- تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد
- كسب ثقة العراقيين وعراقيل تهيئة قمة 2002

- غسان سلامة.. عاشق السياسة والقراءة

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، هل تستطيع الولايات المتحدة الأميركية أن تحكم العالم طويلا؟ ليس الأمر محسوما بعد وفق ما يقول ضيفنا في أحد مؤلفاته الهامة والكثيرة والتي يعتمد عليها الكثير من ساسة العالم. في هذه الحلقة الثانية والأخيرة معه يحدثنا الدكتور غسان سلامة المستشار الدولي ووزير الثقافة اللبناني السابق خصوصا عن ذكرياته حين تم تدمير مقر الأمم المتحدة في بغداد وهو في داخله مرحبا بكم إلى برنامج زيارة خاصة.

غسان سلامة- وزير الثقافة اللبناني الأسبق : في هوس أميركي بالشيء الوحيد ياللي لا يشك أحد فيه بتفوق أميركا هو الجانب العسكري، في هوس فيه لأنه نصف الإنفاق العسكري الاقتصاد الأميركي صار فقط 20% من الاقتصاد العالمي بس الإنفاق العسكري الأميركي كان 20% أيام الاتحاد السوفيتي هلا صار 50%، 50% من التسعمائة مليار دولار اللي بينفقها العالم سنويا على السلاح نصفها بتنفقها أميركا، إذاً من الطبيعي إذا أداة التدخل والتأثير الأساسية تبعك هو العسكر أن تعطي العسكر ميزات فظيعة وأن تعطي البنتاغون ميزات على كل الإدارات الأخرى بواشنطن وهذا ما حصل في السنوات الأخيرة، بدأ بولاية كلينتون الثانية وتفاقم كثيرا بولاية جورج بوش الأولى والثانية. هنا أهمية العراق، العراق رحت حطيت رأس مالك الأساسي ياللي هو العسكري في الميزان فتمكنت خلال ثلاثة أسابيع من إسقاط نظام ودخلت إلى بغداد في فترة قصيرة تمتد من تسعة عشر آذار 2003 إلى تسعة نيسان 2003 ثم فرط الوضع الأمني من يدك، فأصبت بما تعتبره أساس هيمنتك على النظام العالمي، لذلك ما هو حاصل في العراق يتجاوز بكثير مصلحة العراقيين ومستقبل حتى منطقة الشرق الأوسط، هو يصل إلى التشكيك بأداة التأثير الأولى وشبه الوحيدة لأميركا في العالم.



تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد

سامي كليب: ولأن العراق مهم بالنسبة لأميركا ولأن العراق مهم بالنسبة للعالم كان لابد لضيفنا غسان سلامة من أن يكون في قلب الحدث الدولي، انظروا إلى هذه الصورة هذا الغلاف جاب العالم كان هذه صورة تدمير مقر الأمم المتحدة في بغداد انهار المبنى على رؤوس ساكنيه في التاسع عشر من شهر آب/أغسطس عام 2003، قُتل تسعة وعشرون شخصا بينهم رئيس بعثة الأمم المتحدة سيرجيو دي ميلو وجرح مائة وتسعة وعشرون آخرون، انظروا جيدا إلى هذا الرجل القائم من تحت الركام هائما على وجهه يفتش عن رئيسه دي ميلو وعن رفاقه إنه غسان سلامة ضيفنا الذي كان أبرز مساعدي دي ميلو.

غسان سلامة: في الواقع كنا في مبنى جزء منه يعطي على الطريق العام وجزء منه يعطي على حديقة داخلية، مكتب سيرجيو دي ميلو كان من المكاتب التي تطل على الطريق حيث وُضعت الجبّالة المفخخة، نحن نعتقد أنها كانت جبّالة باطون فُخخت ووُضعت هناك، بينما مكتبي كان يطل على الحديقة الداخلية، قبل حوالي دقائق من الانفجار كنا واقفين أنا وسيرجيو نخطط لسفرنا في اليوم التالي إلى الموصل، كنا ذاهبين في صباح اليوم التالي إلى الموصل وكنا نتحادث عندما جاء أحد حراسي وقال لي أن ضيفي قد وصل وبالحقيقة كنت أنتظر سيدة ألمانية مع القائم بالأعمال الألماني وكان من المفروض أن يأتيا إلى مكتبي لتسليمي رسالة لزوج هذه المرأة الذي كان معتقلا عند الأميركان وهو كان وزيرا وهو أحد الخمسة وخمسين الذين كانوا مطلوبين وسلم نفسه للأميركان، فقال لي سيرجيو لديك موعد الآن قلت له نعم مع هؤلاء الناس قال لسوء الحظ لأن أيضا أنا سيأتيني ضيوف من أميركا وقد طلبوا أن يقابلوك، فقلت له سأنتهي من هذه السيدة هي فقط مجرد تسليم رسالة وثم سألتحق باجتماعكم مع مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، قال طيب، دخل إلى مكتبه ودخلت إلى مكتبي وجلست على المكتب وحصل الانفجار في حينه ولحسن الحظ أنني لم أكن.. لم أزل في الممر لأنه الممر هبط أيضا، كنت قد وصلت إلى مكتبي ولحسن الحظ أيضا أنني وقفت بعد الانفجار من الكرسي وعندما وقفت من الكرسي لم أكن أنتبه أن مكيف الهواء فوق رأسي كان أيضا قد خرج من مكانه وسقط على الكرسي وحجمه أكثر من ثلاثين كيلو تقريبا بعد دقيقة من مغادرتي الكرسي الذي كنت جالسا عليه..

سامي كليب: نجوت مرتين؟

غسان سلامة: نجوت مرتين في الحقيقة..

