مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

أحمد المرزوقي

تاريخ الحلقة:

20/12/2002

- أحمد المرزوقي وانقلاب اسخراط ضد الملك الحسن الثاني
- ظروف القبض على أحمد المرزوقي ومحاكمته

- المرزوقي وفظائع سجن تزمامرت

- محمد الغالو.. أيوب سجن تزمامرت

- دور القرآن والإيمان بالله في ردع فكرة الانتحار لدى نزلاء تزمامرت

- كيفية تنظيم السجناء يومهم في تزمامرت

- قصة الحمامة البيضاء ومرافقتها المساجين

- يوم الإفراج عن أحمد المرزوقي

سامي كليب: ضيفنا اليوم أمضى فيما يشبه القبر 6550 يوماً، شاهد أو سمع وفاة 32 شخصاً من رفاقه، شهادته اليوم هي فقط لهز الضمائر والقول إن سجن (تزمامرت) الرهيب كان موجوداً فعلاً، إنه الذي أمضى 18 عاماً في الخلية رقم عشرة. أحمد المرزوقي.

السلام عليكم مجدداً.

أحمد المرزوقي: أهلاً وسهلاً.

سامي كليب: اتفضل معلش أخرناك.

لم يستطع أحمد المرزوقي الإفادة من خبرته العسكرية كضابط صف، لأنه اعتقل قبل تخرجه من أعرق المدارس العسكرية في المغرب، ففي مطلع السبعينات وقع انقلاب اسخراط ضد الملك الحسن الثاني، وحكم على المرزوقي بالسجن الذي أمضى فيه ربيع عمره ولكن أين كان تحديداً هذا الضابط السابق حين وقع الانقلاب؟

أحمد المرزوقي وانقلاب اسخراط ضد الملك الحسن الثاني

أحمد المرزوقي: كنت في (...) والتي كنت أقودها وهي كوماندوز رقم 12، وقع لي عطب تقني في الشاحنة، واستغرق التعطيل مدة أعتقد عشر دقائق، المهم عندما دخلت إلى القصر وجدت الحالة.. حالة القصر وحالة الناس مزرية جداً، لأنه كان هنالك هلع شديد وكانت..

سامي كليب: وكانت بدأت المعركة.. نعم.

أحمد المرزوقي: بدأت.. بدأت المعركة أنا أؤكد أنني دخلت إلى القصر ولكني عندما رأيت ما رأيت، في الحقيقة كان شيئاً فظيعاً ومجانياً.

سامي كليب: رأيت قتلى على الأرض و..؟

أحمد المرزوقي: نعم، المهم لا يمكنني أن أدعي أشياءً لم أقم بها، على كل حال لكي أبقى في حجمي البسيط، هو أنني قمت بالواجب، بواجب أراه صغير جداً، وهو أنني حاولت جهد المستطاع أن أقدم المساعدة لبعض الناس الذين كانوا أمامي ولست وحيداً.. الوحيد في هذا..

سامي كليب: في اسخراط فهمتم أن الأمر يتعلق بانقلاب ضد الملك.

أحمد المرزوقي: الحقيقة فيما يتعلق بي أنا، فهمت بأن هنالك انقلاب أقولها للتاريخ لكي لا.. ولكن لما رأيت جنرالات ورأيت الوزراء وبعض الشخصيات البارزة والتي كانت لها الوزن الثقيل في.. في سير البلاد قد بدأت تطأطئ الرأس للعقيد عبابو وتتمنى له حظاً سعيداً، وقد رأينا..

سامي كليب: في قلب المعركة كل ذلك.. نعم.

أحمد المرزوقي: في قلب المعركة رأيت بأم عيني وأقولها وأصدقائي هنا طبعاً ليشهدوا على ذلك هنالك انقلبوا بسرعة خاطفة.

سامي كليب: طبعاً هم..

أحمد المرزوقي: وأخذوا يبايعون محمد عبابو ويتمنوا له حظاً سعيداً إلى غير ذلك وطبعاً لينجوا بأنفسهم بجندهم من.. من العقيد، من..

سامي كليب: سيد أحمد المرزوقي طبعاً اليوم لن نذكر أسماء كل من رأيت آنذاك، نتحدث للتاريخ، ولكن هل بعض من رأيتهم يطأطئون الرأس ويقدمون الولاء للضابط عبابو بقيوا في السلطة فيما كنتم أنتم في السجن؟

أحمد المرزوقي: أعتقد ذلك، أعتقد ذلك لأنه لا يستطيع إنسان ما أن يحكم مثلاً.. أن يجمع كل الحاضرين في اسخراط وأن يحاكمهم، لأن كل إنسان.. هنالك كان حضور كثير وكبير جداً، وكل إنسان قام بدور ما أو.. سواء لينجو بنفسه أو لأشياء من هذا القبيل، -على كل حال- وقع ما وقع، حيال هذا نحن كنا نحس بأنفسنا بأننا لا شيء تماماً أمام هذه الشخصيات وأمام.. بمعنى آخر لا يستطيع أحدنا ولو كان ملكياً أكثر من الملك أن..

ظروف القبض على أحمد المرزوقي ومحاكمته

سامي كليب: طيب، طبعاً لن نتوقف طويلاً عند المقدمة فقط، وددت أن نشرح للمشاهدين أين كنت آنذاك بالضبط، ولكن أين أُلقي القبض عليك بشكل سريع؟

أحمد المرزوقي: أُلقي القبض عليَّ، والحقيقة سلمت نفسي بعد فشل الانقلاب وقعت مجزرة أخرى مجزرة عندما أخذ الطلاب يضعون الأسلحة ويرفعون أياديهم للاستسلام هنالك جاءت مدرعات..

سامي كليب: طلاب الجيش طبعاً.

أحمد المرزوقي: طلاب الجيش، طلاب المدرسة، وأطلقت عليهم النار في زُنقة البريهي.. وحصدت 111 طالباً، من المؤسف ألاَّ يتكلم ألاَّ..، أن يُنسى هذا الحشد الكبير من الضحايا، على كل حال فررت مع ثلاثة ضباط صف، تلاميذ ضباط صف، وبعدها الاعتصام بمنزل شقيق أحد الطلبة، حاولت الفرار والخروج من الرباط، كنت أعلم علم اليقين بأن الأمر.. بأن العاقبة ستكون سيئة جداً ولكني لم أجد المساعدة للفرار، ولما لم أجد مساعدة التجأت إلى أخي الذي أقنعني..

