- أسباب إقدامه على الحديث عن عملية ميونخ
- دور الخطيب والرسالة التي نقلها للفدائيين
- الموقف الألماني من مطالب الفدائيين والتعامل معهم
- الجامعة العربية والتحرك بعد المجزرة
- الخطيب وزيارة أهل مصالحة وفيلم سبيلبيرغ

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة، حُكِي الكثير حتى اليوم عن العملية الشهيرة التي نفذها فدائيون فلسطينيون عام 1972 ضد رياضيين إسرائيليين، لكن الغريب أنه حتى اليوم لم يُسئل الشخص الوحيد الذي فاوض بين الفلسطينيين والسلطات الألمانية.. إنه الدكتور محمد الخطيب المدير السابق لمكتب الجامعة العربية في بون يتحدث للمرة الأولى إلى تلفزة عربية وقد التقيناه في أحد المقاهي العربية في باريس.

أسباب إقدامه على الحديث عن عملية ميونخ

محمد الخطيب: قررت الحديث اليوم عن عملية ميونخ لإحقاق الحق ولإعطاء صورة حقيقية عما جرى في المفاوضات مع الطرف الفلسطيني والألماني لأن هناك أقوالا لم تكن صحيحة قد صدرت من هذا الجانب أو من ذاك وخصوصا في الأفلام ولأن هذا الحدث بقناعتي هو أهم حدث جرى في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إذا ما استثنينا وحدة أو عودة الوحدة بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الاتحادية وكذلك قررت اليوم أن أقول كلمة حق بحق هؤلاء المناضلين الذين قضوا نحبهم في ميونخ نتيجة لهذا العمل.

سامي كليب: عن طريق الصدفة التقيت الدكتور محمد الخطيب، فالدبلوماسي السابق في الأمم المتحدة كان انتقل من العمل الدبلوماسي إلى حقل التدريس في كلية الحقوق بدمشق حين هجر السياسة وأهلها وربما لم يعد أحد باستثناء بعض رفاقه القدامى يعرف أن الرجل كان مديراً لمكتب الجامعة العربية في بون حين اهتزت ألمانيا والعالم بنبأ العملية الفلسطينية الشهيرة في ميونخ باسم منظمة أيلول الأسود، اتصل بي صديق قائلا إن محمد الخطيب موجود في جنيف لفترة قصيرة وإنه سيمر على باريس فكان اتفاق على هذا اللقاء وكان سؤال عن سبب عزمه اليوم على الكلام بعد صمت طويل.

"
قررت الحديث عن عملية ميونخ التي قام بها بعض الفدائيين الفلسطينيين لإحقاق الحق ولإجلاء الصورة عن العملية بعد ما لحقها من تشويه
"
محمد الخطيب: في واقع الأمر كنت أستمع إلى الراديو وعلمت بما جرى في ميونخ عن طريق الراديو وعندما كنت أسمع الأخبار أدركت مباشرة أنهم سيستدعوني إلى الخارجية وما هي إلا دقائق حتى رن جرس التليفون وكان على الخط الآخر السفير المرحوم كورت مولر وقال لي نرجوك أن تحضر إلى الخارجية، فذهبت على الفور وعندما وصلت هناك قال لي إن وزير الخارجية وولتر شيل سيكون ممتنا لو قبلت أن تأتي معنا إلى ميونخ لكي تحاول أن نجد.. تحاول معنا لكي نجد حلا سلمياً لهذه الحادثة التي بدأت اليوم في ميونخ.

سامي كليب: قرر محمد الخطيب الكلام بعض صمت دام 33 عاماً عرف خلالها محطات سياسية عديدة فهذه صوره مثلا في ألمانيا تشهد على سعة علاقاته مع كبار المسؤولين الألمان حين كان دبلوماسيا في بون وهذه صوره مع كبار مسؤولي المملكة العربية السعودية ولكني وجدت للرجل أيضاً مقالات لم تكن تحمل توقيعه كان يكتبها حين عمل أميناً عاما لوزارة الإعلام في سوريا فحينها تسبب بقطع العلاقات مثلاً مع المملكة المغربية بسبب دفاعه عن صديقه ورفيقه المغربي الشهير القيادي اليساري الفز المهدي بن بركة، مقالات أزعجت العرش المغربي بعد اغتيال المناضل اليساري الكبير ولكن كل هذا التاريخ شيء وقصة ميونخ شيء آخر وهذه القصة من بدايتها.

محمد الخطيب: أنا عندما وصلت لم أتردد في قبول المهمة على الرغم من أنني كنت أعرف الصعوبات في ذلك والسبب في ذلك هو أنني كنت أدرك بحكم إقامتي في ألمانيا ماذا سينتج عنها من أضرار للعرب عندما ستُستَغَل وقلت أنه يجب أن نكون هناك لكي لا يقولون أننا تأخرنا وأننا بالتالي مسؤولون عما جرى في ميونخ وأتذكر بأنني حاولت الاتصال ببعض السفراء العرب لكي أخبرهم فلم أجد سوى سفير لبنان المرحوم كسروال لبكي وعندما علما بأنني قبلت قال لي هذا عمل جنوني كيف تقبل في أن تذهب إلى بون يا محمد؟

سامي كليب: ليش؟ شو السبب؟

محمد الخطيب: تعرف أن الدبلوماسيين يجب أن يستشيروا بلادهم قبل.. وهذه عملية خطيرة وقلت له لابد أن يكون من بين فدائي وأنا سأقوم بهذه لأنني أتوقع ماذا سيجري لنا إن إحنا رفضنا أن نلعب دوراً في هذه القضية.

سامي كليب: لم تكن حادثة وإنما كانت العملية حدثاً هائلا، آنذاك كان الفلسطينيون يفكرون بالقيام بعملية يكون لها صدى إعلامي كبير وكانت اللجنة الدولية للألعاب الأوليمبية قد رفضت اشتراك فريق من الرياضيين الفلسطينيين في تلك الألعاب الأوليمبية في ميونخ، شعر الفلسطينيون أنهم مهمشون فحتى الرياضة هم محرومون منها، شكلت الألعاب الأوليمبية فرصة تاريخية لإسماع صوت فلسطين، هندس أبو إياد خطة جهنمية تقضي بإرسال فدائيين بثياب رياضية لاحتجاز كل الرياضيين الإسرائيليين، جرت مراقبة القرية الأوليمبية في ألمانيا لعدة أيام وحين تأكد الجميع من إمكانية النجاح ذهب محمد مصالحة قائد العملية ومعه رفيقه يوسف نزال المعروف بتشي إضافة إلى ستة فدائيين آخرين فهاجموا المقر واعتقلوا جزء من الإسرائيليين وقتلوا أحدهم بعد ما حاول إعاقة عملهم، فقد كانت التعليمات الأولى لهم تقضي بألا يقتلوا أحدا وإنما بأن ينقلوا الرهائن الإسرائيليين إلى مصر لمبادلتهم بالمعتقلين الفلسطينيين القابعين في سجون إسرائيل، كان ضيفنا إذا مدير للجامعة العربية وكُلف بالتفاوض وذهب محمد الخطيب مع أحد المسؤولين الألمان من بون إلى مكان العملية الشهيرة.