سامي كليب: ذهبت طبعا للتأكد من طبيعة حياة سيرجيو؟

غسان سلامة: حصل فوضى أولا سألت عن.. لدي مساعدين قريبين سألت عنهم فمكاتبهم كلهم أيضا إلى جانب الحديقة، فكلنا أُصبنا بجروح خفيفة أنا وهم من الزجاج ولكن لم يقع حائط أو علينا أو شيء من هذا النوع، ثم كان هناك حرس أميركان على الباب فأمروا كل الناس بالمغادرة وبقيت وحدي مع رجلي أمن تابعين لسيرجيو كانوا في المبنى وبدأنا البحث عن الجثث وأيضا عملية نقل الجرحى، هناك عدد كبير من الجرحى، عملية إخلاء الجرحى كانت متطورة جدا بالحقيقة خلال أقل من نصف ساعة كان الجيش الأميركي قد نقل مائة واثنين وخمسين جريحا إلى مختلف المستشفيات كانت الصعوبة ستأتي لاحقا في إيجاد هؤلاء الناس لأن نُقلوا إلى مستشفيات مدنية.. ميدانية وكان من المستحيل علينا أن نصل إليها ثم تمكنت شخصيا من الحصول على كل الأذونات لكي.. وذهبت من مستشفى إلى مستشفى لأن عددا منهم كانوا في حالة اللاوعي من الجرحى وبعض المستشفيات الميدانية كانت على بعد مثلا هناك عندنا مستشفى ميداني في بلد على بعد خمسين كيلومتر أو ستين كيلومتر شمال بغداد أو جنوب بغداد في الرستمية وفي أماكن أخرى يعني أخذ الموضوع أكثر من أسبوع لكي..

سامي حداد [مقاطعاً]: طيب ولكن متى وجدت سيرجيو نفسه يعني؟

غسان سلامة [متابعاً]: يعني كنا نسمع تأوهات من تحت الركام وكنا نتحدث ونسمع هذه التأوهات وأدخلنا مياه من خلال فجوة ريثما أتى الدعم البري، يعني (Bulldozers) والرافعات وإلى آخره، نقل الجرحى تم بالهليكوبتر لذلك تم بسرعة، لكن رفع الأنقاض كان بحاجة لوصول الآليات اللازمة، الآليات اللازمة بحاجة لحماية عسكرية فكانت تسير ببطء شديد، شديد لم تصل إلا قبل حوالي ساعة إلى موقع الانفجار وعندما.. قبل أن تصل كنا نبحث بأيدينا بالحقيقة مع بعض الذين بقوا في الموقع ونسمع هذه التأوهات، أنا كنت أعتقد أنها تأوهات سيرجيو فكنت أتحادث معه خلال ذلك وأقول له اصمد وسنصل إليك ولا تخف وأشياء من هذا النوع وكنت أسمع التأوهات في الحقيقة الآن أعتقد أنه لم يكن سيرجيو أعتقد أن سيرجيو..

سامي كليب: قُتل على الفور..

غسان سلامة: لأن كانت هناك كان هناك رجل رأيناه من الطابق الثاني وقد أصبح في الحضيض يعني في الأرضي بعد هبوط الغبار افتكرناه سيرجيو بسبب الغبار لكن بعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة كان أحد ضيوف سيرجيو من الأميركيين وكان وقع فوق سيرجيو ووجدنا جثة سيرجيو من بعد ما انتشلناه وقد فقد رجليه الاثنتين وأعتقد أن سيرجيو توفي في فترة قريبة بعد الانفجار وليس كما كنا نعتقد بعد ساعات من الانفجار.

سامي كليب: وقع الانفجار الرهيب واعتقد الجميع بأن غسان سلامة قتل هو الآخر في هذا الانفجار خصوصا أن بعض التلفازات بثت نبأ وفاته ولكنه نجا واستطاع بعد حين طمأنة الجميع عبر محطة تليفزيونية بريطانية واتصل بعائلته التي لم تكن تعرف ربما أنه قبل الانفجار تعرض مع دي ميلو لمحاولات قتل أخرى في العراق.

غسان سلامة: قبل بأسبوع كنا عائدين من تركيا أنا وسيرجيو وأُطلق صاروخ سام على الطائرة وهي تحط وعندما نزلنا من الطائرة أطلقت قذيفة مدفعية، كان هناك قرار بإقفال الأمم المتحدة..

سامي كليب: من مين.. مَن الذي فجر؟

غسان سلامة: أعتقد من بعض أطراف المقاومة هناك بعض..

سامي كليب [مقاطعاً]: أي أطراف تقريبا؟

غسان سلامة [متابعاً]: هناك موقع باكستاني عرض بعد فترة من الزمن تنظيما إسلاميا أو إدعاء لأحد التنظيمات التابعة للقاعدة أو القريبة من القاعدة بذلك، لكن قيل لي مؤخرا أن التحقيقات التي أجراها الأميركان توصلت مؤخرا إلى أن الانفجار لم يكن على يد استشهادي، كانت سيارة مفخخة ولم يكن فيها.. يعني لم يجدوا حامضا لغير الجرحى والقتلى لشخص غريب عن الـ (DNA) لم يكن هناك (DNA) لغير يعني الجرحى والقتلى وبالتالي وصلوا إلى قناعة.. أننا كنا نبني آنذاك حائطا بسبب زخات الرصاص التي كانت تطال..

سامي كليب: المبنى.

غسان سلامة: المبنى أحيانا فقررنا يعني إقامة جدار أعلى بسبب الرصاص فكانت هناك شركة ويبدو أن جبّالة أُدخلت من خلال الشركة أو إلى جانب الشركة في طريق فرعي وانفجرت.

سامي كليب: هل كان لأميركا مصلحة بأن تبقوا في العراق من أن تبقى ممثلية الأمم المتحدة؟

غسان سلامة: نعم أعتقد ذلك، أعتقد أن مع بداية.. في مطلع الأمر لم يكن هناك اهتمام بوجود الأمم المتحدة في العراق..

سامي كليب: دور الأمم المتحدة في العراق كاد أن يكون كبيرا ويغطي النواقص في السياسة الأميركية أو يُصحح الأخطاء الأميركية الكثيرة وسيذكر التاريخ أن غسان سلامة كان صاحب فكرة إنشاء مجلس الحكم الانتقالي خصوصا أنه يعتبر أن بول بريمر كان يملك من الصلاحيات ما يفوق صلاحيات الرئيس العراقي السابق صدام حسين، نجح غسان سلامة في جذب ثقة العراقيين مجددا صوب الأمم المتحدة، ثقة مكنته من الاتصال بالجميع وكان الاتصال الأبرز مع آية الله علي السيستاني الذي كان يُقال إنه يجامل الأميركيين خصوصا حين كان القيادي الشيعي الشاب مقتدى الصدر يقارعهم عسكريا ويحرق الأرض تحت أرجلهم، كان غسان سلامة يعمل لتشجيع العراقيين على تحسين ظروف حكمهم عشية إعلان مجلس الحكم.