سامي كليب: بتسليم نفسك.

أحمد المرزوقي: بتسليم نفسي، فسلمت نفسي، وهكذا أُلقي علي القبض.

سامي كليب: حصلت محاكمة طبعاً أيضاً لن نتوقف طويلاً فقط أود أن أسألك عن محاكمة، لاحظنا طبعاً في الكتاب الذي أصدرته مؤخراً أن المحاكمة لم تكن محاكمة نزيهة وخصوصاً الدليل أنك حوكمت بخمس سنوات، وبقيت في السجن 18 عاماً، رئيس المحكمة توجه إليه اللوم المباشر، هل تعتقد أن القضاء آنذاك تخلى عن دوره النزيه من أجل توريطكم؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة أن هنالك شرذمة من.. من المحامين الذين قاموا بدور.. بدور ريادي في الحقيقة، قاموا أكثر من اللازم واستعملوا كل إمكانياتهم وكل طاقاتهم وكل مؤهلاتهم للدفاع عنا، لأن القضية كانت واضحة للعيان، لأننا لم نكن على أي بينة، وأي علم من.. من الواقعة وكنا فقط أداة بشرية..

سامي كليب: تنفذوا الأوامر نعم.

أحمد المرزوقي: ولكن الرئيس الحقيقة.. وهذا هو الحقيقة المرة، أن الرئيس كان لم يكن يتمتع بتلك الشخصية المستقلة النزيهة التي تبحث عن الحق وإنما كانت تبحث دائماً على توريطنا بشتى الوسائل، فدائماً لهجته كانت ساخرة جداً..

سامي كليب: وكان يشتم المتهمين..

أحمد المرزوقي: كانت لهجته ساخرة جداً وكان لا يتورع في توريط.. توريط المتهمين، ولو فلتة لسان مثلاً فهو يستغلها بدون أن يترك الفرصة للمتهم للتفسير وللتبرير.

سامي كليب: هل لا يزال على قيد الحياة اليوم؟

أحمد المرزوقي: لست أدري.

سامي كليب: لم تسأل لم..

أحمد المرزوقي: لم أسأل أبداً.

سامي كليب: بالمقابل تحدثت عن محامين بالفعل، رويت أيضاً أن بعض المحامين خرجوا وهم يبكون من القاعة دفاعاً عنكم..

أحمد المرزوقي: نعم.. نعم، إن أنسى فلن أنسى أبداً مرافعة الأستاذ بلقزيز وكان معنا كذلك الشهيد عمر بنجلون، كان في اتصال دائم معنا وكان يرفع من معنوياتنا وكان يلازمنا ولو في.. في ساعات الاستراحة، شيء لن أنساه أبداً هنالك بعض المحامين قاموا بدور جميل جداً، مرافعة الأستاذ بلقزيز وعندما أخذ يرافع كانت مرافعته رائعة جداً، وفي نهاية.. وفي وسط المرافعة أجهش بالبكاء، لم يطق صبراً وخرج بدون أن يتم مرافعته، وفي الحقيقة أغرق القاعة كلها في صمت رهيب وأحسسنا كلنا بصدمة كبيرة، لأنه في الحقيقة حيال الظلم وحيال الاضطهاد الإنسان في بعض الحالات لا يعبر عنه إلا بالصمت.

المرزوقي وفظائع سجن تزمامرت

سامي كليب: بعد المرور بسجن القنيطرة على ما أعتقد ذهبتم مباشرة، نُقلتم إلى سجن تزمامرت، أود.. يعني في الواقع هذا هو صلب الحديث، أود أن أسألك عن أول شعور لكم كسجناء -ولك تحديداً- لدى الوصول إلى هذا السجن، وأن تصف لنا كيف كان هذا السجن، كيف كان شكله وكيف صُدمتم بمنظره؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة قبل أن نصل إلى تزمامرت ينبغي علينا أن.. أن نصف شيئاً ما ظروف الانتقال من سجن المركزي بالقنيطرة إلى تزمامرت، لأن في الحقيقة شُحننا كبضاعة آدمية وأقل من آدمية، كبهائم في طائرتين عسكريتين وإلى.. لازلت إلى حد الساعة أذكر أننا كلنا جميعاً أحسسنا بهلع شديد حين عُصبت أعيننا وقُيدت أيدينا واعتقدنا نظراً لما سمعناه من بعض رجال الشرطة ورجال الدرك..

سامي كليب: أنها ستتم تصيفتكم.

أحمد المرزوقي: ليس فقط تصفيتنا ولكن فقط كنا نعتقد كانت كل الأشياء تدل على أننا سنُرمى من الطائرة إلى البحر، وفي الحقيقة لا أستطيع أن أصف لكم ذلك الهلع وإن كنا طبعاً نحاول جهد المستطاع التغلب عنه فعندما حطت الطائرة في المطار العسكري للراشدية ونُقلنا إلى تزمامرت، وهنالك صُدمنا بحقيقة أخرى، هي عندما رُمينا كل واحد في زنزانة مستقلة، على كل حال كانت الصدمة عنيفة وعنيفة جداً، لأننا لم نكن نتوقع أبداً أن في نهاية القرن العشرين سننتهي في قبر مظلم كتزمامرت، في بداية دخولنا زجنا في الزنزانة لم.. لم نكن نرى شيئاً وكأننا..، وكنا نحس كأننا رُمينا في بئر، نفس الإحساس الذي يحس به شخص رُمي في بئر مظلم على كل حال..

سامي كليب: دون ضوء ودون نوافذ..

أحمد المرزوقي: دون ضي أبداً، الزنزانة، ولكن بعد استئناسنا بالظلام استطعنا أن نرى كوة في السماء لها حجم البرتقالة تقريباً ثقب في.. في..

سامي كليب: في سقف.. نعم.

أحمد المرزوقي: في سقف.. في سقف الزنزانة كانت تتسلل منه.. يتسلل منه ضوء خافت جداً وكان ينعكس على أرضية الزنزانة، بشكل كان يمكننا من رؤية أيدينا فقط، أصابعنا ولكن كنا نستطيع أن نرى الأصابع في.. في دائرة قطرها تقريباً نصف سنتيمتر، قد يزيد أو ينقص حسب وضعية الزنزانة، وما عدا ذلك فظلام. (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ).

