- العندليب.. رفيق الطفولة المعذَّبة
- مبروك يا عريس

- السادات والشقلبان

- ممنوع من السفر


سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، لم يكن من السهل الاكتفاء بساعة واحدة مع النهر الهادر للشاعر الشعبي الملتزم في مصر أحمد فؤاد نجم فالرجل الذي سُجن مرتين في عهديّ عبد الناصر والسادات لأكثر من ثمانية عشر عاما لا يزال لديه الكثير يقوله لنا في هذه الحلقة الثانية والأخيرة معه من برنامج زيارة خاصة.

العندليب.. رفيق الطفولة المعذَّبة

أحمد فؤاد نجم:

من سكون السجن صوتي نبض قلبي من تابوتي

بيقولوا لك يا حبيبتي كلمتي من بطن حوتي

سلِّمي لي على الحبايب يا حبيبتي سلِّمي لي

كل حِبّ وله نصيبه من سلامي بلَّغي لي

احضني العالم عشاني بين عيونك

وابعتي لي نظرة منها أشوف حبايبي وأشفي قلبي

واسألي لي كل عالِم في بلدنا كل برج وكل مَدنا

كل صاحب من صحابنا كل عيِّل من ولادنا

حد فيهم شاف علامة من علامات القيامة

قبل ما تِهلّ البشاير يوم 18 يناير

مَّا قامت مصر قومة بعد ما ظنوها نومة

تلعن الجوع والمذلة والمظالم والحكومة

سلِّمي لي على الوِلاد السمر خُضر في عموم الحواري

سلِّمي لي على البنات المخطوبين في المهد لسرير الجواري

واسألي لي بالحساب كل أهلي في الكتاب

حد فيهم كان يصدق بعد جهل وبعد موت

إن حِس الشعب يسبق أي فكر وأي صوت

هي دي مصر العظيمة يا حبيبتي

سامي كليب: السجن شو علمك؟

"
السجن عبارة عن مساجين رافضين للواقع ومتمردين ولكن كل شخص باسلوبه، وبداخله أصول وقوانين تحترم على العكس من العالم الخارجي
"
أحمد فؤاد نجم: علمني إن مصر كلها سجن، إن ما دام ما فيش عدل وما فيش سلطان مختارينه الناس يبقى العالم كله.. السجن فيه يا سامي، فيه قوانين فيه قيم فيه عيب وصح وغلط، في المجتمع البراني ما فيش حاجة اسمها عيب وغلط وصح، فيه أصول في السجن تُحترم وهمَّا اللي في السجن دول هم ناس رافضين الواقع ومتمردين كل واحد بأسلوبه، النشال بأسلوبه والهجَّام بأسلوبه والمزيف بأسلوبه، إنما السجن مجتمع.

سامي كليب: السجن ومصر والقضايا العربية كان يحولها أحمد فؤاد نجم شعرا يضيء به ليالي المعذبين والمقهورين والمقموعين، يضحكهم بسخريته على أهل السياسة أو يدغدغ عندهم تلك الطيبة المتأصلة بأبناء الأرض وأحمد فؤاد نجم لا يزال يملك ذاكرة متَّقدة يغذيها بحل الكلمات المتقاطعة وفق ما قال لي، أما تقاطع الأحداث في حياته فهو حمله في محطات كثيرة غالبا ما كانت خلف قطبان السجن، ففي السجن أبدع أفضل شعره وفيه تآخى مع الشيخ إمام رفيق دربه الذي غنى له أفضل شعره وكان أحمد فؤاد نجم سُجن للمرة الأولى بتهمة تزوير أوراق..

أحمد فؤاد نجم: تزوير في أوراق رسمية آه..

سامي كليب: شو السبب؟

أحمد فؤاد نجم: كنا في النقل الميكانيكي، إدارة عموم الوِرش هنا في العباسية وكان الساعي بتاع المدير اسمه يوسف عبد القادر عبد الرسول، يوسف ده كان حَلنجي وبعدين أنا كنت بأحب البنت.. بنت أم.. مش عارف اسمها أم إيه كده.. كانت تعمل لنا الشاي.. اسمها نوال، فقال لي مش عاوز تتجوز نوال؟ قلت له آه، قال لي طيب معاك فلوس؟ قلت له منين؟ قال لي طيب ما نقدر نعمل الفلوس، قلت له إزاي؟ هو كان يجيب..

سامي كليب [مقاطعاً]: الختم..

أحمد فؤاد نجم [متابعاً]: الاستمارات عنده ختم النسر هو ده.. ويختم ونروح نصرف قماش وملابس من محلات القطاع العام ونديهم البتاعة دي بأسماء ثانية وأنا أخذت من الحكاية دي كلها ثلاثين جنية، أخذت بهم ثلاث سنين الثلاثين جنيه، السنة بعشرة جنيه ودي اللي قابلت فيها الشيوعيين بقى، دي كانت..

سامي كليب: يعني أول مرة تدخل السجن كان؟

أحمد فؤاد نجم: أيوه، قابلت الشيوعيين، قابلت عبد الحكيم قاسم وحسين شعلان وسامي خشب..

سامي كليب: الغريب إنه بفترة دار الأيتام تعرفت على الغناء والموسيقى ومنهم عبد الحليم حافظ..

أحمد فؤاد نجم: عبد الحليم كان معي آه في ملجأ الزقازيق..

سامي كليب: كان بنفس دار الأيتام؟

أحمد فؤاد نجم: أيوه..

سامي كليب: تعرفت عليه عن قرب يعني اشتغلت معه؟

أحمد فؤاد نجم: لا، ده كان ينام على سرير 94 وأنا على سرير 95 عشر سنين جنب بعض، إنما لما خرج هو وبدأ يتشهر وأنا كنت بدأت أكتب.. كنت بأكتب إيه أغاني عشان تتذاع في الراديو وأسمع اسمي في الراديو ورحت له بقى أنا ومحمد أخويا ومعي كشكول كده مليان وبعدين هو أول ما طِلع عمل إنه مش عارفني، مع إنه هو إحنا سايبين بعض ما بقلناش شهرين، عمل إنه كده يعني.. قلت بس خلاص قعدت معه شوية وأخذت بعضي ومشيت، هو مش عاوز الفترة دي هو حر..

