- تعلم اللغة العربية وترجمة كتاب عن آية الله الخالصي
- الاهتمام بالشأن العراقي

- أسباب اختيار بريطانيا للعرب السُنة والدور الإيراني

- إمكانية إقامة تحالف أميركي شيعي وأسباب احتلال العراق

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، ماذا يريد الأميركيون من العراق؟ وما هي أوجه التشابه بين الاحتلال البريطاني لهذا البلد في مطلع القرن الماضي والاحتلال الأميركي الحالي؟ هل يغرق العراق بحرب طائفية ضروس أم يُشكل نموذجا لديمقراطية وليدة في المنطقة؟ وما هو المستقبل الشيعي في خضم ما يحصل حاليا؟ أسئلة نوجهها إلى أحد أبرز المتخصصين بالشؤون العراقية والإسلامية في فرنسا بيارجون لويزار.

تعلم اللغة العربية وترجمة كتاب عن آية الله الخالصي

ينتمي بيارجون لويزار إلى أولئك المثقفين الفرنسيين الذين لا شيء يوازي عمق معرفتهم بعالمنا العربي سوى عمق تواضعهم فهو ليس من النمط المفاخر بسعة معارفه وإنما يرى أن ثمة هدفا إنسانيا واجتماعيا يحكم توجهه لمعرفة الآخر. ولم يكن من السهل الاتفاق معه على موعدنا فهذا الباحث والكاتب الفرنسي المتخصص بشؤون العراق والإسلام وخصوصا بالتاريخ الشيعي لا يزال منذ الحرب الأميركية البريطانية على العراق المستشار الأبرز لوسائل الإعلام الساعية لمعرفة مآل الوجود الأميركي في العراق ومستقبل هذا البلد. وحين التقيته اعتذر لي عن عدم التمكن من التحدث باللغة العربية طيلة الحلقة معتبراً أن هذه اللغة بحاجة إلى تركيز قد لا يتوفر لديه في زحمة مشاغله الحالية. وبيارجون لويزار يتقن العربية قراءة وكتابة ويتحدثها لا بل ونقل عنها كتابا إلى الفرنسية فأين ومتى تعلم اللغة العربية؟

بيارجون لويزار: أنا تعلمت العربية بالجامعة الفرنسية، في البداية تعلمت العربية في معهد اللغات الشرقية في باريس وبعد ذلك سافرت إلى دمشق وتحسنت اللغة عندي في مركز فرنسي لتعليم اللغة العربية وبعدين في القاهرة وفي مناسبات عدة أقمت في الشرق الأوسط في العراق في سوريا في لبنان في مصر في قطر تحسنت اللغة العربية إلى حد ما.

سامي كليب: سوريا كانت أول بلد عربي زاره بيارجون لويزار وعمل هناك في المركز الفرنسي حيث بدأ بتقوية دعائم اللغة العربية وأصولها في ذهنه، حصل ذلك عام 1977 وكان العالم العربي يعيش آنذاك أوضاع سياسية تُنذر بتحولات كبيرة مع اتجاه مصر صوب الصلح مع إسرائيل.

بيارجون لويزار: أول بلد عربي قمت بزيارته كانت سوريا وأتذكر أنني وصلت إلى دمشق في فصل الشتاء، وكانت هذه المرة الأولى التي ألتحق فيها بمركز لتعلم اللغة العربية. وقد كنت متأثرا جدا لأنها أول مرة أبتعد فيها عن أهلي، فقد كنت شابا ولم أعتد على مغادرة أهلي لفترة طويلة ولكنني ما زلت أذكر هذا الانطباع الذي انتابني عندما وصلت إلى دمشق واستمر وأثَّرَ في كثيرا، ففي ذلك الوقت كان هناك توتر سياسي شعرت به بوضوح خلال الحياة اليومية.

سامي كليب: على كل حال يعني أحد أسباب دعوتنا لك هو الاهتمام بالشأن العراقي حاليا وأنت أحد الخبراء والمتخصصين في الواقع ربما أبرز المتخصصين حاليا في فرنسا، لك كتاب أول بعنوان المسألة العراقية صَدَر منذ حوالي العامين تقريبا كتاب آخر وهو صادر حديثا حول آية الله مهدي الخالصي، وددت أن تقول لي في البداية مَن هو في الواقع آية الله مهدي الخالصي ولماذا الاهتمام به حاليا بالنسبة لك؟

"
مهدي الخالصي هو المرجع الشيعي الأعلى بين عامي 1920 و1925 ليس فقط بالنسبة للعراق ولكن في كل العالم الإسلامي. وهو الذي ترأس القيادة الدينية في وقت عصيب بالنسبة للعراق
"
بيارجون لويزار: الكتاب الثاني كان سيرة حياة آية الله مهدي الخالصي وهو عراقي ووطني عربي. كان مهدي الخالصي المرجع الشيعي الأعلى بين عامي 1920 و1925 ليس فقط بالنسبة للعراق ولكن في كل العالم الإسلامي. وهو الذي ترأس القيادة الدينية في وقت عصيب بالنسبة للعراق لأنه كان في وقت تأسيس الحكومة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني بعد أن تم تفويض الأمم المتحدة للإشراف على السلطة العراقية على أن تتولى بريطانيا كقوة محتلة إعادة بناء النظام السياسي المعروف بالنظام الملكي الهاشمي. إذاً تحت نظام عسكري اعتمد على السلالة الملكية الهاشمية للملك فيصل الذي أسس لنفسه نظاما سياسيا والذي دام بدوره ثمانين عاما وانتهى عام 2003 بسقوط صدام حسين. ونحن هنا للبحث في المسألة العراقية وللنظر في علاقات التمييز الطائفي العِرقي الغير معترف به خاصة تحت التمييز الطائفي فهذه المسألة لا تظهر في أي نص دستوري على الرغم من أنها كانت موجودة.

