- طعام الفلاحين الجوعى فوق موائد الإقطاعيين
- المناضل الأميركي جيفارا في كمشيش


سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى قرية كمشيش المصرية، هنا منذ حوالي نصف قرن قامت إحدى أهم الثورات الفلاحية، قائد تلك الثورة صلاح حسين قُتل على أرض هذه القرية بينما زوجته التي رفعت الراية معه وبعده، فهي استمرت بالنضال وتروي لنا اليوم قصتهما مع هذه القرية، ضيفتنا اليوم السيدة شاهندة مقلد تروي لنا كل ذكرياتها.

طعام الفلاحين الجوعى فوق موائد الإقطاعيين

شاهندة مقلد – زوجة الشهيد صلاح حسين قائد ثورة قرية كمشيش المصرية: الفلاح بيعني لي مصر كلها بيعني لي صلاح كتب كلمة حلوة قوي وأنا بأحسها دي، بيقول فوق كل مائدة يوجد شيء من جهد فلاح جائع، الفلاحين النهاردة هم اللي صنعوا مصر بفائض الأثمان، منتجاتهم اللي كانت الثورة بتأخذها وتبني بها مصانع وتبني بها مدارس وتبني بها.. الفلاحين هم اللي بنوا مصر، فالفلاحين كل حاجة حلوة في بلدنا، أشيلك يا سلاحي أنا شايلك وهأتهف دائما وأنا شايلك.. هو.. هو يا يا صلاح.. نفس الخط يا صلاح، مين يقول إن صلاح.. إنه جوه القبر راح.. قولوا دمه في المصانع.. قولوا دمه في الغيطان.. في الغيطان اللي اتردم فيها جدودنا الفلاحين.. اللي ضحُّوا وعاشوا أجيال محرومين.. دمه نور.. دمه نار.. دمه نور حقد السنين الصابرة.. دمه نار لهب القلوب الثائرة.. طار صلاح هو طار كل اللي زيه في سيناء وسوريا.. والقنال والقدس والضفة الأبية.. دمكم مش راح يضيع والسلاح هو اللي لازم يترفع.. السلاح يا مصر.. السلاح للنصر.

[تعليق صوتي]

فلاحو قرية كمشيش المصرية يذكرون بكثير من الخير قائد ثورتهم الذي قضى لأجلهم صلاح حسين ويحتضنون بكثير من المحبة أرملته المناضلة شاهندة مقلد، هذه السيدة السبعينية العمر كانت قد بدأت رحلتها صغيرة حين أورثها والدها ضابط الشرطة حب الفلاحين والأرض والكفاح وقد أُعجبت بنضال صلاح حسين قبل أن تحبه، كانت تسمع عن قتاله في فلسطين وفي قناة السويس قبل أن تصبح زوجته وتناضل إلى جانبه لنصرة الفلاحين، قصة عمر انتهت بمأساة ولكنها أيضا قصة نضال بدأت من هنا من كمشيش حيث الأرض الطيبة، أرض الأهل والأجداد ورفاق الكفاح والسلاح.

شاهندة مقلد: أبويا علمني يعني في الكلمة اللي في الأوتوجراف اللي بيقول لي وصيتي إليكِ هي التقوى، اتقِّ الله في كل صغيرة وكبيرة، لا تفعلي سرا ما تخشينه جهرا، إذا كنتِ في نعمة فحافظي عليها وليكن لليتيم والمحروم منها نصيب، دافعي عن رأيك حتى الموت، فأنا كنت بأعتبر إن دي وصية أبويا لي وأنا يعني متمسكة بها، أنا مقتنعة بأن صلاح هو الزوج اللي أنا أقدر أعيش معه والجدير بأن يكون أب لأولادي..

سامي كليب: ولذلك تسلحتي بجرأة كبيرة..

شاهندة مقلد [متابعةً]: بالضبط.

سامي كليب: يعني بعد أن أجبروكِ على أن تُخطبي إلى ضابط تركتيه وهربتي بيوم من الأيام..

شاهندة مقلد: هربت عشان أطلَّق وهربت عشان أتزوج..

سامي كليب: وكان كاتب كتابه عليكِ..

شاهندة مقلد: أيوة..

سامي كليب: فذهبتي إلى صلاح حسين وقلتي له يجب أن نتزوج وتزوجتما..

شاهندة مقلد: لا، إحنا اتفقنا ننفصل الأول، فلما انفصلت، قررنا نتجوز.

سامي كليب: لاحظت بخلال كلامي معك سيدة شاهندة أنه عندك ذاكرة، اسم الله عليكِ، قوية وتحتفظين تفاصيل بعض الرسائل، هل تحفظين أهم وأجمل رسالة كتبها لك صلاح حسين مثلا؟

شاهندة مقلد: طبعا، الرسالة اللي كتبها لي تاني يوم ما تزوجنا اللي كاتب فيها بيقول، جاءت حبيبتي حقيقة كالأمل، جاءت ولا أدني أثر لذلك الجهد الرائع يعلق بثيابها، لقد غسل الحب المنتصر كل شوائب الرجعية وزادها حبا ولم يبق من الماضي غير عزيمة الإنسانية، آثرت منزلي ذو الغرفة الواحدة والأثاث الهرم على وثير العيش، إنها حقا بداية جميلة لأناس يحبون الشعب.

[تعليق صوتي]

صلاح حسين المناضل لنصرة الفلاحين كان متعلما ومتأثرا بأفكار اليسار والشيوعية، صحا باكرا على صور قهر الفلاحين من قِبل الإقطاع في كمشيش.. كمشيش هذه القرية التي تبعد حوالي ساعة ونصف الساعة بالسيارة عن القاهرة عرفت كل صنوف إذلال الفلاحين من الجلْد إلى السجن إلى سلب الأراضي وقطع الأرزاق والأعناق.

شاهندة مقلد: مش بس كده، يعني كان بعض الطلبة اللي بيدرسوا في شبين الكوم لا يستطيعوا.. كل طالب معه طاقية في جيبه، بحيث أول ما يطلع من المدرسة وهو مروح القرية لازم يلبس الطاقية، اللي ما يلبسش الطاقية وهو نازل كمشيش يؤخذ ويُضرب، ما يقدرش.. لازم يقوم.. يعني إذا الطلبة قاعدين وفات الإقطاعي لازم يقوم يقف، يعني كان فيه حاجات بهذا، إذلال وحتى دي البدايات اللي استخدمها الشهيد صلاح حسين في اكتشاف العناصر اللي ممكن تقاوم معه من الطلبة.

