- النشأة والرغبة في خدمة الآخرين
- التمريض والحرب وذكريات جحيم فيتنام

- مأساة معسكر ديان بيان فو

- أرشيف الذكريات ومراسلة الوالدة

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة. السيدة التي ستشاهدونها بعد قليل كان يمكن أن تعيش حياة مرفهة وأن تصبح سيدة مُخملية، فهي سليلة عائلة برجوازية فرنسية ولكن قدرها قادها لأن تعيش حياة الدماء والدم والدموع في خلال الحرب الفيتنامية. فهي كانت شاهدة على سقوط آخر معسكر فرنسي معسكر ديان بيان فو في فيتنام قبيل الاستقلال، إنها الممرضة الفرنسية جنفييف دو غالار. تشارف جنفييف دو غالار على الثمانين عاما فهي وُلدت في نعيم الحياة عام 1925 أي بين الحربين العالميتين في كنف عائلة ميسورة أمّنت لها كل ما ابتغت ولكن النعيم لم يَدُم طويلا وسوف نرى كيف تحول إلى جحيم. درست الصبية جنفييف التمريض بدوافع إنسانية وكانت قد فقدت والدها وهي في التاسعة من العمر ثم أصبحت ممرضة مواكبة للتيارات المقاتلة عام 1953 وكانت أولى رحلاتها باتجاه المغرب العربي حيث سحرتها طبيعة البلدين الجزائر والمغرب، أما أولى مهامها العسكرية فكانت في فيتنام حيث شاهدت البلاد وعاشت أبشع صور الحرب والدمار والدماء والدموع، الحرب دفنت الكثير من أبناء عائلتها.



النشأة والرغبة في خدمة الآخرين

جنفييف دو غالار: أنتمي إلى عائلة وطنية وفي الحرب العالمية الأولى خَدم والدي واثنان من أخوته وخمسة من أقاربه في الجيش، عاد اثنان منهم فقط وهذا غيَّر أمور كثيرة، كانت والدتي تخشى الغارات على باريس فلم تشأ العودة إلى الشقة التي كان يعيش فيها أهلي لذلك فقد أخذنا نبحث عن شقة في تولوز، في السنة الأولى من الحرب كانت الحياة سهلة لكن مع اقتراب نهاية الحرب عاد قاطنو الشقة الأصليون من الريف حيث كانوا لاجئين وهكذا سكنا في ظروف سيئة في شقة غير مريحة فقد كانت الحرارة في غرفة والدتي سبع درجات في الصباح حول نار المدفئة، لكنني في الحقيقة كنت أعاني من البرد والجوع وأعتقد أن هذا كله قد ساهم في بناء شخصيتي.

سامي كليب: ربما هذا ما دفعك أيضا للتفكير بالآخرين تقولين لا يمكن العيش بدون العمل للآخرين وبدون أن يكون لدينا مثال ومساعدة الآخرين؟

جنفييف دو غالار: نعم أعتقد أنه لعائلتي التي طالما أرادت خدمة الوطن الدور الأهم في دفعي للانخراط في الجيش، لكن هناك أيضا إيماني والرغبة في خدمة الآخرين فخدمة العالم هي من خدمة الله أيضا.

سامي كليب: الإيمان لعب دور أيضا كبير في حياتك على ما يبدو؟

جنفييف دو غالار: لقد تزوجت بضابط في الجيش وكان مسيحيا مؤمنا وأود التشديد على هاتين النقطتين ليس على أنه ضابط في الجيش تحديدا بل على أنه رجل قادر على أن ينذر نفسه، وبرأيي لا يتطوع أحدهم في الجيش دون أن تكون لديه الرغبة في نذر نفسه لوطنه، لكن زوجي كان يمقت الحرب مثلي وكان يشعر أن عليه أداء خدمة العلم، وكان يشغل منصب المندوب لشؤون السكان الأصليين فقد ولد في الهند الصينية وانخرط في الجيش كضابط في الهند الصينية بعدما نجح في مسابقة سانت سير لأن ذلك البلد الذي يعتبره بلده قد تعرض للهجوم.

سامي كليب: في العام 1949 بدأتي دراسة التمريض وأصبحت ممرضة وحصلتي على دبلوم إجازة دولة في هذا العلم ثم ذهبتي في رحلات سياحية إلى منطقة المغرب العربي تحديدا إلى المملكة المغربية والجزائر وربما تونس تقولين تتحدثين دائما عن سحر هذه المناطق هل لديكي ذكريات؟

جنفييف دو غالار: عام 1949 حصلت على شهادة في المساعدة الطبية الاجتماعية، وفي عام 1959 حصلت على شهادة في التمريض. كان يتم التحضير لها طيلة عامين وهكذا ذهبت إلى المغرب وتعرفت على الجزائر إذ كنت أعمل كممرضة مرافقة وكنت أجوب السواحل الجزائرية على وجه التحديد، لكن عندما ذهبت إلى المغرب كنت ما أزال طالبة وكان ذلك في رحلة للشباب حيث سافرنا في عنبر سفينة. في المدرسة كنت أعشق الجغرافيا والبلدان اللذان أثرا فيّ أكثر من غيرهما كانا الهند الصينية والمغرب، وأذكر أنني حين كنت في السادسة من العمر خلال المعرض الاستعماري شعرت بالذهول أمام روعة معابد آنكور ومناظر أخرى من فيتنام.

سامي كليب: تذكرين دائما أيضا مولاي إدريس في المغرب؟

جنفييف دو غالار: أجل كان أداء مولاي إدريس لعرض الفانتازيا مميز جدا مع أولئك الفرسان العرب المذهلين، ثم كانت تلك المدن لقد كانت شديدة الاختلاف عن جميع المدن التي عرفتها في فرنسا ومدن محافظة القصبة خاصة فاس، الرباط ومراكش وهي المدن الثلاثة التي جذبتني أكثر من غيرها.

سامي كليب: هل كانت هناك اتصالات مباشرة مع الناس مع أبناء البلد آنذاك؟

جنفييف دو غالار: لا كان هناك النذر القليل منها، لكن منذ عامين عدت إلى المغرب في رحلة حج على خطى فوكو ورافقنا فيها كاهن يعيش في المغرب منذ ثلاثين عاما قام باصطحابنا لزيارة عائلات مغربية استضافتنا في كنفها.