كسب ثقة العراقيين وعراقيل تهيئة قمة 2002

غسان سلامة: أنا أذكر أن نائب الرئيس العراقي صديقي عادل عبد المهدي جاءني وقال لم يزل هناك هذه الأسطر لا نقبل بها لا تعطينا صلاحيات تنفيذية لاسيما بالرقابة على الإنفاق قلت له ارفضوا وسندعمكم نحن نريد لكم أكبر صلاحيات، نريد أن يتسلم العراقيون بأسرع وقت ممكن، أما مع السيستاني فالأمر مختلف، السيد علي السيستاني رجل فاضل وحكيم ويعني كان له رأي لا يتعلق بهذه الأمور، كان يعني له رأي بأن.. ككل رجال الدين في كل الأديان أعتقد، هناك عند رجال الدين دائما هوس بالنصوص فبتعرف هم رجال الدين بالأساس الكتاب..

سامي كليب: النص طبعا.

غسان سلامة: إذا ما فيش كتاب ما فيش رجل دين ما فيش دين أساساً، فالسيد علي السيستاني ككل رجال الدين الكبار يعتبر النص أمر في غاية الأهمية فكان هاجسه منذ اليوم الأول للاحتلال بأن يكون هناك دستور لم يكن.. أنا صدقني عندما كنا نتحدث مع بريمر بالدستور كان يضحك، عارف بلد لا فيه أمن ولا فيه كهرباء ولا فيه بنزين ولا فيه كذا ولا فيه حتى من يمثل العراقيين دستور، عندما نتحدث مع العراقيين لم يكن أحد يذكر الدستور، ذهبنا لزيارة السيد علي السيستاني فكان الموضوع الوحيد..

سامي كليب: الدستور.

غسان سلامة: الدستور، فكنت في تلك المرة مع سيرجيو فقال لنا بالعربية أنا أريد دستور هذا مطلبي الوحيد ولكن أريد دستورا يكتبه عراقيون مُنتخبون من الشعب، هذا أمر كان باطل بالنسبة للأميركان، كان هناك عدة دساتير مكتوبة، كان هناك مكتب محاماة في واشنطن أخذ مالاً طائلاً من الأميركيان وكتب دستور للعراق وأنت تعلم أن فيليب حبيب يمكن اللبناني فيليب حبيب..

سامي كليب: طبعاً المبعوث الدولي على أيام الحريري.

غسان سلامة: فيليب حبيب اشتهر تعرف شو اشتهر بالدبلوماسية الأميركية كتب دستور فيتنام الجنوبية أيام الجنرال ويست مورلان كان مستشار سياسي الدستور وكتب هذا الأمر والجنرال مكارثر كتب الدستور الياباني يعني ناس كتبوا له الدستور الياباني في عادة وقت الاحتلال الأميركيان إنه يصدروا لك غير الماكدونالد والوجبات السريعة..

سامي كليب: دساتير.

غسان سلامة: دساتير فبالعراق كان في هذا المشروع جاء السيستاني قال لا، فأنا فهمت فوراً سيرجيو كان بحاجة لترجمة وكان معنا شاب فلسطيني كويس مروان يترجم لسيرجيو ما يقوله السيد السيستاني، فقال المترجم السيد السيستاني لسيرجيو السيد السيستاني يصر على أن يكون..

سامي كليب: الدستور العراقي.

غسان سلامة: الدستور العراقي..

سامي كليب: من قبل عراقيين منتخبين.

غسان سلامة: من قبل عراقيين، فأجابه سيرجيو من قبل عراقيين طبعاً هذا أفضل فتُرجم للسيستاني من قبل عراقيين فثارت ثائرته أنا لم أقل من قبل عراقيين، من قبل عراقيين منتخبين، فقلت له أنا فهمتك سيدي لا تخف وصلت الرسالة ثم أضاف بالمناسبة أنا سأصدر فتوى بهذا الموضوع بعد أيام وسأُحرم التعامل مع الاحتلال حتى يكون هناك أوف يعني.. فسألناه هل غير إعلام السيد الأمين العام يجب أن نُعلم الأميركيان بهذه الفتوى فقال نعم أنا لا أستقبلهم ولكن بإمكانكم أن تقولوا لهم أن هذا موقفي ولا عودة عنه، أنا أعتقد أن ما فرض على الأميركيان الدستور بكتابة.. بأيد عراقيين لديه مآخذ لا تعد ولا تحصى على هذا الدستور يعني أنا..

سامي كليب: خصوصاً أنك درسته بتمعن.

غسان سلامة: أعتقد أن هذا أن العراقيين يستحقون دستوراً آخر لكن من أصر على أن يكون هناك انتخابات لمجلس دستوري يُصيغ دستور وأن توضع مسألة الدستور في صدارة كل القضايا الأخرى هو السيد علي السيستاني، لذلك لم يكن يهتم كثيراً في موضوع مجلس الحكم يعني لم يكن البحث بهذا الموضوع بقدر ما كان في موضوع الدستور.

سامي كليب: العراق كان المحطة الأكثر خطورة ودموية في التاريخ الحديث لغسان سلامة الذي كان نجا أيضاً من الموت في لبنان حين كان يجتاز خطوط تماسه بين المنطقتين الشرقية والغربية لبيروت يُعلم تارة في الجامعة الياسوعية وأخرى في الجامعة الأميركية أما المحطة السياسية الأبرز في عمله في لبنان فلعلها القمة العربية الشهيرة التي عقدت عام 2002 والتي تبنى فيها العرب مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله للتطبيع الكامل مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل، بخمسة ملايين دولار فقط استطاع غسان سلامة وزير الخارجية السابق تنظيم القمة معتمداً على سبعمائة متطوع دربهم خير تدريب بينما القمم الأخرى قد تُكلف ثلاثين مليوناً في الدول العربية وبحنكته عرف كيف يرضي هذا الرئيس وذاك الأمير حيث أن قادتنا العرب يختلفون عادة ليس على السياسة فقط وإنما على مكان إقامتهم أو مكان جلوسهم في القمة.

