أيضا أحد المطالبين بتحديث الحركة الإسلامية. كل هذا التاريخ السوداني الحديث نستعرضه مع المستشار الرئاسي الدكتور غازي صلاح الدين العتباني.

غازي صلاح الدين العتباني: يمكن للسودان طبعا أن يتفتت يمكن أن يتمزق هذا كله وارد خاصة وأنه ضخم ومترامي الأطراف ولكن هذا يعتمد على حكمة القيادة التي تقوده. وأعتقد لو كان من شيء يسجل للتجربة الحاكمة هي أنها حافظت على السودان حتى الآن في ظل ظروف كلها تؤدي إلى التمزيق.

الجذور العائلية والصفات والميول الشخصية

سامي كليب: حين يعبر صلاح الدين العتباني عن قلقه من احتمال تفتت السودان فإن الأمر يستحق الاهتمام. الرجل هو من قلب النظام وليس معارضا، هو الطالب الناشط في صفوف الإسلاميين في صباه والوزير الذي تولى شؤون الإعلام والثقافة لاحقا والمستشار الرئاسي حاليا وهو في طليعة من كلفوا بملف السلام مع الجنوب المتمرد، والقيادي الإسلامي الذي يرأس حاليا الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم، والسياسي المحنك الذي تعرف على كبار قادة ومسؤولي العالم. وإن شئتم المزيد فلنبدأ القصة من أولها فصلاح الدين العتباني المولود عام 1951 هو ابن عائلة انتقلت من أم درمان إلى الريف حيث كان والده يعمل فيما كان يسمى بمشروع الجزيرة الزراعي.

غازي صلاح الدين العتباني: الطفولة كلها النشأة السنوات الأولى هي في مشروع الجزيرة. الوالد كان موظفا يعني من الذين سودنوا الوظائف التي كان يشغلها الإنجليز، بدأت السودنة في حوالي في بداية الخمسينات..

سامي كليب (مقاطعا): السودنة لمن لا يعرف، تعني نقل الوظائف من الإنجليز إلى السودانيين.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): كجزء من عملية إزالة الاستعمار. وتولى الموظفون السودانيون المناصب وذهبوا بعائلاتهم. وكانت الحقيقة الحياة بالنسبة له، للموظف، مميزة جدا، كان يتلقى راتبا عاليا وكان يسكن في مساحة عشرة فدان من الأرض، له سيارة أو سيارتين، موظف عادي يعني، فيمكن أن تسميها حياة كانت ميسرة إلى حد كبير رغم أنها في الريف. الأسرة أصلا أسرة مهنيين وعلماء يعني أساتذة جامعات، محامين..

سامي كليب (مقاطعا): وموظفين قسم لا بأس به.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): وموظفين قسم لا بأس به. بعضهم تجار مثل بعض جدودنا يعني، لكن الغالبية منهم يروحوا في الجانب المهني أكثر وعرف منهم محامون عرف منهم أطباء عرف منهم مهندسون.

سامي كليب: ولكن حسب ما عرفت يعني بمعلوماتي المتواضعة عن العائلة أنك أحد الأوائل الذين برزوا فعلا ووصلوا إلى هذا المنصب الذي وصلت إليه، يعني العائلة لم تعرف الكثير من الزعماء أو المسؤولين الكبار في السودان.

غازي صلاح الدين العتباني: كانوا يشاركون في الحركة الاتحادية، وعدد من الأعمام كانوا يشاركون في الحركة الاتحادية.

سامي كليب: رغم أن الطبيعي يكونوا مع الأنصار.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، الطبيعي أن يكونوا مع الاتحاديين لأن الأصول القديمة تدفعهم للاتجاه نحو مصر، والحركة نفسها نشأت في المجتمع الحضري وهم كانوا حضريين يعني أكثر منهم ريفيين، وبالتالي فكانوا في المؤتمر في بيجين وكانوا في بداية الحركة الاتحادية. أحد أعمامي كان هو المستشار القانوني لحكومة السودان في صبيحة الاستقلال هو أحمد متولي العتباني. بعضهم عمل في العمل الصحفي، من أقدم الصحف عندنا في السودان صحيفة الرأي العام السودانية تأسست عام 1945 هذه أسسها إسماعيل العتباني الذي ما يزال حيا..

سامي كليب (مقاطعا): من هنا النزوع عندك للكتابة أيضا يعني في...

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): نعم، أنا أعتقد أن الوالد توفي صغيرا في السن نسبيا حوالي 45 سنة، هو يعني رجل كان مرحا يحب الفكاهة والمرح كان يكتب موضوعات خفيفة في الرأي العام الصحيفة التي كانت تعتبر صحيفة الأسرة..

سامي كليب (مقاطعا): على ذكر الجد والمرح، يعني دائما أنت موصوف بالجد، الكثير من الجد، ولكن على ما يبدو أن شخصيتك تماما مغايرة للصورة التي تعطى في وسائل الإعلام.

غازي صلاح الدين العتباني: حقيقة أنا أختلف عن والدي جدا فيما يروى، أنا لما توفي والدي عمري 13 سنة، بس الذي يروى عنه أنه كان محبا للمرح جدا واجتماعيا للغاية. أنا يعني في قدر من الصرامة، يمكن التربية يمكن مأساة اليتم يمكن التجربة السياسية والسجون والتشريد...

سامي كليب (مقاطعا): حتى قبل السجون، يعني من يقرأ ما كتب عنك أو ما رويت حضرتك في مراحل معينة يعني يشعر بنوع من الانطواء والانزواء في الطفولة والميل إلى عدم اللعب يعني الميل إلى الجد...

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): نعم، الخلوة والوحدة. هذه أقرب في والدتي، يعني أنا أعتقد أن الطبع من والدتي كان أقوى تأثيرا علي فأميل إلى الوحدة. حتى هذه اللحظة أنا أحب الخلوة والقراءة في الخلوة جدا، فهنالك تباين غريب يعني أن الابن يختلف عن والده بصورة.. لكن..

سامي كليب (مقاطعا): رغم ذلك لك شطحات في المرح جيدة يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: أحب الفكاهة جدا. يعني على المستوى الشخصي من أكثر الأشياء التي أتابعها وأقرؤها الكتب التي فيها باب الفكاهة الراقية فكاهة المواقف وليس فكاهة الحركات يعني.

سامي كليب: طيب دكتور غازي صلاح الدين العتباني يعني معروف أنه في بعض المحطات أثرت طبعا في حياتك وتجربتك. طبعا تجربة اليتم كانت أساسية في تكوين الشخصية، ولكن في التجربة السياسية يعني وفق حضرتك ما قلت في بعض المحطات خصوصا المقابلات أنه عام 1967 الهزيمة الكبيرة شكلت نكسة حتى شخصية رغم أنك كنت صغير السن يعني أنه حضرتك مولود عام 1951 للـ 1967 يعني 15 سنة تقريبا، 15 أو 16.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني في بداية وعيي السياسي، يا دوب ما ابتديت أعي السياسة وأفهم وآنذاك كانت التجربة الناصرية هي المسيطرة في العالم العربي..

سامي كليب (مقاطعا): أعجبت فيها؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أعجبت جدا بها، لأنني كنت أسمع مع الوالد وكنت أرى كل الجيل الذي يمثل جيل الوالد يستمعون إلى المذياع، وما كان أحد يسمع آنذاك لندن أو صوت أميركا وإنما السماع كله لصوت العرب، ويجلسون ساعات يستمعون إلى خطب عبد الناصر والخطب كانت معبرة وملهمة إلى حد كبير ومتوعدة لإسرائيل، ولذلك وجدنا أنفسنا في حالة شد ووعي مبكر جدا بقضيتنا أو بقضية الهوية والصراع العالمي آنذاك..

