- بين الأدب والسياسة والقانون
- وزير بدرجة مثقف عالمي

- فجيعة اغتيال الصديق الحريري

- اللقاء الأخير مع الحريري



سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، حين كان ضيفنا يرافق والده إلى المدرسة حينا وإلى المزرعة حينا آخر لم يكن يحلم ربما بأن يصبح يوما ما وزيرا وأن تصبح مؤلفاته مرجعا لكبار ساسة العالم ولكن حين كاد يُقتل في مقر الأمم المتحدة في بغداد لعله فكر لو أنه لم يعمل في السياسة كان أفضل له ولعائلته، سيرة حياةٍ وفكرٍ وثقافة يرويها لنا وزير الثقافة اللبناني السابق والمستشار الدولي الدكتور غسان سلامة.

غسان سلامة – وزير الثقافة اللبناني السابق: عندما تركت بيروت كنت أضُب حقائبي وبفكرتي الغياب لفترة سنوات.. ثلاث أو أربع سنوات وأبلغت الجامعة أني عائد إليها ولكن بعد يوم من ذلك اتصل كوفي أنان وقال لي لماذا لا تذهب إلى العراق؟ فتغيرت المسيرة بعض الشيء وتأخرت عودتي للجامعة، هذا لا يعني أنني بعيد عن لبنان وأنني لست مهتما بتطور الأمور في لبنان وأنني في ظروف مناسبة قد أعود إلى لبنان.

بين الأدب والسياسة والقانون

سامي كليب: من بيروت وزيرا للثقافة إلى العراق مبعوثا دوليا إلى الأمم المتحدة مستشارا رفيعا ثم إلى الجامعة الفرنسية أستاذا تتعدد المقاصد ويشد غسان سلامة في كل مرة رحاله فيقترب من السياسة تارة ثم يبتعد عنها ويعود إلى زوجته الشرعية كما يسميها أي الجامعة، ابن قرية كفر دبيان اللبنانية الوادعة المولود عام 1951 وابن أستاذ المدرسة المسيحي المتواضع الحال استطاع أن يحتل هذه المراتب السياسية المتقدمة ويتصدر أو يشارك في عشرات مراكز الأبحاث العالمية ويؤلف الكتب الهامة ثم ينكفئ إلى باريس التي لم يأخذ من إغرائها سوى العلم والثقافة والسياسة دون المُتع الأخرى، من باريس نهل غسان سلامة علما كثيرا في السياسة والأدب حيث نال شهادتي دكتوراه وشهادة ثالثة بالقانون وفيها ألف كتبا كثيرة عن السياسة والعالم والتحولات السياسية والفكرية الكبيرة وفي باريس تنعم بمناخ الحرية خصوصا حين كانت كتبه تُمنع في عدد من الدول العربية رغم صداقاته الواسعة مع الكثير من قادة العرب.

غسان سلامة: المجتمع والدولة في المشرق العربي بأعتقد مُنع في كل دول المشرق العربي نحو عقد اجتماعي جديد مُنع، ديمقراطية بلا ديمقراطيين مُنع في عدد من الدول العربية، المجتمع العربي ضعيف القراءة جدا وبالتالي حتى الكتب اللي بتنال شهرة كثير كبيرة وبتعتبر كتب شديدة النجاح موجهة للجمهور، أنا ما بأدعي أنه كتبي موجهة للجمهور، بس حتى الكتب الموجهة للجمهور نادرا ما تتجاوز بضعة آلاف بالمبيع.. يعني العالم العربي فوق المائتين مليون يعني بدك تحسب على الأقل بين الأميين وبين الأطفال وكذا بيظل فيه ستين.. سبعين مليون كسوق محتملة أنه يبيع كتاب ناجح بعدة آلاف لا.. معناتها فيه شيء غلط.

سامي كليب: غسان سلامة الذي يعيش مؤقتا في باريس أراده والده طبيبا لانعدام الأطباء في قريته كفر دبيان وهو يتذكر اليوم أن والده الذي كان يُعلِّم خمسة أيام في الأسبوع كأستاذ ثانوي يزرع في اليومين الأخيرين وفي الصيف كمزارع، أحب والده قرية كفر دبيان المشهورة بتفاحها وثلوجها وسياحتها التي جاءت متأخرة تماما كما أحب القرى الأخرى حيث بنى فيها مدارس عديدة واللافت أن غسان سلامة نفسه وحين أصبح وزيرا للثقافة عاد يهتم بالريف وبنى فيه مكتبات عديدة ولم يكن الأمر صدفة.

"
أحد الإنجازات القليلة التي حققتها هو تأسيس حوالي 30 مكتبة ريفية في كل أنحاء لبنان
"
غسان سلامة: أبي كان عنده شعور دائما أنه يجب أن لا تدفع الرغبة بالتعلم الموجودة عند العائلات اللبنانية إلى مزيد من الهجرة للمدينة، كان أمله أنه الناس تبقى بأراضيها وأنه تلاقى ها التوازن الحلو ياللي تمكن منه هو شخصيا أنه كان يُعلم وبعد ما تخلص المدرسة بالنهار أو بال(Week end) أو بالعُطَل المدرسية يروح يهتم بالبساتين، كان عنده فكرة أنه ها التوازن هاي إذا بيقدر يوزعه بيكون فكرة ممتازة لذلك بدون أي شك كان عندي رغبة أؤسس مكتبات في كل أنحاء الريف اللبناني وأنا فخور والحقيقة أنه من الإنجازات القليلة اللي قدرت أعملها أنه أسَّسْت حوالي ثلاثين مكتبة ريفية في كل أنحاء لبنان وأنه كان عندي أمل حتى أنه ما يبقى قرية في لبنان عدد سكانها تحت العشرة آلاف.. فوق العشرة آلاف نسمة ما يكون فيها مكتبة، بدون أي شك أنه هاي بإيحاء غير واعٍ من تجربة الوالد.

سامي كليب: ياريت كل وزراء الثقافة في العالم العربي بيعملوا مثلك على كل حال قليل منهم جاء من.. يعني تيار فكري أو حتى ثقافي مثلك ومن جانب التعليم لكي يهتم بهذا الجانب، حصلت على العديد من الشهادات، في الواقع يعني من يقرأ سيرتك سيلاحظ على الأقل ثلاث شهادات أساسية شهادة بالأدب، دبلوم دراسات معمقة بعلم القانون، دكتوراه في العلوم السياسية وقِسْ على ذلك.. يعني العديد من الشهادات الأخرى سوف نحاول أن نذكرها في خلال هذا الحديث، هل كان جمع الشهادات انتقام من تواضع العائلة؟

غسان سلامة: أكيد.. يعني كنا في حالة مالية كثير صعبة لأنه..