غسان سلامة: معظم الناس اللي محيطين بالزعماء العرب يعتقدون أن التعبير عن ولائهم للزعيم الكبير يتم باستعداء كل الناس وبالتعامل بنوع من جلف وبالتعامل.. وبإظهار إن هم يعني مدافعين شرسين عن راحة ومصالح ويعني رغبات زعيمهم، فالتعامل معهم كان صعب بالمرحلة التحضيرية بس خليني أبعد عن يعني كل القصة هي صعبة أول شيء صعب على الرؤساء العرب أن يحترموا قراراتهم، قراراتهم هن سنة 2000 أخذت القمة الجامعة العربية قرار يعني مذهل بتأخره أن تجتمع مرة بالسنة، يعني تصور أن أولى المنظمات الإقليمية في العالم بالتاريخ سنة 1945، 1944 و1945 أنشئت جامعة الدول العربية ما كان عندها اجتماع سنوي، يعني ما بدي أحكي عن أي ما في منظمة بالعالم.. الاتحاد الأوروبي عنده ما لا يقل عن ثلاث اجتماعات سنوية، اتحاد الجامعة العربية ما كان عندها اجتماع سنوي، أخذوا قرار بالاجتماع السنوي وإنه بتنتقل من بلد لبلد فكان أول بلد الأردن راحوا على الأردن، الاجتماع الثاني صار في ناس يقولوا طيب لشو الاجتماع السنوي والظروف ما بتسمح وكذا وأتفه.. أتفه.. أتفه العبارات اللي سمعتها وسمعتها أحياناً من رؤساء دول إنه الخلافات العربية كبيرة فيجب عدم عقد القمة..

سامي كليب: تبرعت الإمارات العربية بالمال لكن المشاكل الأخرى كانت كثيرة كان حضور العقيد معمر القذافي يطرح مشكلة وحضور الرئيس ياسر عرفات المحاصَر مشكلة أخرى والتسوية بين العراق والكويت، ثم إن ملك المغرب يريد أن يتزوج، إن المشكلة الأساس كانت في كيفية تعريب مبارده الأمير عبد الله فحتى بعض الأطراف العربية المشاركة لم تشأ ذاك التعريب، كان أرييل شارون يستعد لعملية في الضفة الغربية وغزة وحصلت مجزرة جنين بعد القمة.

غسان سلامة: عدد من الأطراف العربية كانت قبلت على مضض من مبادرة الأمير عبد الله ولكنها كانت في الجوهر ترفضها وبالتالي كان عليها أن تقبلها ثم تجهضها.

سامي كليب: مين مثلاً؟

غسان سلامة: وهذا ما حصل في قمة بيروت بعد ما اتحدوا الاثنين.

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب مين رفض قمة الأمير عبد الله.

غسان سلامة [متابعاً]: لا كلهم قبلوا إجماعاً قرار إجماعي.

سامي كليب: لا مين ضمنياً كان يرفض؟

غسان سلامة: أنا بأعرف شغلة إنه عشية القمة يعني تبين إن الإجماع سيحصل غداة القمة سألت سؤال طيب لدينا الآن مبادرة ولبنان رئيس المجموعة العربية لفترة عام، ألم تُكلفنا القمة بعرض هذه المبادرة العربية التي لم تعد مبادرة الأمير عبد الله وإنما أصبحت مبادرة عربية؟ أليس من واجبنا كعرب حُملنا هذه المسؤولية أن نذهب بهذه المبادرة الكبيرة ونُسوّقها ونحصل على الرضا العالمي وعلى التنازلات العالمية بسببها؟ هذا السؤال وأُضيف، عقدت هذه القمة ستة أشهر بعد الحادي عشر من سبتمبر شو يعني؟ يعني في الفترة بين أحداث نيويورك وواشنطن وبين هذه القمة كان كل واحد فينا كعرب أنا وأنت وكل عربي كان متهم بأنه إرهابي.

سامي كليب: صحيح بحاجة لإعادة تلميع صورته.

غسان سلامة: وبحاجة لإعطاء.. وكنا كما ضرب على رؤوسنا شعوباً وحكاماً فأنا كنت ربما بسبب كثرة سفري وكوني كنت في الفترة التي سبقت القمة في جولة أيضاً في أميركا وفرنسا وما شابه كنت حريص على أن نُحول هذه القمة واحد لإثبات أننا دعاة سلام ولسنا دعاة إرهاب وثانياً لإعطاء صورة للنظام العالمي أن العرب ليسوا في موقع المتلقي الساكن الساكت السليب للضربات الخارجية والاتهامات الخارجية ولكنه أيضاً في موقع المبادئ والمبادر.

[موجز الأنباء]

غسان سلامة: العرب ليسوا في موقع المتلقي الساكن الساكت السليب للضربات الخارجية والاتهامات الخارجية ولكنه أيضا في موقع المبادئ والمبادر، لذلك تحمست لهذه القمة وكنت أنام في الوزارة نعم كنت أنام في الوزارة كنت أريد نجاح هذه..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب مين كان ضمنيا ضد مبادرة..

غسان سلامة [متابعاً]: لكل هذه الأسباب.

سامي كليب: اسمح لي معلش..

غسان سلامة: فجئت في اليوم التالي وأنت ستفهم جئت في اليوم التالي وقلت لدينا مسؤولية هائلة على أكتافنا مسؤولية إثبات أننا مبادؤون ومبادرون كعرب وباسم العرب بما أننا نحن الرؤساء وثانيا لأن لدينا مبادرة مقبولة وافق عليها العرب بالإجماع على مضض مش على مضد مسألة ثانية لكن وافقوا بالجماع فأُجبت هذه المبادرة السعودية فلتتكفل بها السعودية، لسوء الحظ لا لبنان لأسباب لبنانية وسورية تحمس لتسويق هذه المبادرة ولا السعودية كفت شغلها المتوقع منها أو دول الخليج معها من بعد قمة بيروت فأخذنا قرارا خطيرا ووجدت بين يدي يتيما اسمه قرار قمة بيروت يتيم يعني ولد.