محمد الخطيب: الذي رافقني هو السفير مولر وذهبت في هليكوبتر معه إلى مطار قريب في كولونيا ومن هناك أخذنا طائرة قيل لي أنها طائرة المستشار برانت وذهبنا إلى المطار الحربي في ميونخ ومن هناك أخذنا طائرة هليكوبتر أخرى إلى مقر حيث كان وزير الداخلية للقرية الأوليمبية وجرى حديث طويل في الطائرة..

سامي كليب [مقاطعاً]: وزير الداخلية كان هانز غينشر.

محمد الخطيب: وزير الداخلية ثم أصبح فيما بعد وزير الخارجية، كورت مولر كان يتميز بشيئين هامين؛ أولا كان مسؤولا عن العلاقات السياسية مع العالم العربي وبالتالي فهو يعرف قضية الشرق الأوسط جيدا، ثانيا أخبرني أن أول دبلوماسي.. أول منصب دبلوماسي له في خارج بون كان في دمشق وبالتالي فمعرفته بقضية الشرق الأوسط معرفة جيدة جدا ولذلك حدثته في الطائرة من جملة ما أتذكر أنني قلت له أنني سأحاول جهدي لكي نجد حل سلميا لكن حذرته بأن الإسرائيليين لن يقبلوا على الإطلاق وسياستهم قائمة على عدم التنازل في أي شيء وقلت أكثر من ذلك أنهم قد لا.. قد يرحبون في أن يروا دما إسرائيليا أو دما يهوديا جديدا يسيل على الأرض الألمانية لكي يستغلوا هذا الموضوع مرة أخرى لكي يواصلوا ضغوطهم على الحكومة الألمانية من أجل مزيد من المساعدات الاقتصادية والسياسية أيضا.



دور الخطيب والرسالة التي نقلها للفدائيين

سامي كليب: طيب وصلت إلى طبعا القرية الأوليمبية، كان على ما يبدو الإنذار ولكن لم أفهم إذا كان الإنذار الأول ولا الثاني سينتهي بعد ثلث ساعة تقريبا بالضبط وبدأت الاتصالات حثيثة بينك وبين وزير الداخلية هانز غينشر من أجل نقل رسالة إلى الفلسطينيين.. الفدائيين الفلسطينيين الذين كانوا بدؤوا فعلا بربما نوع من التوتر لأنه قُتِل كان أحد الإسرائيليين وبدأت الإعلام يسلط الضوء على هؤلاء الفلسطينيين وعلى الرهائن الإسرائيليين، في هذه اللحظة حضرتك توليت نقل الرسالة وحتى الآن حُكِي الكثير عن هذه الرسالة، البعض يقول أنك نقلت عرضا ماليا البعض الآخر يقول أنه لا نقلت رسالة فيها أسماء بعض السجناء والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ما الذي جرى؟ وما هي الرسالة التي نقتلها إلى الفدائيين؟

محمد الخطيب: أنا مباشرة دخلت ورحب بي وزير الداخلية وشكرني على القدوم وكان يحيط به مسؤولون كبار أتذكر منهم وكيل وزارة الخارجية في ذلك الوقت فون براون وهو بالمناسبة أخ..

سامي كليب [مقاطعاً]: شقيق العالم..

محمد الخطيب [متابعاً]: شقيق العالم الكبير صانع الصاروخ الأميركية وكان هو المترجم بيني وبين غينشر فغينشر كان لا يعرف الفرنسية ولا الإنجليزية ولذلك هو كان يترجم بيني وبينه ومباشرة بدأ قال الإنذار سينتهي بعد دقائق ونرجوك أن تذهب إليهم ونحن نعرض عليهم الخروج بسلام من ألمانيا وسنعرض عليهم كذلك مبلغا من المال نتفاوض عليه سوية.

سامي كليب: لم يحدد المبلغ.

محمد الخطيب: لا لم يحدد المبلغ طبعا وعندما قال لي ذلك قلت له سيادة الوزير أنا لم أعرف ماذا جرى بينك وبينهم، لكنني أعتقد بأنهم لم يأت هؤلاء الناس من أجدل المال وثانيا لو كانوا ينشدون السلام فقط لما غامروا بمثل هذه المغامرة، فما الذي جرى بينك وبينهم وما هي مطالبهم؟ عند ذلك أراني قائمة قال لي هذه قائمة بأسماء السجناء وأذكر.. أعتقد كانوا مائتين وخمسين سجين..

سامي كليب [مقاطعاً]: مائتين ستة وثلاثين.

محمد الخطيب: ذكر لي حوالي مائتين خمسين على.. قال لي أنهم يطلبون إطلاق سراحهم، قلت هنا نستطيع أن نتكلم، قال لي لكنهم ليسوا موجودين في ألمانيا هؤلاء في سجون إسرائيلية، قلت له يمكن أن نتكلم مع هؤلاء بأن يعطوا مزيد من الوقت لكم لكي تتصرفوا مع الإسرائيليين.

سامي كليب: كان الألمان وتحديدا غينشر وديين معك في خلال الحديث؟ كيف كانوا ينظرون إلى هؤلاء الفدائيين؟

محمد الخطيب: لا أنا شعرت يعني هذا الكلام سنأتي بعد.. شعرت فيما بعد على أنهم كانوا مهتمين فقط في تأجيل الإنذارات وليس في.. لم يفاوضونا من أجل الحل السلمي على الإطلاق، يعني هذا ما ظهر واعترفوا هم عندما انتهت هذه العملية في الكتاب الأبيض الذي نشرته الحكومة الألمانية اعترفوا على أن المفاوضات كانت تجري مع السفير الإسرائيلي الذي كان موجود في البناء ومع الحكومة الإسرائيلية، أما مع الجانب العربي..

سامي كليب [مقاطعاً]: حضرتك في خلال المحاولات الأولى لم تلتق السفير الإسرائيلي، طبعا كان ممنوع اللقاء، أنت لم تلتق به؟

محمد الخطيب: لا أبدا.

سامي كليب: لم تلحظه؟

محمد الخطيب: لا لم ألحظه ولا يمكن أن التق به لأن هذا كان غير.. والألمان جماعة يعني ناس يعرفون ذلك تماما ولذلك لم يحاولوا على الإطلاق في أن.. ولو حاولوا لفشلوا في مثل هذه المحاولة.