سامي كليب: في الواقع حُكي الكثير عن كبار القادة الشيعة في العراق وما إلى ذلك، أما آية الله مهدي الخالصي لم يُذكر عنه الكثير ما هو السبب حتى اليوم؟

بيارجون لويزار: كما قلت لك سابقا المهزوم ليس له وجه كما يُقال في المثل العربي وبالفرنسية نقول إن التاريخ يكتبه المنتصر، فآية الله مهدي الخالصي كان له مكانة المهزوم في التاريخ لأن المهزومين في عام 1920 و1925 كانوا من الشيعة الذين هُزموا في الجهاد عامي 1914 و1917 وعام الثورة 1920. والأكراد عبر ثورة الشيخ محمود في الشمال والذي لم يكن حتى ذلك الوقت جزءاً تابعا للعراق، وهاتان الطائفتان المهزومتان سوف يكون لهما بالطبع المكان المخصص للمهزومين في التاريخ كما قد كُتب بعد ذلك، كما سوف نتحدث بعد ذلك أيضا عن آية الله مهدي الخالصي قد صُور عند هروبه الواضح وقد ضمنوا أن كل المنشآت العراقية هي تحت نظام الاحتلال العسكري وهو على الأرجح بهذه المناسبة قد نُفي عام 1923 من قِبل الإنجليز. لقد نُفي لأن الإنجليز أرادوا تنظيم الانتخابات كما يفعل الأميركيون الآن عام 2005 وذلك بتجميع دستور لكي يجعلوا هذا النظام السياسي الذي يودون فرض شرعيته وتحت وصايتهم. قد أصدر آية الله مهدي الخالصي فتوى منعت المسلمين من المشاركة في أي انتخابات تحت حكم الانتداب وتحت أي احتلال عسكري لذلك نفاه الإنجليز بشكل سريع وجعلوه يركب في قطار من بغداد إلى البصرة ومن البصرة جعلوه يستقل أول مركب لأنه كان يتوجب عليه ترك العراق بشكل سريع، وعرفوا أن هذا المركب يتوجه إلى بومباي، إذاً الهند البريطانية لأنها كانت مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت وفي أثناء الطريق عندما أعاد الإنجليز حساباتهم أحسوا أنهم يواجهون خطر حدوث فتنة بين المسلمين في الهند إنْ وصل آية الله الخالصي إلى هناك، وفي الطريق جعلوه يستقل سفينة أخرى ليذهب في اتجاه آخر إلى مستعمرة بريطانية أخرى وهي عَدَن التي كانت تحت الوصاية البريطانية، وفي النهاية تحرر آية الله الخالصي وسُمح له بالعودة وكان ذلك وقت الحج إلى مكة والمدينة، إذاً رجع إلى الحرمين الشريفين وقد استقبله في هذه المناسبة والد الملك فيصل الذي ضمن نفيه وهو الشريف حسين في مكة، وبعد ذلك نُفي إلى إيران بعيدا عن مناوشات بين البريطانيين والحكومة الإيرانية التي كانت هي أصلا تحت النفوذ البريطاني بعد انقلاب ريزخان عام 1921 وأقام آية الله الخالصي في المدينة المقدسة مشهد في خرسان الإيرانية وحسب ما جاء على لسان ابنه أنه توفي عام 1925 مُسمما على يد جاسوس إنجليزي.

سامي كليب: أخبرني بيارجون لويزار أن ابن آية الله مهدي الخالصي يعيش هو الآخر منفيا في بريطانيا ويرى لويزار أن مبادرته الشخصية لترجمة هذا الكتاب عن مهدي خالصي إنما يُراد منها إعادة الاعتبار لرجل لم يُعطَ حقه وكان له دور كبير في التاريخ العراقي، هكذا هو بيارجون لويزار في كل مرة يشعر أن ثمة قضية شخصية تشغله يحمل دفتره الصغير وحقيبته ويتوجه إلى مكان الحدث محاولا تصحيح بعض الأفكار المسبقة الغربية، فلذلك ذهب إلى العراق وقبله إلى سوريا والأردن ومصر ولبنان والكثير من الدول العربية وحين التقيته قبل إجراء هذه الحلقة في المقهى الفرنسي المجاور للمنزل فهمت منه أن ثمة سببا عائليا يقف خلف تعلقه بالعالم العربي فوالده سبقه إلى ذلك.

بيارجون لويزار: على الأرجح أن خلفيتي العائلية هي السبب في اهتمامي بالعالم العربي بشكل عام وبثقافة الدول المحتلة، على الأرجح بسبب تأثري بوالدي الذي كان صحفيا مناضلا انحاز خلال الحرب الجزائرية إلى استقلال الجزائر. وأنا أذكر جيدا عندما كنت صغيراً كان يحضر إلى فرنسا لاجئون جزائريون للعلاج هناك أو للبحث عن ملجأ وهذه أشياء طُبعت في ذاكرتي وكانت دائما تعطيني الرغبة للإطلاع على ثقافات هذه المجتمعات المُستعمَرة أو لأنني كنت في بيئة علمانية ولم أكن متدينا. وكردة فعل أصبح اهتمامي موجها بشكل أعمق إلى الديانة وبالأخص إلى الإسلام وبذلك لاحظت أنه هو المُحفز للحركة ضد الاستعمار. أصبح أبي شيوعيا في عهد المقاومة، لقد هجر عائلته وهو في الحادية والعشرين من عمره وجدتي لم تره لمدة عامين وقد انضم إلى مجموعة المقاومين الـ (FTP) الشيوعية كانت عائلة والدي في ذلك الوقت متدينة ومحافظة جدا وكان جدي محافظا ووطنيا وقوميا وبسبب هذه الوطنية رحل والدي وهو شاب لينضم إلى المقاومة ولقد قاد مجموعة من المقاومين مؤلفة من مائة مقاتل وقد تأثر كثيرا بهذه الثقة التي منحوه إياها حتى أنه تبنى أفكار هذه المجموعة. وهذا يعني أنه انتهى إلى التيار الشيوعي في عهد المقاومة ولحب عائلته له انضموا إلى الشيوعية وإلى التحرر وحتى الآن عماتي وأعمامي هم مناضلون شيوعيون وهو على الأرجح بسبب هذه الرسالة التي حملها والدي والتي توضح الصراع من أجل الحرية الوطنية بالأخص للشعب الجزائري.