سامي كليب (مقاطعا): حتى أثناء خلافه مع الأخوان المسلمين، بقيت معجبا به؟

غازي صلاح الدين العتباني: الوقت ذاك أنا لم أكن ملتزما في حركة إسلامية ولكن كنت متدينا على المستوى الشخصي، يعني في سلوكي الشخصي في أفكاري. ولكن عبد الناصر كان ملهِما..

سامي كليب (مقاطعا): لم تكن متدينا كيف؟

غازي صلاح الدين العتباني: كنت متدينا، يعني كنت متدينا في التزامي بالصلوات التزامي بالسلوك الشرعي ولكنني لم أكن منظما سياسيا لم تكن لدي وجهة سياسية. ولذلك..

سامي كليب (مقاطعا): لم تنتم مطلقا إلى حركة الأخوان المسلمين؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): في ذلك الوقت لم.

سامي كليب: ولاحقا؟

غازي صلاح الدين العتباني: لاحقا طبعا انتميت.

سامي كليب (مقاطعا): إلى الأخوان؟

غازي صلاح الدين العتباني: إلى الأخوان، هي كانت اسمها الأخوان وبعدين أصبح اسمها الحركة الإسلامية وتسمت بأسماء مختلفة.

سامي كليب (مقاطعا): لأنه حصل في الواقع، معلش اسمح لي بالمقاطعة، حصل جدل كبير حول أيضا انتماء أو عدم انتماء الدكتور حسن الترابي إلى الأخوان المسلمين، ثمة من يؤكد ومنهم أحد مؤسسي حركة الأخوان المسلمين هنا الدكتور صادق عبد المجد عبد الله وهو ينفي في مرات عديدة أنه انتمى للأخوان.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني هذا يحتاج إلى توجيه أكثر وتفسير، هو ظللنا نحن في السودان نقول إن حركة عندها أصالة وليست جزء من التنظيم العالمي، يعني كانت هذه واحدة من الجدليات التي أثارت الكثير من النقاش...

سامي كليب (مقاطعا): أنها تحمل فكر الأخوان ولكن ليست تابعة للشيخ حسن البنا.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): ولكن الترابي كان يصر على أنها لها خصوصيتها حتى في فقهها وفي نظرتها للأمور والسياسة تختلف عن حركة الأخوان المسلمين. ولكن الاتصال بحركة الأخوان المسلمين من حيث الأفكار من حيث الإعجاب بتجربة البنا تحديدا والطريقة التي قتل بها واستشهد بها في نهاية حياته كانت ملهمة لكثير جدا من الأجيال هنا خاصة بعد 67. الـ 67 شكلت نقطة انتقال ليس بالنسبة لي، ولكن أنا عندما أرجع بالذاكرة إلى تلك الفترة أعتقد..

سامي كليب (مقاطعا): أين كنت تحديدا؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): كنت في المدرسة الثانوية..

سامي كليب (مقاطعا): وكيف عشت الصدمة حين تتحدث عن صدمة شخصية ونفسية؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): كنا معبئين جدا بأن الجيوش العربية ستكتسح إسرائيل وتلقي بها في عمق البحر، وكنا نصدق ذلك لأن الإعلام كان يقول ذلك..

سامي كليب (مقاطعا): وطبعا والإعلام المصري.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): ولذلك وكنا نتابع البيانات التي تصدر من صوت العرب والبيانات التي كانت تصدر من رئاسة الوزراء عندنا، كان المرحوم محمد أحمد محجوب يطل علينا من خلال المذياع آنذاك يعني كان المذياع أكثر من التلفاز ويقول إنه تلقى اتصالا مثلا من الرئيس عبد الناصر وأن مائة طائرة قد أسقطت وأن مائتين قد أسقطت وكنا مشدوهين يعني ومعبئين جدا ونظن أن النهاية قد قربت وفجأة نكتشف أن الحقائق هي شيء مناقض تماما لذلك، فكانت الصدمة في أساسيات التفكير يعني..

سامي كليب (مقاطعا): طيب كيف عبرت عن الفرح والصدمة في هذه الحالة؟ يعني الفرح بالمعلومات الخاطئة التي كانت تصل ثم الصدمة حين تبينت النتائج بأن إسرائيل اكتسحت الطيران المصري عن غفلة وبشكل سريع؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني هو بيني وبينك أي إنسان عنده ملكات منطقية كان يحس بأن هناك مبالغات في البيانات العسكرية المصرية والعربية عموما.

سامي كليب: إي، بس 16 سنة يعني كان الواحد فكره بعده في بدايته.

غازي صلاح الدين العتباني: أيوه، وبعدين أنت بتكون في هذه السن مثالي ومتطلع ومتفائل لأنك لم تجابه الكثير من الخيبات في حياتك، طبعا الإنسان كلما تقدم به العمر يصبح أقل دهشة. فلكن أنت هنا معرض للدهشة لأنك صدّيق يعني الإنسان صدّيق في هذه السن يصدق ما يقال له، ولكن كنت أحس بأن هنالك شيء غير منطقي يعني..

سامي كليب (مقاطعا): وطيب حين حصلت النكسة، يعني ثمة من بكى من العرب ثمة من تظاهر ثمة من دعا بإسقاط عبد الناصر؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني أنا لم أبك، ولكن أحبطت إحباطا شديدا، وبعدين الغريبة أن ردة الفعل في الشارع العربي كانت هي الحزن الشديد على استقالة عبد الناصر، وأنا كنت أيضا حزينا رغم إيماني واعتقادي بأنه هو جزء لا يتجزأ من النكسة ولكن كان هنالك محاولة تشبث بأمل يعني بقشة، كل الشعب العربي كان يحاول أن يتشبث بقشة، وكأنما هو برز بخطابه..

سامي كليب (مقاطعا): يمكن القول دكتور غازي إن هذه كانت بداية تفتحك على السياسة الفعلية العربية، وعيك للسياسة العربية، للبعد الإسلامي أيضا للأمور؟

غازي صلاح الدين العتباني: انكشفت أمامي حقائق كأنما الإنسان كشف له عن الغيب يعني، يعني فجأة أنت في هذه السن وفجأة تصدم بهذه الصورة الدرامية بحقائق أنت كنت منطو على خلافها تماما، يعني كنت تعتقد خلافها تماما، وفجأة تجلت أمامك الحقائق وبضوء باهر جدا، فكانت ردة الفعل اللحظية الظرفية طبعا كانت هي الإحباط والإحساس بالغضب بعد قليل والإحساس بالخيانة ولماذا غرر بنا. وبدأ.. أنا أعتقد أن الاستجابة التي حدثت عندي استجابة حدثت عن الجيل الذي أمثله وحتى الجيل الأكبر منا بنفس الصورة أنه لا بد من مراجعات، كيف حدث هذا؟! وأنا في الحقيقة أعتقد أنه في الرسم البياني لصعود الحركة الإسلامية ويمكن انخفاض الحركة القومية العربية اليسارية والناصرية على وجه التحديد الـ 67 كانت لحظة فارقة يعني بدأ البحث عن بديل أن كل الذي يقال لنا وأن كل هذه الأنظمة غير ذات جدوى..



