- معاداة الملك، الوعي السياسي وحمل السلاح
- الوقوع في كمين وألوان العذاب بالمعتقل
- انتحار المعتقلين وانتظار الموت الذي لم يأت
- لحظة الخروج من السجن والعيش بمفهوم جديد

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى المملكة المغربية، يقول ضيفنا أتذكر ذلك اليوم الذي دخلت فيه إلى أقبية الموت، كنت يافعا لم أتجاوز العشرين من عمري، كان إيماني بنضالي السياسي يعطيني إحساس بالتحدي والقوة ولكن ذاك المكان الخاص جدا كان يجعل جسدي وبشكل لا إرادي يستجيب لرعشة غريبة، هناك ترى الموت في كل مكان.. لا بل وتشم رائحته، هذا غيض من فيض ما كتبه ضيفنا الذي دخل إلى السجن إرهابي إسلامي فخرج منه داعية للحوار، حكيمي بلقاسم يروي لنا كل تجربته.

حكيمي بلقاسم: أقصى أقصى أقصى يعني ذكرى هي حينما تحدثت مع الوالد في الهاتف وبدأ يبكي وينتحي يعني أستطيع أن أقول بأن مرارة السجن ومرارة التعذيب وقسوته يعني كانت هينة للغاية أمام أن ترى أباك وهو شخص كان في المقاومة وشخص كانت لي دائما له صورة من الكبرياء والعزة والأنفة.. تراه ينتحي كطفل ويبكي فبالنسبة لي هذا شيء مرعب للغاية وبالتالي أعتقد بأن هذه أقصى صورة حينما أرى السجن لا أرى معاناتي أكثر مما أرى معاناة العائلة وصدقوني يعني كل السجناء السياسيين في مختلف بقاع العالم سيقولون لكم بأن السجناء الحقيقيين هم العائلات أما نحن فكنا نعيش من أجل قضية معينة.

معاداة الملك، الوعي السياسي وحمل السلاح

سامي كليب: ولأجل هذه القضية أمضى حكيمي بلقاسم حوالي نصف عمره في السجون المغربية، هو استحق السجن من الناحية القانونية لأنه حمل السلاح وأراد الإطاحة بالنظام المغربي عن طريق القوة والعنف ولكن هل أن ذلك يبرر كل ما تعرض له من عنف جسدي ونفسي جعله اليوم يبحث عن استقرار ربما لن يأتي يوما؟ فحين زرته واتفقنا على اللقاء وجدته محفوف بألف أمل وأمل لمستقبل بلاده ولكني وجدت في داخله طفل حزين لم يكبر، يحاول هو تناسي السجن ولياليه المظلمة والظالمة ولكنه لا يزال عند قناعته بأن حمله للسلاح لم يكن السبب الوحيد لسجنه وإنما ربما لأنه كان ابن تلك المنطقة التي غضب عليها الملك الحسن الثاني فحكيمي بلقاسم وُلِد عام 1964 في وجدة المغربية المحاذية للحدود الجزائرية، كان والده مقاوم ولكن المقاومة لم تنفع كثيرا في تحسين ظروفه.

حكيمي بلقاسم: النظام يعني بمزجيته المعتادة قال بأن هؤلاء يغضبونني، أبناء المناطق الشرقية يعني تاريخيا كانوا في اعتقاده لا يوفون الملك السابق الحق حقه وبالتالي كان غضبه متجه إليهم وهذا الغضب هو غضب جماعي على منطقة معينة يعني على منطقة كاملة يعني منطقة الجهة الشرقية والشمالية مدن النازور الحسيمة إقليم فيجيج وإقليم وجدة إلى آخره كانت دائما مهمشة وغير مرغوب فيها ونحن صغار كان دائما لنا نوع من الافتخار بأن الملك لا يأتي إلى مدينتنا، يعني كان هناك نوع من العداء للملك وكان عداء يعني من الطرفين يجب أن نقول الحقيقة، يعني بالنسبة لي مدينة وجدة كانت مدينة فقيرة مفقرة وكان هناك نوع من العقاب الجماعي لكل هذه المناطق وكلنا نحس به..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب شو السبب؟ ما هو السبب؟

"
مدينة وجدة لا تدين حقيقة بالولاء التام والكامل للنظام الملكي آنذاك حيث كانت هناك مظاهرات للطلبة وللعمال بشكل دائم ومستمر وإلى آخره وكان هناك قمع  قوي للغاية لهذه الحركات الاحتجاجية 
"
حكيمي بلقاسم [متابعاً]: تاريخيا يعني تاريخيا كانت مدينة وجدة لا تدين حقيقة بالولاء التام والكامل للنظام للملكي آنذاك يعني وكانت هناك مظاهرات يعني للطلبة وللعمال دائمة ومستمرة إلى آخره وكان قمع النظام لهذه الحركات الاحتجاجية قوي للغاية يعني..

سامي كليب [مقاطعاً]: هل أهلك كانوا ضد الملك ضمنيا يعني؟

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: لا أبدا يعني هناك يعني أنا أقرأ من خلال تغير فكر عائلتي.. فكر مجموعة كبيرة من المغاربة، فالأول يعني كنا عائلة فقيرة ولكن تربطها أواصر من المحبة إلى آخره ولم يكن يعنينا أمر الملكية، حينما تم اعتقالي وبداية نضالي يعني من خلال حكايتي ومن خلال قصتي بدأت العائلة تدرك حقيقة ما معنى أن يكون هناك نظام قمعي وما معنى مثلا وجود ملك كالحسن الثاني آنذاك وبالتالي كانت تتغير صورتها من صورة خوف ورعب وسقوط إلى نوع من النضالية بشكل أو بآخر ولكن..

سامي كليب [مقاطعاً]: ولكن في الكلام عند بدايتك السياسية يعني ليس مُسَجل في الأرشيف سوى أن انتميت إلى الشبيبة الإسلامية هذا كان الانتماء الأول..

حكيمي بلقاسم [مقاطعاً]: لا لا أبدا..