سامي كليب: محطات هامة وقف إلى جانب الفلاحين فيها المرحوم صلاح حسين، وقف في نضاله السياسي كان طبعا قريبا للفكر الشيوعي وناضل إلى جانب الفلاحين، ساعدهم، استطاع أن يحصل لهم على أراضي كانوا فقدوها من أجل الإقطاع وقرية كمشيش طبعا حفظت له الود قبل وخلال وبعد وفاته، من المحطات المهمة مثلا كانت أيضا في تاريخ صلاح حسين ولكن أيضا في تاريخ والدك آنذاك، الزيارة الهامة التي قام بها أنور السادات إلى كمشيش، خبريني عنها شوي؟

"
الإقطاعيون استعانوا بمجموعة من المجرمين لاحتلال قرية كمشيش لإرهابهم والاعتداء على ممتلكاتهم، والسلطة المحلية لم تهتم بالبرقيات التي ارسلتها القرية، وعندها زار السادات القرية فرض حظر التجوال واعتقل 25 فلاحا
"
شاهندة مقلد: الزيارة دي هو الإقطاعيين كانوا استعانوا بمجموعة من المجرمين اللي عليهم أحكام واحتلوا قرية كمشيش وبدؤوا يهددوا أهلها، فالقرية هاجمت.. بدأت ترسل برقيات وتقول إن فيه مجرمين والإقطاع يستخدم المجرمين لإرهابنا والاعتداء علينا وعلى ممتلكاتنا، فالسلطة المحلية يعني لا تلبي لهم أي اهتمام، فالفلاحين في يوم هجموا على عملاء الإقطاع دوول وقتلوهم، السادات نزل كمشيش، لا قبل دي، اللي حصل أنه فرض حظر التجول على القرية والسادات نزل كمشيش أيوة واعتقل حوالي 25 فلاحا، فأبي بعث له.. دي كانت بداية وطبعا دي واقعة مهمة قوي لأن السادات أنا كاتباها.. هي مكتوبة عندي بالنص، بالحوار يعني ما كتبتهاش لسه في الكتاب ده لكن إن شاء الله في الكتاب اللي جاي تكون وقائعها مكتوبة، قال لهم إنني أحكم بلا معقِّب وسأقيم لكم المشانق في كمشيش..

سامي كليب: للفلاحين؟

شاهندة مقلد: للفلاحين، القرية كان فُرض عليها حظر تجول وجرنال في مجلة آخر ساعة كتبت كمشيش القرية التي فُرض عليها حظر التجول..

سامي كليب: هذه أي سنة؟

شاهندة مقلد: سنة 1953، آخر ساعة 18-8-1953.

سامي كليب: الغريب إنه بُعيد قيام الثورة يعني..

شاهندة مقلد: ما هو ده الشيء اللي المتناقض يعني أو اللي بيوري جدل الثورة يعني جدل الثورة والثورة المضادة وإزاي هي استمرت وإزاي هي قدرت تعيش وإزاي قدرت بعد 14 سنة تغتال صلاح حسين زي ما الرئيس عبد الناصر قال في خطابه يعني، فأبي بعد اعتقال الفلاحين بعث لمجلس قيادة الثورة والأمر لعبد الناصر ولأنور السادات، إما أن تفرجوا عن المعتقلين أو تعتقلوني معهم، هو كان رئيس مباحث بني سويف في الوقت ده، فاستدعاه أنور السادات وقال له أنا عاوز أنزل كمشيش..

سامي كليب: من أجل الصلح.

شاهندة مقلد: من أجل إن إحنا نعمل صلح بين الفلاحين والإقطاعيين، فأبي قال له.. رحَّب يعني.. فطبعا أنا نزلت في المغامرة اللي إحنا عملناها وركبنا العربية وأخي اللي ساق وحاجات كده عشان بابا ما كانش عاوز يأخذنا وفوجئ بنا موجودين في قلب القرية يعني، أنا فاكرة البيت.. هنروح حضرتك كمشيش طبعا البيت كان كبير وأعتقد فيه صور له عندي، لكن البيت الحديث مختلف، البيت الأول كان بيتا واسعا جدا يعني كمشيش كلها كانت تقريبا في البيت وأنور السادات وصل فقال لأبي يعني يروح يجيب حد من الإقطاعيين..

سامي كليب: الفقير.

شاهندة مقلد: آه، فأبي قال له لا، يعني يكفي إن إنا قبلت إن إحنا نستقبلهم يعني هنا وهم يأتوا، فأنور السادات بعث لهم، جاؤوا فاللي كان بيقول كلمة الفلاحين كان أبو العينين الفقي أحد قادة نضال الفلاحين ضد الإقطاع..

سامي كليب: حلو.

شاهندة مقلد: ورجل عظيم وظل وفيا للقضية وللفلاحين وللأرض إلى أن توفاه الله، فوقف يتكلم، كان فيه خلاف في القرية، شباب القرية مختلف إن إحنا ما نعملش صلح مع الإقطاع، المسألة مش قضية خلافات، إحنا في صراع طبقي، ده إقطاع ويأخذ أرضنا وإحنا بنقاوم عاوزين أرضنا، فمفيش صلح، فبابا حاول يناقشهم يعني، في الوقت ده صلاح كانت محددة إقامته في اسكندرية فبعث لأبي برقية قال له لا تبيع البلدة بالإفراج عنا فالسجن خير من أن تفرط في حق منهم، بابا خاله، فالبرقية لما جاءت طبعا عملت..

سامي كليب: بلبلة يعني..

شاهندة مقلد: بلبلة آه، بس أنا قلت لبابا قلت له صلاح معه حق يا بابا، فبابا قال لي امشي يا بنت، يعني لكن أبي كان شايف إنه دي وسيلة لعمل هدنة بين الإقطاعيين والفلاحين.

سامي كليب: وخطب السادات وقتها ونسي..

شاهندة مقلد: وخطب السادات وما قالش إنه هيفرج عن المعتقلين..

سامي كليب: بالضبط، فوقف الوالد؟

شاهندة مقلد: فبابا وقف وقال، أذكِّر السيد أنور السادات بوعده لي بالإفراج عن المعتقلين، فراح قام.. هو على فكرة السادات قالها فيها..