سامي كليب: بأفهم من كلامك إنه فقط لبنان وسوريا تحفظا.

غسان سلامة: لا وأطراف عربية أخرى ولكن المهم إنه لم أجد طرفا عربيا لا صاحب المبادرة من جهة أي يعني السعودية ولا لبنان بوصفه رئيسة القمة ولا الأطراف العربية الأخرى كان العذر آنذاك إنه غداة القمة دخل شارون إلى رام الله وبالتالي هلا مش وقت الكلام بهذا الأمر كان جوابي لأنه دخل إلى رام الله علينا ونحن عاجزون عسكريا عن منعه عن مجزرة جنين أو عن محاصرة المقاطعة وما شابه، علينا أن نزيد من عملنا الدبلوماسي وأن نكون نشطين، لكن دول الخليج تحفظت، مصر يعني اشتركت برئيس الحكومة ولم تتدخل كثيرا دول المغرب بعيدة ولبنان وسوريا لم يكن لديهما الحماس لتسويق قرار ربما كان لديهم تحفظات، لكل هذه الأسباب يعني ابتسمت عندما رأيت قمة تونس بعد ذلك بثلاث سنوات تعيد إحياء العظام وهي رميم، يعني تعيد ذكر قمة بيروت وأنا أشهد أننا لم نقم بأي دور حقيقي أنا أعلم أن هناك شركات علاقات عامة وضعت نوع من الإعلانات المدفوعة في الصحف العالمية لترجمة مقررات قمة بيروت بالإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية لكن هذه كلام مش كلام..

سامي كليب: طيب الغريب دكتور سلامة..

غسان سلامة: الحق يجب أن يتم هو أن نبادر فورا هذه ورقة في يدك.

سامي كليب: طبعا أنت كنت كُلفت بأن تنطق باسم القمة العربية وتوليت عمليا مهام ثلاث وزارات، يعني وزارة الإعلام وزارة الخارجية وزارة أيضا الثقافة والتخطيط وما إلى ذلك من أجل إنجاح هذه القمة هل يمكن ويعقل وأنت لا شك أنك تعرف إنه الأمير عبد الله يطرح هكذا مبادرة بدون تشاور مسبق مع الدول العربية الأساسية بدون تنسيق مسبق مع الأميركيين مثلا.

غسان سلامة: لا هو المبادرة تم الحديث عنها أول شيء في مقابلة بين الأمير عبد الله وتوماس فريدمان في نيويورك تايمز وتحدث فيها مع زعماء الخليج قبل قمة بيروت وتحدث فيها مع مصر أيضا، لا يعني كان في تحضير سعودي لإنجاح قمة بيروت، كان في تحضير سعودي لإنجاح قمة بيروت ولا أشك في ذلك، لكن توقف العمل فور انتهاء.. يعني عندما انتهت قمة بيروت يعني اعتبر العالم يعني اعتبر المتحمسون للمبادرة أنهم أنجزوا واعتبر المعارضون السريون للمبادرة بأنها يعني قمة ومرقت يعني طوع مرقت..

سامي كليب: استطعت حل عقدة العقيد معمر القذافي بالنسبة لهذه..

غسان سلامة: لا لم أستطع.

سامي كليب: لماذا؟

غسان سلامة: لأن هناك يعني الآن نتحدث عن الحقيقة باغتيال الرئيس الحريري هناك إلحاح مشروع عند اللبنانيين بأن يعرفوا حقيقة ما حصل للسيد الإمام موسى الصدر..

سامي كليب: حصل شيء اقتراح من قبل العقيد القذافي؟

غسان سلامة: حصلت مقترحات بديلة ومتبادلة.

سامي كليب: مثلا؟

غسان سلامة: أن يأتي وفد ليبي بمستوى أقل من العقيد القذافي وهذا ما حصل عمليا وحصل أيضا إمكانية يعني أن تؤلف لجنة تحقيق دولية أن يحصل شيء من هذا القبيل لإراحة نفوس الذين كانوا يصرون.

سامي كليب: حضرتك تقول إنه حصلت مشاكل كثيرة أيضا بأماكن الإقامة نزهات بعض الرؤساء أراد أن يبقى في لبنان للتمتع أكثر بأجواء لبنان كلها كانت تطرح مشاكل شخصية بالنسبة للرؤساء مثلا استطعت أن تحل كل هذه المشاكل وكان هناك عقد فعلية في على هذا المستوى.

غسان سلامة: لا استطعنا عدد من الأمور المفيدة، أولا هاي القمة هي أول قمة عربية يُدعى إليها رئيس الاتحاد الأوروبي وحاولنا فعلا أن تكون مناسبة أيضا بيقولوا اللبنانيين دائما أنه جسر تواصل حاولنا أنه نجسد ذلك جِبنا رئيس الاتحاد الأوروبي وجِبنا سولانا وجعلنا من المناسبة مناسبة حوار جدي عربي أوروبي جدي على مستوى الرؤساء وهذا أمر بأعتقد جيد، ثم جاء الأمين العالم للأمم المتحدة وكانت الأمور في أشد أحوالها بالنسبة للعراق فحاولنا أيضا مع الوفد العراقي أن يتم هناك مخرج وبعض الأطراف العربية ساعدت في ذلك بإجراء لقاءات أيضا ثنائية، بتعرف أحيانا كثيرة بالقمم اللي بيحصل على جانب القمة مهم بقدر اللي بيحصل فحصلت أمور ونحن يعني ساهمنا بتواضع بتنظيم عدد منها وبتفعيل عدد منها، لكن يعني بعدي لهلا ندمان إنه ربما كان يجب أن أستقيل أو شيء من هذا النوع اعتراضا بس كان فيه قمة ثانية ناطرتني اعتراضا على هذا التكاسل المقصود أو غير المقصود بتنفيذ مقررات قمة بيروت وتناسيها لفترة ثلاث سنوات..

سامي كليب: كان في طبعا الإعداد لقمة الفرنكفونية في بيروت أيضا..

