- العائلة والتاريخ والبدايات
- عصام حماد.. الزوج ورفيق النضال
- صعوبة البدايات
- العمل في الإذاعة السورية
- أعمال وعلاقات ونجاح
- ملاحقة في الأردن وهروب إلى سوريا
- في إذاعة برلين

سامي كليب
فاطمة البديري
سامي كليب:
مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، الأذن تعشق قبل العين أحيانا، قد ينطبق ذلك على ضيفتنا التي كانت مع زوجها في طليعة المذيعين العرب، هما قالا "هنا القدس" وهما قالا أيضا "هنا دمشق". رحل زوجها منذ عام ونصف وبقيت هي شاهدة على عصر من محاربة الاستعمار ومن اللغة العربية الجميلة، يسعدني أن أستضيف أولى المذيعات العربيات فاطمة البديري.

فاطمة البديري: حكايتي لعلها حكايتك، بل إنها حكاية الجميع، مأساة تاريخ قريب وبعيد ممرغ بالذل والهوان موشح بالبؤس والأحزان يحفل بالشقاء ينضح بالدماء.

سامي كليب: حكاية فاطمة البديري تعود إلى 85 عاما ولكن من أين نبدأ مع هذه السيدة الفلسطينية الفاضلة حكايتها؟ أمن القدس التي ترعرعت في فيئها ودغدغت بضحكة الطفولة أحجارها العتيقة؟ أم من الإذاعة المقدسية التي كانت في باكورة مذيعاتها؟ أم من التشرد لاحقا هربا من ظلم المستعمر والمحتل تارة ومن ظلم ذوي القربى تارة أخرى؟ كثرت أسئلة التاريخ فلجأت إلى الجغرافيا. في بداية هذا الحوار أسألها عن سبب إقامتها في الأردن وليس في بلاد الأهل والأجداد في القدس.

فاطمة البديري: نصيب، هكذا قدرت المقادير، أن أولد بقرب الحرم الشريف وأن أعيش هنا في عمان بعد كل هذه المدة، أنا مناي أن أبقى في الحرم الشريف ولكن ظروف، كل الظروف لم تساعد.

سامي كليب: كان خيار ولا اضطرار.

فاطمة البديري: اضطرار، كله اضطرار، فأنا أتمنى لو أعود لأعيش هناك.

سامي كليب: حتى اليوم؟

فاطمة البديري: حتى اليوم، وأتمنى أن أدفن هناك ولكن هذه أمنية بعيدة المنال، لأنه كلنا دفنا هنا.

سامي كليب: على كل حال إن شاء الله العمر الطويل وبعض أهلك وأجدادك حسب ما فهمت يعني مدفونون هناك أيضا في الحرم القدسي.

فاطمة البديري: جدنا الكبير مدفون هناك بالقرب من الذين دفنوا، محمد علي جناح..

سامي كليب: الملك عبد الله.

فاطمة البديري: نعم، وكلهم هذه على صف جدنا، جدنا مدفون في بيتنا، في دارنا دار البديري وله مقام، وعنده مكتبة.

العائلة والتاريخ والبدايات

سامي كليب: على كل حال سيدة فاطمة يعني في قراءة تاريخ العائلة يعني اسم الله عليكم يعني عائلة قدمت كثيرا للأمة العربية. وددت أن أتوقف عند الوالد قليلا كان هو قاض على ما يبدو وكان له مكانة جيدة في المجتمع الفلسطيني المقدسي على وجه التحديد. ماذا أخذت عنه؟

فاطمة البديري: كان قاضي شرعي ودرس في الأزهر وعالم، كان يدرّس أيضا في المسجد، له غرفة خاصة في المسجد يذهب إليها ويدرس هناك، أنا أعرفها للآن، يعني أعرف أين هي، ويكفي أني أخذت عنه قراءة اللغة العربية الصحيحة.

سامي كليب: حسب ما فهمت أنه كان يفرض عليكم أو على الأقل ينصحكم أنت وإخوتك بقراءة القرآن الكريم كل يوم.

فاطمة البديري: نعم.

سامي كليب: كل يوم نصف ساعة تقريبا.

فاطمة البديري: نعم، كل يوم وهذا شيء جميل جدا لأنه عدل لغتنا، لغتي تعدلت.

سامي كليب: في الواقع أنا كل ما قرأت عنك أو عن زوجك المرحوم الأستاذ عصام حماد الذي كان أيضا من كبار المذيعين -توفي منذ عام ونصف رحمه الله- أنه كانت اللغة العربية والصوت الجميل منذ البداية.

فاطمة البديري: كانت لغته العربية جيدة جدا.

سامي كليب: ولغتك كمان.

فاطمة البديري: الحمد الله.

سامي كليب: طيب كان مسيس الوالد؟ يعني كان يتعاطى الشؤون السياسية أم فقط الشؤون اللغوية؟

فاطمة البديري: كان يتعاطى الوالد وصارت المنافسة بينه وبين الحاج أمين الحسيني ونزلوا في الانتخابات، وطبعا الناس فضلوا الحاج أمين.

سامي كليب: هو ترشح ضد الحاج أمين الحسيني؟

فاطمة البديري: ترشح ضد الحاج أمين، وأظن حصل على أصوات أكثر من الحاج أمين، ولكن الحاج أمين انتخبوه.

سامي كليب: شو السبب؟

فاطمة البديري: ما بعرف.

سامي كليب: طيب حضرتك في بداية العمل في المجال الإذاعي طبعا، انتقلت من التعليم إلى الإذاعة ومررت في دار المعلمات ودار التعليم وبدأت حياتك كمدرسة قبل أن تنتقلي للإذاعة وكان ذلك في الواقع سابقة لفتاة مثلك وابنة قاض وفي مجتمع تقليدي وما إلى ذلك، سنمر بعد لحظات على هذا الموضوع، ولكن قبل ذلك هل تذكرين سيدة فاطمة البديري بعض صور الطفولة مثلا، كان طبعا استعمار ثم احتلال فيما بعد، يعني ما هي الصور العالقة في ذهنك؟

فاطمة البديري: عالقة في ذهني عام 1936، طبعا تعرفون إضراب كامل شامل دام ستة أشهر بعام 1936 وفي ذلك الوقت سجن ناس كثيرون ومن جملتهم أخي سجن في صرفند، الإنجليز، أعمال الإنجليز لكي يمهدوا للدولة اليهودية.

