- الاستعمار الفرنسي ومحاولات قمع اللغة العربية
- التعليم والمرأة في فترة الاستعمار

- ذكريات العمل السياسي

- زهور ونيسي.. الرئيس بوتفليقة.. والعراق

- زهور ونيسي في أول يوم بالوزارة


سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى الجزائر، حين حاول الاستعمار الفرنسي ضرب اللغة العربية هنا وقفت ضيفتنا ترفع لواء الدفاع عن لغة الضاد وحين حاول ضرب الثورة دخلت إلى حزب جبهة التحرير، كانت أول أديبة تكتب باللغة العربية في بلادها وأول وزيرة بعد الاستقلال وأول امرأة تتولى رئاسة تحرير مجلة نسائية، إنها الوزيرة والمجاهدة السابقة والمناضلة الدائمة السيدة زهور ونيسي.

زهور ونيسي: الهزيمة ليست قدرا أولا لكنني ربما أقول لك أنني أعجز عجزا كاملا حتى أقول شيء للأخوة الفلسطينيين أو الأخوة في العراق هذا شعبنا وهذه أمتنا تُهان وتُنتهك أعراضها وتسلب حرياتها ويموت أبنائها يوميا، نحن نعيش المحنة هنا في الجزائر والمأساة بكل قلبنا وعقلنا عندما نفتح تلفزيون فقط حتى نتابع القضية الفلسطينية والقضية العراقية ولذلك أقول الهزيمة ليست قدرنا وبشيء من الصبر وشيء من الإرادة ومن استرجاع الذاكرة الميتة المسكوبة للأمة العربية نستطيع أن ننتصر حتى في هذه حتى ولو كان عدونا أقوى عدو في العالم.



الاستعمار الفرنسي ومحاولات قمع اللغة العربية

سامي كليب: هكذا هو إيمان هذه المناضلة المتفائلة بالنصر رغم الهزائم كيف لا وهي التي تتلمذت على الإمام بن بديس وتحدت الاستعمار منذ نعومة أظافرها فدرست اللغة العربية تحت أنف المُستعمِر وانتمت إلى الثورة وناضلت سرا وعلانية ثم نقلت واقع الثورة أدبا ومقالات قبل أن تدخل إلى مجلس الشعب ثم تتولى وزارات عديدة كانت آخرها وزارة التربية ثم استقرت زهور ونيسي في البرلمان أو مجلس الأمة، السيدة التي لا تزال تحافظ على رشاقة القلم ورشاقة العقل والجسم رغم عمرها المديد تُمسك ببراعة متناهية بلغة الضاد ولذلك سألتها بداية عن دور الاستعمار الفرنسي في قمع اللغة العربية.

"
أهداف الاستعمار استئصال الجزائري من جذوره بمعنى استبدال مجتمع بمجتمع آخر، فكان محروما من تعلم لغته فكل حرف عربي قبل الثورة كان ممنوعا وكان محروما من القيام بمناسك دينه والتعرف على حضارته
"
زهور ونيسي: هذا الإنسان الجزائري كان محروما من تعلم لغته محروما من حتى القيام بمناسك دينه حتى القيام بالتعرف على حضارته على تاريخه على جذوره سواء بالنسبة للعروبة والإسلام وبالنسبة للأمازيغي، كان محروم من كل شيء، كان من أهداف الاستعمار أنه يستأصله من جذوره وأنه يجعل منه مجتمع جديد لا ننسى أن كل شيء كل حرف عربي قبل الثورة كان ممنوعا وكل ما حوفظ عليه من لغة عربية ومن مقومات ومن تقاليد ومن حضارة كانت عبارة عن نوع من المقاومة ونوع من التحدي من طرف المجتمع الجزائري لا تنسى أن الاستعمار الفرنسي كان استعمار استيطاني كان يريد أن يستبدل مجتمعا بمجتمع آخر.

سامي كليب: تحديدا حول هذا الجانب يعني ستسمحين لي بالمقاطعة بين الوقت والآخر.

زهور ونيسي: لا مانع.

سامي كليب: لكي نستطيع أن نمر على كل المواضيع، تحديدا في هذا الجانب السيدة زهور ونيسي يعني حضرتكِ عشتِ هذه المرحلة مرحلة محاولة الاستعمار الفرنسي طمس اللغة العربية وكانت لكِ تجربة رائدة في التعليم وفي الحفاظ على اللغة إن كان في المدارس أو من خلال جمعية العلماء أيضا التي ساهمت تماما جمعية العلماء المسلمين في الحفاظ على اللغة، وددت يعني طبعا على الأقل للجيل الجديد أن تنقلي لنا بالصوت والصورة ما كنتِ تعيشيه آنذاك يعني كيف معلمة مثلكِ في عز شبابها دخلت إلى مدرسة وعانت وكيف جاهدت في سبيل الحفاظ على هذه اللغة العربية؟

زهور ونيسي: في الحقيقة قبل ذلك ربما أرجع بعيدا في البدايات وهو أنني أيضا كنت من مجموعة من السيدات اللائي استطعن أن يدخلن المدرسة أولا وقبل كل شيء المدارس لم تكن هناك مدارس لتعليم اللغة العربية إلا من خلال مدارس حرة كانت الحركة الوطنية والحركة الإصلاحية في الجزائر كانت تؤسسها من أجل شعب وتؤسس من مال الشعب وبرغبة من الشعب، هذه المدارس كان لي الحظ ولبعض الفتيات في سني في الأربعينيات أن ندخل المدرسة التي تعلم اللغة العربية والتي تكافح من أجل التعليم اللغة العربية والتي كانت تحاول أن تنافس المدارس الفرنسية في مختلف المناهج والبرامج والمواد وأيضا..

سامي كليب [مقاطعاً]: كان من السهل إنه الأهل يرسلون بنتهم للدراسة بالمدرسة؟

زهور ونيسي [متابعةً]: لذلك أقول أنه كان من الصعب جدا أو كان كل واحد يترك ابنته تخرج في ذلك الوقت كان المحيط، محيط صعب والذهنية الاجتماعية الموجودة كانت صعبة كانت البنت تصل إلى 16، 17 سنة تُزوج والآباء اللذين حملوا مشعل تعليم بناتهم أو مشعل الإصلاح ومن ضمنه تعليم بناتهم وإدخال بناتهم للمدارس ليتعلمن بجانب الأطفال الذكور في قسم واحد وفي فصل واحد كانت نهضة إصلاحية.