سامي كليب [مقاطعاً]: كيف كثير صعبة عندك أمثلة مثلا؟

غسان سلامة [متابعاً]: إيه طبعا.. الوالد يعني اضطر لبيع عدد من أراضيه.. يعني كانت النكتة بالبيت ونحن صغار أنه كل ما واحد منا أخذ شهادة بكالوريا كان تروح شقفة أرض لأنه طبعا القرية ما كان فيها تعليم..

سامي كليب: يعني حسب عدد شهاداتك روَّحت كل الأراضي..

غسان سلامة: وأخوتي كمان وأخوتي يعني الوالد كان عنده.. والوالدة كان عندهم هاجس فظيع بموضوع التعليم فما كان فيه شهادة بتكفي بنظرهم وكانوا هما مستعدين يضحُّوا يعني ضحُّوا بأملاكهم حتى نتعلم وكان فيه دائما نوع من مناكفة بين أبي وأعمامي أنه شو أحسن للأولاد؟ أعمامي كانوا يقولوا ما اشترى الأراضي ونورثهم أكبر عدد ممكن من الأراضي وربما ما كثير اهتموا بتعليم أولادهم، أبي وأمي كانوا طموحين بالجانب التعليمي فكانوا مستعدين يضحُّوا بأملاكهم، طيب إذا أهلك ضحُّوا بأملاكهم ليعلموك أنت ما فيك يعني ما فيك تخذلهم..

سامي كليب: مَن يقرأ سيرتك دكتور غسان سلامة يلاحظ أنه دائما هناك نزعة انفتاح.. يعني كنت المسيحي المنفتح على المسلم في لبنان، كنت المسيحي المنفتح أيضا على الفلسطيني رغم أنه كان فيه تيار كبير من المسيحيين في لبنان ضد أساسا هايدا يعني الوجود الفلسطيني بشكل عام وأيضا انفتاح على العالم العربي بشكل عام.. يعني نادرون هم الأساتذة الجامعيون أو المفكرون الذين انفتحوا بقدر انفتاحك ومعرفة دقيقة في بعض الدول العربية ولكن أود أن أسألك عن تأثيراتك السياسية في البداية.. يعني التي أدت إلى هذا الانفتاح يعني على الأقل عرفت هزيمة عام 1967 وغياب جمال عبد الناصر وكنت في عز الشباب، هل مثلا مثل هذه الأحداث أثَّرت عليك سياسيا؟

غسان سلامة: أكيد ولكن عقليا وليس عاطفيا، بالحقيقة كنت بعد.. الجو طبعا الجو العائلي والجو الاجتماعي اللي أنا كنت فيه بتلك المرحلة عم تحكي عن الستينيات ما كان جوا ناصريا ولا كان جوا عربيا ولا عروبيا.. يعني نحن عشنا مرحلة انتخابات 1968 مثلا في لبنان ياللي فاز فيها حلف.. يعني حلف مسيحي إلى حد كبير طائفي بالانتخابات بكل المناطق، كان هذا حدث سياسي بالنسبة للمحيط اللي أنا عايش فيه أكثر من مثلا هزيمة الـ1967 أكبر ولكن وقت اللي دخلت الجامعة يعني بدأ من سنة 1969 بلَّشت أهتم بيعني عقليا وعلميا بما هو حاصل من خلال قراءة كتب التاريخ، من خلال قراءة السياسة المعاصرة..

سامي كليب: يعني بتتذكر مثلا الكتب الأولى التي تأثرت بها أكثر من غيرها، هل كانت كتب مثلا مفكرين عرب مسلمين كبار مثلا؟

غسان سلامة: إيه طبعا..

سامي كليب: محمد عبده، سيد قطب..

غسان سلامة: لا.. بالحقيقة أكثر من أوائل الكتب اللي تأثرت بها هو كتاب ابن خلدون.. مقدمة ابن خلدون اللي صرت أقرأه ربما شي عشر مرات..

سامي كليب: والغريب أنه دائما تذكره..

غسان سلامة: آه لا.. يعني ما بدي أقول بأعرفه على الغايب بس بأقرأه باستمرار يعني أنا معجب جدا بشخصية عقل بهذه الواقعية وبهذا الحس العلمي وبهذه الروح الاختبارية بالقرن الرابع عشر مش طبيعي وضع ابن خلدون، لكن بالنسبة للقراءات بالحقيقة الوالد كان يهتم باللغة العربية، كان أستاذ لغة عربية لذلك فيك تعتبر أنه اهتمامي بالعرب والعروبة جاي من تعليم أبي للغة العربية ومن اهتمامه باللغة العربية وأول ما بلَّشت أشتغل أنا بالحقيقة اشتغلت فترة بالأخبار.. بأخبار التليفزيون اللبناني لما كان..

سامي كليب: صحيح، سنمر عليها بعد قليل..

غسان سلامة: فكان كل ليلة يعمل لي تليفون انتقادات على اللغة اللي كنت استعملها اللغة العربية ما كان فيه لغة جميلة كفاية بنظره.. أو دقيقة كفاية..

وزير بدرجة مثقف عالمي



سامي كليب: فقط للإشارة.. اسمح لي بالمقاطعة أنك تتقن خمس لغات تقريبا ثلاثة تُعلِّم بها الإنجليزية والفرنسية والعربية واللغة الإيطالية والإسبانية لغات إضافية.

"
لما انكسرت الفكرة العروبية بعد هزيمة 67 ظل عندي شعور بأن العروبة الثقافية حية ومستمرة
"
غسان سلامة: نعم وأيضا تعلمنا بالمدرسة اللاتيني واليوناني القديم ولكن إذا بدك مدخل على الفكرة العربية هو من خلال اللغة لذلك أقرأ شعر عربي كثير وكان فيه اهتمام باللغة بالبيت والوالد ما أسمانا إلا أسماء عربية ودخلت إذا بدك على الفكر السياسي العربي من خلال الفكر الثقافي العربي، لذلك وقت اللي انكسرت الفكرة العروبية بعد هزيمة الـ1967 وخصوصا بالسبعينات والثمانينات كان دائما عندي شعور أنا إنه حتى إذا انكسرت العروبة السياسية العروبة الثقافية حية ومستمرة وبعدي بأعتقد بها الشيء اليوم.