سامي كليب: ينسى فترة السجن كلها..

أحمد فؤاد نجم: آه، فترة الملجأ.

سامي كليب: فترة الميتم بالأحرى، طيب في دار الأيتام كيف كان عبد الحليم حافظ؟

أحمد فؤاد نجم: كان ولد غلبان قوي، منكسر لأن هو كان رجليه مش مستوية، هو كان وقع عليه باب وهو عنده ست سنين فكسَّر رجليه وظهره وبتاع وبرضه لما ساب الملجأ.. ساب الملجأ بحادثة، كان فوق السطح ووقع وأخذوه على المستشفى وطلع من المستشفى على القاهرة هنا على معهد الموسيقى..

سامي كليب: وكنتم تغنوا سوا في دار الأيتام؟

أحمد فؤاد نجم: آه..

سامي كليب: تتذكر شو كنتم تغنوا؟

أحمد فؤاد نجم: هو كان يغني حياتي أنت وأنا كنت أغني ما دام تحب بتنكر ليه، ده اللي يحب.. ده القصبجي العظيم ده، القصبجي ده أتاري أنا بأحبه.. ما أعرفش اللحن بتاع مين بس القصبجي ده حاجة.. ده سابق عصره..

سامي كليب: في السجن تعرف أحمد فؤاد نجم على الشيوعيين وفي دار الأيتام تعرف على الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ ومن دار الأيتام إلى السجن، فالنضال فالسجن مرة ثانية عبَّر أحمد فؤاد نجم في خلال مسيرته الشعرية الرائدة عن كل ما ينبض به الشارع المصري والعربي وحين كنا عنده كان الإخوان المسلمون يتمددون في المجتمع المصري وبرلمانه، سألته هل هو راضٍ عن الإخوان؟

أحمد فؤاد نجم: جدا، اللي بيعملوه ده كويس قوي، إنك تنزل للشارع، همَّا أخذوا المكافأة ورغم التزوير والتدليس اللي حصل في الانتخابات أخذوا حوالي ما يقرب من تسعين مقعدا، ده كثير قوي، لأن هم الناس اختاروهم وبعدين أوعى تفكر إن اللي أخذوهم دول 88 مقعدا دول حقيقة، همَّا المفروض لو انتخابات حرة ونزيهة على الأقل يأخذوا مائة وخمسين مقعد..

سامي كليب: أحمد فؤاد نجم كتب بواكير شعره السياسي في السجن، حمل الديوان عنوان صور من الحياة والسجن وصودف أن مدير السجن كان يكتب الرواية، فشجع السجين أحمد فؤاد نجم على كتابة الشعر، كتب وامتدح مدير السجن وتحدث عن الحياة خلف القطبان وفوجئ بأنه حاز على الجائزة الأولى للمجلس الأعلى للآداب والفنون، أما جائزته التي لا يزال يكرر الحديث عنها حتى اليوم فهي حب الشعب ويقول إنه استعاض به عن المال والجاه، طيب أشعارك موجودة في كل العالم العربي حتى في الدول الممنوعة وأعتقد إنه في معظم الدول كانت ممنوعة، طيب ريع هذا الشعر والكتب التي انتشرت بشكل شرعي أو غير شرعي، ربما غير شرعي بشكل عام، كان يوصلك شيء منهم؟

أحمد فؤاد نجم: يوصلني حب الناس وده مش عُملة؟ ما تنزل معي الشارع شوف الناس بتعمل معي إيه، الناس العاديين خالص..

سامي كليب: شفناهم، كلهم يحبوك..

أحمد فؤاد نجم: طيب، عاوز إيه ثاني؟

سامي كليب: في مصر وفي الدول العربية..

أحمد فؤاد نجم: طيب عاوز إيه ثاني يا عم سامي، قرشين يعني أعمل بهم إيه؟

سامي كليب: بالفعل نزلنا مع الشاعر الشعبي المصري الملتزم إلى الشارع المجاور لمكان سكنه ووجدنا الكثير من الناس يشكون لأحمد فؤاد نجم وكأنه وزير أو مسؤول كبير في الدولة، هم يقدمون له الشكاوى وهو لا يرد شكوى ولكنه ليس في اليد حيلة، فالعين بصيرة واليد قصيرة كما يقال.

مشارك أول: أنا معي وصل عداد ومعي تليفون ومعي رخصة وعاوزين يشيلوني، أَهُم اقرأهم كده..

أحمد فؤاد نجم: طيب صوَّر لي دول..

مشارك أول: خذهم زي ما هم..

أحمد فؤاد نجم: طيب..

مشارك أول: يعني أنا معي صورة الرخصة أهي، سارية حتى، ده تليفون، ده عداد وآدي صورة الوصل التجديد، كل سنة يأخذوا منِّي تجديد.

أحمد فؤاد نجم: طيب، ما أنا قلت لكم يا جدعان ما سمعتوش كلامي، قلت ما تسيبوش بضاعتكم وتمشوا، يضربوكم أوقفوا..

سامي كليب: لعل الشاعر المصري الشعبي الملتزم أحمد فؤاد نجم أكثر فقرا من هؤلاء القاصدينه لطلب المعونة ولعل مطالبه أكثر من مطالبهم وهذا ما دفعه ربما للترشح للرئاسة في مصر، ثم كتب قصيدة لمناسبة خطبة ابن الرئيس حسني مبارك.

مبروك يا عريس

أحمد فؤاد نجم: فأنا هنأته وقلت له مبروك يا عريسنا يا أبو شنة ورنة.. يا واخذنا وراثة أطلب وأتمنى.. وأخرج من جنة أدخل على جنة.. مش فارقة معانا ولا هرية بَدَنَّا ولا واجعة قلوبنا.. يا عريس الدولة أفرح واتهنى ما إحناش كرهينك لكن هرشينك.. هتكمل دينك وطلع دينَّا.