سامي كليب: طيب أهلكِ كانوا من هذا النوع؟

زهور ونيسي: كان أهلي من هذا النوع في مدينة القسطنطينية المحروسة هذه المدينة التي قبل سنوات احتفلنا بعيد ميلادها ثلاثة آلاف سنة، مدينة القسطنطينية في الشرق الجزائري ومثل مدينة القسطنطينية هناك مدارس في مختلف أنحاء التراب الجزائري التي كانت تقف مقاومة ومتحدية ومتصدية لكل عمليات التشويه وكل عمليات التهميش لقيمنا الحضارية ومن بينها اللغة العربية والكتاب.

سامي كليب: هل كان والدكِ حين أرسلكِ إلى المدرسة مثلا الأهل بشكل عام يعتبر أنه يقوم بخطوة نضالية جهادية أم يعتبر أنكِ ستتعلمين لتصلي إلى مرتبة في الإطار الفرنسي العام آنذاك؟

زهور ونيسي: لا لأنه اللغة العربية لم تكن لغة الخُبز في ذلك الوقت ولو أننا في المدرسة نفسها نتعلم اللغة الفرنسية كمادة، والدي كان ككل الآباء الجزائريين والأمهات الجزائريات كان أميا يحفظ فقط القرآن ويحفظ بعض الأحاديث النبوية الشريفة وبعض الآثار يعني وبعض الأمثال العربية.

سامي كليب: يعني مش أمي 100%.

زهور ونيسي: مش ليس جاهلا ولكنه كان أميا.

سامي كليب: نعم.

زهور ونيسي: الأمي غير الجاهل كذلك والدتي فكان يرسلنا في النهار لنتعلم في المدرسة وفي الليل يَدرس وزملاؤه الرجال الآباء الآخرين يُمحون أميتهم بالليل، كان الإنسان الجزائري أو كانت الحركة الوطنية في الجزائر تحاول أن تختصر الزمن من أجل استرجاع السيادة الوطنية فكانت عملية سباق نحو النهضة سباق نحو الحركة سباق نحو الوعي.

سامي كليب: طبعا لكِ مجموعة روايات كبيرة جدا وهي صدر الجزء الكبير منها في هذا المؤلف الجميل في الواقع، قرأته فيه متعة كبيرة روسي كاده والأخريات وهي طبعا الاسم روسي كاده قادم من اللغة اللاتينية كما تشرحين لي لمنطقة سكيكدا.

زهور ونيسي: هو أصل لمدينة سكيكدا.

سامي كليب: بالضبط.

زهور ونيسي: في الجزائر في شرق الجزائر.

سامي كليب: هناك يوميات مُدرسة حرة يعني في الواقع ما تتفضلين به عنكِ وعن الوالد وعن تجربة هو يتعلم في الليل ويأتي في النهار.. ويعمل في النهار وحضرتكِ دخلتِ المدرسة لتعليم اللغة العربية للحفاظ على اللغة العربية فيما بعد تشبه تماما هذه الرواية يعني، هل هي نوع من.. إذا صح التعبير الذكريات الشخصية صيغت بالقالب الروائي؟

زهور ونيسي: هي عنوانها يوميات معنى ذلك فيها جزء كبير من اليوميات أو قُل ربما هي يوميات امرأة في الجزائر اخترت لها القالب الروائي ولا ينقصها الأسلوب الروائي ولا الميكانيزمات الروائية ولكن في الحقيقة هي يوميات مُدرسة حرة في المدارس الحرة كانت تُعلم جيلاً ليدخل أحد المفتشين الكبار وهو الشيخ العربي التبيسي الشهيد رحمه الله عندما دخل المدرسة قال ووجدني أقف أمام الطالبات وأنا يعني بيني وبينهن سنوات قليلة ليقول جيل يعلم نصفه الثاني إحنا اختصرنا الزمن.

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني صحيح، نعم.

زهور ونيسي [متابعةً]: فهذه اليوميات فيها الكثير من يوميات زهور ونيسي بالنسبة لعملها في المدرسة الحرة ولعملها الثوري أو مساهمتها في الثورة التحريرية.

سامي كليب: يعني بطلة هذه الرواية تذهب إلى المدرسة بالصدفة لتحل مكان شقيقتها المدرسة.

زهور ونيسي: نعم بالضبط.

سامي كليب: وكان عمرها آنذاك سبعة عشر عاما ويدخل المفتش بالصدفة يراها يقول لها اسمكِ وتاريخ ولادتكِ وما إلى ذلك فتتعجب لترد عليه بنبرة قاسية.

زهور ونيسي: فعلا، فعلا..

سامي كليب: ومُنفعلة.

زهور ونيسي: أنت قرأت الرواية كلها.

سامي كليب: نعم وفيما بعد يقرر أن يطلب إليكِ أن تدرسي أيضا أنتِ في المدرسة.

زهور ونيسي: نعم.

سامي كليب: هذا بطل هذه بطلة رواية هل فعلا هذا ما حصل معكِ؟

زهور ونيسي: هذا ما حصل معي بالضبط والأستاذ المفتش لا يزال إلى اليوم على قيد الحياة وهو ضابط في جيش التحرير الوطني الأستاذ إبراهيم السويكي.

سامي كليب: نوجه له التحية طبعا.

زهور ونيسي: نوجه له التحية والتقدير أيضا.

سامي كليب: طيب وحضرتكِ طبعا في البداية ترددتِ قليلا وقلقتي ولكن فيما بعد.

زهور ونيسي: لأنه هذا فيه من وجودي هناك فقط هو وجود مُستخلفة فقط، أما أملي الكبير هو في أن أتم دراستي.

سامي كليب: وشعرتي طبعا فيما بعد بالاعتزاز الحي كله صار يشعر أيضا.

زهور ونيسي: بالاعتزاز ما فيش شك.

سامي كليب: وفيما بعد طبعا أحببتِ التعليم لأنكِ شعرتِ أنه أيضا تحافظي على اللغة العربية.

زهور ونيسي: بالضبط ومن خلال التعليم وجدت أن التعليم في ذلك الوقت هو من أهم العوامل للتوعية وتجنيد المواطن في ذلك الوقت وبالخصوص الشباب وكنت أجد أن المُعلم والنجار والحداد والخباز وحتى الإسكافي في الجزائر كلهم مندمجين في ثورة التحرير الكبرى وكلهم فاعلين في هذه الثورة.



