- اعتناق الأفكار القومية وتجربة مصر
- التشكيك في الأفكار الناصرية وتبني التيار الإسلامي

- الاتجاه الإسلامي والصدام مع المشروع التغريبي

- دور بن علي في تصفية الحركة بتونس



سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تقودنا هذه المرة إلى غرب لندن والذي قادني إلى هنا سؤال وحيد هل فعلا أن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي نجح في تجنيب بلاده خطر الانزلاق إلى الأصولية الإسلامية؟ سؤال أحمله إلى رجل بدأ حياته ناصريا ثم أصبح زعيم الحركة الإسلامية في بلاده ويعيش اليوم منفيا هنا، إنه زعيم حزب النهضة المحظور في تونس الشيخ راشد الغنوشي.

راشد الغنوشي: تونس هل ستبقى جزيرة معزولة في عالم كله متجه نحو التحول الديمقراطي؟ يعني لن يخطر هذا على بال أن التونسيين سيكونون في ذيل قافلة التغيير الديمقراطي أو لا يدخلون يعني لا تكون لهم حصتهم في الديمقراطية في العالم هذا فيعني تكلس السلطة على النهج التقليدي في الإدارة على أنه يعني السلطات كلها ممحورة في قصر قرطاج والبوليس هو أداة التنفيذ والسياسة ومؤسسات الدولة كلها عبارة عن يعني ديكور فارغ من السلطة فارغ من المضمون والمعارضة ديكورية، هذا أمر لن يستمر في تونس ما فيش عاقل يفكر بأنه وضع شاذ من هذا القبيل يمكن أنه تُحكَم به تونس إلى الأبد مش معقول هذا وبماذا سيذكر التاريخ يذكر هذه المرحلة أن شهدت أكبر عدد من المساجين ثلاثين ألف سجين وربما بأقاربهم يعدوا بالملايين اللي تضرروا، المهاجر عمره في تاريخ تونس بلغ عدد المهاجرين السياسيين بالآلاف عمره ما حصل هذا عمرها تونس ما كانت طاردة أبنائها من هذا الصنف، في المرحلة الاستعمارية الإعلام كان أكثر انفتاحا منه الآن.

اعتناق الأفكار القومية وتجربة مصر

سامي كليب: يسكن الشيخ راشد الغنوشي حاليا في منطقة تبعد عن لندن مسافة حوالي الساعة بالقطار ولم يكن الوصول إلى بيته سهلا لولا الاستعلام في المحطة والانتظار طويلا بين صفوف البريطانيين والسياح الأجانب الذين كانوا يؤمون لندن في ذاك اليوم لحضور احتفالات زفاف أميرهم تشارلز مع حبيبته كاميلا، كان التناقض كبيرا بين صور الاحتفالات وبين التاريخ الصعب والمعقد الذي جئت أسأل الشيخ راشد الغنوشي عنه وهنا بالضبط خطر لي أن أسأله بداية عن كيفية توفيقه بين رفضه للكثير من مفاهيم الغرب ومناهضته للذين احتلوا العراق وبين إقامته في دولة كانت شريك في اقتلاع نظام صدام حسين الرجل الذي دافع عنه الغنوشي أكثر من مرة.

راشد الغنوشي: المنفى لا يختاره الإنسان وإنما يُفرَض عليه فرضا وكل منفي يُحدِث نفسه بالعودة في أقرب وقت لو توفرت ظروف الحد الأدنى لهذه العودة وأنا لم أخرج من بلدي طوعا وإنما بسبب الظروف القاسية التي تعيشها الحرية ويعيشها العدل ويعيشها الإسلام ويعيشها كل إنسان كريم في تونس اليوم، تونس اليوم للأسف طاردة لأبنائها يقذفون بأنفسهم حتى في البحر.

سامي كليب: في الجنوب التونسي ولد وإلى غرب لندن لجاء وبين الولادة والمنفى قصة رجل بدأ قوميا وصار إسلاميا حالما بأن يفرض يوما ما مشروعه السياسي في تونس، راشد الغنوشي الذي نراه في هذه الصور خطيبا في إندونيسيا أو محاضرا في الغرب أو مناقشاً للإسلام مع سيدات ورجال غربيين هو ابن عائلة مؤلفة من عشرة أفراد، كان والده مزارعا وعائلته ورعة وبعد حصوله على البكالوريا بالعربية صار مدرسا في جنوب تونس الذي أنجب عددا من غلاة المعارضين للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة هناك في جنوبه راح يسمع صوت العرب من القاهرة، صوت زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر.

"
دخلت عالم السياسة من خلال دموع والدتي ومن خلال صوت العرب وإذاعة القاهرة
"
راشد الغنوشي: تونس مرتبطة بالمشرق العربي ارتباطا وثيقا، أذكر كلمة لسامي الجندي وهو يعني أديب سوري عاش في تونس وأحبها في مقدمته التي كتبها لكتاب تونس الشهيدة أذكر بأنه قال بأن النفس التونسية أو القلب التونسي خفاق لكل ما يحدث في المشرق يتأثر بكل ما يحدث في المشرق فنكبة فلسطين أثرت في البلاد تأثيرا كبيرا، جاءت بعد ذلك الثورة الناصرية الثورة المصرية أعطت أمل على أنها ستسترد العزة السليبة وتعيد يعني الحق لأهله فتونس كلها تتأثر بالرياح المشرقية وربما لأن الجنوب أقرب إلى المشرق ومن هناك يعني أتى الخير إلى هذه المنطقة وربما كانت تتأثر أكثر لأن أيضا التغريب ربما في الجنوب هو أقل منه في الحواضر التونسية يعني الشمالية، ربما أهم قضية يعني كانت القضية الفلسطينية يعني أهم قضية التي شحنها صوت العرب إذاعة صوت العرب وصوت القاهرة يعني القضية الفلسطينية وقد كان أخواي أكبر مني يعني يتابعان الشأن السياسي وخالي أيضا كان مسيسا، والدي رحمه الله لم يكن مسيسا كان فلاحا لم يكن مسيسا لكن خالي كان تاجرا ومسيسا وكذلك أخواي بحيث أنا كنت أستمع إلى الشأن أهم أحاديثهم كانت تدور حول البكباشي جمال عبد الناصر وأنا أتساءل ما معنى بكباشي يعني هذه الكلمات يعني كانت غريبة وبالغرابة يعني ترسخ بالأذهان وحديث عن الوحدة العربية وحديث عن تحرير فلسطين وحديث عن الاستعمار وأيضا أنا تسيست من خلال دموع والدتي شاهدتها وقد سجن أخوها شاهدتها وأنا طفل تبكي فيؤثر في الطفل أن يرى أمه أحب الناس إليه تبكي لما فكانت دائما تقول خالك يعني في السجن فمن هناك يعني دخل في نفسي موضوع الاستعمار والاستبداد والقمع والظلم فأنا أعتبر نفسي أني تسيست دخلت عالم السياسة من خلال دموع والدتي ومن خلال صوت العرب وإذاعة القاهرة.

