- من البداوة إلى محاولة قلب النظام
- نظرة الضباط الأحرار للملك حسين
- علاقة الجمعاني بالرئيسين الأسد وعبد الناصر

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقُلنا هذه المرة إلى مدينة مأدبا التاريخية الأردنية، هنا ضيفنا يشارف اليوم على الثمانين من العمر، أمضى جل هذه السنين في المعتقلات الأردنية والسورية، آمن بالعروبة والقومية فكادت تحرمه من جزء كبير من حريته الشخصية واعتنق السياسة فأوصلته إلى مجدها ثم رمته في غياهب السجون، إنه الضابط الأردني السابق والقيادي البعثي سابقا السيد ضافي الجمعاني.

ضافي الجمعاني: طبعا مرحلة السجن فيها أشياء كثيرة حقيقةً بس يعني شَغلة يعني قضية معقدة بدك تتناول النظام بدك تتناول المعارضين بدك تتناول أسلوب الحكم ومعاملتهم بدك تتناول أيضا حياتك في السجن وحياة رفاقك والتعارضات والتناقضات اللي صارت وهي شَغلة كثيرة معقدة، أنا لا أستطيع أن أنشر مذكراتي في هذا البلد أو في أي موقع ولا في سوريا، ما أعرف إذا في مصر يعني صار لي الآن عشر سنين مذكراتي مكتوبة ما استطعت أن أنشرها.

من البداوة إلى محاولة قلب النظام

سامي كليب: منذ خروجه من السجن عاد ضافي الجمعاني إلى مدينة مأدبا أو مادبا كما تسمى باللهجة الأردنية، هذه المدينة التي تضم أقدم خريطة فسيفساء في العالم تضم في حناياها أيضا كنائس كثيرة تجاور مساجدها، هنا ترعرع ضيفنا أما انتمائه العشائري فيعود إلى بني حميدة في مضارب عشيرة الجماعين، وُلد على الأرجح عام 1927.

ضافي الجمعاني: نحن كنا في ذاك الحين نؤرخ بالأحداث بالزلازل بالأمطار بالثلوج بكل شيء بهذا.. يعني ما كان عندنا بذاك الحين تاريخ يعني سجل ولادة.

سامي كليب: كيف عرفت إنه عام 1927؟

ضافي الجمعاني: قالت لي.. يعني هذا نقلا عن جدتي نقلا عن أمي إنه أنت ولدت يوم الهزة.. والهزة كان سنة 1927.

سامي كليب: 1927؟

ضافي الجمعاني: نعم.

سامي كليب: رغم وفاة والده وهو في الثانية من عمره إلا أن ضافي الجمعاني لم يشعر باليُتم حيث تولاه عمه وأشرف على تربيته وتعليمه وأدخله إلى مدرسة المطران الراقية التي جاءها بثياب البداوة فأضحك رفاقه أبناء العائلات الميسورة، لكنهم لم يتوقعوا أن زميلهم سيصبح ضابطا كبيرا في الجيش الأردني ويسعى لقلب نظام الملك حسين ويصل إلى قيادة حزب البعث في الأردن ويتولى قيادة العمل الفدائي ثم قيادة قوات الصاعقة والمقاومة في بلاده واللافت أنه كان في بدايته يكره الجيش والعمل العسكري.

ضافي الجمعاني: طبيعتي تكره العسكرية يعني أنا كنت في مدرسة المطران إنسان حر.. ويعني مشكلتي الأساسية اللي عانيت منها واللي جرَّتني إلى كل هذه المواقع إني إنسان حر وأعشق الحرية، فأن تدخل إلى الجيش وجيش ما هو جيش يستند إلى الأسس اللي يعني الوطنية، جيش لا يُبنى على أساس وطني.. جيش يُبنى على أساس كثير مهمات لدولة محتلة أو لدولة تستعمر.

سامي كليب: بريطانيا.

ضافي الجمعاني: بريطانيا طبعا، فهذا جعلني يعني كاره تماما للجيش واضطُررت غصب عني إني أروح وأنا قلت لا..

سامي كليب [مقاطعاً]: هل ندمت لأنك دخلت الجيش؟

ضافي الجمعاني: لا لأنه ها المسار اللي أنا صرت فيه واللي لولا الجيش يمكن ما صرت فيه.. شايف يعني جعلني إنسان ذا مسؤولية تجاه بلده وتجاه وطنه وقدم الكثير من التضحيات من أجل ذلك ما كان ممكن تتوفر في أي مجال آخر إلا إذا رُحت للجامعة ودرست ورجعت شايف.. وما كانت في ذاك الحين إمكانيات إنه أفعل ذلك.

سامي كليب: فيما كتبت بمذكراتك التي لم تُنشر بعد إن عمك حاول طبعا ألا يدخلك في المدرسة العسكرية وأن يجد لك ربما وظيفة أخرى وأحد أفراد العائلة المالكة اقترح عليه أن تعمل بالزراعة مثل ما كان يعمل الوالد أو الأهل يعني؟

ضافي الجمعاني: الأمير عبد الله اقترح عليه هيك.. اقترح عليه هيك قال له يا سليمان خليه يلحق يسرح بمعيزات قال له يا سيدي إحنا ناقصنا..

سامي كليب [مقاطعاً]: خلِّيه يرعى الماعز يعني؟

ضافي الجمعاني: إحنا ناقصنا رعيان ما عندنا رعيان كثير.. آه طبعا.