التعليم والمرأة في فترة الاستعمار

سامي كليب: في هذه الراوية طبعا نقرأ أنه الفتيات اللائي كن يتعلمن آنذاك على يدك وكنت أنت أيضا شابة صغيرة كن يعشن في جو من الفقر يعني الكبير وكان هناك تبرعات لهذه المدارس العربية الخاصة يعني هل كان الجو هيك؟

زهور ونيسي: نعم هذه المدارس لم تكن لها ميزانيات من طرف الاستعمار حتى تبقى مستقلة عن الاستعمار حتى تبقى مواقفها وعملها ونشاطها كله مستقل عن الاستعمار، يعني حتى تتفادى التبعية للإدارة الفرنسية فكانت المدارس هذه تُنشأ من طرف الشعب مواطنين في الحي بدأ من قطعة الأرض إلى بناء المدرسة إلى بناء المسجد فوق المدرسة.

سامي كليب: حتى حضرتك يعني لم تتقاضي راتبا إلا بعد شيء مرور سنة ونصف.

زهور ونيسي: إلا بعد هكذا سنة ونصف أي راتب لم يكن راتبا ولكنه كان عبارة عن منحة صغيرة كنا نراها كبيرة جدا.

سامي كليب: ثلاثة آلاف فرنك قديم يعني.

زهور ونيسي: قديم يعني ثلاثين دينار اليوم ثلاثين دينار اليوم يعني ثمن ثلاث خُبزات اليوم، الحقيقة أنه كان التعليم في ذلك الوقت شرف وأي شرف وكانت قيمة المُعلم عند الإنسان الجزائري نظرا لحرمانه من التعليم وحرمانه، الاستعمار الفرنسي عندما دخل إلى الجزائر كان نسبة التعليم في الجزائر أكثر من 50% في الوقت اللي كان في فرنسا 12% فقط هذا حسب المؤرخين، المؤرخين الغرب وليس الجزائريين حتى نقول أنهم مُنحازين لبلدهم لكن بعد دخول الاستعمار الفرنسي جُهل الشعب الجزائري سُرقت أراضيه نُهبت أراضيه وخيراته ومقدراته وأصبح لا يبحث إلا عن لقمة العيش عند الكولون عند المُعمر أو عند.

سامي كليب [مقاطعاً]: المستعمر.

"
قيمة العلم عند الجزائري تقلصت فاقتصرت فقط على الكتاتيب التي تعلم القرآن، إلى أن جاءت الحركة الوطنية التي ساهمت في تأسيس مجموعة من المؤسسات التربوية لتعليم أبناء الشعب الجزائري
"
زهور ونيسي [متابعةً]: سواء في المدن أو في الأرياف ولذلك كانت قيمة العلم عند الإنسان الجزائري تقلصت، تقلصت، تقلصت لدرجة أنه أصبح فقط الكتاتيب التي تعلم القرآن هي اللي موجودة أو بعض الحروف العربية إلى أن جاءت الحركة الوطنية وبعثت هذا المشروع الحضاري في تأسيس مجموعة من المؤسسات التربوية لتعليم أبناء الشعب الجزائري.

سامي كليب: قرأت في طبعا في عدد من الراويات روايات يعني وقصص جميلة عن كيفية تهريب الوثائق في المدرسة تهريب السلاح أيضا هل كنت تقومين بهذا الأمر وأنت مدرسة؟

زهور ونيسي: نعم، كنا نقوم أنا وزميلاتي المدرسات أيضا في المدرسة فينا من قبض عليها وفينا من استهان بشكلها الاستعمار مثلي، كنا نوصل كنا همزة وصل أنا شخصيا كنت همزة وصل بين خليتين كنا نعمل في إيصال الأسلحة في إيصال الوثائق المنهجية التقارير كنت أكتب تقارير باللغة العربية لأنه كان قليل من يكتب تقارير باللغة العربية، جمع الأسلحة جمع مش الأسلحة بقدر جمع الأموال جمع الأحذية الملابس حتى نوصلها إلى الجبال لأنه يكونوا في حاجة كبيرة إليها المؤونة.

سامي كليب: إيصال المعلومات أيضا.

زهور ونيسي: إيصال المعلومات هي أهم حاجة كنا عندما تصلنا رسالة من مسؤول الخلية بش نفتح الرسالة نصبح كلنا نتصبب عرقا من خوف من محتوى الرسالة ما هو محتوى الرسالة؟

سامي كليب: وبعدين تنفرج الأسارير طبعا.

زهور ونيسي: من أوامر كانت اللحظات عظيمة لحظات جميلة لحظات نبيلة لم نكن نعرفها، أتعرفنا عليها من خلال هذا العمل العظيم اللي هو الثورة.

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني مثلا في.

زهور ونيسي [متابعةً]: السرية الكتمان كل هذا كان.. كانت قوتنا في أنه كل واحدة أو كل واحد كاتم أسراره على الأخر رغم الصداقة الكبيرة اللي تجمع بينا كأخوات وكمعلمات وكإخوان إلى أخره.

سامي كليب: تماما يعني فقط أُذكّر بما كتب في هذه الروايات يعني لمن لم يقرأ بعد هذه الروايات وأدعوهم للقراءة لأنها فعلا جميلة وترصد تاريخ كبير من وجدان الشعب الجزائري..

زهور ونيسي: نعم مرحلة.

سامي كليب: وجهاده، أنه جاء الصبي حمو أسمه عمره ثمان سنوات تقريبا.

زهور ونيسي: بالضبط.

سامي كليب: وأعطاك رسالة كانت هذه الرسالة الأولى على ما اعتقد وكان قريبك هو وكتمت الخبر عن زميلتك اللي أسمها عائشة على ما اعتقد.

زهور ونيسي: عائشة نعم، عائشة هذه هي أيضا مجاهدة وأخوها أسمه مصطفى وقد سُمي عليه شارع من شوارع حي المدنية وقد أُعدم بالمقصلة وخُيّر بين الإعدام وبين أن يستجيب لرغبات الإدارة الاستعمارية ولكنه رفض

سامي كليب: بأن يطلب العفو.

زهور ونيسي: هو وزملائه.

سامي كليب: رفض مصطفى طلب العفو أُعدم بالمقصلة على أيدي الاستعمار الفرنسي، كانت زهور ونيسي آنذاك مُعلمة بالكاد بلغت سن المراهقة ولكن أي مراهقة وسياط الاستعمار فوق الرؤوس وفي الأجساد، حملت زهور ونيسي تلك الصور احتفظت ببعضها أكثر من ثلاثين عاما وصارت هنا خلف هذا المكتب الصغير تروي ثورة الجزائر والثوار وهنا بالضبط كتبت عن مصطفى المجاهد الذي فضل المقصلة على الذُل وهنا كتبت عن أمه التي كانت وعلى غرار كل المجاهدات والمناضلات الصابرات آنذاك فضلت أن يُقطع رأس أبنها على أن يقطع رأس الجزائر.