سامي كليب: في العودة إلى الانتماء حضرتك في البداية طبعا درست أو أُجبِرت على الدرس في مدارس قرآنية دفعك الوالد دفعا ولكن على ما يبدو في خلال مرورك بجامعة الزيتونة لم تكن شديد الإعجاب بشيوخ الجامعة وكنت تشكك أيضا وتطرح أسئلة يعني حول الدين حول الله حول العبادة وما إلى ذلك ولم تكن متحمسا جدا للدين الإسلامي أو ربما لهذا النوع من الممارسة الإسلامية على العكس تماما حاولت أن تبعد عن ذلك ما هو السبب في ذلك شيوخ الزيتونة أم طريقة التعليم؟

راشد الغنوشي: إغلاق جامع الزيتونة كان أعظم جريمة في حق الشعب التونسي وفي حق الحضارة الإسلامية..

سامي كليب [مقاطعاً]: طبعا في عهد الرئيس السابق الحبيب بورقيبة؟

راشد الغنوشي [متابعاً]: في عهد الحبيب يعني كان هذا أول قرار من قرارات الاستقلال إغلاق جامع الزيتونة هذا ما يمنعش هذا الاعتبار ما يعنيش أنه جامع الزيتونة لأنه لم يتعرض للأمراض التي تعرضت لها الأمة الإسلامية فهو جزء من هذا الكيان..

سامي كليب: ولكن شيخ راشد يعني لو سمحت لي تقول تخرجت من جامعة الزيتونة لا يشدني إلى الإسلام إلا بعض ما تلقيته من والدي أما فكريا فقد كنت أقرب إلى الشك والتمرد على القديم.

"
جيلنا كان جيلا ممزقا بين حياة تغربت وبين دراسة لا تمثل جسرا بين الإسلام وبين العالم الحديث
"
راشد الغنوشي: هذا وصف صحيح لأنه مناهج التعليم في جامع الزيتونة كانت مناهج أصابها قدر كبير من التخلف والحياة كما وصف أحد الدارسين أظن عياض بن عاشور يعني تونس كانت قد غربت وظل جامع الزيتونة مشرقا يعني ونحن جزء من هذا تونس التي اتجهت إلى الغرب ولكننا كنا عندما ندخل جامع الزيتونة كأننا ندخل متحف تاريخي يعني نخرج إلى العالم نجد لا صلة بين ما ندرسه وبين الحياة الجديدة في تونس فقد كان جيل ممزق جيلنا كان ممزق بين حياة تغربت وبين دراسة لا تمثل جسرا بين الإسلام وبين العالم الحديث.

سامي كليب: طيب بتتفضل شيخ راشد الغنوشي تقول إنه كنا ندخل إلى جامع الزيتونة كأننا ندخل إلى متحف، اليوم بعض التوانسة يقولون عنك نفس الشيء حين ندخل أو نشاهد أو نقرأ أفكار حركة النهضة نشعر وكأننا نعيش في متحف وأنها باتت من العصر القديم يعني يجب أن تحدث نفسها أن تتعاطى مع العصر الحديث أن تتبنى خطابا حدثيا جديدا يلائم المجتمع؟

راشد الغنوشي: هذا الحكم على كل حال ده ينبغي دائما ألا نلقي عرض الحائط بأي نقد يعني ينبغي أن نأخذ من كل نقد ما هو فيه أن ننظر ما هو إيجابي في هذا النقد ولكن أحسب أني أنا هنا في المهجر ليس بسبب أن فكري قد رُفِض من الشعب التونسي بل العكس هو الصحيح أنه قوبل بأكثر من اللازم لمعارضة لأنه عندما اضطر النظام البورقيبي أن يقبل معارضة حدد لها حجم أن يكون سامعوها بحجم معين يكونوا فقط جزء من الديكور.

سامي كليب: في البداية قبلتم بهذا الحجم؟

راشد الغنوشي: نعم، الحركة الإسلامية مشكلتها ليس أنها معزولة عن الشعب ليس أنها معزولة وإنما مشكلها الأساسي هو أنه يعني خرجت عن الحيز المقدر للمعارضة في نظام تونسي نظام فردي بوليسي إذاً النظام التونسي يستجلب ما قبل الإصلاح الإسلامي، يستجلب الحضرات يعني الحضرة الصوفية ويشجع حركة الخرافة لأنه يريد إسلاما متحفيا لا يستطيع أن يتخاطب مع الحداثة، المشكلة أنه نحن أحسنا التخاطب مع الحداثة ولذلك لم يكن من سبيل للتعاون معنا إلا بالقمع.

سامي كليب: على كل حال هذا جدل كبير وعميق وممكن أن أسرد لك عشرات الكُتاب العلمانيين أو ربما أيضا بعض الإسلاميين الذين انتقضوا هذه التجربة..

راشد الغنوشي: أنا أسرد لك عشرات من العلمانيين أيضاً الغربيين الذين شهدوا أن النهضة تمثل أملاً للحوار بين الإسلام وبين الغرب بين الإسلام وبين الحداثة.

سامي كليب: طيب لنعد لو سمحت لتجربتك الشخصية يعني سنحاول أن نمر قدر الإمكان على معظم أفكارك وأفكار حركة النهضة ولكن أود يعني فقط للتعريف أكثر بك وبتجربتك العودة إلى البداية أيضاً، عام 1967 قررت طبعاً أن تهاجر إلى مصر لمتابعة الدراسة بالزراعة ولفت نظري أنك كنت قد تصبح روائياً أو صحافياً.

راشد الغنوشي: نعم فهذا كنت ما أحدث نفسي يعني أحلامي كطفل كانت يعني تدور حول روائياً أو صحافياً.