التمريض والحرب وذكريات جحيم فيتنام

سامي كليب: بعد تلك الرحلة السياحية وبعد مرحلة الدراسة وسط ظروف الحرب العالمية تدربت جنفييف دو غالار على الطيران والتمريض والحرب، بدأت رحلتها صوب المنطقة التي سوف تتحول جحيما لها، كانت تلك المستعمرة تُعرف آنذاك بالهند الصينية وهي اليوم باتت فيتنام ولكن الصبية الفرنسية الشابة وذات العينان الزرقاوين لم تكن تدري أي جحيم سوف ينتظرها هناك، وقصة الهند الصينية آنذاك كانت هامة وخطيرة بالنسبة لفرنسا فاليابانيون كانوا قد طردوا في آذار مارس عام 1945 كل الفرنسيين من فيتنام التي كانوا قد وصلوا إليها قبل حوالي المائة عام. احتفظوا في حينه بالإمبراطور داو داي الذي أعلن استقلال بلاده ولكنه سرعان ما استقال فأرسل الجنرال شارل ديغول أحد كبار قادته العسكريين وهو الجنرال لوكلير كقائد عام للهند الصينية وأعطى الأوامر لقادته بإعادة السيادة إلى المنطقة. في ذاك الوقت بالضبط أسس القائد الفيتنامي الكبير هوشمين الجمهورية الديمقراطية الفيتنامية بعدما كان قد أسس قبل ذلك الحزب الشيوعي وجبهة فيتنام، اعترفت فرنسا آنذاك بالجمهورية لكن مفاوضاتها مع هوشمين فشلت لتبدأ شرارة الحرب التي انتهت بهزيمة الفرنسيين ثم بعد سنوات بهزيمة الأميركيين. ضيفتنا جنفييف دو غالار ذهبت في عز تلك الحرب إلى فيتنام فلماذا اختارت ذاك الجحيم؟

جنفييف دو غالار: الحرب في فيتنام بدأت عام 1949 مع الانقلاب العسكري للفيتناميين. كنت ممرضة وكان الانتساب إلى فرقة الممرضات المرافقات أشبه بفرصة لاكتشاف فيتنام سياحيا ولمد يد العون هناك. عام 1949 مُنحت فيتنام الاستقلال ولكن ضمن إطار الوحدة الفرنسية، وبعد مأساة كاهو بانغ جاء الجنرال دوليتر وقال لجنوده أنتم لا تقاتلون من أجل فرنسا بل إلى جانب الفيتناميين ضد الشيوعية، وعندما تُوفي ابنه قال أن برنار لم يمت من أجل فرنسا بل من أجل فيتنام، راودتني حينها التساؤلات فلم تكن تلك حربا استعمارية إلا أنه لسوء الحظ واصل العديد من الناس وصفها بالحرب القذرة والاستعمارية.

سامي كليب: كانت حرب استعمارية أيضا.

جنفييف دو غالار: لا أعتقد أنها لم تعد حربا عندما قررنا أن نمنح الاستقلال لهذه الدول. لكننا، أي فرنسا، أردنا تجنب وقوع البلد تحت طغيان الشيوعية ولسوء الحظ كان الوطنيون تحت سيطرة الشيوعيين ولم تجد الحكومة الفرنسية مُحاورا وطنيا وغير شيوعي في الوقت نفسه.

سامي كليب: طبعا فرنسا فاوضت آنذاك مع هوشمين مؤسس الحزب الشيوعي وفيتنام الديمقراطية، أنتِ كمسيحية فرنسية ما الذي كان يزعجك في الشيوعية العلاقة مع الدين أم البعد السياسي لهذه التجربة في فيتنام؟

"
حدث الانقلاب العسكري للفيتناميين وتعرضت القوات الفرنسية للهجوم، وقال هوشمين لا ينتزع بلد استقلاله إلا بالدم، لذلك ما كان بالإمكان السماح بقيام نظام شيوعي إرهابي
"
جنفييف دو غالار: أعتقد أنه لو بقي الجنرال لوكلير هناك لكان قد توصل إلى تفاهم، لكن حدث الانقلاب العسكري للفيتناميين وتعرضت القوات الفرنسية للهجوم، وعندها أدركنا أن الفيتناميين يريدون الحصول على الاستقلال بسفك الدماء. قال هوشمين لا ينتزع بلد استقلاله إلا بالدم، لذلك ما كان بالإمكان أن نسمح بقيام نظام شيوعي إرهابي.

سامي كليب: الإرهاب كان من قِبل الطرفين يعني بعض المؤرخين حتى الفرنسيين مثلا لاكوتور يتحدث عن أعمال ربما بربرية من بعض الضباط الفرنسيين أيضا.

جنفييف دو غالار: لم أسمع قط بأعمال إرهابية ارتكبها فرنسيون في الهند الصينية، فزوجي الذي عرف ذلك البلد لكونه وُلد فيه وقاتل فيه طوال ستة سنوات يذكر القرى التي اضطُّررنا لمغادرتها وكيف أن سكانها الذين بقوا أوفياء لفرنسا قد تعرضوا للذبح وأعتقد أن لاكوتور قدم سردا مشرفا لما حدث لكنه تمادى قليلا على أي حال هذه هي وجهة نظري.

سامي كليب: حتى في بعض المقالات لصحف عريقة وكتبت عن تلك التجربة كصحيفة لوموند الفرنسية يعني كان هناك رمي قنابل النابالم وما إلى ذلك على الفيتناميين يعني كان العنف من الطرفين وهذا قانون الحرب؟

جنفييف دو غالار: كانت تلك حربا ولا توجد حرب جميلة. أعتقد أن استخدام النابالم كان أكثر شيوعا خلال الحرب الأميركية منه خلال الحرب الفرنسية.

سامي كليب: ما هي الذكرى الأولى حين وصلتي إلى فيتنام العالقة في ذهنك اليوم؟

جنفييف دو غالار: حملتني مهمتي الأولى إلى اليانغ برامونغ التي كانت تحت تهديد الفيتناميين وما أذكره وليس الجرحى الذين أخليتهم وإنما الرجال الذين عادوا إلى اليانغ برامونغ بعد السير لمسافات طويلة، لقد كانوا منهكي القوى وكانت مدينة اليانغ برامونغ الجميلة ترزح تحت الخطر وهناك ذكريات أخرى منفردة كذكرى ذلك الشاب الفيتنامي الذي أصيب في ساقيه واضطررت إلى بترهما إنها ذكريات تعيسة.

