- جيل محكوم بالأمل
- مناضلون أم كائنات بيولوجية؟

- عزلة الإنسان في المعتقل
- اعتقال الماضي والحاضر والمستقبل

سامي كليب: مرحباً بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة, حين افتتحت إسرائيل معتقل عسقلان الشهير كان ضيفنا في طليعة معتقليه وكذلك كان شأنه حين افتتحت معتقل نفحا الصحراوي وهو كان اعتقل أصلاً لمشاركته في عملية شهيرة عام 1968, عاش في المعتقل حياة نضالية زاخرة بالمؤلفات ولكن أيضاً بالنضال ضد معتقليه وخرج ليجد نفسه في معتقل آخر من الفقر والإهمال, إنه المناضل الفلسطيني السابق السيد محمد حمدان القاق.

جيل محكوم بالأمل

محمد القاق- مناضل فلسطيني سابق: سجين أنت شقي أنت, تمضي بك الأيام وتمضي معها أجمل لحظات عمرك وأنت قابع في مكانك لا تريم, وضعوك في بناء داخل بناء حرصاً عليك كما يدعون بل حرصاً على اغتيال حريتك كما هي الحقيقة ضقتَ بالمكان وضاق بك المكان حتى كاد أحدكما ينفجر من فرط الضيق بصاحبه, حرموك شمس ومنحوك الكهرباء تتعذب بها حيناً وتسلب النور من نظريك أبداً والهواء الذي سمحوا له بالوصول إليك أكثر ما يكون بعداً عن النقاء في حين أن الهواء من حولك بكل ما فيه من نقاء تضج به جنبات الصحراء.

سامي كليب: هذا بعض مما كتبه محمد حمدان القاق من وراء قضبان معتقله الإسرائيلي ولو كانت للزنزانات أن تنطق لسطرت الكثير عن عذابات هذا المناضل الفلسطيني الذي ترك والدته وهو يتجه صوب واحدة من أكثر العمليات خطورة وقد أمضيت ليلة كاملة وأنا أقرأ تلك الرسائل التي تبادلها مع أهله أو رفاقه فلم أجد لحظة وهن واحدة أو تراجع ومن يزور منزله المتواضع لا بل والفقير في عمان يدرك أن الرجل آمن في حياته بما هو أبعد من المال والمصالح.

"
جسر التجربة الاعتقالية سيبقى ليمر من فوقه أكثر من أربعة أخماس الشعب الفلسطيني، وينبغي على كل فلسطيني أن يشعر بأنه جدير بالمرور بعنق الزجاجة والخروج منه بسلام
"
محمد القاق: أنا أؤمن بأنه جسر التجربة الاعتقالية منذ أن كان الاحتلال حتى الآن وفيما بعد سيبقى جسراً تمر من فوقه أكثر من أربع أخماس شعبنا الفلسطيني فما دام بهذا الاتساع فينبغي على كل فلسطيني أن يشعر أنه جدير بالمرور بعنق الزجاجة والخروج منه بسلام, نحن نستطيع القول أنني أنا كأمثولة في هذا الاتجاه حُكِمْت 205 سنوات وليس من بشر أن يعيش هذه السنوات وخرجت وهاأنا بينكم أتحدث بفخر واعتزاز وأنتم تنظرون إلي بذات المنظار, أقول لكل من هو معتقل الأفق أمامك أوسع مما كان أمامي في عام 1968 هذه مقدمة, الجانب الآخر من الموضوع أنت أخي المعتقل مصدر إعزاز واعتزاز بالنسبة لكل من عرفك وعرف عنك فهذه وحدها جديرة بأن تبقى بأن يبقى رأسك مرفوعاً وألا ينتكس لأي ظرف كان وتجربة الاعتقال مؤقتة وحياتك دائمة فينبغي أن تفخر بهذه الفترة لا أن تنظر إليها منكس الرأس.

سامي كليب: محمد حمدان عبد الرحمن القاق المستمر على عنفوانه رغم تواضع الحال وعلى عزم الشباب رغم خيبات الأمل كان قد ولد قبل خمسة وستين عاماً في مزارع النوباني في رام الله ودرس في تلك المدينة الفلسطينية الوادعة والجميلة, لكنه سرعان ما اكتشف أنه ينتمي إلى جيل ولد قبيل نكبة التقسيم وترعرع على صور الحرب بغية التحرير فكان أن انتمى إلى تلك المجموعات الشبابية المناضلة وقام بعدد من العمليات العسكرية والاستطلاعية عبر الحدود بين الأردن وفلسطين وبعد أن خدم في صفوف الجيش الأردني ووصل إلى رتبة عريف قرر ترك هذا الجيش والالتحاق بالعمل الفدائي الذي انتهى به إلى المعتقلات الإسرائيلية بعد سنوات قليلة.

محمد القاق: عندما أنهيت دراستي الثانوية كانت نهاية الخمسينات وهي فترة تألق جمال عبد الناصر, فبدأت حياتي السياسية في هذه المرحلة بإحساس وتوجه ناصري ودخلت الجيش الأردني تسع سنوات والتحقت بحركة القوميين العرب وكان ممنوع للجيش أن يكون في السياسة واعتقلت لهذا السبب عام 1966 وسرحت من الجيش, في 1967 عندما كانت الهزيمة عدت للجيش وخرجت من قاعة الفحص للتوجيهي حبيت أن أعيد الفحص التوجيهي ولم أكمل الفحص لأن الحرب بدأت أثناء الفحص فالتحقت بالجيش وانسحب الجيش وأنا معهم لازلت أنا أرتدي الملابس المدنية لم يكن في هناك وقت لتغيير ملابسي وانسحبنا عبر النهر للأردن وطلبوا مني البقاء في الجيش ورفضت والتحقت بالعمل الفدائي.