الاهتمام بالشأن العراقي

سامي كليب: من هذا التاريخ العائلي ومن ذكرى والده الفرنسي الذي خبَّأ في بيته الثُوّار الجزائريين اتجه بيارجون لويزار إلى العراق وكان قد قرأ الكثير عن تاريخ الاستعمار البريطاني لهذا البلد وشرح لي قبيل تسجيل هذه الحلقة كيف أن التاريخ يكرر نفسه في التجربتين البريطانية والأميركية، فاليوم يحاول الأميركيون أن يعطوا الشيعة ما كان أعطاه البريطانيون في عشرينات هذا القرن للسُنة وأما الأكراد فهم وفق ضيفنا انضموا إلى التسويات السياسية وباتوا يشكلون جزءاً من العراق ابتداء من عام 1925 فقط، ولكن ماذا عن صدام حسين هل كان فعلا رجل الغرب في مرحلة معينة وما الذي حصل إذاً لكي يصبح الحليف عدوا ويتحول السد ضد المد الإسلامي الإيراني إلى هدف لطائرات أميركا وقنابلها؟

"
الدعم الشعبي ساعد صدام حسين عام 1979 في الوصول مباشرة إلى سُدة الحكم لأن الأميركيين أردوا أن يجعلوا من العراق والسلاح العراقي  سورا ضد الثورة الإسلامية
"
بيارجون لويزار: ونحن نعلم الآن أن الدعم الشعبي ساعد صدام حسين عام 1969 إلى الوصول مباشرة إلى سُدة الحكم وأجبر الرئيس السابق أحمد حسن البكر على تقديم استقالته لأن الأميركيين أردوا أن يجعلوا من العراق والسلاح العراقي متراسا أي سورا ضد الثورة الإسلامية التي انتصرت في إيران، فبعد عام 1979 تقلد صدام حسين الحكم في العراق بتقارب مذهل بين العراق البعثي وأميركا وصل إلى حد الاتفاق على تأسيس علاقات استراتيجية بين العراق والولايات المتحدة. كانت هذه العلاقة استراتيجية لدرجة جعلت أميركا لاحقا تنضم إلى جبهة العراق في حربها ضد إيران وذلك بتفجير بعض السفن الإيرانية وقواعد عسكرية إيرانية وذلك بتلقين صدام حسين كل المعلومات التي يعرفها الأميركيون حول مواقع المجموعات الإيرانية.

سامي كليب: طيب عال ولكن خدم صدام حسين المصالح الأميركية في مرحلة معينة وأقام حلف استراتيجي إذا صح التعبير، هل وصل إلى مرحلة لم يعد قادرا على خدمة المصالح الأميركية وكان يجب أن يُزاح عن السلطة يعني ما الذي حصل برأيك؟

بيارجون لويزار: أعتقد أن الحادي عشر من سبتمبر/أيلول هو الذي يفسر هذا التحول الجذري للموقف الأميركي من العراق لأنه خلال التسعينيات خلال كل هذه الفترة التي كان فيها العراق يرزح تحت وطأة العقوبات بسبب قرار من مجلس الأمن الأمر الذي حوَّل العراق إلى بلد دون سيادة خاصة بالنسبة إلى النفط لأن نظام صدام حسين كان يخدم المصالح الأميركية، وعلى الأرجح هذا هو السبب الذي جعل النظام الأميركي عام 1991 وعند انتفاضة الشعب العراقي في شباط/فبراير ومارس/آذار عام 1991 يترك نظام صدام حسين المهزوم يسيطر على عراق مدمر الأمر الذي سيتيح للولايات المتحدة الأميركية أن تفرض سيطرتها على العراق بحيث يكون صدام حسين بموقف لا يستطيع فيه رفض أي طلب أميركي حتى لو كان ظاهريا هناك مجابهة ومناوشات، ولكننا نعلم أنه في التسعينيات ساعد صدام حسين الأميركيين على التمركز في كل مكان على حدود العراق والكويت وكذلك في قضية النفط مقابل الغذاء والنفط العراقي وعلى عدة أصعدة أخرى..

سامي كليب: وأيضا باتفاق الجزائر مع إيران.

بيارجون لويزار: كان هناك تصارع بين قوتين صدام حسين والولايات المتحدة انتهي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فبعد هذه الأحداث اعتبر السياسيون الأميركيون أن أميركا في حالة حرب وعلى الأرجح أننا نحن الأوروبيون أيضا وبالطبع الفرنسيين لم ندرك هذا مباشرة لأنه بالنسبة لنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول كانت أحداثا إرهابية مروعة، ولذلك لم ندرك أنه بالنسبة لأغلبية الشعب الأميركي كان قرارا بإعلان الحرب، فلم يكن أمام أميركا أي خيار آخر سوى الرد على هذا الهجوم، لذلك كانت هناك الحرب الأفغانية وبعد أفغانستان كان على أميركا أن تجد هدفا ملموسا أكثر من هذه الحركات الإرهابية التي من الصعب السيطرة عليها والهدف المطلوب كان صدام حسين الذي لعب دور المفزع في التسعينيات. ومرة أخرى أعتقد أن هذا قد حدث ضد مصلحة الأميركيين وبالأخص اللوبي النفطي الذي كان مؤيدا لتتابع الأحداث التي وضعت العراق تحت السيطرة الأميركية غير المعترف بها تحت غطاء قرارات الأمم المتحدة.