سامي كليب: شكَّلت القصيدة اختراقا ليس لطرافتها وعمقها وإنما لأن أحمد فؤاد نجم كان متوقفا عن الكتابة منذ فترة طويلة، توقف عن الكتابة خصوصا منذ اختلف ورفيق عمره ودربه والنضال الشيخ إمام، التقيا عن طريق صديق ولم يفترقا وعاش أحمد فؤاد نجم عند شيخ إمام في الغرفة الفقيرة المتواضعة، راح الشاعر من جهة والملحن المغني الضرير من جهة ثانية ينسجان في البداية أغاني الأفراح والأعراس، الأول يُسمِع شعره ويُسمِعه عذبا بألحان وصوت شيخ إمام والثاني يرى لحنه متفجرا صاخبا بعيون رفيق الدرب، أما المسيرة السياسية للرفيقين المناضلين فهي بدأت عام 1967.

أحمد فؤاد نجم: الرسالة دي أنا كتبتها يوم 9 يونيو 1967 وكنا لسه متصورين إن الجبهة المصرية سليمة وإن أولادنا بيقاتلوا على قناة السويس فعملت رسالة اسمها واه يا عبد الودود.. يا رابص على الحدود ومحافظ على النظام.. كيفك يا واد صحيح؟ عسى الله تكون مليح وراقب للأمام.. أمك هتدعي ليك وهتسلم عليك وتقول بعد السلام خليك جدع لأبوك.. ليقولوا منين جابوك ويمسَّخوا الكلام.. واه يا عبد الودود.. أقول لك وأنت خابر كل القضية عاد.. ولسه دم خيَّك ما شرباش التراب.. حِسَّك عينك تزحزح يدَّك عن الزناد.. خليك يا عبده راصد لساعة الحساب.. آن الأوان يا ولدي ما عاد إلا المعاد.. تِنفَض الشركة واصل ويمزحوا الكلاب.. إن كنت وِلد أبوك تجيب لي ثأر أخوك.. والأهل يبلغوك جميعا السلام.

سامي كليب: كانت هزيمة عام 1967 أقوى من كل الآمال والتوقعات فالجيش الإسرائيلي دمر معظم الطيران المصري بالضربة المفاجئة التي لم يفهم أحد حتى الآن لماذا كانت مفاجئة؟ نزلت الضربة الإسرائيلية كالزلزال على مصر والأمة العربية جمعاء فحتى ولو أن بعض الأنظمة فرحت لهزيمة عبد الناصر فإن الشعوب بكت وبكته وأما بكاء أحمد فؤاد نجم فجاء بمثابة رسالة غضب على الجيش المهزوم، كتب قصيدته الشهيرة خبَّطنا تحت بطاطنا.

أحمد فؤاد نجم: الحمد لله خبَّطنا تحت بطاطنا

يا محلا راجعة ضباطنا من خط النار

يا أهل مصر المحمية بالحرامية

الفول كثير والطعمية والبر عمار

والعيشة معدن وأهي ماشية آخر آشية

ما دام جنابه والحاشية بكروش وكثار

هتقول لي سينا وما سيناش متدوشناش

ما ستمائة أوتوبيس ماشي شاحنين أنفار

إيه يعني لما يموت مليون

أو كل الكون

العمر أصلا مش مضمون والناس أعمار

إيه يعني في العقبة جِرينا ولاَّ في سينا

هي الهزيمة تنسِّينا إننا أحرار؟

إيه يعني شعب في ليل ظلم وضايع كله

ده كفاية بس لما تقوله إحنا الثوار

وكفاية أسيادنا البُعَدا عايشين سُعَدا

بفضل ناس تملى المعدة وتقول أشعار

أشعار تِمجِّد وِطمَاين حتى الخاين

وإن شاء الله يخربها مداين عبد الجبار

فدي بقي

وبعد كده بقرة حاحا وفين آخر صبري يا شيخ أيوب

وشيِّلني وأشيِّلك

سامي كليب: بقرة حاحا النطَّاحة، حلوة بس يا ريت تقول لنا شوية منها.

أحمد فؤاد نجم:

ناح النواح والنواح ناح على بقرة حاحا النطَّاحة

والبقرة حلوب حاحا

تحلب قنطار حاحا

لكن مسلوب حاحا

من أهل الدار حاحا

الدار بأصحاب حاحا

و11 باب حاحا

غير السراديب حاحا

وجحور الديب حاحا

وبيبان الدار حاحا

وافقين زنهار حاحا

وفي يوم معلوم حاحا

عملوها الروم حاحا

زقوا الترباس حاحا

هربوا الحراس حاحا

دخلوا الخواجات حاحا

شفطوا اللبنات حاحا

والبقرة تنادي حاحا

وتقول يا أولادي حاحا.

وأولاد الشوم حاحا

رايحين في النوم حاحا

البقرة انقهرت حاحا

في القهر انصهرت حاحا

وقعت في البير حاحا

سألوا النواطير حاحا

طب وقعت ليه حاحا

وقعت من الخوف حاحا..

سامي كليب: طيب القصيدة دي اسمح لي..

أحمد فؤاد نجم: نعم.

سامي كليب: أقاطعك أيضا شوية، فهمت إن في إحدى المحاكمات حين كنت أمام القاضي.

أحمد فؤاد نجم: أيوه.

سامي كليب: طب منك بعد أن صدر عليك الحكم أن تبقى معه.

أحمد فؤاد نجم: أيوه.

سامي كليب: وطلب منك أن تقول له.. تقول هذا الشعر..

أحمد فؤاد نجم: آه، دي في قضية المخدرات، كانوا عاملين لنا قضية مخدرات.. اتِّجار في المخدرات مع العدو الصهيوني، كان أيامها عدو لسه..

