- رحلة اليمن بين الصدمة والإهمال المقصود
- العودة مرة ثانية لليمن وتدخل أعداء التقدم

- تشكيل فوج البدر اليمني

- رحلة الإنقاذ في الجبل الأسود باليمن

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، قبل فترة قصيرة كنت في اليمن ووجدت في إحدى مكتباته هذا الكتاب بعنوان الصامت الحائر وثورة اليمن مؤلفه هو لواء سابق في الجيش المصري كان في طليعة الضباط المصريين الذي ذهبوا إلى اليمن لتدريب الجيش اليمني الحديث وزرع بذور الثورة، قصص كثيرة ومثيرة ومؤلمة ومحزنة ومشرقة يرويها لنا عن تلك العلاقة التي بدأت أخوية بين مصر واليمن وكادت تنتهي بالدماء اللواء السابق في الجيش المصري صلاح الدين المحرزي.

صلاح الدين المحرزي– لواء سابق في الجيش المصري: لقد قررت أن أتكلم عن ثورة اليمن ودور قواتنا المسلحة في دعم الثورة اليمنية وحمايتها من أعدائها حتى تتضح حقيقة الدور الذي قامت به قواتنا المسلحة والذي يتلخص في أنها كانت حملة تبشير إنساني من أجل حرية الإنسان اليمني ليعيش حرا على أرضه متمتعا بكافة حقوق الإنسان وكافة حقوق المواطن العربي الحر وأنها لم تكن حملة من أجل مناطق النفوذ ولم تكن حملة الاستعمار من أجل السيطرة كما أدعت الكثير من أبواق الدعاية المضادة لمصر والأمة العربية.

رحلة اليمن بين الصدمة والإهمال المقصود

سامي كليب: اللواء السابق في الجيش المصري صلاح المحرزي بلغ الخامسة والسبعين من العمر ولا يزال يذكر بكثير من التأثر تاريخه الطويل في اليمن الذي أحب وإذا كانت التجربة الناصرية في اليمن خضعت للكثير من الجدل بين قائل بخطأ الرئيس جمال عبد الناصر بتوريط الجيش المصري هناك وبين مؤكد أنه لولا الجيش المصري لما نجحت ثورة اليمن فإن ضيفنا الذي ولد في الزقازيق المصرية عام 1930 مستمر حتى اليوم على قناعته بأن ما قام به هو ورفاقه في اليمن انطلق من شعور قومي عربي وليس لأي مصلحة أو هدف آخر وهو تعرف أصلا على اليمن قبل أن يذهب إليه أو ربما هكذا شاءت الأقدار ولكن يبدو أن ما اكتشفه لدى وصوله إلى الأراضي اليمنية كان أسوأ مما أعتقد فحال البلاد كانت آنذاك جد صعبة.

"
توليت تدريب أول دفعه من اليمنيين تخرجت من الكلية الحربية ومنهم عبد الله جزيلان وعلي سيف وقاسم الحوثي
"
صلاح الدين المحرزي: قبل الذهاب لليمن كان في مجموعة من الأخوة اليمنيين جاؤوا لمدرسة المشاة عشان يأخذوا فرقة تعليمية وتوليت تدريبهم وكانوا أول مجموعة تتخرج من الكلية الحربية منهم عبد الله جزيلان وعلي سيف وقاسم الحوتي فهذا كان أول لقاء لي بالأخوة اليمنيين.

سامي كليب: وبدأت تقرأ عن اليمن قبل الذهاب إليه؟

صلاح الدين المحرزي: أنا كنت يعني بالنسبة لقضايا الأمة العربية وبالنسبة للتاريخ العربي هذا كان يعتبر من ضمن الأشياء اللي أنا بأعتبرها يعني هواية للقراءة وللمتابعة وكان الواحد من صغره بيتفاعل مع كافة الأحداث وكافة الأعمال العظيمة وكافة النكبات اللي حلت بالأمة العربية وإحنا طلبة صغيرين في الزقازيق الثانوية إلى أن دخلت الكلية الحربية واستمرت هذه الهواية فكان فيه خلفية كبيرة جدا بالنسبة لليمن وما يعانيه شعب اليمن ولكن الصورة اللي كانت موجودة لم تكن بهذه البشاعة اللي أنا اكتشفتها وشوفتها لما شاءت الأقدار أن أنا أروح اليمن.

سامي كليب: طيب في خمسة عشر يناير من سنة 1957 حضرتك ودعت العائلة كان عندك زوجة وابن اسمه أحمد..

صلاح الدين المحرزي: الدكتور أحمد حاليا.

سامي كليب: وأصبح اليوم دكتورا ومدرسا في الجامعة وودعت طبعا الزوجة التي تحملت معك طيلة الوقت والوالدة وذهبت إلى اليمن لتصل إلى هناك وتكتشف أشياء في الواقع وصفتها في كتابك وصفا دقيقا كانت مأساوية لرجل مثلك يذهب من مصر إلى اليمن ماذا شاهدت بالضبط لدي وصولك وتحديدا إلى منطقة الحديدة وفق ما أعتقد؟

صلاح الدين المحرزي: في الطريق إلى اليمن مرينا بجدة وكانت العلاقات في هذا الوقت بين مصر وبين السعودية علاقات سيئة فأُسيئت معاملتنا.

سامي كليب: كيف؟

صلاح الدين المحرزي: منعونا إن إحنا نروح نزور الكعبة ونقوم بعملية العمرة.

سامي كليب: خوفا منكم يعني؟

صلاح الدين المحرزي: وطلبوا إن إحنا نغادر يعني نبقى في اللوكاندة في الفندق ونغادر في اليوم التالي فورا إلى اليمن وغادرنا إلى اليمن ووصلنا إلى الحديدة ونزلنا في الحديدة وكانت يعني أول صدمة بالنسبة لي إن أنا أجدها بهذه الصورة..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب ولكن اسمح لي سيادة اللواء يعني فقط أتوقف عند المرور بالسعودية لأنه المشاهد اليوم ربما لا يفهم ما الذي حصل آنذاك، تتحدث عن مرحلة عمرها أكثر من خمسين عاما يعني لماذا السعوديون تصرفوا معكم هذا الشكل هل بسبب سوء العلاقات بين البلدين هل خافوا منكم كضباط مصريين؟

صلاح الدين المحرزي: مفيش شك كان في هذه الفترة اللي هي بعد 1956 كان زعامة عبد الناصر وصلت للقمة، كان خيال عبد الناصر بيشكل للناس دي هي خطأ صورة سيئة في أذهانهم أن عبد الناصر سيلتهم هذه البلاد وأنه لا يسعى إلا لتكوين إمبراطورية قوية يترأسها عبد الناصر.

