- الحياة مع نوال السعداوي
- التوجه الأدبي وتأثير الأسرة وتجربة السجن
- ذكريات السجن بين مصر وفرنسا

سامي كليب: مرحباً بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى القاهرة، إذا كان المثل يقول إن خلف كل رجل عظيم امرأة يمكن القول اليوم إن خلف كل امرأة عظيمة أيضا رجل عظيم هذا هو حال ضيفنا الذي سجن لسنوات طويلة في مصر وخرج من السجن ليكتب أفضل الأدب والقصص عن حياة السجن والسجناء، إنه الدكتور شريف حتاتة الذي يسعدني أن أستضيفه اليوم لنتحدث عن حياته وأيضا عن عشرته الطويلة وزواجه مع الكاتبة والأديبة المصرية الدكتورة نوال السعداوي.

الحياة مع نوال السعداوي

شريف حتاتة - أديب ومناضل سياسي مصري: اللي أنا لاحظته إن لما بيجؤوا ناس مثلا من الخارج يزرونا بيتجهوا مباشرة إلى نوال ويعني بينسوني أنا بيخلوني على جنب يعني.

سامي كليب: لم تكن الأدبية نوال السعداوي موجودة بيننا ونحن نصوّر هذه الحلقة ولكنها كانت حاضرة في الصور الكثيرة التي تجمعها بزوجها شريف حتاتة الأديب والمناضل السياسي والطبيب وقد استفدت من غيابها في أسبانيا لأسأله عن أصعب لحظة عاشها مع نوال سعداوي؟

شريف حتاتة: صعبة ولذيذة.

سامي كليب: شو الصعوبة فيها؟

شريف حتاتة: الصعوبة فيها إن هي لا تستطيع أن تتعامل مع أي ضعف حتى ولو كان ضعف إنساني، إنه تدافع حقوقها إلى آخر المدى، إنها عنيدة وقوية، فطبعا الرجل مش متعود على الحكاية دي يعني الرجل لازم يبقى هو السيد يعني، فأنا تكيفت مع الزمن وأدركت إن دي علاقة غنية جدا وحلوة وخلقنا منها صداقة وحب عميقة جدا على مر السنين وعشنا تجارب مشتركة نتيجة للحكاية دي.

سامي كليب: طيب في الكتابة الروائية بينك وبين الدكتورة نوال السعداوى فيه أشياء طبعا مشتركة ولكن فيه أشياء أيضا مختلفة كثيرة يعني حضرتك رقيق أكثر بالتعبير عن الحب، بالتعبير عن العلاقة مع المرأة، بالتعبير عن العلاقة مع الجنس الآخر، هي لديها أكثر قسوة، لديها دفاع شرس عن المرأة بشكل عام، لك نظرة مختلفة للجنس أيضا عن نظرة نوال السعداوي، يعني نلاحظ أنك تتعامل مع هذه المسألة بكثير من التعاطف إذا صح التعبير هي لديها نوع الحساسية الخاصة في علاقة الرجل بالمرأة؟

شريف حتاتة: طبيعي هي تجربتها كامرأة مختلفة عن تجربتي أنا كرجل، هي عاشت المعارك المختلفة اللي اضطرت إنها تخوضها ضد أزواج، ضد رجال، ضد مجتمع رجولي، ضد مجتمع في رأيي بيضطهد المرأة.

سامي كليب: صحيح؟

شريف حتاتة: فده لازم يكون له رد فعل وتجربتها اللي بتحكيها مختلفة عني لما هي تجئ تتكلم عن الرجل هتتكلم بشيء من العنف طبعا لأن الرجل عنيف بالنسبة لها لكن أنا ما عانتش من الحكاية دي فمكن يعني أبقى رقيق وحلو وأكتب حاجات جميلة وإنسانية من هذا القبيل لكن أنا رأيي إن الإنسانية هي الجانبين إن إحنا نشوف ده ونشوف ده

سامي كليب: لك قول جميل دكتور شريف حتاتة تقول إن نوال السعداوي هي التي جعلتني أكتشف في نفسي قدرة كانت مدفونة فيها وكتبت أول رواية على ما أعتقد بعد أن تخطى عمرك الثلاثة وأربعين عاما مما يعني أنه كان لها دور في دفعك باتجاه الرواية؟

شريف حتاتة: آه لا كان لها دور مهم يعني لأنه إحنا تزوجنا في سنة 1964 وبعد ما تزوجنا أنا طبعا كنت عارف إنها كاتبة روائية، فبعد ما تزوجنا في شهر العسل بتاعنا أنا اقترحت عليها إن أنا أحكي لها حياتي عشان تستفيد منها في كتابة الروايات، فقعدنا مع بعض تقريبا شهرين نتكلم كده وهي تسجل وبعدين كتبت رواية اسمها الغائب، فأنا قرأت الغائب ولقيتها رواية حلوة جدا لكن لاقيت إن ما فيش حاجة تقريبا من الحاجات اللي أنا قلتها لها، فقالت لي ما أنا ما أقدرش أكتب اللي أنت عشته، أنت لازم تكتبه، قلت لها أنا ما بأعرفش أكتب، قالت لي لا الطريقة اللي بتحكي بها أعطتني إحساس أنك أنت ممكن تكتب.