زهور ونيسي: والدته كانت تُحمسه أيضا من أجل الاستشهاد ومن أجل المضي في طريق الاستشهاد مثلها مثل أمهات كثيرات يعني.

سامي كليب: في راوية أخرى تتحدثين عن المرآة التي تلد بنادق يعني أيضا نلاحظ أنه حتى الممرضات في مرحلة معينة كن يخفين السلاح تحت ثيابهن ويعني من أجل إيصال السلاح إلى المقاومين وما إلى ذلك يعني من الواقع كان للمرآة دور كبير.

زهور ونيسي: لا كان لها دور كبير كل ما هو موجود في قصصي الأولى على الشاطئ الآخر أو من يوميات مُدرسة حرة أو حتى على الظلال الممتدة أو الرصيف النائم الذي ليس موجودا داخل المجموعة وهو طُبع في القاهرة، كلها حاكيا واقعية أخذتها من الواقع عشتُها أو عاشتها إحدى الصديقات أو إحدى الزميلات أو إحدى الأخوات أو إحدى الجارات كلها من واقع الثورة الجزائرية من واقع الحياة الاجتماعية والثورية في الجزائر في ذلك الوقت، أذكر أن إحدى القصص اللي هي فاطمة في الرصيف النائم أذُيعت في مسلسل إذاعي في إذاعة صوت العرب سنة 1967.

سامي كليب [مقاطعاً]: من القاهرة.

زهور ونيسي [متابعةً]: فاطمة، فاطمة امرأة مجاهدة استشهد زوجها في الولاية الأولى بالأوارس ثم يتزوجها مجاهد آخر ليربي أبنها ثم يأتي دور زوجها الثاني فتقول هل سأفقده هو الآخر، كل القصص هذه وكُنت نشراها في صحف وطنية فكان لي شرف التشجيع من طرف أستاذنا الكبير المؤرخ أحمد توفيق المدني وقال لي لماذا لا تطبعينها في كتاب؟ ثم جاءت الدكتور سهير القلماوي الفضل يرجع لها رحمها الله فأخذت كل القصاصات مثل القصاصات هذه هنا الآن أخذتها وأخذتها معها إلى القاهرة وكانت مديرة الدار القومية للطباعة والنشر.

سامي كليب: وددت أن أسالك سيدة زهور ونيسي هل من حادثة حصلت في خلال تعليمك للبنات تعليم اللغة العربية ولا تزال عالقة في ذهنك حتى اليوم في فترة الاستعمار؟

زهور ونيسي: في مثلا في يوم من الأيام دخل الكابتن، الكابتن عندنا في كل حي موجود مركز للجيش الاستعماري في أيام الثورة موجود مركز وعلى رأس هذا المركز كابتن يدور على الحي وعلى المؤسسات اللي موجودة في الحي حتى يراقب بطبيعة الحال حتى يراقب لكن وأيضا حتى يكسب ود السكان فدخل إلى المدرسة وجد المدير المُكلف بتسيير المدرسة لأنه المدير في ذلك الوقت كان في السجن وجد المُسير دخل معه ودخلا القسم.

سامي كليب: دخل السجن بسبب المسرحية الشهيرة ولا لأ.

زهور ونيسي: بالضبط بسبب المسرحية ضد الاستعمار.

سامي كليب: النضالية صح.

زهور ونيسي: النضالية فلما يدخل إحنا مكلفين طالبات بمجرد ما يدخل أي شخص غريب سواء حتى غريب عادي يجب أن نوقف الدرس اللي يكون في أغلب الأحيان تاريخ أو قواعد أو نحو أو جغرافيا أو قصائد أو محفوظات إلى أخره نضعه تحت المناضد ونخرج المصاحف فتبدأ الفتيات في قراءة القرآن في ترتيل القرآن بشكل كده بشكل دروشة بشكل تحريك رأس إلى آخره، حتى يعتقد أننا لا نُدرس سوى القرآن سوى يعني الأمور اللي هي ليس محظورا عليها وهي قضية حرية المعتقد يعني.

سامي كليب: بس ما كان في وشاة بين الـ..؟

زهور ونيسي: في ولكن معظم الأحياء الشعبية هذه مثل القصبات بتاع الجزائر، القصبات في كل الجزائر وفي كل الوطن العربي أيضا دائما هي التي تحتضن ثورات وهي اللي تحتضن القيم وهي التي تحتضن الوفاء لهذه القيم هذه تلاحظها في كل مراحل التاريخ فالحي ما كنش فيه كثير اللي هما كانوا وشاة كان واحد ولا أثنين قضى عليهم مصطفى الصغير الذي استشهد بالمقصلة وزملائه ما بقاش يعني وكأن المنطقة منطقة متحررة ولذلك اُختيرت كأعلى مكان أنه يبنى عليها مقام الشهيد.

سامي كليب: فدخل الكابتن وكن يقرأن.

زهور ونيسي: وبدأ يشكر ويتودد ويقول أن أباه كان من المحبين للدين الإسلامي وأنه ساهم بمساعدات مالية في بناء مسجد في مُستغام في إحدى الولايات، يعني وكأنه للحظات ثم خرج لكن هذا التفوق عندما يخرج تفوق التلميذات والمعلمة وكل من في المدرسة على شخصية مثل الكابتن حاجة، انتصار في حدوده الصغيرة لكن في معناه الكبير يعني انتصار، الكثير من الحوادث كنا نأكل هنا كنا نشرب هناك ونُخبأ بعض الفدائيين داخل المسجد سرداب في المدرسة وفي المسجد قبل أن نوصلهم إلى الجبال للهرب يعني كانت ملكنا المدرسة وملكنا الحي ملك كل المواطنين اللي هما كانوا محرومين من كل شيء إلا من عزة النفس ومن مدى مشاركتهم في ثورة التحرير.



[فاصل إعلاني]

ذكريات العمل السياسي

سامي كليب: وجدت لديك العديد من الصور في الواقع التي تُعبر عن أنك كنت في العمل السياسي أيضا منذ..

زهور ونيسي: بداية الاستقلال نعم.