العمل الطلابي وتفتح الوعي السياسي

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال، يعني لو سمحت لي طبعا في المحطة الثانية طبعا سوف نتوقف عند بعض ما كتبت حضرتك في تحليلك الجيد يعني والتاريخي لكل هذه المحطات القومية العربية بما فيها الناصرية يعني وتشدد كثيرا على الوعي الجماهيري على الثقافة على الابتعاد عن الشعارات يعني والدخول في صلب المجتمع، سنعود إلى ذلك بعد قليل. المحطة الثانية في حياتك حسب ما فهمت يعني بعد الـ 67 كانت في بداية السبعينات يعني 71، 73، 76، عرف السودان آنذاك خضات كثيرة وكان للطلاب دور كبير، كنت انتقلت مع العائلة من الريف مرة ثانية إلى الخرطوم وبدأت دراسة هنا في الجامعة دراسة الطب التي أكملتها فيما بعد في بريطانيا، وفهمت أنك اعتقلت ثلاث مرات أيام العمل الطلابي، يعني ولو بشكل عابر كيف عشت هذه المرحلة من الخضات في السودان والمرحلة الطلابية تحديدا؟

غازي صلاح الدين العتباني: نحن كنا في قيادة العمل الطلابي كنا في التيار الإسلامي في داخل الجامعة كان التيار الإسلامي هو الغالب وبالتالي كان طبيعيا أن..

سامي كليب (مقاطعا): كنت انتميت إلى التيار الإسلامي؟

غازي صلاح الدين العتباني: آه كنت انتميت في بداية الجامعة.

سامي كليب: عبر من؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني عبر المناشط العامة التي كانت مفتوحة آنذاك، ولكن أقرب الشخصيات بالنسبة لي كان في دفعتي هو المرحوم مجذوب الخليفة الذي توفي قبل شهور قليلة في حادث سير، كان مسؤولا عن ملف دارفور، معروف بالنسبة للمشاهدين ربما. ولكن كنا في قيادة الطلاب وكانت بالنسبة لنا التجربة المايوية في بداياتها لأنها جاءت بوجه ماركسي صارخ، كانت..

سامي كليب (مقاطعا): قرأت الماركسية، قرأت كتب ماركس؟

غازي صلاح الدين العتباني: قرأت، أقرأ وأنا حتى عندي آراء، يعني قلت ليس كل ما قاله ماركس خطأ، يعني لا بد أن نتلقى الحكمة من أي مكان جاءت يعني، لكن طبعا..

سامي كليب (مقاطعا): طبعا، يقدر لك كمسؤول إسلامي خصوصا وأنك كمان ركزت على الجانب الثقافي في تجربة كارل ماركس والسياسة..

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أيوه، يعني مقولة ماركس في أن الفلاسفة اهتموا بتفسير التاريخ ولكن المهم هو تغييره. هذا شيء أتفق معه تماما، نحن لسنا معنيين بتفسير التاريخ ولكن أن نغير التاريخ. فالحركة السياسية كانت في الجامعات مسيطر عليها تماما بإرادة حرة من الطلاب يعني التيار الإسلامي وآنذاك كنا في قيادة الطلاب وكان بالنسبة لنا التجربة الحكومية، آنذاك الحكومة كانت في بدايتها لأن الحزب الشيوعي كان جزءا لا يتجزأ من الانقلاب فكان وجهها ماركسيا في البداية فكان مستفزا جدا لنا، فكان المطلب بالنسبة لنا هو الإطاحة بالحكومة، ولذلك دخلنا..

سامي كليب (مقاطعا): لم تعجب مطلقا بالتجربة اليسارية الماركسية؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، طبعا من اطلاعي وقطعا الآن لو سألتني أعقد لك مقارنات بين الاتحاد السوفياتي وبين التجربة الغربية لا شك أن هنالك أشياء تحسب للتجربة الماركسية.

سامي كليب: يقول الدكتور الدكتور صلاح الدين العتباني دون مواربة إن ثمة أشياء تحسب في التجربة الماركسية ولها. وهذا جزء من شخصية هذا القيادي الإسلامي الذي قد يفاجئ محادثه بين وقت وآخر بالتعبير عن آراء تقطع مع معهود السياسي المتدين. أهي بريطانيا التي درس فيها الطب تقف خلف بذور الانفتاح أم القراءات المتعددة الاتجاهات التي اختارها لنفسه أم طبيعة السودان الذي يفهم الإسلام على أنه دين تسامح وانفتاح لا دين تشدد وأصولية؟

"
العمل السياسي الداخلي تجابهه معضلات حقيقية سواء على صعيد الساحة الوطنية العامة أو الساحة الإسلامية الخاصة
"
غازي صلاح الدين العتباني:
"يمر السودان بمنعطف هام سيحدد مصيره ويملي مستقبل أبنائه مجتمعين وأفرادا فاتفاقيات السلام تعيد تشكيل البلاد بصورة جذرية والعلاقات والتحالفات التي تنشأ في ظل هذا الواقع الجديد ليست بواضحة المعالم ولا مؤكدة الخواتيم ويجري هذا في وقت طغت فيه رؤية مستفردة للنظام الدولي تنحو باستمرار إلى فرض صيغها ووصفاتها العلاجية بأسلوب يلغي مفاهيم السيادة الوطنية التي سادت النظام الدولي القديم، وليست السودان بمفازة من هذه الإرادة الجديدة، ومساحة العمل والمبادرة تتقلص أمام الدولة بسبب تلك التحولات الجذرية. ثم إن تجربة العمل السياسي الداخلي تجابهها معضلات حقيقية سواء على صعيد الساحة الوطنية العامة أو الساحة الإسلامية الخاصة، في هذا السياق ترمي هذه الورقة إلى المساهمة بابتدار النقاش في مواضيع شتى تتعلق بالعمل الوطني وقضاياه وواجباته الملحة مع تركيز خاص على العمل الإسلامي استنادا إلى خصوصية التكليف والمسؤولية التي تناط به في هذه المرحلة".

سامي كليب: هذه الآراء المنفتحة والحاملة كثيرا من اتجاهات الحداثة تجد من يعيدها إلى تأثر غازي صلاح الدين العتباني بأستاذه الأول في السياسة والانفتاح الدكتور حسن الترابي رائد الحركة الإسلامية الحديثة في السودان. وهو لا يعترض على وصفه بأبرز تلامذة الترابي وسوف يشرح لنا في الحلقة المقبلة أين ولماذا اختلف النظام مع الترابي وأسباب الانشقاق. وكان العتباني قد تعرض كما الترابي وبقية أركان الحركة الإسلامية إلى الملاحقة والسجن في العهود التي سبقت وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة وخصوصا في عهدي جعفر النميري والصادق المهدي. فهل أهين أم ضرب آنذاك؟

غازي صلاح الدين العتباني: لم توجه لنا يعني إهانات شخصية، لم نضرب، لم نعذب، وأعتقد أن كما يقول بعض السياسيين أن الموروث الاجتماعي السوداني كما يقول السيد الصادق المهدي دائما كان عاصما يعني لأن هذه الأشياء غير مقبولة في المجتمع السوداني.

سامي كليب: تبتسم حين تتحدث عن الصادق المهدي، لا يعجبك ما يقول؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، أبدا. هو من المثقفين المرموقين في هذا البلد ورجل له ميزات. نحن اختلفنا معه طبعا أيضا سياسيا..

سامي كليب (مقاطعا): اختلفتم كثيرا يعني.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): نعم، ولكن يحمد له بأنه شخص وفاق، يحمد له بأنه في كل التجارب التي حكم فيها كان يحاول أن يضم كل المجموعات السياسية. طبعا انتقد من هذا الوجه وقيل إنه يريد أن يربع الدائرة فهذا مستحيل أن تجمع بين الناس جميعا، ولكن يحمد له هذه المسائل وهو رجل مثقف له إسهامات فكرية وثقافية وله.. ومهذب العبارة في الحقيقة يعني هذا شيء معروف..

