- تأثير الوالدين والاندماج بين العائلة والوطن
- عين الطفل شاهدة على بداية النكبة والخذلان
- عن النضال والشعر والجوائز
- صحافة ورؤى وفكر وحلم متواصل

 

تأثير الوالدين والاندماج بين العائلة والوطن

  سامي كليب
 سميح القاسم
سامي كليب
: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. ضيفنا حين كان يذهب مع والده وهو طفل إلى حقل الزيتون والعنب والتين لم يعتقد يوما أن إسرائيل ستمنعه من ذلك لاحقا وتجبره على أخذ تصريح للذهاب إلى أرض أهله وأجداده، لكنه بقي هناك في فلسطين بقي ثائرا ولا يزال حتى اليوم وهو في السبعين من عمره ثائرا كطفل من أطفال الحجارة؟ يسعدني جدا أن أستضيف الشاعر المقاوم سميح القاسم.

سميح القاسم: أعتقد أن على العربي العادي أن يكون خجلا طيلة 24 ساعة باليوم، خجل مما نحن عليه، لا بأس أن يزوج أبناءه ويرقص لكن يجب أن يكون خجلا، أن يزوج أبناءه بخجل وأن يرقص بخجل وأن يأكل بخجل وأن يفرح بخجل وأن يحزن بخجل، نحن لا نستحق شيئا أكثر من الخجل لأننا في حالة مشينة.

سامي كليب: ليس في كلام سميح القاسم تشاؤم وإنما فيه شيء من غضب، غضب ابن فلسطين الذي صمد في أرضه وناضل وسجن لأجلها ولأجلها كتب أجمل الشعر وأعذبه فلقب بشاعر الانتفاضة. كنت أود أن ألتقيه على أرضه وأرض أهله والأجداد ولكن ظروف الاحتلال وعدم الرغبة في رؤية المحتل جعلتنا نختار الأردن للتصوير والأردن ليس غريبا على سميح القاسم ذلك أنه ولد في زرقائه قبل سبعين حولا.

سميح القاسم: أعتز بأسرتي الصغيرة، أعتز بعائلة عريقة كريمة أصيلة تنتمي إلى فارس من فرسان صلاح الدين، أعتز بالعشيرة المعروفية بتاريخها العظيم في الفلسفة والدين والفكر والقتال والنضال والجهاد والفن، كيف لي أن لا أعتز بالانتماء إلى عشيرة سلطان باشا الأطرش ومجيد أرسلان وشكيب أرسلان وكمال جنبلاط وآلاف الشهداء والمقاتلين والمناضلين الذين دافعوا ليس عن حياضهم بل عن حياض أمة بأكملها. ولا يعقل أن يطلب مني عدم الاعتزاز بالانتماء إلى الأمة العربية، الأمة التي أضاءت العالم ثمانية قرون.

سامي كليب: مستقبل سميح القاسم لم يكن مرصودا للشعر لا بل أن والده الضابط في الجيش العربي كان يفضل لابنه مستقبلا غير الكلمات التي صيغت قصائد تربت على حروفها والأوزان أجيال عديدة، فماذا عن البداية؟ ماذا أولا عن الوالدين؟

سميح القاسم: كان رجلا بالنسبة لجيلي يعتبر مثقفا تجول في العالم في إطار الخدمة العسكرية كضابط تعرف إلى زملاء بريطانيين وهنود وباكستانيين وطبعا..

سامي كليب (مقاطعا): استطاع أن يتمتع بقصائدك؟

سميح القاسم: طبعا بدون شك كان من القراء المعجبين لكنه كان يخشى علي من الشعر يخشى علي من السلطة ومن الفقر..

سامي كليب: بسبب كتابة الشعر.

سميح القاسم: يعني كان يدرك أن الشعر لا يفتح بيوتا، استعمل هذا التعبير، الأدب ما بيفتح بيوت.

سامي كليب: غريب أن تنقل هذا القلق إلى أولادك أيضا.

سميح القاسم: طبعا، ليس غريبا، كان والدي على حق.

سامي كليب: الوالدة كان لها دور في حياتك؟

سميح القاسم: طبعا، كانت شخصيتها قوية هي ابنة شيخ فقيه محترم جدا قد يكون أهم الفقهاء عندنا ونشأت في بيت ثقافي راق وأشقاؤها أيضا منفتحون على الثقافة على العمل الوطني وبحمد الله أتيحت لي بيئة أسرية من جانب والدي ومن جانب والدتي رحمة الله عليهما مريحة جدا ومشجعة جدا.

سامي كليب: دائما كنت تقول أستاذ سميح القاسم إنه لا تصدق من يكتب شعرا لأجل القضايا ولأجل الوطن، يكتب الإنسان ما يحس به، الشاعر يكتب ما يحس به..