سامي كليب: والأرض كانت من الأسمنت أم من الرمل؟

أحمد المرزوقي: لا .... كانت من الأسمنت ولكن من الأسمنت..

سامي كليب: الخشن..

أحمد المرزوقي: الخشن جداً.. الخشن جداً، كذلك الجدران.

سامي كليب: ماذا كان يوجد فيها؟ هل كان يوجد سرير صغير أم..؟

أحمد المرزوقي: لم يكن سريراً وإنما كان عبارة عن دكة من الأسمنت وفوق هذه الدكة كانت هنالك.. كان هنالك لحافان، لحافان..

سامي كليب: غطاء.

أحمد المرزوقي: وسخين مُمزقين كنا نشَتُّم منهما رائحة حصان، ووعاء من الماء بحجم 5 لترات، وصحن من البلاستيك، كل.. كل شيء من البلاستيك وكأس من البلاستيك، والمرحاض كان عبارة عن ثقب صغير في الزاوية المجاورة للدكة، وقيل لنا بأن.. الحراس أنفسهم قالوا لنا لا يمكن لأي إنسان..

سامي كليب: أن يعيش في..

أحمد المرزوقي: بشري أن يعيش هنا أكثر من ثلاثة أشهر أو ستة أشهر على.. على..

سامي كليب: في البداية الحراس كانوا لطفاء معكم؟

أحمد المرزوقي: لم يكونوا لطفاء، كانوا.. كانوا يقومون بواجبهم ولكن بنوع.. نوع بسيط من الاحترام، كانوا كسائر الحراس طبعاً.

سامي كليب: في الأيام الأولى هل كنتم تستطيعون الخروج من الزنزانات؟

أحمد المرزوقي: لا، لكي نكون واضحين هو أننا منذ دخلونا إلى الزنزانة لم نخرج منها إلا بعد ثماني عشر سنة ونيف إذن لم نر الشمس ولا الضوء أبداً طول هذه المدة، قضينا..

سامي كليب: قضيت تحديداً 6550 يوماً تقريباً.

أحمد المرزوقي: نعم.. نعم.

سامي كليب: طب بالنسبة للمأكول والمشروب من البداية يعني لاحظنا أيضاً أنك بكل ما كتبت بعد خروجك من السجن أن المأكول كان بدرجة سيئة جداً، هل كان هذا السوء من بداية الأيام الأولى للسجن؟ ماذا كنتم تأكلون مثلاً؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة في الأول كان المأكول طبعاً عادياً، دام هذا بضعة شهور، لكن عندما أُلقي القبض على رئيس العمارة الرجل الطيب الذي يُسمى أحمد خربوش الذي كان يساعدنا، هنالك تبدلت الأوضاع وظهر المدير عبارة عن شيطان رجيم وقال لنا بالحرف الواحد.. عندما كنا نطالب بـ..

سامي كليب: المدير محمد القاضي.

أحمد المرزوقي: محمد القاضي.

سامي كليب: الذي...

أحمد المرزوقي: كنا نطالب بإسعاف شخص كان يتألم وأخذنا نضرب ونخبط على الأبواب بكل قوانا وعندما سمعنا جاء إلى العمارة قال سترون من سيُكسر أنا أم أنتم سأكسركم جميعاً، وهذا وعد مني. هنالك تبدلت الأوضاع، وفي الحقيقة غرقنا في.. في أتون جهنم.

سامي كليب: مثلاً، يعني أنت هنا تتحدث إلى ملايين المشاهدين ويمكن أن تشرح ربما للذين لم يستطيعوا قراءة ما كتبت على الأقل نود فقط أن تعطينا بعض الأمثلة عن هذا السجن الرهيب الذي -كما قلت- تحول بالواقع إلى قبر وُضعتم فيه؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة بدأت المعاناة الشديدة والشديدة جداً عند دخول البرد، البرد في تزمامرت كان أعتقد لا أبالغ كأنه يشابه برد سيبريا، في الحقيقة لم نكن.. لم يكن لنا ما نقاوم به البرد الشديد والشديد جداً، لأن درجة الحرارة كانت تنزل إلى ما تحت الصفر في تزمامرت، والمشكل هو أننا لم نكن نجد ما نستدفئ به، كانت الزنزانة تستحيل إلى ثلاجة، ثلاجة وخصوصاً في الليل حينما كنا نسمع القصدير يتفرقع من شدة البرد، ولم يكن بوسع أحد أن ينام، كان النوم مستحيلاً جداً، وكان كل واحد.. كل واحد منا يحاول بكيفيته البائسة أن يجابه البرد.

سامي كليب: مثلاً؟

أحمد المرزوقي: منا من كان يقفز.

سامي كليب: أنت ماذا كنت تعمل مثلاً؟

أحمد المرزوقي: أنت لم أكن.. كنت أقضي وقتي في.. في المشي.. في المشي في الظلام استطعت أن أمشي ككل الأصدقاء.

سامي كليب: رغم ضيق المسافة يعني.

أحمد المرزوقي: رغم ضيق المسافة، وكنت أقضي كل وقتي في حكِّ فخذاي وركبتاي، و..، طبعاً إلى حد.. إلى.. إلى الصباح كنت أنهار، وكنت أفقد وعيي، كنت أنهار من شدة التعب، وكنت أستسلم كما يستسلم أصدقائي كلهم، وهكذا.. وهكذا ومن شدة الجوع كان البعض يأكل ثم يخرج ما يأكله ليمضغه ليوهم نفسه بأنه يأكل بأنه يشبع، إذا تكلمت عن الحمص أو اللوبيا، فإننا كنا نحسب الحبات.

سامي كليب: 8 حبات على ما يبدو.

أحمد المرزوقي: 8، 10، والمحظوظ كان يأخذ 25 أو 30 حبة.