سامي كليب: طيب ولكن ألا تشعر بنوع من الغبن أنه لأنك زوج نوال السعداوي هي التي خطفت الضوء في مراحل عديدة؟

"
استفدت من علاقتي بنوال السعداوي  وأخذت منها التشجيع على كتابة الأدب وعرفت الحركة النسائية ومعنى قضايا المرأة وعشت معها تجربة غنية مستمرة لحد الآن
"
شريف حتاتة: آه طبعا لكن أصل الواحد ما يقدرش يأخذ كل حاجة، يعني أنا أخذت حاجات كتيرة جدا من علاقتي بنوال السعداوي، أخذت منها التشجيع على أن أنا أكتب أدب، عرفت الحركة النسائية ومعنى قضايا المرأة، عشت معها تجربة غنية جدا مستمرة لحد دلوقتي بيننا حوار مستمر وبنستفيد من بعض وفي أحيانا كان بيحصل إن أنا بتغبن لأن هي مشهورة أكثر مني

سامي كليب: في غبن أيضا داخلي في المنزل يبدو أنه بسببها تعلمت كل الأمور المنزلية من الطهي إلى تدبير المنزل وما إلى ذلك، يبدو أنه كان في خلافات حول هذا الموضوع؟

شريف حتاتة: أه طبعاً في الأول كان في خلافات لأن أنا كنت متعود في بيتنا أن أنا أتخدم طبعاً.

سامي كليب: الوالدة.

شريف حتاتة: أه الوالدة أنا كنت دائماً أحكي لنوال وأقول لوالدتي كانت بتحط الخف بتاعي في الحتة اللي تنزل فيها رجلي لكن دي تجربة جديدة الإنسان بيعيش حياة فيها مساواة بين الرجل والمرأة وأنا رأيي إن دي تجربة غنية جداً غيرت فيّ بتغير في نمط الحياة وغيرت وخلت أطفالنا يبقوا مختلفين وخلت الواحد يشوف جانب من الحياة اللي أنا بأسميه الجانب النصف الآخر من القمر.



التوجه الأدبي وتأثير الأسرة وتجربة السجن

سامي كليب: القمر حرم منه الدكتور شريف حتاتة لأكثر من 15 عاما، فهو اختفى في غياهب السجون المصرية فيما قبل وبعد ثورة يوليو الشهيرة، دفع هذا الكاتب والمناضل المرهف الإحساس ثمناً لالتزامه السياسي، فما الذي دفعه آنذاك لان يصبح اشتراكياً مدافعاً عن العمال والفقراء والمحرومين، هو الذي ولد في عائلة الوالد الأرستقراطية والأم إنجليزية وهو الذي درس الطب وتفوق به وهو الذي ولد في بريطانيا قبل أكثر من 83 عاماًَ ولد هناك لان والده كان يدرس في لندن؟

شريف حتاتة: ده هو كان بيدرس حتى درس ثانوي هناك يعني هو راح هناك وهو سنّه 12 سنة وراح المدارس الإنجليزية وبعدين راح جامعة كامبردج ودرس اقتصاد في جامعة كامبردج وتزوج من والدتي وهو لسه طالب وأنا ولدت وهو لسه طالب ما أعرفش ليه أهله بعتوه لإنجلترا للفترة المبكرة دي وقعد سنين طويلة هناك.

سامي كليب: فهمت إنه الوالد ينتمي إلى عائلة أرستقراطية فيها نوع من الإقطاع السياسي والاقتصادي أيضاَ بينما الوالدة جاءت من مجتمع متواضع فقير، هي إنجليزية وهو مصري، جاءت إلى هنا وعاشت في مصر وكان الوالد مثل ما تصفه حضرتك يحب لعب الميسر يحب النساء وتخلى في مرحلة معينة عن المنزل رغم ذلك دائماً حين تتحدث عنه تتحدث بود شديد؟

شريف حتاتة: لأنه يعني رغم كل العيوب اللي كانت فيه كان عنده شعور بالمسؤولية عمره ما تخلى عنا في أي يوم من الأيام وأنا لما دخلت السجن عمره ما تخلى عني أبداً، يعني كان يمشي ورائي من سجن إلى سجن وحتى هو ساعد في لما أنا هربت من السجن ساعدني في الهروب من السجن..

سامي كليب: بينما الوالدة لاحظت إنه لم تزرك في السجن، يعني شو السبب بسبب برودتها الإنجليزية أو أنها لم تكن تريد أن تراك في وضع لن لا تحسد عليه؟

شريف حتاتة: هي ما كانتش عايزة تشوفني وأنا في السجن، هي يعني أنا كنت أو هكذا أشعر يعني أنا كنت أفضل أولادها، هي كانت بتحبني جداً، لكن قالت لي أنا ما أقدرش أجي أشوفك وأنت بالسجن.

سامي كليب: ولكن كان في بردوه في العلاقة بينك وبينها حتى حين كنت في المنزل يعني فهمت مما كتبت أيضاً حضرتك إنه خالتك روزي التي كانت موجودة معكم في المنزل كانت الأقرب إلى قلبك وإليك وأشرفت عملياً على تربيتك، على تفتح عينيك على الحياة أكثر من الوالدة التي كانت يعني حتى لا تقبلّك لا تحضنك.

شريف حتاتة: ده صحيح بس أنا لما بأشوف نفسي أنا تأثرت بها كثير أنا كنت زيها لسنين طويلة جداً تغيرت على مدى السنين وأصبحت بأعبر عن نفسي وأتكلم وأبقى دافئ أكثر مع الناس وما أبقاش صامت يعني أحياناً الناس الصامتين جداً دول بيبقى جواهم دفئ شديد جداً بس ما بيطلعش.

سامي كليب: رغم أنك تقول إن الصمت يئد الكلام يعني يقتل قبل أن يولد؟

شريف حتاتة: أه هو يئد الكلام وأحياناً ممكن يئد العواطف لكن أنا كنت بتحس بأحس إن هي عندها دفئ مكبوت يعني.

