- مقتطفات من حياة ونشاطات بيار ترزيان
- النفط والأحداث السياسية وصراع الشرق الأوسط

- الهيمنة الأميركية وفك التحالف مع صدام حسين

- الانعكاسات الاقتصادية على أميركا بعد غزو العراق

- العلاقات الأميركية السعودية والانفتاح على ليبيا

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، منذ قيام دولة إسرائيل توطدت العلاقة بين الاقتصاد والسياسة في منطقة الشرق الأوسط، ومنذ الاجتياح الأميركي للعراق يُحكى الكثير عن أن المصالح النفطية والاقتصادية هي التي وقفت خلف هذا الاجتياح، ضيفنا يؤكد كل ذلك من خلال خبرته الطويلة في المجالين النفطي والاقتصادي، إنه أحد أهم الخبراء النفطيين في فرنسا السيد بيار ترزيان.

بيار ترزيان- خبير نفطي- فرنسا: نحن في عام 2005 مضت إذاً خمسة وثلاثون سنة وربما نكون قد تجاوزنا نصف الزمن الافتراضي لاستخراج النفط العربي، قد قطعنا نصف الوقت دون أن نستفيد من أموال النفط استفادة فعالة.

مقتطفات من حياة ونشاطات بيار ترزيان

سامي كليب: بيار ترزيان يدق ناقوس الخطر بالنسبة للنفط وهو في كل ما كتب انتقد بشدة منظمة أوبك التي تضم الدول المنتجة والمصدرة للنفط تماما كما ينتقد الكثير من الدول النفطية من الخليج مرورا بالجزائر وصولا إلى فنزويلا، ويعتبر أن الكثير من الدول الخليجية لم تُحسن توظيف المردود النفطي إلا لخدمة مصالح شخصية أو لخدمة الأنظمة ولكن مَن هو بالضبط بيار ترزيان؟ تركته يشرح لنا بحضور زوجته الإيرانية الأصل بعضا من حياته ونشاطاته ومواقفه بعد أن غادر لبنان بسبب الحرب الأهلية للاستقرار في فرنسا.

بيار ترزيان: في هذه الصورة أنا في فرنسا، هذه السيارة أنقذت حياتي فبفضلها استطعت مغادرة لبنان والحرب والحضور إلى فرنسا، أنا مدين لها إنها داتسون قديمة وقد تم إصلاحها بعد وقت قصير من وصولنا، أنا هنا على منصة نفطية، يجب علي المرء أن يعرف ما الذي يحدث في الواقع وليس من الكتب وحدها. أعتقد أننا هنا في المياه الإقليمية لنيجيريا أو فيما يُسمى بالساحل النيجيري. هذه صورة لي وأنا أُحاضر، غالبا ما أتكلم عن النفط. هذه المحاضرات جزء من مهنتي وهو جزء محبب لأنه يجعلني أتواصل مباشرة مع المهتمين لأن الأسئلة التي يطرحها علينا المتخصصون ضرورية جدا لأنها تجعلنا نركز اهتمامنا على ما يُهم الناس فعلا وليس على الأسئلة العابرة. في الواقع هناك أسطورة الأوبك والكلام عن نفوذ المنظمة، يجب ألا نبالغ بمعنى أو بآخر ومن وجهت نظري الأوبك قد نجحت ولكن دون أن تمتلك هذا النفوذ الاقتصادي الخارق الذي يُحدد أسعار النفط لأن هناك عوامل عدة تؤثر على أسعار النفط كالطلب على الشراء والعوامل السياسية.

سامي كليب: في لبنان ولِد بيار ترزيان وهو ابن عائلة أرمينية تعرضت للقمع والمذابح والتهجير قبل أن تحط رحالها على الأراضي اللبنانية، لكن بيار ترزيان الذي نشأ وترعرع في لبنان أمضى حتى الآن أكثر من نصف عمره في فرنسا، وهو إذ يتقن لغتين الفرنسية والإنجليزية تماما كما يتقن اللغة الأرمينية التي ورثها عن أهله المحتفظ بكل صورهم في منزله الفرنسي هنا إلا أنه شيئا فشيئا صار ينسى اللغة العربية ليُتقن مكانها لغة النفط وأرقامه، فبيار ترزيان يعتبر اليوم أحد أبرز خبراء الطاقة في فرنسا ولذلك سألته في بداية حديثنا هل يشعر نفسه فرنسيا أم أرمينيا أم لبناني؟ وماذا يحفظ عن ذاكرة أهله وأجداده؟

"
أنا من داخلي أشعر بانتمائي للثلاثة أماكن في نفس الوقت، بالنسبة لي أنا أرمني أكثر من كوني لبنانيا أو فرنسيا
"
بيار ترزيان: الثلاثة معا. أنا أجد أن كل مظهر وكل أصل وكل ثقافة هي نوع من أنواع الغنى لأنه لا يجب علينا تبسيطها بل يجب أن نفكر بالانفتاح على الآخرين وبالحضارات الأخرى. أنا من داخلي أشعر بانتمائي للثلاثة في نفس الوقت، بالنسبة لي أنا بالطبع أرمنيا أكثر من كوني لبنانيا أو فرنسيا، أما بالنسبة لحياتي فقد قضيت نصفها في لبنان خاصة الطفولة والمراهقة، فأنا مُشبع من أرضها وهوائها ورائحتها وعندما أذهب إلى جنوب فرنسا فإن أول ما ألاحظه هو الرائحة التي تذكرني على الفور بجبل لبنان. بالنسبة للثقافة فأنا قد نشأت في مدرسة فرنسية ونهلت من الثقافة الفرنسية ولا أريد أبدا أن أتخلى عن أي من هذه الانتماءات.