سامي كليب: شو السبب رفضت البقاء في الجيش, بسبب تناقضه مع العمل الفدائي؟

محمد القاق: لإحساسي في تلك الفترة أن هزيمة 1967 أصبحت تقود إلى فهم ليس هناك حوله شك في أن الأسلوب التقليدي في النضال من أجل استرداد الحقوق القومية والوطنية لم تعد هي المجزي وكان لابد من البحث عن وسائل أكثر حدة وصولاً إلى تحقيق الأهداف وكانت موجة العمل الفدائي كرد على هزيمة 1967 هي التي أقنعت أو قادت العقليات الشابة في تلك المرحلة للانخراط في صفوف المقاومة المسلحة في ذلك الاتجاه.

سامي كليب: طبعاً آخر العمليات التي قمت بعمليات عديدة وشاركت كما تتفضل في إن كان بالجيش الأردني أو بالعمل الفلسطيني يعني بالمراحل الأولى بهذا العمل الكفاحي آخر العمليات التي شاركت فيها كانت التي قادها الشهيد عمر القاسم كنت نائب له في هذه العملية تحديداً وبعد اكتشاف أمرها بالأحرى في عام 1968 ألقي القبض عليكم وددت أن تخبرنا عن هذه العملية, ماذا كان هدفها بالتحديد؟ أين حصلت؟ وكيف تم اعتقالكم؟

محمد القاق: في هذه العملية كنت أنا قومي عربي, الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت هي التعبير أو الجناح العسكري للقوميين العرب وبعد حوالي ست أشهر من العمل الفدائي اللي اقتصر على مناوشات على الحدود كان مؤتمر ثمانية للجبهة الشعبية شهر ثمانية آب 1968 أقرت نقل العمل العسكري للداخل, قرار سياسي تلتزم به الجبهة الشعبية وكتنفيذ أو تجسيد لهذا القرار تم اختيار عمر قاسم الذي كان القائد العسكري للأغوار في تلك الفترة ومقره الكرامة التي حصلت بها المعركة المشهورة كان هو قائد الدورية والهدف من الدورية هو الوصول للداخل وقيادة العمل العسكري في الداخل وعدم الاكتفاء بالمناوشات التي كانت تحدث على الحدود عبر بضعة أشهر من جميع المنظمات الفلسطينية.

سامي كليب: طيب شو حصل بهذه العملية كيف تمت؟

محمد القاق: في هذه العملية دخلنا لكي نقيم في الداخل ونقود العمل من الداخل ولم يكن يعني ممنوع علينا الاشتباك إلا دفاعاً عن النفس لكي نضمن وصولنا لكن يبدو لسبب أو لآخر إما دوريات الطائرات الكشافة أو الأثر أو لسبب لا أعرفه حتى اللحظة تم كشف اختفائنا وتمويهنا صباحاً, بعد ذلك بعد أن نسير على الأقدام اضطرينا نقتتل.

سامي كليب: ممكن يكون أحد أعضاء الجيش الأردني وشى بكم مثلاً؟

محمد القاق: لا أعتقد ذلك إنما طائرات الهليكوبتر قد تكون كشفت بعض لمعة السلاح اللي كنا إحنا نحاول نخفيه تحت التمويه قد تكون هذا السبب وأرجح أن يكون هذا السبب وكنا في منطقة مخفضة.

سامي كليب: أين بالضبط؟

محمد القاق: في أعتقد في جبال بعد ليلة كاملة من المسير يمكن وصلنا جبال كفر مالك تقريباً يعني أو اقتربنا منها لأنه تجاوزنا منطقة الأغوار وتسلقنا سلسلة الجبال وصلنا لهذه المنطقة لا أعرف موقعها بالضبط.

سامي كليب: كم شخص كنتم؟

محمد القاق: كنا إحدى عشر شخص, النائب الثاني للدورية اللي هو أبو أحمد فؤاد ولا زال بمكتب السياسي الآن كان خارج الطوق أثناء نقله كلفه قائد الدورية بمهمة ما وهو كان خارج الطوق ولم يشترك معنا نتيجة وجوده خارج الطوق وعاد هو وكمان معه اثنين بقينا ثمانية اشتبكنا من الساعة عشرة ونصف الصبح حتى ثلاثة مساءً.

سامي كليب: هذه حصلت 27/10 سنة 1968؟

محمد القاق: في 28 إحنا دخلنا 27 والمعركة في 28.

سامي كليب: دخلتم في 27.

محمد القاق: في تصوري هذا العمق اللي وصلنا له في الداخل وهذا العدد من الدورية أبقى على حياتنا ليس لمصلحتنا إنما إحساس قوات العدو بأن هذه الدورية بعد عدة أشهر من الرقود في الداخل تدخل هذا العمق إذاً ما هو وراء ذلك هو الذي أبقى على حياتنا لأنه اشترك في الاشتباك طائرات ودبابات وجنود مشاه.

سامي كليب: خصوصاً إنه طال الاشتباك عملياً؟

محمد القاق: طال حتى المساء حتى ظنوا إن الذخيرة عندنا انتهت وهذا وضع في إحساسي إنهم كانوا يريدون ما دام كانوا قادرين على قتلنا ليس حفاظاً علينا إنما كانوا حريصين أن يعرفوا ما هي الاستراتيجية الجديدة التي تعنيها هذه الدورية بهذا العمق.

سامي كليب: كانوا يريدونكم أحياء عملياً, طيب جُرِح معكم ثلاثة وفق ما قرأت؟

محمد القاق: جُرِح ثلاثة نعم.

سامي كليب: مين اللي انجرحوا بتتذكر الأسماء؟

محمد القاق: جُرِح قائد الدورية وسهيل وأظن الثالث محمد العسكر.