غسان سلامة: نعم بعد ذلك بستة أشهر.

سامي كليب: ونجحت طبعا بالإضافة لجهدك وجهد الطاقم كان هناك جو عام يريد أيضا للبنان أن يستعيد دوره العالمي ولكن في بالنسبة يعني أعود فقط إلى سؤال بسيط وشخصي إنه شخص مثلك مثقف وكاتب ودرست في معاهد غربية كبيرة ومشارك في الكثير في الواقع من مراكز الدراسات العالمية كيف نظرت إلى هؤلاء الزعماء العرب الذين يختلفون فقط على مقعد مثلا الرئيس يريد أن يكون المقعد الأول له أو المقعد الثاني أو يريد أن يكون جناحه في الفندق مثلا جناحه هو الأفضل وما إلى ذلك؟

غسان سلامة: يعني بقي عندي شك إلى أي مدى كل من هؤلاء الرؤساء يعني بنفس حماس جماعته لراحته، يعني الوزراء ومدراء الديوان وكذا دائما لَجُوجين ويريدون الكثير..

سامي كليب: مثلا هل من حادثة معينة.

غسان سلامة: طبعاً.. طبعاً.

سامي كليب: مثلا؟

غسان سلامة: خلافات على الشقق يعني لم أكن أتصور يوما واحدا أن تهيئة قمة عربية تأخذ مني هذا الجهد في توزيع الشقق.

سامي كليب: كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية تُركب أو السورية أجهزة تنصت في الشقق للرؤساء.

غسان سلامة: أنا لا أعلم بشيء من هذا، لكن دعني أقول وضميري مرتاح أنه لم يكن في الأجهزة الأمنية اللبنانية لم تكن هناك مستلزمات عقد قمة وأنا هذا جالس أمامك اضطُر في مرة بحياته بأن يستورد كلاب بوليسية ويُدرب لبنانيين عليها وأن يهتم أيضا بأدوات منع التنصت وأن يهتم أيضا بتعليم ضباط الحرس الجمهوري لغة أجنبية لكي يشتركوا في القمة الفرنكفونية، يعني لبنان كان في الثلاجة بالنسبة للنشاط العالمي لفترة 30 سنة من عمره بسبب الحرب وما بعد الحرب فبدأنا من الصفر.



غسان سلامة.. عاشق السياسة والقراءة

سامي كليب: غسان سلامة يعرف قبل غيره أن ما عاناه في قمة بيروت ليس جديدا على الاجتماعات العربية لكنه كان يأمل بأن يستطيع أن يحقق شيئا من خلال خبرته الطويلة بالسياستين العربية والدولية وحين كنت أبحث عن الشهادات الكثيرة والمؤلفات والكتب الغزيرة والمعاهد التي يقف خلفها أو التي له علاقة مباشرة بها كنت أتساءل ما الذي يدفع رجلا بهذا الحجم من الثقافة وسعة المعرفة لأن ينزلق إلى العمل السياسي العربي العقيم بشكل عام؟ لم أنتظر منه جواب طبعا فالسياسة هي جزء من حياته حتى ولو أنه لم يعد يقرأ الصحافة للمتعة وإنما لضرورات العمل.

غسان سلامة: صار إنه مضطر أقرأ كثير، مضطر أقرأ أحيانا عشرات بل مئات الصفحات في اليوم الواحد، إنْ تقارير الأمم المتحدة، إنْ كُتب، إنْ أطروحات دكتوراه، إنْ أشياء من هون بحيث حتى وقت اللي بناتي بيلحوا علي كثير إنه لازم تقرأ كتاب ضروري قصة أو شيء تكون عيناي تعبوا بطريقة إنه ما عدت تقدر، ما عدت لاقي متعة بقراءة الأشياء الثانية، يعني بأعتقد الشخص ياللي مش شغلته يقرأ بيقدر يتمتع بالقراءة أكثر من اللي شغلته يقرأ يا اللي بيفتش بالعكس على أشياء ثانية بالنسبة إلي هو المشي.

سامي كليب: هواية السير على الأقدام تساعد وزير الثقافة اللبناني السابق الكاتب والمفكر غسان سلامة على الراحة من هموم السياسة وضغوط القراءة ولكنه ورغم مشاغله السياسية والفكرية الكثيرة بين لبنان والعراق والأمم المتحدة، حيث يتولى منصب مستشار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، عرف على مدى السنين الماضية كيف يُصدر عددا لا يستهان به من الكتب القيمة والدراسات المُوثقة وعلمت أن كتابه ديمقراطيات بدون ديمقراطيين قد اعتُمد مؤخرا في وزارة الخارجية الأميركية وكتابه الحالي والهام الحامل عنوان حين تُعيد أميركا صناعة العالم بات مرجعا هاما حول السياسة الأميركية ومقوماتها وفيه يؤكد أن أميركا ليست بالأهمية التي يعتقدها العالم حتى ولو أن الأوروبيين يبدون في الوقت الراهن غير قادرين على مقارعتها سياسيا.

"
الأميركان كان بوسعهم إسقاط صدام حسين في ثلاثة أسابيع وإسقاط النظام السوري في أقل من أسبوع، وفي رأيي إعادة بناء نظام بديل لا يمكن أن يتم بالتفرد بالقرار
"
غسان سلامة: إن إحدى التجارب المريرة لأميركا في العراق وأيضا في أفغانستان بالمناسبة هو أنك تتمكن من إسقاط نظام بسرعة فائقة وبمفردك إذا شئت، إذا كنت القوة الأعظم في العالم ولكنك عاجز عن إعادة بناء النظام بمفردك هذه هي حقيقة الأمثولة العراقية، الأميركان كان بوسعهم إسقاط صدام حسين في ثلاثة أسابيع وهم بوسعهم عسكريا إسقاط النظام السوري في أقل من أسبوع برأيي ولكن إعادة بناء نظام بديل لا يمكن أن يتم بالتفرد بالقرار لذلك إحدى الأمثولات الكبيرة لما حصل في السنوات الماضية هو أن بإمكان أوروبا أن تقول لا لأميركا وأعتقد أن أميركا مضطرة اليوم أكثر بكثير من سنة 2001 أو 2002 من أن تستمع لحلفائها.