سامي كليب: قبل قيام هذه الدولة اليهودية وبعدها عرفت حياة المذيعة الفلسطينية فاطمة البديري منعطفات كثيرة، فالإنجليز الذين ساعدوا اليهود على إقامة دولتهم ووجهوا بتظاهرات وكانت فاطمة البديري بين المتظاهرين وحين تم تأسيس إذاعة القدس التي كانت تنطق بلغات ثلاث عربية وعبرية وإنجليزية. عام 1936لم تكن الشابة فاطمة خريجة دار المعلمين تعرف بعد أن قدرها سيحملها بعد عشرة سنوات إلى مصاف أولى المذيعات لتقول بصوتها الجميل ولغتها المتينة "هنا القدس" مجارية في ذلك جهابذة الأدب والشعر واللغة، نقولا زيادة وإبراهم طوقان وإميل حبيبي وغيرهم.

فاطمة البديري: الحقيقة أنا بدي أقول لم أكن أهتم كثيرا للإذاعة، صدفة سمعت نداء أو سمعت طلب، يطلبون مذيعين فقدمت هذا الطلب مع من قدموا، كان عدد كبير، شبان وبنات، فقدمت هذا الطلب واستدعوني إلى الفحص..

سامي كليب: في اليوم التالي.

فاطمة البديري: فقرأت، قرأت كعادتي لأنه أنا معلمة لغة عربية ودريانة على القراءة، أخذوني من ثاني يوم ووظفوني.

سامي كليب: طيب يعني لفتاة مثلك بنت قاض شرعي ومجتمع يعني شو كان تقليدي، يجب أن نذكر ذلك،كان سهلا على فتاة أن تدخل المجتمع الإعلامي؟

فاطمة البديري: من جهة الوالد لم يعارض..

سامي كليب(مقاطعا): لم يعترض أبدا؟

فاطمة البديري: أبدا.

سامي كليب: رغم أنني فهمت أنه كان يشجعك على التعليم أكثر في لحظة معينة.

فاطمة البديري: نعم لم يعارض أبدا، وكذلك أخي، كان أخي دكتور، أول طبيب عيون في البلد.

سامي كليب: والأخ الآخر مهندس.

فاطمة البديري: والأخ الآخر مهندس، دكتور درس في ألمانيا وفي بريطانيا والثاني درس في اسكوتلندا، فلما جيت أنا ما كان في مصاري أدرس في الجامعة، فلم يعارض يعني أبدا.

سامي كليب: ولكن المحيط العائلي، المحيط البيئي..

فاطمة البديري: هؤلاء اللي عارضوا.

سامي كليب: وفهمت أنهم عارضوا بشدة، كانت تأتي نصائح للوالد أنه كيف تدعها تذهب إلى الإذاعة وتكون مذيعة؟ وأن المذيعات يعني وظيفة ليست بالمستوى.

فاطمة البديري: تأتي كان وسائل تهديد، وصلتني رسائل تهديد يوم ما خطبنا أنا وعصام.

عصام حماد.. الزوج ورفيق النضال

سامي كليب: عصام الذي تزوجته فاطمة البديري هو عصام حماد أحد أقدم وأبرز الصحفيين العرب، كان صاحب لغة عربية متينة وصاحب فكر عربي قومي متين أيضا وبين اللغة والقناعات والسياسة والهم القومي العربي صاغ حياته مع شريكة هذه الحياة وراحا يحلقان عبر أثير الإذاعات العربية نشرات إخبارية وشعرا وأدبا وافتتاحيات قومية لا يزال صداها يردد حتى اليوم، بينما لم يبق من عصام سوى الصور وبعض المؤلفات وتاريخ مجيد.

فاطمة البديري: هذا أنا والمرحوم عصام بشهر العسل.. هذه كمان بشهر العسل.. هذا الوالد.. وهذا الوالد هو وصديقه اللي كتب كتابنا.. هذا بشهر العسل.. هذا إحنا وأصدقائنا بشهر العسل.. هذه في الإذاعة الألمانية منقدم مسرحية.. هذه مظاهرة، إذا بتحبوا تحطوها، هذه الملكة دينا بزيارة للمدرسة، أنا معلمة هون..

سامي كليب: عصام حماد زوج ضيفتنا المذيعة الفلسطينية الرائدة فاطمة البديري توفي قبل سنوات وترك العديد من القصائد القومية التي جمعت كأكاليل من غار كلمات جميلة ونضالا يبدأ من فلسطين ويصل إلى الجزائر مرورا بدمشق، وهذه قصيدة لدمشق التي فيها عاش مع زوجته.

فاطمة البديري:

شقي العباب جريئة لا تجزعي

وامض إلى أوج الخلود الأرفع

دمشق والأحلام تزحم خاطري

وتقض أشتات المشاعر مضجعي

ويطوف بي من ذكرياتك طائف

سمح يهدهد بالسكينة أضلعي

ذكرتني بين الخمائل بلبلا

في غير وارف ظلها لم يسجع

ذكرتني فننا على غيض الندى

في الغوطتين هناك لم يترعرع

سامي كليب: فقط وددت لو سمحت لي سيدة فاطمة البديري أن أذكر ما قاله زوجك الإذاعي الكبير رحمه الله عصام حماد عن بداية تأسيس الإذاعة وعن بداية العمل الإذاعي في فلسطين آنذاك، يقول - طبعا فيما بقي من أرشيف الرجل- "كان ذلك قبيل الخامس عشر من أيار سنة 1984 وكان الانتداب البريطاني يهيء حقائبه ويستعد للرحيل عن فلسطين في الموعد المضروب بينما كانت الأحياء العربية في القدس الجديدة تتساقط كأوراق الخريف حيا بعد حي بأيدي الصهاينة، وانتهى إشراف الحكومة على الإذاعة الفلسطينية فأعلنّا استقلالها ونصبنا من أنفسنا حماة لها" تذكرين هذه الفترة شوي ولا لا؟

فاطمة البديري: نعم أذكرها تمام.