سامي كليب: هذا الشاب الفيتنامي الذي توفي فيما بعد أنتِ الذي عالجيته حضرتك، هل كان بالنسبة لك عدوا هل كان حليفا أم بشريا باختصار؟

جنفييف دو غالار: هذا الشاب كان فيتناميا يقاتل إلى جانب فرنسا، إلا أنني اعتنيت بكثيرين غيره فيتناميين وغير فيتناميين، ومؤخرا ظهر حوار مع جنرال من الفيتناميين في صحيفة لوموند كان في ذلك الوقت ضابطا شابا في ديان بيان فو وكنت قد اعتنيت به من دون أن أعرف من يكون على كل حال يقول أن امرأة أرادت منه أن ينزع ملابسه إلا أنه رفض الانصياع وهو يعترف أنه تلقى عناية ممتازة.

سامي كليب: بالنسبة لكي كان الشعور شعور إنساني دون أي تمييز بالنسبة للسياسة وما إلى ذلك.

جنفييف دو غالار: أجل أكثر ما أثر في هو الجانب الإنساني فقد اعتنيت بالأصدقاء والأعداء بنفس الطريقة لكن ولكوني كاثوليكية مؤمنة ما كنت لأصبح من مناصري الماركسية.

سامي كليب: كثيرا ما جرى الحديث آنذاك عن جنرال أوهي نافار الذي أطلق عملية شهيرة آنذاك سميت بعملية كاستور في فيتنام، سحق الفيتناميين هل تعرفتي عليه؟

جنفييف دو غالار: لم أعرفه شخصيا جاء إلى ديان بيان فو لكن في ذلك الوقت لم تكن طائرتي قد حطت بعد، وبما أنني كنت على متن آخر طائرة لم يأت أحد لاستقبالنا ثم أن الجنرال نافار تلقى تكليفا من الحكومة بحماية لاوس التي كانت تخضع لتهديد الفيتناميين، فقد كانت لاوس أول بلد ينضم إلى التحالف الفرنسي وفي السنة السابقة لذلك ساهمت في إجلاء المواطنين في ناسان أول معسكر يتم عزله وهو الذي أوجد للدفاع عن لاوس ضد اجتياح الفيتناميين، وقد نجح معسكر ناسان في مهمته وربما لهذا السبب اختار الجنرال نافار ديان بيان فو فقد كان المكان الوحيد الذي تتوفر فيه مهابط للطائرات لكن الصعوبة الكبرى كانت أنه بعيد عن مدى الطائرات وقد أوصى سلاح الجو بإلغاء هذه العملية إلا أن تلك التوصية لم تلقَ آذانا مصغية.

سامي كليب: لذلك تم انتقاده فيما بعد؟

جنفييف دو غالار: أهم ما تغير هو أنه منذ الإعلان عن انعقاد مؤتمر جنيف في كانون الثاني تضاعف حجم المساعدات الصينية للفيتناميين التي كانت قد بدأت عام 1949 أي منذ استلام الشيوعيين السلطة في الصين وذلك حرصا على أن يصل الفيتناميين بقوة إلى جنيف للمفاوضات، وهنا تغير كل شيء وما أن بدأت الصين بتقديم مساعدات هائلة وعلى وجه التحديد المدافع التي كانت أقوى بكثير من سابقتها بدأ كل شيء يتغير، فالملاجئ لم تكن محصنة كفاية لتقاوم هذه المدافع، كما جرت تعبئة شاملة للمواطنين مما سمح بتهريب المدافع عبر الأدغال فمنطقة ديان بيان فو لم تكن واديا بل سهلا منبسطا ومن حوله كانت توجد نقاط دعم يسيطر عليها الفرنسيون وفي الجنوب كان يوجد موقع على بعد خمسة كيلومترات يسمح بتركيز المدفعية وبعد ذلك كانت توجد الأدغال وفي هذه الأدغال تمت تخبئة المدافع، بعد ذلك قاموا بحفر أنفاق مما جعل هذه المدافع مصوبة نحو ديان بيان فو كانوا يدفعونها إلى الأمام عندما يريدون إطلاق النار ثم يعيدونها إلى الخلف مباشرة بعد ذلك مما جعل اكتشاف المدافع أمرا مستحيلا، والكلونيل بيرو الذي أكد أنه أسكت مدفعيه الفيتناميين أدرك أنه ما بيده حيلة فعمد إلى الانتحار.



مأساة معسكر ديان بيان فو

سامي كليب: مهما كان رأي ضيفتنا الممرضة الفرنسية السابقة جنفييف دو غالار بالجنرال الفرنسي أونري دونافار فإن الأكيد هو أن حرب فيتنام عرفت فظائع كثيرة وجورا بشريا قل نظيره، وفي ذلك الوقت بالضبط خطرت إذاً للجنرال الفرنسي دونافار فكرة إقامة معسكر في الخطوط الخلفية في الهند الصينية. كان دونافار يريد جذب الفيتناميين وسحقهم، أقام لهذه الغاية معسكرا أطلق عليه اسم المنطقة أي ديان بيان فو هذا المعسكر نفسه الذي سرعان ما تحول إلى مقبرة للفرنسيين وتكمن أهمية تلك المنطقة الفيتنامية التي أقيم عليها المعسكر بأنها كانت تشكل نقطة مرور وعبور نحو لاوس وتايلاند والصين وبور إلى هناك إلى ذاك المعسكر الذي تحوَّل إلى مقبرة ذهبت جنفييف دو غالار وصمدت فيه حتى النهاية وكان همها إنقاذ أكبر عدد ممكن من الجرحى.