سامي كليب: صورة الوالدة وصورة الخالة نجدهما نجد الصورتين عملياً في عدد من رواياتك أو عدد مما كتبت، على كل حال كل تجربتك الشخصية والذاتية السياسية والنضالية تجربتك في السجن أيضاً التجربة الطبية نجدها في هذه الروايات، مثلاً في رواية نبض الأشياء الضائعة هناك توصيف للأم في الواقع وجدته أيضاً في المذكرات التي كتبتها حضرتك في هذه المذكرات الجميلة النوافذ المفتوحة مذكرات الدكتور شريف حتاتة، مثلاً في نبض الأشياء الضائعة تقول لماذا لم تعبّر أمي عن حبها لي هذا شيء لم أستطع أن أفهمه، كأنها أقامت حول نفسها درعا تحميها من أخطار تهددها هي نفس صورة الأم التي نجدها في المذكرات أيضا الخالة فاطمة التي نجدها في الرواية تقريبا تشبه من قريب أو بعيد صورة الخالة روزي الخالة البريطانية أيضا كان متعمد هذا الشخصي في الروايات في كتبك؟

"
الكاتب عندما يكتب الرواية أفكاره تأتي من خزين التجارب والأحاسيس والشخصيات التي قابلها والتجارب التي عاشها
"
شريف حتاتة: الواحد وهو بيكتب الرواية ما بيبقاش عارف الأفكار بتأتي إزاي بالضبط هو زي ما يكون داخل الواحد في خزين، خزين من التجارب والأحاسيس والشخصيات اللي هو قابلها والتجارب اللي عاشها ولما بيبتدي يكتب رواية الحاجات دي بتطلع زي ما تكون متخزنة وجاهزة عشان تيجي في الرواية فأنا ما قصدتش، هي طلعت مني كده يعني وأعتقد أن كل الروائيين كده إلى درجات متفاوتة يعني.. يعني هما يعني المعين بتاعهم هو تجربة الحياة.

سامي كليب: تجربة الحياة لا شك وكم هي غنية تجربة الدكتور شريف حتاتة، فالصبي الذي كانت عائلته تحلم بأن يصبح طبيبا شهيرا برع في الطب وعمل فيه لكنه سرعان ما تخلى عنه وراح يعيش بين الناس البسطاء هؤلاء الناس الذين ذهبنا وإياه للقياهم في خلال تصويرنا هذه الحلقة في قريته التي تبعد عن القاهرة حوالي ساعتين بالسيارة.

شريف حتاتة: أصل أنا يعني رغم أن أنا عشت حياة يعني غريبة وفيها تجارب كثيرة جدا، إنما يبدو أن أنا لسه رومانسي شوية، يعني الإحساس بالقرية بأن أنا لما بأرجع القرية رغم أن الناس اللي هناك ما هماش وأنا مش عايز يعني أعمل خطب كده عن الشعب الحلو والكلام اللي بيتقال ده لكن أنا بأحس براحة هناك بأحس براحة الناس البساط اللي وبأحس بعواطف حقيقية وأنا فقدت كل أصدقائي لأن أنا كبير وكلهم توفوا دلوقتي ورغم أن أنا مشترك في نشاط سياسي وحاجات زي كده إنما ما أقدرش أقول أن يعني ليا صداقة حميمة دلوقتي صداقتي الحميمة في البيت نوال الولاد حاجات زي كده لما بأروح القرية بأحس أن هي دي أول حتة عرفت فيها بلدي عن طريق ستي عائشة دي أول حتة ارتحت فيها، دي أول حتة كنت طفل فيها طفل يعني فعلا كل الحاجات دي بتديني نوع من الحنين بأحب أروح هناك يعني.

سامي كليب: من أهل قريته استمد الحب وتعلق بحياة البسطاء ولأجلهم وأمثالهم دخل شريف حتاتة السجن وناضل ولهم يكتب اليوم رواياته التي كتب أولاها بعد أن تخطى الثاني والأربعين من العمر وحملت عنوان العين ذات الجفن المعدني ثم تعددت الروايات ومنها عمق البحر وفي الأصل كانت الذاكرة ونبض الأشياء الضائعة وطريق الملح والحب وعطر البرتقال الأخضر وتجربتي في الإبداع والشبكة وقصة حب عصرية والنوافذ المفتوحة روايات تجمع بين الحب والنضال وتجربة السجن وتصل إلى الهند في وصف تلك السنين التي عاشها عاملا في الأمم المتحدة هناك وقد فوجئت وأنا أقرأ مذكراته أن جدته كانت يهودية ويبدو أنه أخفى هذه الحقيقة طويلا..

شريف حتاتة: أنا أخفيت الحقيقة دي لسنين طويلة لأن طبعا ده كان ممكن يؤثر ويؤثر بشكل شديد يعني وأنا شخصيا ضد أي نوع من أنواع التفرقة بين الناس على أساس ديني أو على أساس عرقي أو على أساس قومي..

سامي كليب: هنا الإشارة مهمة أيضا أنه بعض يهود مصر ومنهم هنري كورييل القيادي الشيوعي اليهودي المصري السابق الذي نفي إلى فرنسا وقتل على الأراضي الفرنسية وأعتقد أنه قتل ربما من أجل قضية عربية وأيضا بعض الكتاب المصريين ذوي الأصول اليهودية مثل إريك رولو الصحافي والدبلوماسي الفرنسي العريق في الواقع هؤلاء لعبوا دورا مهما أيضا للقضايا العربية للقضية الفلسطينية في مرحلة معينة يعني حتى المسألة اليهودية لم تكن مطروحة بالمعنى السياسي بشكل سلبي إنما جاءت فيما بعد يعني في خلال تجربتك السياسية حضرتك كان من الصعب أن تقول أني مناضل شيوعي أو يساري وإنه جدتك يهودية؟

شريف حتاتة: آه كان صعب وحتى في يعني المشكلة بتاعة اليهود في الحركة اليسارية وفي الحركة السياسية المصرية بدأت من فترة مبكرة يعني هي بدأت في تجربتي أنا بدأت بشكل واضح قوي من حرب سنة 1948 يعني لما حصل التقسيم وحصلت الحرب بقى فيه مشكلة بالنسبة لليهود داخل الحركة اليسارية وكان فيه صراع شديد جدا من بعض الأطراف في الحركة اليسارية ضد هنري كورييل وغيره لأتهم كانوا يهود..