سامي كليب: في تجربة مصر في الواقع لم تدم طويلاً على ما يبدو في البداية استفدتم من الخلاف الحاصل بين الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس حبيب بورقيبة رحمهم الله ولم تبقوا حضرتك وزملائك التوانسة أكثر من فترة قصيرة في تونس بعد الاتفاق اضطررتم لترك مصر بطب من السلطات المصرية رغم إنك كنت يعني مناصراً للتيار الناصري ومتأثراً بهذا التيار ما الذي حصل؟

"
السياسة البورقيبية قامت بقطع تونس عن محيطها العربي وربطها بالمحيط الغربي
"
راشد الغنوشي: تعلم أستاذ سامي إنه السياسة البورقيبية عملت على قطع تونس عن محيطها العربي وربطها بالمحيط الغربي ولذلك كان ممنوع على الطلبة التونسيين أن يرتحلوا إلى المشرق فنحن فررنا يعني، وجدنا أنفسنا حوالي أربعين طالب فارين من تونس لا لأي سبب سياسي وإنما فقط ليتابعوا تعليمهم..

سامي كليب: باللغة العربية.

راشد الغنوشي: باللغة العربية يعني هذا كل ما في الأمر لأن تونس قد تغربت ولم يعد مسموح أمام بقايا الزيتونيين يعني عالم يحتضر، نحن كنا جزء من عالم يحتضر وليس بشكل طبيعي وإنما بقوة الدولة يعني يُقتَل أو يُنحَر فكنا نريد مخارج نفلت، لم يكن مسموحاً أمامناً إلا أن نتابع في كلية الشريعة وإنما كما كنت يعني في ذلك السياق أحلامي ما كانش في ذلك السياق فكنت أريد أن أتابع التعليم في الزراعة وإلا في ميدان من ميادين العلوم الإنسانية ولم يكن ذلك متاحاً فوجدنا أنفسنا حول أربعين طالب في مصر من غير تنسيق أيضاً كل واحد فكر نفس التفكير وأنه يناضل من أجل أن يُسجَل في الجامعات المصرية ولم يكن ذلك يسيراً بالرغم أني أنا واحد من الناس اللي كنت معجباً شديد الإعجاب بعبد الناصر وهناك لم نجد الناصرية كما أملنا وحلمنا، وجدنا أبواباً مغلقة حتى إننا نحن نظمنا مظاهرة أمام بيت عبد الناصر..

سامي كليب: من أجل الدخول للجامعة.

راشد الغنوشي: من أجل الدخول للجامعة وحاصرنا الشرطة أذكر يعني بعض الأشياء الطريفة فالشرطة يسألوننا ماذا تريدون نقول لهم نريد أن نتعلم بالعربية العربية منهارة في تونس فهو يخاطب رؤسائه يقول يعني عايزين إيه يقولون إيه يقولوا العربية منهارة هو يفهم العربية بمعنى السيارة يعني في النهاية على كل حال سجلونا يعني.

سامي كليب: ولكن بعد ثلاثة أشهر طردتم.

راشد الغنوشي: وبعد ثلاثة أشهر وجدنا أسماءنا مشطوبة لأنه العلاقات اللي كانت مقطوعة مع تونس يعني ونحن استفدنا من ها القطيعة هذه، العلاقات عادت واشترطت السفارة هناك اشترطت عودة هؤلاء الطلبة فوجدنا أنفسنا أسماءنا مشطوبة ومطلوب منا شحننا لإعادتنا من جديد فصارت الشرطة تبحث عنا لتسليمنا للسفارة وعدد من زملائنا فعلاً سلموا ورجعوا إلى البلد.

سامي كليب: وأيضاً تأثرت بأفكار الإخوان المسلمين على ما يبدو؟

التشكيك في الأفكار الناصرية وتبني التيار الإسلامي



راشد الغنوشي: على كل حال عندما ذهبت إلى سوريا كان الجو مازال فيه فسحة في سويا يعني البعث لم يكن قد أحكم قبضته على السلطة يعني كانت مرحلة انتقالية ولذلك الجامعة كان فيها كل التيارات بما فيها التيار الإسلامي والتيار القومي، أنا أتبعت في سوريا تأثري بالتيار القومي فانتميت للاتحاد الاشتراكي يعني وقد كان يعني يناضل من أجل عودة الوحدة فكان عندنا صراع نحن الناصريين في ذلك الوقت صراع مع البعثيين في موضوع الوحدة أساساً يعني.

سامي كليب: يعني فقط للتذكير أنك كنت في سوريا بين 1964 و1968.

راشد الغنوشي: بين 1964 و1968 فالسنتين الأوليتين يعني أنا قضيتهم مع التيار..

سامي كليب: الناصري.

راشد الغنوشي: في التيار الناصري بل عضواً ورئيساً لخلية في الاتحاد الاشتراكي والتقيت أنا..

سامي كليب: رغم أنك كنت مطرود من مصر الناصرية.

راشد الغنوشي: بالرغم إن أنا كنت مطرود من مصر الناصرية ولكن ذلك لما يؤثر في توجهي العام يعني عبد الناصر كان بالنسبة لي من المقدسات التي لا أتحمل فيها يعني أي نقد أو أي نيل، المهم إنه من خلال الحوارات التي دارت في الجامعة وقد كانت حوارات ساخنة بين التيار الإسلامي والتيار القومي يعني استقرت في نفسي قناعة أن البضاعة القومية التي يحملها بضاعة غير ذات عمق عمقها محدود مجرد شعارات يعني هل الأولوية للوحدة والحرية والاشتراكية بحيث الشعارات التي بين التيارين القومي والناصري نفس الشعارات مع اختلافها في الترتيب وبحكم الدراسة الفلسفية التي بدأتها يعني أخذنا نتجاوز موضوع الشعارات ونتعمق فيها فتبينا إنه هذه الشعارات ليس تحتها شيء كثير.

سامي كليب: قرأت انك لم تنتمي إلى الإخوان المسلمين في سوريا.

راشد الغنوشي: لا لم أنتمي لم انتمي انتميت للتيار الإسلامي..

سامي كليب: التيار بشكل عام.

راشد الغنوشي: للفكرة الإسلامي يعني لم انتمي لأي تيار إسلامي وإنما للفكرة الإسلامية..

سامي كليب: لماذا لم تنتمي؟

راشد الغنوشي: يعني لأنه لسبب أساسي هو تقديري أنه أنا عائد إلى بلدي ولا أريد أن أعود إلى بلدي بالتزام سياسي محدد نعم عائد بالتزامي الإسلامي ولكن ليس بتنظيم بالانتماء لتنظيم محدد.