سامي كليب: القِدم يعني طبعا لن أسالك عن عمرك ولكن وجدت مثلا في مجلة الصياد في لبنان مقالات من عام 1964 تقريبا يعني منذ ذاك وأنت تكتبين، هذه الصورة مع الرئيس أحمد بن بيلا ماذا كانت مناسبتها؟

زهور ونيسي: ومع مجاهدتين السيدة فاطمة بن عثمان مجاهدة في ثورة التحرير والسيدة صفية بن مهدي والأخت اللي أمامها سيدة فلسطينية هنا كنا في الاحتفال الأول باليوم العالمي للمرآة وكانت مجموعة من بلدان في أفريقيا لم تستقل بعد.

سامي كليب: يعني هي المفترض عام 1963 تقريبا.

زهور ونيسي: عام 1963 إحنا استقلت الجزائر.

سامي كليب: 1962.

زهور ونيسي: في 1962 يوليه 1962 زيد لها الأشهر في مارس 1963.

سامي كليب: وكنت تعرفين الرئيس بن بيلا عن قرب؟

زهور ونيسي: ما في شك كنا نعرفه جميعا الرئيس بن بيلا كان أخونا الكبير وكان وكنا نحبه ولا نزال نحبه لأنه بالنسبة لنا هو الرئيس الأول للجزائر المُنتخب في الجزائر المستقلة لأنه كان قبله رؤساء أيضا مثل المجاهد الكبير الأستاذ يوسف بن خدة الدكتور يوسف بن خدة وأيضا المجاهد الكبير عباس فرحات رحمهم الله.

سامي كليب: وراضية عن تجربة الرئيس بن بيلا؟

زهور ونيسي: في نفسي كمواطنة مع المواطنين نستبق الأحداث لم يكن لنا مجال للتوقف للتأمل أو كنا نسابق الزمن من أجل تحقيق مكاسب معينة بعد الاستقلال.

سامي كليب: طبعا سألتك عن الرئيس أحمد بن بيلا لأنه أيضا نجد لديك صورة للرئيس هواري بومدين ليس هناك فقط صورة ولكن في هذا الكتاب في بعض المقالات التي كنت تكتبينها تحت أسم نقطة ضوء على ما اعتقد تمدحين الرئيس بومدين وتقولين أنه هناك فرق بين رئيس الذي عادة.

زهور ونيسي: وقائد.

سامي كليب: نعم بين رئيس وزعيم، الرئيس هو الذي يستمد قوته من القوانين التي توضع وإلى ذلك بينما الزعيم من القاعدة الشعبية، هنا السؤال هل يعني حصر هذا المديح ببومدين أنه بالنسبة لك كان أفضل من أحمد بن بيلا كانت تجربته أرقى بالنسبة للجزائر؟

زهور ونيسي: هو أولا أنا لا أحب استعمال كلمة زعيم إحنا في الجزائر كنا طول الوقت وخصوصا بعد الاستقلال مباشرة نرفض الزعامات لا نحب كلمة زعيم، ربما الزعامات جاءت لنا من خلال الإعلام العربي في بداية الاستقلال.

سامي كليب [مقاطعاً]: المشرق.

زهور ونيسي [متابعةً]: المشرق العربي إحنا بالنسبة لينا أول درس لقنوه لنا بعد الاستقلال هو أن الزعيم الأوحد هو الشعب صحيح أنه كلمة عامة وهَيولة..

سامي كليب [مقاطعاً]: فضفاضة.

زهور ونيسي [متابعةً]: فضفاضة، عباءة فضفاضة يعني وكل واحد يجازى بفعله ويكافأ بفعله وفي من عمل أحسن من الأخر إلى آخره ولكن نرفض كلمة الزعيم واعتقد أن نتائج هذا الرفض كانت نتائج طيبة لأنه بعدنا دائما نقدس كفاح الشعب كشعب ككل.

سامي كليب: نعود إلى بومدين وبن بيلا.

زهور ونيسي: نعود إلى بومدين أنا لا أقول هذا أفضل من هذا، أنا أقول لكل مرحلة قائد بومدين لا يختلف عن بن بيلا لأنه كلاهما مجاهدين كلاهما جاهد من أجل استقلال الجزائر.

سامي كليب [مقاطعاً]: طبعا لن أطيل الحديث عن هذا الموضوع.

"
بومدين ساعد في تأسيس الصحافة باللغة العربية ومنها المجلة الجزائرية التي كنت أرأسها
"
زهور ونيسي [متابعةً]: إنما بومدين عفوا نكمل فكرتي على بومدين، بومدين كان كُنت أتصور فيه في السنوات التي عملنا معه فيها كمثقفين بصفتي اعتقد.. أدعي أنني مثقفة في ذلك الوقت عملنا ساعدنا كثير في تأسيس الصحافة باللغة العربية ومنها مجلة الجزائرية التي كنت أرأسها.

سامي كليب: أول مجلة نسائية حضرتك أدرتها.

زهور ونيسي: أول مجلة نسائية صدرت بالعربية وبالفرنسية وكنت أرأسها ودامت أثني عشر سنة وأنا أحرر افتتاحيتها وأقوم على تسييرها.

سامي كليب [مقاطعاً]: حتى دخلت إلى مجلس الشعب للأسف يعني.

زهور ونيسي [متابعةً]: كان بومدين مثلا الحزب يطبع المجلة وكل الأقلام لا تأخذ شيئا بالنسبة للمجلة لمدة عام أو عامين، حتى جاء بومدين وأهديناه هذا المُجلد الأول اللي هو عام سنة راهنا معه عليه مع بعض الأصدقاء ليعطينا الفارق بين الطبع وحتى ندفع منحة صغيرة للأقلام التي كانت ليس أقلام محترفة ولكنها أساتذة وأستاذات هنا وهناك في الثانويات وفي الجامعات.

سامي كليب: وقبل الطبع.

زهور ونيسي: هو الذي أعطانا وقبلنا وكان عندما لا أنشر مقالا في مجلة الجيش الناطق الرسمي الناطق المركزي للجيش الوطني الشعبي كان يسألني في مناسبات لم تكتبي هذا الشهر.

سامي كليب: هل كان هناك رقابة على أيام الرئيس بومدين؟

زهور ونيسي: لا أبدا بالنسبة لنا.

سامي كليب: بالفعل كنتم تتمتعون بحرية كاملة.

زهور ونيسي: بحرية مطلقة كانت رقابتنا من ذاتنا، رقابة يعني ليس رقابة على أهل الفكرة ولا على أهل لأنه ما تنساش أنه كان الحزب الواحد وكان معظم المسؤولين مجاهدين.

سامي كليب: اسمحي لي هل كنت قادرة في مجلة الجزائرية أول مجلة نسائية اللي أدرتها وأشرفت على رئاسة تحريرها كنت قادرة على انتقاد الحزب الواحد؟

زهور ونيسي: كنت قادرة على انتقاد الحزب الواحد في بالنسبة لقضايا المرآة.



