- أسباب العمل السياسي والموقف من المبادرة العربية
- إعادة قراءة الحركة الإسلامية في السودان

- العلاقة مع الترابي وأسباب الخلاف

- العلاقة مع الرئيس عمر البشير ومواطن الاتفاق والخلاف

- عن اتفاق السلام ومستقبل السودان

أسباب العمل السياسي والموقف من المبادرة العربية

سامي كليب
غازي صلاح الدين
سامي كليب
: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة أيضا إلى السودان. حين وصلت الحركة الإسلامية إلى رأس السلطة هنا عرفت بثورة الإنقاذ، هل فعلا أنقذت السودان من احتمالات التقسيم؟ لا بل هل أنقذت نفسها الحركة الإسلامية من الانقسامات التي حصلت في صفوفها وخصوصا منها خروج الدكتور حسن الترابي عن الإجماع؟ أسئلة كثيرة أطرحها على أحد منظري الحركة الإسلامية في حلقة ثانية وأخيرة معه من زيارة خاصة الدكتور غازي صلاح الدين العتباني المستشار الرئاسي في السودان. لفتني حين وصلت لعند غازي صلاح الدين العتباني مستشار الرئيس السوداني أنه وخلافا لمعهود صورته الإعلامية المتجهمة فهو دائم الابتسام وصاحب نكتة. ومن النكات التي تقال في عالمنا العربي إن الرجل المناسب يوضع عادة في المكان غير المناسب، وهذا قد ينطبق على ضيفنا، ذلك أن دراسته للطب في بريطانيا كادت تضيع في مهب السياسة حيث أنه تولى معظم المناصب من وزير للإعلام والثقافة إلى مستشار للرئيس إلى المفاوض الأول للسلام إلى رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم، إلا المنصب المناسب له أي وزارة الصحة وبها استهليت هذه الحلقة الثانية والأخيرة معه.

غازي صلاح الدين العتباني: الحمد لله الذي لم نتولاها، لماذا؟ مجتمع الطب عندنا في السودان مجتمع منقسم جدا مجتمع معكسرات مخيمات، ومتعادي فيما بينه..

سامي كليب (مقاطعا): كيف؟

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): أنا لا أدري لماذا هذه الظاهرة في.. أي شخص من المهنة يأتي ليكون وزيرا للصحة أو وكيلا لوزارة الصحة يعني يقتنص في هذا التبادل إطلاق النار بين المعسكرات المختلفة. فضلا عن ذلك فأنا يعني حقيقة ما الذي جعلني أذهب في مجال السياسة، عندما أنهيت دراستي في بريطانيا وحصلت على الدكتوراه كان الخيار بين أن أمضي في طريق العلم والبحث هو طريق شيق جدا..

سامي كليب (مقاطعا): والغريب بالدكتوراه فلسفة الكيمياء الكلينيكية.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): أي نعم. وكان ممتعا جدا البحث والاكتشاف، ولكن عدت وقلت إننا في العالم النامي والعالم العربي أهم القرارات في حياتنا يتخذها السياسيون والسياسة عالم مليء بالأوغاد كما أقول أنا يعني وكما قلت في بعض مقالاتي حقيقة، فلماذا نترك السياسة للأوغاد؟ يعني لماذا لا ندخل في السياسة بعدا آخر..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن واضح من تجربتك دكتور غازي أنك تحب المناصب بجميع الأحوال يعني تحب أن تمارس السياسة بشكلها التنفيذي يعني لم تبتعد كثيرا عنها.

غازي صلاح الدين العتباني: أنا استشهدت لك بقول ماركس قلت لك هذا من حكمه يعني إن جاز أن نقول أن له حكم، والحقيقة هو الرجل كتب مائة كتاب يعني أو كتاباته جمعت في مائة Volume أو كتيب. قال "الفلاسفة يهتمون بتفسير التاريخ ولكن الأهم هو تغييره". فأنا حقيقة أفكاري تتعلق بتفسيري للتاريخ ولكن كيف يمكن أن أغير التاريخ؟ هذا هو المطلوب، وبالتالي هنالك فرق بين أن تكون سياسيا أكاديميا وبين أن تكون سياسيا عامدا..

سامي كليب (مقاطعا): تمارس.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): تمارس، وتغير الواقع وتؤسسس..

سامي كليب (مقاطعا): رغم أنه في بعض الدراسات لك أو بعض المقالات تنتقد يعني جانبا من الممارسة على كونها تقدم تنازلات يعني تقول إنه في فرق بين الفكرة كفكرة وحين نطبقها فالإنسان يضطر إلى تقديم تنازلات وهذا هو رجل الدولة بنتيجة الأمر يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: بالضبط. طبعا لا بد أن تكون هنالك حدود لهذا، يعني عندما تقدم تنازلات تمسخ أصل الفكرة التي تنتمي إليها وهذه تصبح انتهازية أو تصبح هزيمة يعني.

سامي كليب: تقول أيضا نحن نحتاج إلى الفرز وليس إلى الفصل، وليس الفصل بين الحركة ككتلة وخطابها وفكرها وبين السلطة في المستوى السياسي التنظيمي، فالسلطة تضطر أحيانا إلى مواقف لا تمثل الكمال في السياسة الدولية مثلما نضطر أحيانا إلى موازنة القوى العالمية. طيب في السلطة التي تضطر أحيانا إلى مواقف لا تمثل الكمال في السياسة الدولية كما تتفضل، في بعض الأمثلة مثلا المحددة هنا؟

"
القوى السياسية العربية الأساسية الإسلامية وغير الإسلامية ترفض فكرة الاعتراف بإسرائيل إلى وقت قريب، والمبادرة العربية في حقيقتها تتضمن القبول والاعتراف بإسرائيل
"
غازي صلاح الدين العتباني: أنا ضربت مثالا قبل فترة قليلة بالمبادرة العربية، تقريبا القوى السياسية العربية الأساسية الإسلامية وغير الإسلامية ترفض فكرة الاعتراف بإسرائيل أو ظلت ترفضها إلى وقت قريب، المبادرة العربية في الحقيقة تتضمن القبول، الاعتراف بإسرائيل..

سامي كليب (مقاطعا): تطبيع.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): نعم، تتضمن ذلك.

سامي كليب (مقاطعا): بتحكي عن المبادرة في بيروت 2002؟

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): أي 2002 المبادرة العربية التي هي الآن الموقف العربي المجمع عليه حتى من السودان. يعني أنا أقدر أفهم كسياسي الضغوط التي أدت بالحكومات إلى قبول هذه المبادرة إما لأنها لم تجد بديلا أو أنها اتخذتها مناورة لأنها تعرف أن إسرائيل لن تقبل بها وبالتالي فهي تريد أن تسحب الحجة من إسرائيل، فأنا أفهم أنه من أجل تحقيق حد أدنى من التضامن العربي أن تقبل الحكومات بهذه المبادرة، ولكن لا أفهم لماذا بالنسبة لي كحركة سياسية أن أقبل بالمتضمنات في هذه المبادرة ومن بينها الاعتراف بإسرائيل اعترافا نهائيا، يعني يمكن جدا أن تبقى الحركة السياسية تطالب بعدم الاعتراف بإسرائيل. هنالك قضية..

سامي كليب (مقاطعا): أنت بالنسبة لك إسرائيل حتى اليوم لا تزال عدوا؟

غازي صلاح الدين العتباني: آه طبعا. هي.. أعتقد أنها هي بمنطقها اليومي تقول ذلك، يعني هي حتى المعتدل منها الذي يسمى معتدلا مثل شيمون بيريز أنت لو قرأت كتابه الشرق الأوسط الجديد يعني هو مشروع هيمنة وابتلاع للأمة العربية كلها، يعني ليس صديقا المشروع.