سامي كليب: كُلفت بالذهاب للقاء الفلسطينيين؟

محمد الخطيب: نعم يرافقني السفير ووكيل وزارة الخارجية ونزلنا إلى الطابق الأرضي وعندما وصلت إلى الطابق الأرضي وكان يحيط بنا مدير شرطة ميونخ وإذا على ما أتذكر وزير داخلية بافاريا كذلك، وجدت أن هناك جنود يتمركزون وراء عواميد فتذكرت موضوع قصة اللد، مطار اللد عندما خُطِفت طائرة إلى مطار اللد واستغل الإسرائيليون.. استغلوا وجود الصليب الأحمر ودخلوا إلى الطائرة وقتلوا الخاطفين.

سامي كليب: عملية اللد التي يتحدث عنها ضيفنا مدير مكتب الجامعة العربية سابقا في بون محمد الخطيب كانت قد وقعت عام 1972 حيث خطفت مجموعة فلسطينية بقيادة علي طه طائرة سابينا إلى مطار اللد في إسرائيل وانتهت العملية بمجزرة حين داهمتها قوات الأمن الإسرائيلية وأما الإشكال الذي حصل مع الصليب الأحمر الدولي فهو ما قالته إحدى فدائيات العملية السيدة تيريز هلسه في إحدى الحلقات السابقة لبرنامجنا حيث أكدت أن إسرائيل استغلت الصليب الأحمر واستخدمته لتنفيذ الهجوم الذي قُتل فيه فدائيان ونجت فدائيتان وبينهم طبعا هلسه نفسها وبعد الحلقة جاءتنا رسالة من الصليب الأحمر تنفي هذه المسؤولية وتؤكد أن الصليب الأحمر الدولية منظمة محايدة وتشرح أن ما حُكي من دور عن الصليب الأحمر في مطار اللد عارٍ تماما عن الصحة وأن بيانا كان قد صدر في حينه لنفي ذلك ولا يزال العرب مقتنعين بحصول خدعة لدخول الإسرائيليين إلى الطائرة وحصول المجزرة، لنعد إذاً محمد الخطيب إلى عمليات ميونخ.

محمد الخطيب: في ذلك الوقت على حد علمي لم يكن الصليب الأحمر قد أصدر بيانا حول هذا الموضوع فيما بعد ربما أوضح هذه القضية لكن في ذلك الوقت..

سامي كليب [مقاطعاً]: صحيح كان بعد أصدر بيانا وأوضح فيه الأمر..

محمد الخطيب [متابعاً]: بقي في ذهني أن منظمة ما اُستغلت من أجل قتل الخاطفين وعند ذلك شعرت بالمسؤولية فتوجهت إلى السفير الذي رافقني وقلت له أنا أريد منك أن تقول لي باسم الحكومة الألمانية أنك تضمن عدم اعتداء على هؤلاء الشباب طالما نحن نتحدث هنا أو على الأقل طالما أن التأجيل.. يعني لا تستغلوا التأجيل من أجل ضربهم، فقال لي لا هذا تحصيل حاصل دكتور الخطيب، قلت له لا أنا لا أعرف هؤلاء الناس فذهب إلى وزير الداخلية ومدير الشرطة وعاد إلي وقال بشكل يعني رسمي إنه أنا السفير الفلاني أتعهد لك باسم الحكومة الألمانية على أنه لن يجري اعتداء عليهم طالما نحن هنا نتفاوض معهم.

سامي كليب: وكنت حضرتك المفاوض العربي الوحيد لأنه ذُكِر إنه كان بين أعضاء اللجنة الأوروبية كان موجود شخص مصري؟

محمد الخطيب: لا ربما قبل أن آتي ربما عرض رئيس الوفد المصري في أن يتكلم عن الفدائيين لكن بالفعل..

سامي كليب [مقاطعاً]: الوفد الرياضي المصري..

محمد الخطيب [متابعاً]: الوفد الرياضي ولكن عندما لا أعتقد أنه بناء على طلب الحكومة الألمانية أتصور ولكن بذل جهدا نحن ذكرناه كذلك في البيان الذي أصدره السفراء العرب فيما بعد وعندما ذهبت تقدمت إلى الأمام شاهدت هذا الشاب كان أُطلِق عليه اسم عيسى واكتشفنا فيما بعد على أنه محمد المصالحة الله يرحمه..

سامي كليب [مقاطعاً]: محمد المصالحة فقط للإيضاح يعني كان هو الذي عُين المسؤول السياسي عن هذا الفريق الفلسطيني المهاجم.

"
كان قائد المجموعة الفدائية واثقا من نفسه وذا جرأة ورباطة جأش ويتحدث وكأنه صاحب سلطة وقرار ولم ألمح فيه حالة ارتباك
"
محمد الخطيب: نعم فعندما وصلت قدمت نفسي له وأول سؤال بادرني فيه قال لي أنت منين؟ من سوريا؟ قلت له أنا من طرطوس فلأول مرة أذكرها قال لي نحن جيران..

سامي كليب [مقاطعاً]: طيب دكتور محمد يعني حضرتك عربي وقادم من دولة يعني لها مواقفها التاريخية في هذا الصراع العربي الإسرائيلي حين وصلت ورأيت قائد المهاجمين الفلسطينيين، كيف شعرت أمامه شعرت بأنه فدائي مناضل أم إنه إرهابي جاء ليفجر في ألمانيا؟

محمد الخطيب: والله أنا شخصيا لا أعتبره إرهابي، أنا شخصيا لم اعتبره وعندما نتحدث في هذا الموضوع في صلب الموضوع سأقول لك أن هذا الرجل لو كان إرهابيا كان بإمكانه أن يقضي على هؤلاء الناس يقتلهم ويسلم نفسه وينقذ حياته وحياة رفاقه دون أية مسؤولية بدليل على أن القانون الألماني وهو يعرف ما يحكم بالإعدام، ثانيا أن رفاقه الثلاثة الذين نجوا من الحادثة أُطلِق سراحهم بعد أشهر، عندما ذكرت له مباشرة.. عندما سمع مني من أين أتيت من أين أنا من أي مدينة في سوريا على الرغم من التوتر الشديد رأيت نصف ابتسامة ارتسمت على محياه وبالتالي شعرت أن هناك بداية ثقة بيني وبينه قد بدأت وأنا كنت صريحا معه، قلت له ماذا جرى مع الوزير وحدثته عن جوابي للوزير، كيف أنهم لم يأتوا من أجل مال ولا من أجل السلام فقط وعن اللائحة قال لي جوابك له هو بالفعل جوابنا، نحن أتينا من أجل عمل إنساني من أجل إنقاذ زملائنا في السجون الإسرائيلية وإذا..