زهور ونيسي.. الرئيس بوتفليقة.. والعراق

سامي كليب: في طبعا نعود إلى ما قلت في الكتاب تقولين أنه كثيرا ما نجد الفرق شاسعا بين الرئاسة والزعامة، فالرئاسة تأتي بالمواد القانونية والانتخابات الصحيحة أو المزورة النظيفة أو القذرة، أما الزعامة فتأتي بالقناعة الشعبية المطلقة أجد لك صورة مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هل ينطبق عليه مفهوم الزعيم أم الرئيس؟

زهور ونيسي: الرئيس بوتفليقة ينطبق عليه لقب الرئيس وعلى مدى سنوات الإنجازات اللي هايقوم بها ورصيده التاريخي الثوري نستطيع أن نطلق عليه أيضا زعيم ولو أنني كما قلت لحضرتك لا نحب كلمة الزعيم كثيراً في الجزائر.

سامي كليب: هناك صور عديدة في الواقع سنحاول أن نراها جميعا بعد قليل، لفتتني صورة معك بينك وبين الرئيس ياسر عرفات.

زهور ونيسي: الأخ ياسر عرفات أبو عمار.

سامي كليب: ما هي مناسبة هذه الصورة؟

زهور ونيسي: هذه المناسبة كان الأخ أبو عمار عندما يعقدون اجتماعاتهم المجلس الوطني الفلسطيني..

سامي كليب: هنا في الجزائر.

زهور ونيسي: هنا في الجزائر كنا نحضر وكنت أعتبر نفسي مناضلة للقضية الفلسطينية وكانت افتتاحيتي في كل شهر في مجلة الجزائرية لابد وأن تكون فيها فقرة عن القضية الفلسطينية وداخل المجلة لابد أن يكون هناك دراسة أو بحث أو مقال عن القضية الفلسطينية في خلال السفارة.

سامي كليب: ولكن اسمحي لي يعني فقط ربما معلوماتي قليلة في هذا الشأن في كل ما قرأت لك في هذا المؤلف الكبير مجموعة الأعمال الكاملة لكِ لم أجد رواية عن فلسطين أو الفلسطينيين هل تعمدت فقط الاهتمام بالشأن الجزائري؟

زهور ونيسي: عندي قصة فلسطينية، قصة فلسطينية نُشرت في مجلة الجيل وكانت عن.. كنت استلهمتها من سفرية قمت بها مع الأخت نجلا أم ناصر مديرة مكتب الأخ أبو عمار كانت عندنا وكنت مرافقة لها لولاية الأوراس فعندما وصلنا إلى أدغال الأوراس وجدنا مجموعة من الأطفال يختبؤون وراء التلال فأرادت أن تضحك معهم قالت لهم أتعرفون من نحن، سكتوا الأطفال سكتوا في البادية في الجبال يعني إحنا في وسط الطريق وقفنا لنرتاح قليلا من قسنطينة إلى الأوراس، قالت لهم لست أدرى لماذا قالت هذا قالت لهم نحن أميركان وبدأت الحجارة، بدأت الحجارة قبل أن تبدأ انتفاضة الحجارة في، بدأت الحجارة على السيارة وعلينا إحنا وكأنه الأطفال صدقوا أننا أن السيدة اللي كانت معانا هي والوفد المرافق لها من.. فالقضية الفلسطينية عندها أهل يكتبوا لها.

سامي كليب: شو كان أسمها القصة؟

زهور ونيسي: قصة في مجلة الجيل والله نسيت اسمها موجودة هناك.

سامي كليب: نسيت الأديبة والمجاهدة زهور ونيسي عنوان قصتها عن فلسطين وكيف لا تنسى طالما أبدعت حتى الآن عشرات الروايات ومئات المقالات وفي كل ما كتبت كانت زهور ونيسي دائما تستلهم من قصص شعبها أو من العروبة والإسلام حيث تعتبر النضال وطنها والتحرر غايتها وغالبا ما تكفي قراءة الإهداء لمعرفة هذا النزوع النضالي لدى السيدة ونيسي.

زهور ونيسي: أهدي هذا الكتاب إلى الصامدين وحدهم، إلى أولئك اللذين لم تبهرهم الأضواء الاصطناعية البراقة ولم تغرهم المفرقعات الكلامية ولم تحركهم الصهلات الخطابية ولا التهريجات المظهرية ولم تهزم إرادتهم التنهدات الانهزامية ولم تُشِل عقولهم وتفكيرهم القوى الجوفاء، إلى أولئك الذين مازالوا متمسكين بثوابت الأمة وقيمها ورموزها في العمل والعدالة والحرية، إلى أولئك الذين يصمدون في حب الجزائر ومستقبل الجزائر ومجد وخلود الجزائر.

سامي كليب: زهور ونيسي التي وجدتها حين وصلت إلى الجزائر منهمكة بتوقيع روايتها لمحبيها وقارئيها في المعرض الدولي للكتاب الذي أقيمت دورته التاسعة هذا العام في العاصمة الجزائرية لم تكتفي في الواقع بالكتابة عن بلادها وفلسطين وإنما أنجذب قلمها انجذبا نحو مأساة عربية أخرى هي مأساة العراق.

"
كمثقفين وكسياسيين عاجزين أمام احتلال العراق وأضعف الإيمان إبراز الحقائق مثل ما تفعل بعض وسائل الإعلام والمدافعة عن الديمقراطية كخيار جماهيري عربي
"
زهور ونيسي: إحنا الآن العراق مُحتل، العراق مُحتل وإحنا كمثقفين وكسياسيين أيضا عاجزين أمام هذا الاحتلال يعني أضعف الإيمان عندنا أننا نبرز الحقائق مثل ما تفعل بعض وسائل الإعلام وأننا ندافع على العراق الحر والعراق المتحضر وأن ندافع عن الديمقراطية كخيار جماهيري عربي وليس كمعطيات تُصَب علينا من فوق أو تفرض علينا من فوق، أنت تعرف حضرتك أنه الديمقراطية في العالم الغربي أسست على مدى مئات السنين في الوقت اللي يجيوا يفرضوها علينا في عشرية أو عشريتين، في من يأخذها يأخذ جرعة كبيرة لتصبح ليست ديمقراطية ولكن فوضى وفي من يناكفها أو يكافحها أو يقف ضدها وفي من يطلب ديمقراطيات أخرى كبديل كل مجتمع عنده خصوصيات كل مجتمع عنده هويته وكل مجتمع عنده حضارته وعنده تاريخه المفروض أنه صحيح أنه في قواعد، قواعد للديمقراطية قرأناها جميعا للأقدمين ولكن يجب أن تُكيف هذه الديمقراطيات حسب الشعوب وحسب المجتمعات وحسب المعطيات الموجودة في..