سامي كليب: ولكنك كنت في تنظيم الاتحاد الاشتراكي؟

راشد الغنوشي: لا هذا خرجت منه يعني هذا خرجت منه خرجت من التيار أنا..

سامي كليب: قلت أنه لم تشأ الانتماء إلى تنظيم إسلامي ولكن كنت قبله في تنظيم آخر؟

راشد الغنوشي: هذا كان في مرحلة سابقة يعني حكمتها في تقديري حكمها الحماس والاندفاع بينما وصل الإنسان بعد ذلك إلى قدر من النضج يميز بين الفكرة وبين التنظيم فأنا انتميت للفكرة الإسلامية ولكن لم انتمي لأي تنظيم تقديراً من أنه أنا عائد إلى البلد وهناك آراء ماذا يوجد هل يوجد تنظيم إسلامي فأنتمي إليه؟ إذا لم يوجد تنظيم إسلامي سأتفق سأرى مع من ننظم أنفسنا بدون أن أدخل البلد بمقررات تنظيمية سابقة يعني.

سامي كليب: الغريب إنه بين أول وصول إلى مصر ثم الذهاب إلى سوريا فالخروج من سوريا والعودة إلى سوريا بين الخروج من سوريا والعودة إليها مرة ثانية قمت بجولة كرحالة إلى الكثير من الدول الأوروبية تحديداً وعملت في مختلف الوظائف يعني من جلي الصحون إلى حتى الحراسة، لم تنجح في الحراسة لفترة معينة إلى بيع أشياء معينة وخضار إلى قطف العنب.

راشد الغنوشي: إلى توزيع (Posters) يعني أوراق الدعاية..

سامي كليب: إلى توزيع لدعايات البوسترت الداعية وغير ذلك ولكن الذي لفت نظري إنه باريس كانت الأصعب بالنسبة إليك وتقول هذه الجملة في الواقع..

راشد الغنوشي: هو ليس خلال الجولة باريس كانت خلال مرحلة بعد سوريا.

سامي كليب: بعد سوريا المرة الثانية؟

راشد الغنوشي: بعد سوريا وأردت الدراسة هناك يعني بقيت سنة للدراسة.

سامي كليب: تقول في باريس إن الجو الجنس الإباحي كان يشكل كل الضغط النفسي الكبير على طالب في مقتبل العمر مثلي وكنت كأنني قلعة تكاد الريح تجتاحها من كل مكان، كنت شديد الخوف من السقوط، طيب آنذاك لم تكن انتميت بعد للحركة الإسلامية بشكل عميق لم تكن تبنيت الفكرة الإسلامية أو الإيديولوجية ما الذي كان يمنع شاب مثلك من التمتع بمباهج الحياة؟

راشد الغنوشي: لا الحركة الإسلامية ليس هي التي تمنع الإنسان من الوقوع في المعاصي وإنما التزامه الديني..

سامي كليب: عند العاقل يعني.

راشد الغنوشي: فأنا عندما انتقلت أنا أعتبر نفسي أنه يوم 15 (June) 1966 صفحة جديدة في حياتي انتقلت فيها من الحياة من الفكرة العلمانية تستطيع أن تقول..

سامي كليب: إلى الصلاة.

"
يوم 15 يونيو/حزيران 1966 كان يوما فارقا في حياتي حيث تحولت من الفكرة العلمانية إلى الالتزام الإسلامي
"
راشد الغنوشي: إلى الالتزام الإسلامي الكامل الالتزام بالإسلام إلى أنه عقيدة وعبادة وأخلاق ومنهج حياة شامل وليس مجرد يعني جزء من حياة الإنسان فعند إذاً يعني أنا اعتبرت أن ممارسة من هذا القبيل ممارسة جنسية تخرج عن الإطار الإسلامي يعني انهيار سقوط بالنسبة لي.

سامي كليب: رغم إنك تسكن في بيوت الشباب وهناك حولك يعني جو كان مؤتي لكل..

راشد الغنوشي: ما هو لم يكن هناك جو إسلامي الآن باريس فيها جو إسلامي نحن في ذلك الوقت عملت مع مجموعة صغيرة اسمها جماعة التبليغ مثلت لي نوع من الحماية يعني مجموعة صغيرة من الناس العمال البسطاء.

سامي كليب: الغريب الشيخ راشد الغنوشي إنه في البداية لم تتأثر بكاتب محدد عربي مسلم وإنما ذهب تأثرك أكثر باتجاه محمد إقبال الفيلسوف والكاتب الهندي تأثرت به في البداية أكثر من غيره ما الذي دفعك نحوه أكثر من غيره؟

راشد الغنوشي: ربما عمقه الفلسفي يعني وشاعريته وجمع محمد إقبال بين العمق الفلسفي بين الشاعرية بين الإطلاع الواسع عن العالم الحديث، مناقشته للفلاسفة الغربيين الكبار وهذا البعد ضامر أو محدود في كثير من حقول الفكر الإسلامي الحديث.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: إلى قراءتك لمحمد لإقبال قرأت أيضاً للمودوي وسيد قطب ومحمد قطب وحسن البنا والسباعي وبن تيمية والغزالي ومالك بالنبي وترجمت كتاب مالك بالنبي في السجن على ما يبدو أيضاً تأثرت بأحمد..

راشد الغنوشي: عندي كتيب حول الإسلام والديمقراطية.

سامي كليب: صحيح حتى بأحمد أمين أيضاً قرأت له وتأثرت به، وضعت أطروحة حول ابن تيميه ولكن بعد الهزيمة العربية عام 1967 كنت أيضاً في سوريا آن ذاك وكنت بدأت أيضاً متأخراً بكل هذه الأفكار حاولت أن تقاتل لنصرة العرب ونصرة فلسطين أعطوك بندقية يوغسلافية غير صالحة للاستخدام كيف كان شعوركم؟

راشد الغنوشي: لا هي صالحة ولكن بسيطة يعني أمام النيران التي كانت تزلزل أجوادي مش كانت هذه البندقية في أيدينا نحن الطلبة الجامعة يعني كانت لعبة أطفال يعني ما كنا قادرين أن نفعل شيء ولكن إحنا خرجنا في مظاهرة على كل حال من أجل الحصول على هذه البندقية البسيطة، خرجنا في الجامعة في مظاهرة نطالب بحمل السلاح حتى ندافع عن البلد الذي آوانا وندافع عن فلسطين.