سامي كليب: تقول أنك أمضيت نصف حياتك تقريبا في لبنان ولكن هل تتحدث العربية أم نسيت كل شيء؟

بيار ترزيان: كنت أتكلم العربية أما الآن فأنا أتكلم العربية السهلة.

سامي كليب: قول لي المثل بالعربية؟

بيار ترزيان: مثلا مع الأصدقاء مع العائلة ولكنني لا أستطيع الحديث بها في المواضيع الدقيقة والمهمة، لماذا؟ بسبب تاريخي الشخصي فأنا من مواليد حي الأرمن.

سامي كليب: برج حمود؟

بيار ترزيان: نعم في برج حمود في مكان متواضع من لبنان حيث سكن النازحون الأرمن بعد أن هُجِّروا، الجميع يتحدثون الأرمينية هناك فلم تواتني الفرصة لأتعلم العربية وهذا بالطبع ليس الوضع في وقتنا الحاضر وبعد ذلك درست تلقائيا في مدرسة أرمينية. ثم سجلني أبي الذي كان يعمل مع الفرنسيين ويعشق فرنسا في مدرسة فرنسية، وهكذا وبعد ما حصّلته من الثقافة الأرمينية في الضاحية انتقلت إلى الثقافة الفرنسية دون المرور بالثقافة العربية اللبنانية وبهذا فقد فاتني الكثير وفي محاولة مني للتعويض في أيام الجامعة أردت فعلا الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية والحياة الاجتماعية اللبنانية وقد بذلت في هذا مجهودا كبيرا، بعدها وعندما أتيت إلى فرنسا والتي أنا فيها الآن منذ حوالي ثلاثين أو ثماني وعشرين سنة إذا أردت أن أكون دقيقا لم تُتح لي الفرصة أبدا لاستخدام اللغة العربية. لا يحب الناس الكلام عن المآسي غير الإنسانية، من الصعب الكلام عنها ولكن بطريقتهم في العيش والوجود نتعلم الكثير، إنه لمن الصعب علينا أن نشرح مأساة شعب هرب من المجازر وعندما أتكلم أنا عن هذا أعرف أنه من الصعب علي أن أُعبِّر للناس عن الأمور التي مرت علينا، ولكن الأكثر فظاعة من أن تتحمل كل هذا هو أن تصبح في مواجهة حقيقة أنك لا تعرف سيرتك الشخصية أو تاريخك الشخصي وأنا أجد أن هذه تجربة مؤلمة جدا فأنت بالمقابل لديك طبيعة رافضة لهذه المجازر، أنت تحياها على الدوام تقريبا ويوميا لأنك تعرف ما هو أصلك ولكي تعيش بسلام تحتاج لأن يعرف الآخر أيضا أصله.



النفط والأحداث السياسية وصراع الشرق الأوسط

سامي كليب: من يقرأ كُتب ومؤلفات ومقالات بيار ترزيان يكتشف إلى أي مدى خطير ارتبط النفط بعدد من الانقلابات والخضّات السياسية في الدول العربية، فهو يروي مثلا أنه في عام 1948 أصدر الملك فاروق ضمن إجراءاته لتطويق الحركة الوطنية النامية في مصر نتيجة لخلق دولة إسرائيل، أصدر قانون يقضي بأن تكون نسبة 51% على الأقل من أي مؤسسة لاستثمار النفط في حوزة المصريين وأفضى النزاع الذي نشب بين الدولة والشركات الأجنبية صاحبة الامتيازات النفطية إلى تخلي هذه الشركات بين عامي 1951 و1952 عن تراخيص التنقيب في مصر وفي الثالث والعشرين من شهر تموز/يوليو من العام 1952 أطاحت مجموعة من الضباط الأحرار يقودها محمد نجيب وجمال عبد الناصر بالملك فاروق، هل كان بالصدفة أن الضباط الأحرار أقدموا مباشرة بعد قلب الملك على القبول بتوقيع العقود النفطية مع شركات أجنبية؟

"
توجد علاقة دائمة بين الأحداث التاريخية والأحداث النفطية والسبب هو أن النفط مهم بحيث يستطيع النفوذ إلى السياسة
"
بيار ترزيان: بالفعل توجد علاقة دائمة بين الأحداث التاريخية والأحداث النفطية والسبب بسيط وهو أن النفط مهم وله من الأهمية بحيث يستطيع النفوذ إلى السياسة وهو أكثر فاعلية بالنسبة للدول المنتجة لأنها تعتمد على النفط اعتمادا حيويا مطلقا، الآن وبعد مرور عشرين عاما كما بعد مرور أربعين عاما لم يتغير أي شيء للأسف لأن النفط في وقتنا الحاضر في العديد من الدول هو كل ما تُصدِّره هذه الدول فإذا أوقفنا النفط أو غيرنا السعر فإن الاقتصاد في هذا البلد أو هذه البلدان سوف يتأثر، إذاً غالبا ما تكون الأحداث السياسية متعلقة بالأحداث النفطية والواحدة منهما تمهد للأخرى، فبالنسبة لإبرام اتفاقية نفطية ليس لها تأثير مباشر على الحياة السياسية وبعد مرور عدة سنوات سنكتشف أنه كان لها الدور التحضيري للمرحلة السياسية وهذه المرحلة السياسية هي أيضا تحضر لمرحلة نفطية أخرى.