سامي كليب: بعدها طبعاً عملية الاعتقال كيف تمت؟

محمد القاق: لما ضمنوا أنه لم يعد لدينا ذخيرة اقتحمونا بشكل تقليدي ولم نكن قادرين على فعل شيء بعد ما انتهت الذخيرة ونقلونا بطائرة هليكوبتر إلى منطقة عسكرية كانت للأردن اسمها شويعر وأخذوا قائد الدورية للتحقيق.

سامي كليب: في بداية الاعتقال تعرضتم للضرب مثلاً للإهانة؟

محمد القاق: في بداية الاعتقال كان اعتقال عسكري ويعني لم يمارس ضدنا في هذه اللحظة بالتحديد عملية التعذيب لأنه كان الجنود الذين في مواجهتنا يحملوا أسلحتهم وحريصين على أنهم لا يتركون سلاحهم في سبيل أنهم يمارسون عملية ضرب وكانوا حتى اللحظة الأخيرة متحفزين وممسكين بسلاحهم بخشية رغم أنه إحنا..

سامي كليب [مقاطعاً]: بدون تفجيرات..

محمد القاق [متابعاً]: أصبحنا مستفزين بشكل وكنت أشعر أنهم متوترين أكثر منا إحنا اللي في الأسر.

سامي كليب: أنت خفت؟

محمد القاق: الحقيقة ليس هناك من عنصر إنساني لا يخاف لكن اكتشفت في أثناء المعركة في نفسي حاجة لم أكن أعرفها في السابق أنه عندما تشتد الأزمة حولي أشعر بأن أعصابي أصبحت عادية.

سامي كليب: حين أطبقت الآلة العسكرية الإسرائيلية والأمنية على محمد حمدان عبد الرحمن القاق ورفاقه كان في ربيع العمر وبعد أن حاول المحققون الإسرائيليون كسر شوكته رموه مع رفاقه في سجن عسقلان, كان في طليعة من تم افتتاح سجن عسقلان بهم وهذا المعتقل الإسرائيلي الرهيب كان قد أُنشأ في عهد الانتداب البريطاني ليكون مقر لقيادة الجيش الإنغليزي في عسقلان ومحيطها أو كمقر لاستقبال الوفود الرسمية وبعد النكسة العربية عام 1967 قررت إسرائيل جعل المنطقة سجناً اُفتتح في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات وأعتبر في حينه الأكثر فاشية في تاريخ السجون الإسرائيلية وهو ما دفع المعتقلين الفلسطينيين والعرب لخوض سلسلة من الإضرابات المميتة واستشهد العديد منهم في سياق نضالهم الشريف لتحسين ظروف حياتهم أو للتمرد باللحم العاري على سجانيهم, فكيف عاش محمد حمدان عبد الرحمن القاق تلك التجربة؟ وماذا يذكر عن السجن؟



 

مناضلون أم كائنات بيولوجية؟

 

محمد القاق: افتتح عسقلان وكنا من الأوائل اللذين دخلوا سجن عسقلان.

سامي كليب: في الرملة حصل حوار مع السجانين الإسرائيليين؟

"
بمجرد دخول معتقل عسقلان كان المعتقل يواجه بصفين من الجنود لمسافة تزيد عن عشرين متر وكل واحد من الجنود يقوم بضرب المعتقل ويسلمه للجندي الآخر ركلاً
"
محمد القاق: لا لم يكن حوار كان قسوة على المعتقلين العرب وقسوة زائدة رغم أنه السجن غير مهيأ لذلك لأنه كان مختلط مع.. صحيح قسم منفصل إنما نظام السجن هناك لم يكن ليسمح بما مورس ضدنا في عسقلان ولم تكن الفترة طويلة على فكرة, مجرد دخولنا معتقل عسقلان كان يواجه المعتقل بصفين من الجنود لمسافة أكثر من عشرين متر وكل واحد من الجنود يضرب المعتقل ويعطيه للآخر ركلاً أو بوكسات وصولاً إلى آخر الصف وفي آخر الصف يرسل إلى الحلاق بيحلق له كل ما على رأسه من شعر وبطريقة تقليع يعني مؤذية جداً ويقف على الحائط ووجهه إلى الحائط وكل جندي بيمر له الحق في أن يضرب رأس المعتقل في الحائط لدرجة أن أنفه ينزف دم والدماء تملأ القاعة, قبل الزنزانة يرسلوه إلى تغيير الملابس يعطوه ملابس خاصة بالسجن موحدة وأثناء التبديل تبدأ عملية الضرب المبرح لكل معتقل أثناء التبديل.

سامي كليب: أنت شخصياً تعرضت لهذا النوع؟

محمد القاق: نعم, لما يغير المعتقل ملابسه يريد يبدأ يلبس ملابس المعتقل فيه كان شرطي من أصل عراقي يهودي من أصل عراقي طويل جداً وضخم الجثة وعضلاته منتفخة كان يختبئ وراء المعتقل وعنده يصبح عاري تماماً في عنده كرباج ذنب فيل قيل عنه يستطيع أنه يلف على جسم الإنسان بشكل كامل وبقوة متناهية يضرب المعتقل عندما يصبح عاري تماماً, طبعاً فيه عملية ضرب قبله لكن هذه كانت كل معتقل يمر عليها وأنا شعرت لما ضربت هذا الكرباج وأنا عاري شعرت أنه يعني روحي رفرفت يعني أو انفصلت عني للحظات ما قدرتش أتنفس من قوة الضربة, لما نطلع من تبديل الملابس فيه طاقم من سبع جنود بالهراوات يضرب المعتقل ضرب مبرح حتى يغمى عليه وبيجروه إلى الزنزانة وبالسيفون بيحطه رأسه بالسيفون بيفتحوا الماء وبيتم عملية إعادة وعيه وفي هذه اللحظة بالتحديد يقدمون له طعامه ولم يكن بالإمكانية أن بعد هذا الضرب المبرح الواحد يأكل طعامه كان مفروض عليه يأكله فبالتالي كان يضطر يمرره بالسيفون لأنه لا يستطيع ابتلاع الطعام في تلك اللحظة, هذه كانت تمر أسبوعين قبل كل وجبة كان فيه وجبة من الضرب المبرح بالهراوة بعد أسبوعين من البقاء في الزنزانة بهذه الصورة كانوا يعتقدوا أن الإنسان أصبح مطبع يعني غير قادر على أن يقول لا إزاء قضية ما وبالتالي ينقل إلى غرف المعتقل.