سامي كليب: أيضا نعود إلى الكتاب قبل أن ننتقل إلى الموضوع العراقي وهو مهم في كتابك حول أميركا تعيد صياغة العالم تقول وتحديدا حول كيفية عمل السياسة الأميركية يعني وإسقاط هذا الوهم لدى العالم إنه أميركا هي كل شيء وهي تقرر لكل شيء، تقول إذا كان الاقتصاد الأميركي لا يزال في قمة اقتصاديات العالم بحيث يمثل مرتين ونصف المرة أكثر من الاقتصاد الياباني وست مرات أكثر من ألمانيا وثمان مرات أكثر من الصين فهذا لا يضمن لها، أي للولايات المتحدة، موقع الصدارة العالمية ذلك أن شركاءها التجاريين ليسوا اليوم كما كان شأنهم في خلال الحرب العالمية الباردة شركاءها السياسيين أو محمياتها العسكرية ليقبلوا فرماناتها ولكنك في الوقت نفسه تعتقد أن هيمنتها على العالم ستطول يعني وهذا ما يعتقده كثيرون وأيدك فيه وزير خارجية فرنسا الذي أعجب بالكتاب السابق هوبير فيدرين وتتحدث عن حدود الهيمنة الأميركية وهي الحدود بمعنى إنه لا تستطيع أن تتخطى هذه الحدود، حدود عسكرية، حدود اقتصادية، الاستمرار في نزعة الانعزالية، إعادة صياغة أو قولبة العالم من خلال دولة واحدة واستحالة التوفيق بين الواقعية السياسية والأخلاقية السياسية يعني وكأنك تبشرنا بأنه الولايات المتحدة الأميركية ليست بالقوة التي يتصورها العالم حتى كالإمبراطوريات الكبيرة التي سيطرت على التاريخ يعني لسنوات طويلة ستبقى ولكن ليس بالقدر الذي يتصوره البعض.

غسان سلامة: ليس هناك من قدرية في السياسة، النتيجة السياسية هي حصيلة ما تفعل أكثر من أي شيء آخر لذلك عندما تقول لي إنه القرار 1559 كان جاي وجاي خلينا نمدد هذا نوع من القدرية، أنا لا أعتقد أن هذا صحيح وعندما تقول أن أميركا مسيطرة على النظام العالمي وهذا قدرنا طالما نحن أحياء فهذا أيضا قدرية لا أقبلها، ما مستقبل هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي مرتبط على الأقل بأمرين.. قبول الآخرين بهذه الهيمنة من جهة ومن جهة أخرى ما تقوم به أميركا من أخطاء أو على العكس من إنجازات لإطالة فترة القطب الواحد إلى أطول فترة ممكنة، ما صنعته بالعراق يقصر هذه الفترة بدون أي شك لأنه ما حصل في العراق كسر هيبة السلاح الأميركي..

سامي كليب: وكسر حاجز نفسي.

غسان سلامة: وكسر أيضا أمر في غاية الأهمية كسر أخلاقيات أميركا، الأخلاق في السياسة ليست تعبير ديني أو أخلاقي، القوة المعنوية في السياسة هي بالحقيقة سلاح فعال، إذا أنت تريد إعادة صناعة العالم أو صياغة العالم وطريقة صياغة العراق يجب أن تكون نموذج ومثال، إذا كنت تتصرف في أبو غريب وفي غوانتانامو مثل صدام حسين فماذا جاء.. من جاء بك لكي تغير العراق وتقوم بنفس الأعمال، إذا جئت وأدخلت الفساد السياسي فماذا تقدم من جديد؟ إذاً أميركا فقدت الكثير من هيبتها والكثير من قدراتها المعنوية في العراق وإلى حد ما في أفغانستان وكثيرا في غوانتانامو وبالتالي أنا لا أتصور أنها تقوم بما يجب لكي تحافظ على موقعها المتميز، أنا أعتقد أن جورج بوش سيذكره التاريخ كالرئيس الذي قصّر فترة أحادية القطب لأنه استعملها في غير موقعها وبالغ في استعمالها فتجاهل حلفاءه وذهب في حروب غير مبررة واحتكر القانون الدولي وفقد وأفقد أميركا جزءا كبيرا من معنوياتها وأعاد الميزانية الأميركية إلى حالة العجز المزمن، لكل هذه الأسباب أعتقد أن سياسة جورج بوش تقصر فترة أحادية القطب الأميركية كما كانت فترة كلينتون من شأنها أن تطيلها وهذا يعني أن ما نقوم به كبشر وكمسؤولين وكحكام يؤثر كثيرا على موقفنا إن كان اسمنا جورج بوش أو بشار الأسد، أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة إذا أخذت جانبها الديبلوماسي هو لا يختلف عن يعني الديبلوماسية الأميركية بكفاءتها بكفاءة أصحابها تقارب إلى حد كبير أي دبلوماسية نعرفها ولدي أحيانا شعور بأن الدبلوماسية البريطانية أو الفرنسية أنجح من الدبلوماسية الأميركية. إذا أخذت الجانب الثقافي طبعا هناك أمركة للأذواق في العالم ولكن هذا في الموجة الأولى، يعني تذهب إلى موسكو سنة 1990 تجد أن هناك ماكدونالدز وما شابه ووجبات سريعة وتذهب وفروع لجامعات أميركية وما شابه، لكن بعد فترة ترى أن من يأكل من ماكدونالدز هو نفسه يكره سياسة جورج بوش وأنه يستمع إلى إذاعات تعملها أميركا لكن الأخبار ينتقل إلى إذاعة وطنية..

سامي كليب: بعد فترة يكره الماكدونالدز نفسه.

غسان سلامة: وربما يكره الماكدونالدز ويعود إلى الشاورمة ويحسن لأن الشاورمة أرقى بكثير من الماكدونالدز.