جنفييف دو غالار: أجل مكثت ثلاثة أشهر في الهند الصينية عام 1953 فقد كانت للممرضات المرافقات مهمتان الأولى العمل في المفرزة الصحية في الهند الصينية وفي الجزائر، كما كنا نقوم بإجلاء الجرحى عندما يُطلب منا والعمل على الاتصال بإفريقيا الناطقة بالفرنسية، وكنت قد أمضيت شهرين في الجزائر لضمان جميع الخطوط الصحراوية عندما بدأت عملية كاستور وهكذا عُدت للمرة الثانية إلى فيتنام في الثاني عشر من كانون الثاني عام 1954 وفي ذلك الوقت كان معسكر ديان بيان فو قد أنشئ عمليا بين العشرين والحادي والعشرين من تشرين الثاني وجرت أول عمليات الإنزال المظلي في منتصف كانون الثاني. عندما ذهبت إلى ديان بيان فو للمرة الأولى كانت الملاجئ محفورة وكان كل شيء مطمورا، ذهبت إلى القسم الطبي وكان تحت الأرض وكان هنالك ممر يخدم القسم الطبي والجراحي مع ملاجئ للجرحى تتسع لحوالي أربعين جريحا وكانت هناك غرفة للعمليات وغرفة للإنعاش وغرفة للأشعة وكان القسم الطبي يستوعب بالمجمل خمسة وخمسين سريرا وكان ذلك كافيا طالما أننا قادرون على إجلاء المصابين. لكن عندما تحولت تلك المنطقة إلى هدف للمدفعية لم يعد بالإمكان إجلاء الجرحى في النهار على مدى يومين إذ كان الفيتناميين يطلقون النار على جميع الطائرات بما فيها طائرات الصليب الأحمر، صار من الواجب إجلاء الجرحى ليلا وتمت أول عمليات إجلاء ليلية في التاسع عشر من آذار.

سامي كليب: ولكن أنتِ على الصعيد الشخصي كيف عشتي هذه التجربة كسيدة فرنسية يعني فتاة شابة آنذاك في المعسكر؟

جنفييف دو غالار: في المرة الثالثة التي جئت فيها إلى ديان بيان فو لإجلاء الجرحى جئت ليلا إذ لم نكن نستطيع الهبوط في ضوء النهار ولم يكن الطيار يرى المدرج جيدا وفي المحاولة الثالثة للهبوط خرج قليلا عن المهبط فتمزق خزان الوقود، عندها لم أعتقد أنني سأعلق في ديان بيان فو بل شعرت بالحزن على الجرحى فقد كنا قد أجّلنا الإجلاء في الليلة السابقة لعدم وجود سيارات إسعاف بسبب مشكلة في الاتصال اللاسلكي، كنت أفكر بأولئك الرجال الذين اعتقدوا أنهم سيستعيدون حريتهم قريبا لكن ذلك لم يحدث في ذلك اليوم، ثم وقع هجوم كبير في الثلاثين من آذار ومع نهايته، في أول أيام شهر شباط كانت منطقة الهبوط تحت سيطرة الفيتناميين حينئذ شعرت بالعذاب أمام منظر أجسام الجرحى وكانت أجسام الرجال الذين يُؤتى بهم على النقالات مغطاة بالدم والطين. في الليلة الأولى في الثلاثين من آذار لم تتوقف المدفعية وتصدع الملجأ حتى أن أجزاء من التربة كانت تسقط وكنا نقول لأنفسنا ماذا سيحدث غدا عندما يجيئون إلينا بجميع المصابين؟ وبتنا غير قادرين على وضع المصابين في الملجأ فخلال فترة قصيرة أصبحت جميع الأماكن المتاحة بين أَسِرَّة الجرحى وأَسرَّة غرفة الإنعاش ممتلئة حتى أنه في الممر المظلم الطويل كانت النقالات جنبا إلى جنب وطلب إلي الطبيب دروفا أن أُخدرهم باستعمال الحقن بانتظار خضوعهم للعملية وذلك للتخفيف من معاناتهم.

سامي كليب: هل كان هناك الكثير من الجرحى في أوضاع خطيرة جدا حين حصل هذا الهجوم الفيتنامي؟

جنفييف دو غالار: أجل كانت هناك إصابات بالغة وكنا مجبرين على إخضاعهم لعمل جراحي وكان على الطبيب دروفا أن يختار بين الجراحة في الجسم التي كانت تستغرق وقتا طويلا وبين خمس أو ست عمليات بتر. كانت تلك مأساة أنت تضطر للاختيار بين إنقاذ شخص واحد أو إنقاذ خمسة أشخاص أو ستة. وأذكر حالة أحد المصابين الذي لم يكن بالإمكان إجراء جراحة له فقد كان مصابا في النخاع الشوكي وكنا نعرف أن حياته معرضة للخطر، كنت أحقنه بالمورفين كي أهدئ آلامه ورأيت الشلل ينتشر في جسمه حتى وصل إلى صدره وكان بالكاد يستطيع التنفس فجلبنا له الكاهن الذي وضع له قربانا في فمه وجعلته يشرب بعض الماء بالملعقة ليبتلعه، كان يشعر بكرب شديد وكان يسألني جنفييف قولي لي أنني لن أموت، للأسف كنت أعرف أنه سيموت ولم أستطع إجابته فكنت أشتت انتباهه وكنت أقف إلى جواره عندما فارق الحياة من جراء حقن المورفين التي كنت أعطيه إياها كل ربع ساعة لقد أثرت في هذه الذكرى كثيرا.

سامي كليب: إذا هو (كلمة بلغة أجنبية) روبير شوفالييه الضابط الكبير؟

جنفييف دو غالار: أجل إنه هو كان ملازما أول راسلت عائلته كثيرا لدى عودتي، لكنني لم أحظَ بفرصة لقائهم ثم وبطريق الصدفة أعطاني شخصا ما عنوانهم فذهبت لزيارتهم في شهر حزيران. كانت شقيقته سعيدة ومتأثرة لرؤيتي وكذلك كان حالي، لقد فكرت كثيرا بهذه العائلة وعلمت فيما بعد أنه كان لديهم طفلان فقط وقد بقيت الفتاة تعيش مع أهلها، كانت وفاة الابن الوحيد أمرا مؤلما جدا لهذه العائلة وعلى وجه الخصوص لشقيقته التي كانت متعلقة به بشدة، ومنذ ذلك الوقت تلقيت منهم رسائل تقول عودي لزيارتنا مجددا لن ننسى أبدا الوقت الذي خصصتيه من أجلنا.

[فاصل إعلاني]

سامي كليب: كانت السيدة جنفييف دو غالار تروي تجربتها تلك في معسكر ديان بيان فو وكأنما تقرأ من كتاب أمامها فذاكرتها لا تزال تحتفظ بمئات الصور عن رفاق لها قتلوا في الهند الصينية اعتقادا منهم بأنهم يدافعون عن العلم الفرنسي. كان الكثير من أولئك الشبان في عمر لم يسمح لهم بالتمييز بين أهداف الاستعمار الذي يحاولون حمايته وبين الإرادة الصلبة وعنف المقاومين الراغبين للتحرر. ولكن الممرضة الشابة كانت هنا وبعيدا عن قناعتها الأيديولوجية المعادية للشيوعية كانت تريد فقط إنقاذ حياة جنود يصارعون الموت بين أيديها وبما أنها كانت الفتاة الوحيدة التي بقيت وصمدت في المعسكر فإنها باتت بالنسبة للجرحى والمرضى ليس فقط ممرضة وإنما بمثابة الأم والأخت.