الاتجاه الإسلامي والصدام مع المشروع التغريبي



سامي كليب:لا يحتفظ الشيخ راشد الغنوشي بشيء من صور رحلاته إلى أوروبا فأرشيفه وصوره ووثائقه ضاعت في الجزائر التي كان لجأ إليها في بداية التسعينات دعما للجبهة الإسلامية للإنقاذ وحين اُسقِط بيدي الشيخين عباس مدني وعلي بن حاج أضطر إلى الرحيل مجددا، من غربته الطوعية إلى عدد من الدول الغربية والعربية عاد راشد الغنوشي إلى وطنه تونس في نهاية الستينيات ليساهم في تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي وهو يحتفظ هنا في لندن بصورة نادرة لأول مؤتمر صحفي لهذه الحركة.

راشد الغنوشي: أعلنا في هذه الندوة عن بيان اشتهر بعد ذلك باسم بيان حركة الاتجاه الإسلامي حددنا فيه مبادئ من قضايا مهمة في ذلك الوقت أننا تبنينا الديمقراطية تبنيا كاملا بدون تحفظ ورفضنا للعنف رفضا كاملا وقبولنا بالاحتكام لصناديق الاقتراع بدون تحفظ على أحد حتى أن سألنا الصحف في ذلك الوقت لو أن صناديق الاقتراع أفرزت فوز الحزب الشيوعي اللي هو النقيض العقائدي لكم ماذا تفعلون؟ قلنا ليس أمامنا إلا أن نحترم إرادة الشعب وليس شيء غير ذلك رغم أنه حُمِل علينا إسلاميا لهذا الجواب ولكننا ظللنا مصرين عليه على اعتبار أن تونس ملك لكل أبنائها دون إقصاء ودون استثناء.

سامي كليب: كان الشيخ راشد الغنوشي يحدثني عن الحركة وعن أحلام شبابه وكأنه لا يزال في العشرين من عمره فالأحلام تحطمت على صخرة الصراعات وربما وحدها زوجته التي ترافقه في منفاه اللندني والتي أعدت لنا الأطباق التونسية التي تعيدها ولو بالذكرى إلى الوطن الأم تعرف أن هذه الأحلام قد لا ترى النور، كانت تونس غداة تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي في قبضة رجل واحد هو الحبيب بورقيبة سرعان ما وقع التنافر ثم الخصام بين راشد الغنوشي الشاب المسلم والقومي العربي وبين الرئيس الذي نسف كل الأحوال الشخصية في بلاده بغية تحرير المجتمع وتعزيز دور المرأة وتقليص نفوذ الإسلام السياسي وتغريب الوجه الثقافي لتونس، وقعت المواجهة بين بورقيبة والغنوشي.

"
بورقيبة كان ملحدا همش الإسلام واعتبره عقبة في طريق تقدم تونس وتحضرها. أما دولة بورقيبة فهي دولة تسلطية ومركزية الرئيس فيها هو مركز كل شيء
"
راشد الغنوشي: نستطيع أن نذكر سببيين؛ سبب يخص الإسلاميين وسبب سياسي، السبب الثاني السبب السياسي ليس خاصا بالإسلاميين فدولة بورقيبة دولة تسلطية يعني دولة مركزية الرئيس فيها يعني هو مركز الكون هو مركز الدولة هو الدولة والباقي كله يعني ليس إلا أشكالا وهياكل فارغة الحزب ومجلس الوزراء وكل هذه هياكل فارغة، مركز العالم مركز الدولة هو الرئيس والرئيس له مشروع يحمل مشروع تغريبي فالناس تصادموا الصدام في تونس كان أحيانا مع المشروع وأحيانا كان مع الشخص فنحن صدامنا كان أعتى لأنه كان مع المشروع ومع الشخص نفسه يعني نحن صدامنا في الأول بدا مع المشروع، المشروع التغريبي بورقيبة ربط تونس بالغرب، نحن مشروعنا إعادة تونس إلى سياقها العربي الإسلامي جزءا من الوطن العربي وجزء من الوطن الإسلامي، بورقيبة همش الإسلام اعتبر أن الإسلام عقبة في طريق تقدم تونس وتحضرها وأن تصبح جزء من العالم الحديث فالإسلام عقبة في نظره ولذلك أنا أستغرب من بعض الناس الذين أرادوا أن يعيدوا تسويق بورقيبة للشعب التونسي والعالم على أنه مجتهد بينما بورقيبة ملحد معروف يعني حتى محمد بنزالي يشهد بذلك، البحث التاريخي يشهد بذلك أن بورقيبة لم يكن مؤمنا بالإسلام أصلا بل كان يعتبره عقبة وهذه العقبة يتم تجاوزها بطريقة إما بالحيلة باسم الاجتهاد بهذا ندعو الناس للإفطار في رمضان لأنه الشعب التونسي في حالة جهاد ضد التخلف يجوز له أن ينتهك حرمة رمضان يعني الاجتهاد من هذا القبيل يعني إما بهذا الضرب من الحيلة أو بالإزاحة السافرة جملة، بورقيبة سخر من الجنة والنار وسخر من القرآن واعتبر أن القرآن متناقض وسخر من القصص الواردة في القرآن وهذا لا يمكن أن يفعله مسلم أصلا يعني حتى مسلم فاسق لا يفعل هذا بحيث نحن بورقيبة اطمئن إلى أن مستوى التحديث في تونس ولك أن تقول التغريب مستوى التحديث بلغ درجة ألا عودة.

سامي كليب: طيب شيخ راشد الغنوشي يعني حضرتك تصف الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الرئيس التونسي بأنه كان ملحد وبعرفك الملحد ينبغي قطع رأسه.

راشد الغنوشي: لا هو المشكلة ليس أنه ملحد لو كان ملحد إلحاده لنفسه يعني نحن لسنا محكمة تفتيش نفتش في قلوب الناس هذا مؤمن وهذا ملحد لكن المشكلة هو..

سامي كليب: هل حضرتك كزعيم حركة الإسلامية اسمحي لي هل حضرتك كزعيم حركة إسلامية تقبل بأن يكون رئيس دولتك ملحدا؟

راشد الغنوشي: لا أريد أن يكون ملحدا لا أريد أن يكون في تونس ملحدا، لا أتمنى أن يكون في العالم كله ملحدا ولكن الإلحاد قائم ليس بإرادتي أنا ولكن بإرادة الله سبحانه وتعالى اللي خلق الناس أحرار وبالتالي فمنهم مؤمن ومنهم كافر فلا يستطيع أحد أن يصادر هذه الحرية التي أعطاها ربنا حرية الإنسان أن يكفر، حرية الكفر متوفرة في الإسلام ولذلك أنا لا أستطيع أمنعها ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة لو ربنا أراد لجعل الناس كلهم مستقيمين.