سامي كليب: طيب وصلتم إلى الحديدة؟

صلاح الدين المحرزي: وصلنا إلى الحديدة ونزلنا هناك وكان معنا يعني سفير من الباكستان هيقدم أوراقه والراجل الأول ما نزلنا وجه مجموعة من اللي بتحيي مجموعة من الأخوة..

سامي كليب مقاطعاً]: اليمنيين؟

صلاح الدين المحرزي [متابعاً]: الموسيقيين فرقة موسيقية يعني.

سامي كليب: كنتم بعثة عسكرية مؤلفة من كم شخص؟

صلاح الدين المحرزي: إحنا في الفترة دي هي الحقيقة روحنا كنت أنا والحسن فكري الحسيني كان الرئيس للبعثة والمقدم أسامة والأخ عادل السيد واثنين صف ضباط فقط وكان الغرض منها إن إحنا هنقوم بعملية استطلاعية ونشوف إيه هم احتياجاتهم لأن كان في بعثة سابقة قبلنا قعدت مدة سنة والإمام طلب إنها ترجع..

سامي كليب: يعني هنا فقط للتوضيح اسمح لي بالمقاطعة إنه ذهابكم إلى اليمن في العام 1957 كان في عهد الإمام أحمد يعني لم تكن قامت الثورة بعد بالعكس أنتم الذين أعديتم بذور الثورة الأولى إذا صحة تعبير.

صلاح الدين المحرزي: هو كان في أعقاب ثورة التلايا وفشلها وبعض المشايخ وبعض الرجال أنصار الإمام أحمد حاولوا يتهموا البعثة السابقة إن هي سبب في قيام هذه الثورة وإنها ذهبت وده ما كان غير سليم.

سامي كليب: صحيح طيب لو تسنى لنا الوقت سنعود إلى ذلك إذا فقط أوصف لي كيف شاهدتم الوضع بعد أن وصلتم فرقة موسيقية تحيي فيما بعد؟

صلاح الدين المحرزي: الفرقة الموسيقية تحيي كان عبارة عن مجموعة يعني كرنفال كل واحد لابس لبس شكل اللي لابس بتاع جاكتة بتاعت مطافيء الجيش الإنجليزي الحمراء اللي لابس زنوبة اللي لابس ده وكل واحد ماسك آلة موسيقية ويضرب اللحن اللي هو عاوزه لدرجة كانت صدمة بالنسبة للسفير الباكستاني ونزلنا وكان موجود العامل بتاع الحديدة سلم علينا وقال أنا مندوب الإمام بحيي البعثة وإلى آخره وتفضلوا على دار الضيافة هو قال كلمة دار الضيافة قصر الضيافة وذهني سرح للقصور أيام الخلفاء الراشدين وأيام الأمويين قصر إحنا رايحينه والحديدة الحقيقة قامت بدور يعني مخادع من بعيد تشوف كان البيوت المعمولة من القش فيه بتعمل زي السراب فتهيأ لنا إنها عبارة عن قصور فعلا وإلى آخره وكل ما نقرب نقرب وجت عبارة عن مجموعة من البيوت القش ومش أكثر من خمس ست سبع بيوت من الحجر وناس من قبائل الزنانيق يعني جذورهم حبشية أو زنجية شبه عراه أخذت بالك وأراضي في منتهى القذارة أخدت بالك ووصلنا إلى در الضيافة اللي سموها قصر الضيافة وكانت صدمة لرئيس البعثة أنه ممثل قصر الضيافة كده..

سامي كليب: شوفته كان عبارة عن؟

صلاح الدين المحرزي: عبارة عن يعني بيت من يعني مهما وصفته لك أخذت بال سيادتك بيت من البيوت القديمة مبني من الحجر علشان تخوش له لازم تنزل ثلاث درجات لتحت وأربع عساكر من جنود الإمام لابسين اللبس إياه ده وقاعدين على الأرض بياكلوا قات وكان معانا رئيس ضابط العلاقات ورئيس المرافق كان اسمه العقيد حجر فالعقيد حجر عاوز يظهر عسكرية بقى فقال يعني سلام سلام للبعثة العسكرية طبعا محدش سأل عنه منذ وقف..

سامي كليب: طبعا كانوا يخزنوا قات أهم.

صلاح الدين المحرزي: يخزنوا قات فبصوا له كده ولا سألوا عنه طلعنا..

سامي كليب: تقول في كتابك إنه العقيد حجر كان اسما على مسمى.

صلاح الدين المحرزي: على مسمى فعلا.

سامي كليب: شو السبب؟

صلاح الدين المحرزي: طلعنا فوق.

سامي كليب: لا شو يعني السبب كان قاسي المراس؟

صلاح الدين المحرزي: مكنش يعني حضر البديهة مكنش يعني كان متجمد عنده أفكار معينة وهو كان الله يكون في عونه أخذت بالك والعقيد حجر لما طلعنا فوق فشوفنا دار الضيافة عبارة عن صحن وعبارة عن مجموعة غرف كده ودورة ميه كده معمولة من خشب عادي خدت بالك فرئيس البعثة صُدِم فبيقول لي ده قصر الضيافة فقلت له يا فندم فرد حجر قال له يا فندم ده أحسن من بيت الإمام أحمد يعني قصر الإمام أحمد يقل عن دار الضيافة بكثير..

سامي كليب: طيب شو خطر على بالكم في هاللحظة أن تعودوا إلى مصر؟

صلاح الدين المحرزي: لا هو رئيس البعثة كان فاكر إن هم حطينا في مكان عشان يعني تكون النتيجة إن إحنا نطلب العودة للقاهرة مرة أخرى لأن مكان فعلا مكانش يصلح للاستمرار فيه أو للعيش فيه وطبعا زي ما قرأت سيادتك في الكتاب كان فيه هناك بعض السجناء بطريق غير مباشر إن هو اللي كان بعد الأخ من الملحق التجاري لألمانيا الشرقية وقعدنا هناك اللي أساء لأعصاب رئيس البعثة إن قعدنا حوالي واحد وعشرين يوم ما حدش سأل فينا.