سامي كليب [متابعاً]: خصوصا إنه فهمت إنه كان فيه حركات كثيرة وتقلبت بتفكيرك بين كل هذه الحركات حتى استقر بك الأمر في الشبيبة الإسلامية.

حكيمي بلقاسم: لا أنا كنت في حركات إسلامية كثيرة مثلا كنت في جماعة جمعية الدعوة الإسلامية لصاحبها المفضل دلوقتي كنت فترة قصيرة مع حركة الطليعة أو حركة الطلائع التي جاءتنا من سوريا..

سامي كليب [مقاطعاً]: بدأت باكر في العمل السياسي؟

حكيمي بلقاسم: أكيد يعني كان عمري 15 سنة 16 سنة، هذا ما أريد أن أقوله يعني بالنسبة لنا الرفض السياسي للنظام كان طبيعي على الإطلاق والتدين أيضا كان شيء طبيعي يعني لأن مدينة وجدة مدينة محافظة وبالتالي لا يمكن أن نقول بأنني أنا انخرطت حقيقة يعني في إطار الفكر السياسي الإسلامي.. أنا أعتقد بأنني وكما قلت دائما أنا مسلم ثائر.. لست إسلاميا وأرفض يعني من أعماق أعماقي هذه التسمية لأنها تسمية لا تعني أي شيء يعني في حقيقة الأمر.

سامي كليب: ماذا كانت مهنة الوالد؟

حكيمي بلقاسم: الوالد كان بناء بسيط في مستشفى يسمى مستشفى الفارابي هناك يعني، كانت الحاجة والعوز يعني..

سامي كليب [مقاطعاً]: وأنت عشت الفقر؟

حكيمي بلقاسم: أكيد عشت الفترة في أقصى صوره..

سامي كليب [مقاطعاً]: مثلا؟

حكيمي بلقاسم: مثلا أننا كنا.. وهذا الأمر كنت في مدينة وجدة وذكرتني به الوالدة حيث أننا في رمضان الكريم لم يكن هناك ما نقتات به على الإطلاق، كنت أعمل في فرن وآتي ببعض من الحلويات من أجل الفطور ومن أجل السحور، كان هناك الشاي.. كأس أو نصف كأس من الشاي وكان هناك حلويات آتي بها في حين لم يكن يعني هناك ولو سنتيم واحد داخل البيت وهذا مش حال العائلة فقط.. حال عائلات كثيرة يعني داخل مدينة وجدة ولهذا كان الغضب والسخط ضد النظام كان شيء يجوب الشوارع إذا صح التعبير يعني.

سامي كليب: طيب حين بدأت بالوعي السياسي وانتميت إلى الشبيبة الإسلامية طبعا قيل الكثير آنذاك عن نوايا الشبيبة الإسلامية تجاه النظام العرش أو المخزن كما يقال بلهجتكم، هل كنت تنوي أو تفكر بأنه الحل الوحيد هو خلع الملك وقلب النظام وعملت لهذه الغاية؟

حكيمي بلقاسم: أنا لم أدخل إلى حركة الشبيبة الإسلامية إلا من أجل هدف واحد لكي أكون صريح يعني.. أنا لم يكن يستهويني تفكير حركة الشبيبة الإسلامية من الناحية الدينية يعني ليس هناك اختلافات كثيرة ولكن من الناحية السياسية قبل الشبيبة الإسلامية لم أجد نفسي في حركة في حال الأحزاب السياسية الموجودة وتقلبت في حركات إسلامية لم أجد نفسي فيها، ما استهواني هو حمل السلاح، أنا منذ صغري كنت أكره النظام يعني.

سامي كليب: حملت السلاح؟

حكيمي بلقاسم: أكيد حملت السلاح أقول لكم يعني..

سامي كليب [مقاطعاً]: وتدربت؟

حكيمي بلقاسم: تدربت على السلاح وأول ما كانت بين يدي رشاشة الكلاشينكوف قبلتها وكأنني أقبل امرأة أو أكثر يعني، كان هناك عشق خطير بالنسبة لي للسلاح ولكن لم يكن هناك حمل السلاح من أجل حمل السلاح أقول لك..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب اسمح لي ولكن يعني في ظل نظام ذي قبضة حديدية آنذاك.. نظام لا يقبل بالمعارضة تحمل السلاح وتتدرب، كيف كان يتم كل ذلك بالسر المطلق؟

حكيمي بلقاسم: أكيد.

سامي كليب: وين؟ وكيف؟

حكيمي بلقاسم: حركة الشبيبة الإسلامية كانت حركة سرية يعني حركة مغلقة، كان هناك لقاء بيني وبين أشخاص معينين كانوا ينتمون إلى حركة الشبيبة الإسلامية معروف منهم الآن هو مهتدى عبد الرحيم مثلا رئيس لجنة النصير الخاصة بالمعتقلين الإسلاميين الآن في إطار سلفي الجهادية، إذاً كانت علاقتي به في الأول علاقة حوار يعني هو كان يأتي بالمسجد وينظر أي الناس يمكن أن يذهب مع تفكير حركة الشبيبة الإسلامية، أنا كان شيء طبيعي أنني أنضم إلى أي خلية تحمل سلاح.

سامي كليب: وأين كنت تتدرب؟

حكيمي بلقاسم: أنا كنت يعني.. لا نحن انطلقنا من مدينة وجدة مع مجموعة من الشباب إلى الجزائر ومن الجزائر حُمِلنا في سيارات خاصة بالبوليساريو بجبهة البوليساريو إلى منطقة نائية قيل لنا بأنها تندوف في الحقيقة لا أعرف أن كانت تندوف غير تندوف ولكن تدربنا في الصحراء في إطار سري للغاية ولكن أعتقد بأن السرية العربية لم تكن مطلقة على الإطلاق.

سامي كليب: طيب على ما تدربتم؟ على تفجير مقرات حكومية؟

حكيمي بلقاسم: تدربنا على التفجيرات، تدربنا على تسديد الطلقات على مختلف الأسلحة، تدربنا على الكلاشينكوف، تدربنا على الآر بي جيه، على السيطة على متفجرات تي إن تي إلى آخره، كان يعني تدريب لمدة قصيرة لمدة عشرين يوما ولكنه كان تدريب مكثف وكافي يعني في إطار ما كنا نسميه بحرب العصابات يعني.