سامي كليب: طبعا الجيش الأردني كان آنذاك يعني يجب توضيح هذه المسألة، كان الجيش الأردني آنذاك بأيامك خاضع لسلطة رجل بريطاني من أصل أيرلندي ضابط بريطاني هو جلوب اللي كان معروف بجلوب باشا كان يتقن اللهجات البدوية وليس فقط العربية، حضرتك تقول إنه لو كان آنذاك الجيش الأردني بإشراف وطني يعني وليس بإشراف جلوب والاستعمار البريطاني لربما غيَّر المعادلة؟

"
الجيش الأردني كان تحت قيادة بريطانية فبني على أساس خدمة إستراتيجية بريطانيا في المنطقة، ولو كان تحت قيادة عربية لكان أداؤه في حرب فلسطين غير الذي حدث
"
ضافي الجمعاني: الجيش الأردني بأقول إنه يعني هو بُني على أساس خدمة استراتيجية بريطانيا في المنطقة يعني بس لو توفر له الحرية في القتال بفلسطين مع إنه جيش قليل شايف.. لكان على الأقل وهذا واقع صحيح لاحتل القدس ولمَّا تحتل القدس ما فيه مشكلة بفلسطين.

سامي كليب: التحق ضافي الجمعاني في الجيش العربي الأردني وتابع دراسته العسكرية في بريطانيا وهذه صورة نادرة له ولشهادته.. شهادة التخرج من الكلية العسكرية البريطانية كان آنذاك الضابط البريطاني الأيرلندي الأصل جلوب هو المسؤول الفعلي عن الجيش الأردني وربما أيضا عن جزء لا بأس به من سياسة البلد، تسلَّم ضافي الجمعاني قيادة بطارية مدفعية عام 1953 وكان صغير السن والرتبة وسرعان ما وجد نفسه مدفوعا بحسه القومي العربي صوب تنظيم الضباط الذي عُرف فيما بعد بتنظيم الضباط الأحرار وذلك تيمنا بالضباط الأحرار في مصر، كان هذا التنظيم بقيادة شاهر اليوسف ومحمود المعايطة، ماذا كان هدف الضباط الأحرار؟

ضافي الجمعاني: أنا دخلت التنظيم كشخص وأنا ضابط صغير مرشح يمكن.. مقتنع أن الهدف من هذا التنظيم هو تغيير الواقع في الأردن..

سامي كليب [مقاطعاً]: تغيير الواقع يعني قلب النظام؟

ضافي الجمعاني [متابعاً]: قلب النظام نعم وكان لي رفيقان يعني صديقي اللي هو شاهر اليوسف اللي هو أسس التنظيم ومحمود المعايطة اللي هو أيضا ثاني شخصية في التنظيم.

سامي كليب: واللي بقي رفيقك مدة طويلة؟

ضافي الجمعاني: بقي رفيقيّ الاثنين كانوا رفاقي مدة طويلة كنا في سلاح المدفعية، ما تباحثنا.. يعني صار قيادة لتنظيم الضابط الأحرار لم نجلس مرة واحدة في مرحلة معينة.. أن نجلس ونقرر ما هي أهداف هذا التنظيم إلا في سنة يمكن 1956 بأولها اجتمعنا في منطقة نائية بعد الزرقة على سيل السخنة وتباحثنا إنه شو فيه بعد؟ فالحديث تم بين الموجودين واللي هم الأكثرية.. أكثرية قادة التنظيم بالاتجاه إنه طرد الإنجليز من الجيش فتدخلت أنا سألت يعني قلت إنه هذا إحنا أصل التنظيم ما هو بس طرد الإنجليز من الجيش وإنما تغيير النظام وذهاب الإنجليز تحصيل حاصل، قالوا لي شو بدنا نسوي بالأردن قلت والله بدي ترجع لأصلها اللي هي..

سامي كليب [مقاطعاً]: إلحاقها بسوريا.

ضافي الجمعاني: إلحاقها بسوريا، طبعا ذاك الرأي بذاك الحين يدل على معرفة بسيطة في الشؤون السياسية..

سامي كليب: على براءة سياسية؟

ضافي الجمعاني: البراءة السياسية، طبعا هم يعني صار صمت لما قلت لهم إنه هيك ولكن تبين إنه بعدها أنا شعرت إنه ما عاد التنظيم يعني ملتزم بالهدف الأساسي اللي كان هو أقيم من أجله.

سامي كليب: طبعا الملاحظة لافتة جدا وأنا حتى حين قرأتها بمذكراتك لفتتني إنه كيف رجل مثلك وأردني ومتعلق بوطنه وكذا حتى لو كان مؤمن بقومية عربية أوسع إنه يقبل أن يُلحق بلده بدولة أخرى.. بسوريا.

ضافي الجمعاني: لا هو ما يُلحق.. هو كواقع الأردن فلسطين كلهم كانوا جزء من سوريا.. مو سوريا الحاضر سوريا الماضي يعني كل هذه بلاد الشام لبنان، سوريا، فلسطين والأردن كلها كانت بلاد الشام طبعا أنا هذه الخلفية هي التي فرضت عليّ مثلا بدون تحليل.. بدون تحليل للواقع وبدون معرفة الأمور معرفة حقيقية هي اللي جعلتني أقول ذلك.

