مقدم الحلقة

سامي كليب

ضيف الحلقة

- جاك أتالي، المستشار السياسي للرئيس ميتران

تاريخ الحلقة

07/02/2000


جاك أتالي
سامي كليب
سامي كليب:

هل فعلاً كان الرئيس الفرنسي الراحل (فرانسوا ميتران) أكثر الرؤساء الفرنسيين قرباً من إسرائيل، إذن لماذا كان سباقاً في استقبال ياسر عرفات في قصر (الإليزيه)؟ ولماذا كان أول من دعا من قلب الكنيست الإسرائيلي إلى قيام دولة فلسطين، والتحاور مع منظمة التحرير؟ هذا غيض من فيض الأسئلة، التي سنطرحها اليوم على ضيفنا، الذي ما كان شخص يستطيع الدخول إلى مكتب (ميتران) دون المرور بمكتبه إنه المستشار السياسي الكبير سابقاً (جاك أتالي).

إلى يمين الرئيس أو يساره، بقى (أتالي) أفضل جسور نحو إسرائيل منذ (جولدا مائير) حتى وفاته، لكنه التزم بالسياسة العربية لفرنسا من جزائر (الشاذلي بن جديد) لمصر السادات ومبارك.

(أتالي اليهودي) الأصل الكاتب، والخبير الاقتصادي – شارك في هندسة الاتصال مع واشنطن (رونالد ريجان) رغم حساسية الاتصال بـ(فيدل كاسترو)، وبينهما التقط لحظة (جورباتشوف)، وتحولات (البيروسترويكا)، وبموت (ميتران) تبقى لـ(أتالي) كلمة السر.

السؤال الأول يتعلق بأول لقاء بينك وبين الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتران)، الذي يعود على ما يبدو إلى العام 66، ما الذي أعجبك فيه؟ ولماذا بقيت معه كل تلك الفترة؟

جاك أتالي:

حين التقيت بـ(فرانسوا ميتران) عام 66، كنت آنذاك طالباً في الجامعة، أنهيت دراسات في العلوم، وبدأت دراسة العلوم السياسية، ما شدني إليه هو أنه الرجل الذي كان يمثل تحدي الديمقراطية في فرنسا بعد الـ(ديجولية)، ويمثل أفكار اليسار الاجتماعي الديمقراطي، كان هذا أول اتصال به، وفيما بعد تحول اهتمامي به بصفته رجل الدولة ومفكر، ورجل ثقافة، ومعه كان بالإمكان التكلم في الأدب وفي الدين وفي الجغرافيا، السياسية باهتمام لا ينضب.

سامي كليب:

حين تتحدث عن الجانب الديمقراطي، هل يعني أن الـ(ديجوليين) لم يمثلوا بالنسبة لك الديمقراطية في فرنسا؟

جاك أتالي:

نعم ولا.. نعم لأنني يهودي من أصل جزائري، ولأنني أحمل هاتين الميزتين توافقت مع الـ(ديجولية) في أمرين، فبفضلها تحررت فرنسا من النازية، ولم يهاجر اليهود الجزائر، كما كان الحال بالنسبة ليهود أوروبا، وبفضلها أيضاً، حصلت الجزائر على استقلالها. كان والدي يميل كثيراً إلى اليسار، كان شيوعياً واشتراكياً، ومع أنه كان برجوازياً، فإنه كان يناصر فكرة استقلال الجزائر، يعني أنه كان (ديجوالياً) من هذا الجانب، وأنا بدوري كنت مع هذا الجانب من (الديجوالية) أيضاً، على أن (الديجوالية) مثلت الرفض الديمقراطي، بعد نهاية الاستعمار، لأنها حافظت على الأفكار الأكثر ثوروية، ولكن (ميتران) مثل الشباب، الشباب الذي التف حوله فيما بعد ليقول لا بعد خمسة عشر عاما.

سامي كليب:

تحديداً بالنسبة للموضوع الجزائري، المعروف أن الرئيس الفرنسي لم يكن يريد استقلال الجزائر، (فرانسوا ميتران) ألم تزعجك تلك.. ألم يزعجك ذاك الجانب لشخصيته؟

جاك أتالي:

(فرانسوا ميتران) كان وزير للداخلية ما بين عامين 54 و55 كان مناهضاً لاستقلال الجزائر، كباقي الطبقة السياسية الفرنسية، إن أكثرهم تقدمية كان يؤيد فكرة منح الجنسية الفرنسية للجزائريين، ولعل هذا ما كان يطالب به بعض القادة الجزائريين مثل فرحات عباس قبل الاستقلال، إذن لم يزعجني موقف (فرانسوا ميتران)، الذي لم يختلف عن موقف الطبقة السياسية في فرنسا عام 54، إلا أنه سرعان ما أصبح يساند حركة الاستقلال في الجزائر.

سامي كليب:

هل فعلاً غير رأيه بالنسبة للجزائر لاحقاً، أم أنه أراد دائماً أن تبقى تحت السلطة الفرنسية؟

جاك أتالي:

لا، ليس بالإمكان الجزم بهذا، لم أستشف من مناقشاتي معه ما معناه أن الرجل يميل لبقاء الجزائر تحت السيطرة الفرنسية، لم يكن يعرف جيداً الجزائر، وزارها لأول مرة خلال الحرب كانت زيارة خاطفة، كان صديقه المقرب من يهود الجزائر (جورج دايهون)، لم يكن للجزائر تأثير كبير عليه كانت بالنسبة إليه فصلاً من فصول حركات الاستقلال على ما أعتقد.

سامي كليب:

حين تتحدث عن علاقة الرئيس الفرنسي بالولايات المتحدة الأمريكية، تقول: أنه لم يكن يحب عند الأمريكيين سوى الأدب، ألم يحب السياسة؟ ولم يعجب بها؟ ولا الاقتصاد؟

جاك أتالي:

كان يهوى الأدب الأمريكي (ستايرون) كان أحد أصدقائه الشخصيين، كان يحب (شتاي بانل)، وأيضاً (جون دوس باسوس)، و(أرثر ميلر)، لكنه بالوقت ذاته، وفيما يتعلق بالجغرافيا السياسية كان يعتقد دائماً أن النظام السياسي الأمريكي كان إمبريالياً ومهيمناً، ويعمل على فرض نمط الحياة الأمريكي على باقي دول العالم، وبطريقة مطلقة كان هذا أمر يرفضه (ميتران).

من هنا كان هاجسه ثنائياً، العمل على بناء أوروبا من جهة، ثم إقامة علاقات متوازنة مع باقي دول العالم، ورغم هذا كله كان يقف موقف الحليف المخلص والوفي، حيال الولايات المتحدة الأمريكية، أما المعارضة فكانت من أجل أن يجعل من أوروبا نقطة توازن، أحد المواقف التي تم تسجيلها مباشرة بعد انتخابه، يتمثل في اكتشاف.. اكتشاف قضية تجسس، تورط فيها جواسيس أمريكيون وسوفيت، وأول ما قام به (ميتران) كرئيس للدولة هو التكتم على هذا السر، شأنه في ذلك شأن الرئيس الأمريكي (ريجان) فيما بعد، وحال ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية مهددة كان متضامناً معها.