سامي كليب: حضرتك طبعا في الدراسة درست الطب وبرعت في دراستك الطبية ربما أيضا كان نوع من التعويض عن نقص معين عاطفي كما تروي على الأقل في بعض رواياتك يعني بعض أبطال رواياتك يعوضون عن نقص بالتعلم بالتقدم وفي الواقع برعت في المجال الطبي وكان من المفترض أن تصبح أحد أشهر أطباء مصر وربما سياسية في تلك الفترة ولكنك اتجهت اتجاها آخر بدأت وأنت تدرس الطب وأنت في مستشفى القصر العيني تصدر مواقف سياسية أو تكتب مقالات تدافع عن العمال تدافع عن الفقراء غيرت كل نهجك من نهج يعني الوالد كان أرسطوقراطي إلى طبيب إلى نهج شعبي وبدأت تعيش مع الناس طيب أولا هذا الاتجاه السياسي لماذا ولد لديك؟ ما هي مؤثراتك المشاهدات التي أثرت عليك فيما بعد لتنتقل في الواقع من الطب إلى العمل السياسي الخالص؟

شريف حتاتة: يعني أنا أحب أتكلم عن نقطة حضرتك أثرتها مهمة قوي.

سامي كليب: تفضل.

شريف حتاتة: اللي هي موضوع التعويض ده أنا رأيي إن الإنسان يتقدم عن طريق التغلب على نقاط الضعف اللي فيه هو بيعوض عنها بأنه يتفوق التعويض ممكن يبقى محبط وممكن يضعف الإنسان..

سامي كليب: وممكن يقوي.

شريف حتاتة: وممكن يقويه صحيح ولذلك فيه مثل يقول لك كل ذي عاهة جبار مثلا يعني لأنه بيعوض الأعمى بيكون حس سمعي قوي جدا لأنه بيعوض عن إنه أعمى، فطبعا وراء دوافع كثيرة جدا بيبقى فيه تعويض يمكن للنقص العاطفي في البيت خلاني عايز إن أنا أتفوق أنا لأن والدتي كانت إنجليزية ولأني عشت في أسرة ممكن تعتبرها برجوازية كنت معزول إلى درجة كبيرة جدا عن المجتمع وكان الإحساس بالعزلة ده بيضايقني كنت عايز أبقى جزء منه ما كنتش عايز أحس بالعزلة دي فده لعب دور أنا رأيي إن ده لعب دور مهم.

سامي كليب: فهمت أيضا إنه أحد أسباب تفتح عينيك على القراءات السياسية الأساسية الفكرية الأساسية كانت أيضا بفضل زميل لك في كلية الطب اسمه الدكتور عثمان جبر على ما أعتقد..

شريف حتاتة: ده صحيح طبعا لكن لولا إنه فيه كان فيه حاجة جوايا هي اللي كانت بتدفعني إن أنا أبحث ما كانش آه ما كانش هو هيقدر يؤثر عليها الحاجة الثانية اللي لعبت دور هي فترة لما تخرجت طبيب واشتغلت في القصر العيني الحقيقة اللي أنا شفته في القصر العيني يعني كان كافي إنه يخليني أبدأ أفكر إنه لازم الواحد يغير نمط حياته ولازم يعمل حاجة للناس دول يعني.

سامي كليب: لفتني بحديثك عن القصر العيني إنه تصرف الأطباء القدامى مثلا مع الجدد معكم إنه كان هناك نوع من الأبهة يجب أن تسرع أمام الطبيب القديم لتفتح له الباب، يجب أن تخدمه ما إلى ذلك وكان فيه حالات إنسانية صعبة كمان يعني.

شريف حتاتة: آه طبعا هي مهنة الطب عموما يعني مهنة يعني في رأيي مهنة قهرية جدا، المدرسة بتاعة الطب سواء كانت المدرسة الإنجليزية أو الأميركية أو المصرية في جميع أنحاء العالم الأطباء عندهم ميل إنهم يعتبروا نفسهم فوق البشر لأنهم يتعاملوا مع الإنسان وهو ضعيف وهو بيموت وهو حاجات زي كده وبييجوا ينقذوه فبيعتبروا إنهم يعني حاجة عظيمة جدا.

سامي كليب: بس ماذا شاهدت في القصر العيني تقول لمشاهدات التي شاهدتها هي التي دفعتك في هذا الاتجاه؟

شريف حتاتة: اللي أنا شاهدته اللي أنا شاهدت الناس اللي لما بتييجي تعالج بتعامل معاملة سيئة ده من ناحية تبقى فقيرة جدا وبتضطر إنها تسيب المستشفى لأنها لازم ترجع عشان تشتغل وتعيش وتؤكل الأسرة بتاعتها فبترجع تعيى ثاني فأدركت إنه العلاج مش شوية أدوية أو مستشفيات العلاج إنه المجتمع لازم يتغير عشان يوفر للناس الصحة شمس وملابس كويسة، سكن كويس، أجازات راحة، غذاء، حاجات زي كده والحاجات دي ما تتوفرش إلا في مجتمع مختلف عن المجتمع اللي إحنا عايشين فيه.



[فاصل إعلاني]

ذكريات السجن بين مصر وفرنسا

سامي كليب: القصر العيني مستشفى إن لم يكن في حياة ضيفنا الدكتور شريف حتاتة مجرد مكان يمارس فيه مهنة الطب وإنما حوله إلى جسر للعمل السياسي والالتصاق بالناس البسطاء لا بل وهنا أيضا كان يقنع الممرضين بالدخول إلى العمل الحزبي بغية تغيير الوضع القائم قبل ثورة يوليو كان بدء نضاله ضد الإنجليز وهو على مقاعد الدراسة، ثم اختار الشيوعية أو الاشتراكية طريقا للنضال، أعتقل للمرة الأولى عام 1948 واستطاع الهرب حين نقل إلى المستشفى هرب إلى فرنسا بالباخرة ليسقط لاحقا في أيدي الشرطة الفرنسية سجينا أيضا.