سامي كليب: طيب أنا أسألك شيخ راشد إن بعض الكتاب عاب عليك في بعض ما كتبت حضرتك إنه حللت استخدام السيف لقطع رؤوس الحكام غير المنتمين إلى الدين الإسلامي أو المتبنيين الشريعة الإسلامية أو المتبنيين المفاهيم الإسلامية ويستندون إلى كتابتك إلى كتبك أنه تقول حتى إنه يجب عدم الاستناد إلى الآيات التي لا تكفر الحاكم وإنما كانت لها ظروفها يجب الاستناد إلى حقيقة مفهومها آنذاك ما يعني أنك تؤيد ضرب الحاكم أو الانقلاب عليه أو قطع رأسه وما إلى ذلك؟

راشد الغنوشي: هذا ليس صحيح، مشكلنا مع الحاكم الأساسي ليس أنه ملحد لأنه نحن نعيش الآن التجائنا إلى حكومات علمانية أو ملحدة مشكلنا ليس هو، نحن لا نتمنى أن يكون حاكمنا ملحدا لا شك ولا نتمنى أن يوجد ملحد في العالم أصلا، نتمنى للناس الإيمان ولكن الإلحاد أمر قائم، المشكلة ليس في أن بورقيبة كان ملحدا مشكلنا أن بورقيبة كان يريد أن يفرض إلحاده على الشعب.

سامي كليب:طب اسمح لي شيخ راشد إما حضرتك نسيت ما كتبت أو أنك تغيرت الآن أو غيرت مفاهيمك..

راشد الغنوشي: لا ذكرني بما كتبت.

سامي كليب: يعني في كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية تقول ليس رائدنا في الدولة الإسلامية لذة معرفية بل ثورة إسلامية تقتلع الطواغيت والتبعية من أرض الله لأن الطواغيت هم الحكام..

راشد الغنوشي: أنت تريد أن يبقوا الطواغيت في مكانهم؟

سامي كليب: لا إذا حضرتك كنت تنوي قلب النظام..

راشد الغنوشي: أنت مشترك معي في أنه اقتلاع الطواغيت هذا هدف كل..

سامي كليب: أنا مع حرية الإنسان.

راشد الغنوشي: هدف كل إنسان حر في العالم ألا يبقى هناك طواغيت لكن هل في النص هذا أنه أنا يعني سأمارس الانقلاب عليهم سأمارس أسلوب الانقلاب؟

سامي كليب: نعم في هذه الجملة وجمل أخرى هناك دعوى للانقلاب..

راشد الغنوشي: هل فيها أني سأمارس أسلوب الاغتيال؟

سامي كليب: بس حاولتم اغتياله في إحدى ليالي عيد ميلاده.

راشد الغنوشي: لم يحصل إطلاقا هذا.

دور بن علي في تصفية الحركة بتونس



سامي كليب: شيخ راشد السؤال محدد يعني واليوم مر تاريخ طويل على الموضوع في ليلة عيد ميلاد الرئيس بورقيبة حصلت انفجارات في عدة مناطق في تونس واُتهِم التيار الإسلامي بأنه هو الذي وقف وراءه حتى الآن لم تنجلي حقيقة ما حصل، كنتم الأخصام الوحيدين إذا صح التعبير لهذا النظام يعني هل اليوم تُبرِئ الحركة هل يمكن أن تبرأ الحركة أم تقول أن هذا الأمر كان مبررا آنذاك حتى ولو أن حضرتك لم تعطي الأمر ربما لذلك؟

راشد الغنوشي: لا أنا لم أعتبر الأمر مبررا رغم أننا مظلومون ومعتدى علينا ولكن لم نبرر لم نعط لأنفسنا الحق يوما في أن نرد على عنف الدولة بعنف مماثل، ما فيش بوليس في العالم يستطيع أن يقول والله أنا وصلت من الإحكام وصلت أجهزتي من الإحكام أن تمنع حادثة عنف، ال(FBI) ما قدرش البوليس الأميركي ما قدرش يجنب 11 سبتمبر وغيره.

سامي كليب: يعني بالمختصر لو شئت حضرتك أو حركة النهضة أن تقوم بأعمال العنف كنتم قادرين على ذلك؟

راشد الغنوشي: نحن لا نفكر في هذا.

سامي كليب: لو شئت تقول إن لا أحد يمنع.

راشد الغنوشي: لا نفكر في هذا ولكن ممارسة العنف ليست أمرا عبقريا هو أمر غشيم أصلا هو غشيم لا تقدم عليه حركة عاقلة.

سامي كليب: اسمح لي شيخ راشد يعني سنعود إلى التجربة مع الرئيس زين العابدين بن علي ولكن فقط للعودة إلى ما حصل مع الرئيس الحبيب بورقيبة بعد هذه التفجيرات طبعا حصلت محاكمات ويروي الزميل والكاتب الصحافي صافي السعيد في كتابه القيم في الواقع بورقيبة سيرة شهه محرمة ما يلي؛ يقول إن بورقيبة ظل مصرا على قطع بعض الرؤوس لتجفيف منابع الخطر الإسلامي وفي السابع والعشرين من آب أغسطس من العام 1987 رغم أنك كنت سُجِنت قبل ذلك طبعا مرة أو مرتين يقول إنه في هذا التاريخ فُتِحت محكمة أمن الدولة وفتحت أبوابها لاستقبال تسعين متهما بقلب نظام الحكم والتعاون مع دولة أجنبية هي إيران، هرب البعض من السجن وصدرت أحكام قاسية وكان نصيب الغنوشي الأشغال الشاقة مدى الحياة ومع ذلك فبورقيبة لم يكن راضيا عن تلك الأحكام، كان يتمنى رؤية جثة الغنوشي تتدلى ما الذي منعه من أن يقتلك بورقيبة هل فعلا الرئيس زين عابدين بن علي؟

راشد الغنوشي: قدر الله الأجل ما حضرش بينما بورقيبة عمل كل شيء لأن يرى فعلا هذا المشهد وهو رجل دموي فكان يسر جدا أن يرى أعدائه تدحرج رؤوسهم بين قدميه.