سامي كليب: شو الذكرى هيك اللي ممكن اليوم ترجع لك؟

فاطمة البديري: كلها ذكريات مؤلمة الحقيقة وكانت البلد تقريبا رح تفضى، الناس هاجروا كلهم، بقينا حتى أنا وإياه، بقينا لحالنا في الشارع، ما في غير جنبنا عبد القادر الحسيني الله يرحمه.

سامي كليب: الله يرحمه، الذي استشهد في معركة القسطل.

فاطمة البديري: كان ساكن جنبنا، إحنا بقينا، كل الحارة كانت فاضية، فكلنا رحنا، بعدين بالإذاعة هذه لما أخذوها اليهود، هي مركزها كان عندهم لما استولوا عليها، راحوا نقلوها على رام الله. يمكن كاتب هو..

سامي كليب: صحيح، هو ذهب إلى رام الله وحضرتك بقيت حسب ما فهمت.

فاطمة البديري: أنا بقيت فبقيت فيها بس ما اشتغلت، ما اشتغلت يعني برام الله، هو اشتغل لحاله. بعدين تقلبت فينا الأحوال مثل ما أنت شايف كم شغلة وكم شغلة وكم روحة وجية.

سامي كليب: صحيح، بس بداية الاحتلال الصهيوني آنذاك عام 1947- 1948 حضرتك أو عائلتك تعرضتما لشيء معين مباشر؟ يعني في المنزل في الحياة العامة؟

فاطمة البديري: عائلتي هربت وإحنا بقينا فما تعرضنا لأنه كنا ساكنين في القسم العربي اللي هو باب الزهري اسمه هلق، باب الزهري، بعدين تغيرت الأحوال ورحنا على رام الله ومن رام الله رحنا على سام، رحنا على السام هم عرضوا علينا في السام.

سامي كليب: وزوجك ذهب إلى رام الله وبدأ العمل في إذاعة محلية على ما يبدو؟

فاطمة البديري: أيوه، كان ينام هناك حتى هو وأصحابه.

سامي كليب: عشت قصة حب معه لعصام حماد؟

فاطمة البديري: طبعا.

سامي كليب: يعني كان الزواج زواج حب؟

فاطمة البديري: نعم، زواج حب.

سامي كليب: كتب لك شعر في بداية العلاقة؟

فاطمة البديري: كتب، كتب.

سامي كليب: فيما بعد كتب كثيرا، كتب لك وكتب للقضايا العربية وكتب، في الواقع كان مناضلا كبيرا.

فاطمة البديري: عنده شعر كثير حلو.

سامي كليب: ولكن تذكرين ماذا كتب لك مثلا، أولى القصائد؟

فاطمة البديري: بذكر القصيدة المعروفة، عيناك يا سمراء، هذه.

سامي كليب: طيب قولي لنا حزء منها لو سمحت؟

فاطمة البديري: نسيتها.

سامي كليب: ولو بعض الأبيات.

فاطمة البديري: والله ما بتذكر إشي منها، نسيتها.

سامي كليب: والله، أبدا؟

فاطمة البديري: قصيدة مش بطالة يعني طولها، بس نسيتها.

سامي كليب: وحضرتك كتبت له شعر؟

فاطمة البديري: لا، أنا مش شاعرة، أنا عندي واقعية، يعني لما بكتب إشي، بكتب إشي واقعي ما بقدر أكتب إشي خيالي، هذا الإشي اللي كان في طول عمري، قضية واقعية بكون ناجحة في كتابتها، قضية خيالية أو بدها رومانسية ساقطة فيها.

صعوبة البدايات

سامي كليب: على كل حال المميز إنه كان حضرتك أو زوجك رحمه الله يعني كنتما لا تكتفيان فقط بقراءة الأخبار، حضرتك قدمت برامج أيضا ولكن عملتما في الترجمة، يعني أن قرأت لزوجك ولحضرتك ترجمات كثيرة..

فاطمة البديري: وبعدين مثلنا.

سامي كليب: والتمثيل أيضا.

فاطمة البديري: كنا نمثل، إذاعيات طبعا.

سامي كليب: لأنه هو أيضا خريج مسرح كان.

فاطمة البديري: نعم، مثلنا، كنت أنا أمثل كمان زدت الهم على القلب بالنسبة للناس..

سامي كليب: والله! مثلت بمسرحيات داخل فلسطين؟

فاطمة البديري: مثلت بالإذاعة طبعا، مثلنا ولادة وابن زيدون، هذه قامت القيامة وقتها عليها.

سامي كليب: ليش؟ شو السبب؟

فاطمة البديري: كيف أمثل؟ كيف أمثل يعني ولو بتمثيل، كيف أمثل وأنا بنت شيخ وبنت قاض وأخوي هذا دكتور وأخوي ذاك مهندس.

سامي كليب: ووالدك كان يدعمك كل الوقت، حتى في التمثيل؟

فاطمة البديري: ما كان يوبخني أبدا.

سامي كليب: قبل الحديث عن الهروب والتشرد مع العائلة والذهاب إلى دمشق وددت أن أسألك يعني حضرتك دخلت الإذاعة عام 1946 وفهمت أنه في اليوم التالي كان مطلوب منك أن تقدمي نشرة أخبار.

فاطمة البديري: نعم صحيح.

سامي كليب: شو ذكريات أول يوم، كانت صعبة؟ كنت مرتبكة؟ كان في..

فاطمة البديري: بالعكس كنت أنتظر هيك، الحقيقة، كنت أنتظر، يعني ما كنت أنتظر أن يؤخرونني أشهر، خلص تعالي ذيعي بروح بذيع خلص، والناس كانوا يحبونني ويكرهونني بنفس الوقت.

سامي كليب: يحبونك لأنك مذيعة ناجحة وصوت جميل..

فاطمة البديري: ويكرهونني لأنني اشتغلت في الإذاعة..

سامي كليب: ولأنك خرقت العادات؟

فاطمة البديري: خرقت العادات.