سامي كليب: هو قدم الشرق الأوسط من الناحية الاقتصادية طبعا، يعني ناحية الغلاف الاقتصادي.

غازي صلاح الدين العتباني: بالضبط. ولكن حتى في الناحية الاقتصادية هو يريد أن يبتلع المنطقة العربية، يعتبر أن منطقة هذه سوق..

سامي كليب (مقاطعا): طيب أنت اليوم مستشار لرئيس الجمهورية مثلا ولكن لم تعترض على أن الدولة توافق على مبدأ التطبيع في المبادرة العربية.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، ولكن لو سألتني كمستشار الآن على المستوى الشخصي أو سألتني في موقعي الحزبي سأقول لك رأيي، أقول لك أنا يعني أنا أتفهم حقيقة أتفهم بكل صدق يعني لأن الوضع العربي من الهشاشة بدرجة أنت لا تريد خاصة بعد أحداث العراق في عام 1991 يعني أنت تعرف أن الحساسيات وعدم القدرة على التسامح مع أي أفكار يمكن أن تهز الموقف العربي، التضامن العربي بالنسبة لي هو أولوية الآن.

إعادة قراءة الحركة الإسلامية في السودان

سامي كليب: طيب دكتور غازي صلاح الدين يعني لكي يفهم المشاهد بعض، حضرتك، بعض الآراء في الواقع التي فاجأتني بصراحتها لإعادة قراءة التجربة الإسلامية وتجربة الحركة الإسلامية في السودان، أنه في إعادة قراءة في الصميم وفي نقد لهذه التجربة حصل في الكثير مما كتبت، ولكن تبين أو أخذ شكله المنطقي والمتسلسل في المراسلات بينك وبين الدكتور حسن الترابي والتي سُرّبت رغم أنه رغبتك في خلال المراسلات معه بألا تسرب، يعني سربت على ما يبدو من قبل بعض المقربين منه. تقول مثلا في رؤيا للإصلاح والوحدة في 12 نيسان/ إبريل عام 2002، "ولقد تناقض السند الشعبي والكسب العددي بصورة مقلقة في القطاعات الحية والتيارات المتجددة كالطلاب والشباب والفئات والنساء وهم الذين ظلوا يغذون صف الحركة ويقوون أثرها في المجتمع ويقلبون التجربة بين الأجيال وبسبب ذلك ضعف سلطان الحركة المعنوية وأصبح ملحوظا  هجمة الأعداء"، تقول "لقد أصابت الفتنة الحركة في صورتها ومصداقيتها فما عاد خطابها مقنعا للجموع التي تجاوبت مع تجربة حكمها كما لم تتجاوب مع أي تجربة أخرى ولقد اعتصم الناس أول الأمر بأمل أن يكون الأمر خدعة بارعة حتى استبانوا الحقيقة عارية فانقلبت النظرة إلى قادتها وعامتها فصار الشك فيهم قاعدة وسوء الظن مبدأ"، يعني لو كتب إنسان ضد ثورة الإنقاذ لما كتب أجمل من ذلك في نقدها. شو السبب أنك وصلت إلى هذه القناعة؟

غازي صلاح الدين العتباني: هي نتيجة منطقية للخلاف ونتيجة منطقية لنتائج الخلاف وللانشقاق والانقسام. والحقيقة بالنسبة لأي تجربة سياسية يعني يسارية، إسلامية، شيوعية، قضية المصداقية تظل قضية مركزية جوهرية خاصة مصداقية القيادة، والذي حُمّل وزر الانقسام هي القيادة يعني القاعدة لم تكن جزءا من ذلك الانقسام، حتى..

سامي كليب (مقاطعا): طيب القيادة الظاهرة اليوم..

غازي صلاح الدين العتباني: (مقاطعا): القيادة الظاهرة.

سامي كليب (متابعا): ممثلة بعدة أشخاص معروفين، يعني الرئيس عمر حسن البشير، الدكتور حسن الترابي، ربما الشيخ علي عثمان أيضا نائب الرئيس، حضرتك يعني وبعض المسؤولين الآخرين يعني، كلكم المسؤولون؟

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا. يعني لا بد أن تكون لديك الشجاعة أن تقول إنني قد أخفقت في هذه المسألة، وإلا كيف يبدأ يعني أنت كالمريض يدعي أنه ليس مريضا، يعني لا بد أن تقر في البداية للطبيب أنك مريض..

سامي كليب (مقاطعا): أين الخلل؟ يعني وين الخطأ الحقيقي في هذه التجربة؟

غازي صلاح الدين العتباني: هي مسألة معقدة لأنها فيها خفايا كثيرة أنا لا أريد أن أتحدث عنها الآن وتحليلات ربما لا يكون الوقت مناسبا للحديث عنها، ولكن هي لأن الحركة الإسلامية، ليس كقيادات ولكن كمؤسسات، تأثرت بما حدث في 30 يونيو 1989، هي نفسها تأثرت..

سامي كليب (مقاطعا): 1989 الوصول إلى السلطة يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): الوصول إلى السلطة، الإنقاذ اللي هي تأثرت من خلال مؤسساتها، لم تستطع هذه المؤسسات أن تحكم أو أن تقضي في الخلاف، ففي غياب المؤسسات أصبح التفسير للوقائع التفسير للنصوص التفسير للأحداث كل واحد يفسرها بطريقته لا توجد مرجعية..

سامي كليب (مقاطعا): ووفق مصالحه..

غازي صلاح الدين العتباني: ووفق مصالحه بالضرورة.

سامي كليب (متابعا): يعني أنا أعتمد على ما كتبت حضرتك في الكثير مما كتبت وهنا لدينا العديد في الواقع من المقالات وأنصح من يستطيع أن يقرأها، ربما تنشرها في بعض الصحف العربية، مثلا تعقيب على ندوة "تقويم تجربة تطبيق الشريعة في السودان" مثلا التحديث في الإسلام، "الإسلام والتحديث" يعني ممتازة، "مشارقة ومغاربة" تتحدث عن ابن عربي طبعا حتى لو أنك لم تكن تؤيده في البداية، "دارفور في مفترق الآفاق"، "صورة الزعيم الخارق"، يعني هذه مثلا لفتتني جدا أن الزعيم الخارق السياسي والعسكري وأيضا الديني وكأنك تنتقد بعض زملائك يعني بعض قادتك..

غازي صلاح الدين العتباني: (مقاطعا): صحيح أنتقد التجربة السودانية في الحقيقة يعني.

سامي كليب (متابعا): يعني الوحيد الذي وجدته مع كل واقع هو الفأر يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، يعني المقدرة على التكيف. أنا دراستي للطب أثرت جدا في تفكيري يعني ولذلك أنا دائما أقتبس من النظم الحيوية في النظم المعنوية كالسياسة، أنا أقول إن الكائن الذي يتكيف هو الذي يبقى والكائن الذي لا يتكيف مع الطقس مع تغيرات المناخ هو الذي ينقرض..

سامي كليب (مقاطعا): يعني وفق تقييمك أن التجربة سقطت عمليا يعني، أنه يعني وأنا قرأت من أجل الصدف هذه المراسلات بينك وبين الدكتور الترابي طبعا في الصحف ولكن أيضا في كتاب موثق للدكتور حيدر إبراهيم علي "سقوط المشروع الحضاري" يعني بالنتيجة أنه صارت تستخدم أيضا مراسلاتك للقول بأنه شهد شاهد من أهلها يعني كأنه..