سامي كليب: كان إهمال البعثة العسكرية المصرية من قبل حاكم اليمن آنذاك الإمام أحمد مقصودا فسيد اليمن لم يكن بالأصل مرتاحا لزعامة الرئيس جمال عبد الناصر الأمر الذي جعل مصر تراهن آنذاك على ابنه الإمام البدر ولكن البعثة المصرية أصرت على البقاء والدخول شيئا فشيئا إلى قلوب القبائل وزعمائها وإلى عقل الإمام الذي كان حذرا جدا من كل البعثات العسكرية الأجنبية نظرا للمحاولة الانقلابية التي تعرض لها علي الضابط العراقي الأصل جمال جميل، كان اليمن مقطوعا عن العالم الخارجي وشديد التخلف آنذاك ويشكل صدمة لزائريه.

صلاح الدين المحرزي: الشيء اللي صدمني حالة الإنسان العربي اليمني لا حق له في شيء إلا إنه يصلي ويدعي لأهل بيت حميد الدين، فقر جوع قرى بالكامل تموت من الجوع في تهامة أمراض منتشرة وكنت أستغرب إزاي سمو اليمن ده باليمن السعيد إزاي الدولة دي هي تنتمي لجامعة الدول العربية والإنسان اليمني بهذه الحالة وعلمت الثورات اليمنية اللي كانت والانتفاضات اللي حصلت قبل كده كيف كانت تنتهي بكارثة يباح فيها دم كل يمني رجل أو امرأة بحيث إنه كان فيه عيد يعتبره الإمام أحمد اسمه عيد النصر هذا العيد كان بيعتبره اليمنيين اليوم الأسود اللي أبيحت فيه صنعاء بعد ما فشل الانقلاب اللي قام به جمال جميل أحد ضباط البعثة العراقية اللي تزوج يمنية وبقي في اليمن وتفاعل معاهم وقام بثورته وفسدت هذه الثورة.

سامي كليب: يعني حضرتك شاهدت ناس يموتون جوعا مثلا أو فقرا أو حرا بكميات كبيرة؟

صلاح الدين المحرزي: بأقول لحضرتك إن فيه كان قرى بالكامل تخش فيها خد بالك ناس في أساسها ميتة ما أندفنتش، المعونات اللي كانت بتيجي من الخارج دي وو إلى آخره كانت بتتباع في الأسواق في المدن.



العودة مرة ثانية لليمن وتدخل أعداء التقدم

سامي كليب: رغم كل هذه المآسي فأن البعثة المصرية حرصت على تقديم كل ما لديها من خبرة عسكرية وكان معظم قادتها من ذوي الخبرة فضيفنا صلاح المحرزي كان قد تخرج من الكلية الحربية عام 1949 ثم من كلية أركان الحرب عام 1966 وسرعان ما أصبح كبير معلمي البعثة العسكرية في اليمن وقائد كتيبة مشاة ووصل به الأمر إلى أن أصبح رئيس استطلاع القوات المصرية ومسؤول شؤون قبائل اليمن، عادت البعثة في المرة الأولى إلى القاهرة بتقرير عن الأوضاع الصعبة في اليمن ثم قرر الرئيس جمال عبد الناصر إرسالها مجددا إلى هناك وكان المرور مجددا بالسعودية وعودة إلى المشاكل خصوصا حين طلبت البعثة العسكرية المصرية الذهاب إلى مكة المكرمة.

صلاح الدين المحرزي: رفضوا في الأول بعد ما نزلنا رجعونا بالعربيات بتعاتنا وتدخل أحد الأمراء وجاؤوا لنا واعتذروا ورحنا زرنا الكعبة، دعيت وكان أول لقاء لي بالكعبة الشريفة وحزنت.

سامي كليب: شو السبب؟

صلاح الدين المحرزي: وأنا بأقبل الحجر الأسود اجتاحتنا مشاعر متعددة خد بالك متناقضة مع بعضها، ثورة في مصر كانت حلم بالنسبة لنا وزعيم قلما يجود به الزمن ولكن للأسف هناك جيوب أخرى صديدية خدت بالك بتشوه هذا الدور وهذه العظمة وهذا الزعيم اللي إحنا كنا بننتظره وبنحلم بيه ثم العالم العربي ربنا إدا له كل المقومات ولكن لا يملك من نفسه إلا الخضوع والارتماء في أحضان أسياد ما هم بأسياد.

سامي كليب: فكرت بكل ذلك وأنت أمامك..

صلاح الدين المحرزي: وأنا أمامي فدعيت أخذت بالك وقلت يا رب معجزة من عندك، تاريخنا إسلامنا لا نستحق ما نحن عليه هزائمنا كلها بأيدينا.

سامي كليب: طبعاً أنا كنت أود أن تسترسل أكثر في هذا الكلام لأنه مهم ومفيد وأيضاً نابع من القلب ولكن سنحاول أن نحدد الفترات أخرى بعد أن عدتم إذاً إلى اليمن وصلتم.

صلاح الدين المحرزي: وصلنا لليمن في هذه المرة ونزلنا في الحديدة وكنا ننتظر أن العمل هيبدأ ولكن خلال هذه الفترة تدخل أعداء التقدم أعداء التغيير.

سامي كليب: مين يعني؟

صلاح الدين المحرزي: من الرجعيين من كثير من رجال الدين ورجال المذاهب هناك المذهب الزيدي والروح الدكتاتورية القبلية اللي الموجودة يعني كل كان حسب مصلحته فأوعزوا للإمام أحمد خلي بالك البعثة المصرية اللي جاية ديه هيكون فيها نهايتك ونهاية ابنك.

سامي كليب: كان بالكلام فيه نوع من الصحة.

صلاح الدين المحرزي: فهنا جاء عبد الله جه الأخ..

سامي كليب: عبد الرحمن البيضاني.

صلاح الدين المحرزي: عبد الرحمن الله البيضاني الله يكرمه.

سامي كليب: فقط أيضاً للإشارة ربما أيضاً المشاهدون لم يعودا يذكروا الكثير عن عبد الرحمن البيضاني هو الذي أصبح فيما بعد نائباً لرئيس الجمهورية عبد الله السلال الذي قام بالثورة الشهيرة.