سامي كليب: يعني كنت تاجر مخدرات ومع العدو؟

أحمد فؤاد نجم: آه، مع العدو الصهيوني يعني جاي عايز رقبتي على طول، شوف همَّا وسخين إزاي؟

سامي كليب: كانت هذه القصيدة سببا لبداية نقمة السلطة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر على أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، ازداد القمع والسجن وازدادت كلمات الشاعر عمقا وسخرية والتزاما وإزعاجا، كلما خيَّم الليل على السجون أشرقت السجون بالقصائد والأشعار والألحان، فكان لابد من فصل الشاعر عن المنشد المغني ولكن ذلك لم يمنع الرفيقين من نشر أغانيهما الوطنية الشعبية الملتزمة في مصر ومعظم الدول العربية وحركات التحرر واللافت أن أحمد فؤاد نجم الذي سُجن في عهد عبد الناصر لا يزال حتى اليوم يكن الود والاحترام للزعيم العربي الكبير.

أحمد فؤاد نجم: همَّا عملوا عليه حراسة، هو لمَّا كان بيمشي في الشارع في أول الثورة كانت الناس بتتلم عليه وتحبه وتبوسه وبتاع، بعد كده بقى فيه حرس، الحرس ده.. هو ما حدش واخذ باله من الحكاية، الحرس ده حبسه، الرئيس اللي حواليه الحرس ده .. ده مسجون ولذلك عبد الناصر موِّتوه وإحنا ما نعرفش..

سامي كليب: يعني أنت ببدايته حبيته؟

أحمد فؤاد نجم: أُمَّال..

سامي كليب: وبخلال عمله السياسي الأول كنت حبيته؟

أحمد فؤاد نجم: حبيته وعشقته زي ما أنا عاشق عنترة وعاشق المتنبي.. الحاجات الجميلة دي، أُمَّال ما عشقتوش؟ ده أمي فضلت بتحبه لغاية ما مات رغم إن كان كل حاجة بانت بقى ولما مات وجاءت لي في الزيارة لقيت عينها حمراء من هنا، بأقولها أنت بتعيَّطي ليه، كنتِ بتعيطي يا أما؟ قالت لي آه مش عايزني أعيَّط؟ بتعيطي لمين؟ قالت لي على عبد الناصر، قلت لها يا وليَّة يا مجنونة بتعيطي على واحد حابس ومعتقِل ابنك؟ قالت لي يا تافه، يا واد عمود الخيمة وقع يا حمار، افهم، أنا بأقولك هي اللي علمتني كل حاجة، ما تعرفش تقرأ ولا تكتب.

سامي كليب: طيب، أنت كنت شيوعيا وعمليا عبد الناصر سجن كثيرا من الشيوعيين، وقف الشيوعيون ضده وهو وقف ضدهم..

أحمد فؤاد نجم: أيوه..

سامي كليب: كيف استطعت أن توفق بين حبك له في مرحلة معينة وبين انتماءك للشيوعيين؟

أحمد فؤاد نجم: ما هو أنا.. أنت عارف أنا ما انتظمتش في التنظيمات الشيوعية، أنا دماغي كله مليان أفكار شيوعية إنما ما كنتش منظَّم، ما أنفعش أنا أتنظم أبوَّظ لهم الدنيا، فهو عبد الناصر ما.. هو مين اللي وقف جنبه بعد هزيمة 1967؟ ما الاتحاد السوفيتي برضه..

سامي كليب: صح.

أحمد فؤاد نجم: والشيوعيين كانوا شغالين.. بس هم كانت غلطتهم إنهم راهنوا على النظام..

سامي كليب: الغريب إن رغم إنه انسجنت بعهده فترة طويلة..

أحمد فؤاد نجم: آه..

سامي كليب: وطبعا كان السجن إيجابيا بسبب كتابات الشعر، أجمل القصائد كُتبت آنذاك ولكن حين تُوفِّي كتبت له قصيدة رائعة جدا..

أحمد فؤاد نجم: مش حين تُوفي، بعد ما مات بكتير لأن أنا كنت في سوريا ورحت كذا بلد عربي قبل كده وأقول لك على حاجة يا سامي، كويس إن أنا.. لأنها جوَّايا تعباني قوي، فيه بعض المثقفين العرب بيكرهوا مصر وأنا المسألة دي ما عنديش فيها فِصال..

سامي كليب: وفيه كتير بيحبوها.

أحمد فؤاد نجم: آه، طبعا..

سامي كليب: بيحبوها دول.. بيحبوها صح، إنما بيكره مصر مثلا واحد بيكتب رواية على قده ويقارن نفسه بنجيب محفوظ فيقول لك ينعل أبو مصر على أبو الفن ده.. فيه حد يبقى عنده مصر ويكرهها، إيه الغباوة دي؟ بعدين لقيت كل ما سافر بلد عربي ألاقي الرئيس أو الملك بتاعه هو ده أمين القومية العربية والقومية العربية متقطعة، الله فقلت هو مين اللي اختار دخل لنا الكلمة دي؟ ده عبد الناصر وبعدين كنت عايز أشتمه وأنا في سوريا وبعدين قلت لا، طب نعمل مقارنة كده ما ينفعش، عبد الناصر هو بلال اللي أذِّن والدنيا ضلمه وقال حيّ على العروبة.. ده شيء لو أبينا.. هو الحقيقة كده وعبد الناصر هو أمير الفقراء.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: وكتبت له القصيدة في سوريا؟

أحمد فؤاد نجم: آه كتبتها في سوريا واتحبس بسببها51 طالب، أنا قلتها في قاعة تشرين.. قاعة تشرين دي ما رضوش يعطوها لي لغاية ما كتبت القصيدة دي وأشاعوا في سوريا إن نجم خلاص بقى بتاع النظام وإن عنده عربيتين وفيلا وأنا ساكن في حته زي كده..



السادات والشقلبان

سامي كليب: شو كتبت؟ قُل لنا القصيدة.