سامي كليب: طيب هنا السؤال الأستاذ محمد القاق شخص مثلك خدم في الجيش الأردني وقام بعملية عملية ضد إسرائيل يعني عنده عنفوان كبير واعتزاز بنفسه كبير يعني كان بعمرك تقريباً 28..

محمد القاق [مقاطعاً]: 25..

سامي كليب [متابعاً]: 25 عام ويتعرض لهذا النوع من الإهانات والضرب والكسر النفسي محاولات الكسر النفسي كيف تشعر؟ هل تشعر بأنك مهان؟ هل تشعر بأن ما تقوم به ربما يدفعك أكثر إلى الاعتزاز أو العكس يعني؟ وهل تشعر بأنك ضعفت في هذه المرحلة بالضبط؟

محمد القاق: مرة أخرى أقول أنه أمام كل مرحلة من مراحل العنف اللي مورس ضدي كفرد كنت أقف أمام السؤال هل أنا بحجم القضية التي أحملها أم أنني دون ذلك؟

سامي كليب: حتى وأنت تتعرض للضرب المبرح؟

محمد القاق: نعم في تلك اللحظات كانوا هم في هذا الضرب مش فقط يريدون يمارسوا الضرب بلا هدف يريدون يكسروا عنفوان الإنسان من الداخل وهذا هو الهدف, كنت في هذه اللحظات شديدة القسوة كنت أتعرض أعرض لنفسي لذات السؤال هل أنا بمستوى القضية أم دون ذلك؟

سامي كليب [مقاطعاً]: كان فيه معك..

محمد القاق [متابعاً]: لو عجبت لنفسي أنني دون ذلك لوقعت في المحظور؟

سامي كليب: بعد الضرب كنتم تنقلون إلى الزنزانات ما الذي يحصل في داخل الزنزانة؟

محمد القاق: داخل الزنزانة فراغ كامل ليس هناك في داخل الزنزانة من شيء ممكن أن تقضي فيه وقت غير اجترار الذكريات وهذه قسوة أخرى ليس من بعدها قسوة على فكرة أن تشعر أن الفراغ لا يمكن ملئه بشيء.

سامي كليب: طيب في هذه الفترة كان حصل اتصال مع الأهل؟

محمد القاق: أبداً يعني قبل دخول المعتقل وحتى في سجن رام الله لم يكن هناك معرفة وأنا معلوماتي عند أهلي لما اعتقلت كانت الأنباء اللي وصلتهم أني قتلت وعملوا بيت عزاء في الزرقاء وبيت عزاء في الكويت أقاربي الموجودين هنا على اعتبار أني قتلت لكن بضعة أشهر أخرى مرت لما سمحوا للصليب الأحمر بزيارتنا وكتبنا رسائل استعادوا ثقتهم بأني لا زلت حي.

سامي كليب: حضرتك كنت من بين أوائل المعتقلين الذين افتتح بهم معتقل عسقلان وحُكِيَ الكثير عن هذا المعتقل طبعاً هو بالبداية كان مقر الجيش البريطاني مقر أيضاً لاستقبال الوفود التي تأتي من بريطانيا الوفود الإنغليزية ثم تحول على أيدي إسرائيل إلى معتقل قيل أنه آنذاك الأشد عنفاً على المعتقلين, هل فعلاً هذا ما كنتم تشعرون به وأنتم بداخله؟ هل كان معتقل رهيب كما يوصف؟

"
معتقل عسقلان أُنشِئ أصلاً لإفراغ الإنسان المناضل من محتواه وتحويله لمجرد كائن بيولوجي فحسب وهذا لم يتم بفضل صمود المعتقلين
"
محمد القاق: معتقل عسقلان أُنشِأََ أصلاً لإفراغ الإنسان المناضل من محتواه وتحويله لمجرد كائن بيولوجي فحسب وهذا لم يتم بفضل صمود المعتقلين كان ليل نهار والبرنامج في هذه العجالة لا يتسع على الإطلاق أن ندخل في التفاصيل لكن الرعب ليل نهار كان يمارس ضد المعتقلين وأثناء الفراغ كان ممنوع يحكي حد مع حد وإلا يعرض للضرب عبر طاقم أمام المعتقلين أنفسهم..

سامي كليب [مقاطعاً]: وهذا كان يحصل؟

محمد القاق [متابعاً]: نعم والطعام الذي يقدم كان كل واحد منا يحلم بالوجبة التالية التي يمكن أن تسد جوعه ولمدة عامين في معتقل عسقلان وبعد عامين استطعنا أن ننظم أنفسنا في إضراب وكانت معجزة لأن اتصال الفرد بالفرد كانت عملية شاقة وشبه مستحيلة واستطعنا تنظيم أول إضراب في عسقلان 5/7 في عام 1970

سامي كليب: وكان من أشهر طبعاً الإضرابات لأنه..

محمد القاق [مقاطعاً]: الإضرابات واستشهد في هذا الإضراب المناضل الفذ عبد القادر أبو الفحم.

سامي كليب: صح.