سامي كليب: أنا أوافق معك على كل ما تقول سيد بيار ترزيان ولكن جمال عبد الناصر كان معروفا في الدول العربية ولا يزال حتى اليوم إنه كان الزعيم الذي قلب كل الموازين السياسية في المنطقة ولكن من يقرأ ما كتبت حضرتك يكتشف أنه جزء مما حصل من انقلاب أو ثورة، سَمِّه كما شئت على الملك فاروق، كان أساسه مصالح اقتصادية أيضا، هل يمكن التفكير اليوم أن جمال عبد الناصر مثلا أو الضباط الأحرار عقدوا اتفاقات سرية قبل هذه الثورة مع الشركات الأجنبية النفطية الكبيرة أو المصالح الاقتصادية الكبيرة؟

بيار ترزيان: لو لم يؤمم جمال عبد الناصر قناة السويس لم يكن لمنظمة الأوبك وجود ولكن لأول وهلة لا نرى أي علاقة أو رابط بين هذين الحدثين، نحن هنا نتكلم عن حدث سياسي أو قرار سياسي على قناة عالمية وطبعا فإن النفط يمر عبر هذه القناة ونحن بعد ذلك نتكلم عن حدث اقتصادي وهو إنشاء منظمة الأوبك. إن جمال عبد الناصر وبتأميمه لقناة السويس قد فتح الباب أمام الأوبك لأنه بهذا قد كسر طوق الاحتكار. والانقلاب الإيراني الذي نُصِّب على عرشه شاه إيران قد كبح الحركات القومية في الشرق الأوسط بشكل أو بآخر، الحركات التي أحست أنها بلا حول ولا قوة بسبب التدخل الخارجي وفجأة جاء جمال عبد الناصر وأثبت أن الحلم يمكن أن يصبح حقيقة وأننا نستطيع أن نواجه التدخل الخارجي.

سامي كليب: على كل حال حضرتك تقول في كتابك على ما أعتقد أو في أحد كتبك أنه تأميم قناة السويس كان الأزمة الأكثر خطورة في تاريخ النفط عمليا في المنطقة.

بيار ترزيان: هذا صحيح لأنه منذ تأميم قناة السويس هناك حرب قد قامت وكان لهذه الحرب نتائج كبيرة على الصعيدين السياسي والنفطي ولكن إغلاق قناة السويس عام 1977 هو الذي أدى إلى أزمة نفطية لأنه وبشكل مفاجئ كان على حاملات النفط التي تعبر قناة السويس أن تدور حول القارة الإفريقية، حتى ولو كانت القدرة الإنتاجية كافية فإن هناك نقص في وسائل النقل مما أدى بدوره إلى أزمة نفطية بالرغم من أن السبب بحد ذاته لم يكن نفطيا والوضع في الغالب على هذا النحو. لدينا حدث سياسي يؤدي إلى أزمة نفطية وأفضل مثال على هذا الوضع هو الثورة الإسلامية في إيران، لم يكن هناك شُح في مصادر النفط في ذلك الوقت وإنما الخوف هو الذي جعل الأزمة تظهر في السوق النفطي وهو الذي جعل الأسعار تصل إلى حد لم تصل إليه حتى الآن لأن مستوى الأسعار في العام 1979 و1980 بالمقارنة مع أسعارنا الحالية فإنها توازي مائة دولار ففي عام 2004 وعندما وصل سعر الدولار إلى حده الأقصى وصل السعر إلى 55 دولار، أترى إن هناك أحيانا حدث سياسي خالص دون أي رابط نفطي أو مادي مباشر ولكن له نتائج مباشرة على النفط، له نتائج مباشرة على النفط وهذا كان هو الحال عند اندلاع الثورة الإسلامية في إيران.

سامي كليب: لم تكن إيران وحدها التي تقاطعت فيها المصالح النفطية مع الخضّات والانقلابات السياسية وإذا كانت إيران وِفق ما يروي ضيفنا بيار ترزيان هي أولى دول المنطقة في مجال العقود النفطية إلا أن العالم العربي كان الساحة الفضلى لكل الصراعات من أجل النفط وعليه، بدأت الأمور تظهر جليا عام 1967 أي عام أولى الحروب العربية الإسرائيلية بعد تقسيم فلسطين ونلاحظ أنه عام 1967 أيضا أدخل العراق الاتحاد السوفيتي في مجاله للتنقيب عن النفط وفي الفترة نفسها استطاعت المعارضة النيابية القومية في الكويت أن تؤخر إبرام اتفاقيات مع شركات أجنبية، ويروي بيار ترزيان في كتبه أيضا أن المواجهة بين الاتجاه المحافظ الذي كانت تقوده آنذاك السعودية والكويت وليبيا والاتجاه القومي التقدمي بقيادة مصر كانت قد وصلت إلى ذروتها، هل في كل ما حصل آنذاك سبب للحرب العربية الإسرائيلية؟