سامي كليب [مقاطعاً]: كيف وجدته؟ هل كان مرتبكا هل كان واثقا من نفسه؟

محمد الخطيب: كان واثقا من نفسه وجراءة ورابط الجأش وكان يتكلم يعني صاحب سلطة وصاحب قرار ولم يكن.. لم أجد أنه كان مرتبكا على الإطلاق أبدا.

سامي كليب: هو الوحيد الذي شاهدته من بين الخاطفين الفلسطينيين؟

محمد الخطيب: هو الوحيد الذي تحدثت إليه لكن رأيت شخصا آخر كان موجود على البلكون في الأعلى لكن لم أتحدث إليه.

سامي كليب: ربما كان يوسف نزال الذي كان معروف باسم تشي لأن هو كان..

محمد الخطيب [مقاطعاً]: ربما كما قيل لي كأنه كان في الجزائر وكذا قيل لي فيما بعد.

سامي كليب: وهو كان الشخص الثاني الذي كان من المفترض أصلا أن يقود أيضا هذه المجموعة، طيب قلت له إذا ما أبلغته للألمان من إنه لم يأتوا من أجل المال وإنما من أجل اللائحة الفلسطينية.. لائحة السجناء الفلسطينيين في المعتقلات الإسرائيلية، توقف الحوار هنا؟

محمد الخطيب: لا لم يتوقف قال لي كما ذكرت قال لي إن لم يفاوضونا في هذا الموضوع ويطلقوا السراح فنحن سنُضطر إلى قتل هؤلاء أمام وزير الداخلية والسفير الإسرائيلي الموجود في بون وسألني عما جرى، ماذا رأيت في ال.. قلت له أنني أخذت الضمان له حول أمنه وذكرته بموضوع اللد ولكن قلت له إن هذه مسؤوليته، أنا قمت ما يفرض عليّ الواجب في أن أقوم به من ضمانة قدمها لي السفير مولر باسم الحكومة الألمانية وخبّرته بذلك..

سامي كليب [مقاطعاً]: ونصحته بألا تتكرر عملية اللد يعني إلا يُخدعوا .

محمد الخطيب: لا أنا مباشرة هذا كان في اللقاء الثاني الأخير رددت له هذا الأمر مرتين لأنني قابلته مرة ثانية مع السفير التونسي محمود مستيري..

سامي كليب [مقاطعاً]: مستيري، طيب خلينا في المرة الأولى، إذا اللقاء توقف عند هذا الموقف.

محمد الخطيب: نعم وقال لي أنا أعطيهم ساعة فمدد..

سامي كليب [مقاطعاً]: كم كانت الساعة آنذاك؟

محمد الخطيب: كانت حوالي.. كانت لم ينتهي الإنذار، كان تقريبا على مشارف الانتهاء حوالي الساعة 12 فأعطهم ساعة أخرى حتى الساعة الواحدة بعد الظهر.

سامي كليب: إذا 12 هو الإنذار الثاني؟ كان لأنه كان المفترض أنه الإنذار الثاني.

محمد الخطيب: ربما كان الإنذار الثاني، لكن..

سامي كليب [مقاطعاً]: لأنه كان المفترض الإنذار الثاني ينتهي عند الواحدة على ما اعتقد ظهرا.

محمد الخطيب: تماما هذا هو الإنذار .. هو التأجيل الذي حصلت عليه منه مباشرة هو وأخبرني في ذلك الوقت كذلك، قال لي قتلنا نحن شخصا إسرائيليا وهناك آخر جريح ويمكن أن تقول للوزير أننا اضطررنا للعمل لأننا لم نأت لنقتل وإنما لأنهم قاوموا فيجب..

سامي كليب [مقاطعاً]: عرفت كيف قتل خبّرك كيف قُتِل؟

محمد الخطيب: لا لم يخبرني، قال لي أنه حاول المقاومة فاضطررنا لقتله والشخص الثاني جُرح كذلك بسبب المقاومة لكنه أكد لي أنهم لم يأتوا للقتل وإنما من أجل موضوع إنساني لإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين.

سامي كليب: عدت وحاورت وزير الداخلية الألماني، شو حصل فيما بعد؟



الموقف الألماني من مطالب الفدائيين والتعامل معهم

محمد الخطيب: لا لم.. عمليا سمع وسر كما شاهدت في أن التمديد قد تم وهذا ما فسح له المجال في أن يأخذ وقتا جديدا لكي يفكروا بما يجب أن يعملوه ولم أراه فيما بعد وكنت في غرفتي محاطا بمسؤولين وزارة الخارجية فون براون ومولر وبلغني فيما بعد ونحن موجودون على أن وزير الداخلية ذهب لزيارتهم واستطاع أن يحصل على ساعتين.

سامي كليب: طب الغريب دكتور محمد الخطيب يعني حضرتك كُلفت من قِبَل الألمان بالذهاب للتفاوض مع الفدائيين الفلسطينيين عدت نقلت المطالب بشكل رسمي والإنذار ومن خلف ظهرك ذهب وزير الداخلية ليفاوض معهم مرة جديدة، ما الذي حصل يعني لماذا لم يُعتمد عليك في استكمال أو إكمال هذا النوع من التفاوض مباشرة؟

"
الألمان لم يكونوا جادين في البحث عن مطالب الفدائيين وإنما كانوا يسعون لتمديد المهملة لتدبير طريقة ما لإنهاء العملية
"
محمد الخطيب: السبب كما أتضح فيما بعد وهو واضح هو أنهم لم يكونوا جادين في بحث المطالب الفدائية على الإطلاق ورأوا على أنهم يمكن أن يتصلوا بهم مباشرة طالما أنهم لا يريدون أن يحاوروا حول الحل، المشكلة أنهم لم يحاورونا حول الحل حاورونا الألمان لكي لتمديد الإنذار ولا أتذكر بأنهم على الإطلاق حدثونا عن حل هذا الأمر وكنت أشير إلى خطورة هذا الموقف مع كما ذكرت المسؤولين في الخارجية الألمانية الذين كانوا موجودين في غرفتي في المقر.

سامي كليب: مولر ورفاقه؟

محمد الخطيب: نعم.