سامي كليب (مقاطعا): كأن بك نادم على استبعاده من السلطة لفترة طويلة؟

غازي صلاح الدين العتباني: والله أنا أعتقد أن دخوله في السلطة مكسب كبير. بل أعتقد أن دخول كل القوى السياسية الأخرى في السلطة مكسب كبير، لأنك لا تستطيع أن تحكم..

سامي كليب (مقاطعا): حتى الحزب الشيوعي؟

غازي صلاح الدين العتباني: حتى الحزب الشيوعي، الآن الحزب الشيوعي يشارك معنا في البرلمان وأنا ألاحظ أنه حدثت في حتى الحزب الشيوعي تغيرات كبيرة، يعني الموقف من الدين حصلت فيه تغيرات في نظرتهم إليه في إعلاناتهم عنه. الاستعداد...

سامي كليب (مقاطعا): ونظرتكم أيضا إلى الدين تغيرت؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): نعم. يعني أنا أذكر أنه في البرلمان وأنا رئيس كتلة الأغلبية، ممثل الحزب الشيوعي أو رئيس المجموعة الشيوعية في أكثر من موقف من خلال التفاوض معه توصلنا إلى أن يصوت معنا في بعض القرارات الصادرة من البرلمان فصوت معنا ووقف. هذه تاريخيا يعني غير مقبولة يعني أن يصوت الحزب الشيوعي، ولكن الطرح أيضا من جانبنا نحن اعتدل كثيرا أو المطالب من جانبنا اعتدلت يعني..

سامي كليب (مقاطعا): حتى مفهوم الشريعة وتطبيق الشريعة وما إلى ذلك يعني، يعني أدخلت عليه تعديلات كثيرة، وسوف نرى ذلك في اتفاقيات السلام التي كنت حضرتك أساسيا فيها يعني خصوصا في اتفاق مشاكوس. طيب في رواياتك عن فترة الاعتقالات الطلابية تقول إنه تعرضت أيضا للقتل في إحدى المرات، يمكن 1973 أو 1976.

غازي صلاح الدين العتباني: 1976. هذه مختلفة طبعا، هذه مختلفة لأننا نحن جئنا بحركة عسكرية، هي حركة مدنية عسكرية. كانت هناك الجبهة الوطنية، الجبهة الوطنية كانت تتكون من حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي وحزب الاتحاد الديمقراطي وكان يمثله آنذاك شريف الحسين الهندي، والحركة الإسلامية. كان هذا التجمع قام..

سامي كليب (مقاطعا): التجمع الوطني كان اسمه آنذاك.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، كان اسمه الجبهة الوطنية، التجمع الوطني جاء في وقت لاحق. فكانت المحاولات المدنية السياسية لتغيير النظام لم تفلح والنظام في النهاية نزل بثقله على الحركة السياسية المدنية، فكان التقدير أنه لا مفر إلا من استخدام القوة، طبعا أنا كنت جنديا يعني آنذاك لم أكن قائدا في..

سامي كليب (مقاطعا): اسمح لي ببعض المعلومات عنك. صحيح أنك ذهبت وتدربت في ليبيا آنذاك؟

غازي صلاح الدين العتباني: أي نعم.

سامي كليب: مع من؟

غازي صلاح الدين العتباني: كلنا تدربنا في ليبيا مع الصادق المهدي ومع الشريف حسين الهندي ومع شخصيات الأمر.. موقف السياسة السودانية، مهدي إبراهيم عثمان خالد..

سامي كليب (مقاطعا): من كان يدربكم؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): كان يدربنا الأخوة الليبيون طبعا. ولا ينكرون ذلك في وقت لاحق ويعتبرون ذلك من باب التواصل والتضامن مع الحركة السياسة السودانية خاصة وأنهم يتعاملون مع السياسيين أصحاب مشروعية كانوا في الحكم، يعني هم لم يتبنوا آنذاك مجموعات خارجة على الحكم كالمجموعات المتمردة ولكن كانوا يتعاملون مع أناس كانوا في الحكم.

سامي كليب: عال، يعني كان دور العقيد ممتازا معكم.

غازي صلاح الدين العتباني: أي نعم طبعا. كان هو.. الخصومة كانت بين النميري وبين القذافي بلغت أعلى حد لها في تلك الفترة، وكل كان يتآمر ضد الآخر بصراحة شديدة يعني.

سامي كليب: وساعدكم ماليا آنذاك؟

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا، يعني أقصد.. أنا لم أتلق مالا مباشرا ولا أظن أن الحركة الإسلامية تلقت مالا، لكن ماليا..

سامي كليب (مقاطعا): كيف بتعرف أنها ما تلقت؟ تجزم؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): هذا ما قيل، طبعا لا يستطيع أحد أن يجزم بما عند طرف آخر، ولكن كان هذا موقفا مبدئيا فيما أعرف.



[فاصل إعلاني]

النضال في إطار الحركة الإسلامية

سامي كليب: شو قصة احتلال مبنى الهاتف؟ حضرتك شاركت فيه على ما يبدو؟

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، هذا كان جزء من الخطة العسكرية. الخطة العسكرية..

سامي كليب (مقاطعا): بعد العودة من ليبيا.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): هي خطة فريدة جدا لأول مرة تحصل في تاريخ السودان وإن شاء الله تكون آخر مرة لأنه لا نحتاج إليها. بمعنى أنه تدرب الأنصار في الغالب القوة الضاربة كانت من الأنصار..

سامي كليب (مقاطعا): الأنصار تعني حزب الصادق المهدي؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): الصادق المهدي. وهدول طبعا لأنه عندهم إرث جهادي، يعني المهدية أصلا قامت على إرث الجهاد، ولذلك ظلوا دائما رصيدا لأي حركة جهادية. حدث هذا في عام 1971 أو في 1970 في الجزيرة آبا، مقتل الإمام الهادي، وحدث مرة أخرى في عام 1976. فكانت القوة الضاربة هي هذه وكانت الحركة الإسلامية لها عدد محدود، كان مكلفا باحتلال دار الهاتف والمقسم في جنوب الخرطوم والمطار.

سامي كليب: حضرتك كنت بهذه المجموعة؟

غازي صلاح الدين العتباني: أنا كنت بهذه المجموعة.

سامي كليب: شو عملت؟

غازي صلاح الدين العتباني: احتلينا المكان بدون مقاومة لأن المساكين يعني في دار الهاتف لم يكن هنالك أي جندي فكان كل ضحايانا مدنيين وأخذناهم عاملناهم معاملة حسنة طبعا، وانتظرنا ويبدو بعد مرور حوالي عشر ساعات شعرنا أن الوضع غريب لأنه كنا محجوزين في دار الهاتف، فشعرنا أن الوضع غريب لأنه لم يأتنا شخص لم يسأل عنّا أي شخص وكنا نسمع أصوات الطلقات والانفجارات في العاصمة، فأنا خرجت كلفت بأن أخرج لأني كنت الوحيد الذي يعرف كيف يسوق سيارة، كل الباقين طلبة يعني..

سامي كليب (مقاطعا): وكان عندك تجارب سابقة بالحصار يعني، حاصروك مرة بالجامعة..