سامي كليب: بالنسبة لتاريخ العراق حضرتك كان في كتابك المسألة العراقية أو في المقالات التي نشرتها وفي بعض الندوات التي تقيمها تقول إنه البريطانيين في خلال احتلالهم للعراق في مطلع القرن الماضي فقدوا بين قتيل وجريح يعني حوالي مائة ألف قتيل، الأميركيون دخلوا إلى بغداد بحوالي ثلاث أسابيع يعني بينما البريطانيون استمروا ثلاثة أشهر حتى الدخول إلى بغداد، بوجه المقارنة تذكر إنه قائد القوات البريطانية آنذاك كان يقول جئنا كقوات تحرير يعني كقوة محررة للشعب العراقي، اليوم توني بلير يقول الشيء نفسه نحن قوات تحالف برأيك ما الذي تغيَّر في التاريخ بين الاحتلال البريطاني والاحتلال الأميركي هل هو نفس الاحتلال وسيؤدي إلى نفس النتائج يعني؟

بيارجون لويزار: أولا أود إيضاح أمر وهو أن تعبير المائة ألف ضحية هو تعبير إنجليزي يصعب ترجمته إلى الفرنسية فكلمة ضحية تعني الأموات والجرحى معاً، ضحايا الجهاد في عام 1914 وعام 1918 هم الأموات والجرحى البريطانيين الذين كان معظمهم من الجنود الهنود لأن العراق كان يحتله جنود من الهند فقط عام 1920 عندما فرضت بريطانيا سيطرتها العسكرية عليه. تبعية العراق المباشرة لبريطانيا كانت مسألة صعبة لذلك توجب إعطاء السلطة إلى حكومة عراقية كما يفعل الأميركيون الآن، فنحن نرى أن المصطلحات اللغوية المستخدمة هي تقريبا نفسها في عام 1920 وعام 2003، بالطبع فإن التشابه بين الأمور في كلا الحالتين مدهش وبالنهاية أقول إن هذا هو سياسة كل غزو استعماري فمنذ غزو نابليون بونابرت لمصر ترى أن هذا يعود أيضا إلى زمن بعيد، فإن كل الغزوات الاستعمارية كانت تقوم تحت شعار الانتداب أي لتحرير الشعوب ولجلب الثقافة والتنوير. وبالطبع في عام 1914 كان على هذا الانتداب أن يقوم بتحرير العرب من العثمانيين وسطوتهم وفي عام 2003 كان يجب تحرير الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري ولكن هذا النظام الديكتاتوري لم يأخذ مكانه إلا بمساندة العرب ومساعدة القوى العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية.

سامي كليب: تقول في كتابك أنه الدولة التي وُلدت عام 1920، نتحدث دائما طبعا عن العراق، أَسَّست لعنصرية طائفية وإثنية غير مسبوقة وذلك عبر إقصاء ما يقارب 75% من الشعب العراقي أي الشيعة والأكراد أيضا ابتداء من العام 1925، يعني لماذا اتُخذ القرار منذ ذاك الوقت منذ 1920 بإقصاء الشيعة والأكراد عن السلطة؟

بيارجون لويزار: في الواقع لماذا اختار البريطانيون عام 1920 العرب السُنة ضد الأكراد والشيعة؟ ولماذا بالمقابل اختار الأميركيون هذا النظام الذي استبعده البريطانيون أي الأكراد والشيعة وقاموا بتهميش العرب السُنة؟ أعتقد أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم يتخذا قراراً مسبقا لكن الأمر يتعلق بكل بساطة بسياسة فرِّق تَسُد فتقسيم الأحزاب يُسهِّل حكمهم والسيطرة عليهم. لماذا اختار البريطانيون العرب السُنة ضد الشيعة في العراق عام 1920؟ أعتقد أن السبب هو التاريخ الخاص بالمسيرة الدينية للعرب السُنة التي اتجهت منذ القرن التاسع عشر نحو السياسة وتزعمت النضال ضد الاستعمار ليس فقط ضد الاستعمار العثماني ولكن في كل الدول الإسلامية، والجميع يعرف الفتوى الشهيرة لآية الله ميرزا حسن شيرازي في نهاية القرن التاسع عشر عن التبغ في إيران منع المسلمين من تدخين التبغ طالما أن شاه إيران لم يلغِ اتفاقيات لم يكن له الحق في عقدها مع مؤسسة بريطانية كبيرة وسيكون لهذا تأثير كبير على السُنة، فقد تأثروا بهذه السلطة العظيمة التي لم يتمتعوا بها من قبل وقد قادهم ذلك إلى وضع أنفسهم تحت تصرف هذه السلطة ضد الاستعمار. منذ ذلك الوقت فكل هذا نُسميه المرجعية المجاهدة سوف تتضامن وتتكاتف وفي كل الصراعات ضد الاستعمار، سوف نرى آية الله الخرساني في عام 1911 قد هيأ الجنود لمحاربة الإيطاليين في ليبيا المستقبلية وحارب الروس والبريطانيين في إيران، وبعد ذلك في الحرب العالمية الأولى الجهاد بين عامي 1914 و1918 سوف يقوده مجموعة من الرؤساء الشيعة في النجف وكربلاء وثورة عام 1920 كما أسلفت كانت تدار في كربلاء من قبل ثورة الشيرازي وبعد ذلك من قِبل آية الله مهدي الخالصي الذي سوف يترأس الصراع ضد شرعية المنظمات الحديثة التي كانت بالنسبة إليه تُشرع في الخفاء العنصرية والسيطرة البريطانية على حد سواء.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: في الواقع إن اللافت فيما تقوله دائما عن العراق أنك دائما حين تتحدث مثلا عن السُنة تقول العرب السنة بينما تذكر إنه الشيعة هم أصلهم بَدْو وتبنوا العروبة فيما بعد إذا صح التعبير من أين جاء شيعة العراق بالأساس إذاً؟