سامي كليب: تحدثت في كتابك عن مسامير وعن بقايا بيض في قشر البيض أيضاً في.. في المأكول، يعني كان وسخاً لهذه الدرجة؟

أحمد المرزوقي: نعم.. نعم، في الحقيقة عندما كانت تأتي آنية الطعام كنا نجد فيها جميع الأوساخ الغير متخيلة من طرف إنسان عادي، كنا نجد مسامير، كنا نجد الأوراق، كنا نجد بقايا البيض، قشور البيض مثلاً وأشياء من هذا القبيل الشيء الذي يدل على أنه لم.. لم نكن في مستوى الآدميين في الحقيقة كان يُعطى لنا ما..

سامي كليب: طيب طبعاً أنتم كنتم ضباطاً يعني أجساد متدربة على قسوة الحياة وما إلى ذلك، ولكن في السجن نظراً لهذه الشروط الصعبة بدأت حالات المرض وأيضاً حالات الهيستيريا، يعني هناك بعض الناس لم يتحملوا ذلك، وحصلت أول حالة وفاة لأحد الضباط الذي لم يستطع فراق ابنته وزوجته، بدأ يضرب على الباب ويصرخ، متى بدأتم تشعرون فعلاً بأن الحالة حالتكم الصحية بدأت تتردى صحياً ونفسياً بعد مرور كم شهر؟

أحمد المرزوقي: في الحقيقة في السنة الأولى أخذنا نحس بتدهور صحتنا رغم أننا كنا متدربين وكنا على صحة جيدة، وكنا في منتهى العافية والصحة، وفي طبعاً في مقتبل العمر، فهذه شروط كلها جعلتنا نقاوم البرد ونقاوم كذلك الحرارة، لأننا نسينا أن نتكلم عن الحرارة، ففي الصيف كانت الزنزانة تنقلب إلى فرن، وكانت الحرارة تتعدى سمعناها من بعض الحراس قيل لنا بأن الحرارة قد فاقت 44 درجة مئوية، أنا شخصياً أتكلم عن نفسي في قرارة نفسي كنت أعلم علم اليقين بأننا هنا من أجل موت بطيء، وقعت مشاكل كثيرة، مشاكل عدة منها انفجار القنوات وتراكم الماء العكر والماء الحار في الزنازين.

سامي كليب: داخل الزنزانات.

أحمد المرزوقي: في العمارة الأولى دامت هذه الحادثة الفظيعة مدة شهرين، ولكن في العمارة الثانية دامت أكثر بكثير، وكانت الفظاعة قد جازت كل الحدود..

سامي كليب: كنتم تمشون على الماء.. في الماء، في قلب الماء في الزنزانات؟

أحمد المرزوقي: نعم.. نعم، عندما.. عندما اختنقت القنوات وانفجرت طبعاً كثير من الزنازين اجتاحها الماء الحار، كنا نمشي في.. في الماء الحار لأقضي الطعام، وكانت هنالك أشياء..

سامي كليب: طب وحين تطلبون آنذاك حين كنتم تطلبون أن يساعدوكم من أجل إزالة هذه المياه، ماذا كان الجواب؟

أحمد المرزوقي: الجواب في الأول تريثوا كثيراً، لأن الأمر كان.. كان يستدعي مجيء وحدة من الهندسة العسكرية، وبعد ذلك لما لم تأتِ هذه الوحدة حاولوا أن يحلوا المشكلة بأنفسهم، ولكنهم زادوا في الطين بلة، زادوا في الطين بلة وتركوا الأمور على حالها خصوصاً في العمارة الثانية حين سقط شهيد في الماء العكر وهو يرجو ويتوسل إلى حارس أن ينقله من زنزانة مملوءة بالماء الحار إلى زنزانة أقل يعني فيها شروط..

سامي كليب: أفضل بقليل.

أحمد المرزوقي: أفضل، ولكنه أبىَ، وكان باستطاعته أن يفعل ذلك بكل بساطة، لم يكن أحد يمنعه من ذلك، لكنه نظراً لحقد مجاني أبىَ إلا أن يتركه.. يتركه على تلك الحالة فمات.. فمات.

سامي كليب: كان أول ضحية؟

أحمد المرزوقي: لا.. لا أقول ضحية، أول ضحية في العمارة الأولى كان اسمه محمد السجعي، محمد السجعي مات في.. سقط مريضاً في بداية الصيف.. صيف 77 عندما لسعته بعوضة، أعتقد أنه أُصيب بحمى بالدفتريا أو بشيء من هذا القبيل أو بحمى المستنقعات، فأخذ يهذي.. يهذي ويهذي ويهذي إلى أن فقد كل قواه العقلية وأخذ يناجي أمه، ويناجي أسرته وإخوته بدون أن يستطيع أحد أن يقدم له أي مساعدة.

سامي كليب: طيب، سيد أحمد المرزوقي، حين كان أحدكم يُصاب بلسعة مثلاً أو بمرض وتطلبون الدواء، ماذا كان الجواب؟

أحمد المرزوقي: نعم، في تزمامرت كان الدواء ممنوعاً، وقد سبق لي وأن لسعتني عقرب وبقيت مدة يومين وأنا أتأرجح بين الموت والحياة، وفقدت.. فقدت صوابي وغبت لمدة تقريباً 12 ساعة، وكانت الفترة مرحلة صعبة جداً، سألت أحدهم بعد مرور يومين على هذه الحالة، سألت أحدهم أن يمدني بعود ثقاب لأرى العقرب، لأنه كان يمكن أن يلسعني من جديد، وما.. وماذا كان جوابه؟ قال لي ساخراً: أنت الخاطئ، لو لم تلسعه لما لسعك، لو لم تضر به لما لسعك، هكذا قال ساخراً وهو..

سامي كليب: طيب بدأت حالات الوفاة تتوالى مباشرة، كنتم تعلمون مثلاً حين يموت أحد السجناء كنتم تشاهدون ذلك؟

أحمد المرزوقي: طبعاً لقد سبق لي مثلاً أن.. على سبيل المثال فقد مات صديق وهو في يدي، كانت آخر أنفاسه بين يدي، وهو الأخ المرحوم تيجاني بن رضوان رقم 6، أنا كنت..

سامي كليب: 10.