سامي كليب: عرفت أنه عام 1969 حضرتك اعتُقلت ليوم واحد لأنك كنت تريد إيصال الغذاء لفلسطينيين محاصرين في منطقة الحازمية في شرق بيروت، صحيح هذا الكلام؟

غسان سلامة: حضرتك مطَّلع كثير..

سامي كليب: جربنا.

غسان سلامة: لا صحيح، كنا فرقة متطوعين كان فيه خلاف وقتها أكيد بين الجيش وبين الفلسطينيين وكان فيه مستشفى اسمه مستشفي القدس موجود في منطقة محاصرة منطقة الحداد فانقطع عنه الأكل تماما فعلمت بالأمر وتطوعت لإيصال الأكل..

سامي كليب: تطوع إنساني أو سياسي؟

غسان سلامة: كان وقتها إنساني..

سامي كليب: إنساني.

غسان سلامة: إنساني.. على كل حال المجموعة اللي كانت عم متطوعة كانت مجموعة مش بس.. كانت مجموعة من المسيحيين.. من المسيحيين اللي ما كان بدهن الخلاف يصير بين اللبنانيين والفلسطينيين واللي كانوا عم بيشتغلوا على أساس إنساني واللي كانوا عم بيشتغلوا أيضا مع اللبنانيين..

سامي كليب: وعلى كل حال يجب أن لا ننسى أنه أيضا في القيادات الفلسطينية كان كثير مسيحيين..

غسان سلامة: إيه أكيد..

سامي كليب: يعني جورج حبش، وديع حداد أبرز الـ..

غسان سلامة: بس ما كان هذا العنصر هو الطاغي بس.. يعني هو بالحقيقة صار ها الشيء بالتعاون وقتها مع المطران غريغوار حداد ياللي هن اتصلوا فيه بأعتقد الدكتور فتحي عرفات اتصل فيه وقال له عندي مستشفى المرضى ما عم بيقدروا يأكلوا فيه بالمحل الفلاني هل فيه إمكانية.. فكنا بالحقيقة الطبخ يصير بمطرانية بيروت للروم الكاثوليك وأنا بسيارتي كنت أوصل الأكل للمرضى والجرحى، نعم..

سامي كليب: كان أول اتصال لك مع الجانب..

غسان سلامة: ما تعودنا هيك.. كان أول اتصال..

سامي كليب: مع الجانب الفلسطيني؟

غسان سلامة: كان أول اتصال وبأتذكر أول لقاء مع ياسر عرفات كمان من بعد ما خرجت من الاعتقال وخلصت المواجهة وقتها بالـ1969 استقبلني بصبرا بأعتقد وأعطني صورة القدس مع توقيعه.

سامي كليب: طب ليش اعتُقلت؟

غسان سلامة: لأنه يعني بالنسبة لناس يمكن أنت كنت عم تشتغل مع العدو وقتها مش.. بالـ1982 أعدنا هذه الأمور بس بقدر من الخبرة صار..

سامي كليب: طيب، اسمح لي قبل الوصول إلى عام 1982 عملت أيضا لفترة وجيزة في تليفزيون لبنان سبقتنا إلى المهنة يعني بفترة وصودِف أنه بهذه الفترة القليلة أنك حققت أهم صفقة إعلامية بتاريخك ربما بتاريخ البلد أيضا وصلت إلى الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن حين شاهدت دبابة إسرائيلية تطحن عمليا سيارة لبنانية، ما الذي حصل فعليا وكيف جرت هذه الحادثة؟

غسان سلامة: لا هي قصة ما بأنساها بحياتي بالحقيقة قصة كثير مهمة، بسنة 1969 كنت بأعني شي فايت على التليفزيون بَعَتوني كان.. بدأت وزارة التربية تنشئ مدارس جديدة في الجنوب لدعم صمود الجنوبيين فبعتوني مع مصور شاطر بالتليفزيون اللبناني اسمه حسن نعماني على الجنوب ولنصور ها المدارس الجديدة وأعمل تحقيق على الموضوع فصادف أنه كنا بمحل ودخل الجيش الإسرائيلي فصاروا يقولوا لنا اهربوا جايين الإسرائيليين، أنا ما بأعرف شو فيه، قلت له لا.. لحسن خلينا نبقى وخلينا نغير الموضوع خلينا نشوف شو جايين يعملوا الإسرائيليين فبلَّشنا نصور العملية فكان أول مرة بأشوف الإسرائيليين في بلبنان وشفتهم بظرف ما بأنساه بحياتي كان فيه، كان هناك يعني محطة للوقود في سفح قرية في جنوب لبنان فهذه القرية.. هذه المحطة كانوا الفلسطينيين آنذاك يعني يشتروا منها..

سامي كليب: البنزين.

"
في مهمتنا الصحفية جنوب لبنان عام 1969 تمكنا من تصوير شريط يظهر دبابة إسرائيلية وهي تسحق سيارة مدنية تقل عائلة، والشريط موجود في أرشيف التلفزيون اللبناني
"
غسان سلامة: البنزين، فأتت دبابة إسرائيلية وصاحب المحطة موجود أمامها وقصفتها ودمرتها وحرقتها أمامنا، فأنا فوجئت بهذا المسلك لأنه الهدف مدني وصاحب المحطة موجود فيها وقُتل فيها فصُعقت لهذا الأمر فصورت هذا الشيء ثم تقدمنا فوجدنا أنه فيه مواجهة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، الجيش اللبناني عم بيحاول يمنع الجيش الإسرائيلي من أن ينتقل من هذه المنطقة إلى منطقة أكثر ساحلية يعني إلى قانا وجوايا وما شابه وفيه موقع كان موقع اسمه بير السلاسل الجيش اللبناني استبسل فيه لكن ما قدرنا نصور المعركة، مررنا بعض الشيء فإذا بالدبابات الإسرائيلية لكي تذهب لملاحقة الجيش اللبناني فيه سيارة مدنية قديمة.. مرسيدس قديمة جدا وفيها عائلة فيها سبعة أشخاص أطفال وكذا فلم تنتبه لوصول الدبابات، كانوا بيقولوا لها أن تنتقل إلى اليمين لكن واضح أنه السائق أو ما سيارة قديمة ما تقدر..

سامي كليب: أو ارتبك أو خاف..

غسان سلامة: أو خاف أو ارتبك فسارت الدبابة عليها وصورنا هذا المشهد وبالفعل بعدين يعني قلت لمدير التليفزيون آنذاك لدينا صور قد تنفع لأمور أخرى، قد تنفع لشكوى في مجلس الأمن..

سامي كليب: كم كان عمرك تقريبا آنذاك؟

غسان سلامة: ثمانية عشر سنة.