صلاح الدين المحرزي: كان في الوقت ده الأخ عبد الرحمن البيضاني كان بيعمل في الخارجية اليمنية وكان قنصل اليمن في ألمانيا وهو راجل مثقف جاء وقعدنا مع بعض ودخل كده بطريقته اللطيفة فين سجناء زندا وقعد معانا الراجل..

سامي كليب: فين سجناء زندا؟

صلاح الدين المحرزي: زندا أخذت بالك فلما قعد معانا كان بقالنا مدة يمكن أكثر من عشرين يوم ما حدش سأل فينا خالص ولا يبعت الرئيس البعثة مكاتبات للإمام أحمد، أنا وصلت معي الخطة ومعي ولا سأل فيه والإمام أحمد كان في دكتور هناك إيطالي يديله الحقنة بتاعت المورفين ينام الإمام أحمد البلد كلها تنام ما حدش يقدر يتحرك ولا حد يقدر يفتح بقه وبعدين قعد عبد الله الأخ..

سامي كليب: عبد الرحمن البيضاني.

صلاح الدين المحرزي: عبد الرحمن البيضاني وحس إن البعثة بتفكر إنها تطلب بطريقة ما تعود.

سامي كليب: صحيح إنه عبد الرحمن البيضاني عرفكم على عراف الإمام؟

صلاح الدين المحرزي: فقال لنا يعني الراجل طلب مننا إن إحنا لابد نصبر وإن عمل البعثة ده هنا مش عمل بسيط وإن الفرصة قدرية ومنحة من الله سبحانه وتعالى إن فيه سلاح وفيه مدربين مصريين هيجوا فما تضيعش الفرصة ديه لدرجة أنا استغربت إزاي الراجل ده من أعوان الإمام أحمد وإزاي الراجل ده قنصل وتبعهم في الخارجية وبيتكلم هذا الكلام الخطير لدرجة افتكرت قلت الله..

سامي كليب: يمكن جاسوس.

صلاح الدين المحرزي: أه يعني الراجل ده جاي يعني يشوف يجس نبض الناس وبعدين فوجئت قال أنا هجيب لكم بإذن الله مفتاح الإمام جاب لنا واحد عراف اسمه محمد حلمي ده اللي يعرفه بتاع الإمام أحمد ما بيأخدش قرار إلا لما يستشير الراجل ده فجاء لنا العراف ده وهو كان يحب عبد الرحمن البيضاني قوي قوي ويعتبره ابنه شاف لنا الطالع كلنا..

سامي كليب: شاف طالعك؟

صلاح الدين المحرزي: أه وشاف الطالع بتاعي أنا وبتاع رئيس البعثة ومحمود عبد السلام كان انضم لنا من أحد الأخوة اللي لهم دور كبير في البعثة ولعادل السيد وبعدين بعد ما كتب تقرير أراه لنا بيقول للإمام أحمد إن البعثة دية كلها من نسل سادة ومن نسل الرسول ودول هيكون الخير على أيديهم ودعم البدر على أيديهم ودول هيعملوا وهيعملوا وهيحرروا بالجيش اللي هيكونوه لك كلام جميل جدا وقبض في العملية ديه أخذت بالك هديه حتى كان ألف ريال في كيس لما جينا نديهم له يعني كده الراجل مش بتاع فلوس يعني رماهم خبطها كده برجله كده على الأرض ولو إنه وهو ماشي أخذها.

سامي كليب: طيب ماذا قرأ لك في طالعك؟

صلاح الدين المحرزي: وبعدين بعد ما فندهلي قال لي الورقة ديه عشانك أنت، بصيت قرأت الكلام اللي كاتبه يمكن سيادتك اطلعت عليه أخذت بالك فوجئت إنه كاتب إن هيحصل ثورة وهيحصل حرب وهتسيل دماء وأنا بالذات هأشترك مش عارف في أكثر معارك اليمن وهيحصل وهيحصل وهيحصل وبعد كده هتسيب اليمن ويحصل في في مصر كذا وكذا يعني كلام الحقيقة استغربت له لحد النهاردة بيتحقق هذا الكلام بتاع الراجل ده.

سامي كليب: غريب جداً.

صلاح الدين المحرزي: أخذت بال سيادتك المهم لم قدم تقرير للإمام أحمد الإمام احمد طلب رئيس البعثة وراح قابله ورجعنا سابنا فترة وبعدين فوجئنا الراجل ده كان داهية الإمام أحمد برضوا أصر إن إحنا إيه يحط البعثة في وضع هي تهرب من نفسها فجاء لنا الأخ حمود الجيفي يعتبر من الناس الشرفاء الله يرحمه في اليمن يعتبر من أحرارها والراجل كان داخل وعليه كده وجوم كان ماسك الجمارك وقال والله صدر جواب من الإمام إنكم تتحركوا إلى سيبوا الحديدة وتروحوا على الزايدية وتتولوا تدريب الجنود اليمنيين على السلاح الجديد.



[موجز الأنباء]

تشكيل فوج البدر اليمني

سامي كليب: الإمام أحمد سعى بطرق مختلفة وملتوية لدفع البعثة العسكرية المصرية في اليمن إلى الرحيل عن بلاده ولهذا السبب بالضبط جعلها تعيش أوضاعا حياتية صعبة فهو لم يشاء أن يطلب منها الرحيل ولكنه أعتقد أنها ستفعل بعد يأس وحين كان اللواء صلاح المحرزي يشرح لنا الصعوبات التي اعترضت بعثته في الأشهر الأولى في اليمن كانت زوجته تستمع إلينا في الغرفة المجاورة وتهز برأسها موافقة على ما يقول فتمنيت عليها أن تقول لنا كيف وجدت اليمن حين وصلت مع زوجها إلى هناك؟

زوجة صلاح الدين المحرزي: اليمن كانت جميلة وأنا انبسطت فيها عموما يعني، يعني لم يكن فيها خروج ولا أي ترفيه بس انبسطت ليه لأن أنا طبيعتي أني دائما في البيت فانبسطت فيها وكانت كويسه بس العيشة كانت صعبة.

سامي كليب: شو الصعب فيها يعني كان؟

زوجة صلاح الدين المحرزي: الحياة يعني ما فيهاش أي حاجة يعني مريحة في البيت هو عمل لي زي طقم في البيت جاب لي فلتر للميه التواليت عندهم صعب جدا أياميها يعني سنة 1959.