سامي كليب [مقاطعاً]: يعني على كل حال سيدة زهور ونيسي حضرتكِ إضافة إلى هذا الوجه المشرق الذي قدمته للعمل المقاومة في الجزائر ولكن أيضا يعني من يقرأ التسلسل الروائي لديكِ نلاحظ أن هناك أيضا مرحلة من خيبات الأمل عبرتي عنها في العديد من الروايات، يعني مثلا رواية إذا أذكر تماما السكر والذباب تقولين فيها لقد ربحنا المعركة ولكن من هو الخاسر يعني وكأنكِ تشككين بما حصل فيما بعد يعني بعد الثورة بعد النجاح بعد ربح المعركة ضد المستعمر وكأن المستعمر لم يخسر.

زهور ونيسي: ليس تشكيكا بقدر ما هو إحباط ربما تشكيك لماذا؟ لأنه في الحالة التي كنت أكتب فيها عن الوضع في الجزائر، ما تنساش أنه العشرية الماضية أوقفت المسار التنموي للجزائر وأوقفت حركة التاريخ في الجزائر ولو أن ما واقع في الجزائر لم يقع لكانت الجزائر اليوم في مرتبة عليا من النمو من الازدهار ما تنساش أنه توقف كل شيء في العشرين الماضية.

سامي كليب: من يتحمل المسؤولية؟

زهور ونيسي: من يتحمل المسؤولية، نتحمل المسؤولية جميعا يتحمل المسؤولية الإنسان الجزائري، يتحمل المسؤولية النسوة الجزائري، يتحمل المسؤولية الاستعمار اللي خلى رواسبه، يتحمل المسؤولية العالم ونظرته للعالم المتخلف، تتحمل المسؤولية العولمة ونظرتها لهذا العالم المتخلف الذي تريد أن تُبقي عليه كسوق لها فقط، يعني عوامل كثيرة لا يمكن أن نقول مسؤول هذا هذه تيارات ونقدر نقول ظواهر، ظواهر اجتماعية وسياسية صدرت بداية نقدر نقول بداية عندما أراد الغرب أن يقضي على كل ما هو شيوعي في العالم من خلال أفغانستان.

سامي كليب: بس شو خص الغرب في معركة حصلت واستمرت أكثر من عشر سنوات.

زهور ونيسي [مقاطعةً]: لا تنسى أن كل..

سامي كليب [متابعاً]: اسمحي لي، بين مؤسسة عسكرية وبين جماعات إسلامية.

زهور ونيسي: لا لم تكن بين مؤسسة عسكرية وجماعات إسلامية، كانت المؤسسة العسكرية تدافع عن المواطن الجزائري الذي كان يُذبح وينكل به وتنكل عائلته وتحرق الأكواخ لم يكن الإرهاب يقصد الجيش الجزائري أو يقصد الأمن الجزائري وإلا كانت معركة متكافئة، الجيش الجزائري سليل للجيش التحرير الوطني الجيش الوطني الشعبي كان يدافع عن المواطن في كل وهو يدافع بصمت.

سامي كليب: في الواقع سيدة ونيسي يعني الكثير من الجزائريين بعد الاستقلال بعد فترة بعد مرور ثلاثين عام أو خمسة وثلاثين عام يعني اليوم نحن بعد 42 عام من الثورة.

زهور ونيسي: نعم.

سامي كليب: البعض كفر بجبهة التحرير وقال إنه رجال جبهة التحرير أصبحوا أثرياء أصبحوا أغنياء لم يعودوا يلتفتوا إلى الشعب وما إلى ذلك، حضرتكِ يعني لاحظت في بعض مجموعات هذا الكتاب تُهدين الروايات إلى جبهة التحرير حتى في بعض المقالات تدافعين عن جبهة التحرير رغم بعض الانتقادات الضمنية التي يتضمنها مقالكِ، يعني هل جبهة التحرير أُسِيء فهمها أم هي أخطأت فعلا بنظركِ كمثقفة وككاتبة وهل لا تزال تصلح حتى اليوم كحزب؟

زهور ونيسي: نعم بطبيعة الحال هي كحزب واحد قادت الثورة للحرية وللاستقلال ثم بعد الاستقلال في أخطاء أنا عندما أدافع عن جبهة التحرير لا أدافع عن أشخاص في داخل جبهة التحرير، أدافع عن مبادئ جبهة التحرير اللي حررنا من خلالها البلاد أدافع عن برنامجها بالتحرير اللي كان المفروض يطبق بعد الاستقلال أدافع عن قيم جبهة التحرير كثورة من أجل الإنسان فيها أخطاء تقع في جبهة التحرير وفي أي حزب آخر يصبح حزب نظامي.

سامي كليب: يعني طبعا أنا أطرح عليكِ السؤال بالنسبة لجبهة التحرير لأنه الكثير يقدر الجانب الأدبي في رواياتكِ وما إلى ذلك ولكن البعض يُعيب عليكِ أنكِ كنتِ في مرحلة معينة مثقفة السلطة إذا صح التعبير ووصلتي لتولي وزارات عديدة في الجزائر كيف تردين على هذه الاتهامات؟

زهور ونيسي: الدولة الجزائرية والسلطة الجزائرية بالنسبة هي نتيجة جهاد مقدس ونتيجة طبيعية وجميلة لكفاح شعب، الدولة الجزائرية في معناها عندنا ليس نفس المعنى عند دول أخرى فهذه استمرارية لثورة التحرير كانت هناك شرعية ثورية ثم تصبح هناك ثورة.. شرعية أخرى سياسية ومؤسساتية فأعتقد أنه إذا كُنت مثقفة السلطة لا أزال إلى اليوم وسأبقى مثقفة السلطة ولا أزال اللسان الناقد للسلطة في نفس الوقت والمصحح للكثير من الأشياء أدعي هذا إذا كان فعلا مش مديح أو غرور يعني كثير والتي تقول كلمتها في كل مكان ولا تُمنع من قول كلمتها مثلا في مؤتمر جبهة التحرير السادس عملت تشريح نظام، تشريح نظام.