محمد القاق: وقطعت ساق مناضل آخر في هذا الإضراب.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: حين كان يتعرض شخص لجروح كبيرة أو لمرض معين كيف كان يعالج داخل معتقل عسقلان؟

محمد القاق: كانت تتم المعالجة بطريقة شكلية مع السخرية والضحك, يعني أمام الصليب الحمر كانوا في هناك عيادة وفي استقبال للمرضى لكن ليس هناك من علاج حقيقي يتم وكل العمليات ديكورية يقصدون فيها أن النظام لدينا قائم لكن في جوهره ليس هناك فارق بين الممرض والجندي الذي يعدد.

سامي كليب [مقاطعاً]: ولكن في..

محمد القاق [متابعاً]: على العكس من ذلك في تجارب لاحقة لم نصل إليها الآن نفس الممرضين هؤلاء هم اللذين قضوا في معتقل نفحا بعد إرسال اثنين من المناضلين هم راسم حلاوة وعلي الجعفري حقنوهم بدل ما يسقوهم حليب ما هي عملية الحليب كانت أثناء الإضراب من خلال باربيش يصل إلى المعدة وأكياس تنزل بالباربيس للمعدة هذه طريقة تزويد المضرب بالحليب, هؤلاء المناضلين اللي استشهدوا في سجن الرملة بعد ما نقلوا من نفحا فالممرض بدل ما يزودهم بالحليب في المعدة ترك الباربيش في فتحة الرئة يعني في المنطقة اللي قبل المعدة بحيث ينزل السائل للرئة بدل من المعدة وليس هذا فقط إنما السائل لم يكن حليباً إنما ماء ملح وبالتالي استشهد اثنين والثالث إسحاق مراغى استأصلوا جزء من رئته وأنقذوا حياته لكن استشهد بعد عام لهذا السبب لذلك يعني العيادات بهذا الكلام لم نكن نشعر أن الممرض هو يعني إنسان مختلف بقدر ما إنه يمارس عملية التعذيب من خلال خصوصية مهمته يعني.



 

عزلة الإنسان في المعتقل

 

سامي كليب: بعد كم من الوقت استطعت أن تلتقي أو تستقبل الأهل في معتقل عسقلان؟

محمد القاق: رحنا نستقبل بعد يعني بضع شهور من افتتاح عسقلان.

سامي كليب: من زارك من الأهل؟

محمد القاق: كان يزورني والدتي من الضفة وشقيقتي.

سامي كليب: تتذكر أول لقاء حصل بينك وبين والدتك بعد الاعتقال؟

محمد القاق: عندما شعرت أن صحتها شاءت قربت أن وشعرت أن الوفاة قريبة طلبت إنها تزورني وكانت صحتها سيئة وبصعوبة وصلتني الزيارة نصف ساعة في شبك بين الزائر والسجين وفي مسافة ضيقة يضع الزائر أو السجين يديه بين الشبك وطاولة قصيرة هذا فقط لوضع الأيدي عليها من بداية الزيارة وأنا أتحدث وهي لم تنطق بنت شفاه كانت تنظر إلي فحسب ولم تكتفي وقفت على البنك وجلست على الإطار الضيق جنب الشبك ووضعت وجهها وهي تنظر إلي أنا شعرت بالحرج والشرطي أمرها أشور يعني ممنوع بالعبري أساس تنزل ما ردت عليه ظلت تنظر علي وأشارت له بإيديها أسكت سلم بالأمر الواقع وهي تجلس على هذا الإطار الضيق وتضع وجهها على الشبك وتنظر إلي أسألها أسئلة لا تجيب أتحدث إليها لا تجيب ونصف ساعة كاملة وهي تنظر إلي فحسب وعادت من الزيارة وطلبت من الأقارب نقلها إلى الزرقاء لرؤية أخوي الثاني وإحنا اثنين فقط وتوفيت في الزرقاء.

سامي كليب: كنت لا تزال في السجن؟

محمد القاق: عفواً.

سامي كليب: كنت لا تزال في المعتقل؟

محمد القاق: بعد الزيارة مباشرة يعني كانت خلال شهر وفاتها وكانت آخر زيارة كنت محرج جداً أنني أتحدث ولا يجاب على حديثي.

سامي كليب: طب شو السبب شو فهمت بعدين لماذا لم تجبك؟

محمد القاق: فهمتها لما توفت عرفت تريد أن تكون آخر لحظات تراني فيها فقط للرؤية ولا تريد أن يعني هذه اللحظات القليلة اللي تريد تشوفني فيها تريد تتشبع من رؤيتي فقط ولا تريد تضيع في الكلمات أي ثانية أخرى هذا التفسير الوحيد اللي..لأنه هي تحبني جداً مش معقول لا تجاوب على أسئلتي, عدم إجابتها على أسئلتي أو عدم إنها تنطق بحرف واحد كانت فقط من أجل أن تراني وتحدت الشرطي ووضعت وشها على..

سامي كليب [مقاطعاً]: الشبك.

محمد القاق [متابعاً]: الشبك لكي تراني عن قرب أكثر, هذا تفسيره.

سامي كليب: كيف علمت بوفاتها مباشرة حين توفيت؟

محمد القاق: طبعاً من خلال أول زيارة بعد..الأقارب زاروني وخبروني إنها توفت وكانت هذه اللحظة طبعاً بدك تسألني ما هو شعورك في هذه اللحظة؟ الحقيقة عدت إلى نفسي ولم أنطق مع أحد حتى المساء لأنني عشت مع ذكريات طفولتي وشبابي وهذا الحنين الدافق اللي كانت الوالدة الله يرحمها.

سامي كليب: الله يرحمها.

محمد القاق: تمارسه تجاه أبنائها ولكوني أصغر أبناءها كانت اللحظات التي سمعت فيها الوفاة عادتني إلى كل لحظة عشتها مع والدتي وعشتها مع نفسي ونمت حتى في الأحلام كانت والدتي موجودة فيها في تلك الليلة.