"
نيجيريا كانت تتمتع بقوتين، قوة زراعية وأخرى صناعية ولكنها قضت على هذه الطاقات الاقتصادية باعتمادها فقط على النفط فأصبح اقتصادها يعتمد على مصدر وحيد للدخل
"
بيار ترزيان: النفط في قلب الصراع في الشرق الأوسط، الدور الذي لعبته إسرائيل في الشرق الأوسط والتغييرات التي عاشتها المنطقة وغالبا لا نرى العلاقة المباشرة بين حدث وآخر، ولكن عندما ننظر إلى الأحداث التاريخية تبرز لنا العلاقة بطريقة أوضح وبالأخص عندما نخوض في التفاصيل، إذا أخذنا مثلا إنشاء منظمة الأوبك لماذا تأسست في أيلول/سبتمبر من عام 1960 في بغداد بالعراق؟ كانوا بكل بساطة يستطيعون إنشاؤها في كراكاس بفنزويلا لأن الفنزويليين هم الأكثر نشاطا بالنسبة للمنظمة والسبب هو عبد الكريم قاسم الذي كان وقتها يمثل السلطة في العراق لأنه كان وقتها بحاجة ليُثبِّت مكانته وقد كان عندها في مفاوضات مع الدول النفطية وبإنشاء المنظمة في عاصمته أستطاع أن يعزز مكانته. هذا ما فهمناه لاحقا وهكذا دواليك ففي كل حدث لدينا خلفية سياسية مبنية على حدث نفطي والعكس بالعكس، فإن أي حدث نفطي يحضر لحدث سياسي، تاريخ المنطقة مبني على هذا الأساس وهذا صحيح لأنه في يوم ما يجب أن نكتب كتابا عن قضيتين متوازيتين ومرتبطتين. لا شك أن الحياة اليومية لأشخاص كثيرين وفي بلاد مختلفة تعتمد على النفط بأشكال متعددة لذلك يجب استمرار استخراج النفط وتصديره للعالم أجمع دون خلق حالة اقتصادية تعتمد بشكل كلي على النفط. والخطأ الذي ترتكبه الدول العربية والدول المنتجة للبترول بصفة عامة هو عدم إرساء قواعد لنظام اقتصادي ومجتمعات قادرة على الاستمرار دون الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، فاستخدام النفط كسلاح سياسي ليس السبيل الوحيد لتغيير الخريطة السياسية في العالم، كم من دولة منتجة للنفط أصبح اقتصادها أسيرا له ولا تستطيع أن تتحرر من هذا القيد؟ وهذا ليس الحال في الدول العربية فقط، لنأخذ نيجيريا على سبيل المثال فنيجيريا كانت تتمتع بقوتين، قوة زراعية وأخرى صناعية وأيضا كسوق هائلة لمائة مليون نسمة وكان من الممكن لنيجيريا الاعتماد على قوى اقتصادية عديدة ولكنها قضت على هذه الطاقات الاقتصادية واعتمدت فقط على النفط فأصبح اقتصادها يعتمد على مصدر وحيد للدخل. وكذلك الأمر في الجزائر اليوم فنحن لا نستطيع أن نتخيل ماذا سيحدث في الجزائر غدا لو أن منابع النفط والغاز شَحَّت وهكذا تتكرر الأمثلة ففي فنزويلا نرى نتائج النظام الاقتصادي الخاطئ. فالاعتماد على البترول فقط لبناء اقتصاد الدولة يخلق حالة من الركود، على عكس ذلك نجد أن النرويج وماليزيا استطاعتا أن تخرجا من هذا المأزق عن طريق الفصل. الأمر الذي لا مفر منه بين جزء من دخلها من النفط وباقي الأنشطة الاقتصادية.

سامي كليب: نلاحظ أيضا أنه مثلا بالمملكة العربية السعودية أن وزير النفط والموارد المعدنية الذي دام طويلا طبعا أحمد زكي اليماني في نيسان من العام 1967 مرحلة الحرب العربية الإسرائيلية، يقول إنه السعودية تتعهد باحترام التزاماها القانونية التي تعاقدت عليها لدى إبرام عقود الامتيازات النفطية مع الغرب، هنا السؤال أي دور لعبته آنذاك المملكة العربية السعودية؟

بيار ترزيان: أول من كسر هذا التوجه لم يكن المملكة العربية السعودية بل إيران فبعد إنشاء الأوبك مباشرة رفض شاه إيران توقيع اتفاقيات لتخفيض الإنتاج لأنه رغب في زيادة الإنتاج لكي يصبح أقوى وتصبح لديه الوسائل الاقتصادية الغنية وبعد ذلك تبعته المملكة العربية السعودية، الأمر الذي استمر كما قلت حتى الحرب وعندما قويت الحركة القومية وبالأخص بعد تأميم الـ (EBC) في العراق لم تكن المملكة العربية السعودية تستطيع أن تصمد أمام هذا الوضع فكانت مجبرة على إيجاد منهج جديد، لا تستطيع أن تنهج منهج التأميم ولا تستطيع أن تستمر على وضعها الحالي لذلك كان على أحمد زكي اليماني إجراء مفاوضات أدت إلى اتفاق المشاركة مع شركة أرامكو، لم تدم اتفاقيات المشاركة طويلا لأن الحدث والتاريخ مرَّ أسرع مما تمنى اليماني، دامت اتفاقيات المشاركة فترة قصيرة بعد ذلك حصلت أرامكو على السيطرة الكاملة على النفط السعودي وهنا يجدر بنا أن نقول إن السعوديين كانوا مجبرين ولم يستطيعوا المقاومة أكثر من ذلك وكانت الحركة الأكثر قوة في السبعينيات ونجد أن جذورها امتدت منذ العام 1956 عام تأميم قناة السويس، إنه تحول مهم جدا وبعد عام 1956 أصبح كل شيء ممكنا.

سامي كليب: هل تعتبر جمال عبد الناصر أخطأ؟

بيار ترزيان: أعتقد أن جمال عبد الناصر قد لعب دورا مهما في نهضة الوطن العربي وفي بث الثقة في العرب بأنفسهم وللأسف كانت هناك حدود للحركة التي وُلِدت مع جمال عبد الناصر. هو بذاته ذهب بعيدا بحركته لقد أخطأ عندما اعتقد أنه يستطيع أن يُصدر ثورته إلى الخارج ونستطيع أن نرى كيف أن أخطاء جمال عبد الناصر قد تكررت أيضا مع قادة آخرين في بلدان أخرى، لقد أدركوا أنه مخطئ وهكذا نجد أن الحركة التي أطلقها جمال عبد الناصر قد فشلت، في البداية كانت انطلاقة منقذة بالنسبة للبلدان العربية.