غازي صلاح الدين العتباني: هو طبعا كاتب الكتاب رجل له موقف يعني متناقض جدا مع الحركة الإسلامية لا يؤخذ بكلامه جملة..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن المراسلات صحيحة.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): المراسلات صحيحة نعم أنا طبعا كتبتها وأتحمل مسؤوليتها. هي الانشقاق ليس الضرورة.. ليس المهم فيه كم مضى مع هذا الطرف وكما مضى مع هذا الطرف، قد يكون مضى 90% مع هذا الطرف و10% مع هذا الطرف، ولكن خطورته في أي حركة سياسية هو أنه يصيب الحركة في إحساسها الداخلي بالمشروعية، والإنسان عندما يفقد الإحساس الداخلي بالمشروعية يفقد قضيته. أضرب لك مثالا بشخص عادي، أنت مثلا تجادل طرفا آخر في ملكية منزل، لو أنت شخصيا توصلت إلى أن هذا المنزل ليس ملكك لا تستطيع أن تقوم في المحكمة وتنادي بأن هذا المنزل ملكك. فإذاً..

سامي كليب (مقاطعا): يعني بمعنى أوضح إذا بدنا نقرب الأمور أكثر للمشاهد، أن هذه التجربة وصلت الآن إلى مأزق ويجب إعادة قراءتها، يجب إعادة النظر بكل مشروعيتها الداخلية.

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا، يعني إذا لم يكن هذا هو المأزق فما هو المأزق؟!

سامي كليب: المأزق بدأ خصوصا حين انشق الدكتور حسن الترابي عن رفاقه في قيادة البلاد، فهو تنافر مع نظام الفريق عمر حسن البشير رغم أنه من أبرز عرابيه، وكان للانشقاق أثر كبير على صورة الحركة الإسلامية في الداخل والخارج. وقد سعى ضيفنا غازي صلاح الدين العتباني لاستنباط مشروع توافقي يؤسس لقيام حركة سياسية جديدة، ولكنه تراجع عن ذلك لكي لا يبدو الأمر انشقاقا سياسيا غير أنه لم يتراجع عن التعبير عن نمط مغاير من العمل السياسي الإسلامي، فراح يردد عبارات لافتة ومنها ما يتعلق بصفة الإسلامي التي لا يراها ضرورية.

غازي صلاح الدين العتباني: أنا في اعتقادي أول حاجة ليس لدينا أي تعصب لشكل تنظيمي ولا أعتقد أن الإسلام ولا.. ولست متحمسا حتى لكلمة إسلامي، نحن مسلمون، ولكن اصطلاح الناس يسمونها كذلك فنحن نقبل للتسيير على الناس. ولكن حتى الرؤيا الإسلامية الحديثة التي قامت ابتداء من حسن البنا انتهاء إلى التجربة الراهنة لدينا هي تجربة إسلامية واحدة من التجارب ليست ملزمة لإجماع المسلمين ولا ينبغي أن تدعي احتكارا للإسلام أصلا ولا ينبغي أن تدعي احتكارا للحقيقة، هي تجربة إنسانية.

سامي كليب: لحتى يعني في نقدك للتجربة الإسلامية وفي المطالبة بتحديث هذه التجربة لك كلام واضح عن بعض حتى النصوص التي يجب ألا تؤخذ كما كتبت وإنما يجب أن تحدث ويجب أن تتجاوب مع متطلبات العصر، يعني ربما تحضرني بعض الأشياء التي وضعت تحتها إشارات ولكن تقول إنه مثلا "من المفارقة أنه في الوقت الذي تخلصت فيه العقلية المسيحية الغربية من النظرة السالبة إلى المستقبل ومستجداته فيما بعد، وقعت العقلية الإسلامية في شرك الشك واليأس في المستقبل ووارداته" ويعني هذا من الأشياء في الواقع إن الإيمان بالساعة مثلا تقول إن الإيمان بالساعة شرط ضروري من شروط الإيمان والأحاديث واضحة في أن اللحظة التي تقوم فيها الساعة هي أسوأ لحظات البشرية وأن الذين تقوم عليهم الساعة هم أشرار الناس وبرغم ذلك ينبغي أن يراعى التأويل في حقيقتين، الحقيقة الأولى سأذكرها فقط، هي أن الأوصاف الواردة في وصف آخر الزمان لا تستوجب اعتبارها حالة مستمرة أو اعتباره بالأحرى لآخر الزمان، حالة مستمرة بغير انقطاع ومتصاعدة بغير انخفاض. يعني هذا طبعا بعض مشايخ منظري الإسلام إذا صح التعبير سوف ينتقدونك لو قرؤوا مثل هذا الكلام، يعني وكأن..

غازي صلاح الدين العتباني: (مقاطعا): والله أنا تلوت هذه الورقة وكان هنالك عدد كبير من المشايخ في مؤتمر في الخرطوم ولم يعترضوا عليها، بعضهم أضاف إليها ملاحظات. لكن جوهر الفكرة هو ماذا؟ نحن في العقلية الإسلامية كمسلمين يعني ليس كحركة إسلامية، ولكن عامة في الثقافة الإسلامية التاريخ عندنا مقدس، فأنت الآن إذا أردت أن تستشهد.. حتى بالنسبة للقومي العربي بالمناسبة أو اليساري العربي أو كذا أنت إذا أردت أن تستشهد لا بد أن تستشهد بالتاريخ، يعني لو كنت ناصريا فستستشهد بعبد الناصر، والمستقبل في عقليتنا متهم دائما، وذلك لتأويل بعض الأحاديث تأويلا غير صحيح، كأنما نحن نمضي بغير انقطاع لآخر الزمان، صحيح طبعا يعني من حيث التوقيت والزمن نحن نمضي إلى الأمام الوقت الذي مضى لا يرجع، ولكن كأنما لا خير في المستقبل، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول {ثلة من الأولين، قليل من الآخرين}[الواقعة:13-14]..

سامي كليب (مقاطعا): وكأنما الخيارات محدودة.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): نعم، كأنما الخيارات محدودة. وبالتالي إذا تبنيت هذه العملية فلا فائدة في المستقبل فلماذا أتعلم حتى على المستوي الفردي؟ يعني هي الموضوع كله هو خربان خربان كما يقال فلماذا أجتهد؟ هذا مفارقة جوهرية. العقلية المسيحية قبل الحركة الإصلاحية في.. أيضا كانت تنظر هذه النظرة ولكن أصبحت الآن أكثر دولة الآن متقدمة يقال من باب الطرافة أنها متقدمة لأنه ليس لديها تاريخ لأن التاريخ مكبل، إذا نظرت إلى التاريخ هذه النظرة السالبة فهو تاريخ مكبل. فنحن إذا أردنا كمسلمين عامة يعني وليس كحركة إسلامية أن ننهض لا بد أن ننظر نظرة جديدة للمستقبل لا بد أن يكون المستقبل هو مجال عملنا..

سامي كليب (مقاطعا): وهذا سبب نقدك للتاريخ أيضا، التاريخ الإسلامي يعني في مراحل معينة. يعني مثلا لو أن ماركسيا كتب ما كتبت لما كنا لمناه. طبعا أنا أحيي فيك هذه القدرة على إعادة النقد ولكن الكثيرين ربما سيلومونك على ما تكتب عن الإسلام في مرحلة معينة. تقول مثلا "إذا تركنا الجانب الوصفي إلى الرؤيا التحليلية يمكنني القول إن تبني الإسلام منذ الاستقلال اتسم بقدر كبير من الشعاراتية".

غازي صلاح الدين العتباني: صحيح.

سامي كليب: وكأنه ما كان في نهج يعني فقط شعارات.