سميح القاسم: نعم، نعم.

سامي كليب: طيب، يعني نلاحظ في بعض القصائد كلاما عن الوالد عن الوالدة ولكن دائما مرتبط بقضية بشيء ما يعني ليس محصورا بهذا الجانب.

الوطن والشعب كيان واحد ومتداخل ومتشابك لذلك لا يمكن أن أرى أشجار الزيتون دون أن أرى والدي ووالدتي
سميح القاسم:
بدون شك، بدون شك، لا أستطيع أن أضع حدودا بين ما هو أسري وما هو وطني، لا أجد هذه الحدود لأنها غير موجودة أصلا، البحث عنها هو عملية قسرية وغير مبررة، الوطن والشعب واحد وكيان واحد ومتداخل ومتشابك عضويا لذلك لا يمكن أن أرى أشجار الزيتون دون أن أرى والدي ووالدتي، لا يمكن أن أرى أبنائي دون أن أرى الأرض التي ما زلت متشبثا أو تلك التي صودرت، هذا الالتحام بين الإنسان والوطن هو قدري وأنا لم أختر ذلك لكنه حقيقتي وقدري وأنا أتعامل معه بهذه العفوية.

سامي كليب: هذه شو الصورة؟

سميح القاسم: صورة العائلة في أعتقد في الأربعينيات في الزرقاء في الأردن.

سامي كليب: موجود حضرتك فيها؟

سميح القاسم: أنا الجالس على ركبة والدي لذلك في رثائه صورة أقول له ما زلت ذلك الطفل الذي يجلس على ركبتك يا أبي.



عين الطفل شاهدة على بداية النكبة والخذلان

سامي كليب: "يا أبي" كم كان سميح القاسم يصيح بهذه المناداة بأعلى صوته وهو فتى يجري خلف والده في حقول العنب والتين والزيتون، لكن لا الزيتون بقي ولا الأرض، الغازي اغتصب تراب أجداده وهو كان شاهدا على نكبة 48 وشاهدا أيضا وخصوصا على تخاذل العرب في إنقاذ الأرض والزيتون والبشر.

سميح القاسم: الأرض صودرت وبالمناسبة حين وقعت النكبة في عام 48 كنت في التاسعة من عمري، بين الثامنة والتاسعة، وأنا أذكر كل شيء وأزعم أنني المصدر الأكثر مصداقية في تاريخ هذه النكبة لأنني عشتها على جلدي ورأيت وسمعت واستوعبت كل ما يحدث، ليس في الرام فحسب بل في القدس أيضا وفي بئر السبع وفي العواصم العربية..

سامي كليب (مقاطعا): هناك ذكرى معينة، طيب في ذكرى معينة لما كنت بالتسع سنوات وكانت النكبة عام 48، هل تعود إليك مثلا صورة معينة من ذاك التاريخ؟

سميح القاسم: الصور لا تعد ولا تحصى لكن الصورة الأشد إيلاما حين وقعت معركة شرسة بين حيفا وشفاعمر في منطقة اسمها هوشا والكساير في قريتين صغيرتين بين حيفا وشفاعمر وكان المقاتلون هناك صادف أن بين المقاتلين كان عدد كبير من أقربائي، اثنان من أخوالي قدما من سوريا، خالي حمد وخالي محمد..

سامي كليب (مقاطعا): يعني الوالدة سورية حسب ما أعرف؟

سميح القاسم: من أصول.. نحن يعني اسمحوا لي أنا أرفض هذه التجزئة، سوري وفلسطيني ولبناني وأردني، أنا أرفض..

سامي كليب (مقاطعا): ليش نسمح لك، ما نحن معك؟

سميح القاسم (متابعا): أرفض التجزئة الإقليمية بالكامل. أقربائي في سوريا الآن أكبر عددا من أقربائي في فلسطين ولي أقرباء في لبنان، نحن أبناء بلاد الشام نحن شاميون كلنا شاميون وبلاد الشام جزء من بلاد العرب فلذلك يعني..

سامي كليب (مقاطعا): فالأخوال بالمعركة.

سميح القاسم: نعم، والأعمام والوالد والأقرباء وفي هذه المعركة قتل شقيق موشيه ديان آنذاك زوهر ديان ووالد جنرال الآن معروف عندنا من عائلة ديان واستشرس اليهود أيضا في القتال واضطر المقاتلون بعد سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى لطلب العون من قوات جيش الإنقاذ وبعضها مرابط في بلدي وكانوا ضيوفا يوميين في منزل الأسرة، فطلب منهم الأقرباء أن يمدوا المقاتلين في هوشا والكساير بالدعم بالرجال وبالأسلحة وبالذخيرة فكانت إجابة الضابط..