سامي كليب:

حين كانت الولايات المتحدة تنفذ سياسة لم تعجب فرنسا وأنها ضد مصالحها، هل كان يملك الشجاعة على مقارعة الأمريكيين؟

جاك أتالي:

فرنسا والرئيس (ميتران) حليفان مخلصان للولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت ذاته كان (ميتران) حريصاً على استقلال قراره، بمعنى أنه لم يكن هناك مجال لأن تملى عليه سياسة ما، أشد ما كان (ميتران) يكره هو أن تصله رسالة أو أمر من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان عليه الحال بالنسبة لباقي رؤساء الدول، أو رؤساء الوزراء في حلف شمال الأطلسي، رسالة تملي عليه السياسة الواجب اعتمادها، كان يطالب بحوار الند بالند، ولذا كان يقف في وجه كل قرار يكون فيه الحوار غائباً، أذكر على وجه الخصوص موقفين، أو ثلاثة مواقف كان فيها رفضه قاطعاً وعنيفاً، مثال ذلك عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية منع الأوروبيين من شراء الغاز من الاتحاد السوفيتي، بحجة أن ذلك يساعد موسكو على دعم ترسانتها العسكرية، أصر (ميتران) على قراره الذي يتعارض مع الموقف الأمريكي.

والحق أنه وقف موقف الرئيس الفرنسي الأسبق (جيسكار ديستان)، أذكر حادثة أخرى حين أراد الرئيس الأمريكي خلال قمة الدول الصناعية السبع سابقاً، والتي عقدت في الولايات المتحدة الأمريكية، اتخاذ قرار ببسط نفوذ حلف الأطلسي على العالم أجمع.

لقد عرف (ميتران) ذلك، لنقل أن التهديد لا يزال قائماً، ولكن يوجد دائماً غطاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، على الرغم من أن هذا الغطاء مخادع أحياناً، وهو الذي يتمتع بمدى جغرافي أوسع، ما أراده الرئيس الأمريكي (ريجان) في هذه النقطة بالذات هو أن يعلن الأعضاء في دول حلف شمال الأطلسي صراحة أن نفوذهم يمتد على العالم أجمع، واعترض (ميتران) على ذلك بشدة، وأذكر أنه خلال اجتماع في إطار قمة (ويليامس برج) أصبحت هذه المعارضة عنيفة إلى حد الاشتباك، إذ أن (ريجان) صار يدق على الطاولة بعنف ورمى بملف باتجاه (ميتران)، كانت الطاولة طويلة جداً، ولم يصل الملف إلى (ميتران).

سامي كليب:

ماذا كانت ردة فعل الرئيس آنذاك؟

جاك أتالي:

كان لائقاً، ومهذباً جداً، أعاد طرح حججه محاولاً الاقناع، ومبيناً أنه لن يتراجع، واليوم أيضاً يظل الموقف الذي اتخذه (ميتران) موقف فرنسا بما معناه، أن اتفاق الأطلسي لا يتجاوز حدوداً جغرافية معينة، وإذا لم يكن هنالك مفر من اللجوء إلى قوات غربية، للتدخل باسم الأمن والحرية، والديمقراطية خارج حدودها، فإن ذلك يجب أن يتم بواسطة قرار دولي.

سامي كليب:

اليوم نتحدث -سيد أتالي- عن فترة انتهت، وعن رئيس توفي، هل كان (فرانسوا ميتران) يقوم أو ينفذ بعض السياسات، لأن الولايات المتحدة تريدها أم أنه كان في الواقع قادراً على المواجهة؟

جاك أتالي:

لا أعتقد أن فرنسا رضخت للأمريكيين أو للسوفيت، أو للإنجليز في أمر جوهري واحد، أما إذا كان الأمر يتعلق بشأن بالغ الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، ولم تكن له نفس الأهمية بالنسبة إلينا فلم نكن نعترض عليه.

سامي كليب:

تقول في مذكراتك أو فيما كتبت عن فترة الرئيس (فرانسوا ميتران) أن الإسرائيليين، وتحديداً (شيمون بيريز) منع قصف، أو أخر قصف المفاعل النووي العراقي تموز، لكي لا يلقي ذلك بثقله على الانتخابات الفرنسية، هل فعلاً كان الإسرائيليون حريصين على (فرانسوا ميتران) آنذاك؟

جاك أتالي:

علمنا بذلك فيما بعد، وكما تعلمون لم يكن (شيمون بيريز) في السلطة، بل كان في المعارضة، وربما يكون قد طلب من رئيس الوزراء آنذاك (مناحم بيجن) أن يؤخر عملية التفجير، نحن علمنا بذلك متأخرين.

سامي كليب:

لماذا؟ لماذا هذه الخطوة من (بيريز)؟

جاك أتالي:

كلما كانت الانتخابات بهذا القدر الكبير من الأهمية زادت أهمية التفاصيل فيها، أما في حال وجود أزمة دولية كبرى، وتفجير المفاعل النووي كان يشكل أزمة كبرى في هذه الحال، كان من المحتمل أن يتأثر الرأي العام الفرنسي باتجاه الإبقاء على الرئيس نفسه، إذن من الواضح أن تأجيل قصف المفاعل كان لمصلحة (فرانسوا ميتران).

(فرانسوا ميتران) الذي كان يتقدم حينها على منافسه في استطلاعات الرأي، أما لماذا كان (شيمون بيريز) يفضل انتخاب (فرانسوا ميتران)، طبعاً (شيمون بيريز)، و(فرانسوا ميتران) كانا ينتميان إلى التجمع الاشتراكي العالمي، و(شيمون بيريز) كان يفضل انتخاب (فرانسوا ميتران).

سامي كليب:

هل تعتقد أن (فرانسوا ميتران) كان على علم باحتمال قصف المفاعل النووي العراقي؟

جاك أتالي:

لا، لا أعتقد ذلك، أنه شبه متأكد أن الأمر لم يكن كذلك، ومهما يكن فإنه لم يحدثني إطلاقاً بالموضوع، ولا أعتقد أن ذلك قد حصل فعلاً، التفجير قد حصل قبل الانتخابات الرئاسية، أو بالأحرى قد تقرر قبل الانتخابات.

سامي كليب:

لا شك أنني أطرح مثل هذه الأسئلة للانتقال إلى العلاقات بين الرئيس الفرنسي (ميتران)، وإسرائيل، والعرب، تعرف أنه في العالم العربي يقال: أن (ميتران) كان مع إسرائيل ضد العرب في فترات طويلة، وتقول أنت، أو ربما وزير الخارجية (فيدرين): أن أول ما فكر به بعد انتخابه هو كان باتجاه إسرائيل، هل كان فعلاً مرتبطاً منذ البداية بالدولة العبرية؟

جاك أتالي:

إن موقف (فرانسوا ميتران) من إسرائيل في الثمانينات كان ناجماً عن ثلاثة عناصر: أولاً تربيته الخاصة فقد تربى كـ(كاثوليكي)، ولكن في محيط (بروتستانتي)، كانت أمه (كاثوليكية)، لكنها تميل إلى (البروتستانتوية)، ومعنى ذلك أنه كان يملك معرفة عميقة بالإنجيل الذي قرأه جيداً، وحفظه تقريباً عن ظهر قلب، وعليه فإنه كان يدرك جيداً النظرة اليهودية لأرض إسرائيل، وكان في ذلك قريباً جداً من اليهودية حتى أنه كان يلوم أصدقائه اليهود ممن ينقصهم الإيمان.