أحمد فؤاد نجم: آه، زيارة لضريح عبد الناصر

السكة مفروشة تيجان الفل والنرجس

والقبة صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس

والمشربية عرايس بتبكي والبُكا مشروع

مين ده اللي نايم وساكت والسُكات مسموع

سيدنا الحسين ولاَّ صلاح الدين ولاَّ النبي ولاَّ الإمام

دستور يا حراس المقام ولاَّ الكلام بالشكل ده ممنوع

أنا بأقول أنا مش ضليع في علوم الانضباط

أبويا كان مسلم صحيح وكان غبي

وكان يصلي على النبي عند الغضب والانبساط

أبويا كان فلاح تعيس في ليلة ضلمة خلِّفوه وفي خرقة سودة لفلفوه

وفي عيشة غبرة طلعوه ولصَّموه وطلسموه ودجِّنوه

وجهِّزوه وجوزوه على عماه

فكان مُحيَّر في هواه ما بين أمي وما بين الجاموسة

وكان يخاف يقتل ناموسة وكان خجول خجول

خجول لكنه كان دائما يقول أستغفر الله العظيم من باب الاحتياط

أبويا طلعتوه حمار فكان طبيعي يجيبني جحش

لا أعرف نبي من أجنبي ولا مين ما جاش ولا مين ما راحش

موسى نبي عيسى نبي محمد نبي وكل وقت وله آذان

وكل عصر وله نبي وإحنا نبينا كده من ضلعنا نابت

لا من سَماهم وقع ولا من نارها شابت ولا انخسف له القمر

ولا النجوم غابت أبوه صعيدي وفهم قام طلعه ظابط

ظبط على قدِّنا وعلى المزاج ظابط

فاجومي من جنسنا ما لوش مرا سابت

فلاح قليل الحيا إذا الكلاب عابت

ولا يطاطيش للعِدا مهما السهام صابت.

عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابات

وعاش ومات وسطنا على طبعنا ثابت

وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت

ولا يطلوه العِدا مهما الأمور جابت

سامي كليب: حلو.. حلو، فيها كمان تعبير عن الندم ربما..

أحمد فؤاد نجم: آه، أُمَّال إيه؟ ما هو.. ما عبد الناصر جننَّا ومشي، ما هو دلوقتي يخلصوا ثأرهم من عبد الناصر فينا، طب إحنا ذبنا إيه؟

سامي كليب: أحمد فؤاد نجم الذي سُجن في عهد عبد الناصر سُجن أيضا في عهد الرئيس الراحل أنور السادات ومَن يقرأ مذكراته سيجد جُملة تقول إنه فرح مرتين في حياته، الأولى حين انتصرت مصر في حرب العبور على إسرائيل والثانية حين اغتيل السادات والغريب أن الأمرين مرتبطين بشخص واحد أي أنور السادات، فهو كان رجل العبور قبل أن يقتله عبوره نحو الكنيست الإسرائيلي وأكد لي أحمد فؤاد نجم أن العاهل الأردني الراحل الملك حسين كان أسمع السادات قصيدة شقلبان حين زراه في عمَّان.

"

السادات كان كثير الكلام، وكان كذاب يتنفس الكذب
"

أحمد فؤاد نجم: السادات ما كانش يبقى فيه مشكلة في البلد يخطب يعمل مشكلة، إن هو كان رغَّاي بيتكلم كتير وكان كذاب يتنفس الكذب، فعملت أنا شقلبان دي على هذا الأساس، رسمته بقى في القصيدة، ما جبتش سيرة اسمه خالص حتى نبيل الهلالي بيقول للقاضي العسكري بيقول له القصيدة تتحدث عن شخص اسمه شحاتة المعسل وللرئيس السادات مؤلفات تملأ السوق لم نقرأ على غلاف أحدها اسم شحاتة المعسل، فقال له هو.. أصل هو كان طول القصيدة بيردد لَزمة للرئيس السادات، قال له هو الرئيس السادات له لَزمة؟ ده نبيل الهلالي وأخذت فيها سنة.

سامي كليب: طيب بس، يعني مهمة القصة لأنه في هذه القصيدة تقمصت شخصية الرئيس، كيف يذيع البيان عبر الإذاعة..

أحمد فؤاد نجم: أيوه.

سامي كليب: وكتبت القصيدة وكتبت فيما بعد أيضا قصيدة عام 1977 على ما أعتقد بيان هام يعني كتبت..

أحمد فؤاد نجم: ما هي دي.

سامي كليب: هي دي، هي نفسها؟

أحمد فؤاد نجم: آه..

سامي كليب: طب ممكن تقول لنا شوية منها شو بتحكي؟

أحمد فؤاد نجم: هو بيقول بقي إيه

هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان من القاهرة

ومن كردفان وسائر بلاد العرب واليابان ومن فنزويلا

وكان من إيران ومن أي دار أو بلد مستباحة للسياحة مع الأميركان

هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان

نقدم إليكم بكل اللغات مراسح وسيما وجميع الفنون

صحافة ومنابر وتلفزيونات وخطباء في جوامع وجبنة وزتون

ودائما نلعلع في كل الحالات ولا حد سامع ولا يحزنون

وتسمع ما تسمع ده ما يهمناش لأن إحنا أصلا بنأكل بلاش

فخليك في نفسك وما تخلناش نسلط عليك القلم واللسان

هنا شقلبان محطة إذاعة حلاوة زمان

يَسُر الإذاعة وما يُسركوش بهذه المناسبة وما بندعيكوش

نقدم إليكم ولا تقرفوش شحاته المعسل بدون رتوش

شبندر سماسرة بلاد العمار

معمر جراسن للعب القمار وخارب مزارع وتاجر خضار

وعقبال أملتك أمير الجيوش ما تقدرش تنكر تقول ما أعرفوش

ما تقدرش أيضا تقول ما أسمعوش

شحاته المعسل حبيب القلوب يزيل البقع أو الهموم والكروب

يأنفد يبلبع حبوب ويفضل يهلفط ولا تفهموش

سامي كليب: بسبب هذه القصيدة تحول أحمد فؤاد نجم إلى المحكمة العسكرية وسُجن عامين ويؤكد أنه كان أول سجين سياسي يحاكَم أمام محكمة عسكرية وبالتالي فإن هذا الشاعر الملتزم أمضى في سجون مصر ثمانية عشر عاما بالتمام والكمال، تسعة في عهد عبد الناصر وتسعة في عهد السادات ولكن سجَّانيه كان يحترمونه تماما، كما أن المصريين يحبونه حتى ولو أنهم حُرموا من أشعاره بسبب المنع والقمع سنوات طويلة وكلما اشتدت وطأة القمع والمنع كلما اشتدت عزيمة أحمد فؤاد نجم وشيخ إمام وانتعش أملهما بإمكانية تحرير فلسطين، كان يحلمان بأنهم سيغنيان يوما تحت قبة الصخرة.