سامي كليب: بعده عندك الفيلم؟

غسان سلامة: لا أنا ما عندي شيء بس موجود في أرشيف التليفزيون بأعرف أنه موجود في أرشيف التليفزيون..

سامي كليب: يعني سنحاول الحصول عليه لأنه فعلا كان شهادة مهمة في مجلس الأمن ضد إسرائيل..

غسان سلامة: إن شاء الله.. آه طبعا استُعملت في مجلس الأمن سنة 1969 لأن تقدم لبنان بشكوى كان أول دخول كثيف إسرائيلي إلى جنوب لبنان.

سامي كليب: حاولنا العثور على ذاك الشريط الذي صوره غسان سلامة في مهمته الصحفية في الجنوب اللبناني ولكننا لم نجده والأهم هو أن تلك الخبطة الصحفية التي حققها كانت إحدى أبرز نقاط شكوى لبنان إلى الأمم المتحدة وتفتحت عينا الفتى الصحفي على مأساة الجنوب وأهله لكنه اختار أن يترك لبنان ويذهب إلى فرنسا لإكمال تعليمه فحصل على شهادتي دكتوراه بالأدب والعلوم السياسية، لم يكن قرار الانتقال من الصحافة إلى إكمال الدكتوراه سهلا في ذهن غسان سلامة.

غسان سلامة: لم يكن القرار سهلا، كان قرار صعب جدا لدرجة أنه طِلعت لي حبوب على وجهي فذهبت للطبيب فقال لي أنت في حالة (Stress) كبيرة شو السبب؟ بعمرك ما فيه حدا بيعمل هيك ال(Stress)، قلت له لأنه محتار بين البقاء بين مهنتين وبين لبنان والخارج ومش عارف شو؟ قال لي خذ قراراك ورُوح لأن ما بدهن دواء هون خذ قراراك فتذهب هذه الـ..

سامي كليب: وهذا ما حصل.

غسان سلامة: وهذا ما حصل أخذت قراري بالهجرة ويعني بالذهاب لفرنسا، كان.. وصلت إلى باريس بواحد تشرين الأول 1973.

سامي كليب: سنتحدث عنها ولكن فقط يعني لمن لا يعرف عنك الكثير حتى من أصدقائك السياسيين والمفكرين والكُتاب أنك درست أيضا المسرح في مرحلة معينة في حياتك..

غسان سلامة: آه صحيح.

سامي كليب: أيضا أحببت المسرح ولاَّ كان فقط لكسب العيش؟

غسان سلامة: مزيج.. يعني كنت في مطلع شبابي محتارا بين الأدب والمسرح والسينما وبين العلوم السياسية والقانون فإجمالا عندما أحتار بين أمرين أختار كليهما، يعني فاهيدا اللي حصل معي بالحقيقة فبدل ما أتسجل في كلية الحقوق عملت حقوق ورجعت عملت العلوم السياسية وعملت أدب بنفس الوقت فعملت دكتوراه في الأدب ودكتوراه في العلوم السياسية.

سامي كليب: لحين جئت إلى باريس عام 1973 بعد خمسة أيام فقط وقعت الحرب الشهيرة حرب 1973 بين مصر وإسرائيل قررت العودة.

"
كتابي الأول كان حول المسرح السياسي في لبنان حيث تستنبط الازدواجية بين الاهتمام بالمسرح والاهتمام بالسياسة
"
غسان سلامة: يعني ماذا أفعل في باريس؟ يعني اكتشفت أنه اخترت الخيار الخطأ، أنه هناك إنسان عربي جديد ينتصر يمحو الهزيمة وكنت قد كتبت كتابي الأول قبل المجيء إلى باريس، كتابي الأول كان حول المسرح السياسي في لبنان حيث ترى هذه الازدواجية آنذاك بين الاهتمام بالمسرح والاهتمام بالسياسة..

سامي كليب: والسياسة، صحيح.

غسان سلامة: وكان المسرح السياسي في لبنان يعني بمطلع السبعينيات كله على الهزيمة وآثار الهزيمة وما شابه.. جلال خوري وأنطوان ملتقى كان كله متأثر.. روجيه عساف ونضال أشقر كنت متأثرا جدا.. جدا بجو الهزيمة، لذلك أنه الأيام الأولى كانت أيام باهرة جدا بالنسبة لأي عربي من حرب 1973 فقلت لنفسي ماذا تفعل في باريس؟ لقد اخترت الخيار الخطأ فعدت.

سامي كليب: عاد غسان سلامة من فرنسا إلى لبنان وكان هذا شأنه أكثر من مرة حين كان لبنان يشهد تحولات سياسية أو حين كان الصراع العربي الإسرائيلي يصل إلى مستوى الحرب وفي تلك الفترة تقرب من اليسار اللبناني وعمل إلى جانب الفلسطينيين وساهم في تأسيس تيار المسيحيين الملتزمين ولكن أمله خاب سريعا من السياسة وأهلها فعاد إلى التعليم وبعد حصوله على الدكتوراه في العلوم السياسية تم تكليفه بمنصب استشاري إلى جانب رئيس مجلس النواب اللبناني وتولى المساهمة في الإشراف على تطبيق القرار 425 الداعي لانسحاب إسرائيل من لبنان ثم عُيِّن عضوا في وفد التفاوض مع إسرائيل التي كانت صور آلياتها تقتل اللبنانيين في الجنوب اللبناني لا تزال راسخة في ذهنه، لم يكن أحد راغبا في تطبيق القرار المذكور لا في إسرائيل ولا في لبنان وسوريا وفق ما يقول لنا غسان سلامة.

غسان سلامة: بعد مجموعة من العمليات لما سيصبح حزب الله ضد الأميركان والفرنسيين في خريف 1983 والدعم الهائل الذي حصلت عليه سوريا آنذاك من موسكو.. من أندروبوف يعني صار هناك نوع من النشوة بإمكانية تسجيل انتصار عسكري سيقول التاريخ أن هذه النشوة كانت في محلها لأنه المكان الوحيد الذي خرجت منه إسرائيل تحت ضغط العمليات المسلحة هو بالنهاية جنوب لبنان، صحيح أخذ الأمر عشرين سنة لكن أصبح هناك نوع من النشوة يُشكك بأي عمل له طابع دبلوماسي، لذلك عندما طُرح موضوع العودة بعد سبعة عشر أيار القرار 425 كان فيه قبول شكلي ولكن رفض ضمني من قِبل هذه القوى التي كانت قد سجلت انتصار بخروج القوى الغربية.. القوات الغربية من بيروت وأيضا بنصف انسحاب إسرائيلي من الشوف وما شابه إلى محافظة..