غازي صلاح الدين العتباني: صحيح، يعني أولا دعني أثبت أنه أنا لا أدعي أن الحقيقة المطلقة بالنسبة لي لدينا نحن كتيار سياسي ولا ينبغي أن نقول إننا نحتكر الإسلام دون المسلمين الآخرين، نحن أصحاب رؤية وأنا منتمي إلى هذه الرؤية أستطيع أن أدافع عنها. ولكن أيضا الشعارات هي موجودة، الحركة السياسية العربية كلها تعاني من هذه الأزمة..

سامي كليب (مقاطعا): الشعارات، صحيح.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): إطلاق الشعارت. ولكن أنت عندما تتناول قضية الإسلام لا بد أن تتناولها بجدية كبيرة.

سامي كليب: لكي لا نطيل الحديث عن إعادة نقد التجربة الإسلامية يعني سأطلب منك دكتور غازي صلاح الديهن العتباني يعني بوصفك مستشارا لرئيس الجمهورية ولكن أيضا رئيس للكتلة البرلمانية للحزب الحاكم وأحد المنظرين الأساسيين للحركة الإسلامية، يعني ما هي على الأقل خمسة أخطاء ارتكبتها الحركة الإسلامية لكي وصلت إلى فقدان جزء من شرعيتها مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: أول خطأ قاتل لم يتدارك فيما بعد هو أنها حلت نفسها، فقدت المؤسسات التي يمكن أن تستبقيها حية جذورها. الخطأ الثاني في اعتقادي أنها بدأت فيما أحذر منه الحركات الإسلامية والحركات السياسية عموما أنها صنعت عداءات في المجتمع غير ضرورية.

سامي كليب: مثل شو مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني لاحقت بعض الناس ملاحقات عقابية، فصلتهم من العمل، أشياء. فكونت دائرة عداء لم تكن ضرورية للفكرة، يعني أصلا الفكرة لم تكن محتاجة لذلك. أعتقد من الأخطاء الخطأ الثالث ولكن هذا لا تتحمل مسؤوليته كاملة أنها جاءت إلى الحكم أعقاب أو مع مشكلة العراق الأولى، فتمادت في دور ساهم في تعقيد الموقف العربي بصورة عامة وأفقد.. الحركة الإسلامية في السودان تعتمد على الإرث الإسلامي العربي جدا وبالتالي المحيط الحيوي لها هو في المنطقة العربية الإسلامية. أنت تعلم أن المنطقة انقسمت في تلك اللحظة انقساما كبيرا.

[فاصل إعلاني]

العلاقة مع الترابي وأسباب الخلاف

سامي كليب: حين يجري الحديث عن الحركة الإسلامية في السودان يقفز إلى الأذهان قفزا اسم الدكتور حسن الترابي فهو الذي ضمن الغطاء الإسلامي الشرعي لما عرفت بثورة الإنقاذ أي الانقلاب على السلطة عام 1989، وهو الذي تحالف طويلا مع الرئيس الفريق عمر حسن البشير ودعمه واقترب من المعارضة في طرفيها الشمالي والجنوبي فزج به في السجن خصوصا حين اشتدت الضغوط الخارجية على السودان بعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك. وكان ضيفنا الدكتور غازي صلاح الدين العتباني الذي يعتبر التلميذ الأبرز للدكتور الترابي مبادرا إلى مراسلة الشيخ في سجنه محفوفا برغبة إعادة وصل ما انقطع. أين الخلاف إذاً معه؟

غازي صلاح الدين العتباني: الخلاف أصلا بدأ مبكرا في نظري، أنا عندما أرسم رسما بيانيا في اعتقادي أن جرثومة الخلاف أو جذور الخلاف يمكن أن تردها إلى عام 1992 أو 1993، يعني هنالك أشياء كثيرة أنا كنت مقررا وأدون المحاضر في بعض المؤسسات الخاصة ولست في حل من أن أقول كل شيء، ولكن بصورة عامة الخلاف بدأ في الاتجاه الكلي يبرز آنذاك. حادثة 1995 اللي حادثة محاولة اغتيال حسني مبارك أيضا كانت منعطفا مهما جدا لأنها زرعت الشك في بعض المؤسسات الخاصة بالحركة أو الخاصة بالدولة. حدث بعد ذلك تباين في وجهات النظر إلى مستقبل السودان السياسي، هل نعود إلى النظام التعددي الحزبي، طبعا هذا ليس من أسباب الخلاف لأنني أنا شخصيا كنت متبنيا الاقتراح الذي فاز بعودة النظام التعددي الحزبي..

سامي كليب (مقاطعا): والذي كان يؤيده الدكتور الترابي.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): الذي كان يؤيده الدكتور الترابي وكان يؤيده الأخ علي عثمان أيضا والغريب أنه كان يؤيده الرئيس البشير أيضا، أقول الغريب لأنه كان ينتظر من شخص ذي خلفية عسكرية أن يكون ضد ذلك..

سامي كليب (مقاطعا): ضد التعددية.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): ولكن الحق يقال أنه كان مؤيدا له. لكن تفاعلات هذه المسائل الثلاث في اعتقادي أنها أدت إلى المفاصلة وفي اعتقادي أن المفاصلة ما كان ينبغي أن تحدث أن تقع لولا شخصية الدكتور الترابي الحدية أحيانا. هو يرى أنه، عندما يرى الحق يقف مع الحق، هذا ما يقوله طبعا، ولكن كان يمكن تجاوز الخلاف بحصره وباحتوائه وامتصاصه في داخل المؤسسات. تداعيات هذه المسائل هي التي أدت إلى الانشقاق في النهاية.

سامي كليب: طيب حضرتك على المستوى الشخصي دكتور غازي تعتبر أنه عندك خلاف فكري فقط، سياسي فقط مع الدكتور حسن الترابي أم خلاف فكري في بعض المناحي أيضا؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني المشكلة أنه في مؤخرا أثيرت قضية الفتاوى التي أطلقها، أنا لا أتفق معه في معظمها على الأقل يعني..

سامي كليب (مقاطعا): شو، فتوى زواج المسلمة يعني من غير المسلم؟

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): مثلا يعني وقضية المتعلقة بالغيبيات التي لا نعرفها حقيقة إلا نؤمن بها إيمانا والله سبحانه وتعالى يقول {..يؤمنون بالغيب..}[البقرة:3] مثل قضية عذاب القبر مثلا. لكن أنا لست مفتيا أصلا ابتداء يعني لست داخلا في جدل مع شخص في قضية علمية..

سامي كليب (مقاطعا): هلق هو برر بشكل، لست هنا بصدد المدافعة، ولكن هو برر أنه كمان العلم يجب أن يكون له دور في منطق الدين كمان.

"
الفتاوى الأخيرة لحسن الترابي أعتقد أن الذي أضر بها أنها جاءت في سياق بدا سياسيا وليس علميا، وكأنما قيلت من منابر لإيصال رسالة سياسية أكثر منها رسالة علمية
"
غازي صلاح الدين العتباني: نعم، لا بد. يعني ما يثبت علميا طبعا لا بد أن يكون له وقع وله دور، أنا أتفق معك في ذلك. ولكن مشكلة الفتاوى الأخيرة وأنا رفضت التعليق عليها مطلقا والآن أتجنب التعليق عليها، أعتقد أن الذي أضر بها أنها جاءت في سياق بدا سياسيا وليس علميا، يعني كأنما قيلت من منابر لإيصال رسالة سياسية أكثر منها رسالة علمية، أعتقد أن هذا يضر بمنهج الأطروحة. لكن بصورة مطلقة أنا لا أعتقد أنه يجب أن نفسق الناس أو نزندق الناس بسبب آراء يقولونها وبعض الآراء التي قال بها قالها أناس من قبله، لم يؤخذ بها..