سامي كليب: كنت ناصرية حضرتك كمان ولا لا؟

زوجة صلاح الدين المحرزي: أه لا جمال عبد الناصر أحبه قوى وأنا ذات نفسي باقول الله يرحمه اللي ما فيهوش خير في عبد الناصر ما فيهوش خير في الباقي، أنا باتكلم بجد فاللي بيتكلم على عبد الناصر بعد ما توفي هيتكلم على أي حد ثاني.

سامي كليب: اللواء المصري صلاح المحرزي يحتفظ مع زوجته بالكثير من الصور عن تلك التجربة اليمنية في عهد الإمام أحمد ولكن الصور الأهم هي تلك تحفظها ذاكرته وفي الذاكرة محطات كثيرة فيها من المجد بقدر ما فيها من الدماء والدموع فالبعثة المصرية كانت أقنعت آنذاك الإمام أحمد بتدريب بعض قواته والإمام عزلها صيفا في حر قلعة الزيدية وشتاء في صقيع منطقة عمران ورغم ذلك فإن اللواء المصري صلاح المحرزي ورفاقه نجحوا في إقناع ابن الإمام أحمد أي الإمام البدر بإنشاء لواء عسكري بأمرته وكان في ذلك أول إنجاز كبير للجيش اليمني من جهة وأول بذور الثورة على عهد الإمام من جهة ثانية حتى ولو أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يكن مستعجلا على قلب الإمام أحمد.

"
الرئيس جمال عبد الناصر كان يريد حصول نواة للبنية الأساسية للقوات المسلحة اليمنية دون أن يؤخذ على البعثة المصرية أي مأخذ أو يظن أنها تعد لثورة
"
صلاح الدين المحرزي: الرئيس عبد الناصر كان عاوز إنه يحصل نواة للبنية الأساسية للقوات المسلحة دون أن يؤخذ على البعثة أي مأخذ أنها بتتدخل أو بتعد لثورة.

سامي كليب: يعني في البداية لم يكن راغبا في قلب الإمام أحمد؟

صلاح الدين المحرزي: لا.

سامي كليب: حتى بعد ما عرف بكل المشاكل؟

صلاح الدين المحرزي: كان أمله في البدر وكان أمله أن البدر هو اللي هيخوض الإصلاح وإلى آخره..

سامي كليب: طيب صحيح وهنا سننتقل إلى موضوع البدر حضرتكم أقنعتم البدر ابن الإمام أحمد بتدريب وتشكيل نواة جيش له سمى بفوج البدر.

صلاح الدين المحرزي: أول حاجة عملناها لما وصلنا لغى حكاية عمران وقلنا لما زرنا القوات اللي موجودة في العرض القديمة بتاعتهم فقلنا إن فيه نواة هناك اسمها فوج البدر طب ما تعطيها لنا هذه عشان يبقى حرس منظم يستقبل الوفود يستقبل ده وهيعمل لك إيه ده هيبقى بتاعك أنت الحرس بتاعك فالبدر قدر يقنع أبوه بهذا الكلام فانتهزنا هذه الفرصة.

سامي كليب: كنتم تلاحظون أنه البدر قريبا أو قريب لمصر مثلا؟

صلاح الدين المحرزي: أه البدر وكان يوحي بأنه هو هيكون طوق النجاة والخروج من عصر التخلف اللي موجود ده لما يتولى الحكم في اليمن..

سامي كليب: كان يكره..

صلاح الدين المحرزي: بس كان بينافسه عمه الحسن، عمه الحسن صورة من الإمام أحمد.

سامي كليب: كان يكره والده الإمام أحمد؟

صلاح الدين المحرزي: كان يكره أبوه الإمام أحمد لأنه كان قاسي جدا عليه ورغم قسوة الإمام أحمد عليه إلا أنه كان يهدف ويرتب الأمور ليتولى البدر بدل أخوه الحسن.

سامي كليب: لافتني أيضا سيادة اللواء إنه ماذا كان يتقاضى الجندي اليمني آنذاك يعني فقط شيئا للأكل.

صلاح الدين المحرزي: يعني يدوبك يعني حامود الجيفي الله يرحمه اللي كان ماسك الجمارك كان مرتبه أربعة ريال في الشهر.

سامي كليب: هذا مسؤول كل الجمارك في اليمن؟

صلاح الدين المحرزي: أه ولما بعت للإمام أحمد يقول له أنا يعني الحياة غليت ويزود مرتبه فرد عليه الإمام أحمد الولد حمود وأين المصاميص يعني الرشاوي بتاعت الجمارك أنت ما عملتش حسابها ليه؟ المهم أن إحنا كان يعني الصورة هذه خلقت فينا دفعة وإحنا بندرب وإحنا بنخطط للتدريب..

سامي كليب: طيب أسستم فوج البدر.

صلاح الدين المحرزي: أسسنا فوج البدر على أساس كان فيه مجموعة ضباط تولينا أو مجموعة صف ضباط انتقيناهم ودربناهم وشحنهم شحنة معنوية لا تتخيلها عن تاريخ القومية العربية وعن البطولات اللي في العالم العربي وعن الفتوحات في الإسلام وإزاي الجيش اليمني ده هو كان الأساس في الفتوحات الإسلامية خدت بالك والحضارة بتاعت سبأ وإلى آخره وكان من هذه المجموعة كنت باعتبر أنا إن فوج البدر ده هيبقى رأس الحربة لأي عمل ثوري في المستقبل.

سامي كليب: وكان الكلام صحيح يعني كان هناك ضابطان عبد الله اللقية وعلي العلفي.

صلاح الدين المحرزي: كله عبد الله اللقية وعلي العلفي وعبد الكريم السكري وعبد الله السكري وحسين النهمي وعبد الرحمن الترزي هذه المجموعة وقتها..

سامي كليب: ولكن خصوصا لقية والعلفي هما اللذان أطلقا الرصاص على الإمام أحمد.

صلاح الدين المحرزي: أطلقا الرصاص على الإمام أحمد في الحديدة قبلهم حاول يغتال البدر قبل السكري هو وأخوه ولكن كان نسي الرشاش بتاعه كانت سقاطة الأمان على وضع الأمان فمخرجتش الطلقة واتقبض عليه.