سامي كليب: يعني طبعا هو السؤال يقودنا إلى سؤال آخر حول تنظيم الضباط الأحرار يعني كما تتفضل إنه لاحظنا منذ البداية ومن يقرأ يعني سيرة هذا التنظيم إنه بقِي عشوائيا يعني من البداية حتى النهاية لا مشروع سياسي لقاءات حتى عشوائية بعض الاجتماعات يعني كان البعض يعرف بما يحصل فيها، البعض الآخر لا يعرف أي شيء وحضرتك في بعض الاجتماعات لم تكن تعرف عنها شيئا يعني العشوائية.. ما الذي كان يبررها غياب المشروع السياسي، غياب مخطط السياسي، غياب محمد نجيب أردني مثلا؟

ضافي الجمعاني: والله..

سامي كليب [مقاطعاً]: أو جمال عبد الناصر؟

ضافي الجمعاني: شوف راح أحكي لك شَغلة يعني أنا اللي جعلني أطمئن بأن هدف التنظيم يعني كنا نسير نحوه هو أن الشاعر أبو شحود ومحمود المعايطة كانوا بعثيين ولمَّا تبنى التنظيم لحزب سياسي يؤمن بالوحدة العربية هذا يُعني بالتالي إنه هذا التنظيم أهدافه تحقق.. أهدافه الأساس هو الإيمان بوحدة العرب وتغيير الواقع في الأردن من أجل مصلحة الهدف الأساسي اللي أنت بتيجي لُه، طبعا تبين في المدة الأخيرة أن أي انقلاب عسكري في هذه البلاد هو يعني لا يمثل على الإطلاق حتى بما فيهم مرحلة الله يرحمه جمال عبد الناصر لا يمثل إرادة الناس.

سامي كليب: ومصلحة شخص أكثر من مصلحة الأمة بشكل عام.

ضافي الجمعاني: لا هوَّ في بعض الحالات يعني عدم وعي الحقيقة عدم معرفة الواقع يعني عدم ما فيه فكر سياسي واضح ما فيه تجربة طويلة.

سامي كليب: طبعا لن أسألك عن جمال عبد الناصر لأنك يعني واضح إنك تود الرجل وتحترمه في كل ما كتبت ولازلت حتى اليوم.

ضافي الجمعاني: آه طبعا.

سامي كليب: في الحديث عن حزب البعث يعني سيد شاهر مؤسس الضباط الأحرار هو نفسه اعترف فيما بعد إنه كان يريد توظيف الضباط لحزب البعث وليس العكس يعني نقل الضباط أو تنظيم الضباط باتجاه حزب البعث العربي الاشتراكي وليس العكس، بأواسط عام 1951 طبعا هذا ليس السؤال بأواسط عام 1951 لو سمحت لي كان رفاقك يتنافسون عليك البعض يريد ضمك إلى الحزب القومي..

ضافي الجمعاني: نعم.

سامي كليب: البعض الآخر إلى حزب البعث العربي الاشتراكي وفضلت البعث وانتقدت القوميين، شو السبب؟

ضافي الجمعاني: السبب الفعلي يعني أنا أولا في زمن الأمير عبد الله في ذاك الحين بعدين صار الملك عبد الله، كان يدعو إلى مشروع سوريا الكبرى شايف وهذه الدعوة كانت يعني مطروحة في الشارع الأردني والشارع السوري والشارع الفلسطيني ولذلك أنا كنت أؤمن يعني.. عندي تطلُّع من أجل هذا الأمر شايف بس المشكلة اللي بيدعوا لوحدة سوريا.. والوحدة السورية هم القوميين السوريين..

سامي كليب: صحيح.

ضافي الجمعاني: والقوميين السوريين بذاك الحين هم يعني الأيديولوجية النازية في مرحلة معينة مثل الألمان شايف.. قومية نازية وأنا بطبيعتي بالفعل أعشق الحرية عاشقها، فلما دعاني شاهر وأعطاني شعارات البعث الوحدة والحرية والاشتراكية أنا كثير يعني تأثرت بذلك وخاصة لأنه الحرية أساسية في هذا الموضوع ولذلك..

سامي كليب: بس هل كنت قرأت أدبيات الحزب القومي لكي تصفه بالنازية مثلا؟

ضافي الجمعاني: أنا أعرفه، أنا إلِي اطِّلاع لأنه إلِي علاقات مع قوميين سوريين ومنهم بطرس حمارنة ومنهم من هو طالب في المدرسة كان فيه قوميين سوريين من مأدبا وما هناك أعرفهم نعم.

سامي كليب: يعني لكي ننصف على الأقل أنطون سعادة مؤسس الحزب وزعيمه إنه كان يعني.. لم يكن نازيا إلى هذا الحد يعني كان على الأقل عنده أفكار قومية جيدة كان..

ضافي الجمعاني [مقاطعاً]: والله أنا لسوء الحظ لم أتذكر ذاك الحين لم أكن مطَّلع يعني أدبيات ولا فكر القوميين السوريين بس المطروح هو هكذا.

سامي كليب: انضم ضافي الجمعاني إلى صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي في آذار عام 1956، أصبح عضوا في اللجنة العسكرية التابعة للقيادة القُطرية وكان في الوقت نفسه يترقى في صفوف الجيش الأردني حيث أصبح قائدا لكتيبة المدفعية.. مدفعية الميدان الخامسة ومن على هذه المسؤوليات ومن خلال عمله في تنظيم الضباط الأحرار بدأ ينظر بعين النقد والانتقاد للنظام الأردني ووصل الأمر به وبرفاقه إلى حد محاولة الانقلاب على الملك الشاب حسين الذي تُوج وهو في الثامنة عشرة من عمره، كيف كانت نظرة الضباط الأحرار بدايةً إلى الملك حسين؟

نظرة الضباط الأحرار للملك حسين

ضافي الجمعاني: والله الملك حسين بذاك الحين يعني بعد ذهاب الملك عبد الله كان فيه فراغ في السلطة يعني الملك حسين ما كان وهو صغير.. ما كان يعني معروف وإمكانياته ضعيفة فمن هنا يعني ما كنا مهتمين فيه بس إلا كونه يعني وريث شايف..