سامي كليب: مَن كان يدربكم؟ ضباط جزائريون؟

حكيمي بلقاسم: لا لا الضباط من جبهة البوليساريو وكان هناك نوع من التفاهم كبير بيننا وبينهم على أساس أنهم كانوا حركة تمردية وكنا حركة ثورية هم خارج المغرب ونحن داخل المغرب ولكن كنا نلتقي في مصلحة معينة وهي اجتثاث هذا النظام يعني.

سامي كليب: حمل السلاح والتدرب في الجزائر والاتصال بجهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء الغربية عن المملكة.. ثلاثة أسباب كانت أكثر من كافية لإعدام أي شخص يتورط بها في المملكة المغربية، فكيف إذا كان هذا الشخص قد قُبض عليه بالجرم المشهود وهذه كانت حال ضيفنا الناشط الإسلامي السابق حكيمي بلقاسم الذي وفي أثناء عودته محمل بالسلاح في العاشر من شهر تموز/يوليو من العام 1985 وجد كمين قوات الأمن المغربية بالانتظار، غريب أمر ذاك الكمين، فهل ثمة مَن وشى على الناشطين الإسلاميين؟ وهل الواشي كان رفيق أم شخص قريب منهم؟ وكيف اكتشف النظام المغربي هذه الخلية؟



الوقوع في كمين وألوان العذاب بالمعتقل

حكيمي بلقاسم: أولا يعني اكتشف النظام.. هذه المسألة ليست صحيحة على الإطلاق، أنا لدي أسئلة يعني لا أجوبة لها في هذا الإطار وأعتقد يعني بأن اعتقالنا كان مُدَبر له من طرف جهات كثيرة يعني ممكن أن تكون المخابرات الجزائرية، ممكن أن تكون قيادة حركة الشبيبة الإسلامية وممكن أن يكون هناك نوع من الاختراق يعني في..

سامي كليب [مقاطعاً]: ممكن اختراق في جبهة البوليساريو أيضا.

حكيمي بلقاسم: ممكن في صفوف جبهة البوليساريو وممكن أيضا في إطار حركة الشبيبة الإسلامية، لماذا لا أقول هذا الأمر؟ لأنني حينما اُعتُقِلت في سجن غبيلة بالدار البيضاء أتى المحققون ورأيت صورة أُخذِت لي في مدينة بلعباس الجزائرية، يعني كانت صورة وحيدة بملابس كنت أعرفها كانت لي وقيل لها مَن هذا؟ حتى إنني لم أعرف نفسي من بعد، قالوا يعني بأن هذا أنت، كيف لا تتذكر؟ وتذكرت بأن هذه الصورة أُخِذت لي في مدينة بالعباس، فإذاً كيف انتقلت من أيادي المخابرات الجزائرية ثم من أيادي قيادة حركة الشبيبة الإسلامية إلى قيادة المخابرات؟

سامي كليب: الأسلحة كانت ستُنْقل إلى أين عمليا؟

حكيمي بلقاسم: كانت ستُنْقل إلى مدينة وجدة وبعد ذلك..

سامي كليب [مقاطعاً]: توزع على..

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: كنا ننتظر الأوامر بعد ذلك، الأسلحة في حد ذاتها مشكلة يعني نحن حملنا يعني أربع أو خمس صناديق من الأسلحة يعني إحنا اُعتُقِال بستة عشر رشاش واثنان كيلو جرامات من المتفجرات تي أن تي وبعض الأسلحة الخفيفة، يعني نتساءل حقيقة ماذا كان يمكن أن نقوم بهذه الأسلحة البسيطة؟ هل كنا سنحرر حي من أحياء مدينة وجدة؟ لهذا أقول بأن الوشاية ممكن أن تصدر عن المخابرات الجزائرية مثلا في إطار علاقاتها يعني مع المغرب.. ممكن وأرجح يعني أن تكون هناك صفقة ما بين النظام المغربي وما بين حركة الشبيبة الإسلامية لأن حركة الشبيبة الإسلامية آنذاك كما علمنا بعد ذلك أنها كانت تحتضر يعني في سنة 1985، لم يكن هناك أشخاص كثيرون يتبنون فكر حركة الشبيبة الإسلامية وبالتالي كانت محتاجة إلى إشعاع إعلامي كاعتقالنا وكالمحاكمة التي ستمر بعد ذلك بحيث أن المحاكمة كانت خدمة مجانية لحركة الشبيبة الإسلامية يعني.

سامي كليب: طيب سنصل إليها ولكن كيف حصل الاعتقال عمليا؟

حكيمي بلقاسم: كما قلت لك يعني ابن عمي كان يسبقني وعوض أن يأخذ الطريق المعتاد أخذ طريق آخر.. وجدنا الجنود في انتظارنا، تحدثنا مع الجنود.. تحدثت مع الجنود، قالوا لي ماذا تحمل؟ قلت لهم بعض المواد الغذائية إلى آخره، قالوا لي أنت من مدينة وجدة؟ قلت نعم، قالوا لي أنت ولد بلاد؟ يعني بهذه اللغة.. فبدأت يعني مقايضتهم فبدأت الحوار معهم من أجل أن أعطيهم رشوة يعني بعض الأموال ثم أنسحب، أنا أعرف هذه الأمور يجب أن يكون المبلغ ضئيل لكي.. أنا قلت خمسين درهم وأنا أناقش معهم المبلغ وابن عمي قال نعطيكم مليون يعني مليون فرانك يعني عشرة آلاف درهم، هنا أدركت بأن الأمر سيصبح صعب للغاية، لم نفطن على أساس أنهم أرسلوا شخص ما من أجل استدرك دوريات أخرى وبالتالي تم اعتقالنا يعني منذ تلك اللحظة.