سامي كليب: الغريب أنه حتى حضرتك كنت تعارض الانسحاب الأحادي الإسرائيلي من جنوب لبنان يعني ولك تصريح بحديث لصحيفة (Le joure) نُشر بـ22 شباط عام 2000 تقول فيه أن أي انسحاب أحادي لإسرائيل من لبنان يحمل مخاطر أكيدة ومنها خطر حرب إقليمية يكون فيه ميزان القوى لغير صالح العرب وسوف يُنزع من سوريا ورقة هامة ذلك أن الإسرائيليين أرادوا التفاوض مع السوريين للخروج من لبنان والدخول إلى الخليج وبالتالي ففي حالة الانسحاب الأحادي لن يكون للإسرائيليين مصلحة للتفاوض مع سوريا، حصل انسحاب ولم يحصل كل ذلك..

غسان سلامة: لا لم يحصل تفاوض مع سوريا، يعني هذه النظرية التي تقول بأن..

سامي كليب: بس ما صار فيه خطر حرب إقليمية؟

غسان سلامة: ما صار حرب إقليمية صحيح لكن لم يحصل تفاوض وتوقف التفاوض على الإطلاق على الجبهة الشمالية، يعني الفكرة كانت تقول إنه الانسحاب الانفرادي يتضمن رفض للتفاوض، بينما كان جزء كبير من انخراط سوريا في معركة جنوب لبنان هو لاستعمال هذه الساحة كما كانت تسمى لفرض على إسرائيل العودة لطاولة المفاوضات، كان باراك يريد على العكس من ذلك رفض التفاوض أو اعتبار أن التفاوض مع سوريا لن يحصل منه شيء خصوصا بعد اجتماع جنيف الفاشل بين كلينتون والأسد، بعد هذا الاجتماع تأكد الإسرائيليون أن إمكانية التفاهم مع الأسد الأب غير موجودة، آنذاك اتُّخذ القرار بالانسحاب من جنوب لبنان، إذاً كان هناك بنفس الوقت رضوخ للضغط العسكري المقاوِم اللبناني وكان هناك ضمنا قرار بوقف التفاوض لفترة طويلة مع سوريا.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: لم يكن أحد راغبا بتطبيق القرار 425 خصوصا حين اشتدت عزيمة حزب الله وبات يحقق بالسلاح ما عجزت عنه السياسة ولكن مع انسحاب إسرائيل من لبنان وجدت سوريا نفسها مضطرة هي الأخرى من للانسحاب وكان تمديدها للرئيس إميل لحُّود سببا أو ذريعة لاستصدار القرار الدولي الشهير رقم 1559 لإخراج جيشها من لبنان ونزع سلاح حزب الله والميليشيات الأخرى حتى ولو أن القرار لم يذكر بالاسم حزب الله واتُّهم غسان سلامة بأنه كان أحد صانعي القرار ثم تبين خطاء ذلك ولكن هل أن غسان سلامة المستشار عند كوفي أنان والصديق السابق للرئيس الشهيد رفيق الحريري وذو العلاقة الدائمة مع الرئيس جاك شيراك والمسؤولين الأميركيين يعتقد بأن إسرائيل تريد اليوم فعلا قلب النظام السوري؟

فجيعة اغتيال الصديق الحريري



غسان سلامة: الإسرائيليين بالفترة الأخيرة كانوا أمْيَل لمعارضة الانسحاب السوري من لبنان.

سامي كليب: صحيح حتى شهر نيسان على ما أعتقد.

غسان سلامة: وكانوا أميَل لمعارضة.. يعني هم اليوم أميَل بكثير لعملية.. لمشاريع تغيير النظام في سوريا لكن عندهم هاجس..

سامي كليب: هم أميَل لتغيير النظام؟

"
إسرائيل حتى الساعة تعتبر نفسها من الذين يخسرون من الدينامية السياسية الحالية في لبنان ولا يربحون
"
غسان سلامة: لعدم تغيير النظام، الهدف الإسرائيلي الأول في لبنان هو حزب الله لذلك كل ما يُهم إسرائيل هو موضوع حزب الله ولذلك إسرائيل معزولة بالنسبة للدينامية السياسية الجارية في لبنان التي سارت قُدما في عدد من الأمور إن في تحقيق الدول المتعلق باغتيال الرئيس الحريري أو بانسحاب الجيش السوري من لبنان أو بأمور أخرى ولكنها تباطأت وتوقفت بالنسبة لموضوع حزب الله وبالتالي فإن إسرائيل حتى الساعة تعتبر نفسها من الذين يخسرون من الدينامية السياسية الحالية ولا يربحون.

سامي كليب: طيب، بالحديث عن إسرائيل وسوريا..

غسان سلامة: بالمناسبة سوريا لن تصدق أن الإسرائيليين سينسحبوا سنة 2000 حتى اللحظة الأخيرة كان هناك اتصالات سورية بعدد من العواصم الدولية الفاعلة تقول إن الإسرائيليين لن ينسحبوا لأن..

سامي كليب: كانت مؤيدة للانسحاب الإسرائيلي من لبنان؟

غسان سلامة: فوجئوا.. فوجئت سوريا بالانسحاب الإسرائيلي..

سامي كليب: كانت ترغب بهذا الانسحاب؟

غسان سلامة: أعتقد أنها.. أن في سوريا من فهم آنذاك رغم أن الرئيس الأسد كان في حالة مرض شديد متقدم جدا يعني كان الأمر أسابيع قبل وفاته، لكن أعتقد.. يعني لست أدري بأي وضع صحي كان وذهني في هذه الأسابيع الأخيرة لكن هناك في سوريا مَن لم يُرد تصديق الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لأنه في قرارة نفسه كان يعلم ما تحدثنا عنه سابقا الانسحاب من جانب واحد هو رفض التفاوض وهذا ما فهمه الفلسطينيين أيضا من الانسحاب من جانب واحد من غزة، إن الانسحاب من جانب واحد يتضمن أمرا جيدا وأمرا سيئا، الأمر الجيد انسحاب.. هو الإخلاء..