سامي كليب: الضابط العربي؟

سميح القاسم: العربي طبعا، لا أوامر لدينا ولا ذخيرة لدينا، وركبوا سياراتهم العسكرية وهربوا إلى الشمال وأنا بعين طفولتي التي هي عيني الآن -أنا لم أتخل عن عين طفولتي أبدا لن أتخلى عنها- رأيت سيارات عسكرية تهرب إلى الشمال والضباط يجلسون وبعضهم ينزع الرتبة العسكرية خوفا من الوقوع في أسر الصهاينة ويهربون..

سامي كليب (مقاطعا): ونسأل كيف ضاعت فلسطين!

سميح القاسم (متابعا): ولا يلتفتون إلى ضراعة الرجال والنساء والأطفال، كأنني كنت أستجديهم أنقذوا أعمامي وأخوالي الذين يقاتلون في المعركة أنقذوا أبي وابن عمي وأنقذوا جيراني الذين يقاتلون ونفذت ذخيرتهم، وهربوا، هذه الصورة لن أغفرها طبعا، لن أغفر، لا نسيان ولا غفران لا للمجرم ولا للمتواطئ مع المجرم..

سامي كليب (مقاطعا): على كل حال لم تغفر، لم تغفر وعادت عدة مرات على كل حال.

سميح القاسم: نعم، نعم، لكن أنا يعني اسمح لي هي فرصة للتأكيد على أنني لا ألوم الجندي العربي المتطوع من مصر إلى لبنان إلى سوريا إلى الأردن إلى السودان، لا لوم لي على الجنود البسطاء وهم أشقائي وهم شركائي في الكارثة وفي الحلم..

سامي كليب (مقاطعا): وإنما القيادة..

سميح القاسم (متابعا): وفي الحلم، لومي على طغمة سياسية متواطئة مع الاستعمار ومع الصهيونية، متواطئة على شعبها..

سامي كليب: يعني حضرتك تقول متواطئة يعني ولم تكن على سبيل العجز فقط، كانت متواطئة؟

سميح القاسم: لا، كان هناك تواطؤ، في هذه المعركة مثلا كيف تفسر لي العجز وأنا أرى البنادق وأرى الذخائر وأرى الجنود وأرى الضباط وهم يهربون أمام عيني؟ لن يقنعني أحد..

سامي كليب: بأنه عجز.

سميح القاسم: بأن العجز كان مطلقا، أعلم أن عدد الجنود الهاجانا أو القوات الصهيونية كان أكبر من جميع الجيوش العربية، عتادهم كان أفضل، تدريبهم كان أفضل، أعلم ذلك علمت ذلك لاحقا لكن هذا لا يمحو أبدا الصور الطفولية البسيطة التي لا أرى فيها مكانا للاختباء وراء قناع العجز، كان هناك تواطؤ أيضا.

سامي كليب: على كل حال معروفة رواية عبد القادر الحسيني رحمه الله واستشهاده في المعركة الكبيرة وكيف ذهب إلى دمشق وحاول أن يقنع القيادات العربية بأن تساعده وقال لهم أنا أستطيع أن أعيد القدس وخذلوه في الواقع.

سميح القاسم: نعم، كما حاول نجله فيصل رحمة الله عليه لاحقا أن يستنجد بعمقنا القومي فعاد إلينا جثة هامدة.

سامي كليب: موتا طبيعيا؟

سميح القاسم: نحن لا نموت موتا طبيعيا، حتى من يموت منا بالسكتة القلبية لا تصدقوا أنه مات موتا طبيعيا.

سامي كليب: في الحديث عن الطفولة لافت في الواقع ما تقوله في ختام هذا المقطع الجميل عن الذهاب إلى الحقل مع والدك، تقول "وغابة طفولتي يا أحبائي ما زالت تحمل اسمي وجميع الأسماء التي حفرتها على جذوعها" وفعلا حضرتك حفرت على الشجرة اسمك..

سميح القاسم: نعم، نعم.

سامي كليب: "ما زالت تحملها وشما أبديا وذكرى باقية بقاء الكرة الأرضية نفسها، أتسألون بعد يا أحبائي ماذا أحمل في كيس الخيش؟" ردا على الذي سألك ماذا تحمل. وفي كمان يعني لمن يود أن يقرأ، لا شك ربما الكثير قرؤوها، قصيدة جميلة جدا عن عام 48، أطفال 48:

"كوم من السمك المقدد في الأزقة في الزوايا

تلهو بما ترك التتار الإنجليز من البقايا

أنبوبة وحطام طائرة وناقلة هشيمة

ومدافع محروقة وثياب جندي قديمة

وقنابل مشلولة وقنابل صارت شظايا

يا أخوتي السمر العراة".

في الطفولة أيضا في هذا الكتاب صداقة جميلة مع محمود درويش رغم أنه أعتقد أنك أكبر منه بشوي، وهناك رواية..