"
بالنسبة للجرحى والمرضى كنت بمثابة الأم والأخت فالوجود الأنثوي بالقرب من الجريح مهم جدا فهو يبحث عن الحنان والعاطفة
"
جنفييف دو غالار: هذا صحيح لقد كنت في مقام الأخت والأم والصديقة فالوجود الأنثوي بالقرب من الجريح مهم جدا فهو يبث الحنان والعاطفة، كان هناك رجل آخر مصاب بالشلل وكان يقول لي عندما تدخلين إلى ملجئي فإن معنوياتي ترتفع 100%.

سامي كليب: تذكرين أيضا الكولونيل غوشيه الذي كان صدره مفتوح بفعل القنبلة وأيضا أعضاؤه ربما يعني مقطعة ومنفصلة عن جسده هل كان هناك العديد من الحالات هكذا الصعبة إلى هذه الدرجة؟

جنفييف دو غالار: كان الكولونيل غوشيه على رأس الفيلق بأكمله وكان قد أصيب منذ بداية المعارك، لكن في ذلك الوقت كنت قد ذهبت إلى ديان بيان فو للتو بحثا عن الجرحى كي أنقلهم لذلك لم أتعرف عليه. كان هناك الكثير من الجرحى وكثير ممن كان يُؤتى بهم على نقالات كانوا يموتون بانتظار إجراء الجراحة لهم.

سامي كليب: الذي لفت نظري أيضا لم تذكريه حضرتك في الكتاب ولكن في الأرشيف الفرنسي موجود إنه كان هناك وجود بنات هوى بنات فيتناميات يرافقن الجنود الفرنسيين في المعسكر تحولن في خلال الحرب إلى مساعدات طبيات إلى نوع من الممرضات أيضا كان هناك العديد من المغاربة على ما يبدو هل كنت تشاهدين هؤلاء جميعا في داخل المعسكر؟

جنفييف دو غالار: لم أتحدث عنهن لأنني لم أقابلهن ولم أعرف بوجودهن إلا بعد فترة طويلة، حاولت جمع المعلومات عند تأليف الكتاب وقد أجريت بحوث وكنت على وشك الكلام عنهن إلا أن أحدهم قال لي كتابك هو شهادة عيان، لم يخطر ببالي أن أضع ملاحظة في أسفل الصفحة وأنا نادمة على ذلك لم أفكر بالأمر حينها، يضم هذا الكتاب إما شهادتي الواقعية أو شهادات الأسرى كما في فصل بعيدا عن الجحيم، تابعت بحثي وفي تموز الماضي فقط تلقيت رسالة من الطبيب فيردانييه الذي سبقت لي مراسلته لأنني أتيت على ذكره في الكتاب وأكد لي الأمر، لم أعرفهن معرفة مباشرة إلا أنه عندما انسحبت كتيبتي إلى جانب كتيبة أخرى من الفيلق رأيت أربعة منهن وكُن مميزات، كُن يعتنين بالجرحى ويُساعدن ممرضات الفيلق، كُن يعملنا في كتيبة من فيلق الراي وكانت إحداهن على قدر كبير من الفطنة وكانت تصنع سراويل قصيرة من قماش المظلة لمن لم يكن لديه ملابس. من جهة أخرى تابعت بحثي ولم أعثر إلا على شهادة تتناول النساء الفيتناميات لم أعثر على شيء يتعلق بالنساء من شمال إفريقيا رغم أنني سألت الأطباء في ثلاث كتائب من القناصة الجزائريين والأطباء في كتيبة القناصة المغاربة.

سامي كليب: كان هناك العديد من المغاربة الجنود أيضا في ذاك المعسكر ديان بيان فو؟

جنفييف دو غالار: كانت هناك كتيبة الـ (RTM) الرابعة وكنت أعرف طبيب هناك وقد توجهت بأسئلتي إليه، كما كان هناك الطابور إلا أنهم تمسكوا بمواقعهم، أحد ضباطهم الأدنى رتبة أُصيب خلال المعارك وتمت العناية به في الكتيبة عندنا وقد قال لهم رأيت سيدة في الملجأ وقد اعتنت بي جيدا.

سامي كليب: هل شاهدتي حضرتك الكثير من القتلى داخل ذاك المعسكر؟

جنفييف دو غالار: العديد من الجرحى الذين جاؤوا بهم إلينا كانوا في غيبوبة وكنت أحقنهم بالمخدر كما طُلب إلي كي أجنبهم الألم وبعد ذلك لم أكن أراهم، لم تكن هناك حالات وفاة من بين الذين اعتنيت بهم إلا أن الكثيرين لم يصلوا إلى غرفة العمليات فهم كانوا ينتظرون طويلا. وما صدمني وشكَّل لدي ذكرى مؤلمة هو أنه بعد سقوط ديان بيان فو كانت هناك الكثير من الجثث تحت السواتر الترابية وهذه الجثث التي لم تُدفن بسبب تبادل إطلاق النار قد تحولت إلى اللون البنفسجي بفعل موسم الأمطار وكانت مشبعة بالماء ومنتفخة لقد كان من الصعب احتمال هذا المنظر.

سامي كليب: حين كنتِ في معسكر ديان بيان فو هل شعرتي يوما ما بالخوف هل فكرتي مثلا بالرحيل عن المخيم بالهرب من الحرب؟

جنفييف دو غالار: عندما أفكر مجددا بتلك الليلة الأولى وبالضوضاء فيها أعتقد أن وجودي بين طاقم طبي أعرفه لزياراتي المتكررة قد ساعدني على تحمل الوضع فقط عندما كنت أُضطر للخروج لقضاء حاجة كنت أصلي كي لا يصيبني مكروه إذ لم أكن أحتمل أن أصاب أو أموت وأنا في موقف مذل.

سامي كليب: لم تنسِ يوما أيضا رغم كل ويلات الحرب أحمر الشفاه داخل المعسكر.