أما العنصر الثاني في علاقته بإسرائيل، فيتمثل بسياسته تجاه الشرق الأوسط، هذه السياسة كانت تتلخص في كلمة واحدة: التوازن، كان يرفض إعطاء الانطباع بأن فرنسا تختار فريقاً دون آخر، بل يجب أن تسعى دائماً، وأنا سمعته يستعمل هذه العبارة- إلى أن تحفظ بدقة تامة التوازن في الخدمات التي تمنحها لهذا الطرف أو ذاك.

أما العنصر الثالث في علاقته بإسرائيل فهو اعتقاده أن التوازن كان غائباً، وبمجرد انتخابه أدرك أن موقف فرنسا لم يكن متوازناً، وأن عناصر عدة أدت إلى هذا الاختلال منها جزء من إعلان البندقية، ومنها الموقف من قرار المقاطعة، ومنها الموقف من زيارة إسرائيل، وزيارة الإسرائيليين إلى فرنسا.

وعليه فقد سعى إلى إعادة التوازن غير أنه لم يشأ أن يذهب إلى أكثر من إعادة التوازن، لأنه شعر أن في ذهابه إلى أكثر من ذلك، يشكل إساءة إلى أصدقائه الإسرائيليين، وكأنه يقول لهم ما كان يعتقده منذ البداية، وهو أن السلام لن يحل إلا بعد إنشاء دولة فلسطينية، والاعتراف المتبادل.

سامي كليب:

حسب معلوماتنا أن الرئيس الفرنسي كان ينوي زيارة إسرائيل فور انتخابه، ولكن بعد قصف مفاعل تموز ذهب إلى المملكة العربية السعودية، هل تذكر تلك الفترة كيف قرر أن يذهب إلى إسرائيل في البداية؟ ولماذا؟

جاك أتالي:

(فرانسوا ميتران) كان يكره أن يملي عليه أحد تصرفاً معيناً، وعلى عكس الفكرة الرائجة أنه ليس من الحكمة الذهاب إلى إسرائيل، فقد كان مقتنعاً بالقيام بالزيارة، لذلك قرر الذهاب إلى إسرائيل، ولكن أيضاً الذهاب إلى المملكة العربية السعودية، وإلى معظم دول العالم العربي أراد أن يزور إسرائيل سريعاً، ولكن تتابع أحداث عدة جعلت هذه الزيارة مستحيلة خصوصاً السياسة العنيفة جداً، التي كانت تمارسها الحكومة الإسرائيلية آنذاك، لم تعد المسألة تتعلق بالذهاب أو لا، أو بموعد الزيارة بل بما سيقوله للإسرائيليين، كان سيقول لهم أشياء لن ترضيهم.

سامي كليب:

وزير الخارجية (فيدرين) حين كان مستشاراً للرئيس الفرنسي يقول: إن السياسة التي اتبعها، اتبعتها إسرائيل، أكان بالنسبة لتموز أو للجولان، أو للبنان في الواقع خلقت دولة غير مريحة لفرنسا، يتحدث عن إسرائيل، هل سعى (ميتران) لأن يقول للإسرائيليين أن ما تفعلونه ليس لصالحكم، وليس لصالح المنطقة؟

جاك أتالي:

لقد أبلغ (فرانسوا ميتران) الحكومة الإسرائيلية بجميع الوسائل أن السياسة المعتمدة لم تكن صالحة للوصول إلى السلام، وكان (شيمون بيريز)، وباقي القادة في إسرائيل من الاشتراكيين الديمقراطيين في حزب العمال يشاطرونه الرأي، ولكنهم لم يكونوا في السلطة، إذن كان له تأثير بسيط في الحكومة الإسرائيلية آنذاك في حكومة (بيجن)، وعليه كان صعباً جداً إقامة علاقات طيبة.

بالإضافة إلى ذلك فإن الحكومة الإسرائيلية آنذاك تحدثت بسلبية شديدة عن فرنسا، وعن حكومة (فرانسوا ميتران)، مما زاد الأمر تعقيداً، على أن أصعب الأوقات في علاقته مع إسرائيل كانت تلك التي حصلت خلال أحداث (صابرا وشاتيلا).

سامي كليب:

حين ذهب إلى إسرائيل قال لك شخصياً آنذاك: أنه كان يود أن تكون هذه الزيارة خلف ظهره، وليس أمامه، لماذا؟ هل كان يخاف السياسة الإسرائيلية ولا يؤيدها آنذاك؟

جاك أتالي:

كان يعرف جيداً إسرائيل، وزارها مرات عدة، ولأنه كان يحب إسرائيل كثيراً، فلم يكن يزورها للسياحة، بل من منطلق واجبه في إعادة التوازن للمنطقة، ولكنه كان يعلم جيداً أنه لم يجني شيئاً من وراء ذلك، وأن في ذلك خيبة أمل للإسرائيليين، وأن حكاماً عرب كثر لن يستمعوا حتى لما سيقوله، ولن يحفظوا إلا صورته، وهو يزور القدس.

سامي كليب:

هل سأل بعض القادة العرب، الذين كانوا أصدقائه -آنذاك- إذا ما كانت الزيارة لإسرائيل ستخلق مشكلة بينه وبين العالم العربي؟

جاك أتالي:

لا، لم يتكلم على ذلك مع أحد، على أن مضمون كل الرسائل التي أرسلها قبل هذه الزيارة كان واحد استمعوا إلى ما سأقوله، وسترون أنه مفيد للسلام.

سامي كليب:

لمن أرسل هذه الرسائل؟

جاك أتالي:

وجه الرسائل إلى عدد من القادة العرب.

سامي كليب:

لا تريد أن تذكر أسماء؟ حين اجتياح الإسرائيليون لبنان، وقف الرئيس الفرنسي أمامك، وقال لك إن (بيجن) خدعني لماذا؟ هل كان حصل على وعد بأن الإسرائيليين لن يجتاحوا لبنان؟

جاك أتالي:

لقد وعد (بيجن) (فرانسوا ميتران)، و(رونالد ريجان)، ومعظم القادة الغربيين أنه لن يتجاوز الأربعين كيلو متر داخل الحدود اللبنانية.

سامي كليب:

يبدو أن (فرانسوا ميتران) كان يؤيد أن يكون الدخول لـ 40 كيلو متر فقط.

جاك أتالي:

لا، ليس الأمر كذلك نستطيع القول: أن بيجن قد شرح لـ(فرانسوا ميتران) أسبابه، وأن هذا الأخير استمع إلى هذه الأسباب، لكنه لم يبدي موافقته أبداً، موقفه كان على عكس ما أعلن آنذاك، لقد استاء (ميتران) كثيراً من ذلك.

سامي كليب:

كيف عاش حرب لبنان، والاجتياح الإسرائيلي؟

جاك أتالي:

لقد آلمته تلك الحرب كثيراً، وقد تألم معه الكثيرون، منهم أنا إسرائيل في حرب 1982 لم تكن إسرائيل التي عرفتها، ولم تكن إسرائيل التي أحببتها، ولم تكن إسرائيل التي نريدها، كان أمر غير مقبول، وكان (ميتران)، يرى أن إسرائيل ارتكبت خطأً، وعليها أن تصلحه يوماً ما.