سميح القاسم: بشهر.

سامي كليب: بشهر فقط..

(ضحك)

سامي كليب: وهناك رواية لفتتني أن محمود درويش كان وأنت معه في البيت ومع بعض الأصدقاء يلبس المايوه وينظر إلى نفسه في المرآة..

سميح القاسم: يعني مرحلة الفتوة هي مرحلة ثرية بالذكريات وبمحاولات اكتشاف الذات أيضا، البعض يحب البحر البعض يحب السينما البعض..

سامي كليب (مقاطعا): يحب الرقص..

سميح القاسم (متابعا): يحب العزلة في المنزل أو الذهاب إلى كرم على سفح، يعني هوايات شبابية، السؤال هو إلى أين تفضي هذه الميول الشبابية في نهاية المطاف؟

سامي كليب: سبقتني إلى الهوايات لأنه أنا أعرف أنك ترقص السامبا والتانغو والدبكة العربية..

سميح القاسم (مقاطعا): والدبكة الشمالية والشعراوية والكرادية والبداوية طبعا.

سامي كليب: حين أجريت هذا الحوار مع سميح القاسم كان الشاعر الفلسطيني محمود درويش لا يزال على قيد الحياة يصارع السرطان ولم نكن لا سميح القاسم ولا أنا نعلم بذلك. وبين الشاعرين الكبيرين قصة عمر بدأت في الداخل واستمرت حين قهر المحتل محمود درويش حتى رحله عن أرضه وأرض أجداده بينما قرر سميح القاسم البقاء رغم القهر، وتبادل الشاعران الرسائل وقصائد كثيرة بعد البقاء والرحيل وبينها واحدة يعبر فيها درويش عن ندم الرحيل. فلماذا لم يرحل هو سميح القاسم رغم ضغط المحتل.

سميح القاسم: إسرائيل لم تقم من أجل تشريد الشعب الفلسطيني واحتلال وطنه ولتكون قاعدة للاستعمار في الوطن العربي، لدي قناعة بأن إسرائيل أقيمت لهدف واحد وهو إغاظتي..

سامي كليب: إغاظتك! حلو.

سميح القاسم: إغاظتي شخصيا.

سامي كليب: هذا قلته مرة لليهود، طيب نفهم بس لنا كمان؟

سميح القاسم: أقوله لليهود وللعرب وللفرنسيين وللإنجليز، لكل البشر. فردا على مشروع الإغاظة، وأعلى درجات إغاظة الحركة الصهيونية هي في رفض مشروعها الأساسي وهو المزيد من الأرض والأقل من العرب، وفي العلم لا يوجد فراغ، الفيزياء ترفض الفراغ وخروج مواطن عربي من هذا الوطن يملأ فراغه بمستوطن جديد بقادم جديد، بسيطة المسألة يعني..

سامي كليب (مقاطعا): هناك مستوطن لو مثلا..

سميح القاسم (متابعا): لا تسألني أسئلة صعبة، ليس السؤال صعبا على الإطلاق، ليس مسألة أفضل أو لا أفضل، إما أن أقر بأن هذا الوطن ليس وطني أو أن أصر على أن هذا الوطن هو وطني، بدون فلسفة بدون ادعاءات بطولة وبدون تفسيرات وتبريرات إذا كان وطني حقا فأنا معه وله حتى يومي الأخير، كل كنوز الأرض لا تساوي حفنة تراب من جبل حيدر الذي أعيش على سفوحه الجنوبية.



[فاصل إعلاني]

عن النضال والشعر والجوائز

سامي كليب: ولأنه اختار البقاء فإن الشاعر العربي سميح القاسم الذي ترجم شعره إلى الكثير من لغات العالم سرعان ما أدرك أن الكلمة مهمة ولكنها قد لا تكفي فنزل في التظاهرات وقاد أولى عمليات التمرد ضد فرض التجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي وأدرك أيضا أنه عاجلا أم آجلا ستثمر الأرض أطفالا يحملون الحجارة ويضعون الأرواح على الأكف ويقارعون العدو. وحين اندلعت الانتفاضة كان طليعيا في الكتابة عنها، كتب قصيدة بعنوان "رسالة إلى غزاة" انتفض الشعر، تحول الكلام إلى انتفاضة صارت القصيدة نشيدا لأي انتفاضة في العالم. من منا لم يسمع بقصيدة "تقدموا، تقدموا"؟ فما هي قصتها؟