جنفييف دو غالار: بالتأكيد ساعدني أحمر الشفاه على التحلي بمعنويات مرتفعة لم أكن أضعه كل يوم فقط في فترات الهدوء حيث كنت أتلقى دعوات عشاء في مركز قيادة الكولونيل لانغلي الذي كان قائدا لفرقة المظلليين أو إلى مركز قيادة الكولونيل ليمونييه الذي كان قائدا للكتيبة كنت أضع أحمر الشفاه حينها فقد كان يساعدني.

سامي كليب: ما الذي برأيك يدفع إلى عدم الخوف هل لأننا داخل الحرب لم نفكر بالموت وبالخوف أم ربما الشباب لا يدفع إلى التفكير بهذا النوع؟

جنفييف دو غالار: أعتقد أن طيش الشباب قد لعب دورا كبيرا في ذلك، ثم إنني كنت منشغلة بالعناية بالجرحى فلم يكن يتسنى لي الوقت للتفكير بنفسي وأمام هؤلاء الرجال الشجعان كان يجب أن أكون جديرة بهم وأعتقد أن حقيقة كوني همزة الوصل بين أرض المعركة عندما كنت أذهب إلى مقر القيادة وبين المصابين عندما كنت أعود للمصابين بالأنباء قد ساعدني على تحمل الوضع.

سامي كليب: بقيتي المرأة الوحيدة داخل معسكر ديان بيان فو، يعني بغض النظر عن الفتيات الفيتناميات اللواتي ذكرناهن قبل قليل، هل هربت الأخريات الممرضات الأخريات لماذا تبقيت وحدك هناك؟

جنفييف دو غالار: منذ الرابع عشر من آذار في الصباح التالي للهجوم تم إجلاء الآنسة بول بوجاك أمينة سر الجنرال دوكاست وكانت المرأة الوحيدة حينها لم يطلب أحدا رأيها فقد اعتبرت القيادة أن المكان لا يناسب النساء فقد كان خطيرا جدا وبالنسبة لنا نحن الممرضات المرافقات فقد كنا نأتي لإجلاء الجرحى، إلا أن طائرتنا تعرضت للأذى أثناء الهبوط ثم دمرها الفيتناميين عندما أدركوا وجود طائرة جديدة على الأرض وهكذا تعيَّن علي البقاء، كنت المرأة الوحيدة من غير الفيتناميات كما أعتقد أنه قد تم ذبح الفيتناميات لإخلاصهن لفرنسا ولهؤلاء الذين كانوا يقاتلون إلى جانب الفرنسيين.

سامي كليب: هل كان من السهل الحصول على الأدوية ومعالجة الجرحى خصوصا الأيام الأخيرة بعد الهجوم الفيتنامي على المعسكر؟

جنفييف دو غالار: كان يتم إنزال الأدوية بواسطة المظلات وكان رئيس الأطباء يجمع طلبات الجراحين ثم يقدم طلبا بها إلى هانوي، وكانت المظلات تصل دائما في الوقت المحدد وهي تحمل أكياس الدم والبلازما في مستوعبات الثلج للحفاظ عليها وكنت أُطمئن العائلات دائما وأقول لهم إننا لا نفتقر لأي شيء سواء من مضادات حيوية أو ضمادات، ففي البداية كان هناك مستوصف مركزي تحت إدارة الطبيب النقيب توريس ثم تم استبداله بالمقدم دروفا وفي شهر كانون الثاني تمت مضاعفة عدد العاملين فيه مع الطبيب الملازم جاندري وبعد الهجوم في الثالث عشر من آذار تم إنزال معدات لمستوصفيْن إضافيين في يومي الرابع عشر والخامس عشر، تم الإنزال الأول في إيزابيل على بعد خمسة كيلو مترات من ديان بيان فو وتم الإنزال الثاني في منقطة ديان بيان فو نفسها ثم في بداية شهر نيسان تم إنزال معدات مستوصف آخر.



أرشيف الذكريات ومراسلة الوالدة

سامي كليب: حين اتصلت بالسيدة جنفييف دو غالار لاقترح عليها موعدا للقاء ومقابلة سألتها عما إذا كانت لا تزال تحتفظ ببعض الأرشيف الخاص عن تلك الفترة الصعبة التي أمضتها ممرضة في معسكر ديان بيان فو فاعتذرت عن قلة الصور التي لم يبقَ منها الكثير سوى في ذاكرتها. ولكننا مع ذلك وجدنا لها صورا في بعض المجلات الفرنسية الشهيرة التي كانت خُصصت لها ولصورها تماما كما أننا وجدنا لها أشرطة فيديو ترصد رحلتها الشهيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية حين وجه لها الرئيس الأميركي والكونغرس دعوة خاصة على اعتبار أنها إحدى أشهر بطلات الحرب في فيتنام وهناك حصلت على أرفع الأوسمة فالسيدة دو غالار كانت أول سيدة فرنسية تتلقى مثل تلك الدعوة الأميركية تكريما لما قامت به في خلال الحرب ولكن أيضا لأنها بدت نموذجا للتضحية الإنسانية بغض النظر عن أهداف تلك الحرب الاستعمارية ووجدنا لدى السيدة دو غالار أيضا وفي أرشيفها الشخصي بضعة رسائل كانت أمها قد احتفظت لها بها، كانت جنفييف دو غالار تروي لوالدتها في تلك الرسائل ما تعيشه في أيامها الدموية الخطيرة في معسكر ديان بيان فو في الهند الصينية.

جنفييف دو غالار: هذه آخر رسالة كتبتها لوالدتي قبل أن أذهب إلى ديان بيان فو قلت لها إن الوضع مستقر في ديان بيان فو لكن المشكلة الكبرى تكمن في الجرحى الذين يتم إجلائهم ببطء إذ لم تكن الطائرات تستطيع الهبوط بسبب تعرض المهبط لأضرار، ثم كتبت قائلة آمل ألا يُفزعك كثيرا ما تقرئينه في الصحف إذ أنني أخشى دائما من إصابتك بالقلق وهذا ما يزعجني، قلت لها ما من سبب لإصابتي بمكروه فالله موجود لحمايتي وحماية هؤلاء المساكين الذي ينتظرون إجلائهم بفارغ الصبر، ما يزال هناك مائتين وخمسة وعشرون جريحا وهم يستحقون منا القيام بمحاولة لإخراجهم من هناك، أضفت قائلة كتابتي سيئة أعتذر عن هذا يا أمي فما زال علي كتابة رسائل أخرى وأريد أن آوي للفراش باكرا.