سامي كليب: والسيئ رفض التفاوض، طيب في الحديث عن سوريا في لقاء لك مع مجلس الشيوخ الفرنسي قلت إنه الطريقة التي ورط بها حافظ الأسد ابنه بشار كانت من خلال فرض شخص من خارج النظام وفي حال بدأ التشكيك بهذا الواقع فإن الأمر سيفضي وعلى مراحل وربما بالعنف أيضا إلى ظهور مسؤولين جدد من خارج السراي.. خارج السراي القائم حاليا، هل ثمة خطأ من الانقلاب السوري الداخلي.. يعني هل هذا ما كنت تقصده؟

غسان سلامة: أنا أعتقد اليوم أن سوريا بحاجة إلى الانقلاب ولكن قد يكون بطل الانقلاب هو بشار نفسه..

سامي كليب: مسموح له لأنه يكون بطل انقلاب أميركيا؟

غسان سلامة:هذا أمر آخر..

سامي كليب: لا هذا أمر أساسي.

غسان سلامة: أنا أعتقد بصراحة بأن مَن ما كان عاجزا أن يحكم سوريا سنة 2005 أو سنة 2006..

سامي كليب: كما حُكمت سابقا.

غسان سلامة: كما حُكمت أيام حافظ الأسد، قد يكون بشار وأنصار الدكتور بشار.. بأن بشار الأسد لم يأتِ للسلطة بانقلاب عسكري لكي يغير الأسس التي يقوم عليها الحكم في سوريا وهو محق في ذلك هو أتى بالوراثة وفقط بالوراثة ولم يأت بانقلاب عسكري فالذي يأتي بالوراثة إجمالا لا يغير أسس ما وُرِّث بل يُبقي عليها ولكن أنا أعتقد أنه ليس بالإمكان أن تحكم سوريا، جاء حافظ الأسد للحكم في سوريا سنة 1970 وكان عدد السوريين لا يتجاوز الخمسة ملايين، هم اليوم يتجاوزوا السبعة عشر مليون، كان عدد طالبي العمل السنويين في سوريا آنذاك صفر لأن الخدمة الإلزامية وسوق العمل الزراعية كانت تستوعب كل الفائض الجديد من الشباب، اليوم هناك 200 إلى 300 ألف شاب يطرقون باب العمل سنويا جدد ويضافون إلى الملايين الذين ينتظروا العمل..

سامي كليب: يعني كم نسبة البطالة تقريبا؟

غسان سلامة: نسبة عالية ولكن هناك في.. ككل المجتمعات ذات الاقتصاد الموجه البطالة إجمالا مقنَّعة بمعنى.. وهذا ما يشير إلى هجوم العمال السوريين إلى لبنان عندما بدأت الورش الكبرى في التسعينيات مما يشير أيضا إلى البطالة الموجودة في سوريا، هناك أيام حافظ الأسد.. كنا نتحدث منذ قليل على أندروبوف كان يمكن في الظروف الحرجة أن تتكئ سوريا على دعم سوفيتي بمواجهة القطب الآخر الأميركي، اليوم ليس هناك من اتحاد سوفيتي، كان آنذاك الفكر العربي أو الفكرة السياسية العربية قائمة، كانت هناك عدد من المسلَّمات العربية التي كانت تنطق بها سوريا كانت مقبولة من كل العرب الآخرين، اليوم بعض المقولات العربية تسير استهزاءً في مجتمعات عربية أو لدى حتى قادة عرب وأنا أعرف قادة عرب كثيرون كانوا يقولون لي عندما أُحضِّر القمة العربية في بيروت لا نريد أمثولة جديدة في العروبة من الرئيس السوري..

سامي كليب: مَن؟

غسان سلامة: مش راح أسمِّي، ربما غابوا بسبب ذلك.. يعني كل هذا ماذا يعني؟ يعني أن الظروف الداخلية في سوريا الظروف العربية والظروف العالمية تغيرت بصورة جذرية، حتى إذا أنا ورثت عن أبي دكانا أو مؤسسة تجارية وظروف التجارة تغيرت بصورة عامة لا يمكن أن أستمر على نفس أسس التجارة التي قام بها أبي عندما كانت هذه الأسس.

سامي كليب: طيب دعني أعود لو سمحت لي..

"
بشار الأسد منذ أن تسلم السلطة تصرف وكأنه أمين على إرث والده، وبالتالي أسس الحكم لن تتغير في سوريا
"
غسان سلامة: في الخمس السنوات الأخيرة منذ تسلم بشار الأسد السلطة تصرف وكأنه أمين على إرث والده وبالتالي أُسس الحكم لن تتغير في سوريا وأنا أعتقد أن هذا الأمر أوقع سوريا في مطبات كثيرة لكن رجل الدولة هو الذي يحول التحدي إلى فرصة.

سامي كليب: طيب، فقط أعود إلى السؤال لو سمحت لي هل لو قرر بشار الأسد غدا.. الرئيس السوري أن يقوم بانقلاب كما تسميه يعني غيَّر طبيعة النظام القائم تجاوب مع الأسرة الدولية إلى حد بعيد، هل هناك قبول أميركي لأن يبقى وأن يغيِّر.. يعني من خلال معرفتك بالأميركيين واتصالاتك معهم ومع الفرنسيين؟ هل تعتقد أنه يعني مقبول أم؟

غسان سلامة: يعني أعتقد أن ذلك ممكن.. مازال ممكنا لكن طبعا الممارسات التي قامت بها سوريا منذ بدأ اتضاح هذا الضغط الخارجي غير مشجع وقد تدفع.. شئت أم أبيت إلى انزلاق نحو الأهداف القصوى الغربية بما يخص سوريا بما فيه من تغير نظام أساسي، لكن ما زلت أقول لكي تمنع تغيير النظام في سوريا يجب أن تغيِّر في النظام يجب أن تغيِّر فيه لكي لا تغيره.

سامي كليب: القرار الدولي الذي طالب سوريا بالانسحاب من لبنان سبق قرارا آخر يؤكد هو أيضا على ضرورة كشف الحقيقة عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وحين كنا نصور هذه الحلقة مع وزير الثقافة اللبناني السابق الكاتب والمفكر غسان سلامة كانت سوريا قد قبلت بجنيف مقرا للاستماع إلى المتهمين المفترضين باغتيال الحريري وغسان سلامة كان صديقا ومستشارا دائما تقريبا لرئيس الحكومة الراحل يلتقيان عند ضفاف نهر السين كلما جاء الحريري إلى باريس فمتى التقاه للمرة الأخيرة؟

اللقاء الأخير مع الحريري



غسان سلامة: التقيت به أسبوع قبل وفاته هنا في باريس.

سامي كليب: كان يخشى الاغتيال؟ كان يخشى على حياته؟

غسان سلامة: كان يفكر بذلك.

سامي كليب: قال لك ذلك؟

غسان سلامة: نعم.