سامي كليب:

قلنا في فترة: فرنسا كانت ولا تزال صديقة للبنان، وحامية للبنان إذا صح التعبير، وكان الرئيس الفرنسي مقرباً من إسرائيل، هل خلق له ذلك مشكلة بين البلدين في علاقته مع البلدين؟

جاك أتالي:

كان الأمر أكثر تعقيداً من هذا، لأن إسرائيل بلد صديق في حين أن لبنان أكثر من بلد صديق، إنه بلد شقيق، ثم إنه يعتبر جزءاً من الثقافة الفرنسية، والحضور الفرنسي في هذه المنطقة من العالم، لذا فكر (ميتران) في ذلك كثيراً، متسائلا عما إذا لم يكن دوره هو في مساعدة لبنان، وفي الوقت ذاته قد أضيف بعد ثالث للأزمة إذ كانت هناك قوى مختلفة في لبنان، وخصوصاً القوى الفلسطينية التي دعَّمت حالة الفوضى إلى حد.

لم نعد معه نعرف لبنان من الفلسطينيين، ولم نعد نعرف من يتولى الأمور، لذا فإنه عمل كل ما في وسعه للضغط على الإسرائيليين، لإنهاء ذلك العمل المجنون، ولما كنا مدركين أن في ذلك خطر كبير حاولنا -كما تعلمون- التدخل قدر طاقتنا عن طريق مبادرات مختلفة، من أجل خلق عوامل السلام، وقد أرسلنا قوات عسكرية، وفقدنا كثيراً من الجنود في لبنان.

سامي كليب:

لا شك أن الوضع في لبنان كان موقعاً لرهانات إقليمية، ودولية، ألم يكن قادراً الرئيس الفرنسي على إيقاف الحرب في فترة معينة؟

جاك أتالي:

هذا عنصر آخر مهم جداً لفهم موقف (ميتران) تجاه الشرق الأوسط، لأنه كان يعتقد باستمرار أن فرنسا لوحدها لم تكن قادرة على أن تلعب دوراً مهماً في هذا الأمر، ربما لم يعط للدور الذي كان بإمكان فرنسا أن تلعبه حق القدر المطلوب، كان يرى أيضاً أنه طالما أن أوروبا لم تتحد بعد، فإن فرنسا عاجزة عن التدخل، وأقصى ما في وسعها هو المحافظة على التوازن بين الجانبين، لمصلحة فرنسا.

سامي كليب:

يعني أنه أراد أن يقتصر دور فرنسا على هذا الدور الصغير؟

جاك أتالي:

صحيح كان يقول إنه يرنو إلى اليوم، الذي يرى فيه الاتحاد الأوروبي قوياً لدرجة يكون معها قادراً بالفعل على تبني سياسة خاصة.

سامي كليب:

بعد عودته من القاهرة آنذاك، قال لك: أن الرئيس المصري حسني مبارك أكد له أن السوريين، والإسرائيليين اتفقوا على اقتسام لبنان، هل فعلاً قال له مبارك ذلك؟

جاك أتالي:

كان الاتفاق بين الإسرائيليين، والسوريين على تقاسم لبنان أمراً معروفاً آنذاك، إلى درجة أن الجنود الإسرائيليين، والسوريين كانوا يتقابلون وجهاً لوجه من دون التقاتل، لقد كان لبنان الحد الفاصل بين الشرق والغرب، لقد كان الطرفان يتواجهان دون أن يحدث شيء يذكر، ولذا كان طرح الرئيس مبارك مستمداً من الواقع.

سامي كليب:

أنت على علم بكل تلك الحوارات بين مبارك و(ميتران) هل فعلاً كان مبارك يعتقد أن السوريين سيبقوا في لبنان طويلاً ولن يغادروه، وكان يقول ذلك لـ(ميتران)؟

جاك أتالي:

لا، لا أستطيع أن أتكلم باسم الرئيس مبارك، الشيء الوحيد الذي أستطيع قوله، هو أننا كنا نستمع إلى أصدقائنا اللبنانيين يعبرون آنذاك عن شعور بالاستسلام، واليأس أمام خيارات الاحتلال الفلسطيني، أو الاحتلال السوري، أو الاحتلال الإسرائيلي.

سامي كليب:

أي أصدقاء لفرنسا من اللبنانيين، المسيحيون فقط أم أن المسلمين -أيضاً- كانوا يقولون الشيء ذاته بالنسبة لسوريا؟

جاك أتالي:

من جميع الأطراف.

سامي كليب:

طبعاً المحطة الأساسية في السياسة الشرق أوسطية لـ(فرانسوا ميتران) كانت خطابه الشهير، والشجاع أمام الكنيست حين دعا إلى قيام دولة فلسطينية، والتحاور مباشرة مع منظمة التحرير، كيف جاءته الفكرة، وهل تأثر بمحيطه أم أخذ القرار بنفسه؟

جاك أتالي:

لقد فكرنا بذلك ملياً منذ وقت بعيد، إذ تحدثنا بهذا الأمر منذ عام 75 أو 76، وبالنسبة لـ(ميتران) كان الأمر بديهياً لن يوجد سلام طالما لن يتم الاعتراف بحق إنشاء دولة فلسطينية، وفلسطين تمر -حتماً- عبر الاعتراف برجل القرار الوحيد، وهو ياسر عرفات.

منذ عام 81 قال لي ميتران أنه سوف يستقبل عرفات يوماً ما في باريس، وقد التقاه بعد ثماني سنوات ولم يحضر الاجتماع أحد غيري. بعد هذا اللقاء قال لأصدقائه الإسرائيليين، وأذكر أنني سمعته يقول ذلك لـ(جولدا مائير) حين كانت رئيسة للوزراء في السبعينات في القدس عليهم، أي على الإسرائيليين التفاوض مع الفلسطينيين، بل أنه قام بزيارة للقدس ليقول لهم ذلك، إذن لم يكن الأمر جديداً، الجديد في هذه المسألة هو أن يذهب رئيس دولة فرنسية ليقول ذلك في الكنيست.

سامي كليب:

حتى (جيسكار) قال.

جاك أتالي:

على أن كتابة الخطاب الذي ألقاه في الكنيست، تمت بشكل عادي، أي أننا وضعنا مسودة بأهم الأفكار، ولم يطلع (ميتران) على المسودة إلا في الليلة التي سبقت إلقاء هذا الخطاب، وصلنا إلى إسرائيل، والتي شهدت كالعادة مظاهرات ومناقشات، ودار نقاش مع (بيجن) حول لبنان..

سامي كليب [مقاطعاً]:

قبل، قبل الخطاب.

جاك أتالي[مستأنفاً]:

نعم قبل إلقاء الخطاب، وفي المساء كان عليه إلقاء كلمة ترحيب ففعل دون تحضير مسبق.

سامي كليب:

حين التقى (بيجن) عشية الخطاب الشهير، هل أبلغه بما سيقوله غداة اللقاء؟

جاك أتالي:

أبداً، على الإطلاق، لقد اتخذ هذا القرار تماماً مثلما اتخذ قراره الحكيم، بعدم القيام بذلك، خلال إلقاء خطاب مهم جداً في (الكرملين) عندما طلب إطلاق سراح (سخاروف) أمام القادة السوفيت دون إشعار سابق، لقد ارتجل كلمة ترحيب في المساء دون استعمال رؤوس أقلام مكتوبة، كلمته كانت معبرة جداً، ومهمة حسب رأيي، فهي تساعد في فهم علاقاته بالشرق الأوسط، ذلك أنه عِوض الحديث عن الشرق الأوسط تحدث عن أمه، وعلاقته بالقرآن، والإنجيل ثم عدنا إلى الفندق قبل الحادية عشر ليلاً.