سامي كليب: كم رسالة بعثتي لها تقريبا؟

جنفييف دو غالار: كنت أكتب رسالة واحدة في الأسبوع على الأقل رسالة كبيرة وبفضل هذه الرسائل تمكنت من استعادة ذكرياتي كممرضة مرافقة.

سامي كليب: هل كنتِ تفكرين دائما بها، بالوالدة؟

جنفييف دو غالار: كانت والدتي مُسنة كما أن بصرها كان يضعف كنت أعرف إنها تقلق علي كثيرا رغم أنها تركتني أرحل بعد أن رأت أن هذا العمل هو قدري لذلك كنت أكتب لها مطولا كي لا أثير قلقها وكنت آتي على ذكر الكثير من تفاصيل عملي.

سامي كليب: كان عمرك تسع سنوات حين فقدتي والدك، هل كنتِ تفكرين به أيضا حين كنت في ساحة القتال في ظل المعركة بالحرب؟

جنفييف دو غالار: طلبت إليه أن يحميني في السماء فقد كنت أؤمن بالحياة الأبدية. كنت في التاسعة من العمر عندما توفي في الشقة التي نسكنها حاليا فقد كانت شقة أهلي وبالنسبة لأمي تلقيت ذات يوم رسالة منها تقول فيها إنها ليست حزينة لوجودي في ديان بيان فو فبهذه الطريقة لن أتعرض لحادث طائرة وهو أكثر ما تخافه، كانت تقول لنفسها أن وجود امرأة بمفردها بين مجموعة من الرجال المقاتلين يجلب لها الأمان وعندها لم أعد أقلق كثيرا عليها.

سامي كليب: هل شعرتي بأن الموت ممكن أن يصيبك هناك مثلا داخل المعركة حين كنت في هذا المعسكر؟

جنفييف دو غالار: لا يمكن للمرء ألا يفكر بالموت عندما يعيش في ظروف كتلك وعندما كتبت تلك الرسالة كتبتها لكي تدرك والدتي في حال لم أرجع لماذا قمت بكل هذا العمل؟ أي للتخفيف عن الجرحى وأن ذلك يستحق التضحية بحياتي من أجله لكن لحسن الحظ أنني عدت سالمة.

سامي كليب: هل حين عدتي إلى فرنسا عدتي والتقيتي ببعض أهالي وعائلات زملائك الذين قتلوا في الحرب أو كانوا جرحى؟

جنفييف دو غالار: لقد قابلت بعضهن ممن استطعن زيارتي كما قابلت مؤخرا في تاب زوجة الجنرال أندريو، من جهة أخرى تلقيت الكثير من الرسائل لدى عودتي وأمضيت شهر الإجازة الذي حصلت عليه بأكمله في الرد على العائلات، فقد كانت هذه العائلات تأمل أن أكون قد قابلت أحد أعضائها من ابن أو أخ أو أب لكن لسوء الحظ كان هناك فرق كبير بين صور الرجال المتأنقين التي أروني إياها وبين أولئك الذين تعرفت إليهم، بالطبع أذكر الذين اعتنيت بهم لأسابيع عدة لن أنسى أبدا أولئك الذين كانوا في حالة خطرة.

سامي كليب: لا تنسى السيدة دو غالار شيء وهي في حياتها الباريسية الهادئة وفي منزلها المحتفظ بذكريات قليلة عن تلك الحرب الاستعمارية الكوارثية في الهند الصينية. تعيش دو غالار اليوم حياة شبه عادية أو تلبي الدعوات للتلفزات والإذاعات والندوات تحكي عن تجربتها التي روت تفاصيلها في كتاب نشرته قبل فترة ولكنها بالمقابل تعتني تماما ببضعة صور لأحداث وأناس تقول إنهم كانوا ولا يزالون منذ أكثر من خمسين عام جزء من حياتها ومن هذه الصور مثلا ذاك الملجأ الرهيب في معسكر ديان بيان فو الذي أنقذت فيه حياة كثيرين مع رفيقها الدكتور الشهير دروفا وبقي فيه كثيرون آخرون أشلاء تحت التراب.

جنفييف دو غالار: هذا ملجأ للمصابين إصابات خفيفة بما أن عدد الجرحى كان يفوق طاقتنا طلب الطبيب دروفا من المقدم لانغلي أن يفرغ الملاجئ القريبة والتي كان يشغلها رجال الاستخبارات المحليون الذين كان يتم إنزالهم مظليا في مناطق الفيتناميين بهدف جمع المعلومات. وبما أن هؤلاء كانوا في ذلك الوقت داخل المناطق الصديقة لم يكن بإمكانهم لعب دورهم فقاموا بحفر خنادق على محيط المنطقة وهكذا استطعنا استعادة هذه الملاجئ التي أصبحت مشافي ثانوية، لكنها كانت سيئة جدا فلم يكن فيها تيار كهربائي كنا نطلق على هذه الأماكن اسم سراديب الأموات وهذه هي ملاجئ سراديب الأموات.

سامي كليب: هذه هي الصورة التي طافت العالم ونجدها في الكثير من وسائل الإعلام في الواقع.

جنفييف دو غالار: كان ذلك يوم وصولي إلى اليونغ برادونغ في الرابع والعشرين من أيار، في ذلك اليوم تم إطلاق سراحي وما أثر فيّ هو قيام مجموعة رجال من الفيلق الأول بتكريمي وبعد ذلك بفترة طويلة تلقيت رسالة من عامل إذاعة شاب تراه هنا قرب الطائرة وهو يسألنا عما إذا كنا نرغب أن نرسل برقيات إلى عائلاتنا.

سامي كليب: أي شعور لديك حين تشاهدين اليوم هذه الصورة بالتحديد؟

جنفييف دو غالار: إنها ذكرى طيبة جدا فعندما صعدت إلى الطائرة في ديان بيان فو في طريقي إلى هانوي قال لي الطبيب غار لا أدري أن كنت تدركين أن عشرات من المصورين والصحفيين بانتظارك فأجبته أعتقد أن أصعب ما في الأمر ينتظرني كانت تلك مرحلة عسكرية صرفه لحسن الحظ أنني مازلت أحتفظ ببعض الصور التي تعيد ذكرياتي.