[فاصل إعلاني]

 

سامي كليب: كانت ألمانيا آنذاك تسعى للحصول من الفدائيين الذين نفذوا عملية احتجاز الرياضيين الإسرائيليين في قرية الألعاب الأوليمبية في ميونخ عام 1972 على مزيد من الوقت، نجحت في إقناعهم أكثر من مرة بتأجيل تنفيذ إنذارهم بقتل الإسرائيليين ووفق رواية أبي داوود الذي كان أحد مهندسي العملية مع أبي إياد فإن التعليمات التي كانت معطاة إلى الفدائيين كانت تقضي بعدم قتل أي إسرائيلي أو فتح النار إلا في حالة الضرورة القصوى وإن من الأفضل تمديد فترات الإنذار ولكن لم يكن أحد يحسب ربما أن ألمانيا سوف تخضع لطلب جولدا مائير بعدم ترك الفدائيين يغادرون ألمانيا حتى ولو قُتِل الإسرائيليون ورغم أن ضيفنا الدكتور محمد الخطيب كان يشعر بقرارة نفسه بأن ثمة مأساة قد تحصل إلا أنه أكمل التفاوض بغية تفادي المجزرة فذهب للقاء محمد مصالحة ورفاقه الفدائيين مرة ثانية ودخل معه على الخط.. خط التفاوض آنذاك عميد السلك الدبلوماسي العربي في بون السفير التونسي محمود المستيري.

محمد الخطيب: تحدثت مع فريق الخارجية قلت لهم هنا يوجد في ميونخ السفير المستيري الذي هو عميد السلك ويمكن أن تتصلوا به ويمكن أن يأتي فاتصلوا به وأتى عند ذلك ذهبت لمقابلة غينشر مرة أخرى مع السفير المستيري..

سامي كليب [مقاطعاً]: هذا قبل الذهاب مرة ثانية مع الفدائيين الفلسطينيين؟

محمد الخطيب: نعم كانت حوالي قبل الساعة الثالثة على مشارف انتهاء الإنذار الذي أعطاه الفدائيين بتدخل من جيش..

سامي كليب: جاء السيد محمود المستيري إذاً كان عميد السلك الدبلوماسي العربي في بون سفير تونس وذهبت مرة ثانية بعد أن التقيت به ذهبت مرة ثانية لمفاوضة الفدائيين الفلسطينيين، ما الذي جرى في المرة الثانية وماذا حملت إلى الفدائيين من رسائل؟

محمد الخطيب: اسمح لي أن أذكر ما يلي.

سامي كليب: تفضل.

محمد الخطيب: عندما وصل السفير المستيري كان وزير الداخلية ينتظرنا وعندما لاحظ وزير الداخلية أنني أريد أن أتكلم مع السفير خرج من الغرفة لكي يفسح لي المجال لأتكلم بوضع سري معه وقد يكون من المفيد أن أورد لك ما ذكرته له.

سامي كليب: تفضل ولو بشكل سريع.

محمد الخطيب: بشكل إيجازي وقلت له سعادة السفير أعتقد لا أنت ولا أنا نوافق على مثل هذه العمليات، قال أكيد، قلت له لكن في نفس الوقت أعتقد لا أنت ولا أنا نوافق على أن نبيع هؤلاء الشباب، قال فعلا كذلك موافق، قلت ما حدث معي هو التالي ذكرت ما قال لي غينشر والمحادثات والمهمة الأولى التي ذهبت بها فدخل غينشر فتوجه نحوه السفير التونسي وقال له بصرامة قال له نحن مستعدين أن نفعل ما نستطيع لكن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يفعل هو السفير الإسرائيلي الموجود في هذه البناية كما فهمت من الدكتور خطيب وهؤلاء لا نعرف من أين أتوا ربما كانوا أتوا من الأرض المحتلة وحسب القانون الدولي حكومة إسرائيل المحتلة هي المسؤولة عن هؤلاء الناس فهو الذي يستطيع أن يساعدكم سنفعل فكان جواب وزير الداخلية لم يكن مرضيا على الإطلاق ومما جعل السفير المستيري ينفر بعض الشيء..

سامي كليب [مقاطعاً]: لدى كلامه.

محمد الخطيب [متابعاً]: فكلمته وقلت له يجب أن نذهب مرة ثانية..

سامي كليب [مقاطعاً]: ماذا قال له؟

محمد الخطيب: لا يعني لم يكن دبلوماسيا جدا كان رأى.. أظهر فقط اهتمام بالتمديد.

سامي كليب: ليش؟ ماذا قال؟ تتذكر؟

محمد الخطيب: لا قال له يعني.. قلب الموضوع وفكر بتمديد الإنذار يعني، فهذا لم يعجب السفير المستيري وأقنعته بأنه يجب أن نبقى ونلعب اللعبة للنهاية وذهبنا مرة ثانية عندما وصلنا إلى الطابق الأرضي قبل أن نتوجه للفدائيين كان عدد الجنود قد ازداد تضاعف فذكرته بأنني أخذت ضمانة ومن الطبيعي أن مناسبة أخرى أن يأخذ نفس الضمانة هو باعتبار عنصر جديد هو أتى على المفاوضات فلجأنا إلى نفس الضمانة من قِبَل جماعة الخارجية وتوجهنا إلى الفدائيين وتكلم محمود المستيري وقال لهم قال نعطيهم ساعة فقال المستيري قال لا أعطوهم ساعتين فوافقوا على الموضوع وأنا أتذكر ما تذكره أنني كنت آخر من تركهم من ترك محمد المصالحة الله يرحمه وآخر كلماتي له قلت له أولا إذا لم أعد معنى ذلك أنهم رفضوا أن يبحثوا في المطالب..

سامي كليب [مقاطعاً]: في المطالب وأنت تودعه شعرت أنه سيُقتَل؟

محمد الخطيب: أنا كنت أشعر بالخطر لكن كنت أعتقد أنني قمت بواجبي فنبهته للموضوع وهو المسؤول عن هذا الموضوع وهو يعرف ماذا يجب أن يفعل.

سامي كليب: هكذا انتهت المفاوضات التي قادها الدكتور محمد الخطيب المدير العام السابق للجامعة العربية بين السلطات الألمانية وقائد المجموعة الفلسطينية التي هاجمت قرية الألعاب الأوليمبية في ميونخ عام 1972، كانت الساعة الثالثة مساء وكان من المفترض أن ينتهي الإنذار الأخير عند الساعة الخامسة مساء، أوحت ألمانيا بأنها استجابت لمطالب الفدائيين الفلسطينيين وأنها ستسمح لهم بنقل الرياضيين الإسرائيليين بالطائرات إلى مصر ولكن سرعان ما تبين بأن في الأمر فخا كبيرا فبعد نقل الإسرائيليين إلى مطار عسكري ذهب محمد مصالحة ورفيقه لتفقد وسائل النقل الجوي والبري ولكن وهما عائدان أُطلِقت عليهما النيران وقُتِلا فوقعت المجزرة التي قُتل فيها الرياضيون الإسرائيليون وعدد من الفدائيين الفلسطينيين ونجا ثلاثة فقط اُضطرت ألمانيا لاحقا لإطلاق سراحهم بعد خطف طائرة ثانية من قبل فلسطينيي الجبهة الشعبية وثمة من يقول أن الأمر كان مدبرا، وقعت المجزرة إذا وتبين أن رجال الأمن الألمان هم الذي بادروا بإطلاق الرصاص بضغط إسرائيلي، ما يعني أن الفدائيين الفلسطينيين نفذوا وعيدهم حين أُطلق الرصاص عليهم وقتلوا الرهائن أو جزء منهم.