سامي كليب:

هل كنت وحيداً معه آنذاك؟

جاك أتالي:

آنذاك كنت الوحيد مكثت معه ساعة، درسنا خلالها خطاب الغد، وفي الساعة الثانية صباحاً، عندها طلب مني الذهاب إلى النوم قائلاً: إنه سيواصل العمل وحيداً، ذهبت إلى النوم، وبعد نصف ساعة اتصل بي هاتفياً، وطلب مني أن أحضر إلى غرفته، كان معه (كلوتشسو) وأمضينا ثلاث أو أربع ساعات في مناقشة الخطاب مقطعاً بمقطع، أدركت آنذاك أنه استخدم (كلوتشسو) معه، لأنه كان أكثر ولاءً للعرب، وطلب مني الحضور لأنه كان من المفروض أن أميل إلى إسرائيل، اشتغلنا الليل كله، وكنت أنا من قال أشياء بإمكانها الإساءة إلى إسرائيل في حين كان (كلوتشسو) يحذرني من قول بعض الأشياء.

سامي كليب:

مثلاً.

جاك أتالي:

لا أذكر أشياء محددة، لكننا تكلمنا عن فقرتين متعلقتين بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبمستقبل الفلسطينيين، وما إذا كان من حقهم التمتع بدولة وبوطن وبحكومة، كنا نمضي وقتاً طويلاً في انتقاء كل كلمة.

سامي كليب:

بالطبع فسر كثيراً هذا الخطاب، البعض قيل أن (فرانسوا ميتران) تعمد أن يقول مثل هذا الكلام، لمصلحة إسرائيل، وليس لمصلحة الفلسطينيين أو العرب، البعض الآخر قال العكس: إنه أراد أن يلعب نوعاً من التوازن بين الطرفين.

جاك أتالي:

أذكر جيداً أنه كان يقول عليّ أن ألقي خطاباً أستطيع أن ألقيه فيما بعد في الجزائر، كان ذلك هاجسه أن يتمكن من قول الشيء نفسه في الكنيست الإسرائيلي وفي الجزائر، ولقد قال الشيء نفسه فعلاً بعد ذلك في الجزائر واستعمل الكلمات نفسها.

سامي كليب:

تلاحظ أكثر في الكنيست من الجزائر.

جاك أتالي:

نعم، ربما لأننا تعودنا على التعاون مع الجزائر، لكنه تحدث عن إسرائيل في الجزائر، وكان الأمر مدهشاً تماماً كحديثه عن الفلسطينيين في الكنيست، كان هاجسه التوازن.

سامي كليب:

أيضاً هو كان يزن كلماته مع معظم الرؤساء العرب الذين يخاطبهم، ونذكر أن أول رسالة بعثها إلى الرئيس السوري حافظ الأسد، اختار بدقة كلماته بالنسبة للأراضي المحتلة وإسرائيل، وما إلى ذلك هل تذكر ما الذي تغير في الخطاب إلى الأسد؟

جاك أتالي:

نعم أذكر ذلك جيداً، كان ذلك مباشرة بعد انتخابه كان عليه أن يوقع كل الأوراق الموجودة فوق مكتبه، من رسائل المجاملة التي أعدتها وزارة الخارجية إلى رؤساء الدول، الذين أرسلوا يهنئونه بعد انتخابه، كان يوقع على الرسائل من دون النظر إلى فحواها طبعاً لم يكن المضمون – مضمون الرسالة موجهة إلى الرئيس السوري حافظ الأسد نفس مضمون الرسالة الموجهة إلى رئيس الـ(سيشل) مثلاً.

وهنا لا أود أن أغضب رئيس الـ(سيشل)، إذن لقد أمضى (ميتران) الوقت في التوقيع على بعض الرسائل، دون النظر في محتواها لكنه توقف عند البعض الآخر، فأدرك أنه لم يكن يوقع على رسائل مجاملة فقط، بل إنها كانت تحتوي على السياسة الخارجية لفرنسا، عندها فقط أعاد كتابة بعض الرسائل، ولكنَّ البعض الآخر كان قد أخذ طريقه إلى الرؤساء العرب، وبالتالي لقد أعاد كتابة بعض الرسائل، ليحدد سياسته العربية.

سامي كليب:

ما هي الأفكار التي شدد عليها في رسالته إلى الرئيس السوري حافظ الأسد، هل تذكر؟

جاك أتالي:

أعتقد أنه ركز في هذه الرسالة على أهمية الاعتراف المتبادل، وعلى ضرورة إعادة الأرض إلى أهلها، وحتمية السلام.

سامي كليب:

قرأنا في أحد كتبك عن تلك الفترة أن الرئيس السوري في أحد لقاءاته مع (فرانسوا ميتران) هو الذي كان يدير اللقاء في الواقع، ويتوجه بهذا الاتجاه أو الآخر، ما كان رأي الرئيس الفرنسي بحافظ الأسد؟

جاك أتالي:

إنها واحدة من المناقشات النادرة التي أشرت إليها من دون أن أشارك فيها لقد اعتمدت في ذلك على ما دونه متعاون آخر مع (فرانسوا ميتران)، والذي سمح باستغلال ذلك في كتاب (فرباتيم) ولكن بصفه جزئية، ذلك أن الجزء الأكبر يبقى سراً من أسرار الدولة، كانت المناقشة على قدر كبير من الأهمية حتى أنها كانت مؤثرة في موقف (ميتران).

كان يشعر بأن الرئيس السوري رجل ذكي للغاية، وعلى إطلاعٍ واسع على الغرب، وعلى ما يجري في العالم، وأنه كان يعمل على أن يفهمه الجميع، وفي الوقت ذاته يسعى إلى فهم كل ما يجري في العالم، لقد كان (فرانسوا ميتران)، يعلق أهمية قصوى على علاقاته بالرئيس السوري، وأمضى الساعات الطوال معه، يشرح موقف فرنسا، لقد قال لي مرات عدة فيما بعد أن ذلك اللقاء كان مهماً، لأن الرئيس الأسد قال له بعدها: أنه ترك ذكرى مهمة، وأن موقف فرنسا ثابت لا يتغير، إن (ميتران) قال بصراحة للأسد: أن على دول المنطقة أن تعترف ببعضها البعض.

سامي كليب:

لنعود قليلاً إلى الخطاب أمام الكنيست، نعلم أن (بيجن) قام في الواقع في خلال إلقاء الرئيس الفرنسي الخطاب، وانتقد بشدة السياسة الفرنسية آنذاك حيال بلاده، ما الذي جرى تحديداً بعد الخطاب في علاقتكم مع إسرائيل؟

جاك أتالي:

لا، على الإطلاق كانت هناك تصريحات من بعض القادة الإسرائيليين موجهة إلى الرأي العام، ولكن لم يكن هناك أي تعليق شخصي لـ(بيجن).