سامي كليب: بدون أي اشتباك بدون أي إطلاق للنار؟

حكيمي بلقاسم: لا حاولنا يعني حاولنا أن نأخذ أسلحتنا، كان هناك مسدس في الخلف حاولت أن آخذه ولكنني لم أتمكن من ذلك.

سامي كليب: اُعتُقل حكيمي بلقاسم ورفاقه، كان النظام المغربي بقيادة الملك الراحل الحسن الثاني قد قرر ومنذ بداية السبعينيات ألا يتهاون مع كل مًن تسول له نفسه قلب النظام فالملك كان قد تعرض لمحاولين انقلابيتين وبات التشدد سيد حكمه وصارت القبضة الحديدية الأمنية والسياسية عنوان الحكم، في هذه الأجواء بالضبط يمكن للمرء أن يتصور كيف ستكون معاملة مًن يُعتقل حامل السلاح، حصل الاعتقال في العاشر من تموز عام 1985 ثم جرت محاكمة سريعة في شهر أيلول/سبتمبر من العام نفسه فيما عُرِفت آنذاك بمحاكمة الدار البيضاء لأعضاء خلية تعددت أسمائها، قيل خلية الجهاد ثم مجموعة بدر أو حركة الشبيبة الإسلامية، وُجِهت تهمة المس بأمن الدولة والاتصال بجهة البوليساريو لستة وعشرين عضو في تلك الخلية وكان نصيب ضيفنا حكيمي بلقاسم حكم الإعدام، فماذا يذكر عن الساعات الأولى لاعتقاله؟

حكيمي بلقاسم: أنا يعني لسنوات طويلة كان لي قميص كانت لا تزال فيه أثار الدم واضحة، أول ما تم اعتقالنا تم تعصيب أعينا تم تقييد أيدينا إلى الوراء إلى الخلف ونقلنا مباشرة إلى (كلمة بلغة أجنبية)..

سامي كليب [مقاطعاً]: ثكنة عسكرية.

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: ثكنة عسكرية وهناك تعرضت لتعذيب جسدي عنيف.

سامي كليب: أي نوع مثلا من التعذيب؟

حكيمي بلقاسم: لكمات، ضرب خاصرات الأسلحة إلى آخره وأتذكر بأنني حاولت يعني هناك فككت القيد وحاولت أن أضرم النار في كل تلك الحافلة وكأنها عملية انتحارية لأننا كنا نؤمن بالمشروع الذي ضحينا من أجله وبالتالي كان همنا الوحيد هو ألا تتسرب معلومات للأجهزة الأمنية يعني وبالتالي كان هناك عنف بحيث هناك صورة يعني لا زالت تلازمني يعني، أُخِذت إلى مرآب يعني في الثكنة العسكرية وأتى أحدهم.. أحد الضباط يعني ضغط على أصابعي بحذائه العسكري الثقيل وضربني بخاصرة البندقية على رأسي وقال بالحرف الواحد يعني بالدارجة المغربية والله معمر ما ممكن تشوف النور يعني لن ترى النور مطلقا فقلت النور هو لله وإذا أخذه يعني فما من مشكلة ولكن أعتقد جزما بأن السلطات المغربية آنذاك كانت تريد أن تلحقنا..

سامي كليب: بتزمامارت؟

حكيمي بلقاسم: بالمختفين السابقين في تزمامارت أو قلعة مكونة إلى آخره ولكن ما أنقذنا حقيقة هو أن المغرب كان يريد أن يرد الصفعة يعني للنظام الجزائري وكانت محاكمتنا في حد ذاتها محاكمة للنظام الجزائري أعتقد هذا..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب هذا طبعا ينفي التهمة إنه الجزائر قد تكون هي التي سللت أو سربت معلومات بالأحرى يعني؟

حكيمي بلقاسم: لا أعتقد يعني التجارب مع المخابرات تجارب معقدة لا تعرف ما هي المصلحة بالضبط في تلك الآونة يعني بالنسبة لهم ممكن أن يكون هناك يعني شخص ما داخل المخابرات الجزائرية له ارتباط بالمخابرات المغربية.

سامي كليب: طيب على كل حال هذا هو ليس الهدف، تقول في ما كتبت في كتابك في الواقع الذي شرحت فيه جزء من معاناتك وهو بعنوان كتابات بدأت من حي الإعدام تقول قضية ليلة عند الجيش أول ليلة تعلمت فيها على جسدي كل صنوف التعذيب، ما الذي حصل في الليلة الأولى للاعتقال؟

"
كان التعذيب رهيب للغاية، فأنا مررت من الجنود إلى الشرطة إلى المخابرات وتعلمت أن هناك أصنافا كثيرة ولكن أؤكد أن الهمجية المطلقة كانت عند الجيش
"
حكيمي بلقاسم: الجنود يعني معروفين بقسوتهم يعني، كان التعذيب رهيب للغاية، أنا مررت من الجنود إلى الشرطة إلى المخابرات يعني وتعلمت أن هناك أصناف كثيرة ولكن أؤكد بأن الهمجية المطلقة كانت عند الجيش، لأول مرة سأقول بأنه هناك تهديد بمحاولة اغتصابي، الحمد لله أنه كان تهديد ولكن في تلك الآونة لم أكن أدرك على الإطلاق، يعني مناضل ومن حركة إسلامية ومن منطقة الكبرياء والأنفة والعزة والشرف بالنسبة لها هو كل شيء قبل الحياة يعني يُصدَم بأن شخص ما فقط لأنه يلبس بدلة ممكن أن يهدده في شرفه وممكن أن يغتصبه، هذا بالإضافة يعني هذا شيء رهيب من الناحية النفسية هذا بالإضافة إلى ما نسميه نحن في المغرب بالفلكة وهي السياط يعني تتواصل على جسدك ضربات من السياط تتواصل على جسدك، هناك أيضا يعني الطائرة والببغاء وهي حركات يعني تقييد الأيدي والأرجل بحيث أنك تكون في وضعية تشبه وضعية الطائرة أو وضعية تشبه وضعية الببغاء وأنت مقلوب يعني مع الخنق بالماء القذر بالمواد للتنظيف إلى آخره، أعتقد بأن لم يكن هناك فقط الرغبة في انتزاع الاعترافات وإنما كان هناك رغبة لإذلال المناضلين.