الهيمنة الأميركية وفك التحالف مع صدام حسين

سامي كليب: في خلال الكلام عن التاريخ العربي الحديث وعلاقة النفط بالسياسة أطلعني ضيفنا خبير النفط الفرنسي بيار ترزيان على عشرات الكتب التي يحتفظ بها هنا في الطابق الأرضي لمنزله والتي استنتج منها أن العرب كانوا يجهلون تماما في خلال العقدين الأولين للاكتشافات النفطية كيفية التفاوض وعقد الصفقات النفطية، الأمر الذي كان يؤدي إلى أرباح هائلة للشركات الأجنبية بينما لم تكن أرباح الدول العربية تتعدى 10% من المردود النفطي، ولكن السؤال الذي لا يزال يطرح نفسه منذ الاجتياح الأميركي البريطاني للعراق هو التالي.. لماذا قررت واشنطن فك تحالفها مع صدام؟ هل أن الرئيس العراقي كان قد أصبح عاجزا عن ضمان المصالح النفطية والاقتصادية والسياسية للإدارة الأميركية؟

"
في رسالة موجهة من رمسفيلد إلى الرئيس كلينتون يقول إن مصلحة الولايات المتحدة الأميركية تكمن في السيطرة على الشرق الأوسط ويجب البدء بالعراق
"
بيار ترزيان: لفهم ما فعله الأميركيون في العراق يجب علينا فهم السياسة الأمنية التي نعيشها حاليا منذ انتخاب جورج بوش، بشكل فعلي ومنذ عام 1998 أي قبل انتخاب جورج بوش الراعي الجديد لأميركا كانت الولايات المتحدة تريد أن تملك زمام الأمور في الشرق الأوسط ففي رسالة موجهة من رمسفيلد إلى الرئيس كلينتون يقول إن مصلحة الولايات المتحدة الأميركية تكمن في السيطرة على الشرق الأوسط ويجب البدء بالعراق.

سامي كليب: هل طالبت الرسالة بسيطرة عسكرية مباشرة على العراق ومنطقة الشرق الأوسط أم بسيطرة اقتصادية وسياسية من بعيد؟

بيار ترزيان: الرسالة لا تحدد أبدا طريقة للسيطرة ففي ذلك الوقت لم يكن هناك طموح لهذه الحالة أبدا وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أصبح كل شيء ممكنا كان دورها هو المحرض لكل هذه السياسات تحليل بسيط للراعي الحديث الذي كانت طلباته محددة ولكن النتائج كانت خاطئة، لقد ارتكزت على شيء أساسي هو الخطر الإرهابي وهذا صحيح الركيزة الأخرى تقول إن الديمقراطية لا تؤدي إلى حروب مريعة، إنها لا تؤدي إلا إلى حروب دفاعية إذا عملت الديمقراطية في العالم سوف يكون عالمنا أكثر سلما ومن هنا فإن الولايات المتحدة الأميركية تملك القوة الكبرى في العالم ولديها القدرة على بلوغ عالم مثالي ومن وجهة نظر الراعي الجديد فإن العالم المثالي يرتكز على نشر النظام الديمقراطي الليبرالي في كل مكان متاح.

سامي كليب: والاقتصاد في كل ذلك.

بيار ترزيان: وهذا ينتج عنه تدفق الاقتصاد كنتيجة مباشرة للعالم الليبرالي والديمقراطي فإن التبادل تكون متنوعة في العالم ككل ولا يعوق القدرة الاقتصادية الأميركية شيء.

سامي كليب: تقول إنه الولايات المتحدة الأميركية أرادت السيطرة مباشرة على المنطقة وتحديدا أن تبدأ بالعراق طيب هل صدام حسين الرئيس العراقي السابق لم يعد قادرا آنذاك على ضمان المصالح الأميركية في المنطقة؟ يعني لماذا أرادت الولايات المتحدة الأميركية الإطاحة به؟ هو ضمن المصالح الأميركية لفترة طويلة.

بيار ترزيان: أرادت الولايات المتحدة الأميركية إرساء الهيمنة الواعية على المنطقة وقد قالت هذا بوضوح بدأت الولايات المتحدة في التفكير كراعٍ جديد في الشرق الأوسط بأن شرعت في ترتيب البدائل للأنظمة الحالية لكي تكون أكثر موالاة لها وصدام حسين لم يكن يستطيع أن يكون هذا البديل.

سامي كليب: أود لو سمحت أن نتحدث قليلا عن النفط يعني حضرتك خبير النفط يعني هل كان هناك مصلحة أميركية مباشرة في النفط العراقي؟ يعني الشعار معروف كل الناس تعرف أنه كان في مصلحة ولكن بالتفاصيل.

بيار ترزيان: لا تستطيع الهيمنة الأميركية أن ترتاح ما دامت لم تحصل على جزء مضمون من النفط لدى الولايات المتحدة احتياج متزايد للنفط والغاز ليس فقط الولايات المتحدة الأميركية ولكن هناك دولا أخرى أيضا تعتمد على استيراد النفط مثل الصين والهند واليابان وأوروبا كل هذه الدول تصبح أكثر فأكثر بحاجة إلى النفط المستورد وهذا النفط سيحصلون عليه من الشرق الأوسط والخليج هذا هو الشيء المهم الذي علينا معرفته إذاً فإن أميركا تتبع سياسة الهيمنة هذه من أجل الإمساك بزمام الأمور في الشرق الأوسط ليس فقط لتضمن مخزونها النفطي بل لتضمن مخزون العالم أجمع أيضا وخاصة البلدان المنافسة مثل الصين والهند.