محمد الخطيب: اسمح لي أن أذكر شيئا هاما جدا قبل أن ينتقلوا إلى المطار الحربي حيث كان من المفروض أن يذهبوا على طائرة لوفتهانزا، كانت الساعة يعني حوالي الساعة السابعة مساء وأردت أن أعرف ماذا يجري لأني كنت على.. لم أكن على اتصال مع أحد وقلت لجماعة الخارجية.. وزارة الخارجية ماذا نفعل هنا؟ فقال أحدهم قال بصراحة نحن مراقبون كلنا مراقبون، شعرت أنهم لم يكن على اطلاع بما يجري، كل ما في الأمر أن فون براون وكيل وزارة الخارجية أتاني إلى الغرفة وقال لي الآن اُتُفق على أن يذهبوا إلى القاهرة، فما تقديرك دكتور خطيب؟

سألنا الوزير هل هؤلاء سيحترمون التزامهم بأن لا يؤذوا الفدائيين الرهائن هناك؟ قلت له لو طلبت مني حلا أفضل من هذا الحل أو مثل هذا الحل لما وجدته وذكرته بأن بلادي سوريا والجزائر وهما بلدان يعتبران من البلدان يوصفان بالبلدان المتطرفة سبق وأن خُطِفت طائرات إلى هذين البلدين وجرت.. وتصرفت الحكومات بمسؤولية فأُطلِق سراح بعض الرهائن وأعتق الإسرائيليين من الطرف الآخر وهذا قال.. وهذا هو رأيينا وهذا ما قلناه للوزير، لكنني بصراحة لم أكن أعتقد أن هذا الحل هو الذي يجري كنت أشعر دقيقة بعد دقيقة أنهم سيُقتَلون لأنني رأيت من حولي كيف أن الشرطة كثرت وسيارات الإسعاف زاد عددها والجيش تدخل في الأمر وقلت هذا الأمر لا يمكن أن يتم على الإطلاق، موظف من الخارجية قال لي عندما بدؤوا الاستعداد لدخول الطائرات الهليكوبتر قال لي هل تعرف ماذا جرى؟ قلت له ماذا جرى؟ قال لي هذا رئيس الفدائيين عُرِض عليه أن يمشي.. أن ينتقل إلى الهليكوبتر على الأقدام وقالوا له أن المسافة قصيرة جدا هي عبارة عن خمسين.. سبعين متر من، فقال لهم لا أريد أن استطلع الخط فأخذ معه مدير الشرطة وكان بيديه قنبلتين حسب ما قال لي موظف الخارجية وعندما رأى أكيد رأى الشرطة والجنود التي رأيتهم بنفسي شعر على أنهم يمكن أن يصطادوهم واحدا واحدا قبل أن يمتطوا الطائرتين فقال لهم لا نريد باصا، أتوا بباص.. أول باص قال نريد آخر، قلت له لماذا طلب الثاني؟ قال لأنه ربما فكر بأن هناك غاز في الباص الأول وهذا دليل على أنه حذر جدا.

سامي كليب: حين علمت بأنه محمد مصالحة قُتل كيف كان شعورك الشخصي؟

محمد الخطيب: لا أنا لم مباشرة لم أعرف أنه قُتل لكن بصراحة وأنا موجود في القطار كنت أفكر في شيء واحد، كنت أفكر ماذا سنفعل إذا كانوا قتلوا ونجا الإسرائيليين، ربما كان لكن في أخبار الصباح أتتنا الأخبار فيما بعد عندما وصلت إلى بون إلى أن الإسرائيليين قُتلوا وأن خمسة من الفدائيين قُتلوا وبقي ثلاثة على قيد الحياة.

سامي كليب: طيب يعني حتى اليوم هناك الكلام كثير حول كيف حول كيفية حصول هذه المجزرة، هل عرفت بالضبط كيف حصلت هذه المجزرة؟

محمد الخطيب: أنا أكثر مما قرأت وقالته الحكومة الألمانية لا أعرف لأني لم أكن موجودا في المطار، القيل على أن الإسرائيليين هم الإسرائيليين رفضوا رفضا مطلقا في أن يذهبوا.. في أن يتركوا في أن يذهب الفدائيين خارج ألمانيا وحَمَّلوا الدولة الألمانية مسؤولية ذلك ويعني حجج مختلفة وهو من المهم أنهم لا يريدون أن يذهبوا وجرى النقاش بينهم وبين الألمان فيما بعد وجدل حول هذا الموضوع فالألمان هم الذين أطلقوا النار ويقال على أن الإسرائيليين كانوا موجودين عندما أُطلِق النار من البرج لكن الأمور لم تجرِ حسب ما.. على كل حال قرروا فاستطاع هذا الرجل الحذر عندما صعد إلى طائرة لوفتهانزا لكي يتفقدها هو ومساعده عندما نزلا من الطائرة بدأ إطلاق النار عليهم فكان لديه الوقت لكي يعطي الأوامر وبقناعتي أنه كان مستعدا لمثل هذا الأمر لأنه كان يشعر على أن هناك خطر كبير في أن تكون هناك أن يكون هناك فخ منصوب له وهذا الذي جرى فكان لديه الوقت في أن يعطي الأوامر وجرى ما جرى فيما بعد، قُتل الإسرائيليون ونجا ثلاثة من الفدائيين.



الجامعة العربية والتحرك بعد المجزرة

سامي كليب: على كل حال روايات عديدة حسب ما روى أبو داوود أيضا في كتابه قال إنه طبعا الألمان بدؤوا بإطلاق النار وهذا طبعا أنتم انتقدتموه آنذاك في الجامعة العربية وكسفراء عرب ولكن قيل أيضا إنه الفدائيين كان لديهم الوقت لإطلاق النار أيضا على الرهائن وقتل جزء منهم لأنه يبدو إنه إسرائيل رفضت تشريح جثث الإسرائيليين لم تشأ أن تعرف أي رصاص أُطلق على هؤلاء الرهائن، بجميع الأحوال أنتم كجامعة عربية لم تبحثوا في التحقيق عما حصل يعني لم تحاولوا أن تعرفوا ما الذي حصل عمليا؟

محمد الخطيب: نحن تلقينا من الألمان الرسالة الرسمية لكن أنا استبعد جدا أن يكون الفدائيين قد بدؤوا إطلاق النار، هؤلاء الناس..

سامي كليب [مقاطعاً]: لا الفدائيون أكملوا.