سامي كليب: وأطالبه الآن أن يكرر هذا الوعد أمام الملأ وأن ينفذ هذا الوعد وإلا فلا صلح ولا مصالحة.

شاهندة مقلد: ولا المصالحة آه، السادات قال بدأ كلمته قال، الحمد لله لقد أصبح لنا في كمشيش عزوة.

سامي كليب: الغريب إنه وصل الأمر إلى حد اغتيال أيضا أحد الفلاحين المساكين يعني من قِبل الإقطاع هو زيد أبو رواش..

شاهندة مقلد: أبو زيد أبو رواش ده أول شهداء الفلاحين، ده أولاده أحياء حتى الآن ولهم قصص مشرفة، ده كان رجلا قوي الشكيمة جدا بيشتغل عندهم يعني، بس صلاح زاره وقال له فلتكن أحد العُمَرين اللذين نصر الله بهم الإسلام على أساس خبر زيارة صلاح تسرب إلى الإقطاعيين فيعني أهانوه وهو كان رجل عنده كرامة شديدة جدا..

سامي كليب: أهانوا زيد أبو رواش..

شاهندة مقلد: أهانوا أبو زيد أبو رواش آه، إزاي يستقبل صلاح حسين في بيته، فأهانوه، فكانت دي النهاية انضمام أبو زيد لصفوف الفلاحين..

سامي كليب: فاغتالوه؟

شاهندة مقلد: فقتلوه لأنه كان يعلم أسرارا كثيرة عن سلاحهم، السلاح المهرب فين، كل أسرارهم كانت عنده لأنه كان بيشتغل كاتب في الدائرة..

سامي كليب: طبعا وصل الصراع الطبقي إلى حد تنظيم ومسلح، صلاح حسين زوجك الله يرحمه كان بعد ما تزوجتم طبعا هو الذي أسس أول تنظيم مسلح في كمشيش ضد الإقطاع؟

شاهندة مقلد: هو قبل ما إحنا نتزوج بكثير يعني في الخمسينات في 1951، 1952 صلاح صديق لوسيم خالد وكانت المجموعة تقول له بعدما رجعوا من القنال وبعدما رجعوا من فلسطين أدركوا إن العدو في الداخل مش في الخارج، الملك وعملاؤه، مين عملاء الملك ومين القوة المساندة له؟ الإقطاعيين، فلابد من إن إحنا نقضي على الإقطاع ونقاومه فكانت دي بداية التشكيل المسلح..

سامي كليب: يعني قبل قيام الثورة إذاً؟

شاهندة مقلد: قبل قيام الثورة، لما الثورة قامت اعتبروا إن الثورة قامت لأنها رفعت شعار القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، فشافوا إن ما فيش أي معنى لأنهم يعملوا كفاح مسلح لكن مجريات الأحداث واستخدام الإقطاع للسلاح ضدهم وصعود 16 فلاحا وفلاحة في معركة الملاَّل برصاص الإقطاعيين وفي معركة السد نفس الشيء، سد المياه اللي كان الإقطاعيين عاملينه والفلاحين خرجوا علشان يعني يهدوه ابتدأ يحسوا إن السلاح إن فيه احتياج للسلاح لحماية الفلاحين، الفلاح لو ما أحسش إنه فيه حماية مسلحة يعني على قدر الإقطاع بيحاربه بالسلاح، إذا أنت سِبت الفلاح معرَّض للضرب، إن بهيمته تتسم، غيطه.. زرعه يتقلَّع.. غيطه يتحرق، قدرته على المقاومة بتضعف، فكان لازم يحس الفلاح بأن هناك قوة قادرة على حمايته، فابتدأت حملة متبادلة، يعني إذا فلاح غيطه اتحرق غيط الإقطاعي يتحرق، إذا بهيمة اتسمت بهيمة تتسم، فهنا أدرك الإقطاع.. وعشان كده هو بعد كده جاب العرب المجرمين لحمايته.

[تعليق صوتي]

الفلاحون الذين تتحدث عنهم المناضلة شاهندة مقلد لا يزالون على قيد الحياة ولا يزال تعلقهم بالأرض أقوى من أي وقت مضى، رغم أن الأرض لم تعد تثدرُّ عليهم الكثير، من أجلهم استشهد صلاح حسين ولأجلهم ترملت شاهندة مقلد باكراً وناضلت وسُجنت مرات عديدة.

شاهندة مقلد: طبعاً تجربة السجن صعبة مش سهلة، لكن أنا كنت بأعتبرها ده اختيار، يعني الموقف اللي أنت بتأخذه أنت بتعادي نظام فهو يعني أنا كنت عارفة تبعات الموقف اللي أنا بأخذه..

سامي كليب: يعني تعرضتِ للتعذيب مثلاً؟

شاهندة مقلد: لا إطلاقاً، يعني أنا السجن في حد ذاته تعذيب وبعدين أنا حُبست فترات كثيرة حبس انفرادي، آه طبعاً، بس التعذيب المباشر..

سامي كليب: كنتِ تكتبي مذكرات وشعر..

شاهندة مقلد: آه طبعاً، أنا بدأت مذكراتي في السجن في 1975..

سامي كليب: سنقرأ جزءاً منها، وددت أن أسألِك طبعاً حضرتك والمرحوم زوجك يعني وقفتما إلى جانب الفلاحين هنا في قرية كمشيش، بس ممكن تخبريني ماذا فعلتما للفلاحين، يعني سمعت إن البعض تعلم مثلاً كان أمياً..

شاهندة مقلد: أولاً وقف السُخرة ووقف الاعتداء على أراضي الفلاحين واغتصابها ده كان عملا مجيدا كل القرية شاركت فيه وأحد النتائج اللي كانت لثورة الفلاحين بكمشيش، أيضاً إن إحنا إن فيه 100 في القرية بعد فرض الحراسة والاستيلاء على الأراضي فيه 199 منتفع إصلاح زراعي في القرية هنا، أولادهم تعلموا ودرسوا وبقوا أطباء ودكاترة ومهندسين وهمَّا في وضع النهاردة البلد أنت بتشوفها بلد شكلها مختلف عما كانت عليه في 1966 طبعاً أو في السنوات الأولى للثورة، إحنا النهاردة في غيط زميل لينا كان مُبعد معانا، أبعده السادات مع الفلاحين ومعي..

سامي كليب: الغيط فقط ليفهم المشاهدين هي..