سامي كليب [مقاطعاً]: اهتمَّيتم فيه وقت لما حاولتم الانقلاب عليه يعني نذكر إنه بعد استقالة حكومة النابلسي حصل الاجتماع الشهير لضباط الأحرار وبعض المناصرين ربما واتخذتم القرار الفعلي بالانقلاب على الملك حسين.

ضافي الجمعاني: نحن لم ننقلب على الملك حسين ولا..

سامي كليب [مقاطعاً]: بس القرار كان واضح.

ضافي الجمعاني: ولا كنا ننوي أن ننقلب على الملك حسين، نحن كنا مع الديمقراطية بالضبط وأصرَّينا على أنه على الملك حسين أنه يسهل مهمة حكومة سليمان النابلسي لأنها تمثل... شو اسمه، أي ارتداد عليها يعني الواقع اللي مرينا فيه بخلال خمسين سنة..

سامي كليب: بس حصل تهديد للملك.

ضافي الجمعاني: ما حصل تهديد.. التهديد لا إحنا كنا قلنا القرار اللي اتخذناه إنه إحنا نحاول.. نحاصر القصر ونفرض على الملك حسين إعادة حكومة سليمان النابلسي.

سامي كليب: حضرتك سيد ضافي الجمعاني تقول بمذكراتك التي لم تنشر بعد بالصفحة 97 إنه فور الإعلان عن تقديم حكومة الأستاذ سليمان النابلسي استقالتها وقبول الملك لهذه الاستقالة التقى بعض قادة تنظيم الضباط في غرفة منعزلة في نادي ضباط الجيش في الزرقة، الضباط اللي بتتحدث عنهم كان شاهر اليوسف الرائد تركي الهنداوي النقيب جعفر الشامي المقدم أحمد زعرور الرائد شوكت السبول..

ضافي الجمعاني: السبول آه.

سامي كليب: السبول، النقيب ضافي الجمعاني حضرتك المقدم محمود المعايطة والنقيب نذير رشيد وكان المجتمعون يمتلكون القوة الكافية لمواجهة أي تحدٍ لرؤياهم الوطنية لو كان الالتزام بهذه الرؤية صادقا وكان سلاح المدفعية الذي يقوده محمود معايطة على ما أعتقد كافيا لوحده أن يفرض القرار الذي يتخذه هؤلاء القادة وهو مُعَد لهذه المهمة قاعدة وقيادة وقد نوقش الوضع مناقشة حادة انحصر على ضوئها النقاش..

ضافي الجمعاني: جادة.

سامي كليب: جادة بالأحرى مكتوبة حادة، وقد نوقش الوضع مناقشة جادة وانحصر على ضوئها النقاش في موضوعين كانا حصيلة هذا النقاش الطويل وهما أخذ ذمام المبادرة والعمل على تغيير النظام أي العودة إلى المنطلق واثنين إجبار الملك حسين على احترام إرادة الشعب وخياراته وإعادة الحكومة الوطنية إلى وضعها الطبيعي لتمارس مسؤولياتها، يعني كان الخيار الأول هو قلب النظام.

ضافي الجمعاني: الخيار الأول كان قلب النظام بالنسبة إلِي نعم، أما حينما نوقش الأمر ووصلنا إلى نتيجة إنه قد يؤدي ذلك تغيير النظام إلى أن تستولي إسرائيل على الضفة الغربية عندئذ تراجعنا عن هذا الأمر لأنه كنا واعيين إنه ما فيه إنسان في الوطن العربي لا يعتبرنا أنه نحن خدمنا قضية إسرائيل ولذلك تراجعنا عن هذا العمل.

سامي كليب: على كل حال سيد ضافي حضرتك وبعض رفاقك كانوا آنذاك لابد يعني شباب متحمسين للقومية العربية لتغيير الأنظمة من أجل نظام ربما أكثر ديمقراطية ويعني المُسيء بالأمر إنه كانوا يجهلون اللعبة الدولية الإقليمية المحيطة بأي بلد تماما كبلد كالأردن ولكن اللي لفت نظري فيما كتبت أيضا حضرتك إنه خلافا لما هو رائج إنه سوريا كانت وراء معظم الإعداد للانقلابات في الأردن وما إلى ذلك أو العراق أو ربما حتى ليبيا في بعض المراحل، إنه سوريا أقنعتكم بعدم الانقلاب على الملك حسين وجاءكم عبد الفتاح الزلط ومصطفى حمدون.. مصطفى الرائد الشهير يعني أو العقيد الشهير بالجيش السوري واللي كان الرجلان كانا تقريبا تابعين لأكرم الحوراني وهما اللذان أقنعاكم بعدم الانقلاب على الملك حسين لأنه الفرصة غير مواتية الآن والوقت غير مناسب.

"
 في سايكسبيكو صنع الأردن بحيث يبقى دوما محتاجا إلى الغرب خاصة أنه بلد صغير ذو إمكانيات ضعيفة
"
ضافي الجمعاني: هوّ مش بس سوريا أيضا الرئيس عبد الناصر، ما فيه حد يعني هو أنت بتطلَّع تاريخيا الانقلابات العسكرية وين بتصير؟ بتصير في العراق في مصر في سوريا شايف.. فالأردن دوما محاط بعناية يعني ما.. عناية جدية وما صار فيه تغيير منذ تأسيسه إلى الآن مع أن هو بلد صغير ويعني إمكانياته صغيرة وهو دوما ضمن ظروفه دوما مع السياسة الغربية يعني شايف ومع ذلك..