أحمد المرزوقي: في.. زنزانة عشرة، طبعاً بعد تعاقب السنين ملَّ الحراس، عندما تيقنوا بأن أحداً لم.. لم يسأل عنا، وأننا هنا، وأن القصد من رمينا وزجنا في هذه السجون هو موتنا موتة جاهلية بشعة، في الحقيقة رغم قساوتهم كانوا في بعض الأحيان يرخصون لنا بالمرور أحدنا عند الآخر، نظراً لأنهم كانوا يخافون كثيراً من العدوى، يعني لا مجال في تزمامرت للحديث يعني الفيروسات والميكروبات، لأن حتى هذيك الميكروبات ربما كانت قد عافتنا في..!

محمد الغالو.. أيوب سجن تزمامرت

سامي كليب: يعني كانوا يتركون أحد السجناء يدخل إلى زنزانة أخرى لكي لا يدخلوا هم ويصابوا بالعدوى..

أحمد المرزوقي: إلى الزنزانات، طبعاً، ففي هذه الأثناء طبعاً وقع اتصال كبير بيننا، وكنا نساعد بعضنا البعض الآخر على حسب المتطوعين، كان هنالك من يتطوع، ولهذا في هذا الإطار تطوعت لزيارة الأخ الغالو، وهو الإنسان أيوب تزمامرت إن صح القول.

سامي كليب: الذي بقي عشر سنوات مشلولاً.

أحمد المرزوقي: 11 سنة مشلولاً.

سامي كليب: 11 سنة.

أحمد المرزوقي: وهو في الحقيقة كان أصبح يعني عبارة عن جيفة مهترئة بكل.. مع احترامي له وتقديري له عبارة عن جيفة مهترئة، ولكنه كان يمثل بالنسبة لنا الحقيقة ما يمثله أيوب بالنسبة للأنبياء، فقد علمنا استمدينا منه الشجاعة، واستمدينا منه الصمود، واستمدينا منه كل شي، لأنه رغم كل ما حدث.

سامي كليب: لماذا سيد أحمد المرزوقي، يعني هل.. هل يمكن أن تشرح مثلاً كيف كان وضعه بالضبط؟

أحمد المرزوقي: محمد الغالو هو ملازم الحقيقة وقعت له مشكلة منذ البداية مع المرحاض، حين كان يريد أن يخفي جهاز ترانزستور استطاع أن يمرره من سجن القنيطرة، فجيء.. فجاء أحد الحراس في يوم ما وقال بأنهم سيشرعون في.. في.. في تفتيش مباغت، فخاف على نفسه.. فزج بالترانزستور في.. في المرحاض، وهنا عندما كان يأتي حاجته كان يجد صعوبة كبيرة، بعد مرور الشهور حاول أن يسترد هذا الجهاز لكنه لم يفلح، حتى أصبح.. أصبحت أصبح كل همه هو إخراج تلك.. ذلك الترانزستور من.. من ثقب، وكان يقضي وقتاً طويلاً في البرد الشديد وعلى هذه الحالة إلى أن أصابه الشلل، أصابه الشلل تدريجياً، فَشُلَّ جميع جسمه إلا يده اليمنى، وهكذا بقي متمدداً على الدكة 11 سنة لا يحرك إلا يده اليمنى، ويأتي حاجته في حوائج..

سامي كليب: على.. على.. على الأسمنت.

أحمد المرزوقي: يأتي حوائجه في.. حاجته في حوائجه، ويمكن لكم أن تتخيلوا الركام والنفايات الآدمية التي تراكمت طوال هذه السنين.

سامي كليب: دون أن يدخل أحد ليساعده في تلك الفترة؟

أحمد المرزوقي: أبداً، لا في.. في الأول، في الأول بعد مرور سنة على حالته على شلله مررت عنده، لأنه كان من أصدقائي الحميمين لي، وتطوعت محاولاً أن أخفف من وطأة محنته، ولما دخلت في الحقيقة أصبت بالغثيان، وكدت أن.. أن أفقد وعيي، كدت و.. أخذت أتقيأ، أتقيأ من كثرة الرائحة الشديدة، ومكثت معه شهر.

سامي كليب: طيب سيد أحمد المرزوقي، تقول أيضاً إنه حين كنتم تقلبونه من طرف إلى آخر كان لحمه يعلق على..

أحمد المرزوقي: فعلاً.. فعلاً كان يلتصق أنا لازلت أذكر المرة التي عدت عند الغالو، وكنت مريضاً لأن بطني كان منتفخاً جداً، ودخلت مع الأخ محمد غلول، أُصبت بالغثيان، ولم أستطع عندما خصوصاً عندما أغلقوا الباب خلفنا وخرجوا من العنبر الحقيقة أُصبت بالغثيان ولم أكن قادراً أن أفعل أي شيء، على النقيض من الأخ محمد غلول الذي تقدم عنده كان أحسن مني صحة.

سامي كليب: صحة.

أحمد المرزوقي: في صحة لا أقول جيدة، طبعاً نسبياً كان أحسن مني، ولما مرت لحظة الغثيان في الحقيقة رأيت منظراً فظيعاً جداً، وعندما حاولنا أن ننزع قميصه لغسله.. بين مزدوجتين، لأن لم يكن هناك صابون، الغسيل فقط بالماء، التصق اللحم بـ.. التصق اللحم بالقميص.

سامي كليب: القميص.

أحمد المرزوقي: ورغم ذلك كان هذا الصديق يضحك ويحكي ويغني، ولم يستسلم أبداً، ولم يرخ يديه أبداً إلى النهاية إلى أن مات هكذا موتة فجائية.

سامي كليب: سنمر على طبعاً إلى الجزء الآخر، وكيف نظمتم الحياة داخل السجن، ولكن سؤال شخصي لك سيد أحمد المرزوقي: ما هو أصعب شيء عشته في سجن تزمامرت؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة أصعب كذلك لحظات صعبة جداً عشتها في سجن تزمامرت، أذكر منها السنة التي فقد فيها الصديق والمرحوم ميمون الفاجوري فقد صوابه، عندما علم ميمون الفاجوري بأن مساعداً كان يكن.. يكن له تقديراً كبيراً اسمه العيدي قطوفي فقد صوابه وأخذ حجراً كان في الزنزانة، وأخذ يخبط على الباب بكل قوة، لم نكن ندري من أين كان يستمد هذه القوة، كان يستمر في الضرب.. في الخبط على الباب ساعات طويلة، بالحقيقة كان شيئاً عجيباً جداً.