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): عندي تجارب، الحصار، يعني فدائي. فخرجت فاكتشفت أن البلد انقلبت مرة أخرى وأن الجيش قد أعاد الاستيلاء على المراكز الرئيسية العسكرية وأنه كان يزحف نحو هذه المراكز الفرعية في دار الهاتف، فعندما دخلت إلى دار الهاتف مرة أخرى وجدت أن المعركة قد انتهت انجلت يعني وأخذ هؤلاء الأخوان وأعدموا استشهدوا إن شاء الله، فكانت هذه طبعا شيء غريب بالنسبة لي وبالنسبة لأسرتي ونحن ننتمي إلى أسرة مدنية حضرية من المهنيين أقرب إلى الفكرة الاتحادية بعيدين من حركة الأنصار..

سامي كليب (مقاطعا): صح، وأقرب إلى الفكر الحكومي كمان أنه وظائف وما إلى ذلك.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أيوه نعم، أقرب إلى الفكر الحكومي. وكانت خضة يعني كما تقول، وكانت شيئا غريبا يعني أن يحدث..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن الأقدار جعلت أنك قد تكون من بين قلة، ربما الوحيد الذي نجا من الموت يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: في مجموعة أخرى أنا ذهبت إليها وجدتها قد أوشكت القوات على أن تقتحمها من ثلاثة أشخاص أيضا أحدهم استشهد لاحقا في الجنوب وبقي اثنان منهم، أحدهم الآن رئيس مركز إسلامي كبير في أوروبا. فهؤلاء نجونا نحن الأربعة تقريبا ونجت المجموعة التي كانت في المطار لأنها انسحبت.

سامي كليب: وفعلا أنك هربت فيما بعد إلى السعودية بعد المعركة؟

غازي صلاح الدين العتباني: أصلا السودان مفتوح. في المرة الأولى عندما هربنا للتدرب هربنا من خلال الحبشية إثيوبيا، طلعنا بأرجلنا يعني ذهبنا راجلين ودخلنا الحدود، طبعا يعني كما يقال في اللغة الإنجليزية No Man''s Land يعني أرض..

سامي كليب (مقاطعا): لا تنتمي لأي شخص.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لا تنتمي لأي شخص. فتروح أنت. أنت وحظك يعني في الغالب ألا يصادفك جندي أو عسكري فيمنعك. عندما تدخل إلى إثيوبيا كان هنالك معسكرات للأنصار باقية من أحداث آبا في 1970، فتنضم إليهم وكانت الحكومة الإثيوبية على خلاف مع الحكومة السودانية فكانت تسرع بإعطائك اللجوء السياسي ثم تنتقل إلى أي مكان آخر.

سامي كليب: طيب الحال عندك لك ود كبير في إثيوبيا يعني. أنا فوجئت بعدد التصريحات الإيجابية عنك من قبل العديد من المسؤولين الإثيوبيين، من تلك الفترة استمرت العلاقة مع إثيوبيا؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، طبعا تغير النظام. بعدها كان أذكر أظنه في عام 1975 عندما خرجنا كان أمان عندهم أو شيء، كان الانقلاب على هيلاسيلاسي قد حدث لسنة أو سنتين..

سامي كليب (مقاطعا): طيب المرة الأولى إثيوبيا وبعدين للسعودية؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): بعدين، لا، السعودية دي المرة الثانية, وبعدين رحنا على مصر لمجرد عبور إلى ليبيا فهناك طبعا ساقونا بالأحضان الجبهة الوطنية وأخذونا عالمعسكرات من دخول وخروج وتدريب وقتال لا يمكن أتعلمه في أي..

سامي كليب (مقاطعا): كيف استقبلك السعوديون آنذاك؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لم يستقبلني السعوديون.. في هذه المرة الأولى ذهبنا إلى ليبيا، عندما جئنا وقمنا بالحركة ولم تنجح الحركة فشلت كان لا بد من الخروج مرة أخرى، فهذه المرة بدلا من الخروج لإثيوبيا خرجنا للسعودية بجوازات يعني عادية.

سامي كليب: وكيف كان استقبالهم؟

غازي صلاح الدين العتباني: ما كانوا يعرفون عننا شيء.

سامي كليب: ما عرفوا أنكم قدتم انقلابا وفشل؟

غازي صلاح الدين العتباني: هذا السر يكتشفونه لأول مرة الأخوة السعوديون أننا خرجنا، وكانت مناسبة الحج فحججنا في تلك السنة. حججت فيما بعد عام 1998، وأنا أقارن عام 1998 حججت وأنا وزير إعلام على ضيافة الملك وفي عام 1976 حججت وأنا خارج كموسى..

سامي كليب (مقاطعا): هارب ومتخفي.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): هارب كموسى من مصر.

سامي كليب: وأخبرتهم آنذاك؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا لم أخبرهم طبعا.

سامي كليب: كنا نود أن نكمل هذه الحلقة في حديقة منزل الدكتور غازي صلاح الدين العتباني في الخرطوم، فالرجل الذي أحب الزراعة مذ تعلمها على والده والذي عاش صباه في حالة مد وجزر بين الريف والمدينة يبدو لزائره مزيجا من طباع الحضري والمديني لا يلغي حبه للشجر والطبيعة، ومنزله هنا شاهد على ذلك. ولكن حرارة الطقس والرغبة في رفع حرارة اللقاء أيضا جعلتنا نؤثر الداخل على الخارج حيث تابعنا الحديث عن اختبائه في السعودية بعد الهرب من ملاحقة عهد النميري.

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا الأخوة السعوديون كانوا يعملون يعني بوجود بعض قادة المعارضة ويتجاوزون عنهم لكن لا يسمحون بعمل معاد للحكومة لأن العلاقة مع النميري كانت علاقة جيدة فكانوا يعني كعادتهم يتخذون موقفا فيه كثير من الانضباط والاعتدال، ولكن لا يسألون يعني حتى ولا يتقصون في..

سامي كليب (مقاطعا): وساعدوكم ماديا؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لا ما ساعدونا لا أبدا.

سامي كليب (مقاطعا): وكيف كنتم تعيشون؟

غازي صلاح الدين العتباني: كنا نعيش عيشة فقر شديد، كان بعضنا يعمل، يعمل في صناعة الطوب وفي سوق الخضار..

سامي كليب (مقاطعا): حضرتك عملت؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لا، لم أعمل لأنه كان لدي خالي في السعودية وكان ثريا فكنت أجلس معه في بيت وكنت أشعر حقيقة بعقدة الذنب لأنني الوحيد الذي كنت أعيش في سعة من العيش يعني والبقية كانوا مشردين حقا يعني بؤساء يعني فيكتور هوغو تماما.

سامي كليب: مين في منهم صار مسؤولا فيما بعد مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: في عدد منهم صاروا مسؤولين على مستوى وكلاء وزارات، صحفيين الآن بعضهم، في بعض منهم.



عن الثورة الإيرانية والحركة الإسلامية السودانية

سامي كليب: طيب فهمت أنه حين بدأت بدراسة الطب فيما بعد بكلية الطب هنا قبل أن تذهب إلى بريطانيا وتتابع الدراسة، طبعا قامت الثورة الإسلامية ثورة الإمام الخميني في إيران وتأثرت بها وبسببها تركت الدراسة، صحيح هالكلام؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، هذا غير صحيح. أنا أجبرت على ترك الدراسة في عام 1975 وكنت آنذاك قد تبقى لي من الطب ستة أشهر فقط، أنا كنت طالب سنة نهائية فدخلت علينا الحكومة آنذاك واتهمتنا بأننا وفرنا السلاح كطلاب للحركة الانقلابية التي قامت في عام 1975 وكانت تسمى بحركة حسن حسين، هذا كان قائد المجموعة، وهذا الكلام كان بهتانا يعني كان كذبا مبينا لم يكن لدينا أي سلاح ولم نساهم...