بيارجون لويزار: نحن هنا نتحدث عن جوهر المسألة العراقية كما تعلم فإن القاسم المشترك بين الشيعة في كل الوطن العربي هو وقوعهم تحت هيمنة النظام السياسي والاجتماعي الذي يعيشون فيه، وهذا هو الحال في لبنان ونحن نسميهم المَتَاوْلَة، فإن الشيعة في جنوب لبنان يعيشون تحت وطأة نظام شبه إقطاعي وقاعدة واسعة منهم من صغار المزارعين يعيشون في مستويات دنيا من الحياة، فهذا هو وضع الشيعة كما تعلم في البحرين وبالطبع في السعودية وهو أيضا الوضع في العراق لأن النسبة الأكبر من شيعة اليوم يعيشون في العراق وهم المهتدون الجدد أي أنهم الذين غيَّروا مذهبهم من السُنة إلى الشيعة فهم القبائل العربية التي استقرت في العراق على مر الأزمنة والوافدين إلى العراق وسكان الشمال الذي انضم إلى العراق عام 1920. لماذا انضم كل هؤلاء إلى المذهب الشيعي؟ لأنهم تلقوا المساعدات من الشيعة لحظة انضمامهم إليهم.



أسباب اختيار بريطانيا للعرب السُنة والدور الإيراني

سامي كليب: هذا بالنسبة للتاريخ وتحديدا للتاريخ الشيعي الذي يعرف عنه ضيفنا بيارجون لويزار الكثير لكونه تخصص في دراسة المذهب الشيعي في العالم وله مؤلفات ومقالات عديدة حول الموضوع، ولكن ماذا عن الجانب السياسي لهذا الأمر، لماذا بالأمس البعيد أي في عشرينيات هذا القرن اختار البريطانيون العرب السُنة العراقيين ليضعوهم في صلب السلطة؟ ولماذا تتغير قواعد اللعبة شيئا فشيء اليوم مع الاحتلال الأميركي للعراق؟ هل أن الأمر يستند فقط إلى الأغلبية العددية القائمة حاليا في العراق أم إلى أسباب سياسية محلية وإقليمية؟ ولو ذهبنا أبعد في التحليل التاريخي أليس فيما حصل على أيدي البريطانيين من تقسيم سياسي وطائفي للعراق هو الذي كاد وربما لا يزال يمهد لحروب طائفية؟

بيارجون لويزار: البريطانيون وجدوا في النخبة من العرب السُنة مفتاح التحكم في زمام الأمور. وأعتقد أن هذا هو ما كانوا يبحثون عنه كالأميركيين الآن ليس لديهم أي تعاطف مع الأكراد أو الشيعة، فبكل بساطة النخبة السُنة كانوا في سدة الحكم وكانوا المرشح الشرعي للحكومة أثناء الحكم العثماني وكان هذا هو الإجراء المتبع بين العرب السُنة وبين النخبة العسكرية الذين درسوا في الأكاديمية العسكرية في اسطنبول، مثل جعفر العسكري مؤسس السلطة العسكرية في العراق أو مثل عبد المحسن سعدون هؤلاء كانا في الأكاديمية العسكرية وتشبعا بالأفكار التي تقول إن على الدين أن يترك المجال للنفوذ السياسي وبذلك فصلوا بين السياسة والدين. وعلى الأرجح إن هذا التطور الفكري للنخبة السُنية الذي سوف نراه في تركيا على يد مصطفى كمال وفي إيران على يد رضا خان في إطار شيعي يشرح مرة أخرى كيف استخدم البريطانيون تلك النخبة لخدمتهم لأنه كان أمامهم حركة شيعية ترفع لواء الإسلام وتحتل مكانة مهمة وتقاوم ضد الاستعمار والانتداب البريطاني.

سامي كليب: طيب اليوم نلاحظ العكس يعني اليوم بعد إنه البريطانيون آنذاك فضَّلوا العرب السُنة اليوم نلاحظ إنه الأميركيين يفضلون الشيعة والأكراد، يعني نوع من رد الاعتبار أيضا لهاتين الطائفتين في الواقع اللتين تشكلان العمق العراقي حاليا هل هذا الأمر سوف يستمر أم أنه سيمهد أيضا لحرب طائفية مقبلة قريبة؟

بيارجون لويزار: أعتقد أن البريطانيين نجحوا بعد تخطي الكثير من الصعاب في تحقيق ما أرادوه، يجب أن نتذكر أن البريطانيين وضعوا النظام في نصابه تحت راية المملكة الهاشمية التي مارست الحكم على مدى عشرة أعوام. أعتقد أن ما نجح البريطانيون في تحقيقه في الأعوام 1920 و1930 بصعوبة لن يتمكن الأميركيون من تحقيقه عام 2005 وفي السنوات المقبلة لماذا؟ لأن هناك فرقا بين ما فعله الإنجليز عندما اعتمدوا على النخبة من الأقلية لدرجة أجبرت المملكة الهاشمية على الاعتماد على ضم الكثير من الأراضي لممتلكاتها إلى حد نزع ملكية الأراضي التي تضم الشيعة، وهنا نجح الإنجليز في اعتمادهم على الأقليات في حين يخسر الأميركيون الذين على العكس استندوا إلى الأغلبية الشيعية الكردية والتي تمثل 75% من الشعب العراقي.