سامي كليب: شو كانت شروط المذيع آنذاك، لغة عربية جيدة وصوت جميل؟

فاطمة البديري: لغة عربية جيدة جدا. بقول لك كان في علماء موكّلين مثل خليل بيدس الله يرحمه، نيقولا زيادة، كل هؤلاء كانوا يسمعوا..

سامي كليب: كانوا يشرفون على اللغة العربية.

فاطمة البديري: نعم، ويكتبون الأخطاء ويجمعوننا، المذيعين إحنا، طبعا في معي ثلاثة، أربعة مذيعين منهم عصام ويقولون لنا هذا هيك وهذه هيك، أخطأت بهذه وهذا صحيح، كانت الرقابة شديدة على اللغة.

سامي كليب: رجعت على البيت أول نهار وشافك الوالد لا شك، كيف كان؟ فخور بابنته؟

فاطمة البديري: ما حكاش كثير، ما بعرف إذا كان رضيان داخليا أو مش رضيان، لأنه كانت صعبة كثير الوضعية الحقيقة، كانت صعبة كثير على أهلي كثير تحملوا خصوصا أمي لأنها هي صحيح أمي وبتعرف تقرأ وتكتب ولكن مش مستعدة أن تتقبل هيك إشي فأنا لهلق بتذكر وندمانة أني عملت فيها هالعملة..

سامي كليب: أنك زعلتيها. طيب فيما بعد أصبحت فخورة طبعا بابنتها، صرت معروفة على المستوى العربي.

فاطمة البديري: والله ما أظن أصبحت فخورة.

سامي كليب: أبدا؟

فاطمة البديري: أبدا.

سامي كليب: غريب.

فاطمة البديري: فمشي الحال يعني صاروا الناس كلهم يسمعوا.

العمل في الإذاعة السورية

سامي كليب: الناس صاروا يسمعون فاطمة البديري تقول "هنا القدس"، وبعد ذلك صاروا يسمعونها تقول مع زوجها الإعلامي اللامع عصام حماد "هنا دمشق". كانت الإذاعة السورية قد عرضت على الإعلاميين الانتقال إلى سوريا للمساهمة في تأسيس الإذاعة الوطنية وكان عصام دائرا في فلك الشيوعيين ثم ابتعد عنهم وانتقدهم، وحين سُدت في وطنه الآفاق قصد سوريا تسبقه إليها شهرته وشهرة زوجته فاطمة البديري فكانت الرحلة الأولى سهلة والعمل سهلا وممتعا.

فاطمة البديري: والله بسهولة استدعوه، وراح بسهولة كمان.

سامي كليب: وكان بداية تأسيس الإذاعة الوطنية.

فاطمة البديري: استقبلونا بسهولة، ويحيى الشهابي مديرها كان أو نائب مديرها، يعني كلهم كويسين الحقيقة كانوا، كثير كانوا بروح طيبة، بس في بعض اللي كانوا يعترضون علينا أنه ليش جايين من وادي القحط..

سامي كليب: من فلسطين. طيب وكنت..صرت معروفة يعني حضرتك وزوجك في سوريا، قبل الوصول؟

فاطمة البديري: لهلق بيتذكروني، نعم بيعرفوني قبل الوصول أنا وإياه بيعرفونا.

سامي كليب: طيب بدأت الإذاعة وعلى ما يبدو حصل خطأ، الخطأ الأول مرة قلت "هنا القدس" بدل "هنا دمشق"، صحيح هذا الكلام؟

فاطمة البديري: والله هذه مش متذكرتها، بس متذكرة..

سامي كليب: طيب الخطأ الثاني أن القاضي الشهير يعني وكان مفتي على ما يبدو الشيخ على الطنطاوي، ألقى خطبة وعلى ما يبدو ذم فيها الحكومة والشعب، وحضرتك كنت مذيعة..

فاطمة البديري: أنا كنت في هذه الفترة، مذيعة الفترة.

سامي كليب: طيب شو حصل خبريني؟

فاطمة البديري: طبعا سمعته، أنا سمعته وهو يخطب، بالجامع كان يعني خطبة الجمعة، بس ما بقدر أسكّر أنا على قاضي دمشق.

سامي كليب: طبعا.

فاطمة البديري: كيف بدي أسكّر عليه؟! ولا حدا قال لي تعالي سكّري، ولا هم جاؤوا ليسكّروا، بعدين أقاموا القيامة وصاروا يدوروا خافوا، دوروا، دوروا، لقوني كبش الفداء..

سامي كليب: أحسن ضحية، لا، مش سورية وقادمة من فلسطين، و..

فاطمة البديري: يعني فيي أشياء كثيرة بتؤهل أن أكون كبش الفداء.

سامي كليب: طيب مدير الإذاعة قرر طردك، ولكن فيما بعد حصلت ضجة في سوريا وفي بعض الدول العربية يعني قرأت مقالات حتى في صحف عربية خارج سوريا.

فاطمة البديري: نعم، صح.

سامي كليب: واضطر مجلس النواب لعقد جلسة بشأنك من أجل القول أنه ليست هي المسؤولة وأنه لا تستطيع مذيعة أن تقطع قاضيا شرعيا كالشيخ علي الطنطاوي وأن تقرر مكانه يعني، كيف عشت هالتجربة كانت صعبة؟

فاطمة البديري: والله صعبة لأنني كنت حاسة أنني مظلومة، ولا عايشة وماكلة وشاربة مش رح أموت من الجوع يعني إذا طلعت، بس كثير كنت حاسة أنني مظلومة، أنه ليش يعني بكل هالموظفين اللي قاعدين، الموظفين اللي فوق واللي تحت والهذا.. أنه ما ينقوا إلا أنا! بعدين الحقيقة جاهد كثيرا زوجي بهالمسألة، ما سكت أبدا، ما سكت.

سامي كليب: وحصل تضامن معك في سوريا؟

فاطمة البديري: كثير، كثير.

سامي كليب: من قبل كتاب صحفيين؟

فاطمة البديري: كلهم، كلهم، تقرييا كلهم، طلع يعني مدير الإذاعة مسود الوجه.

سامي كليب: لأنه حسب ما فهمت أيضا أنه راح وفد من النساء الفلسطينيات وقابلن رئيس الجمهورية منشانك؟

فاطمة البديري: ما بعرف إذا منشاني.