سامي كليب: الحديث عن الماكدونالدز تزامن مع منتصف النهار في باريس التي أنعمت علينا يوم التصوير بشمس جيدة وفتح شهيتنا للغداء عند ضفاف نهر السان في مطعم لبناني وأخبرني غسان سلامة أنه طباخ ماهر وأن إعداد الأكل هي إحدى هواياته وهو بين الحين والآخر يطهوا لابنتيه اللتين أخذتا عنه حتى الآن حب السياسة والصحافة ولكن بطريقة أخرى؟

غسان سلامة: هي الكبيرة بتحب التليفزيون بالذات بأتمنى إنه تصير بالمستقبل الصغيرة مخرجة كبيرة بالعكس صحفية بس هاي مهن المستقبل بتعرف، هاي مهن المستقبل مرة كنت عم بأحكي كنا ببغداد فعم بأحكي مع البريطاني اللي كانوا هناك.. مدير الشؤون السياسية بالخارجية قال لي شو بيعملوا أولادك قلت له بنتي قررت تعمل صحفية.. بلشت قال لي أذكى من أبوها.

سامي كليب: ربما أحسن غسان سلامة بترك الصحافة والانتقال إلى التأليف وعالم الفكر وربما أخطأ بترك عالم الفكر والتأليف للغرق في هموم السياسة ولكن غسان سلامة الذي كرمته فرنسا بأحد أرقى أوسمتها والذي اختير الشخصية السياسية الثقافية لعام 2004 في دبي وبات أحد أبرز خمسين شخصية عربية من الشخصيات الأكثر تأثيرا في العالم العربي وفق نشرة (Arabian Business) للعام 2005 يعود اليوم لتدريس السياسة في أعرق المعاهد الفرنسية ولكنه يبقى مشغولا بهذا العالم العربي وأنظمته التي تقدم التنازل تلو التنازل وتشاهد تفكك دولة عربية بعد دولة ربما لأن هذه الأنظمة أساسا لا تقرأ.

غسان سلامة: التنازلات العربية سببها بصورة أساسية انعدام شرعية الحكام، وينتسون تشرشل بعز الحرب العالمية الثانية عمل نظام الضمان الاجتماعي حدا صواريخ الفيتو عم تنزل الألمانية عم تنزل على لندن وهم وينستون تشرشل أن يرخي نظام الضمان الاجتماعي للمرة الأولى على بريطانيا شو يعني هذا الشيء؟ بيعني هذا الشيء أنه لا مواجهة بدون شرعية متينة ومعظم الأنظمة العربية عندها ضعف شرعية مرعب لذلك تتنازل للخارج ولا تتنازل للداخل ولن يكون هناك سياسة عربية سليمة إلا إذا انقلبت الآية وبلشت الأنظمة تتنازل للداخل لكي تتمكن من مواجهة الخارج.

سامي كليب: مش على أيامنا.

غسان سلامة: إن شاء الله على أيام أولادنا.

سامي كليب: عُرضت على غسان سلامة مناصب عديدة وفي لبنان ثمة حاجة في الوقت الراهن للسياسيين من طرازه ولكنه يفضل حاليا ربما انتظار هدوء الرياح العاصفة بلبنان وسوريا والمنطقة ولا شك أنه يوما ما قد يصبح وزيرا لخارجية لبنان أو في منصب رفيع، فكثير من اللبنانيين كانوا يعتقدون أن الحكومة ستعرض عليه هذا المنصب وكثيرا منهم اعتقدوا أيضا أنه بعد الانسحاب السوري من لبنان قد يكون غسان سلامة في صلب الحكومة حتى ولو أنه جاء أصلا إلى الحكم برضى سوري.

غسان سلامة: لقد اعتذرت عن الاشتراك في حكومة الرئيس ميقاتي واعتذرت أيضا عن الاشتراك في حكومة الرئيس السنيورة وبودي أن أقول أن كلاهما قد عرض أن أشترك في الحكومة واعتذرت في الحالتين، اعتذرت في الحالتين لأني أعتقد أن وقت البناء لم يعد بعد ولكن إذا عاد وقت البناء وطُلب مني فلن أقول لا.

سامي كليب: على كل حال مَن يعرفك أو مَن لا يعرفك دائما يرشحوك لوزارة الخارجية يقولون أنك تصلح لهذه الوزارة أكثر من غيرها.

غسان سلامة: يعني فشلت بالثقافة؟

سامي كليب: بالعكس نجحت بالثقافة وعدت إلى زوجتك الشرعية التعليم من هي عشيقتك في الهوايات؟

غسان سلامة: السياسة.

سامي كليب: السياسة والقراءة.

غسان سلامة: السياسة هي العشيقة والجامعة هي الزوجة الشرعية.

سامي كليب: تعمل خمسة عشرة ساعة أو خمس عشرة ساعة في النهار هل لك هوايات أخرى غير القراءة؟

غسان سلامة: المشي والأوبرا عندما أتمكن من ذلك.

سامي كليب: شاهدت عندك أشرطة للسيدة فيروز تسمع فيروز أيضا؟

غسان سلامة: نعم أسمع فيروز وأسمع أيضا الغناء المصري القديم وأيضا التواشيح الدينية أحب الاستماع إلى التواشيح الدينية لأني أعتبرها مهدئة جدا وهيك ولعدد من الأديان وليس دين واحد.

سامي كليب: يعني حتى في الفن وفي الهوايات بين الشرق والغرب دائما بين الأوبرا وبين التواشيح، بين الأوبرا بين السيدة فيروز.

غسان سلامة: لأنه وأيضا في المأكل وأيضا في تمضية الوقت وأيضا أعتقد أن يعني يقول محمود دوريش في إحدى قصائده الوطنية ليس حقيبة وأنا لست مسافر، لكن الوطن أيضا حقيبة أقول لمحمود الوطن أيضا حقيبة، بمعنى أنك تغادره ولكنه لا يغادرك وأنا أعتقد أن في ظروف يعني التراجع الرهيب للفكرة العربية على المستوى السياسي أعتبر من جمع المتعة مع الواجب أن نحافظ على العروبة في مضمونها الثقافي لذلك عندما أشعر أنني كتبت كثيرا بالإنجليزي أو الفرنسي أو تحدثت أعود فأقرأ المتنبي و..

سامي كليب: ابن خلدون.

غسان سلامة: وابن خلدون وما شابه لكي لا أفقد هذه اللغة ولا أفقد العلاقة بهذه الثقافة.