سامي كليب: هل يمكن مثلا أن تعطينا مثالا واحدا على الحاجات الهندية أو الصينية الحاجات النفطية في المستقبل في السنوات المقبلة؟

بيار ترزيان: دخلت الصين والهند في منحا جديد منذ عدة سنوات تستهلك هاتان الدولتان الطاقة أكثر فأكثر وخاصة النفط إنتاجهما من النفط لا يكفي أبدا لهذا فهما مضطرتان لجلب النفط من حيث يوجد وحيث يتم إنتاجه أي من الشرق الأوسط، إذاً فحاجة الهند والصين إلى الشرق الأوسط سوف تزداد شيئا فشيئا وعلينا ألا نفكر بالعراق وحده بل بالعراق الموجود في الشرق الأوسط علينا أن نفكر في أن هذا البرميل الذي يخرج من العراق إلى مصفاة أميركية سوف يذهب إلى السوق العالمي إن السوق النفطي هو سوق عام وعندما يكون لأميركا وجود قوي في العراق والشرق الأوسط فهذا يعني تحكمها بالاحتياط النفطي ليس الأميركي فقط بل بالاحتياط العالمي أي احتياط الصين والهند وأوروبا.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: إذاً إذا فهمت من كلامك جيدا سيد بيار ترزيان إنه الولايات المتحدة الأميركية تريد السيطرة على النفط العراقي ونفط المنطقة للسيطرة لاحقا على الهند والصين وهذه الدول الكبيرة.

بيار ترزيان: أنا لا أطرح الفكرة على أنها السيطرة ولكنها هيمنة وتسلط عالمي فالتحكم بالشرق الأوسط بإنشاء تأثير قوي أميركي على المنطقة يُمكن الولايات المتحدة من امتلاك المبادرة أكثر من بلدان أخرى مثل الصين والهند وأوروبا.

سامي كليب: مثلا.

بيار ترزيان: وهذا هو المهم فالعراق هو المدخل إلى الشرق الأوسط بسبب موقعه الجغرافي وبسبب الاحتياط النفطي الكبير الذي لديه أيضا. العراق اليوم يملك مائة مليار برميل من الاحتياطي النفطي ولكنه لا يستفيد منه الاستفادة الكاملة وأيضا المملكة العربية السعودية ومجموعة دول الخليج باستثناء إيران هي دول لا تستفيد من قدراتها النفطية استفادة تامة مقارنة بالولايات المتحدة إن الإنتاج النفطي العراقي ما يزال قليلا نسبيا ومن يُنتج النفط فيه الآن ليس شركة أميركية ولكن المهم هو أن نعرف أنه وعلى صعيد المخطط الاستراتيجي سوف تكون هناك حكومة للعراق ستدفع بالإنتاج والتطور النفطي في العراق إلى ذروته لكي يكون هذا النفط موجودا في كل أنحاء العالم المهم هو الإنتاج النفطي العالمي ولا نستطيع أن نؤمن هذا الإنتاج من دون الشرق الأوسط يجب أن نبدأ من مكان ما وقد بدأنا من العراق.

سامي كليب: صدام حسين يعني كان وصل إلى المرحلة اللي لم يعد قادرا على ضمان هذه المصالح النفطية الأميركية؟

بيار ترزيان: لم يعد صدام حسين شخصا موثوقا فيه وكان يجب عليه أن يترك المكان لحكومة تحظى بالثقة وأكثر تعاونا وهذا لا ينطبق فقط على العراق ولكن على مجموعة الدول المجاورة أيضا إن الهدف المرجو هو إيجاد حكومات متعاونة في هذه المنطقة وتستطيع التنسيق مع المجموعة العالمية ومع السلطة الأميركية التي بدورها تضمن استخراج النفط وبأن هذا النفط لم يتعرض لأي نوع من أنواع التهديد.

سامي كليب: لأنه حضرتك في بعض المقالات تقول إنه المملكة العربية السعودية هي المستهدفة وإنه العراق كان جسرا للوصول إلى المملكة السعودية.

بيار ترزيان: العراق هو مثال إنه وضع معين وتغير طرأ على هذا الوضع وبالمثل فإن كل دول المنطقة حذرة أصبح الجميع يعرفون على من يعتمدون وما هي السياسة التي يجب اتباعها إن المهم هو ضمان الإنتاج النفطي بالنسبة للعالم أجمع بدءا بالولايات المتحدة وحلفائها والوجود في مكان من العالم ستكون كل الدول الأخرى بحاجة إليه شيئا فشيئا مثل الصين والهند واليابان.

سامي كليب: إذاً الولايات المتحدة الأميركية كان لها الحق بالنسبة لمصالحها في احتلال المنطقة هل أخطأت استراتيجيا؟

بيار ترزيان: إذا افترضنا أنها اقترفت أخطاء فستكون هذه الأخطاء هي عدم تقدير مخاطر المقاومة التي ستواجهها على أرض الواقع وأنها أعطت الأهمية الكبرى لما نسميه القوة الحاسمة والذي يعني القدرة العسكرية أو ممارسة القوة العسكرية ولم تُعر قط أي اهتمام لاحتمال الإقناع لأن الإقناع بحاجة إلى وقت طويل وبحاجة إلى الصبر كان الراعي الأميركي على يقين بأن مصلحة الولايات المتحدة هي أن تمارس هيمنتها على العالم وخاصة على النفط في الشرق الأوسط من أين حصلت على هذه القوى التي جعلت الأمور تسير بهذه السرعة.



الانعكاسات الاقتصادية على أميركا بعد غزو العراق

سامي كليب: برأيك ما هي انعكاسات الوضع الاقتصادي على الولايات المتحدة الأميركية في المستقبل ربما الأشهر المقبلة أو السنوات المقبلة بعد اجتياح الولايات المتحدة للعراق؟