سامي كليب: لا منشانك.

فاطمة البديري: لأنه صار ضجة الحقيقة، ورجعوني.

سامي كليب: رجعت بعد شهرين، استمر الوضع شهرين.

فاطمة البديري: بعد شهرين.

سامي كليب: ورجعت بنفس التكريم، ونفس الـ..؟

فاطمة البديري: نعم.

سامي كليب: شو كانت الممنوعات في سوريا في الإذاعة تقريبا؟

فاطمة البديري: والله ما فيش ممنوعات كثيرة، كانت جمهورية وكثيرة التقلبات، ما في إلا يتغيروا.

سامي كليب: إيه صحيح حصلت انقلابات كثير في سوريا.

فاطمة البديري: حتى إحنا مرة من المرات قرأنا الدستور بكامله، أنا وعصام، قرأنا كل الدستور.

سامي كليب: أوف، كم ساعة بقيتم على الهواء.

فاطمة البديري: والله ما بعرف، أقرأ، أقرأ، وراء بعضها عدة ساعات.

[فاصل إعلاني]

أعمال وعلاقات ونجاح

سامي كليب: عصام حماد زوج ضيفتنا المذيعة فاطمة البديري نسج مع زوجته في سوريا صداقات عديدة مستندا إلى سمعتهما الطيبة وصوتيهما ولغتيهما الجميلتين، ووصلت علاقاته مع كبار القادة في سوريا إلى حد تكليفه لاحقا من بعضهم بمهام سياسية كبيرة، أما في الأردن فقد تعرض عصام وزوجته للملاحقة بسبب معارضة النظام قبل أن يعود الملك ويعفو عنه بعد حكم بالإعدام غيابيا، هذا غيض من فيض ما يرويه لنا ابنه مهدي المخرج التلفزيوني والذي كان في خلال تصويرنا هذه الحلقة يساعد والدته على مغالبة العمر وتنشيط الذاكرة.

مهدي/ابن فاطمة البديري: في أحد الأيام وعندما كان الوالد يعمل في إذاعة دمشق مذيعا، فالملك عبد الله جاءت رسالة من رئيس الديوان الملكي في ذلك الوقت بشير خير للوالد -هي موجودة في هذا الملف- فجاءت رسالة يقول فيها الملك عبد الله الأول -أنا أذكر- "فتحت المذياع وإذا بالمذيع ينادي هنا دمشق، عجبت لم يكون عصام في دمشق، لم لا يكون في عمان. يعجبني في عصام اسمه الأول ويذكرني بالبيت القائل

نفس عصام سودت عصام

وجعلته فارسا هماما

يعجبني فيه اسمه الثاني حماد، والحماد من يشكر على القِسم، على القِسم، ومن شكر على القسم وسع الله عليه. الكلمة الآن لعصام، إذا قال أتيناك. هيئنا له المنصب ودعوناه"

سامي كليب: هذا من الملك؟

مهدي: نعم.

سامي كليب: ورجع على هذا الأساس؟

مهدي: يعني رجع بعدها، بعدها مباشرة.

سامي كليب: على كل حال في رسائل كثيرة، يعني حتى في رسالة عندك سنة 1956، "السيد عصام حماد يسرني أن أعلمكم أن الإرادة الملكية السامية قد صدرت بالموافقة على قرار مجلس الوزراء العالي بترفيعكم إلى الدرجة الرابعة اعتبارا من 1/10/1956" يعني كان بدأ الرضى. شايف كمان بعض، حسب ما فهمت أنه كان يكلف من قبل الرئيس السوري بإلقاء بعض الخطب؟

مهدي: نعم، هذه في دمشق، أثناء إقامته في دمشق كلف في مؤتمر هيروشيما وناغازاكي، المدينتين اللي ضربوا من قبل الأميركان بالقنبلة الذرية، ذهب نيابة عن الرئيس المرحوم حافظ الأسد إلى اليابان هو والأستاذ سامي العطاري، وألقى كلمة.

سامي كليب: باسم الرئيس الأسد؟

مهدي: باسم الرئيس الأسد، نعم.

سامي كليب: رسالة من الرئيس الأسد إلى مؤتمر اليابان ضد القنابل الذرية عام 1973. يعني كانت علاقاته السياسية رفيعة جدا على ما أعتقد؟

مهدي: نعم، نعم.

سامي كليب: طيب خلينا نشوف بعض الكتب المتوفرة، في الواقع التي كتبها وما نشرت، شو السبب؟

مهدي: والله في كثير، هو كان كثيف في العلم ولكن مقل في النشر الحقيقة، كان دائما يكتب ويحط في الأدراج مع الأسف.

سامي كليب: كتب ومؤلفات وقصاصات ورق كثيرة تركها عصام حماد وحين كنا ننفض بعض الغبار عنها مع زوجته المذيعة الفلسطينية الرائدة فاطمة البديري، كانت تلك الكلمات العربية القومية بامتياز تخرج من تحت الغبار وتستعيد شبابها كأنها ولدت للتو، كيف لا؟ والصراع مع إسرائيل لا يزال على حاله منذ أكثر من نصف قرن إن لم يكن قد اشتد أكثر.

"
إسرائيل قامت على أشلاء العرب، وتعيش على أحلام التوسع والعدوان وتقوم على أكتاف الاستعماريين أعداء الشعوب
"
فاطمة البديري: "ثم إن دولة إسرائيل قامت على أشلاء العرب، وتعيش على أحلام التوسع والعدوان وتقوم على أكتاف الاستعماريين أعداء الشعوب وليس ما يقبله عقل أن يعوض عن آلام المضطهدين لمن يرسم بكل ثقله على صدور مضهدين آخرين".

سامي كليب: اللافت سيدة فاطمة البديري أن حجم الاندفاع اللي كان عند زوجك رحمه الله عصام حماد المذيع الشهير والكاتب أيضا والشاعر، الحماس من أجل القضايا الوطنية وضد الاستعمار وضد الصهيونة بشكل عام. يعني مثلا هذا مقال له في الإذاعة السورية أو تعليق بـ 16/1/1958 يعني قبل نصف قرن تقريبا.