سامي كليب: يعني طبعاً أسألك عن شعورك ولكن أسأل أيضاً في هكذا وضع يعني داخل المعتقل الإنسان لوحده عملياً بالنسبة لأهله ولكن مع رفاقه المناضلين كيف كنتم تتعاضدون في هكذا نوع من الحالات الإنسانية حالة وفاة مثلاً؟

محمد القاق: لا الحقيقة المعتقلين مشاعرهم تجاه كل القضايا أصدق بكثير وأقولها وأنا آسف مما هو في الخارج.

سامي كليب: بعدها نقلتم إلى سجن نفحا؟

محمد القاق: نقلنا إلى سجن نفحا معتقل نفحا الصحراوي وهو قفص في الصحراء.

سامي كليب: بس بكلمتين أشرح لنا ما هو هذا المعتقل؟

محمد القاق: معتقل نفحا موجود في وسط الصحراء جمع ثمانين معتقل فيه كما أسموهم ذوي الرؤوس الحامية عبر خبرة حوالي 12 سنة أو 15 سنة عرفوا من هو يعني صاحب الرأس الحامي جمعوا ثمانين معتقل لتكسير الرؤوس الحامية كما قالوا وكان أول من افتتح به المعتقل أنا وأبو علي شاهين اللي صار وزير تموين في السلطة.

سامي كليب: من الرملة إلى عسقلان مروراً بالشط وصولاً إلى معتقل نفحا الصحراوي كانت رحلة المناضل الفلسطيني محمد حمدان عبد الرحمن القاق تزداد عمقاً وصلابة وتحدي لمعتقليه فهو تعلم العبرية ودرس عبر المراسلة في جامعة بيرزيت وحصل على علامات جيدة رغم الاعتقال ووضع مع رفاقه عدد لا بأس به من الصحف والمنشورات داخل المعتقل لا بل أن الصحافة الإسرائيلية حين دخلت إلى معتقل نفحا الصحراوي قالت إن المعتقل سيُخَرِج قادة كبار وقد استطاع محمد القاق إخراج بعض الوثائق حين تم إطلاق سراحه ونشرها في كتاب عميق المشاعر الإنسانية غني التجربة النضالية حمل عنوان أوراق محررة وقرأ لنا منه بعضه.

محمد القاق: لا ترى من أحببت ولا يراك من أحبك إلا بمقدار لا يكفي لإذكاء جذوة من الحب لمن أحببت أو الحرب على من كرهت, سجين أنت لكنك لست كأي سجين أرادوا أن يجعلوا منك مجرد رقم فحطمت برقمك كل ما وضعوه لك من حسابات وأيامك التي لازالت تمضي وكان يمكن أن تكون حلوة لولا لم تكن في هذا المكان جعلت منها مصدر دائم لإزعاج خصمك فذقت بذلك حلاوة الرد على هذا الخصم الذي جعل من نفسه مصدر دائم لإزعاج شعبك في ظل الاحتلال وتحت الخيام.

سامي كليب: في أيلول من عام 1985 شهد سجن عسقلان أحداث خطيرة حيث هاجمته القوات الإسرائيلية وحدثت اشتباكات عنيفة بين الأسرى ودرك السجون فأحرقت الخيم وأحرق السجن بالغاز وتم عزل العديد من قادة النضال ولكن لحسن حظ ضيفنا محمد حمدان عبد الرحمن القاق أنه كان ممن حرروا قبل ذلك بحوالي العامين فقد أطلق سراحه في الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول أكتوبر عام 1983 في عملية لتبادل الأسرى بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وتم ترحيلهم إلى الجزائر وبعدها عاد مع عدد من رفاقه المناضلين إلى الأردن.

محمد القاق: أنا أذكر اللي في الزنزانة بادر قلت لهم إخواني الكيان الصهيوني معروف إنه يتقن الخداع والإيذاء النفسي فقد تكون لعبة لإيهامنا بأنه في هناك تبديل وتحرير وقبيل وصولنا للطائرة نعاد لكي نتجرع مرارة الفشل خلينا نحافظ على أعصابنا ونعتبرهم كاذبين حتى بعد أن نخرج إلى الطائرة ووافقنا على الفكرة بالكامل وفعلاً يعني طلعنا من خارج المعتقل فوجئنا في إنه هليكوبتر أصبحت القضية جدية أكثر سكروا على عنينا وطلعنا صاروا يمسكوا فينا يطلعونا واحد واحد ويرصفونا رصف في الطائرة عشان تسعنا أذكر اللي جنبي ما بعرف يعني ما كنت أعرفه إلا لما تحدث اسمه نجاح سألني مين أنت؟ قلت له أنا فلان قال لي تذكر اللحظات هذه أنت تجيد الكتابة.

سامي كليب [مقاطعاً]: وتكتب أحسن منا.

محمد القاق [متابعاً]: وتذكرها وإياك إنك تنساها قلت حاضر وحاولت أركز لكن لم يستمر ذلك أكثر من نصف ساعة شعرت إن رأسي يكاد ينفجر لأنه إحنا عبر 15 عام لم تكن الأحداث الجديدة اللي تغير من حياتنا أو تطرأ على حياتنا هذه الأحداث المتلاحقة جديدة علينا عقولنا لم تألفها عبر فترة طويلة فلم يكن التركيز مناسب وبالتالي يعني تركت للتداعي الذاتي في ذهنيتي أن تجري الأمور كما يعني هي جارية دون التركيز وساعدني ذلك في أنه الصداع عندي خف وأذكر أن نايف حواتمي سألني قال لي كيف شعورك بعد خروجك من الأسر؟ قلت شعور بالسعادة المشوبة بالغصة والألم قال لي لماذا؟ قلت لأنه عمر قاسم لم يخرج معي قال لي كلامك صحيح لكن أنت أيضاً جدير بالحرية وعمر لازم يطلع, طبعاً كنت أنا أعتبر أن عدم خروج عمر يعني لمعرفتي الشخصية فيه كان ما تعرض لهذا الموت الذي لم يكن المرض هو السبب الوحيد.