سامي كليب (مقاطعا): إن أذكر جيدا، كنت في طليعة من وجه إليه الاتهامات ليس بسبب الفتاوى من قبل.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): لا، ليس بسبب الفتاوى ولكن في المشكلة السياسية أي نعم.

سامي كليب: يعني أنا أذكر وأنت يذكر وهو يذكر خصوصا يذكر هذه الحادثة من بعد لقاءاته في جنيف مع الحركة الشعبية وحين حضرتك عقدت مؤتمرا صحفيا وطلبت محاكمته وقلت من يكلفه بالنطق باسم الإسلام أساسا يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: لم أدع في أي مرة إلى محاكمته..

سامي كليب (مقاطعا): في المؤتمر الصحفي دعيت.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): لم أقل، صحيح أنني كنت في ذلك المؤتمر كنت شديدا عليه ليس بسبب لقاء جنيف، بسبب المذكرة التي وقعت مع الحركة الشعبية، وكنت أنا أرى توقيع المذكرة بتلك الطريقة فيه خيانة لتاريخ الحركة الإسلامية، هذا ما كنت أراه، ولكن على كل حال..

سامي كليب (مقاطعا): بس تشاء الصدف أنه بعد سنوات وقعت حضرتك.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، لكن هذا مختلف، سياقه مختلف تماما. المذكرة التي وقعت والاعتراض عليها لم يكن اعتراضا على مبدأ أن توقع مذكرات ولكن الاعتراض كان هو على النص الذي ورد فيها بأنهم يعملون لإسقاط الحكومة، وتلك كانت حركة متمردة..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن لم تكن هناك دعوة صريحة لإسقاط الحكومة، هيك أنتم فسرتم الأمر.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، كان في دعوة صريحة.

سامي كليب: من الدكتور الترابي؟

غازي صلاح الدين العتباني: أقصد من المذكرة، المذكرة مكتوب فيها هذا الكلام. على كل يعني أنا زي ما قلت لك ولعلني أشرت إلى ذلك في بعض مقالاتي عندما تحدثت عن مشارقة ومغاربة، أن واحدة من آفات العالم الإسلامي هو عدم القدرة على احتمال الآراء لدى الناس، فهذا ابن القيم يقبل أو يجد العذر لأبو إسماعيل الهروي في بعض الآراء ولا يجد العذر لابن عربي مثلا.

العلاقة مع الرئيس عمر البشير ومواطن الاتفاق والخلاف

سامي كليب: في المراسلات بينك وبينه، يعني المراسلات أخذت في الواقع ضجة كبيرة هنا في السودان لأنه كان أول اتصال وكان جاء ذلك في سياق رغبتك الشخصية أيضا وموافقة عامة بشكل عام يعني ربما بعض التناقضات مع بعض الزملاء لك ولكن بشكل عام أنه نحو إعادة رأب الصدع إلى صح التعبير وكان ضروري إعادة الصلح أو التفاوض أو إيجاد قواسم مشتركة مع الدكتور الترابي، ولكن المراسلات كانت في البداية سرية بينك وبينه وفضح سرها على ما يبدو من أحد المقربين من الدكتور الترابي وفق ما رويت حضرتك ويعني الجماعة ما بينفوا كثيرا الموضوع. هل الرئيس عمر حسن البشير كان عالما مسبقا أو مدركا مسبقا أنه في نية للتراسل مع الدكتور الترابي؟

غازي صلاح الدين العتباني: أخبرته أنا وقلت له إن لدي مبادرة وفي ذلك الوقت كانت سوق المبادرات رائجة يعني لم يكن هنالك اعتراض نفسي أو موقف من المبادرات، كانت المبادرات رائجة وكان يأتينا بعض القادة الإسلاميون من خارج السودان كما جاء الشيخ يوسف القرضاوي جاء آخرون فلم يكن معيبا أن تتقدم بمبادرة، خاصة أني كنت..

سامي كليب (مقاطعا): كان يطلع على الرسائل؟

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): لا، لكن قلت له وهو لم يكن متحمسا في الحقيقة، قال لي لن تفلح.

سامي كليب: ولكن جرت.

غازي صلاح الدين العتباني: ولكن يعني بهذه الطريقة. لم يكن يتوقع يعني..

سامي كليب (مقاطعا): طيب أنا فهمت أنه كان مدركا لأنه في مراسلات ولكن لم تخبره حين التقيت بالدكتور الترابي.

غازي صلاح الدين العتباني: كان هذا طبعا.. لا، قلت له أنا لدي.. طبعا لم أخبره بتفاصيل المسائل يعني لم أقل له التقيت بالدكتور الترابي ولكن أنا التقيت بالدكتور الترابي بمعرفة رجال الأمن طبعا لأنه كان معتقلا في مكان..

سامي كليب (مقاطعا): ولكن لم تخطر الرئيس.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): لا، قلت أخبرته بمبدأ المبادرة مطلقا. يعني قضية..

سامي كليب (مقاطعا): وليس باللقاء.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): وليس باللقاء طبعا، وقلت له إنه لدي مبادرة معه. وهو حقيقة أن الأخ الرئيس في طبيعته لا يتدخل كثيرا في التفصيلات فقال يعني لن تجد خيرا ولكن على كل حال..

سامي كليب (مقاطعا): بس مرة تدخل بالتفصيل يعني ذهبت إلى العمرة دون أن تخطره زعل على ما يبدو.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، هذه فيها حادثة مختلفة تماما.

سامي كليب: شو القصة؟

غازي صلاح الدين العتباني: هذه ليست ذهابا للعمرة، هذه بعد أن احتدم الصراع جدا، لوحظ أن المبادرة مع الدكتور الترابي قد حدثت وقد كان في النفوس بعض أمل في العودة وفي التصافي ولكن الذي حدث طبعا هو قبل قضية العمرة هو خلاف في قضية السلام وأنا اعترضت على الطريقة المنهجية التي غيرت المنهجية التي أسستها أنا والتي كان لها الفضل في نجاح المفاوضات في اعتقادي لأنها نقلت المؤتمر الوطني والإسلاميين داخليا..

سامي كليب (مقاطعا): لدينا كلام عن السلام بعد لحظات، ولكن بسببها..

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): طيب، إذاً هذا الخلاف. ولكن التقيت..

سامي كليب (مقاطعا): حصل يعني تذرع بذهابك إلى العمرة بعد الخلاف على السلام وتمت إقالتك؟

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): لا، التذرع كان بمقابلة حدثت مع الدكتور الترابي وكانت مقابلة اجتماعية أظنه بعد العيد أو في شيء من هذا القبيل أو في رمضان وقلت فيها عندما سألتني الصحافة أنه هل أنت زرت الترابي قلت أنا أني زرته وتناقشنا بصورة عامة وفي الحقيقة وجدت لديه استعدادا طيبا للتفاهم مع الحكومة. قلت هذا الكلام، فهذا كان قد أثار غضب الكثير من الناس ربما الرئيس يعني فيما قاله، لم يقله لي شخصيا ولكن فيما قاله لآخرين. وأنا قلت قولتي في هذه قلت ليس للرئيس حق وأقولها الآن طبعا ليس لأي شخص حق في أن يفرض علي علاقاتي الاجتماعية..

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال أنت بتعرف أن رسل الشر أكثر من رسل الخير عادة بين البشر، بس يبدو أنه نقل إلى الرئيس عدة مرات أنك انتقدته في بعض المجالس الخاصة له وللشيخ علي عثمان يعني نائبه. صحيح هذا الكلام يعني هو هذا سبب الخلاف؟

غازي صلاح الدين العتباني: أنا حتى هذه اللحظة كما تقرأ أنت وتستغرب حتى لكتاباتي أنا مفعم جدا وممتلئ بالفكرة التي بدأت عليها حياتي وأعتقد أن الإسلام دين موحي وملهم ومعبئ للإنسان ويمكن أن يحدث تغييرا كبيرا في حاضر أمتنا.