سامي كليب [مقاطعاً]: لأنه قدرته على التأثر أكثر من قدرته على التأثير يعني بلد صغير..

ضافي الجمعاني: هو أصلا مصنوع من أجل ذلك.. هو أصلا في سايكسبيكو مصنوع من أجل ذلك شايف أن يظل.. يبقى دوما في احتياج وأن تبقى دوما حاجته ملتزمة بالغرب فيعني إحنا أساس المرحلة السابقة كل الضباط وكل الوطنيين كانوا يعني ضد الواقع الموجود في المنطقة.. في العرب شايف ضاعت فلسطين ومهددين أيضا بضياع آخر ولذلك كلهم كانوا مع التغيير، همَّا ما استطاعوا يغيَّروا لكن القوى الدولية الإنجليز وغيرهم استطاعوا إنهم يغيَّروا إحنا ما..

سامي كليب: بس حضرتك يعني كمان تصف الملك حسين بأوصاف قاسية في هذه المذكرات يعني لو عدنا طبعا إلى المذكرات أعتقد الصفحة 240 يعني طبعا ليس هدف البرنامج الدخول في مهاترات ولكن فقط لتوضيح هذه المسألة أنه لماذا كنتم إلى هذه الدرجة ضد الملك حسين آنذاك، تقول عشر سنين هو عمر الزمن الذي قاد إلى الهزيمة من واقع الأردن هذا يعني تتحدث عن الفترة بين عامي 1957 ..

ضافي الجمعاني: و1967..

سامي كليب: و1967 وتقول والذي بدأ بانقلاب الملك حسين على الديمقراطية وهي أول تجربة ديمقراطية في تاريخ الأردن السياسي ليحكم بعد ذلك حكما مطلقا أداته المخابرات والشرطة والقمع والإرهاب في ظل أحكام عرفية لا يحدها قانون ولا عُرف، قمع وإرهاب وأسلاك شائكة حول الذهن هدفها إيصال الناس إلى سلوك القطيع فالصادق مشبوه والذي لا يسرق مشبوه والذي لا يسبِّح بمجد السلطان مشبوه.

ضافي الجمعاني: هذا صحيح أنا أصرّ على ذلك وأنا هذا مقتنع فيه، أن أسباب الهزيمة والانقلاب على الديمقراطية وعملية الإرهاب حتى يبقى الواحد.. الحكم قائم لابد أن يسلك السلوك القمعي وهذا حدث مما أفرغ يعني إن كان الجيش أو الدولة أو المجتمع من أي نشاط ذهني أو أي نشاط وطني أو أي مقاومة للواقع السيء أنا هذا مؤمن فيه.

سامي كليب: كنت أسألك سيد ضافي الجمعاني لماذا سُجنت مرات عديدة عبر التاريخ إن كان في الأردن ثم في سوريا فترة طويلة ولكن صراحتك اليوم يعني تعطي الجواب لوحدها أنه دائما تقول ما تفكر به دون خوف من أي عقاب فيما بعد.

ضافي الجمعاني: ما عاد فيها يعني..

سامي كليب [مقاطعاً]: وطبعا اعتُقلت عام 1957 اعتقلت مع مجموعة لا بأس بها، كيف كانت ظروف الاعتقال وهل فعلا أن الوالدة حين زارتك انهارت في السجن حين رأتك؟

ضافي الجمعاني: أنا ابنها الوحيد ما فيش غيري، شوف إحنا كنا وقت الاعتقال الأول هنا ما كنا مهتمين يعني حتى الملك حسين لمَّا شاف الصور.. لمَّا أعطونا الحكم وشاف الصور قال ما فيه تأثيرات جدية قال على مين معتمدين هادول الناس؟

[فاصل إعلاني]

ضافي الجمعاني: يعني إحنا كنا شباب وكنا مقتنعين أن هذا الأمر.. الواقع العربي بده يتغير..

سامي كليب [مقاطعاً]: وأن السجن أمر طبيعي.

ضافي الجمعاني: وأن السجن أمر طبيعي وإحنا الواحد متوقع أكثر من السجن فيعني.. هذه أول مرة سُجنا فيها، المرة الثانية سُجنا معروف..

سامي كليب [مقاطعاً]: بس المرة الأولى كانت شروط السجن عادية.. شروط السجن عادية؟

ضافي الجمعاني: لا هو في الأردن في تلك المرحلة لمَّا قبل ما تفضلوا علينا الأميركان به شو اسمه السجون اللي..

سامي كليب [مقاطعاً]: سجن أبو غريب؟

ضافي الجمعاني: لا سجن أبو غريب.. ويبنوا زنازن ويبنوا كذا كان مريح عندنا في الأردن الناس بتعرف بعضها..

سامي كليب: طبعا كان لكم احترام كضباط في الجيش.

ضافي الجمعاني: كان لنا احترام كضباط في الجيش وهم معي والناس عارفة بعضها من الملك حسين لأي واحد كنا بنعرف بعضنا كلنا بس الموضوع يختلف بسوريا شايف بس هنا تشعر أهلك موجودين هنا بيزوروك كل الناس.