سامي كليب: عام 1997 شكل محمد حمدان عبد الرحمن القاق مع مجموعة من رفاقه حزب قومياً أسموه الحركة القومية الديمقراطية الشعبية وأصدر عام 2001 أول عدد من صحيفة البديل الناطقة باسم الحركة وترأس تحريرها وحرص على أن يصدر العدد الأول منها في الخامس من شهر تموز وذلك لأن في اليوم نفسه من عام 1970 كان قد خاض مع رفاقه في معتقل عسقلان أول إضراب عن الطعام.

محمد القاق: قمنا مع عدد من المناضلين بتشكيل هذه الحركة على أساس إطار قومي نظراً لرؤية القضية الفلسطينية عند الكثيرين على أنها أصبحت شأن فلسطيني قُطري كان لابد من إعادة القلق القومي لهذه القضية ببعدها الأممي لتوازي الكيان الصهيوني ببعده الصهيوني ورديفه الإمبريالي.



اعتقال الماضي والحاضر والمستقبل

سامي كليب: لا يزال هذا المناضل الفلسطيني مناضل بالروح والقلم رغم أن فقره منعه لسبع سنوات متتالية من رؤية عائلته, فزوجته وولداه مازن ولارا سافروا إلى كندا حين ضاقت سبل العيش بهم وهو بقي سبع سنوات ينتظر جمع جزء من المال لزيارتهم فلم يوفق وحين زرته كانت أبنته لارا عنده وكانت تستعيد وإياه بعض الرسائل التي بعثتها له من كندا بلغة إنغليزية لارا الفتاة الجميلة ابنة السابعة عشر من العمر لم ترى والدها لسنوات طويلة وتقول أنها فخورة به وحلمها أن تعيش معه في الأردن لو كانت ظروف حياته تسمح بذلك.

محمد القاق: سفر عائلتي لكندا بدأ على أساس زيارة لأهلها هناك وكان طفلي مازن ولارا معها وصغار عمرهم ثلاثة أربع سنين, الفكرة بدأت هناك أنها هي عرضت علي شو رأيك يعني بعد ما سافرت لأنه لم تكن هذه وسيلة مضمونة لعملية أنه أحد يروح على كندا أنا هذه نتيجة الظروف القاسية أنه عدم وجود مصدر للرزق وافقت مرغم لأنه إذ لم أوافق إيش عندي البديل ما عندي بديل وكان في ذهني أنه في حالة استقروا هم هناك أحاول أنا يعني أوجد صيغة اقتصادية ما تمكني من استعادة أسرتي وللأسف لم أستطع وبالتالي كانت النتيجة مر سبع سنوات وأصبح مازن ولارا 11 و12 سنة وأصبحوا الآن بعدها يدرسوا بالإنغليزي يحكوا عربي طبعاً هما في البيت لكن يدرسوا بالإنغليزي.

سامي كليب: مرت سبع سنوات دون أن ترى عائلتك؟

"
لم أر عائلتي وعندما حاولت أن أسافر لها وألتحق بها لم تتم الموافقة على ذلك، وحاولت مرة أخرى عن طريق الهجرة اللحاق بأسرتي فكان ردهم بأنني أنتمي لمنظمة إرهابية
"
محمد القاق: وأنا لم أرى عائلتي وحاولت أن أسافر لها وألتحق بها ولم يوافق على ذلك وحتى حاولت الهجرة من أجل التحاق بأسرتي لكن جاوبوني أنه أنت تنتمي لمنظمة إرهابية قلت لهم هذه المنظمة اللي بتقولوا عنها إرهابية معترف فيها في الأمم المتحدة كانت الإجابة في السفارة أنك انتميت إليها قبل أن يعترف فيها في الأمم المتحدة يعني هكذا.

سامي كليب: يعني حالياً عائلتك في كندا وأنت في الأردن؟

محمد القاق: نعم بعد السبع سنوات لم أكن قادر على أنه أجلب عائلتي ولا أذهب لهم طبعاً هم كان بمقدورهم بعد سبع سنوات لأنه تجنسوا أصبحوا قادرين على المغادرة لكن هم كانوا يفتقروا إلى قيمة التذاكر عفواً وأنا لا أملك قيمة هذه التذاكر مما دفعني كتبت فاكس إلى زميلي اللي قاسمني ست سنوات في المعتقل هو أبو شاهين وكان وزير التموين قلت قليل من الذوق أريد أن أرى عائلتي لما وصله الفاكس حكي معي كنت أضع التليفون, يريد يحكي ليش وكيف؟ قلت له لا تسألني ليش وكيف فيه إمكانية أشوفهم أسرتي ولا لا, يعني كان كلامي معه هكذا قال حاضر اللي عرفته أنه دخل على أبو عمار وأخذ موافقة منه شرح له الموضوع وأرسل لي ثلاث تذاكر وألفي دولار مصروف لهم وأنا أشكر هذا الموقف رغم أنه كان ينبغي أن لا يأتي بالطلب.