سامي كليب: طيب لماذا سيفشلون؟

بيارجون لويزار: السبب هو فقط لأنهم الأغلبية، من السهل بالنسبة للقوة المسيطرة الارتكاز على الأقليات فهم أقل استقلالية لأنهم يعرفون أنهم أقلية ولا يستطيعون اتخاذ مبادرات للاستقلال عن السلطة المهيمنة المستعمِرة. يجب أن نتذكر أن السُنة كانوا لوقت طويل تحت حماية السيطرة البريطانية، كان يجب أن ينتظر العرب السُنة عام 1941 تحت راية راشد علي الكيلاني لكي يروا محاولة التحرر من هذه الوصاية البريطانية، إذاً اليوم قبل تأسيس نظام عراقي جديد أعلن الشيعة أنهم إن وصلوا إلى الحكم فإن أول شيء سوف يطالبون به هو خروج الأميركيين من العراق.

سامي كليب: يعني مَن يقرأ كتابك يلاحظ أن إيران كان لها دائما دور في شيعة العراق ودور مباشر وربما مهم جدا في كل الفترات المتلاحقة، رغم ذلك لم تستطع إيران في الواقع التأثير على الشأن العراقي الداخلي بوجود صدام حسين بشكل مباشر حتى ولو حصلت بعض الانتفاضات وما إلى ذلك، اليوم أين هو دور إيران يعني نلاحظ أن هناك تياران بشيعة العراق تيار أيَّد الانتخابات بقيادة آية الله السيستاني، تيار آخر نحى باتجاه المقاومة بقيادة مقتدى الصدر، بين الاثنين دائما السؤال أين ستكون إيران في المستقبل؟ وهل الأميركيون سوف يقبلون بدور إيراني داخل العراق أم سيوجهون شيعة العراق إلى المواجهة مع إيران فيما بعد؟

"
العراق أصبح محمية أميركية وأميركا حذرت كل الدول في المنطقة وعلى رأسها إيران من التدخل في الشؤون العراقية
"
بيارجون لويزار: أول ما نلاحظه هو أن العراق أصبح محمية أميركية وقد حذرت أميركا كل الدول في المنطقة وعلى رأسها إيران أن أي تدخل في الشؤون العراقية كما قالوا سوف يعتبر سببا للحرب، ولذلك فإن الإيرانيين الذين يعرفون مسبقا أنهم تحت الضغط بسبب الملف النووي قلقين جدا، أخذوا هذا التهديد بشكل جدي لذلك فإن صفحة الثورة الإسلامية في إيران بشكل عام قد طُويت والسياسة الإيرانية بالنسبة للجالية الشيعية في العالم العربي اختلفت عما كانت عليه في عهد الإمام الخميني، هذه السياسة هي أيضا بالنسبة للشيعة العراقيين نستطيع أن نقول إنها تعود إلى ما كان عليه الحكم الطائفي في إيران في عهد الشاه نحو الطائفة الشيعية وبالأخص العراقيين. وإيران تعلم أنه فيما يخص الانتخابات العراقية فإن أميركا أخذت كل الاحتياطات اللازمة واعتبرت أن أي عمل ضد هذه الانتخابات سيشعل شرارة الحرب لذلك فإن الإيرانيين لم يتجرؤوا على معارضة الانتخابات وقد وجدوا بشكل طبيعي ونهائي في هذه السياسة الطائفية الجديدة التي تفترض أن الإيرانيين استخدموا الجالية الشيعية في العالم العربي كقوة مؤثرة وليس كمحرك لثورة إسلامية، لذلك فإنهم وجدوا سببا قويا إذاً لمساندة الانتخابات ومساندة الطائفة الشيعية للتحالف العراقي الموحد. ولقد رأينا أن هناك أحزابا قديمة كانت منفية في إيران والبعض منها وُلدت تحت الثورة الإسلامية في إيران وهو الحال بالنسبة للجمعية القومية للثورة الإسلامية التي اندمجت في حكومة ألفها الأميركيون وأقامت بعض العلاقات من ضمنها علاقات صديقة مع ممثلين للسلطة الأميركية في بغداد. وهم الآن يعتبرون كأفضل مدافعين عن المشروع السياسي أو عن البنية السياسية للعراق تحت الوصاية الأميركية حتى لو أن الشيعة قالوا إنهم طلبوا من الأميركيين الخروج ولكن برأيي أنهم لا يستطيعون أن يطلبوا من الأميركيين الخروج لأنهم بسبب توجهاتهم السياسية والدينية متعلقون بسلطة خارجية أعطتهم زمام الحكم وإذا لم تكن هذه السلطة الخارجية موجودة تدعمهم لكان الحكم سيضيع منهم.


إمكانية إقامة تحالف أميركي شيعي وأسباب احتلال العراق

سامي كليب: إذا ما استندنا إلى نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة يبدو واضحا أن الأغلبية الشيعية فرضت نفسها وهذا كان منتظرا نظرا للغلبة العددية أو الديمغرافية لهذه الطائفة، ولكن ماذا لو كان خلف هذا المد الانتخابي بذور تحالف ضمني ومخفي وفي الكواليس السياسية بين الولايات المتحدة الأميركية والشيعة في المنطقة بغية إقامة مستنقع شيعي في محيط سُني في منطقة الخليج وغيرها؟ ماذا لو كانت واشنطن تفكر فعليا في قلب تحالفاتها؟ هذه بعض الأسئلة التي يطرحها أصلا ضيفنا بيارجون لويزار الباحث والكاتب الفرنسي المتخصص بشؤون العراق وخصوصا في الشؤون الشيعية في العالم.