فاطمة البديري: هذا بعد كنا تاركين نحن الأردن ورحنا على الشام.

سامي كليب: صحيح للمرة الثانية. يقول "الحق أننا نشعر بأننا إنما نضيع وقتنا وأوقات مواطنينا عبثا، كلما أردنا أن نتناول بالحديث قضية هذا الارتباط الوثيق الذي لا انفصام له بين الاستعمار العالمي الأميركي والبريطاني والفرنسي إلى آخره وبين الدولة اللقيطة المسخ إسرائيل، ذلك لأننا على ثقة أكيدة وطيدة بأنه ما من فرد من أفراد شعبنا العربي، الكبار منهم والصغار، السياسيين وغير السياسيين، الفلسطينيين وغير الفلسطينيين إلا وأصبح على علم تام بهذه الحقيقة الواضحة البينة لا زيادة فيه لمستزيد. الاستعمار هو الذي فكر بإقامة إسرائيل والاستعمار هو الذي مهد لقيام إسرائيل والاستعمار هو الذي بالفعل أقام إسرائيل والاستعمار هو الذي آل على نفسه أن تعيش إسرائيل". كان إلى هذه الدرجة ضد الاستعمار وضد.. وحضرتك كمان؟

فاطمة البديري: نعم، وأنا كمان.

سامي كليب: يعني كنتما تعتبران إسرائيل عدوة وأن الاستعمار عدو أيضا؟

فاطمة البديري: نعم.

سامي كليب: لأنه شفت عندك وأنا داخل إلى المنزل صورة لأمين عام حزب الله في لبنان حسن نصر الله، حضرتك مؤيدة له اليوم؟

فاطمة البديري: طبعا.

سامي كليب: تتابعين الأخبار، أخبار المقاومة في فلسطين ولبنان؟

فاطمة البديري: متابعين، نتمنى أن ينجحوا.

سامي كليب: يعني لا زلت عند موقفك المؤيد للمقاومة وضد الاستعمار؟

فاطمة البديري: وهو كان الله يرحمه لحد ما توفى كان يؤمن أن إسرائيل بدها تروح، بدها.. ياريت راحت على زمانه، كان انبسط، كان متفائل كثير، كل ما تجي سيرة إسرائيل يقول بدها تروح، يوما من الأيام بدها تروح. ما صح له يشوفها، وأنا الثانية رح ألحق به وما أشوفها.

سامي كليب: إن شاء الله العمر الطويل.

فاطمة البديري: الله يسلمك.

سامي كليب: شفت مقال في بداية عملك في الإذاعة الفلسطينية تحت عنوان "أصوات عربية ينقلها الأثير"، فاطمة البديري عنوان المقال، "خطوة جريئة نسجلها لدار الإذاعة الفلسطينية في أن أتاحت الفرصة لظهور صوت المرأة العربية على الأثير والقافلة تقدر للآنسة فاطمة البديري نجاحها الخاطف في هذه الخطوة. هي من خريجات دار المعلمات في القدس وما كاد صوتها يظهر على الأثير حتى عكس للمستمعين هدوء الطبع وسلاسة الإلقاء وجرأة أديبة تعتز بها الفتاة الفلسطينية".

فاطمة البديري: الله يسلمك، والله أنا ماني متذكرة إشي منه.

سامي كليب: بس هذا حلو. واللافت قرأت لك أيضا أنه بعض المقالات التي كنت تتناولين فيها بعض المواضيع الاجتماعية وحتى الصحية والمناهضة، حتى في هذه المجالات، للغرب يعني مثلا كتبت ضد البابوج، تتذكرين هذا المقال؟

فاطمة البديري: مش متذكرة إشي.

سامي كليب: أبدا. طيب هذا في الجهاد بالقدس 20/8/1953 يعني من 54 سنة "يسر الجهاد أن تقدم اليوم الأديبة الفاضلة السيدة فاطمة البديري وهي في طليعة سيداتنا المثقفات اللواتي خدمن الوطن"، طبعا هذه الكلمة لرئيس تحرير الجهاد، وتقولين حضرتك سيدة فاطمة البديري، "انتشرت في الأوانس والسيدات في الأيام الأخيرة تقليعة جديدة مستحدثة هي موضة السير في الطرقات وهن يجرجرن البوابيج". ليش كنت ضد البوابيج؟

فاطمة البديري: مش عارفة، مش ذاكرتها.

سامي كليب: مش متذكرة شو كان السبب؟

فاطمة البديري: مش متذكرة.

سامي كليب: طيب هذا كمان مقال ثان حول الزواج، هذا في الصحة والتعليم وكاتبتيه في دمشق عام 1952 أنه "لمن يعزون الفشل إلى الزواج أقول إن الزواج لا يفشل ولكن المتزوجين هم الذين يفشلون". حلو كثير التعبير. كانت حياتك الزوجية حلوة مع عصام، كان فيها مر الحياة ولا دائما كانت جميلة؟

فاطمة البديري: طبعا ما بتخلاش من المماحكات ولكن بدون مماحكات كمان بتصير رتيبة الحياة.

سامي كليب: كان يشجعك في العمل كمذيعة؟

فاطمة البديري: يشجعني في كل المجالات، مش كمذيعة، أنا رحت على مؤتمرات كثير في أوروبا، وكان يشجعني على أن أروح، مؤتمرات دولية يعني نسائية.

سامي كليب: حاولت في خلال تصويري هذه الحلقة مع المذيعة الفلسطينية الرائدة فاطمة البديري أن أجد لها بعض التسجيلات القديمة، ولكن ذلك لم يكن بالأمر السهل، فجل ما صنعه صوتها عبر أثير "هنا القدس" و"هنا دمشق" و"هنا برلين" قد طواه الزمن ولم يبق إلا بضعة أشرطة لزوجها المذيع الراحل عصام حماد يرطب خريف عمر لم يبق له سوى الذكريات التي رغم قساوة بعضها تبقى جميلة.

صوت عصام حماد(تسجيل قديم): هنا القدس، الشاعر والسلطان الجائر، مقطوعة شعرية لإيليا أبي ماضي يقدمها عصام حماد وهشام النشاشيدي.