شريف حتاتة: في باريس سجنت يعني بعد سنة ونصف بعد ما تفرجت على المسارح ورحت السينما وكنت برضه بأشتغل بالسياسة يعني سجنت لأني..

سامي كليب: وأحببت نساء.

شريف حتاتة: وأحببت نساء طبعا أحببت زوجتي الأولى.

سامي كليب: صحيح المصرية الإيطالية.

شريف حتاتة: المصرية الإيطالية.

سامي كليب: ديدار.

شريف حتاتة: آه ديدار آه، فدخلت السجن لأن شاركت في مظاهرة تأييدا للجزائريين فحبسوني هناك وما كانش معي أوراق.

سامي كليب: بتأثير منها من ديدار لأن هي أيضا كانت ذهبت إلى الجزائر وناضلت إلى جانب الجزائريين.

شريف حتاتة: لا دي هي ارتبطت بالموضوع ده فيما بعد.

سامي كليب: فيما بعد؟

شريف حتاتة: آه فيما بعد آه.

سامي كليب: وسجنت في فرنسا بسبب عدم توفر أوراق لديك؟

شريف حتاتة: أه في سجن لاسونتيه هو كان مفروض وفقا للدستور الفرنسي أنهم يعتبروني لاجئ سياسي لكن لأنه في عنصرية في فرنسا وأنا كنت عربي فرفضوا أنهم يعطوني يعني اللجوء السياسي.

سامي كليب: رغم إن شكلك مش كتير عربي كان يعني.

شريف حتاتة: أنا بحر أبيض متوسط أنفع عربي يوناني طلياني مصري.

سامي كليب: وصلت إلى مرسيليا المرفأ على الباخرة بثلاثة أكتوبر عام 1951 وسجنت بعد ذلك لعام ونصف عمليا عشت تجربة السجن في فرنسا وكنت هناك حين قامت طبعا ثورة يوليو في مصر ولكن قبل ذلك لفتني أيضا أول علاقة لك مع عربي داخل السجن الفرنسي كانت مع جزائريين وكانوا عنيفين جدا معك في البداية أحدهم كان سيقتلك بالسكين؟

شريف حتاتة: آه ده كان قواد أصلهم حطوني ما حطونيش مع السياسيين حطوني مع المجرمين يعني.

سامي كليب: رجعت إلى مصر رغم أنه كان صدر بحقك غيابيا حكم بالسجن مع الأشغال الشاقة خمس سنوات؟

شريف حتاتة: أيوه.

سامي كليب: ولكن عدت إلى هنا وبدأت بالتخفي طبعا ومحاولة استعادة بعض العلاقات القديمة قبض عليك وأدخلت إلى السجن وددت أن أسألك يعني قبض عليك وأدخلت إلى السجن بعد أن كانت قامت الثورة ثورة يوليو هنا، هل شعرت بالتعاطف معها حين قامت في البداية هل أحببت شخصية جمال عبد الناصر هل عرفت عنه شيء وأنت في السجن الفرنسي؟

شريف حتاتة: لا أنا ما كنتش عارف عنه أي حاجة، هو اللي حصل أن الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني أيدت الثورة في بدايتها وأنا لما رجعت.. رجعت على أساس أنه أكمل نشاطي السياسي وأنه ممكن يعني يبقى في مجال للتغير اللي حصل إن الثورة لما جاءت في الحكم أصدرت عفو عن الإخوان المسلمين وما أصدرتش عفو عن اليساريين..

سامي كليب: أبقت على الشيوعيين صح.

شريف حتاتة: وعلى الشيوعيين بحكم بحجة أن الشيوعيين مش مجرمين سياسيين دول مجرمين اجتماعيين ده كان التقنين يعني.

سامي كليب: من السجن المصري في المرة الأولى إلى سجن فرنسا ثم إلى السجن في المرة الثانية بثلاثة نوفمبر عام 1953 وحين دخلت إلى هذا السجن وجدت مكتوبا على حائطه عبارة أو مكتوبة عبارة تقول الله يساعد من يدخل إلى هذا المكان كان السجن الحربي، كيف تم اعتقالك وما هي التهمة المباشرة؟

شريف حتاتة: أنا تم اعتقالي في القاهرة أنا كنت أيامها يعني بأشتغل بالسياسة في وجه بحري وكنت بأجئ القاهرة عشان أحضر بعض اجتماعات القيادة فتم القبض علي في القاهرة بتهمة التهمة العادية يعني اللي بيقولها في كل مرة يعني اللي هي قلب نظام الحكم بالقوة والإرهاب طبعا القوة والإرهاب أنا عمري ما مسكت حاجة أكتر من ريشة يعني ولا دافعت عن أي حاجة غير الفكر بتاعي يعني.

سامي كليب: بس كنت تحلم بقلب نظام الحكم كمان؟

شريف حتاتة: لا أنا كنت بأحلم بتغيير نظام الحكم وفيه فرق.

سامي كليب: شو تغيير قلب النظام؟

شريف حتاتة: لا قلب النظام يعني دعم الانقلاب بالقوة لكن تغيير النظام ممكن يبقى بالديمقراطية بالانتخابات وبتغيير التنظيمات الشعبية والنقابات والعمال والمثقفين وحاجات زي كده وده اللي أنا مؤمن به يعني مش مؤمن بالانقلاب، فأودعوني السجن الحربي وكان أصلاً عايزين يحولونا لمحكمة الثورة وبعدين حصلت هبة مارس اللي هي كانت الهبة اللي قامت ضد يعني مع محمد نجيب والحركات السياسية المختلفة فبدل ما يحولونا لمحكمة الثورة حولونا لمجلس عسكري من الضباط وصدر حكم علي بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنين.