سامي كليب: والانتقام طبعا، طيب في الحديث عن محاولة أو التهديد بالاغتصاب وهذه طبعا المرة الأولى التي تتحدث فيها قرأت كل ما قلت سابقا ولكنك ذكرت في كتابك إنه في خلال فترة السجن كنت شاهد أو على الأقل تعلم بعملية اغتصاب حصلت لشبان أعمارهم تتراوح بين الثامنة عشر والعشرين.

حكيمي بلقاسم: آه داخل السجن.. داخل السجن هذه، بأشوف المخافر ليست مخافر..

سامي كليب: كانت تحصل داخل السجن؟

حكيمي بلقاسم: أكيد هي مسألة عادية داخل السجون يعني.

[فاصل إعلاني]

حكيمي بلقاسم: السجن يعني آلة جهنمية لتدمير الإنسان بشكل رهيب يعني، في اليوم الأول الذي تدخل السجن تعرف بأنك في أيدي جلاديك، ممكن أن تموت، ممكن أن تفقد شرفك، ممكن أن تفقد عقلك، ممكن أن يٌفعل بك ما لا يمكن أن تتصوره، أنا أول شيء صدمني حينما دخلت حي الإعدام وأنه كان هناك ساحات متفرقة ست ساحات متفرقة ومختلفة وساحة وحيدة لم يكن فيها إلا أطفال أو مراهقين يعني سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرين سنة، لماذا كان هؤلاء المراهقين في ساحة لوحدها؟ هذا هو السؤال يعني؟ هؤلاء الأطفال كانوا..

سامي كليب: لماذا؟ كانوا عرضة للاغتصاب؟

حكيمي بلقاسم: كانوا عرضة للتلاعب الجنسي، للبيع والشراء الجنسي، للامتهان الجنسي، للاحتقار الجنسي، كنت أرى بعيني يعني معتقلين من الحق العام يشترون من الموظفين شخص معين وهو شخص لا حول له ولا قوة، يعني الناس الذين لا يعرفون السجن..

سامي كليب [مقاطعاً]: شخص من الأطفال؟

حكيمي بلقاسم: لا شخص من هؤلاء المراهقين يعني يأتي أمام الباب ويقول أريد هذا الشخص، أنا شاهد على هذا الأمر ودخلت..

سامي كليب: وهو يكون سجين أيضا؟

حكيمي بلقاسم: أكيد سجين يعني محكوم بالإعدام أو مدد مختلفة أخرى ولكن تصوروا معي هذا الرعب وهذا الإرهاب، تصوروا معي هذا الجحيم أن إنسان.. أن معتقل يذهب إلى ساحة ويقول أريد هذا، فقط يعني يعطي الثمن ويبتاع ويشتري شخص هو معتقل لنزواته الخاصة، التعذيب يكون في أي لحظة، لا زلت أتذكر بأن التعذيب كان يكون وكنا مجرد أرقام يعني أنا كان رقمي..

سامي كليب [مقاطعاً]: 23؟

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: 23، في كل مرة في كل لحظة كنت تسمع رقمك إلا وتتصور ماذا يمكن أن يحدث لك وأنت في زنزانتك تسمع صراخ الآخرين، تسمع الأمل الوحيد الذي كنا نعيش به وله في تلك الفترة هي بعض أصوات الأطفال الذين كانوا يلعبون الكرة إلى آخره.



انتحار المعتقلين وانتظار الموت الذي لم يأت

سامي كليب: درب مولاي الشريف، قلعة مكونه، معتقل تزمامارت، أسماء لسجون ومعتقلات مغربية كانت تأكل لحم السجناء وتغسل بدمائهم حيطانها، هناك مات مَن مات وجُن مَن جن وأما الخارجون من تلك السجون الرهيبة فإنهم قالوا أشياء وأخفوا أخرى بقدر ما تسمح به نفسياتهم وقدرتهم على التحمل وقدرة المجتمع على سماع روايتهم وكان أن قرر الملك الجديد محمد السادس إنشاء لجان الإنصاف والمصالحة واستمع المغاربة لروايات السجناء السابقين والناجين من أقبية الموت، أراد الملك بذلك طي صفحة الماضي وإنصاف الذين يحلمون بغد أفضل ولكن ماذا عن الذين قضوا في السجون أو انتحروا على غرار زميل ضيفنا حكيمي بلقاسم الذي انتحر أمامه في زنزانته؟

حكيمي بلقاسم: هو معتقل من معتقلين الحق العام وكان يُدعى وعراب.

سامي كليب: وعراب.

حكيمي بلقاسم: وعراب وكان محكوم بالإعدام وفي ذلك اليوم تناول وجبة الغداء معي وكان يحكي لي أحلامه يعني حينما سيتم إطلاق سراحه سيذهب عند أخيه ليطلب منه كل حقوقه إلى آخره، في المساء طلب من موظف داخل السجن أن يمكنه من المبيت مع شخص آخر مع معتقل من معتقلي الحق العام الآخرين وهذه كان مسألة عادية يعني داخل حي الإعدام أو حي الباب المخصص لمحكومين بالإعدام، رفض ذلك الموظف هدد وعراب وكانت زنزانتي مباشرة لزنزانته هدد بأنه سينتحر، فماذا كان رد موظف السجن؟ قال له إذا أردت أن أشتري لك حبل سأفعل في الحين اعتقاد منه ربما..

سامي كليب [مقاطعاً]: أنه يمزح أو إنه لن ينفذ وعده.

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: أنه لن ينفذ وعده ولكن كيفما كان الحال فهذا يعني بالنسبة لي مسؤوليته مسؤولية واضحة، تلك الليلة لا أعرف لماذا يعني غادر النوم أجفاني، بقيت هكذا إلى أن سمعت الصرخات ورأيت أمام عيني ذلك الشخص وهو يتدلى والحبل يعني ملفوف على عنقه، كان منظر يعني مرعب للغاية، يعني صرخنا بكل قوتنا من أجل أن يأتي الموظف لينقذه، الموظف كان مرتبك لم يعرف ماذا يسمع.