بيار ترزيان: نحن الآن في مرحلة مهمة لأن الراعي الجديد الذي يملك كل هذه القوى لم يكن لديه أي منها عندما تم انتخاب جورج بوش كانت الأكثرية في الكونغرس تشعر بأن كل شيء مباح لهم ولكن وفجأة واجهوا صعوبات. العقبة السياسية الأولى كانت الفوضى في العراق والعقبة الثانية التي لا يُنظر إليها رغم أهميتها البالغة هي سياسة العجز المالي وتمويل هذا العجز من قِبل الدول الأخرى، من الواضح الآن أن البنوك المركزية بدأت تتجه شيئا فشيئا إلى العملة الأوروبية. إن ظهور العملة الأوروبية استطاع أن يغير سياسة الولايات المتحدة الأميركية فكيف إذا أصبحت دول العالم الأخرى تقلل من استخدامها للدولار الأميركي فيما يتعلق بالنفقات الداخلية والتجارة الخارجية مما يضع الاقتصاد الأميركي بمجمله على المحك. ما يريد توني بلير أن يقوله هو أن تفهم الولايات المتحدة أنه يشاركها العالم وأنه يرفض التبعية شيئا فشيئا، أنت أيضا في هذا العلم لذا يجب عليك أن تعطي أهمية كبيرة للدول المستقلة وأن تجري حواراً مع الدول المعادية وليس فقط معاملتها وفقا لسياسة الهيمنة. الشيء المهم الذي علينا معرفته في الشهور المقبلة هو ماذا ستكون خيارات فريق جورج بوش الذي يتحكم في كل الأمور؟ وهل سيُدرك أن عليه تغيير سياسته؟ هناك أناس في الولايات المتحدة نصحوه بتغيير سياساته كما سبق أن نصحه توني بلير وفي نفس الوقت هناك أشخاص يقولون له أفعل كل ما تستطيع لكن النفط متعلق بهذا ومرتبط به ارتباطا رئيسيا ولو تابعت الولايات المتحدة السياسة التي انتهجتها قبل الانتخابات لكنا سنشهد تزايد لبؤر التوتر في العالم ودون أن نستطيع تلافي الأمر كانت أسعار النفط سترتفع. لو كانت الولايات المتحدة الأميركية قد بحثت عن حلول مرضية لو أنها بحثت من حلفاء من الدول الصديقة من أجل التفاوض والحوار ستقل حدة التوتر في العالم وبالتالي ستقل أسعار النفط وهكذا نرى أن النفط متعلقا تعلق كبيرا بالقرار الذي سوف تتخذه الولايات المتحدة بالنسبة لسياساتها الخارجية في الأشهر المقبلة.

سامي كليب: هل تعتقد أن الولايات الأميركية يعني بناء على ما تفضلت به ستكون مضطرة لترك العراق لأسباب اقتصادية في الأشهر المقبلة؟

بيار ترزيان: لا أعتقد أن الولايات المتحدة لن تخرج من العراق بسرعة لقد شرعوا في الاستثمار داخل العراق بالأفراد والأموال وبالنفوذ السياسي وأعتقد أنهم سيذهبون إلى النهاية في هذا الاستثمار إذا سمحت لي باستخدام هذا التعبير أعتقد أن الأميركيين سيبقون في العراق إلى أن يجدوا الحل المثالي في هذا البلد حلا قليل الضرر كثير النفع بالنسبة لهم وهذا يتطلب الوقت وسيكون مؤلما.

سامي كليب: سنوات؟

بيار ترزيان: هذا ممكن.



العلاقات الأميركية السعودية والانفتاح على ليبيا

سامي كليب: تقول في أحد مقالاتك أنه المملكة العربية السعودية لديها الشعور الآن بأنها يعني لا تحصل على ثمن إخلاصها للولايات المتحدة الأميركية.

بيار ترزيان: هذا صحيح الشعور بالخيانة الذي تشعر به المملكة العربية السعودية هو شعور حقيقي لأن السعوديين كانوا منذ عدة سنوات الحليف الأمثل للولايات المتحدة، ظلوا في منظمة الأوبك ليحافظوا على علاقاتهم مع الولايات المتحدة ونرى هذا واضحا عندما تكلمنا عن عبد الناصر وكيف لم يكن السعوديون يرغبون بهذا التأميم وهناك أمثلة أخرى عندما تحدثنا عن سعر النفط مثلا وهكذا وفجأة وبسبب بن لادن وأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول أصبحت الولايات المتحدة ضد السعوديين باعتبارهم دعموا وغذوا الإرهاب وأعطوه سببا للوجود. وهناك تيار سياسي في الولايات المتحدة يغذي هذه السياسية ضد السعودية، وهكذا نرى أن هذه العلاقة كانت هشة كان يكفي تغيير في السلطة العليا في الولايات المتحدة كي تتغير طبيعة العلاقة الثنائية مع المملكة العربية السعودية وأن تنقلب إلى الضد أعتقد أن أمام السعوديين عدة خيارات عليهم اتخاذها، خيارات مهمة تتعلق بتغيير شركائهم وبالاستراتيجيات التي يطبقونها في المنطقة وخاصة إذا ما أصبح وجود الأميركيين في المنطقة دائما ونهائيا أو إذا حدثت تغيرات تؤدي إلى انعدام الاستقرار في المنطقة.

سامي كليب: لنبقى في المملكة العربية السعودية لو سمحت هل تعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية لصالحها الآن مثلا أن تقلب النظام السعودي لمصالح اقتصادية أو نفطية أميركية؟

بيار ترزيان: قد أكون مخطئ لكنني أعتقد أن أثر هذا التيار المعادي للسعودية على جورج بوش لم يعد بالشدة نفسها عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول يتهيأ لي أن الأميركيين قد فهموا أن الاستقرار أهم من أي شيء أخر وأنه لابد من مساعدة السعوديين اليوم على إحداث الإصلاح ضمن حالة الاستقرار وأنه لا يجب عليهم الضغط كثيرا فكثرة الضغط قد تهدد بالانكسار وهذا ما لا يستطيع أحد تحمله.