أحمد فؤاد نجم: هو مات وهو الشيخ إمام رغم إن المرض افترسه في الآخر، مات وهو متفائل وكان كل يوم بالليل ينام على أساس أنه الصبح هيصحى على الثورة، على تحرير فلسطين وتحرير مصر وتحرير كل الوطن العربي من الـ.. ما هو الاحتلال ده أنواع، ما هو فيه احتلال استيطاني توسعي في فلسطين وفيه احتلال في مصر مجموعة من الفَسَدة واللصوص، فيه احتلال في سوريا، في.. يمكن لبنان اللي شوية يعني أقل البلاد العربية ضررا من الأنظمة الفاشية دي لأنه فيه حركة سياسية وفيه أحزاب، يعني أنا بأحسد..

سامي كليب: طب هو مات وعنده الأمل وأنت اليوم تشعر بخيبة الأمل حيال فلسطين؟

أحمد فؤاد نجم:لا، أنا عارف..

سامي كليب: بعدك مؤمن إن النصر..

أحمد فؤاد نجم: أُمَّال إيه؟

سامي كليب: راح ييجي؟

أحمد فؤاد نجم: هأقولك أنا على حاجة، تعالى نحسبها كده بالبلدي، هات أي.. أنت وأنا امسك مسمار حديد ابلعه وما تروحش للدكتور، الجسم هيطرده لأنه جسم غريب، هذا الكيان جسم غريب في جسد الأمة..

سامي كليب: طب ما كلنا بنقول هيك وللأسف يعني كرماله الجسم عم بيكبر، الجسم الغريب..

أحمد فؤاد نجم: لأن جسد الأمة ميت ما فيهوش حياة، أول ما يتحرك كل حاجة هتتصحح وأنا رأيي إنها هتبدأ من مصر وإذا ما بدأتش من مصر تبقى غلط تبقى البداية غلط، أنا آخذ قرار ما أموتش إلا لما فلسطين تتحرر، بعد ما تحرر أقول لكم سلام عليكم أنا ماشي..

سامي كليب: يعني راح تعيش كثير إن شاء الله؟

أحمد فؤاد نجم: أيوة قاعد وإحنا في باريس في حفلة قلت كده، أنا آخذ قرار ما أموتش إلا لما فلسطين تتحرر، انطلقت كده في الاستراحة بنت فلسطينية قالت لي طيب مش كنت تقول لنا نحررها ونخلص منك بدري، آه.

سامي كليب: هذا لما رحتم على باريس سنة 1958 مع الشيخ إمام، مش هيك؟

أحمد فؤاد نجم: آه، أيوة.

سامي كليب: طيب بدأت أيضا مع الشيخ إمام في بداية عملكما بالعمل أو بتقديم بعض البرامج للمؤسسات الصحفية أو الإعلامية وحصل نقاش كبير يعني قرأت آخر ردود الفعل من فترة، من الكاتب والصحفي آنذاك رجاء النقاش، إنه هو يقول إنه حاول يساعدكم برغم إنك حضرتك كاتب بأحد الكتب إنه لا هو من الناس الذين ضيَّقوا عليكم فيما بعد.

أحمد فؤاد نجم: لا كان عايز يسلِّمنا.. كان عايز يسلمنا للسلطة ولذلك أنا لن أنسى مشهد الشاعر العظيم الراحل محمود حسن إسماعيل لما رحنا له المكتب وإحنا خارجين مسكه من يده كده وقال له يا أستاذ رجاء ناشدتك الله هذا شاعر.. ناشدتك الله هذا شاعر، قالها ثلاث مرات أنا ما فهمتهاش ساعتها، لأن رجاء النقاش كان في التنظيم الطليعي.

سامي كليب: طيب اسمح لي أنا مش حابب أدخلك بخلافات يعني ولكن هو يقول إنه أنا أحبه، هو دافع عنك لمَّا بعض الكتاب في الأردن حاولوا منعك من الذهاب إلى الأردن والسبب قالوا إنك أنت تحدثت لتلفزيون أميركي تلفزيون الحرة وما إلى ذلك ولكن هو دافع عنك وقال أنا أحب شعر أحمد فؤاد نجم ولكني لم أعد أحب شخصه لأنه يعضّ مَن وقف إلى جانبه ومَن ساعده، إنه هو تحدث إنه لما كان بروزاليوسف زمان كان يساعدك.

أحمد فؤاد نجم: مش صحيح الكلام ده، مش.. يعني أنا فهمت دوره ولذلك عدلي رزق الله لما جاء لي في حوش آدم قال لي رجاء النقاش عايز يشوفك، فقلت له أهلا بك وبضيوفك، قال لي لا يا روح أمك هو مش ضيفي عشان ما ترجعش تقول ده عدلي رزق الله هو اللي جابه لي، برضه ما فهمتش وجاء رجاء وحصل ولمَّا قبضوا علينا عدلي رزق الله بيقول له الله قبضوا على الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، قال له لا دي قضية أخلاقية، قال له بتقول لي أنا قضية أخلاقية يا رئيس تحرير الكواكب، يعني ما أنا مش عايز..