سامي كليب: وهو كان ينزعج من هذا الكلام؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، لا ينزعج. أنا أقول إنني أقول كلامي وأعبر عن وجوه القصور التي أراها في تجربتنا، ولكن على المستوى الشخصي كل الذين ذكرتهم الأخ الرئيس الأخ علي عثمان أحتفظ بعلاقات متميزة جدا معهم ومحبة حقيقة ومودة..

سامي كليب (مقاطعا): هذا كلام دبلوماسي.

غازي صلاح الدين العتباني: لا والله ليس كلاما دبلوماسيا، يعني..

سامي كليب (مقاطعا): مع الشيخ علي عثمان العلاقة مش دائما جيدة.

غازي صلاح الدين العتباني: لا أبدا والله.

سامي كليب: حصلت خلافات كثيرة أثناء السلام.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، حصلت خلافات وربما نختلف في منهجنا نحن ونتباين في أشياء كثيرة ولكن أنا على المستوى الشخصي لا أخوّنه ولا أظلمه وأعتقد أنه شخص له إسهامات وله أفكار، للأسف أننا قد لا نلتقي في بعض الأفكار، ولكن على المستوى الشخصي وبالمناسبة وهناك قرابة أسرية حتى من خلال الزوجات، فيعني نحترم هذه العلاقة جدا ونلتقي بالمناسبة يعني.

سامي كليب: طيب الدكتور الترابي في بعض ردوده عليكم وعلى بعض رسائلك قال يحكي طبعا عن السلطة القائمة حاليا أنهم خانوا ميثاق المؤتمر الوطني في نظامه الأساسي بتدابير هدموا بها كل البنى القيادية المنتخبة، انتهكوا أصول الدين والدستور والقانون والرقابة العسكرية على حرية الصحافة والندوات والاستبداد على الرأي العام، أخذوا يتجهون لفصل الدين عن الدولة ويفارقون الوجهة والأصالة الوطنية باتخاذ سياسات مالية منفتحة للربا والفساد وسياسات خارجية ذليلة. شو رأيك بهالتوصيف؟

غازي صلاح الدين العتباني: هذا كلام شخص غاضب، ولا يقضي القاضي وهو غضبان. لا أقبله أصلا، يعني أختلف تماما في هذه المسائل كلها ولدي أنا الأدلة التي بنيت عليها موقفي لأنني كنت أسجل الوقائع وأسجلها بكل صدق وأمانة ومستعد للسؤال يعني عنها، فهذا كلام إنسان غاضب.

سامي كليب: طيب ليش أثرت، وأنت من الذين أثاروا الدكتور الترابي في فترة معينة، مثلا وثيقة العشرة التي دعت إلى توحيد القيادة العليا وإكسابها معنى وأثر، يعني وكأنه حصر القيادة بالقيادة وهو ما تنتقده في الواقع في كتاباتك لاحقا يعني.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، المذكرة ما سمي مذكرة العشرة وهذا الاسم أطلق عليها ليشوهها، هي مقترح تعديل نظام أساسي وقدم بالطريقة القانونية الشرعية اللائحية يعني أنه قدم من عشرة أشخاص أمام مجلس الشورى، لم يقدم أمام الأمم المتحدة لم يقدم أمام منظمة الوحدة الأفريقية، قدم أمام المنظمة المؤسسة التي هي معنية بتعديل النظام الأساسي..

سامي كليب (مقاطعا): طيب ولكن لم تمر على الدكتور الترابي اللي كان المفترض..

غازي صلاح الدين العتباني: (مقاطعا): لم تمر عليه لأنه لم يكن ليسمح لها بأن تمر. هذا كنا نعرفه نحن.

سامي كليب: بس القانون كان يفرض أن يراها.

غازي صلاح الدين العتباني: لا، لا يفرض بالعكس تماما، والدليل أن مجلس الشورى قد أجازها في النهاية يعني لم يعترض عليها قانونيا أو لائحيا، ولكن الذي أخذ عليها من البعض هو أنها لم تعرض على الدكتور الترابي سلفا..

سامي كليب (مقاطعا): وعرضت على الرئيس بالمقابل.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): عرضت على الرئيس وعرضت على آخرين محدودين ولكن قوة المذكرة وقوة مضمون المذكرة هو فيما تقوله بدليل أنها أجيزت. يعني كان يمكن للترابي بكل قامته وتأثيره أن يقول هذا الكلام غير مقبول وغير لائحي، وتسقط، ولكنها قبلت وهو نفسه قبلها في النهاية، قبل مقتضاها يعني. المذكرة كل ما رمت إليه لم ترم إلى ولم تقل بإزالة الترابي من موقعه، كل ما رمت إليه قالت إن رئيس الجمهورية الذي نطالبه بأن يكون مطواعا لنا كحركة سياسية في قراراتنا هو ليس جزء من الأطر القيادية. فكل الذي طلبته أن يكون الرئيس بنفسه جزء من الحركة القيادية الأطر القيادية، هذا هو الذي طالبت به المذكرة.

سامي كليب: طيب اسمح لي بالسؤال المباشر دكتور غازي، أنت اليوم مع رئيس الجمهورية؟

غازي صلاح الدين العتباني: أي نعم.

سامي كليب: بسياسته، كل سياسته؟

غازي صلاح الدين العتباني: لا، أنا لي آراء كثيرة جدا بالمناسبة ولا أخفيها من أحد، يعني عشان أخفف عليك الشيء مثال، أنا أقول مثلا ما أراه الآن قائما يمثل بالنسبة لي أحيانا أقول 20% أحيانا أقول 10% مما كنت أطمح عليه، هذا دبلوماسيا يعني أن هنالك تقصير في 90 إلى 80%. لكنني لا أحمل المسؤولية لشخص في الحقيقة، أنا في كل ما أكتب وكل ما أقول، أقول إن المشكلة هي في المنهج..

سامي كليب (مقاطعا): وتنتقد نفسك حتى وتجربتك..

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): وأنتقد نفسي. ولذلك أنا أرفض تحميل المسؤولية التاريخية للترابي وأرفض تحميل المسؤولية التاريخية لعمر البشير تماما، وأقول هما الاثنان صنيعتان للأحداث من حولهما وصنيعتان للأشخاص الذين ساعدوهما وأعانوهما.

عن اتفاق السلام ومستقبل السودان

سامي كليب: من المحطات السياسية والشخصية البارزة في تجربة ضيفنا الدكتور غازي صلاح الدين العتباني المستشار الرئاسي السوداني محطة التفاوض مع الجنوب، فبعد حوالي الربع قرن من الاقتتال بغية قمع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة العقيد جون قرنق قرر الطرفان الجلوس إلى طاولة التفاوض وحقن الدماء والمال. بتوليه ملف السلام وإعداده لاتفاق مشاكوس الشهير ساهم غازي صلاح الدين العتباني في نقل البلاد من منطق البندقية إلى منطق السلام، وسوف يذكر التاريخ السوداني الحديث أن عام 2002 سيبقى في ذاكرة الأجيال عام السلام بامتياز، ففيه تم توقيع اتفاق سلام مشاكوس اتفاق اعتبره العتباني وكثير من السودانيين الاتفاق الأول والأنجح لأنه أوقف العداوات والأعمال العسكرية، أما منتقدوه فيقولون إن مشاكوس شرّع فصل الدين عن الدولة.