محمد الخطيب: لا الفدائيون عندما أُطلق النار عليهم شعروا على أن هناك فخا منصوبا، اتخذوا الإجراءات التي كان يجب أن يتخذوها وأكيد من الإجراءات كانوا مقررين على أنه إذا كان هناك فخ فمعنى ذلك أنهم يجب أن يكملوا عمليتهم فجرى.. قاموا بإطلاق النار هم على الألمان كذلك قِيل في ذلك الوقت لأنهم أعتقد قتلوا أحد..

سامي كليب [مقاطعاً]: رجال الشرطة.

محمد الخطيب [متابعاً]: رجال الشرطة.

سامي كليب: على كل حال طبعا حصلت المجزرة وأنتم كجامعة عربية يعني كان المفترض أن تحققوا في الأمر على الأقل تعرفوا طبيعة ما الذي جرى عمليا، اكتفيتم ببيان.. البيان الرسمي الألماني للموضوع؟

محمد الخطيب: نحن اكتفينا لكن قلنا لهم أن هذا الأمر غلط، كان يجب ألا يقبلوا أن ينصاعوا للقرار الإسرائيلي ولكنهم هم لهم أسبابهم أنت تعرف على أنهم يعتقدون أن عقدة الذنب الألمانية والمجزرة ضد اليهود في عهد النازية ويجب أن يتذكر الإنسان على أن ألمانيا يعني لم تكن تقريبا بلد مستقل بالمعنى الحقيقي وربما لو حدثت هذه الحادثة بعد عامين قد لا تستجيب حكومات ذلك الزمان للمطالب الإسرائيلية.

سامي كليب: الجامعة العربية أصدرت آنذاك بيان شجب لما حصل ولكن اللافت في الأمر هو أن الشجب طال أولا الفلسطينيين ثم انتقد ضمنيا الرئيس الألماني إلا أن العرب لا يزالون حتى اليوم غير قادرين على تحديد ما حصل تماما في ميونخ باستثناء الرواية الرسمية التي كتبها أبو داوود وحين كنت أبحث في أرشيف ضيفنا الدكتور محمد الخطيب وجدت أن المدير العام السابق للجامعة العربية في بون لا يزال يحتفظ بمعظم البيانات التي صدرت آنذاك، فماذا جاء في بيان الجامعة بعد مجزرة ميونخ؟

"
السفراء العرب في جمهورية ألمانيا الاتحادية على أثر الحادث أعلنوا عبر بيان وجهوه للحكومة أنهم لا يرون فيما قام به بعض الفلسطينيين في ميونخ الطريق الصحيح لاستعادة حقوق شعبهم
"
محمد الخطيب: إن السفراء ورؤساء البعثات العربية في جمهورية ألمانيا الاتحادية على أثر الحادث المؤسف الذي جرى أثناء الألعاب الأوليمبية يعلنون ما يلي أولا إنهم لا يرون فيما قام به بعض الفلسطينيين في ميونخ الطريق الصحيح لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني، ثانيا لقد بذل الممثلون العرب في ألمانيا الاتحادية كل ما في وسعهم للمساعدة في إيجاد حل للوضع الناشئ نتيجة لاحتجاز بعض أعضاء الوفد الأوليمبي الإسرائيلي واستجابوا على الفور لما طلبه الجانب الألماني منهم في سبيل هذه الغاية وذلك بعد أن أبدوا بطرق مختلفة أسفهم للأسلوب الذي اتبعه بعض الفلسطينيين في ميونخ وذكروا بوضوح أن الدول العربية لا تقر بمثل هذا الأسلوب كما أن منظمة التحرير الفلسطينية قد أعلنت أسفها للحادث وعدم مسؤوليتها عن عمل أفراد قلائل.

سامي كليب: بالنسبة للسفراء العرب الذين كانوا موجدين آنذاك هناك في بون هل كان البعض مثلا يود أن تكون لهجة أقسى بالنسبة للفلسطينيين؟ هل كان البعض الآخر يود أن تكون اللهجة أخف مثلا متعاطفا أكثر مع الفلسطينيين؟

محمد الخطيب: أستاذ سامي كان كتبت في الأول بيان فضفاض حتى نصل إلى نتيجة لأنني أعرف الوضع العربي والسياسيات العربية وفي جلسة واحدة استطعنا أن نصل إلى هذه الخلاصة ووافقوا عليها الجميع وكان وملاحظتك في محلها كان لابد لنا من أن نذكر بعض الشيء عن العملية تبع ميونخ لكي نستطيع أن نهاجم الحكومة الألمانية فيما بعد لأن هذا العمل الدبلوماسي يقتضي ذلك فلا نستطيع أن نتبنى مثل هذه العملية خصوصا أن منظمة التحرير الفلسطينية نفسها كانت قد شجبت هذا الموضوع وبأعتقد من ناحية دبلوماسية وسياسية كان موضوع صحيح وبدليل أن هذا البيان لم ننشره مباشرة لأنه جرى طوفان ضد العرب في ذلك الوقت واستمهلت أنا السفراء العرب قلت لهم اتركوا لي التوقيت لكي ننشر هذا البيان بالاتفاق مع عميد السلك محمود المستيري وعندما وجدنا على أن الطوفان قد بدأ ينحسر أدلونا بدلونا لأن.. لقناعتي أن الشعب الألماني كان يدرك أن هناك طرفا آخر في الموضوع وهو تواق لأن يسمع له وبالفعل عندما نشرنا هذا البيان مباشرة خلال ثواني أخذته أجهزة الإعلام الألمانية ومن الملاحظ على أن حتى الصحف الموالية لإسرائيل نشرته بالصفحات الأولى دون تنقيص كلمة على الإطلاق أبدا على الرغم من أنها في تلميح يعني ضد رئيس الجمهورية الذي انتقد العرب دون أن نسميه نحن لأن المنطق الدبلوماسي يقضي على ما نستطيع أن نسميه وكان له تأثير كبير لأن الجو تغير بعد هذا البيان فبدأ الناس.. بدأت حملة انتقادية لإسرائيل مما اضطر جولدا مائير في ذلك الزمان أن تقف في البرلمان الإسرائيلي وتهدد ألمانيا تقول إن لم يوقفوا هذه الحملة سيرون ماذا سنفعل بهم.

سامي كليب: طيب صحيح هوجم مكتب الجامعة العربية فيما بعد، بعد العملية؟

محمد الخطيب: نعم في اليوم التالي عندما وصلت إلى بون كان التليفزيون الألماني ينقل أن الجماهير تتجه نحو الجامعة العربية وعندما اتصلت في الخارجية وقالوا لي الأمور خرجت من أيدينا لكن أحد لم يأت، لكن بعد يومين أو بأعتقد مدة بسيطة جدا في الليل أيقظني هاتف في ساعة متأخرة من الثالثة صباحا صوت يقول لي أن المكتب قد دُمر وأن ممثل منظمة التحرير الفلسطينية عبد الله فرنجية قد قُتِل..