سامي كليب:

لا شيء، هل قبلوا بخطاب الرئيس؟

جاك أتالي:

أعتقد أننا أحطناهم علماً، قلت لهم: لن يكون خطاباً سلطوياً، وربما كانوا ينتظرون أن يكون أسوأ من ذلك.

سامي كليب:

في الثاني من شهر آيار مايو عام 89 استقبل ياسر عرفات في القصر الرئاسي، وكان أول رئيس غربي يستقبله آنذاك، كيف جاءته الفكرة، وألم يخش أن تسوء علاقته جداً مع إسرائيل؟

جاك أتالي:

لقد مرت سنوات طويلة، وكان خلالها إمكان الاجتماع بعرفات وارداً، عرفات طلب منذ عام 84 لقاء (ميتران) في فرنسا أو في مكان آخر، وفي أي ظرف كان، لقاء كان يطرح أكثر من سؤال مزعج أحياناً حول الظروف التي سنلتقي فيها بياسر عرفات، لكن اللقاء تم في الوقت المناسب، كان العالم يشهد تطوراً هائلاً، أذكركم هنا أنه تم عام انهيار الاتحاد السوفيتي، وسقوط جدار (برلين) بعد ذلك بستة أشهر، كان علينا أن نتحرك لأن ذلك لم يكن.. لم يكن ليهون الأمور، كان الإسرائيليون على علم بذلك، وكانوا يدركون أن هذا اللقاء حاصل لا محالة.

سامي كليب:

ألم يكن..ألم يكونوا معارضين لهذا اللقاء؟

جاك أتالي [مقاطعاً]:

طبعاً كانوا معارضين لقد أبدوا معارضتهم، ولكن فرنسا حرة في فعل ما تشاء، عدد من القادة الإسرائيليين الأذكياء كانوا يدركون ذلك، ويقولون لنا: إن عليهم أن يتفاوضوا مع ياسر عرفات يوماً ما، وأذكر أن صديقاً إسرائيلياً قال لي ذات مرة: إننا لا نعقد السلام إلا مع الأعداء، وهذا ما شجع فرنسا على لقاء الفلسطينيين، وتحديداً بلقاء قائدهم.

كان لقاءً مؤثراً للغاية، وأنا سعيد جداً بأن أكون أنا اليهودي الجزائري من اختاره (فرانسوا ميتران) لحضور هذا اللقاء، لقد تحدث إلى الرئيس عرفات بصفة شخصية خلال هذا اللقاء المؤثر، وحدثني عن علاقاته الشخصية مع الشعب اليهودي.

سامي كليب:

أخبرنا ما الذي جرى في هذا اللقاء؟ في الواقع هو مهم جداً بالنسبة لنا.

جاك أتالي:

كانت رؤيتة في زيه العسكري أمراً مؤثراً، كان القائد في المعركة، لقد جنى ثمار سياسة ناجحة حسب رأيي، إن ذلك شكل نجاحاً لسياسة كاملة، لقد تذكرت في هذا اللقاء صديق كنت أتمنى أن يكون حاضراً وهو عصام سلطاوي.

سامي كليب [مقاطعًا]:

الذي اغتيل فيما بعد.

جاك أتالي:

كان يحلم بحصول هذا اللقاء، بعدما شكر (فرانسوا) ميتران على استقباله، قال عرفات له: أنه في ذلك يرى عملاً شجاعاً، وقد استدار نحوي وقال ليس عندي أولاد، وإنما أفعل ما أفعله من أجل أولادهم –وأشار إلى فاروق القدومي، وإبراهيم السوس- بيننا وبين اليهود صلة قربى، لقد خرجنا من أسبانيا معاً، وشهدنا المعارك نفسها، علينا أن نتوصل إلى بناء السلام معاً، وأن نجد الظروف الملائمة، حتى نعيد البناء سوياً، وأنا هنا من أجل هذا.

سامي كليب:

وفي اللقاء.. في هذا اللقاء مع الرئيس الفرنسي، ماذا قال الرجلان لبعضهما البعض؟ ما هي الأحاديث التي تم تبادلها بين (ميتران) وبين عرفات في هذا اللقاء؟

جاك أتالي:

اقترح كل واحد السياسة التي يود اعتمادها، قال عرفات أنه يود أن يتوصل إلى ما يشبه التمهيد للاعتراف بدولة إسرائيل، أما (فرانسوا ميتران) فقد شدد على أن هذا الاعتراف يمر حتماً عبر قيام المنظمة الفلسطينية بإلغاء البند المتعلق بتدمير إسرائيل، هذا البند الموجود في ميثاقها، وخلال هذه المناقشة استعملت لأول مرة كلمة لاغي، الميثاق لاغي، كان (رودلاند دوما) قد قالها قبل ذلك.

سامي كليب:

في الواقع كلمة (كاديوك) لاغي شرعت منظمة التحرير اللاغية من الذي اخترعها؟

جاك أتالي:

أعرف العديد ممن يدعون أنهم أول من ذكرها، لكن أعتقد أن أول من ذكرها حقاً هو (رونالدو دوما).

سامي كليب:

لا شك بعد هذا اللقاء حصلت لقاءات سرية عديدة في فرنسا بين الفلسطينيين أو العرب والإسرائيليين، هل أنت على علم ببعض هذه اللقاءات آنذاك؟

جاك أتالي:

لا، انعقدت لقاءات عدة بين الإسرائيليين، والفلسطينيين في فرنسا، ولم نكن على علم بذلك، وانعقدت لقاءات أخرى، وكان قد طلب منا أن نشرف عليها، لكن العديد من اللقاءات التي تم الكشف عنها لاحقاً لم نكن على علم بها.

سامي كليب:

هل تم الحديث عن كل تلك اللقاءات، أم أن هناك لقاءات لم يُحكَ عنها حتى اليوم؟

جاك أتالي:

أعتقد أن كتاب (شارل أند لان) هو أكثر شمولاً على راغبية بعض التفاصيل.

سامي كليب:

(أوري سافير) كان آنذاك رئيساً لمكتب (بيريز)، طلب منك تنظيم لقاء في فرنسا بين الفلسطينيين والأردنيين والمغاربة، ما الذي حصل؟ ولماذا رفضت إسرائيل؟

جاك أتالي:

لا، (أوري سافير) و(شيمون بيريز) اقترحا علينا تنظيم لقاء في باريس، مع شخصيات من المغرب، يليها لقاء آخر مع الأردنيين والفلسطينيين، ولكن (فرانسوا ميتران) رفض، ولم يرد أن نلعب هذا الدور، ولقد أدهشني ذلك، كان يعتقد أن فرنسا لا تملك الوسائل، حتى تلعب دور الحكَم أو الوسيط، وأن هذا الدور يعود إلى الولايات المتحدة الأمريكية فقط.

سامي كليب:

هل الحسن طلب منك –أيضاً- أن تنقل رسالة سلام إلى الإسرائيليين آنذاك؟

جاك أتالي:

كثيرون آخرون أيضاً.

سامي كليب:

عرب أم فلسطينيون أيضاً.

جاك أتالي:

المنصب الذي كنت أشغله مكنني من الالتقاء بشخصيات كثيرة، وكنت محظوظاً لأن الجميع كان يحترمني هاني الحسن صديق مثله في ذلك مثل الكثيرين.