سامي كليب: بماذا نصحته؟

غسان سلامة: لم يطلب نصيحة وكنت يعني أتذكر دائما ما كان سيرجيو هيرا ديميلو يقول لي إنما تنهمر علينا القذائف في بغداد كنت أقول له والأمن فكان يضرب على ركبتي ويقول لي، هذا مش شغلك هذا ليس عملك لأنه إذا نحن اهتمينا بالأمن فسنصبح في حالة من البارانويا، رجال الأمن هم دائما في حالة بارانويا، إذا وجدوا لدينا خوف فسيشعروا بمزيد من البارانويا وسنقبع في فنادقنا.

سامي كليب: طيب، ماذا قال لك الحريري عن احتمال اغتياله؟

غسان سلامة: أعتقد أن ما لم يقله لي كان أهم ما قاله لي، كان يأتي الرئيس الحريري إلى باريس إجمالا ويتصل بي فور وصوله، جاء هذه المرة ومكث ثلاثة أو أربعة أيام دون أن يتصل، فقلت في نفسي إما أنه مريض أو مُلتهٍ بأمور العائلة أو انه في حالة انكفاء، كان هو يتصل لأني أنا كيف أعلم بمجيئه أو بذهابه، لكن علمت أنه موجود في باريس ولم يتصل فكان يوم اثنين وكنت أُعلِّم في الجامعة يوم الاثنين صباحا وكان دائما مجال التنكيت عنده التعليم تبعي، أنه مازلت بتعلِّم بيتحمَّلوك التلاميذ؟ أنا تحملتك بس التلاميذ بيتحملوا، كان دائما مجال تنكيت عنده فخرجت من الصاف وفتحت هاتفي النقال فوجدت سبعة أو ثمانية اتصالات من بيته فاتصلت، قال لي وينك؟ قلت له أمام منزلك، لأني كنت عائد إلى بيتي وأمُر أمام منزله لكي أصل إلى بيتي، فقال أدخل فورا فدخلت، فقلت له عترته هيك لأنه أنا أعلم أنك منذ أيام في باريس ولم تتصل هذه المرة، قال لي أيوة صحيح، ثم بدأ يتكلم بالهاتف مع بيروت بالنسبة لتقسيم الدوائر الانتخابية وكان مشغولا بذلك، فعندما وضع الهاتف قلت له يعني أنت مُصِر اتصلت سبع أو ثمان مرات بي ومع أنك مهتم بأمر ليس من اختصاصك، فهل أنت باقٍ في باريس هل يمكنني أن أدعوك إلى الغداء نتغدى معا؟ كانت حوالي الساعة واحدة قال لي لا أنا مسافر الآن، فقلت له لماذا اتصلت سبع أو ثمان مرات لكي..؟ توقف ووقف.. وضع يده على كتفي اليمنى وقال بس بدي أشوفك.. كان بس بدي أشوفك، ما بدي أسافر بدون ما أشوفك لذا ودَّعته هكذا، لذلك هذا اللقاء الأخير.

سامي كليب: شعرت أنه عم بيودَّعك نهائيا؟

غسان سلامة: لم يكن هناك سابقة لهذا الأمر على الإطلاق يعني عندما يتصل كان إجمالا للسؤال أو لمعرفة شيء أو للتداول في أمر ما، هذه المرة كانت المرة الأولى الذي يقول فيه.. يقول فيها فقط كنت أريد أن أراك ولم نتحدث في أي شيء رغم إلحاحه سبع أو ثمان اتصالات فطبعا عندما تُوفي بعد ذلك بأسبوع عادت هذه الذكريات بقوة إليّ.

سامي كليب: أين كنت حينما قُتل؟

غسان سلامة: كان يوم اثنين أيضا وبالتالي كنت في الجامعة فعندما خرجت من الجامعة أتاني اتصال من صديق صحافي قال لي هناك انفجار كبير في بيروت وبعد لحظات قيل لي أنه ربما انفجار ذهب ضحيته الرئيس الحريري فذهبت إلى منزله وهو قريب من منزلي في باريس وكان جاك شيراك قد سبقني إلى هناك ومعه عدد من الآخرين..

سامي كليب: تحدثت مع الرئيس الفرنسي؟

غسان سلامة: نعم.

سامي كليب: هل قال لك شيئا حول مَن المسؤول عن اغتياله؟

غسان سلامة: لم يذكر اسما بأي معنى لكني كنت أرى في كلامه وفي نظراته قدرا هائلا من روح الانتصار لرفيق الحريري والثأر من قاتله، لم يذكر اسما بعينه أو بلدا أو مجموعة..

سامي كليب: تذكر ماذا قال بشكل عام؟

غسان سلامة: لقد قال لي أن أمرين.. أذكر أمرين، أذكر أولا نوع من التعهد بأن هذا الأمر لن يبقى دون عقاب وثانيا أنه سيدعو فورا لإنشاء لجنه تحقيق دولية لتحديد الجناة.

سامي كليب: نُقل عن زوجة أو أرملة حاليا للأسف يعني السيدة نازك أرملة الرئيس الحريري قولها إنه الرئيس جاك شيراك قال لها سأوصل التحقيق حتى إسقاط النظام السوري، أعتقد أنه شخص كشيراك كان صديقا قريبا وحميما للرئيس الحريري بغض النظر عن كل المصالح القائمة يمكن أن يقول مثل هذا الكلام في هكذا لحظة؟

غسان سلامة: لم يقله في حضوري، لم يُسمي أحدا لكنه تعهد أمامي وكنا منفردين بأنه سيذهب بالعقاب إلى الآخر وأيضا بأنه سيدعو فورا مجلس الأمن لإنشاء لجنة وكان عندي قدر من الشك بفائدة اللجنة، قلت له هذا الأمر سيأخذ مدى طويلا ثم اهتممنا معا بالحقيقة بمصير صديقي وزميلي باسل فليحان.

سامي كليب: باسل فليحان الذي أُصيب إصابات بالغة في انفجار اغتيال الحريري قضى بعد علاجات مستعصية في باريس، فارق الحياة وهو غير واعٍ لما أصابه ودُفن إلى جانب الرئيس الحريري وسط بيروت، هل يعرف غسان سلامة اليوم لماذا اغتيل الحريري؟

غسان سلامة: أعتقد أن علاقته كانت سيئة جدا بسوريا وأعتقد أيضا..

سامي كليب: كان فيه خوف لدوره؟

غسان سلامة: أنه.. أن سوريا كانت ترى فيه موحيا للقرار 1556 أو مُرحبا أو على الأقل داعيا له في جزء متعلق بالتمديد.