"
اتفاقية مشاكوس كانت إطارا سياسيا عالج أكبر مشكلتين منذ استقلال السودان بطريقة ذكية ومعقولة وهي التي فتحت أبواب السلام فيما بعد
"
غازي صلاح الدين العتباني: طبعا أي اتفاق هو تسوية تاريخية بمعنى أنك لا تستطيع أن تحصل كل ما تطلبه من خلال اتفاق، لكن مشاكوس كانت إطارا سياسيا عالج أكبر مشكلتين منذ الاستقلال بطريقة ذكية وبطريقة معقولة وهي التي فتحت أبواب السلام فيما بعد. القضيتان هما: قضية الشريعة الإسلامية وهي لم تشرع لفصل الدين من الدولة لأنها قالت فقط بما كان مطبقا في الواقع لأن الجنوب يغلب عليه غير المسلمين يبقى مستثنى من الشريعة الإسلامية ولكن الشمال يبقى تحت ظل التشريعات الإسلامية..

سامي كليب (مقاطعا): إذاً منطق دولتين عمليا.

غازي صلاح الدين العتباني: هو منطق نظامين لكن النظامين الآن وفي السابق لم يكونا على أساس الدين كان هنالك حديث عن الثقافة، كان التعليم في الجنوب باللغة الإنجليزية مثلا كانت منطقة الجنوب منطقة مقفولة في العهد الاستعماري حتى أنهم يصنعون ثقافة معادية للثقافة العربية فكان هناك أصلا أصول لفكرة أن يكون هنالك نظامان، هذه مجرد استفادة من هذا الواقع أنك تقول خلاص ما دام أنتم ترون أن الشريعة ضارة بكم ومضيعة لحقوقكم فليكن هذا هو الترتيب. المسألة الثانية كانت هي مسألة تطوير لفكرة الحكم الذاتي وهي تقرير المصير، وتقرير المصير عندما أعطي في مشاكوس كان قد ظهر في كل أدبيات المعارضة والحكومة، كانت موجودة في الدستور ولذلك عندما كان بعض الناس يقولون لي أنت قدمت تنازلات كبيرة، قلت لهم أنا لم أقدم تنازلا لم نقدمه أصلا، لأنه كان موجودا في الدستور وكان موجودا في النظام الأساسي للمؤتمر الوطني وكان موجودا في مقررات مؤتمر أسمرة للمعارضة السودانية، أصبح في الأدبيات. فقدمت إطارا سياسيا حل إشكالية متجذرة وعميقة وكانت أصداؤها في الغرب بالذات قضية الإسلام، ولذلك عندما كان يأتينا الغربيون ويقولون لنا الإسلام، كنا نقول لهم أنتم يعني كاثوليك أكثر من البابا، هؤلاء الجنوبيون قالوا إنهم لا يمانعون في وجود تشريعات إسلامية في الشمال. فهو الاتفاق أو بروتوكول مشاكوس عندما يؤخذ مع اتفاقية وقف العدائيات هو في الحقيقة الذي حقق السلام.

سامي كليب: ما هي الهنّات بهذا الاتفاق؟ أو بالأحرى أماكن الضعف اليوم لو عملت نقدا ذاتيا له مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: طبعا يعني تقرير مصير هو تعبير عن فشل النخبة السودانية منذ الاستقلال في استيعاب الجنوب بما فيها نحن، هذا هو الخطأ الرئيسي. هو صحيح أنك تتعامل مع نظامين ولكن قضية أن تكون الشريعة حاكمة في الشمال وغير حاكمة في الجنوب هي تكريس هي إضافة تكريس للنظامين والنظامين يمكن أن يتحولا إلى انفصال طبعا،هذه الخطورة.

سامي كليب (مقاطعا): والقلق كبير حاليا.

غازي صلاح الدين العتباني: (متابعا): والقلق كبير هذه حاليا. طبعا أيضا هنالك تعابير وردت وأصر عليها الغربيون جدا وأنا كنت أشك في أن الجنوبيين يصرون عليها.

سامي كليب: مثل شو مثلا؟

غازي صلاح الدين العتباني: أن السودان متعدد العرقيات متعدد الثقافات متعدد اللغات متعدد الأديان، سبعة أشياء، حتى في اللغة الإنجليزية يقال Multi, multi.. فأنا كنت أقول أصبح السودان ملطشة. يعني هذه Multi، Multi-ethnic, Multi-religious.. فكأنما هم يقولون إن السودان هذا لا يجمع بينه جامع، لا يجمع شيء بين السودانيين لا لغة ولا دين ولا ثقافة ولا كذا ولا عرق، طبعا هذا تكريس للانفصال، هذا هو الغرب يعني كما..

سامي كليب: أنت اليوم قلق أن الجنوب سينفصل؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني قلقي يمتد إلى أبعد من انفصال الجنوب لأنني أعتبر أنه دائما عندما أجادل أقول لا توجد تجربة انفصال فيما يسمى بالعالم الثالث، وأنا لا أحب كلمة العالم الثالث وإنما أقول الدول النامية، إلا وانتهت إلى حروب، باكستان والهند، كوريا الشمالية كوريا الجنوبية، اليمن الشمالية الجنوبية، أريتريا إثيوبيا..

سامي كليب (مقاطعا): بس الانفصال حتمي تقريبا؟

غازي صلاح الدين العتباني: يعني لو حكمت اليوم أرجح أنه سيحدث لو أجري الاستفتاء اليوم.

سامي كليب: احتمال انفصال الجنوب سيحدث، قد يحدث، عبارات تتراوح بين اليقين والشك النازع نحو اليقين. يبدو أن تلك المنطقة صارت تتجه فعلا للانفصال ما يجعل المسؤولين السودانيين قلقين من احتمالات ما بعد الانفصال والتداخلات الكثيرة التي قد تحدث من قبل جوار غالبا ما كانت علاقاته بالسودان مضطربة. العقيد جون قرنق قتل في حادث تحطم طائرة وفقدت الحركة الشعبية قائدها الكاريزماتي الذي صنع الوحدة مع الشمال بعد حرب ضروس كادت تقارب الربع قرن وكادت تمتص ميزانية الدولة، فكيف ينظر أهل الشمال اليوم إلى قرنق؟ هل كان وحدويا؟ سألت غازي صلاح الدين العتباني مستشار رئيس الجمهورية الذي عرف قرنق عن قرب.

غازي صلاح الدين العتباني: نعم، أعتقد أن الأولوية بالنسبة إليه كانت الوحدة، لا أقول إنه وحدوي مطلقا، بمعنى أنه كان مستعدا للتراجع للموقف الانفصالي إذا لم يحقق الخيار الأول، ولكنه كان وحدويا على رؤيته هو للسودان، كان يسميه المشروع السوداني الجديد الذي لم يكن يرى فيه مكانا للثقافة الإسلامية العربية، في تقديري أنا، وهذا يجعل مشروعه الوحدوي متناقضا مع المشروع الوحدوي الوطني جملة، ليس مشروع الحركة الإسلامية وليس مشروع حزب الأمة وليس مشروع الحزب الاتحادي، ولكن جملة الحركة الوطنية التي جعلت من ثوابتها الثقافة العربية الإسلامية كان متناقضا معها، ولذلك في تقديري أنه صحيح أنه كان.. وهو رجل كان يعني مفكر نمرة واحد، هذا الشيء الأول وكان حقيقة له كاريزما قوية يعني في الشمال.. في الجنوب بصورة أساسية حتى في الشمال.