سامي كليب:

هل كان (ميتران) يثق بياسر عرفات؟

جاك أتالي:

الجواب هو نعم، من دون تردد، وضع ثقته مباشرة في ياسر عرفات، ولم يشك فيه لحظة، أدرك في عديد من المناسبات أن عرفات كان رجلاً شجاعاً، وأنه كان يفعل كل ما في وسعه، في ظروف صعبة للغاية.

سامي كليب:

هل كانت الصداقة بينهما قوية فيما بعد؟ هل اقتربا من بعضهما البعض عرفات و(ميتران)؟

جاك أتالي:

نعم كان لعرفات طريقته الخاصة في التعبير عن إعجابه بـ(فرانسوا ميتران)، عرفات يعرف كيف يعبر عن العرفان بالجميل؟ وهو لم ينس حق فرنسا عليه، بعد حوادث طرابلس في لبنان، كان يتحدث عن ذلك كلما التقى بـ(فرانسوا ميتران)، أو بـ(كلوتشيسو)، أو بي أنا..

سامي كليب[مقاطعاً]:

حين أنقذتم حياته، كيف جرى ذلك؟

جاك أتالي[مستأنفاً]:

إنها الحادثة الشهيرة، التي كان خلالها عرفات محاصراً في طرابلس، وكان لابد من إنقاذه، فنظمت فرنسا عملية خروجه بحراً، أذكر إنني تحدثت مع (فرانسوا ميتران) بهذا الشأن لحظة اتخاذ القرار، قال لي آنذاك سوف ترى أن ما فعلناه سيفرح الإسرائيليين يوماً ما.

سامي كليب:

هل كانوا معادين آنذاك بالضبط لفكرة إنقاذ عرفات؟

جاك أتالي:

لست أنا من سيبوح لك بهذا.

سامي كليب:

أنت حذر جداً، ما الذي يمنعك من الحديث معنا بصراحة اليوم؟

جاك أتالي:

لا إنما أنا أمين على أسرار الدولة، بعضها قلته خلال هذه المقابلة، والبعض الآخر في كتاباتي، هناك أسرار لابد أن تبقى محفوظة لمدة ما.

سامي كليب:

أود أن أسألك عن سر دولة، ولكنك أنت كشفته حول مسألة الرهائن الفرنسيين في لبنان، هل فعلاً شيراك آنذاك خبأ بعض المعلومات عن الرئيس (فرانسوا ميتران)، وأراد تأخير إطلاق الرهائن من أجل أن يستفيد من ذلك في الانتخابات الفرنسية؟

جاك أتالي:

من العسير جداً الإجابة على هذا السؤال، بإمكاننا القول بعد الانتخابات التشريعية عام 86، علمنا أن بلدية باريس آنذاك اقترحت تأجيل إطلاق سراح الرهائن، فيما بعد كان الأمر بيد حكومة (جاك شيراك)، وتم إطلاق سراح الرهائن قبيل الانتخابات الرئاسية، وورد ذكر (فرانسوا ميتران) في هذا الشأن. وكان هناك سلسلة من التفاصيل، التي ظهرت فيما بعد، وتعلقت بشخصية معينة في سفارة إيران في باريس، كل ما قلته شخصياً أنه لم يكن أحد ليضع حياة الآخرين في خطر لا (شيراك) ولا (ميتران)، ولكن من الجائز أن الخاطفين حاولوا أن يستخدموا واحداً ضد الآخر.

سامي كليب:

ولكنك تقول صراحة في كتابك أنكم كنتم تشكون بشيراك بأنه كان يخفي معلومات عن الرئيس بشأن الرهائن

جاك أتالي [مقاطعاً]:

ذكرت منذ قليل: أنني لا أعتقد أن الوزير الأول آنذاك أي (شيراك)، قد فعل شيئاً يمكن أن يعرض حياة الرهائن للخطر، على أن الحكومة التي كان يرأسها كانت تقود المفاوضات وحيدة، ولا تعلم (ميتران) بتفاصيلها.

سامي كليب:

كيف حلت هذه المشكلة؟ هذه المشكلة هل فعلاً.. كيف حلت هذه المشكلة؟ هل فعلاً فرنسا دفعت أموالاً؟

جاك أتالي:

لم أسمع بشكل جدي بأن أموالاً قد دفعت بشأن الرهائن.

سامي كليب [مقاطعاً]:

كنت قريباً جداً من الرئيس.

جاك أتالي:

وفق معلوماتي لم تكن المسألة مالية.

جاك أتالي:

من كان الرئيس العربي الأكثر قرباً من (ميتران)؟

جاك أتالي:

كان يلتقي مبارك كثيراً، لأنه يتفق معه في أشياء كثيرة، وقد دارت بينهما مناقشات عدة، وكان يميل إليه بصفة خاصة. مع عاهل المغرب الحسن الثاني كانت له علاقة حساسة كان يتفق معه، ولكنه كان يغيظه كثيراً. أما أقربهم إلى قلبه فهو الملك حسين الذي كان يميل إلى بريطانيا مما أبعده عن فرنسا.

سامي كليب:

أود أن أطرح عليك بعض الأسئلة الأخرى حول المستقبل، ولكن هل لك أن تطلعنا على بعض الصور التي لديك عن كل تلك الحقبة لو سمحت؟

جاك أتالي:

كان من عاداتنا التجول كل يوم مع (فرانسوا ميتران) في باريس، كنا نزور المكتبات، وكان ذلك فرصة لنا، لتحديد السياسة الفرنسية بشكل عميق دون اللجوء إلى الاجتماعات والوثائق.

سامي كليب:

ماذا كان يقرأ أكثر من الأشياء الأخرى؟

جاك أتالي:

كل مؤلفات القرن التاسع عشر، وكان يهتم –أيضاً- بما ينشر حديثاً.

سامي كليب:

هل كان يقرأ عن الإسلام؟

جاك أتالي:

كان صديقاً حميماً لـ(جون برج)، ولكنني لا أعتقد أن له معرفة ما بالكُتَّاب العرب. هذه صورة لاجتماعي مع الرئيس (كاسترو) عندما كانت علاقاته سيئة جداً مع الغرب، خلال هذا اللقاء كان (فرانسوا ميتران) موجوداً، لكنه لا يظهر في الصورة، هذا (ميشيل روكار) كان ذلك عام 76 أو 77 عندما كانت (جولدا مائير) تشغل منصب رئيس الوزراء في إسرائيل، قبل أن يصبح (ميتران) رئيساً طبعاً في فرنسا.

سامي كليب:

إذن أنت كنت وسيلة بين فرنسا وإسرائيل.

جاك أتالي:

أبداً، كان هذا اللقاء في إطار رحلة قام بتنظيمها التجمع العالمي الاشتراكي، وشارك فيها عدد من القادة الفرنسيين. هذه صورة من مرحلة التعايش بين اليمين واليسار، ونظهر في الصورة عند رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مع الوزير الأول (جاك شيراك).

سامي كليب:

هل تعتقد أن (شيراك) أقرب إلى الغرب –فعلاً- مما كان عليه (فرانسوا ميتران)؟

جاك أتالي:

لا أعتقد أن ثمة اختلاف كبير، كان للرجلين موقف متوازن حيال دولة إسرائيل، وباقي دول المنطقة، بإمكاننا القول: إنه كان هناك اختلاف مع (جيسكار ديستان) الذي كان ينحاز لمصلحة العرب. هذه صورة لنا مع (فرانسوا ميتران) خلال هذه الرحلة عام 76 في للقدس.