سميح القاسم: دعينا لإقامة حلقة بشرية حول أسوار القدس العربية وذهبنا إلى هناك وكان مشاركون من جميع أقطار العالم المتاحة وضربت السلسلة البشرية حول القدس، تدخل الجيش الإسرائيلي والشرطة والمخابرات وأخذوا يطلقون علينا قنابل الغاز المدمع، بعض الشبان هناك أخذوني مع المرحوم الكاتب إميل حبيبي وسيدة عضو في البرلمان الإيطالي أو ما يشبه فقدت عينها في تلك المواجهة وآخرين إلى فندق ولاحظنا الأطفال الفلسطينيين يهتفون للجنود "كاديما، كاديما، كاديما" تقدموا، تقدموا، يتبعهم الجنود، يخرجون الحجارة من حقائبهم يقذفون الجنود، يركض الجنود وراءهم، لإنقاذنا نحن المحاصرين في فندق.. ما اسم الفندق؟ في القدس، لا أذكر اسم الفندق، وهناك ولدت أكثر من قصيدة، ولدت قصيدة "تقدموا" التي أصبحت نشيد الانتفاضة وأعتقد أنها ستكون نشيد كل انتفاضة في كل مكان وزمان ليس فقط الانتفاضة الفلسطينية..

سامي كليب: ما صارت يعني تردد أينما كان.

سميح القاسم: نعم، هناك ولدت أيضا قصيدة "حب على الطريقة الفلسطينية" حين كدنا نختنق بالغاز أخذونا إلى سطح الفندق وصبايا فلسطينيات يأتين بالبصل بقطع البصل لإنقاذنا من الغاز والشباب يقدمون مناديل معطرة للفتيات ففي كل هذا الجو، في كل هذه الفوضى الجنونية بدأت لدي قصيدة "حب على الطريقة الفلسطينية" أن الشاب حين يغازل فتاة لا يقدم لها وردة، يقدم لها بصلة أو تقدم له منديلا معطرا..

سامي كليب (مقاطعا): تذكر شيئا منها؟

سميح القاسم (متابعا): لحمايته من الغاز المدمع. قصائد كثيرة نشأت في..

سامي كليب (مقاطعا): بس هذه تذكر شيئا منها هذه؟ "الحب على الطريقة الفلسطينية" تذكر بعض أبياتها؟

سميح القاسم: هي قصيدة غُنيت، غنتها أكثر من مطربة، لا، لا أذكر تماما..

سامي كليب: طيب فلنذكر فقط جزءا من "تقدموا":

"تقدموا، تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم"

سميح القاسم:

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

براجمات حقدكم وناقلات جندكم

وشردوا وهدموا وهددوا ويتموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا

لن تسحقوا أعماقنا

لن تكسروا أشواقنا

نحن القضاء المبرم

تقدموا

تقدم المخيم

تقدم الجريح والذبيح والميتّم

تقدمت كنائس القدس

تقدمت تقاتل

تقدمت طهارة السنابل

تقدموا

كل سماء فوقكم جهنم

وكل أرض تحتكم جهنم

تقدموا، تقدموا، تقدموا

سامي كليب:

"تقدموا

يموت منا الشيخ والطفل

ولا يستسلم"

سميح القاسم:

وتسقط الأم على أبنائها القتلى

ولا تستسلم

تقدموا

سامي كليب:

"بناقلات جندكم وراجمات حقدكم

وهددوا وشردوا ويتموا وهدموا

لن تكسروا أعماقنا

لن تهزموا أشواقنا"

سميح القاسم:

نحن قضاء مبرم

سامي كليب: قضاء مبرم؟

سميح القاسم: نعم، مشيئة ربانية والله عادل، الله لا يمكن أن يقبل بالظلم وبخطيئة إلغاء شعب ومحو وطن، هذه خطيئة كبرى خطيئة مميتة لا يقرها الله ولا يسمح بها. تجربة، محنة، يدخلنا في التجربة، يمتحننا لكن في نهاية المطاف لا يمكن أن يصح إلا الصحيح.

سامي كليب: أخبرتني أمس ونحن نزورك في الفندق عن شاب سوري رمى فنجان القهوة على الأرض وكان يحبك حبا شديدا. فقط أود أن ترويها اليوم يعني للمشاهدين لكي لا أحتكر هذه القصة الجميلة.

سميح القاسم: حقيقة يعني في إحدى زياراتي للقطر العربي السوري الذي أحبه بلا حدود كما أحب كل بقاع هذا الوطن الطاهر والجميل، بعد مأدبة في منتجع..