شاهندة مقلد: الغيط..

سامي كليب: أرض زراعية..

شاهندة مقلد: لا، ده غيط صغير على قده يؤجره يعني..

سامي كليب: يعني مزرعة صغيرة..

شاهندة مقلد: مزرعة صغيرة وهو كان أصلاً من المبعدين معنا وكان لا يقرأ ولا يكتب وكان فيه بعض المبعدين اللي ما يقرأوش ولا يكتبوا، فإحنا وإحنا في فترة الاستبعاد استثمرناها إن إحنا نجيب مدرسين ونعلمهم القراءة والكتابة وفعلاً يعني أنت هتشوف صاحب البيت اللي مستضيفنا النهاردة الحمد لله يعني ثقافته عالية جداً يمكن..

سامي كليب: اللي هو السيد عبد المجيد..

شاهندة مقلد: عبد المجيد آه ومعنا بقى زملاء الشهيد صلاح حسين، موسى أبو لبن ومعانا ناس كثير من القرية، طبعاً دول شاركوا في معاركها كلها..

[تعليق صوتي]

هنا بين البيوت الفقيرة والأحياء المتواضعة تبقى الأرض قضية والناس الطيبون هنا في قرية كمشيش التي ثارت ضد الإقطاع قبل ثورة الرئيس جمال عبد الناصر استقبلونا واستقبلنا خصوصاً الفلاح عبد المجيد ورفاقه بالترحاب في منزله وعبد المجيد الذي كان أمياً تعلم وصار قارئا لأفكار العدالة الاجتماعية والنضال كأي مثقف يساري في العالم، كان أهل كمشيش المضيافون الطيبون يروون لي قصصهم وكأنهم يعيشونها الآن وليس قبل أكثر من نصف قرن.

أحد المناضلين: الحقيقة حصل موقف غريب.. موقف مهم قوي في 1969 حصل إفراج من جمال عبد الناصر على أرض في أرض تسمى أرض محمد عبد الله في كمشيش وإحنا قعدت كل قيادة كمشيش وأنا كنت متفرج ما كنتش مشارك قوي أو كنت يعني زي عامل أو تفكر إحنا قاومنا الإقطاع وقاومنا الفساد لكن أيدنا عبد الناصر، طيب والقرارات دلوقتي بتيجي على حِجر عبد الناصر، هل الطاحونة والقوة دي نقدر نواجهها؟ فاستخلص تقريباً الكل إنه لا، إن إحنا نشتكي إن إحنا نعمل أي حاجة بعيد عن إن إحنا نعفي عن الأرض، قررت الأبلة شاهندة بمفردها تنزل على الأرض لابسه كاوتش وماسكة عصا، فكل قيادات كمشيش وأولهم الأستاذ موسى دعا كل اللي كان لهم تحفظات ينزلوا على الأرض وقعدنا لمدة 15 يوم بشكل تصاعدي، الحريم يصوَّت لو الأمن جاي، الرجالة تقطع عصا من الشجر وتلم زلط عشان تقاوم، الصحفيين.. حد يبلغ الصحفيين.. فيه قوة بالسلاح الصحفيين طلبوا إنهم يصوروها وأنا كنت منها رفضنا إلا ضرب النار ما يشوفش الأشخاص، الحاجة العظيمة إن استجاب عبد الناصر لأن قرارات كمشيش كان لها تأثير على المستوى القومي، يعني لجنة تصفية الإقطاع بتحس إن القاضي أو المستشار بيساند القوة الكبرى لأنه منها، فلجنة تصفية الإقطاع شُكِّل قرار على المستوى القومي بسبب كمشيش، فك الحراصات كان بسبب كمشيش.

[شريط مسجل]

جمال عبد الناصر: لم تكن هذه الثورة ثورة فرد أو أفراد ولم يكن هدف هذه الثورة الحكم أو السلطة أو السلطان ولكن هذه الثورة كانت تقول دائماً لماذا يحرمنا الاستغلال من لقمتنا؟ لماذا يحرمنا الاستغلال من رزقنا؟ لماذا تتحكم فئة قليلة منا في أرزاقنا وفي لقمة عيشنا؟ ولماذا يحرمنا الاستعمار وأعوان الاستعمار من حريتنا ومن حقنا في الحياة؟

عبد المجيد أحد مناضلي كمشيش: الناس كانت بتئن من الظلم لكن مش لاقيين سند، لما قامت ثورة 1923 يوليو، فيه فترة ترقب من 1923 لغاية سبتمبر..

شاهندة مقلد: 4 سبتمبر..

عبد المجيد: 9 سبتمبر..

شاهندة مقلد: لا الثورة هي اللي..

عبد المجيد: آه معلش، لغاية سبتمبر الفترة دي كانت فترة ترقب عند الفلاحيين، يا ترى الكلام ده صح؟ فيه ثورة صدق ولاَّ الثورة دي..

سامي كليب: هتدعم الإقطاع..

عبد المجيد: مش هتدعم الإقطاع لا، هيقضوا عليها يعني الإقطاع والملك هيقضوا عليها وترجع ثاني زي ما كنا، فلما الناس تأكدت من إن الثورة رِجلها ثبتت في الأرض صلاح حسين كان هو اللي بيقود الثورة.



[فاصل إعلاني]

المناضل الأميركي جيفارا في كمشيش

سامي كليب: صلاح حسين، شاهندة مقلد، فلاحو كمشيش، الثورة الفلاحية، الانتفاضة على الإقطاع أسماء وكلمات وعبارات كانت تجوب القرى المصرية ولكن أيضا العالم في منتصف القرن الماضي وصلت أخبار هذه القرية الطيبة بأرضها وناسها إلى العالم فالفلاح الأمي هنا صار متعلما ومنفتحا على العالم وكان صلاح حسين وشاهندة مقلد يعلمون الفلاحين بغية فتح عيونهم على واقعهم الصعب.

مشارك أول : بدأت أقرأ كتب كثيرة يعني أول ما قرأت.. قرأت الصراع بين الصين وروسيا، قرأت كتب الاشتراكية، قرأت كل الكتب اللي موجودة في السوق في الفترة دي..

سامي كليب: قرأت كتب رأس المال لماركس؟

مشارك أول: قرأت كتب رأس المال لماركس وقرأت كتب ما العمل للينين وقرأت كل الكتب دي، لكن كان أمامي حاجة واحدة إنها تبقى مرتبطة بالدين اللي هو أنا به، الدين الإسلامي..