سامي كليب: شيخ راشد الغنوشي وددت فقط أن أسألك يعني وأمل أن يكون الجواب يعني بقدر معلوماتك بالضبط هل لعب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي حين كان رئيسا للوزراء في خلال محاكمتكم في عهد الرئيس الراحل حميد بورقيبة هل لعب دورا لمساعدتكم في السجن أو في تهريب بعض عناصر ناهضة من السجن أو في التخفيف من المحاكمات والأحكام؟

راشد الغنوشي: لا علم لي بذلك لا أعلم شيئا من ذلك، كان وزيرا للداخلية وكان يقود المعركة مع الاتجاه الإسلامي في الشارع وفي غياهب بالمعتقلات والتعذيب كان يجري على قدم وساق وعشرات قُتِلوا تحت التعذيب ورميا بالرصاص في الشوارع فما سمعت أنا بأنه قام بمثل هذا الدور يعني.

سامي كليب: وكنت تعلم بأنه يقمع التيار الإسلامي آنذاك؟

راشد الغنوشي: الجميع يعلمون يعني هذا مش اكتشاف يعني هو وزير الداخلية.

سامي كليب: طيب إذاً لماذا حين وصل إلى السلطة؟

راشد الغنوشي: كان ينفذ تستطيع تقول ينفذ في إرادة بورقيبة الذي في خطاب عام في اللجنة المركزية قال يريد أن يخرج من تونس وليس فيها خوانجي واحد خوانجي بالتعبير التونسي يعني صيغة تركية هذه يعني ينتمي..

سامي كليب: للتيار الإسلامي.

راشد الغنوشي: للتيار الإسلامي فهو نظر نفسه بأنه رسالته أن يخرج من تونس وليس فيها خوانجي.

سامي كليب: مين بن علي؟

راشد الغنوشي: لا بورقيبة وكان الذي يقوم على التنفيذ وزارة الداخلية تقوم على التنفيذ هذا يعني..

سامي كليب: طيب كنت تعلم..

راشد الغنوشي: وكل مؤسسات الدولة ليست وزارة الداخلية فقط.

سامي كليب: عال لنسلم جدلا إنه فعلا كان يقوم بذلك بن علي ولكن حين وصل إلى السلطة عام 1987 طبعا حاول الانفتاح عليكم وتغير اسم التيار إلى اسم حركة النهضة القائم حتى اليوم حتى لو كانت الحركة محظورة وكان سبب خروجك من السجن أيضا هو بقرار منه.

راشد الغنوشي: ومع ذلك إحنا ما اعتبرنا لأنه ما كانش هو المسؤول عن قرار الدولة المسؤول كان بورقيبة ولذلك لما أزاح بورقيبة نحن شكرنا له هذا..

سامي كليب: لا بل وامتدحته أيضا امتدحته بشكل شخصي يعني.

راشد الغنوشي: أينعم نحن شكرنا له هذا العمل وقلنا له إذا كنت تعني ما تقول من أنك أتيت لإنقاذ تونس وأن تونس تأهلت لحياة ديمقراطية حقيقية فنحن لن تجدنا إلا مساعدين وجنودا وأعوانا ولن تجدنا يعني في معارضة هذا المشروع لأنه هذا مشروعنا نحن ومشروع كل المعارضة وكل الاتجاهات السياسية من اليوسفيين إلى النقابيين إلى اليساريين إلى الديمقراطيين إلى الإسلاميين كلهم عملوا في هذا الاتجاه فإذا أنت جئت فعلا لتحقق هذا فستجدنا أعوانا لك.

سامي كليب: طيب وصل بك الأمر شيخ راشد إلى حد القول إنه الرئيس بن علي فرصة لتونس يعني وفرصة لكم أيضا.

راشد الغنوشي: أينعم كل المعارضة تقريبا أيدت بيان 7 نوفمبر لأنه تضمن مطالبها.

سامي كليب: الرئيس زين العابدين بن علي سعى في بداية عهده للانفتاح على الإسلاميين، أطلق الكثير من سجنائهم وغض الطرف عن عملهم لكن الصِدام كان منتظرا وطبيعيا بين رجل قادم من المؤسسة العسكرية ووزارة الداخلية وراغب في فرض عهد جديد بعد رئيس قوي ومحبوب شعبيا بالرغم من الخضات وبين رجل اعتقد بأن الفرصة باتت مأتية لفرض الإسلام السياسي وربما للمشاركة في السلطة، وقع الانفصام والخصام أعلنت السلطات التونسية اعتقال عناصر إسلامية نهضوية متهمة بمحاولة اغتيال بن علي بصواريخ ستينجر واحتار الغنوشي أين يذهب فاختار الرحيل إلى الجزائر.

راشد الغنوشي: نحن لم نكن نحن المصادمين نحن وقع علينا الصدام ولذلك ينبغي السؤال أن يُوجَه إلى الطرف الذي الطرف الآخر الذي قاد هذا الصدام لماذا حركة أعلنت عن تأييدها لهذا المشروع رغم أن الرجل الذي يقود الدولة الآن بالأمس كان هو الذي يقود قمع الحركة الإسلامية؟ لكن على كل حال إحنا اعتبرنا أنه هذه صفحة جديدة وذاك دور وهذا دور ومع ذلك سياق نحن دخلنا في حوار مع السلطة وتلقينا وعدا مباشرا بأنه سيُعترَف بنا ووعدنا نحن من جهتنا بأننا نحن سنهدئ الأوضاع وبأننا يعني سنعمل على تحقيق السلم الاجتماعي في البلد وهو شرط لنموها ولكن فوجئنا بعد ذلك أن المطالب التي وُعِدنا بها مثلا عودة المساجين إلى الخارجين من السجن عودتهم إلى وظائفهم لم يتم شيئا من ذلك، لم يتم الاعتراف بالنهضة، الملاحقة الأمنية استمرت للأخوة.

سامي كليب: حصل حوارات بينك وبينه..

راشد الغنوشي: حصل..

سامي كليب: الرئيس بن علي آنذاك مباشرة؟

راشد الغنوشي: حصل نعم.

سامي كليب: ماذا كان يقول لك؟

راشد الغنوشي: هذا الذي ذكرته لك.