سامي كليب: كم يوم تقريباً بقي على هذه الحالة؟

أحمد المرزوقي: بقي.. ظل على هذه الحالة ما يقرب من سنة، وهذه السنة كانت أصعب ما مرت في حياتي، حتى أعترف بأنني انهرت..

سامي كليب: على مدى سنة كل يوم يضرب على الباب لمدة ساعات؟

أحمد المرزوقي: كل يوم يضرب على الباب، وفي أي وقت، وكيفما اتفق. حاولنا أن ندرس الأوقات، أو نتعرف على الأوقات التي ينام فيها، أو ينهار فيها لكي نغتنم تلك.. تلك الفرصة للنوم، ولكن الفظيع.. الفظيع جداً هو أننا عندما كنا نستعد للنوم أو تأخذنا.. تأخذنا سنة من الكرى أنا شخصياً كنت أسمع ذلك الخبط بالحجر على الباب بكل ما له من دوِّي فظيع، فكنت أستيقظ خائفاً فأجد أن السكون في العنبر، في الحقيقة كان من.. من تهاوي.. من الخيال فقط، ولكن عندما أعود لمحاولة النوم كان الخبط الحقيقي يبدأ، كان ميمون يستيقظ ثم يتابع خبطه على الباب، في هذه الساعة انهرت، واعترفت أنني كنت على وشك فقد صوابي، أو ربما كنت قد جننت ولكني لم أعرف. في الحقيقة كان شيئاً فظيع.

دور القرآن والإيمان بالله
في ردع فكرة الانتحار لدى نزلاء تزمامرت

سامي كليب: طيب هل فكرت أنت شخصياً بالانتحار داخل السجن؟

أحمد المرزوقي: طبعاً لا يمكن لأحد أن يمر من تزمامرت بدون أن يفكر في الانتحار، كان هنالك طبعاً هذه الإمكانية، كنا نفكر في إمكانية وضع حدٍ لهذا العذاب، وهذا العذاب طبعاً كان يمكن أن نضع.. أن نضع له حداً بالانتحار، ولكن نظراً لتمكن الدين، وبالخصوص القرآن الكريم الذي حفظناه، نظراً لتمكنه من قلوبنا و.. وطبعاً نظراً لتغلغل الإيمان في قلوبنا استطعنا بذلك أن نحارب هذه الفكرة، وأن نطردها من أذهاننا. مع العلم أن هنالك طبعاً -كما تعلمون- هنالك ميمون الذي انتحر.

سامي كليب: عدة حالات طبعاً وفاة حصلت، على ما أعتقد 32 شخصاً ماتوا في سجن تزمامرت، وبقي 28 على قيد الحياة، نظمتم الحياة داخل السجن بقدر الإمكان، يعني قدر ما توفر لديكم من إمكانيات. تحدثت منذ قليل عن القرآن، أنت بنفسك أيضاً كنت تجوِّد القرآن في.. في السجن نظراً لجمال صوتك مقارنة بالأصوات الأخرى، إضافة إلى زميل لك آخر تعاقبتما على تجويد القرآن، ولكن أعتقد أنكم طلبتم أن يأتي القرآن منذ البداية، وتأخر سنوات -على ما يبدو- قبل أن يعطوكم إياه.

أحمد المرزوقي: لم يعطونا قرآناً، كان كل شيء محرماً في تزمامرت، لكن نظراً للدور العظيم الذي قام به حارس اسمه العربي لويس، هذا الشخص هو الذي أخذ المبادرة وأدخل القرآن.. المصحف الكريم، وأعطاه إلى صديقنا الأخ عبد الطيب بلكبير، الذي لعب دوراً كبيراً في التخفيف عنا. أخذ القرآن الكريم، أعطاه القرآن مصحف.. المصحف، معه شمعة وعلبة من عود الثقاب.

كيفية تنظيم السجناء يومهم في تزمامرت

سامي كليب: طالما بدأنا الحديث عن تنظيم الحياة داخل السجن، وددنا الخروج قليلاً إلى الخارج -سيد أحمد المرزوقي- إضافة إلى القرآن الذي كان وسيلة أساسية والإيمان أيضاً في تهدئة النفوس والصبر، هناك أيضاً كانت استخدمتم وسائل أخرى من أجل تمضية الأيام، وربما تحمل تلك المأساة في سجن تزمامرت، منها الأفلام.. الحديث عن أفلام، وأيضاً اختراع قصص، كيف كان ينظم اليوم بكامله في تزمامرت؟

أحمد المرزوقي: اليوم كان.. اليوم يبتدئ كنا في.. في البداية نعيِّن كل.. نعيِّن على التسلسل الرقمي أحدنا ليعطي الانطلاقة للكلام، ففي الصباح الباكر عندما كان أحدنا يرى بصيصاً من الضوء، أو أن يسمع صوت.. أصوات تبشر بقدوم الصباح كانت الإشارة هي تجويد القرآن آيات من الذكر الحكيم، فعندما كنا نسمع الآيات من الذكر الحكيم وتختم بصباح سعيد يتمناه لجميع السجناء كانت تبدأ المحاورات والنقاشات فيما بيننا بصوتٍ منخفض، إلى أن يأتي الحراس..

سامي كليب: حوارات حول مواضيع تختارونها يعني؟

أحمد المرزوقي: لا، الحوار كل واحد يتكلم مع صديقه.. مع صديقه المجاور على اليمين أو على اليسار، أو المقابل، بعدها كان الحراس يأتون ويفرقون الطعام.. الفطور، بعد تناول طعام الفطور كان النقيب الكبير بيصفق ويطلبنا بالصمت لكي نبدأ حصة القرآن، حفظ القرآن الكريم. كانت الحصة تستمر إلى تقريباً الحادية عشرة، وبعدها كان يفسح المجال للحديث الجماعي.. الحديث الجماعي، إلى غاية...

سامي كليب: كل.. كل يوم، يعني نفس النظام؟

أحمد المرزوقي: تقريباً.. تقريباً كل يوم، إحنا...