سامي كليب: هل يمكن أن تعطيني مثالا على كيفية مساعدة السعودية للولايات المتحدة الأميركية بالنسبة للمصالح النفطية أو الاقتصادية منذ اجتياح العراق؟

بيار ترزيان: أعتقد أن المثال الأكثر وضوحا هو السياسة التي تنتهجها السعودية لزيادة قدرتها الإنتاجية من النفط وفي أسرع فرصة ممكنة كي لا يواجه العالم شُحا في النفط، فالسبب الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط عام 2004 ما يزال قائما، هنالك مشكلة في العرض والطلب ولن يستطيع العالم حل هذه المشكلة قبل مضي بضع سنوات. والمملكة العربية السعودية هي الوحيدة التي تستطيع لعب هذا الدور في حل هذه الأزمة فهي الدولة الوحيدة القادرة على زيادة إنتاجها خلال زمن قصير السعوديون. يقدمون بذلك خدمة للعالم أجمع وعلى الأخص للولايات المتحدة لكنهم أيضا يخدمون بذلك مصالحهم، فالسعودية تريد للعالم أن يعي أمر هاما وهو أنها الدولة الكفيلة بتزويد العالم بالنفط وبأسعار معتدلة والأسعار الحالية بالرغم من كل ما يقال هي أسعار معتدلة، فسعر خمسة وأربعين دولار الذي ندفعه اليوم أقل من السعر الذي كان العالم يدفعه في العام 1974 عقب ارتفاع أسعار النفط. فإن الأزمة الحقيقية اليوم لا تعود إلى سعر النفط وإنما إلى التزود بالنفط وهنا لا يمكن العثور على حل من دون تحالف بين السعودية والولايات المتحدة.

سامي كليب: ليس سرا أن هذا التحالف الأميركي السعودي مر بفترات عصيبة منذ اجتياح العراق فواشنطن التي أرادت أن تسيطر مباشرة على مصادر الثروة في الخليج كانت قد وضعت خطة للطاقة في شهر أيار/مايو عام 2001 قالت فيها إن أزمة ستقع ما لم ترفع أميركا نسبة استيرادها لمصادر الطاقة في السنوات العشرين المقبلة وحذرت من أن أي نقص في الطاقة لديها سيُشكل تهديدا خطيرا لأمنها القومي ناهيك عن المخاطر التي ستُحدق بالاقتصاد وأكدت المجلة الأميركية كارنت هيستوري مثلا أن خطة جورج بوش للطاقة يصعب أن تتحقق من غير تورط أميركا في الشؤون السياسية والاقتصادية والعسكرية للدول التي يتوقع أن يتدفق منها النفط. والمعروف أن المنتجين الرئيسيين في الخليج يملكون حوالي ستمائة وخمسة وسبعين مليار برميل من النفط أي ما يقارب ثلثي الاحتياط العالمي المعروف وإذا كانت السعودية تملك ربع الاحتياط النفطي المعروف في العالم أي أكثر من مائتي وخمسة وستين مليار برميل فهي تصبح بالتالي حاجة أميركية قصوى ولذلك ترى وزارة الطاقة الأميركية أن الإنتاج الصافي للنفط السعودي يجب أن يتضاعف في السنوات العشرين المقبلة من حوالي أحد عشر مليون إلى أكثر من ثلاثة وعشرين مليون برميل يوميا، ولكن ماذا بالنسبة لليبيا هل الانفتاح عليها من قبل الأميركيين له بعد نفطي أيضا ضيفنا بيار ترزيان له وجه نظر خاصة في هذا السياق؟

"
ليبيا ستصبح ذات أهمية كبرى كونها دولة منتجة للنفط وأيضا سيصبح النظام القائم فيها نظاما له أهمية كبرى
"
بيار ترزيان: التغيير في ليبيا هو تغيير سياسي يتبع اعتبارات سياسية لكن ستترتب عليه نتائج تتعلق بالنفط أي أن التنقيب سيعاود الانطلاق في ليبيا وهي دولة ما يزال التنقيب فيها ضئيلا والإمكانات فيها كبيرة وهكذا سيتضاعف حجم الإنتاج والنتائج المباشرة لهذه الزيادة هي أن ليبيا ستصبح ذات أهمية كبرى كونها دولة منتجة للنفط وأيضا سيصبح النظام القائم فيها نظاما له أهمية كبرى. وأعتقد أن الكثير من البلدان لا تعي أننا نقترب ليس من نهاية النفط وإنما من المرحلة التي ستقودنا إلى نهاية النفط، وهذه المرحلة التي قد تستغرق ثلاثين أو أربعين سنة وربما أكثر ليست بمرحلة طويلة لتغيير اقتصاد دولة ما أو لتغيير نموذج تطور البلد أو ثقافة البلد. وأعتقد أنه في الكثير من البلدان النفطية لا يدرك الناس أهمية هذا الأمر طالما بقي سعر النفط مرتفعا، فسعر النفط أشبه بالمخدر الذي يُخفي أمور كثيرة لكن إن انخفضت أسعار النفط في المستقبل وعندما أقول في المستقبل فأنا أتحدث عن فترة تمتد بين عشرين أو أربعين سنة واقتربنا من تلك المرحلة التي ستقودنا إلى فترة ما بعد النفط فإن الوضع سيكون مأساويا ومعقدا للغاية. أنا لا أقصوا على منظمة الأوبك فبرأيي أن المنظمة قد نجحت وستحقق المزيد من النجاح إلا أنني أتنقد الدول الأعضاء في المنظمة وعلى الطريقة التي يديرون فيها أموال النفط لصالح شعوبهم وتطوير بلادهم وهذا ما يثير قلقي.

سامي كليب: من حديث النفط والسياسة والانقلابات والخضّات في الدول العربية ينتقل بيار ترزيان بين وقت وآخر إلى أرمينيا التي يناضل لأجل الاعتراف بتاريخها وقضاياها وما أحل بأهلها أما زوجته التي كانت تستمع إلى حديثنا قبل أن تسمعنا بعض من الموسيقى التي تدرسها هنا في فرنسا فاكتفت بالقول إن النفط قد يكون انتقل من النعمة إلى النقمة.