سامي كليب: حين يتحدث ضافي الجمعاني اليوم عن نظرته للملك حسين فإنما يتحدث عن فترة مضى عليها حوالي نصف قرن ولكن الأمور تغيرت فيما بعد بين الرجلين فالعاهل الأردني الراحل الذي يحتفظ ضافي الجمعاني بصورة له كان أول مُهنئيه بعد خروجه من سجن المزَّة السوري الذي أمضى فيه 23 عاما.

ضافي الجمعاني: والله هو أولا لقد طالب الرئيس حافظ الأسد أكثر من مرة بأنه يطلق سراحنا يعني حتى فيه مرة جابها هيك بنكتة الرئيس حافظ الأسد قال له أنا بأعطيك أياهم بشرط إنك تحبسهم عندك قال له أنا ما بحبسهم، لما خرجت اتصل بي تليفونيا هنا وهنأني بالسلامة وكان بده يزورني لولا أنه مثل ما قلت لك كان فيه لافتات للناس محطوطين..

سامي كليب [مقاطعاً]: أعلام حزب البعث.

ضافي الجمعاني: أعلام حزب البعث.

سامي كليب: يعني عمليا تقدِّر للملك حسين أنه كنت تود الانقلاب عليه وبعد خروجك من السجن من سوريا تعامل معك بشكل إيجابي؟

ضافي الجمعاني: الملك حسين رجل دولة قدير وهو يعرف كيف يتعامل مع الواقع.

سامي كليب: حديث الصور قادنا للعودة قليلا مع ضافي الجمعاني إلى العلاقة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، آنذاك كان عبد الناصر مستاءً من هجوم الفصائل الفلسطينية عليه والتي كانت تنتقده بشدة من الأردن بعد موافقته على معاهدة روجرز، آنذاك اتصل الرئيس ياسر عرفات بضيفنا واصطحبه معه للقاهرة فكان لقاؤه أولا مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل ثم مع عبد الناصر.

علاقة الجمعاني
بالرئيسين الأسد وعبد الناصر

ضافي الجمعاني: قعد أبو عمار ومحمد حسنين هيكل على السُفرة وقعد إلى اليمين أبو اللطف وأبو الهول وأنا قعدت هنا بحدهم.. على يسارهم وقعد هناك إبراهيم بكر وصلاح خلف.. بعد شوية خمس دقائق دخل علينا الرئيس الله يرحمه وقال والله أنا كنت أمرِّن حالي يعني.. أمرِّن حالي على ضبط الأعصاب شايف، حط كرسيه في الوسط يعني أنا كنت خلفه ما يقدر يشوفني إلا لما يلتفت، حكوا عن الثورة وعن المقاومة وحكى هو وجهة نظره وحكوا كثير بس هو قال.. قال أنا قبلت مبادرة روجرز يعني استراتيجيا وليس تكتيكيا وأنا مقتنع أنه 99% لا يمكن أن يخرج منها شيء وأنا مقتنع أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة وبعدين إحنا ما فيه شيء نختلف عليه إحنا مع المقاومة الفلسطينية ومع قيادة فلسطين وإحنا يعني أنتم ناس بيحبكم شعبكم ولمَّا بيصير.. وأنا حريص على أنه يعني الشعب يكون موحد الفهم ولذلك أوقفت إذاعة فلسطين من صوت العرب حكوا همَّا كلهم، بعدين بعد ما خلص الحديث قلت له سيادة الرئيس التفت.. دار عليّ قلت له أولا أنا سعيد أني آجي أرض مصر.. انسرّ، قلت له في مصر نظام وطني لابد أن يستعيد أرض مصر إن سلما أو حربا وكذلك في سوريا وهنا أخطأت لكن إحنا في الأردن النظام يكره نصرنا ليس له مصلحة في النصر، اطَّلَّع على محمد حسنين هيكل وقال له جاوب يا هيكل..

سامي كليب: جاوبك محمد حسنين هيكل؟

ضافي الجمعاني: وبعدين رد عليّ قال لي خذ النظام.

سامي كليب: من حديث الصور نعود إلى التجربة الصعبة مع ضيفنا في حزب البعث وقد كان عام 1963 عاما بعثيا بامتياز في الدول العربية، انقلابات وانقلابات مضادة في سوريا بين البعثيين والناصريين وانقلابات في العراق، البعض يصف تحركه بالثورة والبعض الآخر بالحركة التصحيحية وآخرون يتهمون آخرين بالانقلاب، قام الملك حسين آنذاك بسجن قسم من البعثيين وكان ضيفنا بينهم ولكن سجون الأردن المتعددة بقيت سهلة قياسا مع ما عاناه ضافي الجمعاني في سوريا ومن هناك من سجن المَزَّة كتب مذكراته التي قال فيها أن مخطط الانقلاب البعثي في سوريا كان يقضي بأن تصبح سوريا قُطرا معاديا للعروبة والوحدة.

ضافي الجمعاني: سوريا بالأصل هي محرك الوحدة العربية يعني شعبها ويمكن حاجتها الاستراتيجية الذاتية كون فيها طوائف وكذا كانت يخرج منها نداء من أجل الوحدة العربية..

سامي كليب: يعني كنت تتحدث كل هذه الانقلابات والانقلابات المضادة لتصل إلى أي نتيجة؟

ضافي الجمعاني: لأصل إلى أن سوريا بسبب صراع بين صلاح جديد بين حافظ أسد والحركة التصحيحية انتهى دورها كداعي للوحدة العربية ولذلك دخلت يعني صار نظام هذا مع التضامن العربي والقبول بـ 242 و338 وبعدين بعد هذه الفترة ذهب إلى الحرب سنة 1973 ما سوَّى شيء، جابوا كسينغر رضاه وودَّاه على لبنان.