سامي كليب (مقاطعا): معلش كما يقال صيت غنى ولا صيت فقر.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أي نعم، فاتهمنا بصيت الغنى..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن ماذا بشأن الثورة الإيرانية تأثرت بها فعلا كما يقال؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): آه طبعا، عموم الإسلاميين أعتقد خاصة في المغرب العربي لأنهم لم يكن لديهم احتكاك بالشيعة لم تكن لديهم حساسيات تجاه الحركة الشيعية. يعني أنا أذكر أنه مثلا الأخوة التوانسة كانوا متأثرين جدا في المغرب العربي في السودان في مصر..

سامي كليب (مقاطعا): وحتى بعض غلاة الشيوعيين تأثروا آنذاك، اعتبروا أنه ضد أميركا.

غازي صلاح الدين العتباني: ولم يكن ينظر إليها كثورة شيعية، يعني طرح الخميني نفسه ومحاولته لتجاوز الفكرة التاريخية للمهدي مثلا وانتظار المهدي بولاية الفقيه نظر إليها أنها نظرة تجديدية، وكان ينظر للخميني بأنه أيضا توحيدي وتقريبي لأنه هو الذي أمر الشيعة بأن يصلوا خلف السنة. لأول مرة في تاريخ الإسلام يصلي الشيعة خلف السنة مثلا في الحج. فكانت هنالك إجراءات وقرارات اتخذت من قبل الثورة وقيادتها أعطت أملا كبيرا للمنتمين للتيار الإسلامي من بينهم نحن في السودان وكنا متحمسين، لم نكن ننظر إليها كنظرة شيعية ولكن كثورة إسلامية تحديثية أيضا تتعامل مع قضايا العصر.

سامي كليب: طيب في رواية، وصحح لي الرواية، أنك قلت في الجامعة في أثناء الدراسة إنه لا يمكن أن نتابع الدارسة وقامت ثورة ونحن بعدنا عم ندرس نظريات وما إلى ذلك، يجب أن نعمل شيئا للبلد. وأنه قال لك مدير الجامعة يا ابني أنت ما لازم تكمل الدراسة، وتركت. صحيح هذا الكلام؟

غازي صلاح الدين العتباني: هو الكلام يشبهني لكنه غير صحيح. بمعنى أنني كنت مستعدا..

سامي كليب (مقاطعا): غير صحيح بالمطلق ولا في جزء منه صحيح؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لا، غير صحيح. لأن الثورة الإيرانية قامت في 1979، نحن رجعنا إلى الدراسة وخلصنا من الدراسة في عام 1978، لأن المصالحة تمت في عام 1977، نحن خرجنا 1975 بقرار من الحكومة فصل لمدة عامين رجعنا في 1977 فأنا خلصت الدراسة في 1978. فالثورة الإيرانية حدثت بعد ذلك، ولكن أقول إن الكلام كان يشبهني يعني يمكن أن أقوله لطبيعتي يمكن أن تسميها الثورية أو حتى المتطرفة في اتخاذ المواقف، لكن الثورة الإيرانية كان لها وقع كبير في الشارع السوداني بصورة عامة.

سامي كليب: ذهبت إلى إيران في فترة سابقة؟

غازي صلاح الدين العتباني: ذهبت لاحقا وأنا مسؤول، ذهبت وأنا..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن ليس حين كنت طالبا.

غازي صلاح الدين العتباني: لا.

سامي كليب: حين نجحت الحركة الإسلامية بالانقلاب على السلطة عام 1989 وتولى الفريق عمر حسن البشير مع الدكتور حسن الترابي واجهة القيادة السياسية والعسكرية والدينية للبلاد كان ضيفنا الدكتور صلاح الدين العتباني عائدا لتوه من بريطانيا وكان يدرس ما تعلم من فنون الطب هناك. ولكن السياسة سرعان ما خطفته بعد أن مهد لها بالانخراط في صفوف الإسلاميين. فهل كان يعرف أن ثمة انقلابا سيحدث؟

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، كنت أعرف جملة يعني ليس تفصيلا ليس تحديدا في اليوم، ولكن جملة لأن هذا الموضوع نوقش. ونوقش على خلفية أن هنالك تسابق بين قوى أخرى في داخل القوات المسلحة لعمل تغيير وكان الجيش قد تقدم بمذكرة في فبراير عام 1989 فكأنما هو كرس لقضية تدخل الجيش والسلطة وأقصيت الجبهة الإسلامية بسبب ذلك.

سامي كليب: قيل آنذاك إن الجيش تقدم بالمذكرة على ما يبدو برغبة غير معلنة من قبل الصادق المهدي.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، هذا هو التفسير المتبنى من قبلنا. طبعا أنت تعرف كمثل الكثير من حقائق التاريخ يصعب جدا أن تتبين الحقيقة فيها في النهاية.

سامي كليب: طيب دكتور غازي تقول فيما تكتب "لا نستطيع أن نكون دعاة إن لم نكن قدوة"، وتقول إنه "كان الاتجاه العام للحركة الإسلامية هو إحداث تحول اجتماعي يتوافق مع أفكارنا وليس بالضرورة أن يكون حلمنا هو المطلق". أين توقف الحلم؟ وفي هذه التجربة الإسلامية هل يمكن أن تعدد مثلا خمسة أمور أساسية حققتها الحركة الإسلامية في السودان؟ وأين فشلت تحديدا يعني أو أين أخطأت ربما؟ وذلك سيفتح لنا أيضا بابا لبعض الملفات الموجودة بين أيدينا ومنها المراسلات بينك وبين الدكتور حسن الترابي وفيها إعادة نقد أو إعاة قراءة للتجربة الإسلامية أيضا.

"
أهم ما حققته الحركة الإسلامية هي أنها نبهت وربما أفلحت بدرجة ما في إعادة تركيب مفهوم الحياة العامة والدين حيث كان التدين يفهم بأنه مسألة شخصية والحركة الإسلامية أو الفكر الإسلامي يرى أن هذه علمانية غربية
"
غازي صلاح الدين العتباني:
التجربة الإسلامية في السودان استفادت من المد الكلي، يعني هي لم تكن بمعزل عن الكنف المحيط بها. كما ذكرت لك بعد 1967 حدثت حالة تلقي جديدة في المنطقة العربية الإسلامية، الاستعداد لتلقي فكرة جديدة لأن الأفكار القديمة كانت قد أدينت يعني بشكل من الأشكال، ولذلك أهم ما حققته الحركة الإسلامية هي أنها نبهت وربما أفلحت بدرجة ما في إعادة تركيب مفهوم الحياة العامة والدين بمعنى أنه كان التدين يفهم دائما بأنه مسألة شخصية والحركة الإسلامية أو الفكر الإسلامي يرى أن هذه علمانية غربية أن قضية التدين هذه بروتستانتينية في الحقيقة لأن حركة الإصلاح الديني في أوروبا جاءت لتقول ذلك إزاء الكنيسة الكاثولية وبالتالي فإن هذه حركة علمنة ولذلك فإن كل الحياة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون..}[الذاريات:56] هي مجال لعمل الدين. أعتقد أنها نجحت بدرجة ما في هذا، نجحت في تغيير المصطلح إلى حد كبير، نجحت في تغيير الأفكار التي يتعامل بها الساسة، والدليل على ذلك هو أن البرنامج الإسلامي تبنته أحزاب أخرى لم تكن تتبناه في السابق، حتى الحزب الشيوعي له مراجعات في قضية الدين، فهذه وجوه. أحدثت نجاحات في مجال المرأة.