سامي كليب: اقترحوا عليك أيضا فيلما سينمائيا وحصر المذكرات مقابل أموال طائلة في الواقع.

"
وكالة صحافة عرضت تحويل تجربتي إلى فيلم لكنني رفضت وذلك لأنني أقوم بواجبي وهو العناية بأشخاص أصيبوا إصابات خطرة وكانوا يحتضرون
"
جنفييف دو غالار: أجل ذات يوم قال لي الجنرال لانغلي إن وكالة صحافة تعرض علي آلاف الدولارات كي أروي تجربتي في فيلم لكنني لم أفكر حتى بإعطاء إجابة فقد بدا ذلك العرض غير واقعي فكل ما كنت أفعله هو العناية بأشخاص أصيبوا إصابات خطرة وكانوا يحتضرون، حتى أنهم عثروا على الممثلة التي كان يفترض أن تلعب دوري لكنني رفضت هذا العرض فقد بدت لي تلك الدعاية التي تحوم حولي غير طبيعية، فأنا كنت أقوم بواجبي كما أنه كان ما يزال هنالك جرحى لم تكتب لهم الحرية بعد، فمن تَحرر من معسكر الديان بيان فو كان عددهم ثمانمائة وثمانية وخمسين شخصا فقط أما البقية فقد تم إرسالهم إلى معسكرات الاعتقال وقد كان ذلك أمرا صعبا فقد كان معدل الوفيات بينهم يصل إلى 70% في ديان بيان فو سقط ألف وسبعمائة قتيل ومثلهم من المفقودين أما في معسكرات الاعتقال فقد توفي سبعة آلاف أسير بالمجمل 70% من الأسرى لم يعودوا من المعسكرات يوم سقوط ديان بيان فو.

سامي كليب: عدتي حديثا إلى فيتنام في زيارة خاصة ولكنك لم تذهبِ إلى ديان بيان فو لماذا، هل لم تودي أن تستعيدي تلك الذكريات الأليمة؟

جنفييف دو غالار: لفترة طويلة لم أرغب في العودة إلى فيتنام، كما أن زوجي الذي وُلد هناك ويشعر برابط يجمعه بذاك البلد وشعر أنه تخلى عن أبناء بلده الذين كانوا تحت إمرته، طوال ثلاث سنوات لم يرغب هو الآخر بالعودة. وقبل ثلاث سنوات عدنا إلى هناك بعد أن أصبح النظام الحاكم ليبراليا ورغبت في أن أتعرف على المنطقة التي عاش فيها أهل زوجي وأجداده لكنني لم أرغب في العودة إلى ديان بيان فو فقد كنت أريد أن أحتفظ بذكرياتي لدي صور عنها وأعرف أنها أصبحت اليوم مدينة ويتم تشييد مباني حديثة فيها لكن عندما تحفر الجرافات خلال أعمال البناء فإنها تكشف النقاب عن عظام بشرية ما كنت لأحتمل ذلك الوضع كما أنني أردت الاحتفاظ بذكرياتي. عاد إلى هناك عدد من أصدقائي بعضهم شعر بالسعادة لذلك وبعضهم ندم أما أنا فأُفضل عدم الذهاب لكن من جهة أخرى كنت سعيدة بالعودة على فيتنام حيث استُقبلنا بحفاوة هناك يملك حَمَايَ مزرعة لأشجار البن وهناك عثرنا على عمال مسنين من تلك الحقبة وامتدح أحدهم حَمَايَ على تطويره للزراعة وجلب محاصيل جديدة وبناء الجسور كنت سعيدة لأن الكثير من الفرنسيين قد ذهبوا وساهموا في تطوير هذا البلد.

سامي كليب: هل تأسفين لاستقلال فيتنام؟

جنفييف دو غالار: إطلاقا هذا بلد قديم له حضارة غنية فمنذ عهد الأميرال ديكو عندما كانت الهند الصينية مقطوعة عن فرنسا بين عامي 1940 و1945 قام ديكو بالتحضير للاستقلال وشَجَّع على تأهيل الفيتناميين وأنا حزينة لأن كل ذلك انتهى بحمام دم وأنا آسف لأننا لم نتمكن من الوصول لحل سلمي.

سامي كليب: هل هناك ذكرى وحيدة تعود دائما هل لديكِ مثلا نوع من الهواجس من الكوابيس في الليل؟

جنفييف دو غالار: انتابتني الهواجس لفترة طويلة وعادت إلي عندما طلب إلى سلاح الجو كتابة كلمة بمناسبة العيد العاشر لإنشاء الطيران المدني فاضطررت لأن أستغرق في قراءة كتاب الطبيب دروفا فأضحى من المستحيل علي النوم وعندما كان علي إلقاء الكلمة عرفت أن الأمر سيكون صعبا للغاية. ثم عادت الهواجس مجددا عندما شرعت بتأليف كتابي وخاصة عندما سمعت شهادات أولئك الذين بقوا في الأسر وقصص الجرحى الذين لم أستطع متابعة أخبارهم بعد أن تم إطلاق سراحي، لكن قال لي أحد الجنود السابقين في ديان بيان فو عليك أن تكتبي عن هذا الأمر فاسعي وراء الشهادات. لم يجرِ الحديث عن ذلك الأمر من قبل تم الحديث عن معسكرات الاعتقال لكن أحدا لم يتحدث عن مصير الأسرى لذلك قمت بسؤال عدد من الأشخاص وكتبت فصل بعيدا عن الجحيم بعد أن حصلت على ستة شهادات لضباط وصف ضباط.

سامي كليب: بعيدا عن الجحيم هكذا اختارت السيدة جنفييف دو غالار أن تختم حديثنا معها وهكذا قالت بعد أن عادت من معسكر ديان بيان فو الرهيب في الهند الصينية، اليوم تحررت فيتنام ودفع الكثير من أهلها ثمن المغامرات الفرنسية والأميركية هناك ولكن الجميع قرر اليوم طي صفحة التاريخ والنظر إلى المستقبل، عادت الدول التي استعمرت فيتنام سابقا تشكل اليوم الشريك التجاري الأول لها والسند الأساس في إعادة نهضتها. فيتنام تبقى في الذاكرة رمزا للنضال وجنفييف دو غالار صارت في بلادها بالغرب رمزا للتضحية والجميع صار اليوم بعيدا عن ذاك الجحيم الذي يتكرر ولكن في أماكن أخرى وبوجوه أخرى وباستعمار آخر.