سامي كليب:

هذه مع الرئيس الشاذلي إذن.

جاك أتالي:

نعم لقد استقبلني يومها قائلاً: أهلاً بابن بلدي بما أنني جزائري، ولازلت أعتبر نفسي كذلك.

سامي كليب:

أنور السادات.

جاك أتالي:

هذه صورة التقطت له قبل اغتياله بيوم واحد، وكنت قد جئت لزيارته بعد لقائي بالسيد (بيجن)، انتقلت بين العاصمتين محاولاً العمل على حل إشكال متعلق بنقطة معينة في المفاوضات في اليوم التالي مات. (جورباتشوف) الذي اعتبر أنه أهم رجل في القرن العشرين، الرجل الذي وضع حداً لانقسام العالم، والمخاطر التي تهدد الإنسانية كان صديقاً.

سامي كليب:

نود أن نطرح عليك سؤالين عن المستقبل، ولكن يبدو أن لديك حديقة جميلة، كيف تم اتخاذ قرار حرب الخليج؟ كيف اتخذه؟ هل كان -فقط- من أجل أن يكون مع الأمريكيين، أم لأسباب أخرى؟

جاك أتالي:

كان الموقف واضحاً للغاية، الأمر كان يتعلق بخيار استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن علينا إلا أن نتدخل تماماً مثلما هو الحال في حرب (المهليين) التي كانت مسألة إستراتيجية لإنجلترا، ولقد تدخلنا، في الوقت ذاته كان الموقف متوافق مع نظرة (ميتران) إلى سيادة الدول.

سامي كليب:

هل اتخذ القرار بنفسه.

جاك أتالي:

أجل لوحده.

سامي كليب:

دون استشارة المستشارين.

جاك أتالي:

هذا أمر لا يناقش كان هو الرئيس، وكان هو من يقرر، ولم يكن لأحد أن يلعب دوراً في ذلك لا مستشاروه، ولا الوزير الأول إذ ذاك.

سامي كليب:

هل فعلاً كانت فرنسا تخشى على مركزها في مجلس الأمن لو اتخذت قراراً مغايراً للقرار الأمريكي؟

جاك أتالي:

لا على الإطلاق، هذه العضوية مدونة في ميثاق الأمم المتحدة، ولا أحد بإمكانه أن يغير ذلك إلا بتصويت جماعي، توافق عليه فرنسا، ثم إن الأمر لم يكن متعلقاً بتهديد ما، ذلك أن فرنسا كانت موافقة.

سامي كليب:

أنت كإستراتيجي، كيف تنظر إلى مستقبل منطقة الشرق الأوسط؟ هل تعتقد أننا فعلاً نتجه نحو السلام؟

جاك أتالي:

أنا متفائل إلى أبعد الحدود، أعتقد أن بإمكاننا أن نجعل من تلك المنطقة منطقة سلام ونمو، إلا إنها المنطقة التي تجتمع فيها المتناقضات كلها، المشكلة بين الشمال والجنوب، النقص في الماء، المشاكل الأيدولوجية والدينية والحضارية، يعني ذلك الإشكالات الخمسة الكبرى للقرن الـ21 مجتمعة في الشرق الأوسط، إلا إنني أعتقد أننا سننجح في ذلك، لأن صلة قرابة تجمع بين العرب واليهود، ولهم تاريخ واحد، ومن مصلحتهم أن يقيموا سلامًا.

سامي كليب:

هل تعتقد أننا نتجه فعلاً إلى سوق اقتصادية كما قال (بيريز)؟ هل نتجه إلى سوق اقتصادية كبيرة في الشرق الأوسط؟

جاك أتالي:

لقد أثبتت كل من فرنسا وألمانيا ذلك، لقد أثبتنا أنه بالإمكان أن يقوم سوق مشترك، ونمو مشترك بين عدوين قديمين، لا أعتقد أن ما فرق بين فرنسا وألمانيا أشد مما يفرق بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي، بإمكانهم أن يصنعوا السلام، شرط أن يحترم كل طرف الآخر، وأن يجعله محاوراً له، وألا يشعر هذا الطرف أو ذاك أن الآخر يحاول السيطرة عليه تكنولوجيا أو ديموغرافيا.

سامي كليب:

هل وفق معلوماتك، واتصالاتك مع الإسرائيليين سيقبلون بقيام دولة فلسطينية، هل كانوا يقولون لك ذلك؟

جاك أتالي:

يعلم الإسرائيليون أن دولة فلسطينية ستنشأ يوماً ما، ولقد قبل ذلك بعضهم، واعترض البعض الآخر، السؤال الآن في إسرائيل هو حول ضمان الأمن بين دولة فلسطينية ودولة إسرائيلية، ولكن الجميع في إسرائيل يعلم أن الدولة الفلسطينية ستنشأ، وإذا لم يكن ذلك فإن دولة إسرائيل ستضمحل.

سامي كليب:

الكثير من الكتاب الجدد يتحدثون عن المشكلة الدينية المتطرفة في إسرائيل، ويقولون أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو تفاقم المشاكل الداخلية، هل تعتقد أن ذلك سيؤثر على مستقبل إسرائيل؟

جاك أتالي:

أجل إن في ذلك تهديداً كبيراً في إسرائيل، وفي الدول العربية وفي غيرها، بالفعل وجود التطرف الإسلامي، وتطرف يهودي، وتطرف مسيحي نراه، في الولايات المتحدة الأمريكية، هناك خطر قيام الدولة العنصرية، وخطر الانكفاء على الذات الوطنية، إذا كان الإسرائيليون عاجزين عن إيجاد هوية لهم خارج الانغلاق على النفس، فإنهم يتجهون رأساً إلى الهاوية، أعتقد أن الجيل الجديد يدرك هذا جيداً.

سامي كليب:

سؤال أخير لو سمحت حول علاقتك الشخصية بعائلة (ميتران)، يقال إن هناك مشكلة بينكما الآن، وأنك قلت أشياء لم يكن الرئيس الفرنسي يريد أن يذكرها؟

جاك أتالي:

أنا مثقف، وكاتب قبلت أن أكون مستشاراً لـ(فرانسوا ميتران)، لكنني بقيت كاتباً تماماً مثلماً كان (كيسنجر مستشاراً) للرئيس الأمريكي، ألفت ثلاثين كتاباً ولم أشأ التحدث عن أسرار (الإليزيه)، (فرانسوا ميتران) هو من طلب مني ذلك، إذن الكتب الثلاثة ليست كباقي ما ألفت، أعاد (فرانسوا ميتران) قراءتها بالتفصيل وعبر عن ذلك الجميع، وأنا الآن أحتفظ بهذه المؤلفات، وبملاحظاته الشخصية المدونة بخط يده، ولا يهمني أي أمر آخر.

سامي كليب:

هل كان موافقاً على كل ما قلت؟

جاك أتالي:

وافق على نشرها بل رغب في ذلك، أما الآراء والتعليقات فهي لي.

سامي كليب:

شكراً لك، ولعل تاريخ (ميتران) بحاجة لسنوات طويلة وليس لمجرد ساعة.

جاك أتالي:

شكراً لكم.