سامي كليب: الغريب أنه تصل بكلامك عن أن الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى حد القول إنه الرئيس الأسد تسلم السلطة في السادس عشر من شهر تشرين عام 1970 وكان هذا التسلم نهاية لمرحلة تاريخية وهي من أهم الصفقات التي جرت في تلك المرحلة بين (K.G.B) و(C.I.A) يعني بين الاستخبارات السوفيتية والأميركية، اتهام ولا معلومات؟

ضافي الجمعاني: هو يعني محسوب على السوفييت، أنا جاني مرة هنا رئيس مجلس السوفييت الأعلى في زمن غورباتشوف، هو يعرف إن أنا حُبست بسوريا كذا، قال للرئيس الأسد أنا أعرفه تلقيته مرتين ثلاثة رجل شديد قلت له نعم شديد بس أنتم يعني السياسة الدولية صارت كما (COMAITION) يلعبوا تحت الطاولة قد إيش تعطيني قد إيش تاخد..

سامي كليب: عمولات.

"
كان الإعلامان العالمي والعربي يعتقدان أن حافظ الأسد صديق للاتحاد السوفياتي، ولكنه في الحقيقة جزء من العالم الغربي
"
ضافي الجمعاني: فأنتم حاسبين الغرب أو الإعلام العالمي كله والعرب كلهم بيظنوا أنه حافظ الأسد مع الاتحاد السوفيتي.. صديق للاتحاد السوفيتي وأنت بتعرف وكلهم بيعرفوا أنه حافظ الأسد ما له علاقة لا بالتقدم ولا بالعلاقات الطيبة مع الاتحاد السوفيتي حافظ الأسد معروف هو جزء من العالم الغربي مثله مثل القذافي، حرب الـ 1967 فيها شكوك كبيرة حول من جرّ عبد الناصر إلى الحرب، فيها شكوك كبيرة أيضا على النتائج التي تمت فيها بسوريا.. سوريا ما قاتلوا السوريين... السوريين قتلاهم في حرب 1967 حوالي 125 واحد بالمدفعية وبالطيران.

سامي كليب: طيب سيد ضافي طبعا يعني هذا نقاش طويل وموضوع طويل ومعقد ومتشعب ولكن سأضع نفسي مكان السوري وباختصار شديد يعني السوري دعم المقاومة اللبنانية في أرضه، هناك معظم ممثلي المقاومات الفلسطينية إن كانت الديمقراطية أو حتى الشعبية أو حتى حماس أو حتى الجهاد وتعرضت قواته لقصف سوري.. لقصف إسرائيلي مرات عديدة ونظامه كان مطوق مرات عديدة ولا ننسى أنه كان مجاور أيضا لدول لا تُكِن له الود بشكل كبير يعني أيضا يجب أن يعطى هذا النظام حقه حتى ولو كان ليس من قبل الدفاع عنه ولكن أن يصل الأمر إلى حد القول إنه لم يقاتل وأنه كأنه جزء من مؤامرة دولية أيضا في المنطقة..

ضافي الجمعاني: هو جزء من مؤامرة دولية طبعا وتؤسس عليه والهدف الأساسي من الشرق الأوسط سيبنى على هلال خصيب منزوعة أحشاؤه كشرق أوسط وأهمه الوطن العربي.

سامي كليب: طيب اليوم ربما المشاهد يعني وحضرتك تفاديت جدا الكلام عن فترة السجن في سوريا وحتى عن الأسباب والمشاهد لا يعرف لماذا سُجنت ولماذا ذهبت للسجن في سوريا ولماذا اعتُقلت هناك وكيف عوملت، لماذا ما الذي حصل بينك وبين السوريين وكيف دخلت السجن في سوريا؟

ضافي الجمعاني: أنا عضو قيادة قومية، بعد المؤتمر القومي بالعاشر اللي قرر فيه تغيير مراكز القوى يعني تغيير وزير الدفاع ورئيس الأركان وصوَّتوا عليه ثمانين واحد وصوَّتوا ضده ثلاثة معي، بعدين عمل انقلاب الرئيس حافظ الأسد اعتقل صلاح شديد واعتقل كمان واحد حطهم بالسجن قالوا لي أنت بدك تكون جزء من القيادة إذا بدك قيادة، اضطرِّيت إذا ما بدي معناه أنا والله.. معناه يعني أنا عم بأنسحب بهزيمة ما قبلتها على نفسي ودخلت في القيادة وصرنا قيادة وبعدين.. أنت يا تمشي مع النظام يا بتعارضه، ما مشينا مع النظام، اتحبسنا.

سامي كليب: كيف جرت ظروف الاعتقال.. يعني أين اعتُقلت عمليا؟

ضافي الجمعاني: ظروف الاعتقال والله كنا في بيت واحد معزومين إجي علينا شخص بيعرفنا قال والله أنتم مطلوبين عند.. بده إياك يلتقي بيكم العماد حكمت الشهابي، فرُحنا، اعتقلونا ودُّونا على مقر اسمه الحلبوني.. الحلبوني يا سيدي كان مقر لرئيس الجمهورية السورية الأسبق تاج الدين الحسيني شوف يعني مقر يجب أن يكون تراثي بيحطوه محل المخابرات شو اسمه إيه.. يعني يجروا فيه، قعدنا هناك شهر منفردين.. شهرين..