سامي كليب: كنا نواصل الحديث عن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي لما حان موعد صلاة العصر والشيخ راشد الغنوشي الذي تعلم أصول القرآن على والده وفي المدارس القرآنية وراشد الغنوشي الذي تأثر بكبار المفكرين الإسلاميين لا يزال حتى اليوم ورغم سنوات منافية الطويلة يحلم بأن يرجع يوما ما إلى تونس لإحياء حركة النهضة التي نجح الرئيس بن علي وإلى حد كبير في تهميش دورها حتى ولو أن ضيفنا لا يزال مقتنعا بالعكس.

راشد الغنوشي: الحكم الحاسم هو الانتخابات يعني لا تقع انتخابات وتشارك فيها النهضة ذلك هو الذي يثبت نهائيا بأنه هل بقي شيء اسمه النهضة أو لم تبقى، أنا معتقد بأن الاضطهاد لا يلغي الحركات وإنما يؤصلها، قد يحرفها عن مسارها ونحن والحمد لله لم ننحرف عن مسارنا بل صمدنا كما ذكرت لك لم ينجحوا في جرنا إلى العنف.

سامي كليب: اسمح لي شيخ راشد الغنوشي بطرح بعض الأسئلة المباشرة مع أجوبة سريعة لو سمحت، هل تريد الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي؟

"
أنا أريد الإطاحة بنظام الاستبداد واحتكار السلطة وتكميم الأفواه، وليست لدي أية مشكلة شخصية مع الرئيس بن علي
"
راشد الغنوشي: والله أنا أريد الإطاحة بالاستبداد يعني ما عنديش مشكل شخصي مع الرئيس بن علي ولا مع بورقيبة ما عنديش مشكل شخصي، أصلا أنا ماني مرشح نفسي لأن أكون بديلا عن أحد ولا النهضة مرشحة نفسها لتكون بديلا، كل قضيتنا نحن إنه بلادنا يعني تحكم بحكم معقول، أنا أريد الإطاحة بالاستبداد نظام الاستبداد واحتكار السلطة وتكميم الأفواه أما ما عنديش مشكل شخصي مع بن علي.

سامي كليب: هل تود إقامة دولة إسلامية في تونس؟

راشد الغنوشي: بالتأكيد أريد إقامة الدولة الإسلامية يعني في المدى كأمل كل مسلم يريد للإسلام أن يحكم، لا يكون الإنسان مسلم إذا لم يرد لعقيدته أن تحكم.

سامي كليب: في حال قامت الدولة الإسلامية كما تتمنى وترغب هل ستترك الحريات كما هي في تونس يعني طبعا أنا كتونسي لو كنت تونسي هل كنت سأسأل هل أستطيع مثلا الذهاب مع صديقتي إلى البحر هل أستطيع أن أذهب إلى نادي ليلي مثلا هل ستسمح هل ستبقي على كل هذه الأشياء القائمة حاليا في تونس؟

راشد الغنوشي: الإسلام كل الخير الإسلام يدعمه ويزكيه ويوسعه فالحريات لن تنتقص في دولة ديمقراطية ولا في دولة إسلامية والأشكال المطبقة لأحكام الإسلام في بعض المواطن حيث يُحَد من الحرية هذه هي أشكال مسيئة للإسلام.

سامي كليب: في مكتبة الشيخ راشد الغنوشي كُتب كثيرة عن الإسلام ولكن فيها أيضا كتب أكثر عن القومية وعن الوحدة العربيتين وإذا كانت هاتان الصورتان يوحيان بأنه يركض دائما إلى الأمام فإن تجربة الغربة علمت هذا الشيخ الستيني أنه ربما حان وقت توقف الركض قليلا لإجراء مراجعة نقدية جدية للتجربة الإسلامية.

راشد الغنوشي: أنا أدعو اليوم مثلا إلى أنه الحركة الإسلامية تتبنى مشروع الوحدة العربية لأنه مشروع الوحدة العربية هو المشروع الواقعي، المشروع الوحدة الإسلامية الآن مشروع غير واقعي وأنه أن تتوحد القوميات الإسلامية القوميات في داخل الإسلام موحدة كل قومية داخلها ما عدا القومية العربية غير موحدة يعني هناك من يتكلم باسم القومية التركية ومن يتكلم باسم القومية الباكستانية أو الهندية يعني العنصر الهندي وهناك الملاويين أيضا ماليزيا وإندونيسيا لكن القومية العربية هي اللي ممزقة وحدها إلى 22 دولة فبدل أنه نحن نطمح إلى توحيد كل القوميات هذه فالمشروع العملي الآن المتاح هو أن نوحد القومية العربية نوحد العرب وهذا أمر ممكن ولذلك أنا أدعو في الوسط الإسلامي إلى أن تتبنى الحركة الإسلامية مشروع الوحدة العربية، هذا المشروع الذي بدأ بعض العروبيين يتخلون عنه أرى بأنه هو المشروع الواقعي للحركة الإسلامية ولذلك أنا كنت من المؤسسين المتحمسين للحوار القومي الإسلامي الذي أنتج بعد ذلك مؤسسة المؤتمر القومي الإسلامي.

سامي كليب: كان الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإسلامية المحظورة في تونس يخبرني ونحن نسير بسيارته بين المعالم الديمقراطية والتاريخية للندن كان يخبرني بأمل يوجد ربما ببعض القلق عن أن رياحا للتغيير سوف تعصف بالدول العربية فهو قلق من أميركا بقدر قناعته بأن وجودها في المنطقة سيحدث انقلابا، كان المساء يخيم على الضاحية الغربية للندن حيث يقطن زعيم الحركة الإسلامية التونسية منفيا وسألته قبل أن أودعه كيف يعيش هنا وهل يأمل فعلا بالعودة يوما ما إلى بلاده إلى تونس؟

راشد الغنوشي: أنا متفرغ على حساب الحركة يعني ومتفرغ منذ نهاية السبعينات.

سامي كليب: طيب والحركة من أين لها الأموال؟

راشد الغنوشي: كل عضو في الحركة يدفع 5% يعني اشتراكه يعني مش من مرتبه من كل دخله وقد يُوظَف أكثر من ذلك نصف مرتب في السنة بالإضافة إلى ذلك وهذا نصرف منه على الجهاز جهاز الحركة يعني عندنا مقر وعندنا متفرغين في أكثر من مكان يعني.

سامي كليب: إلى ما تشتاق أكثر شيء في تونس وأنت في بريطانيا؟

راشد الغنوشي: والله أشتاق إلى مسقط رأسي.