سامي كليب: عشر سنين وقبلها خمس وهكذا أمضى الطبيب والمناضل والأديب المصري 15 عاماً في السجن، كان يراد لشباب شريف حتاتة أن يدوي هناك خلف القضبان وسط تعذيب نفسي وجسدي وهنا في قلعة محمد علي الشهيرة التي قصدتها اليوم كما يقصدها السياح لمتعة النظر أو استعادة التاريخ قضى شريف حتاتة جزء من حياته في هذه الزنازين الصغيرة التي تعود بتاريخها إلى أحد أبرز حكام مصر تماماً كما رمي في أكثر السجون المصرية قسوة وفرضت عليه وعلى رفاقه المفكرين والمثقفين الأشغال الشاقة.

شريف حتاتة: يعني أصعب تجربة بالنسبة لي هي تجربة السجن الحربي لأنه في تجربة السجن الحربي أنا قعدت خمسة أشهر في السجن الانفرادي من غير أي حاجة يعني لا زيارات ولا حاجة أقرأها لدرجة إن أنا في وقت من الأوقات حسيت وأنا طبيب عن أنا هأصاب بالانهيار العصبي ولذلك عملت لنفسي برنامج بدأت ألعب رياضة، أرقص، أتذكر الروايات اللي أنا قرأتها، أتذكر الأفلام اللي أنا عملت لنفسي برنامج يومي.

سامي كليب: حين تروي هذه الفترة تقول إنه كانت أكثر لحظة تنتظرها طيلة النهار هي مجيء السجانين، هذه اللحظات البسيطة لوضع الطعام أو فقط لفتح الباب كنت تشعر بالوجود الإنساني إلى هذه الدرجة كانت العزلة صعبة؟

شريف حتاتة: أصعب حاجة بالنسبة للسجين هي إنك تعزله تماماً وفي نوع من التعذيب ابتكروه وهو إنك تضع الإنسان في زنزانة ما يسمعش صوت، ما يشوفش ضوء، ما يشوفش أي حاجة، ما يحسش بأي حاجة فيفقد الإحساس تماماً بالعالم الخارجي ويتحول إلى دمية تقدر تعمل فيه زي ما أنت عايز هو ده الحبس الانفرادي.

سامي كليب: تعرضت للضرب.

شريف حتاتة: تعرضت للضرب في السجن الحربي.

سامي كليب: غريب إنه قبل دخولك إلى السجن أحببت ديدار هذه السيدة المصرية الإيطالية التي ذهبت إلى الجزائر وعاشت هناك بعد خروجك من السجن فقدت حبها لك.

شريف حتاتة: لا ما أعتقدش يعني أنا لا فقدت حبي لها ولا هي فقدت حبها لي، اللي حصل إن لما الناس بتعيش فترات طويلة جداً بعيد عن بعض إنهم بيتغيروا ولازم إن يبقى في فترة استعادة للعلاقات القديمة اللي كانت موجودة وهي كانت أسست حياتها في الجزائر وأنا ما كانش عندي رغبة في إن أنا أغير حياتي وأروح الجزائر ده أنا قعدت سنين طويلة بعيد عن مصر يا في السجن يا في الخارج.

سامي كليب: فتريد أن تعيش في بلدك.

شريف حتاتة: فأردت إن أنا أعيش في بلدي وهي أرادت إنها تعيش في الخارج لأنها حست إنها ما تقدرش تعيش في مصر بعد كده فكان قرار قاسي بالنسبة لنا إحنا الاثنين لكن إحنا أخذنا القرار ده بالتراضي اتفقنا مع بعض.

سامي كليب: بالانفصال ولكن حين تشرح حضرتك يعني في واحد من كتبك تقول إنه اللقاء كان بارد بعض الخروج من السجن لم تتعرفا على بعضكما البعض كما كان الشأن قبل الدخول إلى السجن كان هناك نوع من البرودة أيضاً في التعاطي يعني وكإنه السجن قتل جزء من هذا الحب الكبير الحب الجامح الذي عرفته في البداية.

شريف حتاتة: ما هو ده السجن هو مش قتل هو خلى الواحد يعني أنا مثلاً لما دخلت البيت عندنا بيتي أنا اللي فيه والدي ووالدتي وقعدت معهم وجابوا شاي فقعدنا نتكلم حسيت إن أنا أصبحت غريب عنهم، أصبحت شخص آخر، فأنا تغيرت وهي تغيرت عشان يعني نتقارب من جديد عملية الحب نفسه جهد.

سامي كليب: بس الغريب دكتور شريف حتاتة تقول إنك حين عدت إلى منزل الوالدين شعرت بأنك غريب عنهما رغم إنه بالسجن عادة الإنسان حواسه تصبح أقوى، شعوره يصبح أقوى، يصبح لديه استعداد أكبر للحب، للاستفادة من الحياة يعني أليس في الأمر تناقض في هذه العلاقة الأولى بعد السجن مع الوالد مع الوالدة الذين تحملا الكثير في الواقع في غيابك؟

شريف حتاتة: ما هو الحياة كلها تناقض، ما هو أنا كنت بأحبهم وقريب منهم وفي نفس الوقت كنت بعيد عنهم، أنا عشت حياة ثانية ما يفهموهاش، ما يدركوهاش، هما تجربتهم مختلفة، فيه فاصل خلاص، فيه فاصل أتخلق الفاصل ده ما فيش حاجة تقدر تشيله وده ما يمنعش إن أنا ممكن أحبهم، ما أنا طول عمري بأحب أمي وبأحب أبويا لكن كان فيه فاصل بيننا، أنا ليّ أخوات أنا ليّ أخ وليّ أقارب أنا طبعا بأحبهم وحريص على مصلحتهم لكن فيه فاصل..