سامي كليب: من أين جاء بالحبل المعتقل؟

حكيمي بلقاسم: الحبل موجود يعني داخل الزنزانة، هناك أحبال كهربائية، هناك حبل من أجل يعني حي الإعدام كان حي صارم ولكن كان هناك بعض الفلتات طبيعي لأن الناس سيقضون حياتهم يعني فترات طويلة من حياتهم داخل هذا الحي داخل هذه الزنازين المظلمة والضيقة وبالتالي كانوا يتدبرون أمرهم، كما قلت لك يعني لا زلت أتذكر ذلك المنظر وكنت كلما وضعت رأسي على الوسادة من أجل النوم إلا وأتذكر وعراب لأنه أولا أخذ وجبة الغداء معي أولا، ثانيا لأنني لا زلت أراه أمامي يتخبط ويصارع الموت إلى آخر لحظة.

سامي كليب: كم كان عمره تقريبا؟

حكيمي بلقاسم: آنذاك سيكون عمره 36، 37 سنة يعني لا يتجاوز الأربعين ولكن الصدمة الكبرى هي إنها أعرف بأنها كان قد كتب شيء ما على جسده ورأيت ضباط الشرطة يدخلون وعاينوا ذلك ولكن هنا كرهت نفسي لأنني آنذاك وجدت نفسي عاجز من أن أصرخ بتلك الحقيقة وأعتقد بأن الصورة المتكررة لوعراب التي تأتيني في كل ليلة هي ربما لهذا السبب لأنني لم أجرأ في ذلك اليوم بأن أقول بأن هذا الشخص قد انتحر لأن هذا الموظف لم يكن مسؤول في تصرفاته، الموت داخل حي الإعدام شيء رهيب ولكنه تقريبا عادي حتى في مزاحنا كنا نتحدث بحكاية الموت، بحكايات التنفيذ الإعدام في الانقلابيين إلى آخره.

سامي كليب: قلت كنت مريض بالقلب، مرضت بسبب السجن؟

حكيمي بلقاسم: أكيد بسبب السجن، كان هناك نوع من ضيق في التنفس يعني ناتج لثقب صغير في القلب ولا أعرف هذا ما قال الأطباء على كل حال.

سامي كليب: على كل حال قرأت أنك تعرضت للكثير من الأمراض.

حكيمي بلقاسم: أكيد.

سامي كليب: خصوصا بعد ثمانية عشر إضراب عن الطعام.

حكيمي بلقاسم: ثمانية عشر أنا أقول بأن هناك أكثر من 24 إضراب لا محدود عن الطعام وأقول يعني أؤكد على أساس أن أمراضي كانت عقاب لي من طرف إدارة السجون بحيث أن كان هناك إهمال طبي مقصود يعني وأنا ممكن أن أحكي لكم عن قصتي مع المرض في الظهر نسميه (كلمة بلغة أجنبية) لا أعرف يعني باللغة العربية ماذا يعني مشكل في فقرات العمود الفقري، مدير السجن عكاشة بالسابق كان يعني يحاول أن يوهم الإدارة العامة للسجون بأنني لست مريض وقال لهم بأنني لست مريض وذهب معه المدير العام لإدارة السجون في نفس المنحى وأخرجوا.. أصدروا بيان نُشر في جريدة البيان الغربية يقول لا يوجد هناك دليل على أساس أن حكيمي بلقاسم مريض بهذا المرض واضطررت للدخول في إضراب لا محدود على الطعام فقط لإجراء فحوصات طبية تؤكد أو تنفي هذا المرض.

سامي كليب: وحصلت؟

حكيمي بلقاسم: وحصلت هذه وأكدت خطورة المرض وأكدت المرض بشكل واضح.

سامي كليب: وعولجت؟

حكيمي بلقاسم: عولجت بعد الدخول في إضراب لا محدود على الطعام، أريد أن أقول بأنني ابتداء من 1998 كان هناك إرادة لقتلي بشكل واضح ومباشر وهنا أتذكر..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب شو السبب يعني؟ هو هذا السؤال يعني، أنا قرأت إنه من العام 1998 حضرتك كتبت شيء وأزعج على ما يبدو السلطة وبالفعل تم التضييق عليك مجدد وأعيدت عمليات ضربك وتعذيبك يعني، ما الذي حصل؟

حكيمي بلقاسم: 1998 أتى شخصين كما قالوا هم مبعوثين مباشرين من الملك الراحل الحسن الثاني، تحدثنا بعض الشيء يعني كان هناك الأستاذ الريسوني وهو نقيب سابق وعضو مجلس التشريعي وكان هناك الدكتور جنون، تناقشت طويلا لأن الأستاذ الريسوني كان يعرفني ويعرف تاريخي ونضالي إلى آخره وكان متعاطف معي بكل يعني بصريح العبارة، الدكتور جنون لم يكن يعرفني دخلنا في نقاش فكري ثقافي إلى آخره أدرك بأنني أكتب في مجلات خارجية وأكتب مقالات كثيرة في المغرب إلى آخره وأنني لست ذلك الشخص الذي أتى يراه يعني بتلك الصورة التي كان يحملها عني، آخر المطاف قال لي هذا كله جيد ولكن ما أتيت من أجله هو أن تكتب رسالة صفح للملك الحسن الثاني، هنا كان ردي عنيف يعني أقولها بشكل صريح.

سامي كليب: ماذا قلت له؟

حكيمي بلقاسم: قلت له قولوا للملك بأنني قادر أن استمر في السجن مائة عام، فهل يثبت هو على موقفه مائة عام؟ ثم قلت لهم قولوا للملك لا يحلم بأنني سأكتب له رسالة في يوم من الأيام.