سامي كليب: يمكن بلودان مثلا؟

سميح القاسم: بلودان نعم، في منتجع بلودان بعد وليمة أداروا القهوة السادة، القهوة المرة وكان هناك وزراء وجنرالات وشعراء ومطربون وفنانون ورسامون وزعماء وقادة، فهذا الشاب الذي يدير القهوة وصل إلي وقف أمامي، صب القهوة، شربتها وأعدت له الفنجان شاكرا فأمسك بالفنجان وضربه بالأرض هشمه، ذعرت قلت لعل الرجل يحتج على ما يقال من إن زيارتي تعتبر تطبيعا، أنا في مكاني الطبيعي في وطني وبين أهلي وهذا الكلام السخيف عن التطبيع بزيارتي شيء مغضب ومثير، لكن أحد الأشقاء السوريين إلى جانبي أعتقد أنه كان محافظ ريف دمشق آنذاك، قال هنيالك يا خيي، قلت شو نيالك؟ الشاب كسر الفنجان! فإذا به يقول هذه شهادة شرف نتمناها كلنا، في التقاليد الشعبية الشامية يريد أن يقول إنه ما من أحد يستحق أن يشرب من فنجانك بعدك.

سامي كليب: حلو، حضرتك اعتبرت هذا الأمر وكأنه أهم جائزة.

أكبر جائزة حصلت عليها عندما كسر شاب سوري الفنجان الذي شربت منه، ففي التقاليد الشعبية الشامية يريد أن يقول بهذا التصرف إنه ما من أحد يستحق أن يشرب من فنجانك بعدك
سميح القاسم:
أنا اعتبرت هذا الأمر مفاجأة سارة جدا ومنذ ذلك الوقت وأنا أقول إن هذه أكبر جائزة يمكن أن يحصل عليها شاعر في أي مكان في العالم، لا في أميركا ولا في أستراليا ولا في الصين لا توجد جائزة أكبر من جائزة هذا الشاب السوري الذي كسر الفنجان، وفهمت لاحقا أنه طالب جامعي يشتغل ليساعد أسرته في مصاريف المنزل.

سامي كليب: على كل حال اعتبرتها أهم جائزة وعرضت عليك جوائز أو محاولات لإقناعك بأنك لو قبلت جائزة في إسرائيل ستصلك جائزة نوبل وما إلى ذلك..

سميح القاسم: نعم.

سامي كليب: والجائزة التي حصلت عليها وكانت مميزة أيضا جائزة نجيب محفوط وقلت له "أنا محظوظ أكثر من محفوظ"..

سميح القاسم: من نجيب محفوظ، نعم..

سامي كليب: شو السبب؟

سميح القاسم: أنا محظوظ أكثر من محفوظ، طبعا، جائزة نوبل هي في المحصلة جائزة على اسم مخترع أسلحة دمار، البارود وأدوات الحرب ورصد الجائزة تكفيرا عن خطيئة، الحصول على جائزة نوبل أقل شرفا في رأيي من الحصول على جائزة نجيب محفوظ الكاتب المبدع العظيم الإنسان، بهذا المعنى. طبعا جائزة نوبل كانت ستتيح لي اقتناء ربطة عنق جديدة..

سامي كليب: لا، اسم الله عليك منيح..

سميح القاسم: وإصلاح أسناني طبعا، يعني كانت ستجدي ماديا بشكل أفضل لكن رغم ذلك أنا أفضل محفوظ على نوبل بدون شك.

سامي كليب: ليش وضعك فقير؟

سميح القاسم: الفقير فقير العقل، هكذا يقولون في بلادنا.

سامي كليب: لا والله سؤال جدي، يعني هل الشعر والأدب سمحا لك مثلا بأن تعيش بشيء من الرفاهية مثلا؟

سميح القاسم: لو أعيدت أو لو أعطيت لي حقوقي كان ممكن أن تساعدني فعلا، كتبي مطبوعة في كل أرجاء الوطن العربي وأعتقد بنسخ كما قيل لي من ناشرين، تجاوزت المليون من سنوات طويلة..

سامي كليب: شيء طبيعي، إيه.

سميح القاسم: كان من الممكن أن تحسن ظروفي المعيشية لكن الظروف وغياب ثقافة حقوق الملكية الأدبية يعني تعرقل، لا بأس هذا آخر ما يمكن أن يشغل..

سامي كليب (مقاطعا): حتى من الترجمات مثلا؟

سميح القاسم: لا، حظي من الترجمات أفضل، حظي من الترجمات أفضل..

سامي كليب: تصلك الحقوق مثلا؟

سميح القاسم: أحيانا تصلني من بلد مثل النرويج مثلا مبلغ ضئيل جدا عن بث بيتين من الشعر.



صحافة ورؤى وفكر وحلم متواصل

سامي كليب: شعر سميح القاسم لم يطعمه خبزا ولكن كلماته طعمت ورصعت آمالا كثيرة بالنصر وحين كانت تعز لقمة العيش كان سميح القاسم يلجأ إلى كسبها بشرف عبر الصحافة فكتب في صحف عديدة وساهم في تأسيس أخرى وبقي همه النضال والوحدة، وحدة العرب كل العرب.