زهور ونيسي في أول يوم بالوزارة

سامي كليب: لا تخفي زهور ونيسي اليوم أنها مثقفة السلطة وناقدتها في آن، تماما كما لم تكن تخفي سابقا أنها حامية النضال بالقلم تارة والتعليم تارة أخرى وما كل هذه الأوسمة التي تتصدر مكتبها الأنيق ومكتبتها التي يشاركها فيها زوجها المحامي والقاضي السابق قسما منها، ما كل هذه الأوسمة سوى برهانا على ما قدمت هذه المناضلة والأديبة لبلادها وهنا في هذا المكتب وجدت عندها صورة مُلهمها وابن منطقتها الإمام بن بديس تماما كما وجدت مجموعات من كتب سياسية وأدبية أخرى كان قد أهدى لها بعضها القائد الفلسطيني الراحل أبو إياد ونظرا لتاريخها النضالي كان الرئيس هواري بومدين قد كافأها قبل رحيله بأن وضع اسمها على لائحة الوزراء وبالفعل أصبحت فيما بعد أول وزيرة في حكم ما بعد الاستقلال، فكيف تقبل زملاؤها الوزراء وجود أول زميلة لهم بينهم؟

زهور ونيسي: والله تَقبُل أذكر جيدا ذلك اليوم لأنه قبلت بالوزارة وأنا مرعوبة ورحت لأول اجتماع مجلس الوزراء وأنا مرعوبة ولم يمنع ترحيب الأخوة لي في الحكومة ولطفهم معايا لم يمنع كل ذلك من يعني اختفاء هذا الرد.

سامي كليب: تذكرين مثلا شو حادثة حصلت؟

زهور ونيسي: إخوان رحبوا بي كثير وكانوا فرحانين وكانوا معتزين وأحدهم قال لي أنتِ كاهنة العصر الحديث على ملكة الأوراس في ذلك الوقت وأنا بطبعي كنت دائما مهما لمست من نجاحات في حياتي كنت دائما أتعامل مع الآخرين على أنني أتعلم، على أنني آخذ على أنني يعني هذا الأسلوب هو أسلوب صادق ما هوش أسلوب يخليني دائما يعني أُحاط باللطف وبالمعاملة الطيبة بالمعاملة.

سامي كليب: كنتِ طالبة للوزارة؟

زهور ونيسي: أبدا.

سامي كليب: كيف حصل؟

زهور ونيسي: كنت خائفة جدا وعندما ندا لي الرئيس الأسبق شاذلي بن جديد الله يذكره على خير، كنت ظننت أنه سيُوبخني على مداخلاتي الشجاعة على حق قانون الأسرة في المجلس الشعبي الوطني ولكنه عرض علي بكل رقة بكل تواضع، في بدايتها ترددت ورفضت قلت له دعوني في المواقع الخلفية وفي.. أعمل في اللجان المركزية وفي المجلس العشب الوطني فقال لي كلنا مسؤولين لسنا متخصصين، هذه الجزائر محتاجة لكل أبنائها وبناتها وقلت دعني أستشير واستشرت زوجي.

سامي كليب: زوجك شجع طبعا.

زهور ونيسي: شجعني كثيرا على ذلك.

سامي كليب: هو دائما يشجعكِ.

"
التزامات الوزارة ليست سهلة بالنسبة للمرأة، لذلك كنت دائما أحاول أن أعامل كعقل يسكن أنثى ليس كامرأة تشبه الرجل
"
زهور ونيسي: لأنه التزامات الوزارة ليس التزامات سهلة بالنسبة للمرأة وخوفي أنا كان من أنني الأولى، الأولى في هذا المنصب يقع عليها النظر تسلط عليها الأضواء تسلط عليها في لبسها في كلامها في تصريحاتها في عملها، في عملها بالخصوص كنت يعني أحاول أنني أعمل الضعف حتى لا يقال أنها امرأة ولم تنجح أو حتى لا يقال أننا نحن سبب نجاحها أو حتى لا يقال نحن نساعدها حتى تنجح ولذلك كنت دائما أحاول أن أُعامل كعقل يسكن أنثى ليس كامرأة تشبه الرجل.

سامي كليب: على كل حال كان عندكِ حظ كبير أيضا أنكِ كنتِ مُحاطة برجال متفهمين ما كان بالنسبة للوالد الذي شجعكِ على التعلم والتعليم.

زهور ونيسي: ما فيش شك أو بالنسبة للزوج.

سامي كليب: أو بالنسبة للزوج الذي..

زهور ونيسي [مقاطعةً]: أو بالنسبة لأخواني في مختلف القطاعات يعني المختلفة أو الإطارات التي عملت معها في الوزارات كانوا في محبة وفي طاعة وفي يعني كانوا لطاف معي يعني تصوروا إن نجاحي هو نجاحهم.

سامي كليب: وقد يعني وددت أن يشاركنا زوجك في هذه الحلقة ولكن أحترم رأيه ويقول إن الحلقة حلقتكِ ويعني يجب أن تنحصر بكِ ونوجه له طبعا التحية عبر هذا البرنامج، في الحديث عن هذا الجانب العربي الإسلامي للجزائر يعني سمعنا الكثير عن إحداث نوع من الشرخ في داخل المجتمع الجزائري في مراحل معينة من خلال اللعب على وتر البربرية والعربية، حضرتكِ كمثقفة تعرفين الجانبين طبعا البربري والعربي أو القبائلي كما يُقال هنا أكثر من بربري، هذا الشرخ ما هو سببه من الذي برأيكِ أججه من المسؤول عن ما حصل في هذا الاتجاه؟

زهور ونيسي: هي لا ليش نقول لك مع حرية التعبير مع حرية الرأي ومع الديمقراطية ومع التعددية السياسية والأحزاب المختلفة، التيارات السياسية المختلفة كل واحد يلعب على أمر على قضية والناس أحرار تعلب كما تحب وتتكلم كما تحب وقناعتها كما تحب لكن هذا لا يغير من الأمر شيئا الجزائر ووحدتها الوطنية هي هَم كل الجزائريين، كل شخص وراءه جهة مستفيدة ستفشل أكيد ستفشل محاولاته وفي هذا المجال.

سامي كليب: واثقة من فشل المؤامرات وربما هي على حق أو ربما هو الأمل الذي طالما حملته شعارا لنضالها والسيدة زهور ونيسي أخبرتني قبل أن أودعها في منزلها الهادئ والأنيق أنها بصدد الانتهاء من رواية ستُحدث اختراقا في تاريخها حيث سيكون موضوعها سياسيا وقالبها جديدا ولا شك أنها في كل ما كتبت وستكتب فإن زهور ونيسي كانت وستبقى شمعة نضالية مضيئة في هذا الزمن العربي الصعب.