سامي كليب: طيب سيادة اللواء يعني الجنود في اليمن أو أي يمني كانوا طبعا مواليين جدا للإمام يعتبروه الإمام سليل النبي صلى الله عليه وسلم ويعني من الأسرة الكريمة هل كنتم تعانون مثلا هل كنتم تجدون صعوبة في إعطاء أوامر خصوصا إنه الشعب اليمني معروف بإنه عنده عنفوان وعنده..

صلاح الدين المحرزي: شوف سيادتك في الأول إحنا وكان تجربتنا إحنا إبتدينا مع فوج البدر وجدنا صعوبة في الأول ولكن لما اختلطنا بهم وكان اختلاطنا يومي ومستمر، اليمن بطبيعتهم وخصوصا المناطق غير الزنانيق وتهامة دول بقى اليمنيين اللي هما العرب من أصول عربية أخذت بالك في منتهى الذكاء في منتهى الشجاعة حافظين القرآن فكان بيتقبل لما نتكلم معاه ونتكلم عن تاريخ بلده ونتكلم عن دورهم في الفتوحات الإسلامية فكان بيستهويهم هذا الكلام وبعدين لما كنا بنعرفوا يعني العالم النهاردة موجود فيه إيه الحقوق بتاعته.

سامي كليب: لأنه كان اليمن مقطوعا عن العالم الخارجي.

صلاح الدين المحرزي: أه فكنا يعني وكنا بنقعد بالساعة أو بالساعتين وبالثلاثة وكان حتى عمليات التدريب بتاعنا اللي إحنا بنعملها معهم تسير في نهرة الوطنية بتاعته فكان مثلا من ذكاؤهم إن التدريب على الأسلحة المضادة للطائرات المدفع 37، النشينكهات المكتوبة بالإنجليزي كان بيجيد استخدام السلاح خلال 15 يوم أثناء لما كان نطلع نرمي لضرب النار ممتازين قدرنا نربطهم مع بعض من قبائل مختلفة تكونت منهم فصائل تكونت منهم سرايا، الناس العقلاء بتوعهم اللي هما المفروض هما من كل مجموعة جايه من قبيلة جايبه واحد زي إيه رئيس عليهم عملناهعم صف ضباط.

سامي كليب: تم إقناع الإمام البدر وكذلك الإمام أحمد بضرورة توسيع قاعدة الجيش خصوصا أن الجيش الإنجليزي المحتل كان يكثف اعتداءاته، اشترط الإمام أن يكون أبناء القبائل هم الضباط تم إنشاء مركز للتدريب في منطقة تعز ونجحت البعثة العسكرية المصرية فيما كان الانفصال قد وقع بين مصر وسوريا فتم إرسال بعض الضباط المصريين العاملين سابقا في سوريا إلى اليمن وكان بينهم ضابط موالي للقيادي العسكري الكبير شمس بدران وهو الذي تسبب بإنهاء مهمة ضيفنا اللواء صلاح المحرزي في اليمن حين اختلفا الرجلان، عاد صلاح المحرزي خائبا إلى القاهرة وبقي فيها ثلاثة أشهر حتى طلبه المشير عبد الحكيم عامر في مهمة إنقاذ.

صلاح الدين المحرزي: العملية أصلها المهم وأنا في بيتنا هنا قعدت حوالي ثلاثة أشهر أخذت بالك لا تليفون، الأصدقاء هربت اللي يعرفني يتبرى مني..

سامي كليب: زي العادة طبعا.



رحلة الإنقاذ في الجبل الأسود باليمن

صلاح الدين المحرزي: كالعادة ففي مرة من المرات قاعد في الفاراندا بره هنا هو وبأكلم نفسي زعلان الله الأولاد مكملوش تعليمهم البنات متجوزتش يعني ضيعت مستقبلك وإلى آخره أخذت بالك نيجي تاني للخطوة التالية يعني يا عالم يا سجن يا ده يا ده والله وأنا موجود بصيت لاقيت عربية بوليس حربي جايه نزل ضابط البوليس الحربي بيقول لي رئيس الأركان كان طالبك طلبني رئيس الأركان على عامر الله يكرمه قالي المشير عبد الحكيم عامر بنفسه منتظرك في صنعاء ففوجئت أخذت بالك.

سامي كليب: خفت؟

صلاح الدين المحرزي: لا مش خوفت فوجئت يعني الله من بيتنا لقائد القوات طالبني في صنعاء أنا وقالي أخذت طائر للأنتينوف حاجزين لي فيها وصلت صنعاء كان بيودعني الأخ شرف ترك كان من المخابرات العامة وماسك مجموعة الدول العربية ووصلت صنعاء أخذت العربية اللي مستنياني على استراحة المشير وطلعت فوق عل شفيق دخلني أوضة المشير كان في أوضة النوم بتاعته أخذت بالك ولسه بيطلع اللبيسة من الجزمة وبيدور كده فقال له صلاح المحرزي يا فندم الراجل قابلني مقابلة مقابلة أب الله يرحمه وده كان أو لقاء مباشر لي مع عبد الحكيم عامر.

سامي كليب: يبدو أن المشير عبد الحكيم عامر احتضنك وقبلك ويعني قال لك كلاما وديا جدا.

صلاح الدين المحرزي: قابلني مقابلة أب وأنا كنت في أشد الحاجة في الفترة دي هي لأن كانت معنوياتي بتغلي.

سامي كليب: وكان موجود عنده أنور السادات صحيح؟

صلاح الدين المحرزي: فعلا يعني أنا وأنا جاي بدور عشان أقعد بعد ما قبلني فواحد كان شايل فنجال وبيدينا ظهره وطالع بره فلاقيت بيقول له أقعد يا أنور اللي هو الرئيس أنور السادات، أنا عاوزك تسمع هأقول لصلاح إيه أنور السادات وبعدين أنا افتكرت بقى هيكلمني تنظيم الضباط واللي قام مين سوى ومين اللي عرض ومين معرضش وده قال إيه وده قال إيه أخذت بال سيادتك اللي هو محور التقريب أنا كنت ودي كانت فأفاجئ بيقول لي إيه بيقول لي يا صلاح إحنا عندنا في وحدة من الوحدات كتيبة كذا أنا شيلت قائدها وعزلت الأربعة ضباط فيهم عزلتهم عساكر ومنهم الأخ خالد الأمير كان نقيب أياميها اللي هو الملحن الكبير هنا عندنا وهو شاب من الشباب..