سامي كليب: يعني شيوعي متدين؟

مشارك أول: مش لازم كلمة شيوعي متدين، أنا مسلم ولكن بأؤمن بالتغيير وبأؤمن بالمعرفة لأن المعرفة..

مشارك ثان: العدالة يا..

مشارك أول: المعرفة والعدالة هم أداة إن أي إنسان.. أي تخلف ما بيخليش الإنسان لا يبقى متطور ويخلي فيه الدولة مش مستقرة زي اللي بيحصل في لبنان زي اللي بيحصل في العراق، كل ده صراع الأغنياء مع الفقراء، صراع أميركا مع العالم العربي أو مع الإسلام..

[تعليق صوتي]

اشتهرت قضية كمشيش في العالم، إلى هنا جاء الكاتب والأديب جان بول سارتر ومن هنا مر المناضل الأميركي اللايتني الأشهر جيفارا وليس عجبا أن نرى في بيت السيدة شاهندة مقلد صورة جيفارا تجاور صورتي سيد المقاومة اللبنانية حسن نصر الله وسيد القومية العربية جمال عبد الناصر، فلاحو كمشيش الذين عرفوا سطوة الإقطاع عليهم رحلوا عن أرضهم وفُرض عليهم العزل فكان لابد أن يتحركوا بقيادة شاهندة مقلد حين زارهم عبد الناصر مع جيفارا.

مشارك أول: لما جمال عبد الناصر عدى وكان له ارتباط بجيفارا والتصور والتحرر في أميركا اللاتينية ففيه شعار كتبه الفلاحين أو صلاح حسين أيامها متذكر، سنين عزلونا عنك يا جمال.. حرب ومسعورة شنوها علينا.. بالروح وفدينا دم الثوار.. دمك يا جمال.. كمشيش الثورة كمشيش الصامدة.. بتبايع ناصر.. ناصر الثوار.. ناصر الأحرار وكان ده بالنسبة لجيفارا وعبد الناصر رجع لشبين الكوم كان بيزور السادات وإحنا ما كانش بيننا وبين السادات عمار أبدا، فقال له إزاي يحصل مدام شاهندة راحت هجمت على العربية وإدت شكوى بكل أوجاع الفلاحين، فقرأها عبد الناصر فقال له إزاي الكلام ده يحصل في دائرة أنور السادات؟ لأن كان فيه لا يكون مع كبار الملاك لا يكون مع الفقراء، فهو كان مع كبار الملاك وأُبعد 25 واحد 14-6-1971 ده ما حصلش إلا في أيام سعد زغلول، ارتباط موقف الاستعمار بموقف الحكومات لما يبقى فيه مواقف للخلف، المواقف للخلف أبي كان يقول لي المدفونة تكسر المحراث، يعني عندما يبقى فيه احتقان ويبقى فيه عدم عدالة ويبقى فيه ظلم بالتالي هيبقى فيه ثورة ويبقى فيه عدم استقرار، هم بيعملوا كده دلوقتي..

سامي كليب: والله لو ماركس بعده على قيد الحياة لأخذك معه.

شاهندة مقلد: كمشيش فيها تقليد جميل، يعني إحنا لما بنعمل نشيد مثلا أو الناس كلها بتقعد تعمله، فالشعار اللي كانوا عملوه له سنين، عزلونا عنك يا جمال حرب ومسعورة.. شنوها علينا بالذل غسلنا ذل الإقطاع بالروح وفدينا ظهرك يا جمال توجت كفاحنا حققت آمالنا والثورة أهي كملت بزيارته الغالية كمشيش الثورة كمشيش الصامدة بتبايع ناصر، ناصر الأحرار، ناصر الثوار، فكانت القرية حافظة النشيد، ما تقدرش تقول مين اللي ألف النشيد كمشيش ألفت النشيد وحفظته كلها وطلعت البلد كلها علشان تستقبله، فما كناش عارفين هنعمل إيه يعني إزاي هنوقفهم يعني، فاقتحمت الحراسة ما أعرفش.. أنا برضه ما أعرفش إزاي ووقفت وسمع النشيد وجيفارا يعني.. الرئيس وجيفارا.. كنت سعيدة..

سامي كليب: وحكي معكِ الرئيس؟

شاهندة مقلد: لا يعني سلِّم على.. حاش العسكري.. الضابط اللي كان بيشدني قال له سيبها ووقف كلمني وقال لي إن شاء الله خير، يعني وعدني خير لأن أنا إديته مطالبة برفع العزل السياسي.

سامي كليب: غريب سيدة شاهندة إنه كلما تحدثتِ عن ثورة الفلاحين في كمشيش أو عن النضال فيما بعد تذكرين رجال الثورة.. رجال ثورة جمال عبد الناصر بشيء من المرارة يعني وكأنهم هم أيضا في مرحلة معينة غضوا الطرف أو غضوا النظر عن الإقطاعيين وتركوهم يعني يلعبون لعبتهم الصعبة والقاسية ضد الفلاحين، شو كان دورهم فعليا؟

شاهندة مقلد: يعني إلى حد كبير طبعا هو وجود قيادة وطنية حكومة وطنية كان في حد ذاته حماية، لكن مش الحماية اللي حمت أرواح الفلاحين ولا حمت حقوقهم..

سامي كليب: الغريب.. يعني شو السبب يعني؟ كان جمال عبد الناصر ما يعرف ولاَّ كانت الأخبار تصل مغلوطة أو لأنه..

شاهندة مقلد: لا، قرب السادات الشديد من عبد الناصر أنا أعتقد كان بيشوه صورة كمشيش، يعني هو كان مُصرا إن كمشيش شيوعيين، كمشيش مش مسألة شيوعيين، كمشيش حركة مقاومة فلاحية ضد إقطاع..

سامي كليب: أيوة ولكن..

شاهندة مقلد: في الأساس كانت إخوان مسلمين، ابتدأت وعيها يتطور وفكرها يتطور كأفراد فيها، إنما محدش يقدر يقول القرية دي كلها إخوان مسلمين أو القرية دي كلها شيوعيين، لكن هو مصر إن كمشيش شيوعيين.