سميح القاسم: "كل العرب" المنبر الأخير الذي عملت فيه في المجال الإعلامي رئيسا للتحرير بعد صحف مثل "الغد" أو "الاتحاد" أو "الجديد" أو مجلة "إضاءات" أو "فصلية 48"، وهي منبر قومي تقدمي إنساني وطني وهذه الصحيفة أردت لها أن تكون منبرا للحوار بين التيارات الفكرية والدينية والاجتماعية لذلك تجد فيها أخبار جميع الأحزاب جميع الطوائف جميع المناطق وأعتقد أنها أيضا على المستوى العربي تنتهج هذا النهج التوحيدي وتبتعد عن كل ما هو تبديدي وتعمل على إشاعة روح قومية عربية تقدمية إنسانية وعلى تفاعل الحضارات لا صراع الحضارات لأن الصراع يجب أن يكون بين الحضارة والهمجية، الصراع ينبغي أن يكون بين الحضارة والهمجية وليس بين حضارة وأخرى، التلاقح التفاعل بين الحضارات هو طريقنا طريق البشرية نحو عالم أجمل ومستقبل أفضل لأجيالنا القادمة.

سامي كليب: بين الأجيال القادمة وجيل سميح القاسم سبعون عاما ولكن السنين لم تمح من ذاكرة هذا الشاعر العربي صورا كثيرة عن تراب جبل حيدر الذي ترعرع عند سفوحه وعن نكبة فلسطين واستبسال أصحاب الأرض ضد الغزاة، ولم تمح، لا لم تمح من قلبه صورا عن أهل الأرض السليبة حين كانت ربابة الفنان تحشرج بالحزن تارة وتزغرد بالحب والسيرة الهلالية مرات.

سميح القاسم: هذه الصورة جزء من طفولة والطفولة جزء من تاريخ، كان شعراء الربابة يتجولون في القرى والمدن ينشدون في بعض المنازل منازل الوجهاء والشيوخ ويتجمع الناس لسماعهم، لم تكن هناك دور السينما طبعا ولا تلفزيون ولا فضائية سامي كليب..

سامي كليب: الجزيرة يعني يا ريتها فضائيتي..

(ضحك)

سميح القاسم: ولا إنترنت ولا.. لم يكن هناك سوى النشاط الثقافي، بين أقواس، وهو فعلا نشاط من خلال العرس أو شاعر الربابة أو سيرك الغجر المتنقل بين قرانا ومدننا في الشمال بقدر ما أذكر، ولن أنسى شاعر ربابة استضافه أحد أجدادي والقرية اجتمعت للإصغاء وأنشد ساعات حتى بعد تناول الطعام عاد للإنشاد..

سامي كليب (مقاطعا): ماذا كان ينشد؟ تذكر بعض ما كان يقول مثلا؟

سميح القاسم: طبعا السير..

سامي كليب: السيرة الهلالية..

سميح القاسم: الهلالية وأيضا هذا يعيدني إلى ما نسميه صندوق العجب أو صندوق الفرجة، كان يأتي إلى الساحة المركزية في القرية ونذهب إما ندفع نقودا قرش تعريفة عشرة مل عشرين مل حسب التسعيرة أو عينيا البعض يدفعون البيض والفواكهة والزيت والزيتون ولا أنسى أحد المشاهد وهو يقول نحن نتفرج وهو يقول "شوفوا سعدى الزناتي راكبة الحصان وطالعة طالعة ع راس القلعة" وما زلنا للآن أنتظر اليوم الذي أرى فيه في الواقع سعدى الزناتي راكبة الحصان وطالعة إلى القلعة..

سامي كليب: تراها في المخيلة طبعا..

سميح القاسم: في هذه الأثناء يوجد علم إسرائيلي على رأس القلعة، من سينزل هذا العلم لتصعد سعدى الزناتي؟ لا أعرف.

سامي كليب: سينزل يوما ما؟ سينزل؟

سميح القاسم: هذه مسألة مبتوتة ليس لأننا نريد، مبتوتة لأن هناك في داخل أبناء عمومتنا عقدة اسمها عقدة التدمير الذاتي..

سامي كليب: أبناء عمومتنا لمن قد لا يفهم، الإسرائيليون طبعا.

سميح القاسم: اليهود طبعا، نتنكر لجدنا إبراهيم وجدنا إسماعيل؟ معاذ الله. عندهم عقدة التدمير الذاتي، بالعربية الفصحى في هذه الأيام self destruction..

سامي كليب: هذه بالعربية الفصحى؟!

سميح القاسم: هذه العربية السائدة الآن. وكل كياناتهم السياسية دمروها بأيديهم تاريخيا وتزمتهم تعنتهم الآن رفضهم لأي فكرة تتعلق بالسلام وبالتعايش هم يرفضون ذلك حقيقة يقودهم في نهاية المطاف إلى ما أسميه التدمير الذاتي، لذلك إن لم يأت صلاح الدين الكردي لإنزال العلم فسينزله صلاح الدين الإسرائيلي!