سامي كليب: عزلهم لأي سبب؟

صلاح الدين المحرزي: لعساكر..

سامي كليب: شو السبب؟

صلاح الدين المحرزي: السبب إنهم يعني لما راح لهم الفريق القاضي قابلوه مقابلة سيئة جدا ورئيس التوجيه المعنوي وإحنا جئنا هنا بنحارب يمنيين وبنحارب أخوتنا في الإسلام وليه وده غلط..

سامي كليب: يعني اعتبر المشير إنه فيه حركة تمرد؟

صلاح الدين المحرزي: اعتبرها هذا خد بالك لكن هي ما كنتش وصلت لهذا الشكل ولكن قبل ما خد بالك فلدرجة أن البعض قال لك إحنا لازم نؤدب الولاد دولة الروح بقى النازية اللي كانت سائدة الجيش، إحنا نأخذهم يروحوا يعتقلوا في معسكر من معسكرات الاعتقال اللي في اليمن فكان الفريق مرتجي موجود ورجل عاقل ومن القادة اللي أنا أحمل له كل تقدير خد بالك وله دور كبير جدا..

سامي كليب: رغم أنه حُمِل المسؤولية في نكسة 1967؟

صلاح الدين المحرزي: والله ظلم لأن لها كلام أخر ولكن ده رجل أقول إيه يعني ما يتكررش من القادة العظام الوطنيين خد بالك النظاف فقال دي هتبقى نقطة سوداء يا فندم في تاريخ العسكرية المصرية لما نعمل كده الكتيبة كلها تتجازى وتدخل السجن لا إحنا نيجب لها قائد على دراية باليمنيين وممكن يتعامل معاهم والعساكر بتحبه.

سامي كليب: ذهب اللواء صلاح المحرزي إلى الجبل الأسود في اليمن كلف بمهمة صعبة تقضي بإعادة تلك الكتيبة المصرية العاملة هناك إلى الطريق القويم، أعطاه المشير عبد الحكيم عامر سلطة إعدام من يشاء منها ولكن حين وصل اللواء المحرزي إلى مكان الكتيبة وجدها في حالة مأساوية ووجد الكثير من أعضائها جثثا هامدة بعد اشتباكات دامية مع أبناء القبائل فكيف كانت الحال إذاً آنذاك؟

صلاح الدين المحرزي: طائرة هليكوبتر أخذتني نزلتني لقيت رئيس العمليات يوسف شعير منتظرني ركبت العربية المدرعة ومقفولة وفي الطريق كان فيه كول كان بعتينه عشان يدي معونة وحاجات للكتيبة دي هي مدمر كله بالكامل وجثث عساكر من اليمين والشمال والكلاب عماله تأكل فيها وتمثل بها..

سامي كليب: الكلاب تأكل جثث الجيش المصري؟

صلاح الدين المحرزي: أه خد بالك سيادتك الكلاب والنسور منظر يعني سيئ وعقبال ما وصلت وطبعا طقطقة رصاص من اليمنيين المنطقة كلها كانت فاسدة مفسدة فسدت يعني انقلبت على الجمهورية رغم أنهم كانوا جمهوريين قبل كده وطلعت على الموقع بتاع الكتيبة هناك وأنا طالع وجدت برضه عدد من الجثث بتاعتنا منظر قاسي صعب، طلعت فوق لقيت مجمعين لي مجموعة الضباط اللي باقية وعدد من صف الضباط فإذا واحد فيهم من واحد باش شاويش تهجم بكلام يعني ألفاظ كده أنت حافظ كلمتين جاي تبخهم في وشنا فأنا بدون والله ما أشعر يعني لقيت نفسي لا إراديا داخل عليه خدت بالك وطبعا بأشتمه بألفاظ قذرة بألفاظ زفت وفجأة الولد ده راح اترمى علي واتقلبت القاعدة جلسة عاطفية طلبت بقى بعدها يوسف قلت له يا يوسف شوف حوالي كده كام واحد يتطوعوا معانا ننزل يا بني وكل واحد يجيب أزمة وكوريك وندفن الجثث..

سامي كليب: وندفن الجثث.

صلاح الدين المحرزي: وفعلا دفناهم وابتدينا خد بال سيادتك حتى وأنا طالع لقيتهم عمالين يكبروا وبيصلوا صلاة الميت وابتديت خطوة خطوة خطوة وانتهت في النهاية خالص بدون ما نخوض في تفاصيل موجودة في الكتاب.

سامي كليب: نجح اللواء صلاح المحرزي في إعادة الاعتبار للكتيبة المصرية في اليمن ولكن وبعد إحدى تلك المعارك الضارية بين الجيش المصري الداعم للثورة وبين القبائل الموالية للملكية قُتِل أحد الوجهاء، جرت مصالحة تعرض في خلالها اللواء المحرزي لعملية اغتيال بالسم وضعته ابنة الوجيه له وتم إنقاذ حياته في اللحظة الأخيرة وأما الخطوة المهمة الأخرى التي قام بها فتمثلت بالصلح الذي ساهم به شخصيا بين الثورة وبين الشيخ عبد الله الأحمر الذي كان قد أختلف آنذاك مع قائد الثورة عبد الله السلال رغم دعمه الكبير للثورة في بدايتها، وجد الشيخ عبد الله الأحمر نفسه مع رجاله وبينهم ضباط كبار محاصرين بين قوات السلال والجيش المصري من جهة وبين الملكيين من جهة ثانية، كان طلعت حسن علي قائد القوات المصرية يريد جلبهم فأقنعه اللواء صلاح المحرزي بتجنيب مصر مشاكل كثيرة خصوصا أنها كانت آنذاك قد دخلت مرحلة حرجة في الحرب مع إسرائيل في سياق النفس الطويل بعد النكسة.

صلاح الدين المحرزي: كان في خيمة كانت معدة وكان كل المشايخ بتوع حاشد غالبيتهم موجودين وجه معايا مندوب من شؤون القبائل ومن القيادة ومن رئاسة الجمهورية اليمنية وحضرنا هذا الاجتماع ابتديته بكلمة ثم ابتدى الشيخ عبد الله الأحمر يتكلم عن الثورة ودوره ودور حاشد في تأييدها..