سامي كليب: في مجال؟

غازي صلاح الدين العتباني: المرأة.

سامي كليب: المرأة، نعم.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني المرأة كانت تحسب خارج المعادلة السياسية وخارج المعادلة الاجتماعية وكانت ينظر إليها باعتبار أنها كأنما هي كائن غير مكلف شرعيا. الحركة الإسلامية أحدثت تغييرا كبيرا في مجال المرأة، لا أحب أن أسميه تحريرا طبعا لأن كلمة تحرير كلمة منقولة من التجربة الغربية ولكن ما..

سامي كليب (مقاطعا): كيف يعني تحررت؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): يعني المرأة إلى حد كبير كانت متخلفة تعليميا لم تكن متعلمة، لم تكن المتعلمة منها والتي دخلت في المجال المهني مثلا أصبحت طبيبة مهندسة سياسية مثلا كانت قليلة جدا، الحركة الإسلامية أتاحت كل هذا للمرأة ولكن أتاحتها لها في حدود الالتزام الإسلامي..

سامي كليب (مقاطعا): اسمح لي بالمقاطعة دكتور فقط لأسألك عن رأيك، هل حضرتك مع إلزامية الحجاب بالنسبة للمرأة؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، قرار شخصي طبعا. إلزامية بمعنى أي إلزامية يعني أقصد بمعنى أنه واجب ديني، أي نعم، لكن لا تلزم المرأة يعني..

سامي كليب (مقاطعا): يعني لو أن ابنتك مثلا قررت ألا تضع الحجاب على رأسها تقبل؟

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا لا أقبل، لكن لا أستطيع أن أفرض شيئا. أنا ضد فكرة أن يفرض بالقانون، طبعا أحيانا أنت في مجال العمل تفرض زيا، حتى في الغرب يعني، يعني لا أحد يدخل إلى مكان العمل بزي فاضح، فهنالك حدود أيضا للانضباط القانوني هنا، ولكن الحجاب الشرعي اللبس الإسلامي الشرعي لا تستطيع أن تفرضه على الناس بالقانون.

سامي كليب: طيب هل تقبل شخصيا أن يكون على رأس السودان رجل مسيحي؟

غازي صلاح الدين العتباني: والله أعتقد الموقف هنا.. الموقف الإسلامي يختلف من الموقف الدستوري، الموقف الدستوري هو أنه سكت عن هذه المسألة. أنا لا أعتقد أنه في مجتمع مسلم غالبيته مسلمون..

سامي كليب (مقاطعا): لا، أعرف الشأن العام أعرفه في السودان، يعني هناك شريعة تطبق في مكان ولا تطبق في مكان آخر وفق الاتفاقيات يعني، في الشمال تطبق في الجنوب لا، يعني مع بعض الخصوصيات. ولكن أنت شخصيا يعني مثلا لو جاء على رأس السودان رجل مسيحي تقبل بذلك؟

غازي صلاح الدين العتباني: إذا كان الدستور يتيح له ذلك لا مجال للاعتراض طبعا. لكن أنا لا أرى أن هذا صواب..

سامي كليب (مقاطعا): شو السبب؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): السبب أن الغالبية مسلمون وهناك مسائل حساسة جدا في مسائل السياسة تتعلق بتشريعات المجتمع تتعلق بكذا، فالشيء الطبيعي أن يكون المسلم هو الرئيس من الدين الغالب للبلد.

سامي كليب: إذاً ترفض أن يصل مسلم في فرنسا مثلا إلى رئاسة الجمهورية؟

غازي صلاح الدين العتباني: مفهوم بالنسبة لي، يعني إذا قام واحد فرنسي وقال هذا الكلام أقبله طبعا لأن هذا شيء منطقي.



الموقف والذائقة الفنية والأدبية

سامي كليب: حين كنت أعد لهذه الحلقة مع الدكتور غازي صلاح الدين العتباني خرجت إلى شوارع الخرطوم أحاول أن أعرف ما الذي تغير في وجوه الناس. كانت أسواق العاصمة على عادتها مزدحمة وسيارات التكسي تسابق المارة، وزحمة الحياة توحي بأن الناس غير آبهين لحجم المخاطر المحدقة من احتمال انفصال الجنوب إلى المستقبل الغامض لدارفور وغيره، هكذا يوحون ولكن حقيقة الأمر أن السوداني بطبعه ميال لأخذ الأمور ببساطة قل نظيرها، وما لا تحله السياسة تجعله الصلاة أقل قسوة. من هذه الطباع السودانية يمكن للزائر أن يفهم كيف أن مسؤولا إسلاميا بحجم غازي صلاح الدين العتباني يستطيع أن يجمع بين نزوعه الإسلامي وذوقه الأدبي والفني الرفيع.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني لعلك قرأت في بعض كتاباتي إشارتي إلى الحلف بين الفن والدين، وأنا أقول وأكرر هنا إنه قام في التاريخ القديم حلف قوي جدا بين الدين والفن، وكلاهما..

سامي كليب (مقاطعا): أعطني مثالا على ذلك؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أعطي لك مثالا، أبدأ من الإنسان الأول والرسومات الجدارية أو رسومات الكهوف..

سامي كليب (مقاطعا): لا، خلينا بالدين مبدأ الدين.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): ما هو مبدأ الدين خدم الصور. خذ عندك الرسوم على الآثار الفرعونية مثلا، كلها منفعلة بفكرة دينية والإله كذا والإله كذا، أنا أتكلم عن الدين مجملا لا أتكلم عن الدين الإسلامي. خذ عندك المسيحية، ما الذي طور الفنون والرسم والنحت في أوروبا في فترة النهضة؟ كانت كلها مرتبطة بالكنيسة برغم أن الذين قاموا عليها لم يكونوا متدينين ولا مايكل أنجلو كان متدينا ولا ليوناردو دافنشي كان متدينا ولكنهما خدما الكنيسة كما لم يخدما أي مؤسسة أخرى..

سامي كليب (مقاطعا): طبعا تحدثت عن اليهودية، المسيحية. الإسلام؟

غازي صلاح الدين العتباني: الإسلام، الإسلام النص القرآني هو المعجزة، النص هذا كله إبداع، يعني هو نص. الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "ما من نبي إلا وبعث ومعه من الآيات ما آمن عليه البشر وإنما كان الذي بعثت به هذا القرآن، أو الذي أوتيته هذا القرآن"، ويقول إن معجزتي القرآن، ونحن نعرف أن في الإسلام معجزة القرآن، هو عمل فني قوي جدا. فكيف أنت يمكن أن تخدم أي فكرة ليس بالضرورة دينية. الاتحاد السوفياتي واحدة من إنجازاته، طبعا الناس ينظرون دائما إلى الجانب الاقتصادي ويقول لك إن الاتحاد السوفياتي بسبب الاقتصاد أو بسبب أفغانستان ولكن قدم تجربة في الثقافة كبيرة جدا. أنا لا أزال أذكر أنني كنت عندما كنا نشاهد مثلا فيلم الحرب والسلام لتولستوي مثلا، النسخة الأميركية والنسخة الروسية والسوفياتية آنذاك لا مقارنة بينهما..

سامي كليب (مقاطعا): السوفياتية أفضل.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): أفضل.