ممنوع من السفر

سامي كليب: ذكرت أيضا فيما كتبت اسم أحمد حمروش، المعروف إنه أحمد حمروش كان إلى جانب الرئيس جمال عبد الناصر كان أحد الضباط الأحرار وكلفه الرئيس عبد الناصر ببعض المهمات وكان مشرفا أيضا على جريدة آنذاك تقول إنه عرضت عليه قصيدة في البداية تحمس لها جدا وفيما بعد بس عرف إنه ممنوعة فاتصل ومنعها كمان، شو هي كانت القصيدة؟

أحمد فؤاد نجم: ده صحيح، كانت ممنوع من السفر.. ممنوع من السفر ما لما رحت المطار كان بدعوة من جاك لونغ وزير الثقافة الفرنسي أنا وإمام وبعدين منعونا وندهوا علينا أحمد فؤاد نجم، قام محمد عيسى مطلوبين لمقابلة السيد اللواء قائد أمن المطار، إيه قال أنتم ممنوعين من السفر، قلت له مَن اللي منعنا؟ قال لي المدعي العام الاشتراكي فإمام قال له الله قال له غريبة إحنا المفروض اللي يمنعنا المدعي العام الرأسمالي مش.. الاشتراكي يمنعنا ليه؟ فكتبت ممنوع من السفر ممنوع من الغناء ممنوع من الكلام ممنوع من الاستياء ممنوع من الابتسام.. وكل يوم في حبِّك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبك أكثر من اللي فات.. حبيبتي يا مدينة.. حبيبتي يا سفينة متشوقة وحزينة.. متشوقة وسجينة.. مخبر في كل عقدة.. عسكر في كل ميناء يمنعني لو أغيب عليكِ أو أطير إليكِ وأستجير بحضنكِ أو أنام في حِجركِ الوسيع وقلبكِ الرضيع أعود كما الرضيع بحرقة الفطام.. حبيبتي يا مدينة متزوقة وحزينة في كل حارة حسرة وفي كل قصر زينة.. ممنوع من إني أصبح بعشقكِ أو أبات.. ممنوع من المناقشة ممنوع من السُكات.. وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات وكل يوم بأحبِّك أكثر من اللي فات.. هو لما شافوها بقى أحمد حمروش طار بها قال ده أستاذ عظيم وبعدين قالوا له لا.

سامي كليب: دائما في قصائد الحب تكون للمدينة ولمصر ولقضية.. أحببت كم مرة بحياتك؟

أحمد فؤاد نجم: الحب بتاعنا.. بتاع..

سامي كليب: حب النسوان.

أحمد فؤاد نجم: حبيت من قلبي.. من قلبي كده جامد، حبيت مرتين.

سامي كليب: طيب تزوجت أربع مرات يعني فيه اثنين ما حبيتهم؟

أحمد فؤاد نجم: لا، ستة.

سامي كليب: ست مرات؟

أحمد فؤاد نجم: ست مرات تزوجت بس ماحبتش الستة..

سامي كليب: يعني أربعة ما حبيتهم؟

أحمد فؤاد نجم: لا الستة ما حبتهمش لأن..

سامي كليب: نحمد الست أم زينب مش موجودة.

أحمد فؤاد نجم: آه ما هو وإلا كنت اتدمرنا أنا وأنت، فلا اللي حبيتهم ما تزوجتهمش.

سامي كليب: اثنين حبيتهم ما تزوجتهمش؟

أحمد فؤاد نجم: آه.

سامي كليب: أول واحدة اللي كانت بنت خالتك؟

أحمد فؤاد نجم: إكرام بنت عمي.

سامي كليب: بنت عمك.

أحمد فؤاد نجم: آه.

سامي كليب: والثانية؟

أحمد فؤاد نجم: وعفاف بنت عمتي برضه.

سامي كليب: طيب شو بيعني لك حب النساء؟ زي حب القضية؟ زي حب النضال؟ زي حب مصر؟

أحمد فؤاد نجم: لا أصل ده بيبقى إيه في الوقود بتاعه بيبقى جسدي يعني إنما حب القضية ده حاجة على طول أنت حاجة في دماغك في دمك إنما الحب حب النسوان ده بيبقى آني يعني يأخذ فترته ويمشي.

سامي كليب: لعل الحب الحقيقي كرَّسه أحمد فؤاد نجم لشعره ولعل الصداقة الحقيقية أو الأخوَّة النابضة بكل مشاعر الإنسانية والنضال والكفاح كرَّسها لرفيق العمر الشيخ إمام، لكن ظروف الحياة من جهة وطول العِشرة من جهة ثانية وزارعي الخلافات والشِقاقات من جهة ثالثة دفعت شيخ إمام وأحمد فؤاد نجم للخلاف، خلاف ربما لا أحد يعرف سره غيرهما، فهل كانت رحلة باريس بينهما هي فقط الشَعرة التي قسمت ظهر البعير؟

أحمد فؤاد نجم: أما رحنا باريس بدؤوا، بدأ هو يتعامل على أساس إنه عبد الوهاب والحكاية مش كده خالص، هو حتى قال لي الله هو أنا مش زي عبد الوهاب قلت له لا أنت جزمتك بعبد الوهاب بس وأنت كده، إنما لما تروح عند عبد الوهاب في حتته ولا هتبقى حاجة قد كده ولا تبان، ده.. وبعدين قال لي هي جوازة نصارى؟ قلت له لا أبدا، قال لي لا أنا عايز أستريح، قلت له حقك يا حبيبي، بس أوعى يا إمام تهاجم تجربتنا، إن دي الشوكة اللي واقفة في زورهم، زي ما يكون دليته على كده بقى.. في.. وإحنا في باريس نزل فيّ شتيمة وحشة، يقول لك أنا ما أعرفش شخص بالاسم ده، أنا بييجي لي شعراء كثير جائز هو جاء لي من ضمنهم، أنا ما أعرفش شخص اسمه أحمد فؤاد نجم يعني شوف وصَّلوه لِفين، هو كان رجل طيب.

سامي كليب: مَن وصَّله؟

أحمد فؤاد نجم: المثقفون العرب.