أمر السلطان بالشاعر يوما فأتاه

في كتاب حائل الصبغة واهٍ جانباه

وحذاء أوشكت تفلت منه أخمصاه

قال... في وصفك لي للشعر جاه

إنني القهر الذي لا تبلغ الطير ذراه

والعود الذي يعبق بالمسك ثراه

ملاحقة في الأردن وهروب إلى سوريا

سامي كليب: صوت عصام حماد الذي صار ذكرى في بعض الأشرطة الباقية عند عائلته وزوجته كان مع صوت ضيفتنا فاطمة البديري في باكورة الإعلام العربي حين كانت اللغة السليمة والصوت الجميل شرطين أساسيين لقبول المذيع وكانت شروط المراقبة قاسية يشرف عليها كبار الكتاب والأدباء والشعراء. وكما في فلسطين كذلك في سوريا عرف الزوجان شهرة كبيرة وبعد سنوات عادا إلى عمان ليغرقا بالمشاكل السياسية مع النظام، ثم يهرب عصام مرة ثانية إلى دمشق عام 1957 في أعقاب التظاهرات التي عرفها الأردن فشتت شمل العائلة مجددا وعانت فاطمة البديري الأمرين للحاق بزوجها.

فاطمة البديري: سنة 1957 عملوا مظاهرات، مظاهرات كبيرة مش صغيرة حتى أنا كنت نازلة في المظاهرة، أنا والولدين وكانوا لسه صغار مش كبار، ومشيت في المظاهرة ولما رجعت على البيت..

سامي كليب: مظاهرة ضد السلطة؟

"
اضطررنا للهرب من الأردن إثر المظاهرات التي وقعت عام 1957، وخرجت من الأردن على أنني زوجة رجل آخر لا أعرفه
"
فاطمة البديري: ضد السلطة، لما رجعت على البيت ما لقيته في البيت، يعني لقيت البيت فاضي، سألت عنه، ما جاء بالمرة ما رجع، بعدين ما عرفت وين هو بالمرة، قعدنا أيام وأنا مش عارفة وينه، أتاري هرب، هرب لأنه جاء واحد وهو في المظاهرة قال له إنهم عم يدوروا عليك فأحسن تروح تختفي. واختفى من ساعتها، فبيجوا أنا يسألوني السلطة وينه؟ مش عارفة. أنا فعلا مش عارفة وينه.

سامي كليب: وهرب إلى سوريا؟

فاطمة البديري: هرب، لسه قعد كثير مدة طويلة في الجبال، ما هرب رأسا، قعد في الجبال، قعد في الغور، بعدين هربوه إلى سوريا.

سامي كليب: وكل هذه الفترة ما كنت عارفة وينه؟

فاطمة البديري: لا ما كنت عارفة، إلا لما هرب إلى سوريا وكتب مكتوب، يعني هرّب مكتوب وقال لي تعالي.

سامي كليب: بعده عندك المكتوب؟

فاطمة البديري: لا، أبصر وين وديته.

سامي كليب: بس اللافت يعني حتى ولو كان جانب فيه مضحك ولكن كان مأسوي أيضا أنك حاولت أن تلحقي به مع الأولاد عدة مرات وكل مرة كان يصير مشكلة ويلقى القبض عليك.

فاطمة البديري: صحيح.

سامي كليب: شو صار؟

فاطمة البديري: صحيح، الأولاد مرة أخذتهم، يعني حاولت آخذهم، كانوا صغار وقالوا هذا مش أبونا ما بعرفش شو، هاربين مع شخص آخر إحنا يعني حتى ما بعرف اسمه أنا. فرجعونا، أخذوا البسبورات ورجعونا، بعدين تهريب هربنا.

سامي كليب: بس ثاني مرة كمان أحد الأولاد حكى. شو صار؟

فاطمة البديري: أعطوهم منوم، ثاني مرة أعطوهم منوم.

سامي كليب: لأنه في مرة لما وصل عل الحدود فقال أنا ابن عصام حماد وألقي القبض عليكم فأعطوه فيما بعد منوم منشان ينام وهو مارر على الحدود؟

فاطمة البديري: نعم صحيح.

سامي كليب: كم كانت صار لك فترة ما شفتيه للسيد عصام حماد؟

فاطمة البديري: قعدت أربعة أشهر.

سامي كليب: أربعة أشهر بدون ما تشوفيه؟

فاطمة البديري: بدون ما أشوفه، بس عرفت أنه في سوريا، لما هرب على سوريا عرفت. بعدين كثير تغلبت لأنهم كانوا يلاحقونني، يجوا يسألوا عني، أنا كنت معلمة، يعني أمارس وظيفتي معلمة، حتى كنت مراقبة اللي اسمه توجيهي هلق اللي هو ماتريك كان، بس برضه يجوا يسألوا وين راحت وين أجت، أروح عند أهلي في القدس، يجوا يلحقوني، وين كنت؟ بعدين لما عملوا لي وسيلة أن أهرب، ابن اخته الله يرحمه الثاني، دبر طريقة أني أهرب فيها، فهربت تحت اسم واحد حتى ما بعرفه، على أنني زوجته.

سامي كليب: على أساس زوجك، إيه.

فاطمة البديري: وهربت، بعدين برضه الأولاد هربوا بهذه الطريقة، أظن يعطوهم منوم منشان يناموا.

في إذاعة برلين

سامي كليب: بعد نجاحهما عبر أثير إذاعة دمشق ذهبت فاطمة البديري وزوجها عصام حماد إلى ألمانيا الشرقية، جاءهما عرض جيد من إذاعتها، استند عصام إلى خلفيته الشيوعية وإلى موقف ألمانيا الشرقية القريب آنذاك من العرب والمناهض لإسرائيل وصار رغم ضعف الاستماع إلى تلك الإذاعة يبدع في التعليقات القومية العربية، تعليقات بقيت مغمورة في جلها لأن الإذاعة كانت مغمورة.