سامي كليب: على كل حال مَن يقرأ اللي كتبتيه حضرتك واللي كُتب عن قرية كمشيش إنه مثلاً زوجك الله يرحمه المناضل الشهير صلاح حسين اعتُقل أول مرة في إطار اعتقالات ضد الإخوان المسلمين، فيما بعد مَن يقرأ الشكاوى التي تم تبادلها..

شاهندة مقلد: إنه شيوعي.

سامي كليب: بين القادة الرسميين مسؤولين الأمن والسلطة على أيام جمال عبد الناصر كان الاتهامات عن هو شيوعي وأنتِ شيوعية وإنكم تحركون ثورة ضد الثورة.

شاهندة مقلد: بالضبط، همَّا شوف ده بيظهر التحالف الغير مقدس بين أجهزة السلطة المحلية والإقطاعية وبيوضح قد إيه نفوذ الإقطاع المالي والاقتصادي والسياسي ما قدرتش الثورة تقضي عليه حتى هذه اللحظة يعني والارتداد اللي تم في قوانين الإصلاح الزراعي وطرد الفلاحين وصدور قانون 96 سنة 1992، كل هذه الأشياء بتبيتن قد إيه الإقطاع والرأسمالية أو كبار الملاك متجذرين ونفوذهم قوي بشكل يعني يسمح باغتيالات واستشهادات وطرد فلاحين وفي نفس الوقت الفلاحين ما عندهمش التنظيم أو القوي اللي يقدر يحميه.

سامي كليب: لكِ على كل حال في هذا الموضوع عبارة جميلة وقاسية اقتبستها من كتابك تقولين وبهذا تخلت الثورة الاشتراكية لألد أعدائها عن أمضى أسلحتها ولم يتخل الإقطاع المسعور عن مشاعره.

شاهندة مقلد: آه طبعاً.

سامي كليب: واللافت إنه بعد أن اعترضتِ حضرتك موكب الرئيس جمال عبد الناصر مع جيفارا وطبعاً أخذوا المطالب ذهبتم لحضور مؤتمر ومُنعتم من دخول المؤتمر، مَن كان بيمنعكم؟

شاهندة مقلد: الأمن.

سامي كليب: شو السبب، كانوا خايفين منكم؟

شاهندة مقلد: والله يعني شيء يعني مضحك ومُبكي في نفس الوقت.

سامي كليب: شو عملتوا؟

شاهندة مقلد: قعدنا في الشارع كلنا نسمع خطاب الرئيس عبد الناصر في الشارع إحنا والفلاحين في شبين، بره.. فأول ما الرئيس قال أنتم هنا تصديتم للإقطاع، كمشيش تصدت للإقطاع، الفلاحين يعني كأنهم.. كأنه وجه لهم همَّا تحية فطبعاً كانت فرحة جميلة قوي..

سامي كليب: وسام..

شاهندة مقلد: آه طبعاً، صلاح بعد كده كتب له رسالة جميلة قوي.

سامي كليب: سوف نقرأها بعد قليل، على كل حال بتكريس الرئيس جمال عبد الناصر لقضية الإقطاع لقضية كمشيش في محاربة الإقطاع بالأحرى والدفاع عنكم أعطاكم نَفَساً جديداً وروحاً جديدة، للأسف ذلك لم يتحقق فيما بعد يعني بقيتم تعانون رغم إنه استعدتم بعض الأراضي وتم توزيعها على الفلاحين ولكن بقيت سلطة الإقطاع كبيرة في كمشيش.

شاهندة مقلد: ده بيعكس زي ما بأقول لحضرتك يعني سطوة الطبقة الإقطاعية والرأسمالية على الدولة ككل، يعني حتى رغم إن أنت معك عبد الناصر وفي عهد عبد الناصر يعني أنا في 1968، طرد الفلاحين، صدر قرار بطرد الفلاحين من الأرض وده إحنا ناقشناها.. لمَّا ناقشناها قلنا ما فيش حاجة يعني إحنا ما بنقولش آه لا صوت يعلو على صوت المعركة، لكن أيضاً مكاسبنا اللي حاربنا ودفعنا دم عشانها مش مستعدين نتخلى عنها لأن ما فيش معركة.. مين هيحارب الفلاحين بتحارب عشان تُطرد من أرضها ولاَّ بتحارب عشان تستمر في أرضها، فإحنا تمسكنا بالأرض ووقفنا عليها وكانت معركة ممتازة.

[تعليق صوتي]

سامي كليب: سطوة الإقطاع على قرية كمشيش المصرية الثائرة ضعفت في عهد الرئيس جمال عبد الناصر لكنها عادت وقويت في عهده أيضاً ووصل الأمر بالإقطاع إلى حد اغتيال المناضل صلاح حسين زوج ضيفتنا التي كانت لا تزال فى مقتبل العمر وربيع الحب والنضال مع الحبيب والرفيق، حوكم القاتل محمود خاطر بالسجن وهو توفي قبل فترة قصيرة وتؤكد السيدة شاهندة مقلد أن الإقطاع والسلطة تحالفا لقتله وفي ذاك اليوم الذي كانت تستمع فيه إلى أغنية بستناك لنجاة الصغيرة لم يأتِ صلاح وإنماء جاء خبره المشؤوم، هو الذي لم يخلف يوما ميعادا.

شاهندة مقلد: أنا صلاح فعلا عمره ما قال لي أنا جاي ومجاش، فلما فات آخر قطار، أنا بيتي فى اسكندرية اللي أنا كنت فيه.. فيه كنبة جنب الباب فأنا قعدت أنتظر وصول صلاح، الساعة واحدة ونصف كده الجرس ضرب فحسيت أنه صلاح، فبفتح الباب وأنا يعني ممتلأة.. فرحانة يعني لقيت ابن عمي فأدركت أن فيه شيء، فيه إيه يا نبيل.. فيه إيه يا نبيل؟ صلاح اعتُقل يعني؟ اللي جه فى بالي الأول إنهم اعتقلوه، فمارضيش نبيل يكلمني وأخذ أخويا بره وقال له، جاء أخويا قال لي صلاح اضرب بالرصاص وفي المستشفى، قلت له صلاح اتقتل يا مدحت، قتلوا صلاح ومشيت في الشوارع أروح ألف على كل أصدقاء صلاح في الإسكندرية وأخبط عليهم وأقول لهم صلاح اتقتل، نزلت.. أنا يعني نزلت.. أخذوني ونزلوني وأنا فاهمة إن صلاح عايش، جبتوا له دكتور هاتوا له دكتور، يعني كل الوقت بأناقض نفسي وبأكذب ظني إنه استُشهد وطول الوقت وأنا في العربية صلاح كان هو ووسيم يقولوا نشيد سلاماً نقدمه في فخار.. جنود الكفاح لأبطاله.. إلى أكتوبر والثوار.. إلى يوم مايو وعماله.. لكل شجاع إلى الانتصار.. مضى في ثبات إلى حتفه.. على قبركم في مهب الرياح.. حمراء تخفق رايتنا.. تحيي رفاقا خاضوا الكفاح وماتوا ليحيا بهم حقنا، كان النشيد ده في ذهني وأنا حاسة إني هأستقبل خبر، وصلت البيت فلقيت كلهم لابسين أسود وناجي ابني قال لي.. هو دلوقتي عنده 49 سنة..