سامي كليب: اليوم بعد أن أصبح لديك عائلة وأصبحت أبا طبعا هل تشعر بأنك كنت تود أن تقول للوالدة للوالد كلاما عن حبك لهما لم تقله في وقته؟

شريف حتاتة: طبعا..

سامي كليب: مع مرور الوقت..

شريف حتاتة: طبعا.. طبعا..

سامي كليب: الوالدة لم تزرك إلى السجن، الوالد حين أتاك في المرة الأولى بعد كم عام من السجن تقريبا؟

شريف حتاتة: لا الوالد جاء لي على طول يعني كان موجود يعني هو ما كنش بييجي بانتظام، اللي كان ملاحظ أن الأسر الفقيرة هي اللي كانت بتزور المسجونين يعني أقاربهم بانتظام، الأسر الأغنى شوية بس تيجي أقل، لكن أنا شفت والدتي في ظروف يعني غريبة شوية لما جاءت سرا من الخارج قبل ما يتقبض عليّ رحت زرتها في البيت..

سامي كليب: صحيح ولم تأكل من أكلها وندمت حتى اليوم أنه عرضت عليك أن تأكل ولم تأكل..

شريف حتاتة: أه حسيت أن كان خطأ مني ما كنتش مدرك أنه ده مهم جدا أن أنا أقعد أكل الحاجة اللي هي كانت عايزة تجيبها لي يعني..

سامي كليب: كان هذا اللقاء يعني بعد سجن في مصر وسجن في فرنسا وعدت مهربا عمليا بجواز سفر مزور إلى بلادك وذهبت للقائها في المنزل، أول لقاء مع الوالدة لأنه في الواقع حين تصف هذا اللقاء أشعر بنوعين نوع من البرودة يعني كان ممكن أنه يكون حار أكثر وبنوع آخر نوع من الحنان ومحبة الأم حين وضعتك إلى جانبها على المقعد وبدأت تتحدث إليك شعرت بنوع من الذنب حيال هذه المرأة العظيمة؟

شريف حتاتة: أه أنا حسيت بالذنب يعني مش بالذنب بالضبط يعني الإحساس بأن أنا خضت تجربة في حياتي كانت قاسية بالنسبة لهم وطبعا كان الناس بيقولوا لي أنت ما بتراعيش أهلك وحاجات زي كده، لكن المسألة بالنسبة لي كانت أكبر من مسألة أهلي، أصلا يعني كانت بالنسبة لي قضية أنا داخل فيها يعني لكن في نفس الوقت كانت بأحس أن أنا سببت لهم عذاب كثير قوي وكان ممكن لو كان عندي تجربة اللي عندي دلوقتي بعد ما بقيت أنا أب وعندي أولاد كان جايز تعاملي معهم كان يبقى مختلف شوية مش ناحية أن أنا ما أقمش بالنشاط اللي أقوم بيه لا في أن أنا أتكلم معهم أكثر وأشرح لهم أكثر وأبقى أكثر دفئا معهم يعني.

سامي كليب: غريب أنه في إحدى زيارات والدك إليك حاولت أن تحرجه أيضا ببعض الأسئلة عن شعوره تجاهك، ارتبك على ما يبدو يعني كان هو أيضا بارد بالتعبير عن شعوره حيالك حين جاء ورائك في هذا المنظر بالسجن ضعفت وتغير شكلك وتعبت أكثر؟

شريف حتاتة: يعني هو اللي حصل أن والدي جاء زارني في ليمان طرة وكان في رجليّ الحديد فطبعا ده كان منظر..

سامي كليب: هيدا من أصعب السجون كان على ما يبدو.

شريف حتاتة: ليمان طرة أه من بعض النواحي ومن بعض النواحي كان تجربة يعني غنية، لكن زيارة والدي كانت مؤلمة بالنسبة له لأنه شافني في الحديد وبالنسبة له دي كانت يعني صدمة شديدة جدا، فأنا حاولت أخفف عليه الصدمة عن طريق أن أنا أتكلم عن التجربة دي يعني بدل ما يبقى هو ساكت وأنا ساكت وهو بيفكر لوحده الأحسن أن أنا أفتح الموضوع فلما أفتح الموضوع يبتدي يبقى طبيعي معه..

سامي كليب: ماذا قلت له؟

شريف حتاتة: نعم..

سامي كليب: ماذا قلت له؟

شريف حتاتة: أنا قلت له أنت شايف الحديد ده يعني إيه رأيك أن أنا ابتديت أتعود عليه وبعدين هو مش تقيل زي ما أنت متصور وبعدين إحنا ابتكرنا طريقة عشان بالليل نقلعه فابتديت أحسسه أن المسألة أبسط بكثير جدا مما هو متصور، بعدين قلت له بعد كام سنة كده هيقلعوه لنا ويمكن يعني ما يبقاش فيه حديد وأنا واثق إن أنا هأخرج وحاجات من هذا القبيل وبعدين قعدت أسأله عن حاجة متعلقة بحياته فيعني عدت الزيارة..

سامي كليب: بكى؟

شريف حتاتة: لا.. لا.. ما بكاش لكن لما مشي كانت أكتافه منحنية..

سامي كليب: انحنت أكتاف الوالد من الهم وارتفعت أكتاف وهمم شريف حتاتة ورفاقه في السجن متحدين غياهبه فأقاموا المدارس والمسارح خلف هذه القضبان وكتب حتاتة بعد أن خرج من السجن أفضل روايته، شجعته على ذلك زوجته الأديبة الدكتور نوال السعداوي ومن مؤلفاته العين ذات الجفن المعدني..