سامي كليب: وهو دور صحيح هو دعم؟

صلاح الدين المحرزي: وقال يعني إن اللي حصل ده خطأ وما كانش ينتظر صحيح إن القيادة اليمنية أخطأت طيب القيادة المصرية العسكرية كان المفروض ما تغلطش هذا الخطأ ولكن يعني ما معناه يعني إحنا في قالب واحد وفي مركب واحدة وعفا الله عما سلف ونرجوا إن إحنا تعود الأمور إلى ما كانت عليها وإحنا سند للثورة وإلى آخره فاختلفوا بقى هم مع بعض.

سامي كليب: أهل القبائل الموجودين؟

صلاح الدين المحرزي: أهل القبائل أه، البعض قال لا إحنا نتحداهم وإحنا نحارب السلال ونعمل ونعمل ونسوي وإنذارات وإلى آخره.

سامي كليب: كنت تشعر إنه الشيخ عبد الله الأحمر ضد السلال؟

صلاح الدين المحرزي: لا ما كانش ضد السلال الشيخ عبد اله الأحمر كان الراجل مع الصح يعني آراؤه كلها كانت لخدمة الثورة ما كانش ضد السلال.

سامي كليب: صحيح في نهاية الوضع طبعاً فيما بعد اختلف معه يعني كما حصل خلافات مع الرؤساء الآخرين ولكن هو دعم في البداية السلال ولكن فيما بعد بعد هذا اللقاء يعني قبل أن يذهب معك إلى صنعاء.

صلاح الدين المحرزي: بعد هذا اللقاء كتب جواب بعته سلمته انا الخطاب من اللواء طلعت حسن وهو كتب خطاب لي اللواء طلعت حسن واتفقنا إن بعد أسبوعين هيجي هو ويخشوا على صنعا وفعلاً بعد الفترة ديه ما مضت كان المفروض أروح له أنا واستنى معه وأجي معهم ففي أخر لحظة قائد القوات قال لا نبعت الأخ محمد قائد وحدة من وحدات الصاعقة كان صديق عبد الله الأحمر اسمه محمد عبد الله عشان أنا ما أسيبش منطقة دروان واكون في لقائهم لما يرجعوا في دروان راح وتحرك الشيخ عبد الله الأحمر وبدل ما يجي هو ومجموعة قليلة هناك قالوا له لا إحنا لازم نحمي أنفسنا بجيش، استقبلتهم أنا هناك في دروان لما جم وكنا محضرين طبعاً عزايم ومحضرين حفل وإلى آخره، وصلوا دروان وحصل خلاف إيه الخلاف اللي حصل ده هو؟ قال لك لا ده السلال عمل خطة هو وزيدان عشان يغتالوا الشيخ عبد الله الأحمر وهو داخل على مشارف صنعاء وعشان خاطر يحرج القيادة العربية المصرية ويدينها في نفس الوقت بدم عبد الله الأحمر وقلنا ما يتنقلوش..

سامي كليب: وكان الخوف مبرر؟

صلاح الدين المحرزي: أه والشيخ عبد الله الأحمر جيه وقال لي مع مندوب بتاعهم وإلى آخره، الدنيا إتلخبتط كلها فاتصلت بالقائد اللي هو الأخ العيسوي قال لي طيب وأنا هأعمل إيه قلت له والله نبلغ سيادة اللواء طلعت بلغناه إن حصل من السلال كذا وكذا وكذا، سار هو برضوا طب الحل يا أولاد إيه؟ قلت له الحل سيادتك تيجي فجاب الراجل بطيارة هليكوبتر وجه نزل في دروان عندنا وأول ما نزل في دروان زي ما يكون ساحر أخذت بالك قابله عبد الله الأحمر وأخذوا بعض بالأحضان وبدأت الخناجر تطلع وبدؤوا يرقصوا ثاني والطبل والزمر وقال لهم بقى أنا هأخذ الشيخ عبد الله الأحمر معايا وانتو بقى حصلوني مع صلاح على صنعاء..

سامي كليب: وهذا ما حصل وانتهت المشكلة.

صلاح الدين المحرزي: وهذا ما حصل ودخلنا دخول الفاتحين إلى صنعاء وسار أخونا السلال وزعل مني.

سامي كليب: حضر ورغم ذلك تركك قائد وأصبحت مسؤول عن شؤون القبائل.

صلاح الدين المحرزي: وبعد كده بقى إيه نزل بقى الأخ طلعت حسن عادل الله يكرمه في مصر عبد الحكيم عامر كان سعيد جداً لأن الراجل من اختياره أخذت بالك وعمل وعمل وعمل رغم يعني الخناجر اللي انضربت بها في ظهري أخذت بالك فقال له ده يمسك شؤون القبائل ومدير استطلاع قواتنا المسلحة وده كان أخر حاجة أتولاها في اليمن.

سامي كليب: هكذا انتهت مهمة اللواء صلاح المحرزي في اليمن الذي أحبه وخدمه ذهب بمهمات عسكرية إلى هناك أربع مرات وقاد في اليمن خمس كتائب وبعد اليمن تولى منصباً كبيراً في الاستخبارات المصرية بعد أن كان قد أصبح قائداً للواء مشاة، كل ذلك التاريخ بات اليوم مادة يرويها المحرزي لأبنائه وأحفاده الذين كانوا ينصتون إلى هذه المقابلة وكأنهم يستمعون للمرة الأولى لروايته، لم أشأ الدخول معه بأخطاء تلك التجربة المصرية الصعبة في اليمن فهو كتب الكثير عنها في كتاب مذكراته ويعتبر أن مصر خدمت الثورة وخدمت نفسها ولكن خطر لي في نهاية الحلقة أن أسأله هل أنه بعد هذا العمر المديد يعتبر أن الثورة اليمنية أكلت أبناءها؟

صلاح الدين المحرزي: الثورة اليمنية سُرِقت من أبنائها في أيامها الأولى بوفاة على عبد المغني قائد الثورة بعد عدة أيام قلائل من قيامها، بعد ما مات على عبد المغني الأطماع والمصالح الشخصية أخذت بالك قامت بدور كبير جداً لإزاحة هؤلاء الثوار، البذور الحقيقية البراعم النقية لجيل جديد من الشعب اليمني بحيث أزاحته وسحبت منه حقه في قيادة هذه الثورة وفي التفاعل معها وفي حمايتها وفي تولي شؤونها بحيث أصبحوا إما في القبور نتيجة استشهادهم في المعارك أو في السجون أو مرضى بيعانوا من الفقر والإهمال.