سامي كليب: لاحظت أنه بنتك لارا تخاطبك باللغة الإنغليزية من كندا وسوف اسألها بعد قليل برأيها بتجربتك وتاريخك, اليوم يعني حضرتك فقدت جزء كبير من شبابك في المعتقل فقدت عملياً جزء كبير مما كنت يمكن أن تحققه لو كنت في حياة طبيعية, عائلتك في الخارج وأنت مقيم في الأردن, هل تشعر بندم بالغبن بمرارة؟

محمد القاق: معاذ الله أن أشعر بالندم أما المرارة فمشروعة, المرارة جزء كبير منها أمحيها للظروف لأنه لو انتصر شعبنا عبر نضاله كان مش معقول يكون موقع الواحد فينا في هذا الموقع لكن الهزيمة لئيمة والانتصار كله أمه وأباه لم نحقق لا كشعب فلسطيني ولا كأمة عربية منذ قرن مضى انتصاراً واحداً وهذا يؤلم.بابا ببساطة إحنا بعاد عن بعض رغم هذا تظلين أنت ابنتي وأنا أبوكِ لو أحد سألك كيف شعورك تجاه أبوكِ؟ وماذا تتمني في حياتك أنتي وأبوكِ كيف تكون وين تكوني؟

لارا محمد القاق: بنحب أن نكون مع بعض مع ماما مع مازن بحب أكون بكندا عايشين مع بعض علشان العيشة هناك أحسن وأهون بحبك كثير علشان هيك أنا بجي كل سنة

محمد القاق: لو أمكنك كل الأسرة كلها هنا فيه عندك مانع؟

لارا محمد القاق: لا مافي مانع بس أن أصبح علشان عشنا كل حياتنا هناك متعودين, بس إن شاء الله تيجي عندنا أنت ونظل ما بعض.

محمد القاق: طيب عندك استعداد أن تتركي كندا وتعيشي معي؟

لارا محمد القاق: (YES).

محمد القاق: بالمناسبة تتذكري لما أنا أخذت تصريح التقيكم في باب الطائرة يعني المطار مش في قاعة المطار أخذت تصريح شخصي والتقيتكم بباب المطار أول مرة تدخلي فيها الأردن بعد سفرة سبع سنوات والتقيتِ بأبيكِ كيف كان شعورك؟

لارا محمد القاق: كنت مبسوطة كثير أول شيء عدين كنت خايفة.

محمد القاق: خايفة من إيش بابا؟

لارا محمد القاق: ما بعرف خايفة أني ما أعرفك شكلك بعدين هيك مشينا مع بعض بعد ما أنا شفتك وركضت.

محمد القاق: كيف يعني عرفتيني لما شفتييني؟

لارا محمد القاق: آه عرفتك يعني من الصور وهذا بس ما بتذكر كنت صغيرة بس عرفتك (yes).

سامي كليب: في خلال غياب عائلته عنه لسبع سنوات متواصلة عانى المناضل الفلسطيني محمد حمدان القاق ظروفاً أشد قسوة من الاعتقال فلا هو قادر على الذهاب إلى كندا لفقر الحال أو لأن كندا قالت له أنها تعتبره تابعاً لمنظمة إرهابية أي منظمة التحرير ولا هو قادر على دعوة عائلته إلى الأردن وحين غاب ولداه عنه لم يتردد في تربية الفئران بحثاً عن رفيق أو حنان.

محمد القاق: صدقا في ظروف مرت في فترات معينة بعد ابتعاد أسرتي عني كانت أقسى ومختلفة عن ظروف الاعتقال لسببين, السبب الأول أنا اللي كنت مسؤول عن نفسي في المعتقل إحساسي بأني مسؤول عن عائلة وعاجز عن القيام بدوري تجاهها أثقل كاهلي بشكل لم أكن أتوقعه من جهة ولم يكن مألوف بالنسبة لي من جهة أخرى هذا جانب, الجانب الآخر في المعتقل فيه آلاف مؤلفة من المحيطين فيك حالتهم زي حالتك في حين ما تعيشه الآن بعد ظرف ابتعاد الأسرة عني وظرف خاص فيه لا أستطيع أشكو إلا لنفسي تجاهه بالتالي هادول هذا الجانب وهذاك الجانب وضعني في موقع أن الظرف النفسي الذي أعيشه أقسى من سمك الجدران التي كانت تحيط بي عبر المعتقلات الصهيونية, أيضاً كنت أعيش أشعر بالوحدة في حين أن المعتقل كانوا زملائي بيملوا علي فراغي أشعر أني بدون أسرة بعد ما تعودت عليها أعيش في غرفة ومطبخ جعل إنسانيتي تتجه حتى لعدد ثلاث أربع فئران صغيرة كانت أصبحت مألوفة ومنظرها جدير أني أرعاها بدل ما أقتلها.

سامي كليب: الفئران؟

محمد القاق: الفئران وفعلاً بقيت عندي بضع شهور لدرجة شقيقتي زارتني من الضفة ولما شافتها ارتعبت وفوجئت وكيف هذه ما بتعرف ما هو المعنى من ذلك وبالتالي انتهت هذه الفترة بس حتى الفئران شعرت أن إنسانية الإنسان ممكن أن يسدلها حتى على الجماد وليس على الكائنات الحية, أيضاً وجود الإنسان في هذه العزلة والانفراد لوحده ما يعني وضعه في موضع من الضيق كاد الذي لم يكسر في ظروف أخرى كاد هو عملية الكسر هي القضية الأعمق ما إنك تحددها بالكلمات فكنت أخشى على نفسي بعد طول هذه الفترة من الانتصار على كل الظروف الصعبة أنتصر على ظرف من هذه النوع.

سامي كليب: ربما مجيء لارا من كندا لزيارة والدها المناضل الفلسطيني محمد حمدان القاق سينسيه جزء من عذاباته وضيق حاله ولكن كيف له أن ينسى أنه ضحى بشبابه في معتقلات إسرائيل وخرج ليجد أنظمة تضحي به وبأمثاله وتدفن تاريخها فيما هو أسوأ من معتقلات عسقلان ونفح الصحراوي.