شريف حتاتة: الكلام اللي حضرتك بتتكلم عنه ده واللي بيدل على أنك أنت قرأت الكتب كلها بإمعان يعني كان في حتة أسمها المحاريق والواحات الخارجة وكان أسمها المحاريق لأن درجة الحرارة فيها كانت بتوصل لـ52 درجة مئوية عملنا مجتمع.

سامي كليب: كان يموت معكم سجناء أو يمرضون إلى درجة كبيرة؟

شريف حتاتة: آه طبعا لكن إحنا عملنا منه مجتمع يعني عملنا مسرح وعملنا ورشة نحت والفنانين اللي عندنا رسموا على الأبواب وعلى الحيطان لوحات بقى زي المتحف وكنا بنعمل مجلة بصوت يعني ناطقة وكنا بندرس ده إحنا درسنا للسجانين لأن جاء طلع قانون إن السجان اللي عايز يترقى لازم يأخذ الابتدائية وكانوا كلهم أميين فعملنا لهم مدرسة والسجانين لما أنا خرجت من السجن فيه سجانين جاؤوا زاروني وقالوا لنا إحنا تخرجنا من المدرسة بتاعتكم وأخذنا الابتدائية.

سامي كليب: الغريب إنه الضحية عمليا تعلم الجلاد يعني بشكل عام كنتم تعتبرون أنهم جزء منكم أيضا هؤلاء السجانين الصغار؟

شريف حتاتة: هم من ناحية جلادين ومن ناحية ضحايا الواحد بيحس إنه أغلب الناس في الحياة ضحايا لشيء أو آخر.

سامي كليب: اللافت بحديثك عن السجن دكتور شريف حتاتة تقول إن السجن يعرف لحظات أو إن السجين يعرف لحظات من السعادة الحادة لا يعرفها اللذين يعيشون حياتهم في سلام غريب فعلا فيه سعادة إلى هذه الدرجة داخل السجن أيضا؟

شريف حتاتة: آه يعني أنا ممكن أعمل تشبيه يعني يوضح الفكرة يعني لما البحر يبقى رمادي وتعدي عليه مركب ملونة تحس بها قوي، السجن عبارة عن حياة رمادية لكن لما يبقى فيه لحظة فرحة اللحظة دي بتبقى قوية جدا لأن التناقض بين الرمادي ده وبين اللون بيبقى قوي جدا، الشاي ده فنجان الشاي اللي أنا بأشربه كل يوم هنا كأنه شيء عادي، له طعم آخر في السجن لأنك محروم منه، الكتاب اللي أنت بتقرأه اللي أنت بتقرأه بسهولة بتنزل تشتريه اللي بتهربه هناك بصعوبة جدا وبعدين لما يوصل تقرأه، تقرأه جايز حتى على شعلة أو تقرأه على أي حاجة له طعم خاص، إنك تلعب رياضة له طعم، صعب إنه ييجي لك زيارة من ناس أنت بتحبهم له طعم خاص، كل الحاجات دي بتبقى قوية، الواحد بيعيش في السجن بكل عواطفه بكل أحاسيسه وهو ده الملاحظ بالنسبة لكل الناس اللي بتعيش في نوع من الخطر السجن هو كده.

سامي كليب: شو علّمك السجن؟

شريف حتاتة: علمني مزيد من التحدي إن أنا ما أخافش من أي حاجة أصل هيعملوا لي إيه يعني هيدخلوك السجن ثاني طيب ما أنت عرفته الإنسان بيخاف من الشيء المجهول، تجربة خلتني أفهم المجرمين وأقترب منهم وأكتشف إنه فيهم شخصيات فذة كان ممكن إنها تبقى شخصيات مهمة جدا في المجتمع، بيعلمك الصبر والتحدي ويخلي عواطفك جياشة أكثر من الحرمان، فالسحن بيدخل في الأدب ومش صدفة إن أول رواية أنا كتبتها هي العين ذات الجفن المعدني.

سامي كليب: ومنها نقرأ مثلا ما يلي تقول والرجل عندما ينهار في ظلمة الزنزانة تحت وطأة القهر والإرهاب وحسابات الأجهزة الدقيقة يمتد الجرح عميقا في نفسه كالشرخ في المرآة..

شريف حتاتة: كالشرخ في المرآة كالكسر الذي لا يمكن أن يلتحم هل يوجد ما هو أفظع من كبرياء الرجل يتحطم من عذاب الروح والجسد وامتهانهم الإنسان ذلك الكائن القوي الضعيف في آن واحد، ما الذي يحفظه في تلك اللحظات الرهيبة التي يصبح فيها الحد الفاصل بين القوة والضعف بين التماسك والانهيار بين السمو والانحطاط إلى أسفل الدرك مجرد شعرة رفيعة يمكن أن تتمزق في دقيقة واحدة أو في ثانية أو حتى في جزء ضئيل من الثانية لتنحني الرأس المرفوعة نحو السماء تلعق التراب.

سامي كليب: إلى هذه الدرجة يمكن أن يصل الإنسان داخل السجن؟

شريف حتاتة: طبعا.

سامي كليب: شعرت إنك وصلت إلى هذه الدرجة في مراحل معينة؟

شريف حتاتة: طبعا.

سامي كليب: طبعا، طبعا بهذه البساطة بساطة المناضل الحقيقي وشفافية الطبيب والروائي الإنساني ختم الدكتور شريف حتاتة حديثنا وقبل نهاية الحلقة أطلعني على المقبرة التي بناها في قريته لكي يدفن فيها بعد عمر طويل بين أهل قريته أبناء الأرض، فهمت وأنا أودع ابن الثلاثة والثمانين عاما لماذا أحبته الدكتورة نوال السعداوي وتزوجته فهما متمردان، كلٍ على طريقته ولكن لأجل حياة أفضل.