سامي كليب: طيب خلينا في الواقع يعني بعض الأسئلة الواقعية حول ذلك لكي يفهم المشاهد أكثر. مثلا هل حضرتك تذهب إلى المسرح مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: أذهب إذا وجدت مسرحية جيدة. آخر مسرحية شفتها في يعني قبل فترة طويلة لأنه في السودان لا يوجد مسرح للأسف الشديد لا توجد حركة مسرحية، مسرحية Les Misérables بتاعة فيكتور هوغو. من أروع..

سامي كليب (مقاطعا): البؤساء.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): البؤساء. من أروع ما شهدته يعني وهي تحكي عن قصة في ثنايا الثورة الفرنسية، وحقيقة..

سامي كليب (مقاطعا): بما أنك لفظت الكلمة بشكل صحيح يعني فقط أنوه أنك تعرف الفرنسية..

غازي صلاح الدين العتباني (مقاطعا): أتخاطب بها.

سامي كليب (متابعا): طبعا الإنجليزية هي الأساس..

غازي صلاح الدين العتباني (مقاطعا): تعلمت الفرنسية وأنا وزير في وزارة الخارجية.

سامي كليب: آه والله!

غازي صلاح الدين العتباني: أنا اكتشفت أنه في أفريقيا الفرنسية يعني متكلم بها بصورة واسعة فكنت أجد دائما نفسي في حرج عندما أتحدث مع الأفارقة وأكتشف أنهم يحسنون فقط الفرنسية فتعلمت بعزيمة قوية جدا..

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال في تدقيقي عن بعض الأمور المتعلقة بشخصك يعني تحب الفنون تحب الثقافة طبعا بشكل عام ومطلع على العديد من الأفكار الأدبية إذا صح التعبير التيارات. ولكن أيضا حديث بتعاملك مع الأمور، يعني مثلا دائما تحمل حسب ما قيل لي الـ Laptop الكمبيوتر المحمول تتجنب الأوراق بشكل كبير حين تذهب في مهام رسمية دائما كل شيء مكتوب على الكمبيوتر، يعني كأنك حتى في تصرفك اليومي تحاول أن تخاطب العصر وليس كبعض القادة الإسلاميين في بعض الدول العربية يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: شوف يعني بالنسبة لأي شخص يهتم بالتحول في المجتمع سواء من منطلق ديني أو غير ديني أو إسلامي أو غير إسلامي، المعارف الآن هي التي تشكل مستقبلنا، هي التي تحل مشكلاتنا، هي التي تصنع مستقبلنا حقيقة بصورة واضحة جدا، أي إنسان ينقطع من الحركة المعرفية وتعبيرات هذه الحركة المعرفية في التكنولوجيا في.. هو إنسان خارج التاريخ بصراحة شديدة.

سامي كليب: على كل حال لك نظرية عن الغرب يعني ما قدمه في المعارف بالنتيجة يعني وهي نظرة إيجابية بشكل عام.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني مثلا عندك فوكو ياما المشهور الذي كتب كتاب "نهاية التاريخ" أسس كتابته في كتاب نهاية التاريخ على أن الصيغة الليبرالية الرأسمالية هي آخر صيغة في التاريخ حضرتك..

سامي كليب (مقاطعا): رغم أنك ترفض نهاية التاريخ.

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): آه طبعا أرفضه، هو فوكو ياما نفسه رفضها فيما بعد عندما أصدر كتابه التالي وهو Post-Human Future" تاريخ ما بعد الإنسان" وقال إنه.. رجع إلى نظرية قال بها كارل بوبر، كارل بوبر هذا من فلاسفة العلوم المشهورين جدا نمساوي الأصل، قال إن التاريخ لا يتوقف ما دامت حركة المعرفة كمان لا تتوقف.

سامي كليب: وأنت تبنيت العبارة تماما كما هي يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، أنا أعتقد أنه هو صحيح في هذا. ولذلك فوكو ياما عندما كتب كتابه التالي قال إنه هو اكتشف فعلا أن المعرفة تولد حقائق وتولد معطيات جديدة وبالتالي فما دامت المعرفة مستمرة فلن يتوقف التاريخ. أين نحن كمسلمين أو كعرب من هذا؟ يعني كيف يمكن أن تنقطع من حركة المعرفة؟

سامي كليب: صحيح، تستمع إلى الموسيقا مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، يعني..

سامي كليب (مقاطعا): شو مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني أحب الكلاسيكية أكثر، الغربية الكلاسيكية.

سامي كليب: الغربية؟

غازي صلاح الدين العتباني: إي نعم، يعني في الغرب كنت أستمع إليها..

سامي كليب (مقاطعا): مش أم كلثوم وعبد الحليم وكذا، مش الكلاسيكيات العربية يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: يعني ما ارتبطت بها وجدانيا شديد. كنت أذكر أن جيل الوالد لتأثرهم بالتجربة الناصرية كانوا يتأثرون بكل إنتاج مصري فكانت أم كلثوم يعني يستمع إليها الساعات الطوال، لكن هذا  الجيل كان متميزا الجيل التالي له انفعل بالمنتجات الغربية أكثر.

سامي كليب: فهمت كان عندك محاولات شعرية أيضا..

غازي صلاح الدين العتباني: باءت بالفشل.

سامي كليب: ويبدو في شخص قال يعني سبحان من أنقذك من هذه العلة.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، لا، هذه قضية ثانية. أنا كنت حاولت الشعر بعد 67 بالمناسبة، طبعا يعني للهروب من المأساة التي فيها العالم العربي..

سامي كليب (مقاطعا): تذكر ماذا كتبت؟

غازي صلاح الدين العتباني: والله يا أخي حاولت محاولات بائسة للغاية، ولحسن الحظ يعني أنني أدركت أنني لا أملك الموهبة، ولكن أحب الشعر جدا وأقرؤه وأحب المتنبي على وجه الخصوص وأحب الشعر الجاهلي والشعر الحديث أيضا. لكن..

سامي كليب (مقاطعا): تحب شعر الوطنية..

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): لكن هذا ذكرني التي لأحد أصدقائنا، فقال لي عن تجربته أيضا فقال كان عندنا مدرس مصري كان عندنا مصريون يأتون لتدريس اللغة العربية في السودان في السابق فقال لي أنا عملت قصيدة وكنت يعني ممتلئا جدا بالقصيدة فقدمتها، والمصريون عندهم سخرية طبعا، فقال فاطلع عليها هذا الشيخ أو هذا المدرس وقال لي الحمد لله الذي أخرج منك هذا الأذى وعافاك. فقلت له أنا بس ما وصلتش هذه المرحلة الحمد لله عرفت نفسي..

سامي كليب (مقاطعا): طيب تحب شعر الغزل مثلا، شعر الحب؟

غازي صلاح الدين العتباني (متابعا): كل الشعر، هو تعبير.. يعني لا أحبه لأنني مشغول بقضية الغزل أو الحب ولكن يعني عندما تقرأ مثلا لامرئ القيس أو تقرأ لعمر بن أبي ربيعة هو عمل فني لذاته آسر جدا يعني لذاته ليس بالضرورة للموضوع الذي يتناوله. شعر الفخر عندنا في اللغة العربية شعر.. الغريبة الشعر السياسي هو الذي لا يستهويني كثيرا.

سامي كليب: بحديث الأدب والشعر ختمت هذه الحلقة الأولى مع المستشار الرئاسي السوداني الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، تاركين للحلقة المقبلة أسباب انتقاده للتجربة الإسلامية وأسباب الخلاف مع الدكتور حسن الترابي وسر نقمته على تجربة مفاوضات السلام، فإلى اللقاء.