سامي كليب: كان عمره شيء ست.. سبع سنوات..

شاهندة مقلد: كان عنده سبع سنوات بيعيط ويقول عايز بابا يا ماما وفجأة لقيت عمتي اللي هي أم صلاح بتقول لي صلاح الحكومة.. مدير الأمن مش عايزين يدفنوا صلاح في كمشيش، فطبعاً فجأة لقيت نفسي بأطلع من بره الانفعال بتاعي ولقيت مدير الأمن، كان مصطفى علواني قلت له الكلام ده حقيقي؟ قال لي آه تقارير الأمن مش عايزين.

سامي كليب: خوف من ردة فعل الناس؟

شاهندة مقلد: قلت له صلاح وُلد في كمشيش وهيدفن في كمشيش وما فيش قوة هتمنعني من إن أنا.. ورحت نازلة..

سامي كليب: وصحيح حملتي النعش مع الذين ساروا؟

شاهندة مقلد: أنا كنت عايزة.. أنا ده لحظات مش قادرة حتى أستوعبها يعني بس الدكتور أحمد عكاشة كان بيتكلم وبيعلق على موت صدام وبيقول إنه خرج بره ذاته، أنا حسيت إن أنا في اليوم ده لأنه ما كنتش قادرة أفسر إزاي أنا عملت كده، مش عارفة، أنا فعلاً شلت النعش ولماذا جاؤوا يصوتوا اتخانقت وكنت عايزة أقول إن صلاح مش هيموت صلاح عايش، يعني إن أنتم.. أنتم بتموتوه عشان الفلاحين تخاف، الفلاحين مش هتخاف والفلاحين هتستمر والثورة هتستمر، طبعاً شيء ما كانش.. كان شديد القسوة عليّ.

سامي كليب: الله يرحمه.

شاهندة مقلد: الله يرحمه.

سامي كليب: يعني بعد أربعين عاما على اغيتاله..

شاهندة مقلد: بعد العمر كله..

سامي كليب: حين تتحدثين عنه بنفس.. كأنه باليوم حصل هذا الأمر..

شاهندة مقلد: إلى أن ألقاه أبكي..

سامي كليب: الله يرحمه وعلى كل حال تقديرا له ولذكراه، آسف أني أدخلك فى حديث..

شاهندة مقلد: لا إطلاقا..

سامي كليب: بس طبعا حملتي مشعل النضال وتابعتي المسيرة والغريب أنه كانوا ولادِك صغار السن يعني بنتك أربعة أو خمسة أشهر تقريبا..

شاهندة مقلد: لا أربعين يوما..

سامي كليب: أربعين يوما..

شاهندة مقلد: بنتي كانت طفلة لسه لحم أحمر.. هو كان نفسه.. أنا بأحب البنات كنت نفسي يبقى عندي بنت وكان مُصر أنه يجيب الطفل الثالث لأنه عارف أني كنت بأحب البنات وبقى فرحان قوي أنه جاب لي البنت لكن هو راح.

[تعليق صوتي]

"
اللافت في قضة كمشيش واغتيال صلاح حسين قائد الفلاحين الثائرين على الإقطاع أن محاكمة القاتل جاءت شاجبة للإقطاع ولكنها لم تكن على قدر هذه الجريمة وكانت صفعة لشاهندة وللفلاحين وللعدالة الاجتماعية
"
تعليق صوتي

اللافت في قضية كمشيس واغتيال صلاح حسين قائد الفلاحين الثائرين على الإقطاع أن محاكمة القاتل جاءت شاجبة للإقطاع ولكنها لم تكن على قدر هذه الجريمة وتروي شاهندة مقلد في كتاب مذكراتها أن المحاكمة كانت صفعة لها وللفلاحين وللعدالة الاجتماعية.

شاهندة مقلد: المحكمة جاءت في ظروف النكسة، بعد النكسة فيه هجوم شديد على الثورة أو على يعني فيه الشعب كان فيه حالة يعني حالة النكسة تركت انطباعها..

سامي كليب: خيبة أمل..

شاهندة مقلد: خيبة أمل، تركت انطباعها على كل حاجة وفي نفس الوقت تقوت القوى المعادية واستشرست وابتدت تعتبر أن دي فرصتها، فأنت كنت تشوف في المحكمة عتاة المحامين الرجعيين، كانت محاكمة للثورة وللفلاحين مش للإقطاعيين وطبعا الحكم لما صدر، التحريض هو حتى يعني حتى نصوص الحكم وهي موجودة عندي بتقول إن كل الوقائع بتقول إن المستفيد من قتل صلاح حسين هو الإقطاعيين وبتقطع بأنه هو كان.. أن القرية كانت بتقاوم وعلى رأسها الشهيد صلاح حسين، أن المستفيد.. ولكن التحريض لا يمكن أن يبنى على الاستدلال والتخمين، لأن القاتل كان لا يمكن كان هيعترف بأن فيه حد حرضه وإلا يعني تبقى عقوبته إعدام يعني، فكان منطقي وهمَّا اللي كانوا محضرين.. المحامي اللي كان بيدافع عن الإقطاعي همَّا اللي كانوا مأجرينه له وحتى الآن هما اللي يعني بيرعوا.. هو توفى..

سامي كليب: القاتل؟

شاهندة مقلد: القاتل توفى من أيام..

سامي كليب: شفتيه لما خرج من السجن؟

شاهندة مقلد: لأ، إطلاقا..