سامي كليب: يعني في الواقع أنا سمعت منك على ما أعتقد قضية إنه الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لعب في الموضوع.

أحمد فؤاد نجم: آه، طبعا.

سامي كليب: طب، كيف؟

أحمد فؤاد نجم: أنا فوجئت.. يعني كان قبلها قبل الحكاية دي تقريبا كان بأسبوعين كان ياسر عرفات اتصل بيّ من تونس في.. عند.. في بيت طاهر عبد الحكيم في باريس وقال لي أنتم مش هاتيجوا تستجموا عندي شوية ولا إيه قلت له لا إحنا مش طالعين نستجم يا أبو عمار إحنا طالعين نشتغل دي فرصة، فقال لي الله هو أنا مش لي حق فيكم، قلت له أنت لك كلنا مش حق فيّ، بس يا أبو عمار أنت بقى لك 25 سنة بتنزل مصر في ضيافة وزير الداخلية اللي معتقلنا ما سألتوش عن الحق ده ليه؟ جاي تسألني دلوقتي، فقال لي مش عارف إيه والآخر كلمني كرئيس بقى، قال لي أفهم إنك أنت أفهم من كده إنك بترفض دعوتي؟ فإديته واحدة إسكندراني بقى قلت له افهم زي ما أنت عايز يلا بالسلامة روح، بعد مباشرة ما افترقنا، لا إحنا كنا نائمين في الفندق سوى صحيت ما لقيتش الشيخ إمام ولا محمد، فين همَّا؟ قالوا لي مشوا، قالوا لي يلا أنت كمان انتهت الإقامة بتاعتك وهمَّا سافروا راحوا تونس أخذوا الواد صادق المزين وأنا سابوني في الجزائر لوحدي، اللي أنقذني هناك طاهر وتار وجاب وزير الإعلام وشده قال له إزاي تسيب الراجل ده؟ يروح فين دلوقتي؟ فطلعوا لي تذكرة وروحت على الشام، أنا طبعا مش.. اللي حصل ده هو برضه حصل.. اللي بيقولوا اللي ييجي في الريش بقشيش هو أنا اتوجعت يعني وجعني إمام لأني بأحبه، مش بأحبه ده كمان جزء مني وأنا جزء منه، وجعني لأنه كان قاسي جدا، إنما ده انتهى وفضلت تجربتنا وهتفضل موجودة في أيدي الناس.

سامي كليب: بتفكر في ها الأيام؟

أحمد فؤاد نجم: يا سلام؟ عايش فيها على طول، أنا لما بأعمل أنا أول مرة عملت أمسية هنا في ساقية الصاوي فالناس كانوا بيرصدوا إيه؟ إن الناس فوق بعضها في.. أنا كنت بأشوف حاجة ثانية ما حدش آخذ باله منها، العيال الصغيرة 50% من الحضور عيال صغيرين حتى واحد فيهم قال لي إيه؟ عايزين بقرة حاحا يا عم أحمد، عنده بتاع خمس سنين، قلت له تعالى.. تعالى قمت رحت شايله أنت اسمك إيه؟ قال.. قلت له أنت.. قال لي ما هو بابا كان عنده الشغل بتاعكم بنسمعه دائما، بابا دلوقتي قاعد، أنا دلوقتي.. هو ده لبكره ده المستقبل النهارده أنا بأبقى فرحان وسعيد جدا لما بيقابلوني الشباب في الشارع ويأخذوني بالحضن ويسألوني ويحققوا معي، هو ده بكره بتاع مصر.

[مقطوعة غنائية]

سامي كليب: حين كنا نصور هذه الحلقة لم يكن الشاعر المصري الشعبي الملتزم أحمد فؤاد نجم قد زار بعد قبر الرجل الذي صار جزءا من حياته وذاكرته والباقي محفورا في قلبه رغم العَتَب والخصام وفي خلال الحديث عن الشيخ المناضل بالصوت واللحن والذي نظر للحياة بعِزَّة وأنفة وكفاح بعدما حرمه الله نعمة النظر حمل أحمد فؤاد نجم شيئا من زرع الأرض وذهب إلى قبر الصديق يقول له ما لم يقله ربما مذ دبَّ الخلاف بين الرجلين.

أحمد فؤاد نجم: والله أنت بقلبك يا إمام صاحي وميت، السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، أبو صلاح هنلاقي حد يحط لنا الصبَّار ولاَّ لا؟ السلام عليكم يا إمام، السلام عليكم يا علي {(1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (2) الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)} آمين، الله يرحمك يا إمام، أهُم ضحكوا عليه وقالوا له سيب نجم وهنديك فلوس وأنا اللي دفنته، حسبنا الله ونعم الوكيل.

سامي كليب: الغريب في هذا القبر الذي يحتضن بترابه واحدا من أهم رموز الغناء الشعبي المناضل والملتزم أنه خالٍ من أي لوحة تُذكِّر على الأقل بأن ثمة رجلا دُفن هنا كان له عند المناضلين والفقراء والمكافحين شيئا يشبه الحب أو يشبه الأرض أو زرعها الطيب، شيخ إمام ملحن ومنشد لحَّن وأنشد أشعار أحمد فؤاد نجم، عاش فقيرا ومات فقيرا.

[مقطوعة غنائية]

سامي كليب: عاش الشيخ إمام خلف القضبان أو في سجن الحياة، عاش يحلم بالحياة وبغدٍ أفضل وبتحرير فلسطين وربما بتحرير العراق لو عاش وانتهى حلمه حفنة من تراب، أما رفيق دربه الشاعر الشعبي الفذ أحمد فؤاد نجم فهو كتب في إهداء كتاب مذكراته قائلا، أُهدي كتابي إلى بناتي عفاف ونواره وزينب، قد لا تلاقي بناتي في حياتي والدهم ما تعجب به ولكن لن تجد ما تخجل منه، هذا اعتقادي الذي دافعت عنه بمنتهى الرضا، هل ينتهي حلم أحمد فؤاد نجم بأفضل ما انتهى إليه حلم رفيق دربه؟