بيارجون لويزار: السؤال البديهي والمسألة التي يجب علينا أن ندرسها هي ألم يدرس الأميركيون منذ عامين أو ثلاثة نهائيا انقلاب التحالف الاستراتيجي على المستوى الإقليمي الذي سوف يظهر على شكل تحالف باطني ضمني بين الغرب والطائفة الشيعية من إيران إلى لبنان مرورا بالمملكة العربية السعودية والعراق الذين اعتُبروا كأعداء أساسيين للدول الغربية؟ هذا سؤال نستطيع طرحه لأنه بالطبع لدينا عدد من نقاط الالتقاء المثيرة، منفعة.. مصلحة بين الاتجاهات الشيعية وحتى إيران حاليا التي هي أيضا في المواجهة بطريقة أو بأخرى مع هذه الحرب، وحتى المذهب السُني الأصولي ضد المذهب الشيعي كما نراه في العراق اليوم، ولكن أعتقد أن هذا التحالف لن يتحول إلى تحالف استراتيجي من جهة أن اهتمامات إيران ستبقى في تضارب جدا مع اهتمامات الولايات المتحدة حتى لو كان هناك نوع من التهدئة لا يجب أن ننسى أن هناك دائما بعض النزوع إلى الشك بأن الأميركيين سوف يضربون إيران بعد أن ينتهوا من العراق وأن إيران استمرت في لعب دور المفزع في السياسة الخارجية الأميركية وأعتقد أن هذا لن يتغير. وهناك أيضا مسألة حزب الله في لبنان الذي مازال مدرجا على لائحة المنظمات الإرهابية في الولايات المتحدة ومن هنا فإن الأغلبية الشيعية في العراق ستكون غير مرغوب بها بالنسبة للأميركيين إذا وصلت إلى الحكم كما ترغب. أعتقد أن في لعبة الخداع التي يمارسها الأميركيون من جهة وأتباعهم الشيعة سواء من رجال الدين أو السياسة من جهة أخرى أعطى الأميركيين وعودا كالتي أبرمها الحلفاء في الحرب العالمية الأولى فالأميركيون عن طريق هذه الانتخابات قد وعدوا الشيعة والأكراد بالسلطة لذلك شارك الأكراد والشيعة في الانتخابات وهم يعتقدون أنهم سينالون السلطة، فالأكراد يحلمون بحكومة مستقلة والشيعة بدؤوا يفكرون في التفاوض وكأن الحكم بين أيديهم، أعتقد بأنهم مخطؤون وسوف يُحبطون هم الاثنان لأن الأميركيين لم تكن لديهم الرغبة بإعادة الحكم وبالأخص إلى طائفة الأغلبية الشيعية والتي نعرف أنها كانت عبر التاريخ في داخل روح الوحدة العراقية وفي مقدمة الصراع ضد الاستعمارات الغربية أو بالأحرى البريطانية في العراق وبالتالي فإنه ليس غريبا أن يطالب القادة الشيعة برحيل الأميركيين. لذلك أعتقد أن الأميركيين لن يُمكِّنوا الرابح من الغالبية الكردية والشيعية في الانتخابات من الوصول إلى السلطة المطلقة وإنما ستكون سلطة شكلية مع حليف يحرمهم من مطالبهم السياسية.

سامي كليب: طيب سيد بيارجون لويزار يعني الأميركيون احتلوا العراق وأسئلة كثيرة طُرحت من قبل دول حتى يعني حليفة ضمنيا للعراق كالدول الأوروبية بشكل عام، هل تفهم حضرتك اليوم كمتخصص بالشؤون العراقية ماذا يريد الأميركيون من العراق؟ وإلى أين يتجه العراق؟

بيارجون لويزار: هذا سؤال يؤرق الجميع ولم يجد له أحد إجابة بعد، فلأي سبب قرر الأميركيون احتلال العراق؟ فالعقوبات التي كانت مفروضة على العراق كانت تسمح بالسيطرة الأميركية عليه دون أي مخاطرة، إذاً فلماذا خاضت أميركا هذه المعركة الكبيرة من أجل إعادة بناء سياسي للدولة العراقية تحت السيطرة الأميركية مع نظام عسكري حاكم علما بأن الوضع الإقليمي بعيد عما يطمح إليه الأميركيون، فالرهان هنا محفوف بالمخاطر لأنه إذا خسرت أميركا رهان تصدير الديمقراطية عن طريق الحرب سوف تكون هزيمة سياسية لها نتائج لا تُعد ولا تُحصى في المنطقة والعالم، إذاً السؤال الذي يطرح نفسه لماذا انخرطت الولايات المتحدة في مسألة محفوفة بالمخاطر؟ شخصيا أجد الأسباب التي طرحتها أميركا عن علاقة صدام حسين بالقاعدة أو الإرهاب الدولي والتهديدات التي أطلقها صدام حسين على المنطقة حيث الترسانة التي تحوي على أسلحة الدمار الشامل العراقية والتي نعرف الآن أنها كانت ادعاءات كاذبة وقضية النفط وما يشكله من أهمية والذي قد يكون العنصر الذي يفسر هذه المغامرة الأميركية في العراق. أنا شخصيا لا أعتقد أنها أسباب كافية لكي تخوض أميركا هذه المخاطرة. فبالنسبة للنفط كان الأميركيون يحصلون على كل ما يحتاجونه من العراق عن طريق فرض العقوبات على هذه الدولة في التسعينيات لقد أقدموا على مخاطرة كبيرة وهي الاحتلال العسكري للعراق الذي لا يرجع إلى الأسباب الملفقة عن الترسانة النووية ولا النفط، إذاً يجب علينا طرح أسئلة عن التأثير الإيجابي لهذا الغزو على السياسة الداخلية الأميركية وأعتقد أنه كان تغير لم نراه في أوروبا من قبل ولذلك فهو محور العديد من الأسئلة، فهو تغيير على الساحة الداخلية للسياسة الأميركية التي شاهدت بروز بوش والقدرة السياسية فالسلطة الأميركية هي الآن مختلفة عما كنا نعرفه من قبل فهي تُصرح بأن أميركا فيها نوع من الديمقراطية تسمح للرئيس بوش بأن يضع بلاده في موقف من الصعب جدا أن تخرج أو تتخلص منه حتى لو انتقل الحكم إلى الديمقراطيين، فأميركا الآن في منحنى سياسي غريب ولا تستطيع التخلص منه، وهنا أُنبه أنه سبب مقلق وأعتقد أن السبب الفعلي للوجود الأميركي في العراق غير عقلاني فهو متعلق بالحادي عشر من سبتمبر/أيلول وبضرورة أن تتصدى أميركا للتحدي وراء الآخر وأن يكون لها بشكل دائم منطقة حرب أو نزاع على المستوى العالمي. فعدو أميركا الآن هو بن لادن وتنظيم القاعدة ولكن بن لادن ليس في العراق إلا أن الأميركيين كانوا بحاجة إلى حرب ووجدوها في العراق وأوجدوا حركة مقاومة كانت مهمشة ولم تكن موجودة بشكل واضح على الساحة العراقية، فأصبح هناك صراع على الأرض بين قوتين اختارتا العراق كساحة حرب متاحة ومن الشعب العراقي بكل فئاته طرف في هذا الصراع الذي يتعدى قدراته.