سامي كليب: حاولتي ولاَّ لأ؟

شاهندة مقلد: لأ، بنتي كانت عاوزه تشوفه لكن أنا ما أقدرش، بنتي كانت عاوزه تقوله أنت ليه عملت كده؟ هو كان بيبكي حتى يقال سمعت أنه كان بيقول يا ريت إيدى كانت اتقطعت..

سامي كليب: لو أن يدي القاتل انقطعت قبل أن يقتل المناضل صلاح حسين لربما كانت قرية كمشيش عرفت مسارا آخر، ففلاحوها لا يزالون حتى اليوم يشكون من صعوبة أحوالهم المعيشية الصعبة حتى ولو أن الإقطاع رحل عنها وكل التضامن الذي حصل معهم عبر التاريخ صار اليوم مجرد ذكريات كذكريات تلك القصيدة التي كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم لهم وللسيدة شاهندة مقلد.

شاهندة مقلد: النيل عطشان يا صبايا للحب والحنين والشط لا ناي ولا نسمة ولا نور ولا عود ياسمين.. يا شاهندة وخبرينا يا أم الصوت الحزين.. يا أم العيون جناين يرمح فيها الهجين.. إيش لون سجن القناطر وإيش لون السجانين.. وإيش لون الصحبة معاكي نوار البساتين.. كل المحابيس يا بهية وعيونك زنازين.. وغيطانك الوسيعة ضاقت على الفلاحين.

سامي كليب: شاهندة مقلد التي تحولت قصيدة فى شعر أحمد فؤاد نجم ونجمة فى قلوب فلاحي كمشيش استمرت فى النضال بعد اغتيال زوجها وترشحت أكثر من مرة للانتخابات فى عقر دار الرئيس الراحل أنو السادات وسُجنت مرات عديدة حين كانت أبواب السجون مشرَّعة لمَن يطالب بحقه أو بزرعه وبتراب الأرض وكانت شاهندة مقلدة رفضت أن تنزع عنها ثيابها السوداء حدادا على زوجها ولكنها نزعتها فقط حين وصلها خبر اغتيال السادات وكانت آنذاك وراء قضبان السجن.

شاهندة مقلد: أنا كان كل أصدقائي بيقولوا لي لازم تقلعي الأسود، يعني بعد فترة من استشهاد صلاح، فأنا قلت لهم مش هأقلعها، مش هأقلع الأسود إلا فى حالتين، إذا لقى السادات جزاؤه يعني وإذا.. أو قامت الثورة وأنا فى المعتقل اقتص خالد الإسلامبولي للشعب المصري من الرئيس أنور السادات.

سامي كليب: فنزعتي الأسود؟

شاهندة مقلد: فنزعت الأسود.

سامي كليب: فرحتي؟ شعرتي أنه انتقمتي لك ولأهل قريتك ولصلاح حسين؟

شاهندة مقلد: أنا شعرت إن خالد الإسلامبولي انتقم لمصر مش لي، يعني هنا الجريمة الكبيرة اللي أنا بأعتبرها بغض النظر عن العداء بين السادات وبين قريتنا كلها يعني خيانة كامب ديفد.

أحد المناضلين: أحيانا الناس تفهم أن صلاح حسين لو مات الفكرة بتموت لأن صلاح حسين لما استُشهد كان ممكن مطروح على المدام شاهندة أنه يتاخد الثأر بالثأر يعني شخص بشخص، فالقضية مش كده، ثأر صلاح حسين ثأر كل اللي ضحوا.

سامي كليب: تشعرين اليوم أن أحلام صلاح حسين تحققت وأحلامك طبعا كمان؟

شاهندة مقلد: لأ للأسف أحلامنا تراجعت، أحلام الشهيد صلاح حسين يمكن فى مرحلة أو في جزء منها تحقق، لكن في أساسها أحلامنا لسه ما تحققتش وبالعكس حصل انتكاسة، النهاردة إحنا بنشهد تراجع شديد قوي في الخدمات اللي مقدمة للفلاحين في حقوق الفلاحين.. الفلاحين بتُطرد من أراضي الإصلاح الزراعي أنا كنت فى محكمة في ساراندو فيه سبع فلاحات مقدمات لمحكمة أمن دولية عليا مع عشرين فلاح آخر محكمة أمن دولة عليا طوارئ بتهمة أنهم بيقاوموا السلطات، همَّا كانوا بيقاوموا الإقطاعي اللي جاي ينتزع منهم الأرض اللي بيزروعها بقى لهم خمسين سنة، فطبعا يعني دا يعني تراجع شديد في التوجه اللي كان موجود في المرحلة اللي عاشها الشهيد صلاح حسين وكان بيحلم إن الريف يتطور وأن مصر تتصنع وأنه يبقى فيه صناعة وزراعة قوية فى مصر وأنه يبقى فيه استقلال وكانت آخر رسالة بعتها للرئيس عبد الناصر كانت بتقول له كده، بيقوله إن إحنا ما قدمناش فرصة إلا أن نتقدم ونبني الصناعة الثقيلة ونصنَّع مصر ونزرعها فدي كلها الأحلام دي تراجعت طبعا، إحنا بنعيش فى انتكاسة كبيرة جدا، لكن إذا كان فيه عزاء فهو أنه إحنا ما زلنا نقاوم.

سامي كليب: الست شاهندة مقلد حضرتك طبعا كنت تشاركين صلاح حسين الكثير من هذه الأحلام يعني بمستقبل أفضل للفلاحين للقرية أو ما إلى ذلك، اليوم يشارف عمرك على السبعين عاما إن شاء الله العمر الطويل..

شاهندة مقلد: أشكرك.

سامي كليب: هل تشعرين إنك أنت كشخص يعني رافقتيه في مرحلة ولو قصيرة تسع سنوات تقريبا من الزواج والعيش المشترك والنضال المشترك، أنك قمتِ بما كان ينبغي أن تقومي به من أجل ذكراه من أجل ما بدأتماه سويا؟

شاهندة مقلد: أنا أعتقد إن إنا لم أتوانَ ولم أضعف ولم أُهزم ولم أستسلم في لحظة من اللحظات، أنا كنت ماشية فى طريق وما زلت وهأظل إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، يعني أن أن ألتقي به.

[تعليق صوتي]

مين يقول إن صلاح أنه جو القبر راح.. قولوا دمه فى المصانع قولوا دمه في الغيطان.. في الغيطان اللي اتردم فيها جدودنا الفلاحين.. اللي ضحوا وعاشوا أجيال محرومين.. دمه نور دمه نار..