فاطمة البديري: مغمورة ومش مسموعة، هذا اللي كان مؤلمني أنا، مؤلمني ومؤلمه بس هو ما يحكيش، بس أنا أحكي الحقيقة، شو زي اللي بينفخ في قربة مخرومة، أو زي اللي بينفخ ببير، بس مضطرين كنا نقعد. كانوا استقبلونا كثير استقبال منيح يعني، كثير كانوا يحترموننا الحقيقة، بعدين هو بقي يشتغل مثل ما كان يشتغل، بنفس الإخلاص اللي كان يشتغل في الدول العربية اشتغل فيه بالإذاعة الألمانية.

سامي كليب: لا حتى أنا شفت بعض التعليقات الإذاعية له، يعني تعليقات قومية عربية بالدرجة الأولى من الإذاعة الألمانية وكان بنفس الوقت هناك نقل لواقع الحياة في ألمانيا، وحضرتك كنت تكتبين أيضا عن واقع المراة الألمانية وما إلى ذلك..

فاطمة البديري: نعم.

سامي كليب: بس استمريتما طويلا في الإذاعة الألمانية؟

فاطمة البديري: سبع سنين. بس الإشي أنه ما كان في ولا عربي، ما كانوا ساكنين عرب جنبنا، كانوا الأولاد ما فيش ولا عربي، فنحن بقدر الإمكان نحكي عربي بالدار.

سامي كليب: وكان المجتمع عنصري على ما يبدو ضد السمر.

"
الألمان عنصريون إلى الآن ومتمسكون بأعراقهم وإذا لم تكن تعرف اللغة الألمانية يعادونك، ولم يكن مقبولا التحدث بلغة أخرى حتى الإنجليزية
"
فاطمة البديري: نعم، كثير، لهلق هم العنصرين ما بيقدرش الواحد يقول عنهم مش عنصريين، عنصريين ومتمسكين بأعراقهم وإذا أنت ما بتعرفش ألماني يعادوك، لازم تعرف ألماني غصب عنك، تحكي بالألماني، ما بيصير تحكي بالإنجليزي ولا بغيره.

سامي كليب: تعلمت الألماني وقتها؟

فاطمة البديري: تعلمت، هلق أخذت بعض الدروس بس أكثره تعلمته من التلفزيون والإذاعة.

سامي كليب: وفعلا الأولاد تعرضوا للعنصرية بألمانيا؟

فاطمة البديري: الكبير.

سامي كليب: الكبير الذي صار مخرجا اليوم في التلفزيون الأردني.

فاطمة البديري: الكبير تعرض، هداك لأ، أولا شكلا كان غير شكل، كان أشقر كثير وأبيض كثير، ضايع بينهم..

سامي كليب: طالع لإلك يعني.

فاطمة البديري: بس هذا تعرض الحقيقة.

سامي كليب: شفت بعض المقالات اللي كاتبها من ألمانيا طبعا فيها الكثير من المبادئ القومية العربية في الواقع ولكن أيضا قرأت له، للمرحوم زوجك عصام حماد بعض الشعر، "أقوى من الحب" مهداة إلى الجمعية الألمانية العربية:

الزهر ليس الزهر ما يملأ آفاقي

الخمر ليس الخمر ما دار به الساقي

النور ليس النور ما يبهر أحداقي

الحب ليس الحب ما يجتاح أعماقي

فاطمة البديري: حلو.

سامي كليب: تتذكري هالقصيدة.

فاطمة البديري: آه، بتذكرها مليح.

سامي كليب: تتذكر أشياء كثيرة فاطمة البديري وتنسى أشياء أخرى، ليست أعوامها الخمسة والثمانون وحدها من ينسيها ما عرفت وإنما عمق التجربة وتعرجات مسيرة حياة قادتها مع زوجها عصام حماد من فلسطين إلى سوريا والأردن فبرلين ثم عودة إلى الأردن والإذاعة كانت وتبقى الحب الذي جاور حب فاطمة البديري لزوجها في مسيرة حياتهما. عبر هذا المذياع القديم الذي تحتفظ به فاطمة البديري بين أشيائها الغالية المجاورة لصورة زوجها الراحل عصام حماد تروح الذاكرة وتعود في تلك المنعطفات التي جعلتها مع زوجها يهاجران فلسطين قسرا دون أن ينسيا أن عند العرب ما هو صدى لفلسطين وليس بديلا، من ثورة الجزائر إلى عروبة الشام ودمشق كتب عصام حماد عن الثوار الجزائريين وكان في الكتابة ما يدفعه للحلم بأن يصير في فلسطين ما صار في الجزائر، أي حرية بعد نضال، الموت سبقه إلى الحلم والحرية.

فاطمة البديري: ولا كان يفكر في الموت حتى، ما بيعرف أن الموت جاي قبل ما تتحرر فلسطين، دائما كان متأمل أن تتحرر فلسطين وهو يفرح فيها.

سامي كليب: في نهاية الأمر دفن في الأردن؟

فاطمة البديري: دفن في الأردن، في عمان، ما بيسمحوا، أنا لو أطلب هلق أذن لأروح، أنا من مواليد القدس وأهلي هناك، لو أطلب ما بيسمحوا لي أروح، بيخافوا أروح أموت هناك، أو أروح أمرض هناك وأقعد عندهم،يعني شيء مؤلم، الحياة مؤلمة.

سامي كليب: بتشكل لك مرارة عدم القدرة على الذهاب إلى القدس؟

فاطمة البديري: كثير، كثير. لأن القدس بعتبرها أجمل بلد في العالم.

سامي كليب: منذ أكثر من ربع قرن لم تذهب فاطمة البديري إلى القدس ولم تر مذاك ملاعب الصبا ومنزل الأهل والأجداد ومدافن العائلة. سألتها وهي في خريف العمر ما هو الحلم الذي يعيد إليها بعض الربيع لو تحقق؟

فاطمة البديري: أشوف فلسطين متحررة، برضه هذا بعيد.

سامي كليب: الحلم تشوفي فلسطين متحررة؟

فاطمة البديري: نعم.

سامي كليب: ليش يأسانة؟

فاطمة البديري: يأسانة لأنه ما في عمل، شايف الأحوال كل مالها بتسوء، كل مالها بترجع لوراء.

سامي كليب: لو كان عندك فرصه اليوم أن تعودي وتعيشين في القدس أمام الحرم القدسي لا تترددي؟

فاطمة البديري: بروح ركض.