سامي كليب: طيب إلى أين سيتجه العراق وسط كل ذلك يعني نلاحظ من خلال الانتخابات إنه في تيار كبير صوت لصالح الانتخابات ولكن التيار المقاوم لم يصوت بشكل عام يعني وتحديدا السُنة كما تسميهم العرب السُنة العرب يعني لم يصوتوا بشكل عام إذا صح التعبير أكثر إذا ذهبنا أكثر باتجاه المتطرف يعني من يوصفون بأنه الأقرب إلى التيار الإسلامي المتطرف الأقرب إلى الزرقاوي وما إلى ذلك قاطعوا بشكل عام الانتخابات ومستمرون في المقاومة الآخرون أيدوا الانتخابات يعني إلى أين يتجه العراق هل نتجه إلى حرب طائفية؟

"
الانتخابات هي أبعد ما تكون عن تحقيق الديمقراطية في العراق وستكون عنصرا لزيادة حالة عدم الاستقرار
"
بيارجون لويزار: أظن أن الانتخابات هي أبعد ما تكون عن تحقيق الديمقراطية في العراق وستكون عنصرا لزيادة حالة عدم الاستقرار، فكما رأينا أنها انتخابات ديمقراطية مغلوطة فهناك انتخابات رديئة تتم بوضع مجموعات معينة في مواجهة الأخرى داخل مجتمع واحد وقد رأينا ذلك جليا. نستطيع أن نصنفها تحت اسم انتخابات رديئة فإن هذه الانتخابات أصبحت لعبة بيد الطوائف ونعطي مثلا على التوافق الطائفي في لبنان قد أسلفت ذكره ولكن يوجد دائما أحد مستبعد وهذا المستبعد كان هو المفضل في النظام القديم، فالعرب السُنة المستبعدون لا يقبلون بالعيش كأقلية في نظام طائفي يمثلون فيه 20% من الشعب وهم يملكون الوسائل لمنع الاستقرار في النظام الجديد وذلك لأن المسلمين السُنة حتى الأقلية في العراق يعيشون كما لو كانوا الأكثرية وذلك بسبب أنهم يعيشون في بلد محاط ببلدان أغلبيتهم مسلمة سُنية والتي تعطيهم الشعور أنهم يستطيعون رغم أقليتهم بالعراق منع سيطرة التنظيمات الأخرى، لذلك أعتقد أنه لن يكون هناك استقرار في العراق. إذاً فساحة الحرب الموجودة بين الأميركيين والأصوليين السُنة سوف تسجن العرب السُنة في العراق وتدفعهم إلى أعمال انتحارية لأنهم لا يريدون العيش بطريقة سلمية مع العراقيين الآخرين بالطبع الشيعة ونعلم أن الأصوليين السُنة معارضون إلى أبعد حد للشيعة، إذاً فأنا متشائم جدا نحو العلاقات المستقبلية بين السُنة والشيعة بالرغم من كونهم جميعا عرب وذلك بسبب الشعور بالسيطرة الأميركية كما قلت فإنه لا يبدو أن الأميركيين سيستطيعون مغادرة العراق في إطار إعادة بناء النظام السياسي وسيكون الأميركيون مجبرين على البقاء في بلد حيث ستستفيد الحركة الأصولية السُنية من حالة الفوضى العامة لكي تستمر في زعزعة الأمن في العراق ليس لصالح العراق وإنما لصالح الصراع مع الولايات المتحدة الأميركية التي تحتل بالنهاية الشعب العراقي.

سامي كليب: يخشى بيارجون لويزار الباحث والعالم الفرنسي المتخصص بشؤون العراق والشيعة على مستقبل العراق وشعبه، وهو إذ ينضم إلى معظم النخب الفرنسية المتابعة للشأن العراقي والقائلة بأن أميركا احتلت العراق دون أن يكون لها استراتيجية لما بعد احتلاله يكاد يجزم بأن الأميركيين سيُضطرون عاجلا أم آجلا للخروج من العراق، ليس فقط لأن الشعب العراقي كان في طليعة شعوب المنطقة التي ثارت على الاستعمارات عبر التاريخ ولكن أيضا وخصوصا لأن أميركا قدمت حتى الآن نموذجا فوضويا ودمويا للتجربة العراقية في منطقة كانت بعض شعوبها تحلم بأن تكون الإطاحة بالنظام العراقي مقدمة لنقلة نوعية صوب ديمقراطية وليدة أو أي شيء آخر غير الديكتاتورية.