سامي كليب: طيب تسعة سنوات في حي الإعدام يعني طبعا ممكن لأي شخص أن يتخيل حالة سجين ينتظر تسع سنوات متى سيأتي دوره لكي يُعدَم، كيف كنت تحس بالحياة آنذاك يعني؟ هل كنت تحب أن تعيش أكثر أن تتمتع يعني حتى داخل السجن بما لديك أو بما بقي لديك من وقت قبل أن تُعدَم؟

حكيمي بلقاسم: المشكل بالنسبة لي هو أنني كنت دائما أؤمن بقضيتي وكنت صديق للموت يعني، هناك نوع من الصداقة رهيبة بيني وبين الموت، أنا حينما كان يموت شخص ما كنت اعتبر على أساس أن الموت قد خانني، كنت أؤمن بأن أفضل شيء في الحياة هو الشهادة في سبيل الله، هذا كان اعتقادي آنذاك وبالتالي فكانت هناك كما قلت علاقة حميمة بشكل كبير ولا أدل من ذلك ما بدأنا به الكتاب بيني وبين الموت حيث أنني اعتبر على أساس أننا نحن الذين ننهار ونذهب إلى الموت أم الموت لا يمكن أن يأتي إلينا ما دام هناك إشعاع من الحياة في داخلك.

سامي كليب: طيب الغريب إنه في.. طبعا تحدثت عن الموت وكتبت له نثر وشعر ولكن الغريب إنه حين أُلغي أو تقف تنفيذ حكم الإعدام في المملكة المغربية يعني شخص مثلك كان ينبغي أن يفرح ولكنك حزنت.

حكيمي بلقاسم: كما قلت سقطت علي موجه كبيرة من الحزن لا أعرف لماذا ولكن في قرارة نفسي أعرف هذه أعرف تفاصيل هذه العلاقة الحميمة بيني وبين الموت وكأن كما قلت كان هناك نوع من التعاقد، استغفر الله، بيني وبين الله.. بين الله وبيني يعني، كان هناك وعد من الله لي بأنني لن أموت إلا شهيد في سبيل الله وكأن الحكم بالإعدام كان تاج فوق رأسي.

سامي كليب: كان حكم الإعدام تاج فوق رأسه هو الإيمان لا شك ولكن ربما اليأس أيضا فمن الصعب تصور أن شخص سيبقى طبيعي وهو ينتظر الموت تسع سنوات لحظة بلحظة، تسع سنوات أمضاها الحكيمي بلقاسم في حي الإعدام بسجنه الرهيب واللافت والغريب أني وحين كنت أتصفح كتابه الذي هو عبارة عن ذكرياته وخواطره داخل السجن كان يتغنى بالموت تماما كأنما يكتب لحبيبته.

حكيمي بلقاسم: أيها الموت أيها الجبان تقدم إلي وخد روحي المشرقة بنور الحرية والثورة، أوتستطيع ذلك؟ خدها تقدم يا جبان فأنا أتحداك يا فاني، أين هو؟ أسمعتم رده؟ كلا، إنه الموت ولا شيء غير ذلك، أنا لن أموت نعم لن أموت حتى يخير عزمي وتنطلي علي اللعبة وأؤمن بالخرافة وأعتقد أن الموت يأتيني.

سامي كليب: لم يكتب للموت فقط وإنما كان حكيمي بلقاسم السجين المغربي السابق والذي حاول قلب النظام المغربي بالقوة المسلحة رقيق حتى الشفافية حين يكتب لحبيبته التي كان قد تعرف عليها قبل دخوله إلى السجن، هذه الحبيبة التي وجدها تزوجت بعد خروجه من خلف القضبان، فهي لم تكن تعرف أصلا أنه يحبها حتى ولو كانت لغة العيون آنذاك تحكي الكثير ثم إنه أمضى في السجن ثمانية عشر عام ونصف العام بعد أن خُفِف الحكم عليه من الإعدام حتى المؤبد.

حكيمي بلقاسم: أنتي في حياتي لحظة هاربة، أعرف أني لن أراكي ثانية ولكن ليس مهم أن أراكي أو ألا أراكي، ليس مهم لأنك ستظلين في ذاكرتي حلم جميل وشم على صفحة الماء يذهب بكي البحر بعيد دون أن تراوحي مكانكي مني، إنك لحظة انتباه خالدة وشرود طويل يميل، سأظل طوال حياتي أسبح في عينيكي، سأظل أبحث عن بعض ملامحكي في غيرك دون أن أجدها.

لحظة الخروج من السجن والعيش بمفهوم جديد

سامي كليب: في السجن تعلم حكيمي بلقاسم الكثير، هدأت في نفسه نزعه العمل المسلح وصار ينظر للحياة من منظور آخر، تعلم ودرس ونال إجازة بالحقوق وكانت سيارة الشرطة تنقله إلى الجامعة ليقدم الامتحانات وراح قضيته تكبر في أوساط الرأي العام العالمي وبين المدافعين عن حقوق الإنسان فاقترح البعض عليه أن يطلب العفو من الملك الحسن الثاني فرفض ولكن كتب بالمقابل للملك الجديد محمد السادس والملك أجابه برسالة لطيفة وخرج من السجن حيث كانت الوالدة بالانتظار.

حكيمي بلقاسم: أول لقاء مع الوالدة كان شيء رهيب يعني أنت تنظر في عيني والدتك كل ما لا يمكن أن تقوله، ترى الفقر، ترى الحرمان وترى الحزن الذي لا يريد أن يعبر عن نفسه، أنا أعرف بأن الوالدة كنت صدع يعني وجه آخر قبل أن تأتي لزيارتي، كانت دائما هي القوية بحيث كان يمكن أن أرى انهيار الوالد وانهيار الأخوات وانهيار الأخ ولكن لا ترى على الإطلاق انهيار الأم ولهذا كما قلت لك بدأت حكاية أخرى مع الوالدة.. حكاية مختلفة، يعني حكاية حب كبيرة مع الوالدة وربما هذا هو السبب الوحيد الذي جعلني أكتب لكل أفراد العائلة ولا أكتب كثير للأب كما لا أكتب كثير للوالدة.