سامي كليب: عندك أحد الأجداد كان مع صلاح الدين.

سميح القاسم: طبعا أنا أعتز بأن جدنا الأول خير محمد الحسين كان من فرسان صلاح الدين في موقعة حطين الشهيرة.

سامي كليب: من تاريخ حطين وتاريخنا العربي تفنن سميح القاسم بانتقاء تلك الصور المجيدة وكتب شعرا حرا أو قصيدة موزونة ومقفاة، وحين كان يخرج عن سياق القصيدة فإنما ليكتب رؤى تؤكد انتصار الشعوب على غزاتها، وحين زرته في فندقه قبيل المقابلة للاتفاق على بعض النقاط أهداني كتابا غريبا بعنوان "نوسترا سميحداموس" فهل في الأمر تيمن بنوستراداموس؟

سميح القاسم: ليس تيمنا بل رفضا وتصديا، رؤى نوستراداموس الغرائبية الخرائبية عادت إلى أذهان البشر في العقود الأخيرة بشكل مروع، وهو كان شاعرا متواضعا شاعرا فرنسيا متواضعا وطبيبا أعتقد أيضا وكتب رؤاه الشخصية لكن البعض الآن يحيلونها إلى النبوءة..

سامي كليب: مثل نهاية الكون وتدمير الشعب..

سميح القاسم: نعم نهاية الكون، وتبعه في ذلك مفكرون..

سامي كليب: فرانسيس فوكوياما..

سميح القاسم: وأدباء جدد، فوكوياما وأضرابه..

سامي كليب: وهينتنغتون.

سميح القاسم: ولذلك أنا هنا أرد في هذه التجربة في هذا العمل أرد على هذه السخافة التي تسمى رؤى نوستراداموس برؤى نوستراسميحداموس.

سامي كليب: أنا على كل حال أعرف أنك لا تحب قراءة القصائد في البرامج المتلفزة ولكن سأقرأ عنك، تقول مثلا عن واشنطن في هذه الرؤى:

"أوهام واشنطن لوهم روما

تكتسح العباد والبلاد والنجوم

وعثرة فكبوة وكبوة فصيحة

يا وهم لن تدوما"

سميح القاسم: يا وهم لن تدوما. طبعا، وهم الإمبراطوري الأميركي المعاصر مصيره مصير الوهم الإمبراطوري الروماني القديم، روما سقطت وواشنطن ستسقط قطعا وهذه الرؤية هي نقيض لرؤى نوستراداموس، رؤاه ضبابية غيبية قابلة للتأويل أيضا..

سامي كليب: لا، أنت قاطع هنا.

سميح القاسم: نعم أنا أتصدى لتنوع الاحتمالات، هذه الخدعة البصرية في نبوءات نوستراداموس أتصدى لها بوضوح السيف، بوضوح السيف العربي في وجه كل المؤامرات وكل الإمبراطوريات التي ستزول وسيسطع من جديد نجم الروح العربية وهو نجم إنساني.

سامي كليب: الرؤى لا تتعلق فقط بواشنطن على ما أعتقد في هذا الكتاب، هو جديد يعني نزل حديثا على ما أعتقد إلى السوق، هناك رؤى تتعلق بإسرائيل بزوالها، تقول: "أبصر معركة الأفعى والنسر في أفغانستان وفنزويلا وأرى في مرآة الماء الراكد في قعر البئر كيف تفوز النملة بالنصر"، أفغانستان وفنزويلا، أميركا طبعا يعني ولكن في رؤى تتعلق بإسرائيل أيضا في هذا الكتاب؟

سميح القاسم: أنا لا أحب أن أتحدث عن أعمالي فعلا أترك للقارئ أن يفسر ويشرح ويؤول، أن يقرأ كما يريد وليس كما أريد، في الحقيقة هذه الرؤى وعددها أعتقد 111 رؤية، هي رؤى حول العالم حول صورة العالم القادمة إزاء أنبياء الدمار والخراب ونهاية الكون، أطرح رؤاي الخاصة وهي ليست رؤى اليائسين والمحبطين والعاجزين، هي رؤى الثوار.

سامي كليب: رؤى الثوار ورؤى الثورة ترافقت في شعر سميح القاسم مع الخذلان وخيبة الأمل ولكنه لم ييأس، وسوف ترون في الحلقة المقبلة كم أن قلبه لا يزال وهو في السبعين من العمر كقلب طفل من أطفال الحجارة زاخرا بالثورة والأمل، أمل يدفعه للقول بأنه إذا كان خيار حماس هو الثورة فهو معه. سيشرح لنا كل ذلك في الأسبوع المقبل فإلى اللقاء.