سامي كليب: بعد مرور كم عام في السجن؟

أحمد المرزوقي: لأننا سنراه في بعد أن.. بعد حفظنا للقرآن الكريم ستتغير الأحوال، وسنشرع في لعب الشطرنج.. لعبة الشطرنج وأشياء أخرى، ولكن الحصة التي كانت.. كنا ننتظرها بفارغ الصبر هي بعد.. في.. في.. في المساء، أو في الزوال، أو كيف ما يقولوا في الزوال، فكنا نخصص وقتاً لقص الحكايات وحكاية الأفلام إلى غير ذلك.

سامي كليب: بالضبط -سيد أحمد المرزوقي- يعني حين كان اللجوء إلى هذا النوع من الوسائل هل كان فعلاً سجين تزمامرت وهو يعاني المرض والجوع، وما إلى ذلك؟ هل كان يشعر فعلاً بأنه ينسى لساعات قليلة ويرتاح من عذاب اليوم؟

أحمد المرزوقي: طبعاً.. طبعاً، هذا.. يؤكد على قولي هذا هو صديق عزيز لي كان بجواري اسمه السعودي عبد الكريم، كنت أحكي له (بابيو) فقط أسابيع قليلة قبل انتقالي من.. إلى.. إلى سجن تزمامرت قرأت بابيو، وبعدين تعلمون الصدى الكبير الذي تركته قصة بابيو عندما...

سامي كليب: وأيضاً أخرج فيلم بعنوان "الفراشة" نعم.

أحمد المرزوقي: أُخرج فيلم، نعم.. نعم ورأيته طبعاً قام بدور البطولة (ستيم بابيرونا) -أنا مغرم جداً بالسينما- على كل حال الصديق السعودي كان يخبط على الباب، وكان يطالب ببداية (التليفي توم) كما يسميه هو (بابيو.. بابيو) كان يصرخ. على كل حال كنا ننسى، حتى القاص، حتى الحاكي كان ينسى مأساة ها الوضع الذي كان عليه.

قصة الحمامة البيضاء ومرافقتها المساجين

سامي كليب: طبعاً هناك أيضاً قضية في السجن في الواقع إنسانية ومؤثرة جداً، هي قضية الحمامة البيضاء التي دخلت إلى السجن، ورافقتكم لفترة طويلة، وكانت بمثابة الأمل، أود لو سمحت أن ترويها للمشاهدين، ليعرفوا ما هي قصة هذه الحمامة.

أحمد المرزوقي: الحقيقة في السنين الأخيرة.. في السنين الأخيرة من مقامنا في تزمامرت جاء فوج من الحمام، فسكن في.. في سقف العنبر الأول والثاني، نظراً لخلو المكان من أي.. من أي خطر، لأن النسيان كان مضروباً علينا، ومرة سقط فرخ من الحمام، ولما سقط لم نكن ندري هل سقط فرخ من الحمام، أم سقط.. أم سقطت أفعى؟ لأننا كنا اعتدنا على زيارة الأفعى.

سامي كليب: كانت تدخل الأفاعي إلى السجن؟

أحمد المرزوقي: كانت الأفاعي.. سبع مرات دخلت إلى زنازن بعض الأصدقاء، وباتت الليلة كلها في.. في.. في الزنزانة ثم خرجت.

سامي كليب: ولسعت سجناء؟

أحمد المرزوقي: ولم تلسع، لم.. كنا.. كانت أرحم قوي..

سامي كليب: من العقرب.

أحمد المرزوقي: لا، أرحم من البني آدم. على كل حال سقط فرخ من الحمام، وعندما جاء حارس في تلك.. في ذلك الصباح جاء حارس وحده، وكنا طبعاً نعرفه حق المعرفة، وكان يتعامل معنا و.. لما فتح زنزانتي انقضضتُ على فرخ الحمام، وكان صغيراً جداً فأخذته وأدخلته إلى الزنزانة، وعلم الأصدقاء بعد ذلك أنه فرخ حمام، فطبعاً قطعت العهد على نفسي لأن أطلق سراحه.. أن أربيه وأطلق سراحه، رغم الصعوبة الكبيرة.

سامي كليب: رغم أن البعض اقترح أن يأكله.

أحمد المرزوقي: أي طبعاً، ضحكاً كان موجود، كنا محرومين من اللحم، وكان.. أخذت..

سامي كليب: يعني نضحك من المأساة طبعاً.

أحمد المرزوقي: نعم.. نعم. أخذت فرخ.. هذا.. هذه الحمامة وأخذت أربيها، كنت أعطيها من قوتي و.. والمهم استطعت أن أربيها، طبعاً الأكل اللي...

سامي كليب: حتى الأكل القليل الذي كنت تحصل عليه تتقاسمه مع الحمامة.

أحمد المرزوقي: القليل طبعاً.. طبعاً. هذه الحمامة الصغيرة كانت تقذف بخيالي إلى.. إلى بلدتي، إلى منزلنا في تلك القرية الصغيرة، لأنها كانت مأهولة بالحمام، هذه من جهة، من جهة ثانية كنت أريد أن أعطي الحياة لهذه الحمامة التي رمت بها الأقدار في سجن تزمامرت. كنت أود أن أسمح لها بمعانقة الحرية، وإن كان...

سامي كليب: التي حُرمت منها.

أحمد المرزوقي: حُرمت منها.. وإن كان ذلك صعباً جداً، إذ كنت أستوعب أن تربية حمام.. حمامة في.. في الظلام، وفي.. بدون شمس، بدون.. في هواء ملوث، إلى آخر ذلك شيءٌ من قبيل المستحيل ولكني قلت سأفعل كل ما في جهدي لأطلق سراح هذه الحمامة، وفعلاً أفلحت. كبرت الحمامة، وأصبحت تشكل لي مشكلاً كبيراً، لأن ما عنده.. عندما كان الحراس يدخلون إلى العنبر كانت تريد أن تخرج، كانت بغريزتها تبحث عن الحرية، ولم يكن ذلك ممكناً، نظراً لأني كنت أعلم علم اليقين إن سقطت في أيدي الحراس فإنهم سيأكلونها حتماً، إذن..

سامي كليب: كنت تخبئها طيلة الوقت، و.. وأصبح فيما بعد.. نعم.

أحمد المرزوقي: كنت أخبيها طول الوقت، ولما استفحل الأمر أخرجتها إلى.. إلى الدهليز، عقدنا شبه مجلس وزاري مكبر، فتشاورنا فيما بيننا، واستقر رأينا على أن أطلق.. أن نطلقها في الدهليز، وفعلاً أول محاولة طارت الحمامة طولاً وعرضاً ثم...