سامي كليب: وكان صوت سيدة على ما يبدو؟

محمد الخطيب: سيدة نعم ومباشرة أنا يعني واحد يستيقظ الساعة الثالثة صباحا على هذا الموضوع فأول عمل قمت به مباشرة اتصلت بعبد الله لكي أطمئن عليه وجدته بالبيت فطلبت منه أن يتخذ احتياطاته.

سامي كليب: حضرتك عدت والتقيت أهل محمد مصالحة قائد هذه العملية الفلسطينية في ميونخ التقيت بأهله في ليبيا في خلال عملك هناك، ما الذي جرى في خلال هذا اللقاء وكيف كانت ردة فعل الأهل على هذا اللقاء؟



الخطيب وزيارة أهل مصالحة وفيلم سبيلبيرغ

محمد الخطيب: أنا يعني كانت صدفة غريبة وهذا الرجل أبوه محمد مصالحة يعني سُر جدا في أن أكون ودعاني إلى البيت ورحبت بي العائلة لأنني ربما كنت آخر من رأوا ولدهم وطبعا كانوا ينظرون بفخار لكلماتي لهم بأنه لو أراد قتل الإسرائيليين وينجو بنفسه لفعل لكنه كان يفكر بالقضية الفلسطينية فطبعا كان طبعا هم حزينون على فقدان محمد لكن من الطبيعي أن يشعروا بالفخر بأنه وفقا لهم قد ذهب شهيدا، كانت الدموع كثيرة تسال على خدودهم لذكرى محمد اللي هو أكبر يعني الأولاد في العائلة كما فهمت أنا ويعني قالوا لي على أنه لم يكونوا على علم بأنه سينفذ مثل هذه العملية، لكن رسالة أتت لهم كتبها إلى أخته في ذلك الوقت تشير تقريبا على أنه مقدم أو بعد أو وصلتهم بعد الحادثة تشير على أنه كان في طريقه إلى عملية من هذا النوع.

سامي كليب: ذهب محمد مصالحة شهيدا بالنسبة لأهله ورفاقه والعرب ولكن إسرائيل لم تغفر للفلسطينيين هذه العملية الفدائية سارعت إلى الانتقام، شنت طائراتها هجمات على المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا حيث قُتِل حوالي مائتي شخص وبعد أقل من شهر بدأت باغتيال عدد من المسؤولين الفلسطينيين في أوروبا ولكن عملية ميونخ أعادت القضية الفلسطينية إلى تحت الأضواء واللافت أن اليوم وبعد مرور ثلاثة وثلاثين عاما على هذا الحدث الكبير يحاول المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ إخراج فيلم حول هذه العملية وحين علم ضيفنا محمد الخطيب بالأمر كتب لسبيلبرغ وحصل منه على رد وقد قرأت الرسالة والرد، فلماذا كتب له؟

"
أفلام كثيرة صدرت في السابق لم تكن دقيقة في تجسيد العملية، وأنا أؤكد أن هذه المجموعة ليسوا بقتلة وأنه كان يمكن إنقاذ حياة الجميع لولا السياسات الإسرائيلية
"
محمد الخطيب: أنا كتبت له.. وجدت مقال في جريدة أجنبية أنه يستعد لمثل هذا الفيلم وقد لاحظت في السابق أن هناك أفلاما كثيرة أو عدة قد صدرت ولم تكن دقيقة في هذا الأمر فبادرت بنفسي وكتبت له حول القصة وخفت أن يكرر نفس العملية بالنسبة للماضي فذكرته بأن هؤلاء الناس ليسوا قتلة وأنه كان يمكن إنقاذ حياة الجميع بما في ذلك الرهائن الإسرائيليين لولا السياسات الإسرائيلية القائمة على الثأر وقلت له إذا كان بالإمكان أن أكون مفيدا في هذا الأمر فأنا مستعد ولخصت له من يعني ما حل بنا بالنسبة للعرب والإجراءات اللي اُتخذِت ضد العرب في ألمانيا وجاوبني وأنا كنت مرتاحا لجوابه لأنه أكد على شيء هام هو قال لي أن تأكيدي بأنه كان يمكن أن التوصل إلى حل سلمي وجد أن هذا الأمر مهم جدا وربما كان هذا ينسجم مع ما يعتزم عمله لأنني في الصحافة قرأت أنه يريد أن يشجب بشكل أو بآخر عملية الثأر وقرأت في الصحف كذلك على أنه عرض سيناريو الفيلم على الرئيس كلينتون وعلى دنيس روس وقرأت في نفس المقال على أن الإسرائيليين على ما يبدو ضد هذا التوجه لأن مثل هذا التوجه يدين سياستهم القائمة على الملاحقة والثأر.

سامي كليب: رغم أنه سبيلبرغ معروف كان بدفاعه طبعا عن اليهود وإسرائيل، الغريب دكتور محمد الخطيب أنه يعني رغم الدور الكبير الذي لعبته حضرتك في التفاوض بين السلطات الألمانية وبين الفدائيين الفلسطينيين في عملية ميونخ لم يُذكر اسمك كثيرا في كل ما كُتب عن هذه العملية إلا لماما لا بل أنه أبو داوود في كتابه الشهير حول هذه العملية قال حصل تفاوض من قبل شخص أسمه محمد الخطيب وكان مصري الجنسية.

محمد الخطيب: يعني هو ذُكر أسمي في اليوم التالي.. الناطق الرسمي باسم الحكومة ذكر أسمي وشكرني أنا والسفير التونسي وذكرت صحف الألمانية مختلفة هذا الموضوع والأخ أبو داوود يعني مناضل فلسطيني كان بإمكانه أن يتحقق من الموضوع لأنه هناك فلسطينيين كثر في ألمانيا وخصوصا هناك منظمة التحرير الفلسطينية هناك وممثل المنظمة كان يعمل من خلال مكتب الجامعة وهو صديق عزيز لي ولو سأله لقال له من هو، على كل حال هذا ليس مهما فالشاعر الكبير بيقول أمصر أم لبلاد الشام تنتسب هنا العلي وهناك المجد والنسب.

سامي كليب: ربما أخطئ المؤرخون بحق ضيفنا محمد الخطيب المدير العام السابق لمكتب الجامعة العربية في بون وربما تناسوه ولكن الأهم هو ألا ينسوا أن ثمة من استشهد في ميونخ لنصرة قضيتهم وأن دمه سال قرب قرية الألعاب الأوليمبية بينما الكثير من الأنظمة العربية كان يلعب أوليمبيا بمصير هذه الأمة.