سامي كليب: أنت تحدثت معه بالقرار للرئيس الحريري؟

غسان سلامة: وشيء ثالث، أعتقد أيضا أن خصوم الرئيس الحريري كانوا يعلمون تماما في لبنان وربما في سوريا أيضا بسبب لبنان أنه كان على وشك أن يفوز فوزا باهرا بالانتخابات النيابية وبالتالي أن يحظى بأكثرية يرتكز عليها لمواجهة قرار التمديد الذي لن يهضمه يوما.

سامي كليب: تحدثت معه بالقرار 1559.. للحريري؟

غسان سلامة: تحدثت معه أحيانا..

سامي كليب: كان مُرحب؟

غسان سلامة: لا ما كان يعني لا يرحب ولا.. يعتبره جزء من الأمر الواقع جزء من ما يجب التعامل معه.

سامي كليب: سؤال أخير عن سوريا قبل أن ننتقل إلى مواضيع أخرى يعني اليوم الرئيس بشار الأسد في كل تصريحاته إن كان في القمم العربية أو بعد القمم أو حتى بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبعد التحقيق الدولي وإلى ذلك يؤكد على مسألة أنه سوريا كانت ستهاجَم مهما فعلت وكان سيصيبها ما أصاب العراق أكانت تتعاون أم لا تتعاون ويروي قصة في الواقع.. ربما حضرتك تعرف أكثر من غيرك بالموضوع أنه حين التقى الرئيس جورج بوش مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في منطقة النورماندي قرر اتخاذ القرار 1959 مهما كان الموقف السوري، برأيك هذا ما حصل وهل فعلا إنه فرنسا سارت في ركب الولايات المتحدة الأميركية وأجرت هذا التحول الكبير ضد سوريا فقط لإرضاء الأميركيين؟

"
خصوم الحريري كانوا يعلمون أنه كان على وشك الفوز في الانتخابات النيابية، وبالتالي أن يحظى بأكثرية يرتكز عليها لمواجهة قرار التمديد للحود
"
غسان سلامة: أنا أريد أن أفترض أن كل ما قاله الرئيس السوري صحيح وهو ليس برأيي دقيق، لكن أريد أن أفترض أنه صحيح مائة بالمائة، إذا دليتك على قشرة موز وقلت لك هذه قشرة موز لماذا تذهب وتضع رجلك عليها؟ إذا قلت لك أن التمديد لإميل لحود سيفتح هذا الباب لماذا لا تجرب يعني غيره؟ لماذا لا تفكر بأمر آخر؟ أنا دليتك على قشرة موز فلنفترض أن هذا صحيح لماذا تذهب وتضع رجلك عليها؟

سامي كليب: طيب، لماذا يقدم كل التنازلات ولا يحصل على شيء؟

غسان سلامة: هل أن اختيار رئيس آخر في ظروف صيف 2004 غير التمديد لإميل لحود كان بالضرورة تقديم تنازل؟ ألم يكن هناك من المرشحين القريبين من سوريا ما يكفي لكي يستمر الوضع إلى حد كبير على ما هو دون التمديد؟ كان التمديد خطأً فادحا حتى.. بل أقول خصوصا إذا كانت نظرية الرئيس الأسد صحيح خصوصا إذا كان يعلم أن القرار سيصدر فكان التمديد خطأً فادحا أكبر لأنك عالم بالفاتورة وعالم بما ستدفع..

سامي كليب: أليس خطأ فرنسا أنه تمسُّك فرنسا إلى هذا الحد برفض التمديد من أجل رحمة الله رفيق الحريري؟

غسان سلامة: قراءة فرنسا مختلفة عن هذا الوضع..

سامي كليب: كيف؟

غسان سلامة: في فرنسا من يعتقد أن ما كان حاصلا في لبنان.. وقد يكون هذا آمر صحيح أو خاطئ أنا لا أعطيك رأيي حاليا.. تريد رأيي أعطيك إياه لاحقا لكن أمر التمديد أمر هامشي في فرنسا، هناك من يعتقد في فرنسا.. مَن كان يعتقد بأن الأمور لو تُركت على حالها في لبنان فإن الكيان اللبناني كان على وشك أن يزول، كان هناك قراءة تقول بأن التهميش التدريجي لرفيق الحريري في الحياة السياسية وعدم القيام بعملية الإصلاح ضرورية لتنفيذ باريس اثنين والتدخل المتزايد..

سامي كليب: باريس اثنين المؤتمر الاقتصادي إلي دعم لبنان.

غسان سلامة: نعم والتدخل المتزايد لأجهزة الأمن اللبنانية والسورية في الحياة السياسية، انطلاقا من الأمن والدفاع والخارجية وتوسعا إلى قضايا كالمال أو التربية أو أمور أو عمل البلديات أو أمور أخرى يعني أن الاتجاه هو اتجاه استيعابي متزايد للبنان..

سامي كليب: للهيمنة الكلية على البلد.

غسان سلامة: وربما لاستيعابه نهائيا من ضمن المنظومة الأمنية اللبنانية..

سامي كليب: هذه القراءة مَن كان يقدمها.. يعني فرنسا كشخص رئيس جاك شيراك في وزارة الخارجية؟

غسان سلامة: سمعتها في غير مكانها وبالتالي في نظر الفرنسيين آنذاك كان يجب وقف هذه العملية.. يعني أن تفرمل هذه العملية بقرار جريء من المجموعة الدولية تقول إنها كما رفضت احتلال الكويت من قِبل العراق بطريقة جَلِفة فإنها ترفض استيعاب لبنان من قِبل سوريا بطريقة (Soft) بطريقة هادئة ولكن بنفس القوة.

سامي كليب: يروي وزير الثقافة اللبناني السابق والكاتب والمفكر غسان سلامة في كتابه الأخير الحامل عنوان (حين تعيد أميركا صياغة العالم) كيف أن أوروبا المشتتة تبحث عن مجالات محددة للتفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية وبينها لبنان وفلسطين وإيران ويتحدث عن استراتيجية التبعية الأوروبية ولكنه في الوقت نفسه يشير إلى أن أميركا التي تحكم العالم اليوم تحمل في ذاتها بذور تفككها ويحاول التقليل من أهميتها الدبلوماسية والثقافية، في الحلقة المقبلة سنواصل مع غسان سلامة حوار الذكريات ونتوقف خصوصا عند أميركا والملف العراقي الذي كاد يقتله حين تم تفجير مقر الأمم المتحدة وهو بداخله في بغداد، فإلى اللقاء.