سامي كليب: عادت.

أحمد المرزوقي: عادت.. لا لم.. أخذت تحلق في الدهليز، ثم تعود، ثم تحلق، ثم تعود. على كل حال ونزلت أمام زنزانة النقيب حشاد رقم 29، ولا يمكنكم أن تتصوروا الفرحة العارمة التي.. التي أخذت الأصدقاء، رغم أن بعضهم كان لا يستطيع الوصول إلى.. إلى الباب، فقد حاول.. فعل كل ما في وسعه للوصول.. لكي يطل من الكوة الصغيرة التي تعطي على الدهليز، وأخذوا.. وكنت سميتها فرج، طبعاً تيمناً بفرج قريب، وفعلاً ناديتها ووضعت يدي، ثم حطت على يدي فأدخلتها، ومن هذه الساعة وقع حدث كبير في.. في العنبر رقم (1). بمجرد خروج السجناء.. خروج الحراس كان السجناء دائماً يطالبون بإطلاق فرج، والغريب في الأمر أن هذه الحمامة كانت تتنقل من زنزانة إلى أخرى، وكانت.. كانت طباعها ليس كطابع الحمام.

سامي كليب: وصارت قضية السجن يعني فترة طويلة.

أحمد المرزوقي: كانت تلعب مع هذا، وتمازح هذا، شيء فظيع لا يقوم به أي..

سامي كليب: وبقيت -لكي نختصر قضية الحمامة- بقيت تذهب وتجيء كلما أطلقت سراحها تعود إلى السجن، حتى خروجكم النهائي نظرت إلى الحمامات التي كانت على السقف، وكأنك تودِّعها بعد إطلاق سراحكم.

أحمد المرزوقي: نعم أطلقوا سراحها ثم عادت ثلاث مرات، في المرة الثالثة جاءت بحمامة أخرى، فقلت لها قد تزوجتِ كتب الله لك السعادة.

يوم الإفراج عن أحمد المرزوقي

سامي كليب: طيب، طبعاً نحن أصبحنا في نهاية الحديث -سيد أحمد المرزوقي- استعرضنا ولو بشكل عابر تلك المأساة في سجن تزمامرت. يوم الإفراج عنكم كيف حصل؟.. أو كيف كان شعورك؟ ولو سمحت بشكل مختصر، لأنه بقي سؤالان على الأقل.

أحمد المرزوقي: هو الحقيقة كان شيء فظيع جداً، كان عبارة عن زلزال أصابنا عندما قيل لنا بأننا سنرحل من.. من تزمامرت. اليوم الذي انتظرناه طول هذه السنين جاء، وقيل لنا هكذا ببساطة كبيرة: "اجمعوا حوائجكم إنكم على وشك الانتقال إلى مكان مجهول".

سامي كليب: خرجت من السجن طبعاً، وكان اللقاء الإنساني الذي يمكن أن يتصوره الإنسان مع الوالدة، ولكن قضية أخرى أود أن أسألك عنها، قضية محمد القاضي الذي كان قائد.. أو رئيس حراس السجن، والذي كان الأقسى والأسوأ، ذهبت ورأيته بطلب من أحد الأصدقاء في أحد المقاهي يتناول البيرة، ونظرت إليه من البعيد، هو لم يتعرف عليك طبعاً، تعرفت عليه. في تلك اللحظة بالضبط ألم يخالجك الشعور مطلقاً بأن تنتقم منه مثلاً؟

أحمد المرزوقي: الحقيقة أقولها بكل صدق وبكل عمق أقول لم أشعر أبداً، لأنني الحقيقة أخذتني الشفقة منه، قد ترون هذا مناقضاً أو مغالياً فيه، ولكن الحقيقة هي هذه، أشفقت عليه وقلت إن الإنسان الذي يُنفذ أوامر كالتي نفذها، ورأيته على تلك الحالة من السُّكر، كنت أعتقد أنه قد بدأ يؤدي الثمن، والله فوق الجميع، وعند الله نحتسب، وهذا ما قلت.

والمهم الآن وبعد الذي حصل الذي أريد هو أن.. هو مستقبلاً أفضل لبلادي، مستقبل أفضل، لا أريد بمطالبة الرؤوس وبزج الناس في تزمامرت آخر، لا أريد ذلك، ولكن على الأقل ما أريده هو أن.. أن يُفضح هؤلاء.. هؤلاء الناس، أن.. أن يُنعتوا بالأيادي فقط.

سامي كليب: أنت طبعاً بعد خروجك من السجن لوحقت حتى حين طالبت بحقوقك الشرعية، وتعرضت حتى لبعض السجن بعد الخروج، ولكن أود أن أسألك اليوم، لاشك أن بعض سجانيك لا يزالون على قيد الحياة، حين تنظر إليهم عبر الكاميرا ماذا تود أن تقول لهم اليوم؟

أحمد المرزوقي: ماذا أقول لهم؟ أقول لهم بكل صراحة بأنهم قاموا بعمل شنيع وشنيع جداً، وأن الدريهمات القليلة التي أخذوها من منحات قليلة وقليلة في الحقيقة عليهم أن يستغفروا ربهم وأن يتوبوا إلى رشدهم وأن يطلبوا الصفح والمغفرة من ربهم هذا كل ما أستطيع أن أقوله.

سامي كليب: هل اليوم -أحمد المرزوقي- تشعر أنك بعد خروجك من سجن تزمامرت أن تلك الحقبة طويت، هل تعود إليك في بعض المرات؟ هل تشعر أنك عدت إلى الحياة بشكل طبيعي؟

أحمد المرزوقي: لا أبداً، تزمامرت أحملها في قلبي، وفي شعوري، وفي عقلي، وفي كل ذرة من كياني، تزمامرت شيء فظيع جداً، ولا يستطيع لإنسان مر من تزمامرت أن يتحرر من هذا الجحيم.

سامي كليب: بعد خروجه من السجن انتظر أحمد المرزوقي حوالى عشر سنوات للحصول على جواز سفره وتعويض مالي، لكن من سيعوض سني شبابه؟ سؤال بات رهناً -على الأرجح- بولديه وبضمير التاريخ والمؤرخين.