سامي كليب [مقاطعاً]: صار فيه تحقيق في هالفترة ولاَّ تعذيب؟

ضافي الجمعاني: بعدين ودونا على المزة.. بالمزة حطونا بالمفردات الخارجية شهر، أدخلونا المفردات الداخلية شهر أدخلونا المفردات العلوية قعدت فيها سنة، أنا لم أُسأل ولا كلمة منذ دخلت إلى أن خرجت ثلاثة وعشرين سنة ونصف..

سامي كليب [مقاطعاً]: ولا سؤال ولا تحقيق ولا شيء؟

ضافي الجمعاني: ولا سؤال ولا تحقيق ولا كلمة ولا اسمك أبدا..

سامي كليب [مقاطعاً]: تعرضت للتعذيب بالسجن؟

ضافي الجمعاني: لا.. يعني لما جمعونا لا.. ما تعرضت للتعذيب.. لما جمعونا حطونا مع بعضنا يعني كانوا يحطُّوا لنا شباب يخدمونا وكان تعاملنا كويس..

سامي كليب [مقاطعاً]: كان صلاح شديد معك بنفس السجن؟

ضافي الجمعاني: كان موجود معي بالسجن.

سامي كليب: تقول لأنه تروي أنه كان يخرج فقط لقضاء حاجته ويعود ولا يتحدث إلى أحد.

ضافي الجمعاني: لا.. شوف إحنا كنا نطلب تنفس بره نقعد يمكن ساعة ومن بعد العصر وثاني مرة ساعة فهو في الأول كان يطلع بعدين بطَّل يطلع يخرج من الغرف فبيقعد في غرفته عشرين سنة لا يخرج إلى الساحة على الإطلاق من غرفته إلا قضاء حاجته.. صلاح شديد كان يشكو.. هو حذِر يعني حتى الأدوية اللي كان يأخذها كان يعني يتأكد من أنها صحيحة لكن في الفترة الأخيرة صار يمرض.. يشكو من آلام في رجليه فتجد الأطباء كانوا رايحين جايين عليه كأنه هو يعني استراح لهذه المعاملة فاقترحوا عليه أنه ينزل إلى المستشفى فنزل للمستشفى، رجع ثاني يوم طلع على جلده نقط.. جابوا الأطباء وبعدين جابوا مدير السجن.. يظهر جابوا له أُبره ضربوه بعد شويه بعد العصر يأتي المساء صار يفرغ دم.. أخذوه للمستشفى مات في المستشفى.

سامي كليب: هل تشك أنه قُتل؟

ضافي الجمعاني: آه أنا ما عندي شك.. طبعا قُتل طبعا.

سامي كليب: في السجن اختلف ضافي الجمعاني مع عدد من رفاقه البعثيين القدامى وبينهم صلاح شديد حيث اتهمهم بأن أخطاءهم أوصلت حافظ الأسد إلى السلطة ولكن حين دخل السجن خلَّف وراءه عائلة كبيرة، كان ابنه سليمان الذي حضر معنا تسجيل هذه الحلقة في الخامسة من عمره وقد تحملت زوجته همَّ العائلة وحيدة وكانت في الوقت نفسه تعمل ولمدة خمسين عام في الهلال الأحمر وقد سألتها عن أصعب لحظة عاشتها في خلال سجن زوجها ضافي الجمعاني؟

زوجة ضافي الجمعاني: أصعب لحظة.. أصعب لحظة لمَّا رُحت لعنده مرة وكان طالع في مجموعة من اللي عنده وطلعت لقيته يعني ضعفان هيك وقال لي إذا يعني أنا بيصير لي إشي يعني بأموت فبتحطوني في عند أهلي في مسقط رأسه فيعني كثير تألمت وما قدرت أطلع نهارها من الشام لهون يعني رأسي.. ضغطي ارتفع..

سامي كليب: كنتِ تلوميه لأنه قام بها العمل السياسي ودخل السجن وترك العائلة أو بتفخري بتاريخه؟

زوجة ضافي الجمعاني: لا والله ... والله كنت أفخر ولما يعني أُسأل أكون.. أدافع وأحكي رغم أني ما.. أنا مو سياسية بس كنت كثير لحد هلا يعني لو تنعاد الدنيا من الأول لجديد فأفضِّل أنه يكون ماشي على هالطريق.

سامي كليب: بعد خروج الضابط الأردني السابق والبعثي السابق ضافي الجمعاني من السجن في سوريا بقِي يهتم بالسياسة ولكن اهتمامه الأكبر توجه نحو الزراعة وشجر الزيتون وسألته هل هو نادم على شيء؟

ضافي الجمعاني: لا بالله.. لا بالله يعني لو خُلقت مجددا ووعيت هذه التجربة اللي أنا مرِّيت فيها لتفاديت الأخطاء فقط منها.

سامي كليب: حين قدمت لمذكراتك تقول سألني سليمان أصغر أبنائي في إحدى زياراته لي في سجن المَزَّة في دمشق وعمره ثمانية أعوام وخصوصا أن أولادك كبروا وحضرتك بالسجن، قال ماذا استفدت من كل ذلك وقد أمضيت عمرك في السجون، سأسألك السؤال نفسه ماذا استفدت؟

ضافي الجمعاني: استفدت.. يعني أنا كإنسان في هذا الوطن المستهدف.. المستهدف الحقيقة بكل تاريخه وتراثه يكفيني أنني قمت بما أستطيعه من مقاومة لهذا الشر الذي يحيط بنا.. ما عندي غير هيك.