سامي كليب: اتفاقية مشاكوس كتبها خبراء بعضها من جنوب أفريقيا قيل إن الاتفاقيات صيغت بلغة معقدة وصعبة وتحتمل الكثير من التفسيرات والتأويلات، لكن علم السياسة يقول إن التنازلات هي أحد فنون التسويات وفي التسويات لا يمكن للمرء أن يحصل على كل ما يريد فكيف إذاً والولايات المتحدة والغرب كانا يلقيان بكل ثقلهما ضغطا على السودان لتوقيع السلام مع الجنوب، ربما لمصلحة الجميع سوى السودان.

غازي صلاح الدين العتباني: صحيح طبعا أنها لا تعجبنا كلها، ولكن كما قلت لك إن أي تسوية تاريخية هي عبارة عن توافق، فالذي كان أمامي عندما كنت أريد أن أوقع وكان قد اتصل بي بعض ناس كبار يعني وقالوا لي نحن نرى ألا نوقع، ولكني اتصلت بالرئيس شخصيا وقلت له شوف الآن هذا موقف تاريخي نحن لم يضر بنا شيء منذ الاستقلال مثل حرب الجنوب والآن لدينا فرصة لعبور تاريخي هذا هو الاتفاق، فأنا أرجو أن تقول لي ما رأيك بناء على اجتماعك مع المكتب القيادي. وقد كان الرئيس التقى بالأخوة في المكتب القيادي وعرض لهم الصورة كما عرضتها أنا وقال لي توكل على الله.

سامي كليب: بس هيدي لها رواية أن السيد الخطيب اتصل بك وأنت اتصلت بالرئيس، رئيس الجمهورية، وكان عندكم إنذار أنه يجب أن توقعوا عند الثانية فجرا الاتفاق وكان إنذار تقريبا بغطاء أميركي في مرحلة معينة.

غازي صلاح الدين العتباني: لا هذا غير صحيح، ليس صحيحا مطلقا. أنا في.. أول أقول لك صراحة رغم أني أدعو إلى عقلانية التعامل مع أميركا لأنها ليست شيئا واحدا يعني هنالك تيارات فيها، ولكن لم أحمل لها مهابة في قلبي أصلي ولا هذه اللحظة، يعني أعتقد أن النظام أيضا له نقاط ضعفه ولذلك ليس هذا صحيحا.

سامي كليب: كل اتفاقيات السلام التي أشرفت عليها، الاتفاق تحديدا مشاكوس بكل تفاصيله الغريب أنك كنت مسؤول السلام مستشار الرئيس لشؤون السلام لم تحضر أي جلسة، كان متعمدا الأمر؟ شو السبب؟

غازي صلاح الدين العتباني: أي نعم، كنت أحضر بعض الجلسات حضرت بعض الجلسات ولكن منهجي أولا أنني كنت أحتفظ بمسافة بيني وبين المتفاوضين لأنني كنت أرى أن الشخص المرجعي في التفاوض هو الذي يعطي التنازلات في الآخر هو الذي يتدخل في اللحظة المناسبة ليقول نحن نقبل بكذا فأحتفظ بمسافة الرفض أو القبول.

سامي كليب: ما هو الأمر الذي تنازلت عنه فعلا بيعني غصة إذا صح التعبير؟

غازي صلاح الدين العتباني: هو تقرير المصير طبعا.

سامي كليب: تقرير المصير. فيما بعد جاءت اتفاقيات أخرى جاءت اتفاقية نيفاشا وطبعا حصل كمان مفاوضات كثيرة في شأن السلام ولكن بدل أن نذهب باتجاه وحدة السودان بدأنا يعني نرى بؤرا للتوتر كثيرة واليوم دارفور يعني أبرز شاهد ونحن عندك على ما يحصل فيها. أفهم أنه لك تحفظات كثيرة على الذين فاوضوا بعدك خصوصا أن الذي تولى ملف السلام هو الشيخ علي عثمان نائب رئيس الجمهورية ولكن على ما يبدو لك أيضا تحفظات على ما حصل فيما بعد، تقول إنهم نسفوا مشاكوس عمليا.

غازي صلاح الدين العتباني: مشاكوس افترضت الوحدة بصورة واضحة، يعني هذه واحدة من أهم مقوماتها ويعني جعلت خيار الانفصال هو خيار الدرجة الثانية وهو الاستثناء وليس القاعدة. أنا في اعتقادي أن نيفاشا فيها أخطاء كثيرة يعني لا أستطيع أن أستفيض الآن فيها، ولكن الاعتراض الأساسي لم يكن على نيفاشا لأن نيفاشا لم تكن قد وقعت آنذاك عندما خرجت وقدمت استقالتي وقبلت في وقت لاحق ولكن على منهجية التفاوض لأنني كنت أعتقد أن المنهجية التي تبنيناها نحن هي مؤسسية أكثر هي لا ترتبط بأشخاص وهي يمكن أن تؤدي إلى اتفاق يحمل هموم السودانيين جميعا وليس هموم المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ولذلك نقد الاتفاقية بأنها ثنائية نقد صحيح ولكن هذه الثنائية كان يمكن أن تضعف وأن تخفف يخفف منها جدا لو أن كل الناس نظروا إلى الاتفاقية فوجدوا أنفسهم فيها.

سامي كليب: بتعرف أن أبرز نقد للثنائية جاء من الصادق المهدي يعني تقريبا، لأنه كان يعتبر أنه كيف تقررون مصير السودان فقط على مستوى شخصين..

غازي صلاح الدين العتباني: أنا أعتقد أنه لم يكن من ذلك بد، بمعنى أنه استقرت الأمور والمفاهيم والمواقف الدولية على أن هنالك طوفان..

سامي كليب (مقاطعا): بس اتفاقيات السلام فيما بعد كرست جيوشا وليس جيشا واحدا.

غازي صلاح الدين العتباني: هذا من وجوه الانتقاد التي يمكن أن نوجهها، أتفق معك معها في قضية نيفاشا في شكلها النهائي.

سامي كليب: الواضح أنه بعد محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك عام 1995 اضطر السودان لتقديم تنازلات كثيرة في عمليات السلام، كان هذا سببا مباشرا؟

غازي صلاح الدين العتباني: حادثة حسني مبارك أنا قلت لك سابقا إنها كانت تشكل منعطفا أساسيا في تاريخ الإنقاذ، هي أفرزت مناخا جديدا دوليا وإقليميا جعلت السودان، لا أريد أن أستفيض في هذه المسألة، ولكن بالباطل أو بالحق متهما في اتجاهاته في نواياه نحو أشقائه، لا شك أنها أثرت جدا في المزاج العام والمزاج الكلي، وأعتقد أنها أثرت في الكثير من القرارات فيما بعد.

سامي كليب: ما لا يقوله صراحة صلاح الدين العتباني مستشار الرئيس السوداني بشأن ما يصفها بالتنازلات إن ما يقصد به من تولى شؤون السلام لاحقا، ولدى العتباني بعض المرارة لأنه أقصي عن ملف السلام الذي سلم إلى نائب الرئيس علي عثمان طه الرجل الذي يقال إنه الأقوى في النظام مع البشير والذي عليه سلطت طويلا سهام الغرب وبعض العرب خصوصا بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك عام 1995، ويبدو أن تلك المحاولة دفعت السودان دفعا إلى أحضان التنازلات في عملية السلام بغية تحسين الصورة والحفاظ على النظام خصوصا أن الولايات المتحدة الأميركية كانت ولا تزال تتحين الفرص لإسقاط هذا النظام، ولكنه لم يسقط، ولعل ما يقوله غازي صلاح الدين العتباني اليوم من ضرورة إصلاح البيت من الداخل بات أكثر من ضروري لتقوية دعائم هذا البيت ودرء المخاطر وما أكثرها.