سامي كليب: تذكر حين أُفرج عنك والتقيت والدتك؟

حكيمي بلقاسم: أكيد يعني كل المغاربة يعني.. المغاربة يوقفوني في الشوارع إلى اليوم ويتذكرون ما قالته الوالدة، أنا كنت خائف ذلك اليوم يعني، إطلاق سراحي كان مسألة عادية بالنسبة لي، أُطلق سراحي.. لم أكن أفهم حقيقة ما معنى أن يُطلَق سراحي بعد ثمانية عشر سنة ونصف من الاعتقال ولكن ما أرعبني حقيقة حينما كنت أنا الذي أذهب إلى محطة القطار لكي استقبل والدتي وأختي الآتيتين من مدينة وجدة، أنا كانت في صورتي.. في ذهني كانت صورة لشقيقة أخ كان معنا في مجموعة أخرى من مجموعات المعتقلين الإسلاميين حيث أنها جُنَت حينما رأت أخاها الذي كان غادر البيت منذ سنوات طويلة وكنت أخاف، حينما رأيت عين والدتي انهرت، أنا كل ما كان يهمني في تلك اللحظة أن تمر تلك اللحظة بسلام لأنني أستطيع أن أقول لكم أنها لحظة قاسية ولحظة من الناحية النفسانية لحظة رهيبة للغاية، مرت تلك اللحظة لم أنم في تلك الليلة لم تنم أمي الكل في مكانه كان يريد يعني يقول للآخر بأنه نائم ولكن كانت أعيننا مفتوحة وثم في الغد ذهبنا مع بعض الأصدقاء والأقارب إلى مدينة وجدة وهناك أيضا كان احتفال شعبي رائع إلى آخره.

سامي كليب: ماذا قالت الوالدة حين أُفرِج عنك؟

حكيمي بلقاسم: قالت لقناة مغربية بالنسبة لي وُلِد ولدي اليوم.

سامي كليب: ولد حكيمي بلقاسم من جديد بعيني أمه ولكن هل أن مَن أمضى نصف عمره في السجن يستطيع أن يُولد فعلا من جديد أم أنه يخترع لنفسه وهم أو حلم يحاول فيه أن يقفز على مشاكل الحياة.

حكيمي بلقاسم: اليوم أستطيع أن أقول بأنني يائس حقيقة يعني يائس من تلاوين الحياة، من هذا المنطق الغريب الموجود الآن في الحياة يعني، أقول بكل صراحة صعب عليَّ أن أقول بأنني أبني حياتي من جديد وإذا قلت ذلك فأنا أكذب لأن الجرح لا يزال في داخلي ولا يزال الحلم في داخلي وأستطيع أن أقول بأن الدولة ومنظمات المجتمع المدني لا تساعد على الإطلاق في أن يعود المعتقل السياسي الذي أمضى حياة طويلة داخل السجن لكي يعود إلى الحياة، في الحقيقة لا يفعلون أي شيء على الإطلاق، في كثير من الأحيان أنت تضطر لقراءة سياسية معينة، أنا كنت ضد الملكية الآن أقول بأنه كان ذلك فكر استبياني كان فكر بسيط يعني.

سامي كليب: واليوم؟

حكيمي بلقاسم: الملكية التاريخية موجودة داخل المغرب، أقول بأن لنعكس السؤال إذا ذهبت الملكية الآن في المغرب أي بديل سيكون لنا؟ هل بديل يساري؟ وهو متشردم إلى آخره أم البديل الإسلامي؟ بكل صراحة أن تحكمني العدل والإحسان، أقول لك هنا حقيقة سأكون خائف إن حكمتنا العدل والإحسان بتفكيرها الموجود الآن بكل صدق يعني الملكية الآن تحدث نفسها في إطار تحديث يعني الملكية وتطور نفسها ولكن كما قلت أنا بالنسبة للملك نعم أنا مع الملك حقيقة ولكن يجب أن تكون هناك مبادرة شجاعة كما يقول الناس يجب الالتفات حقيقة إلى الشارع، يجب أن يكون في محيط الملك يجب أن يكون هناك ناس ليسوا نخباويين، ناس من أبناء الشعب المغربي ممكن أن يؤدوا بهذا التغيير البسيط الموجود الآن إلى تغيير حقيقي وأعتقد يعني كما أقول دائما بأنه من الأحسن للملك ألا يتبع محيطه في إطار مخزنة هذه النخب لأن المخزنة ستكون مصالحها ضيقة أو لفترة قصيرة في حين أن..

سامي كليب [مقاطعاً]: في مخزنة لكي يعرف المشاهد العربي إنه اتباع كل هؤلاء بالعرش بالمخزن مثلما قلت.

حكيمي بلقاسم [متابعاً]: تماما، إذاً وبالتالي أعتقد بأن إذا كان لنا نفهم المعوقات نفهم الإكراهات نفهم بأن صعب أن تحكم المغرب اليوم في إطار المتغيرات الوطنية والمتغيرات الدولية في إطار عدم وجود بديل حقيقي ولكن أقول بأن إمكانية التغيير موجودة وهي قد انطلقت فعلا.

سامي كليب: حين خرج حكيمي بلقاسم من السجن كان خَلَّف وراءه الكثير من النقاشات الفكرية التي حفلت بها الصحف المغربية، كانت تلك النقاشات سابَّقة في إعادة قراءة الفكر الإسلامي من جهة وترسيخ فكرة الحوار من جهة ثانية وحكيمي بلقاسم المتمتع بلغة خطابية وإنسانية واجتماعية جيدة وتجربة نضالية طويلة حتى داخل السجن ومن أجل السجناء يجد نفسه اليوم مهتم بشؤون إنسانية بينها تحسين ظروف حياة السجن في المغرب ولكنه بين الحين والآخر يهرب من زحمة الحياة ومن تكالُب السياسة والسياسيين ويتجه صوب البحر.. هذا البحر الذي طالما كان يحلم بلقائه وهو خلف القضبان والذي ربما وحده اليوم يحفظ جزء كبير من أسرار حياة مات نصفها في السجن ويحاول نصفها الآخر البحث عن سعادة تبدو مستحيلة.