مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

أبراهام سرفاتي/ معارض مغربي

تاريخ الحلقة:

16/07/2004

- سبب جلوسه على كرسي متحرك
- سرفاتي ومناهضته للصهيونية

- أسباب الاعتقال والسجن

- تعذيب تعرض له في السجن

- محاكمته بتهمة الخيانة العظمى

- موقفه من صحراء المغرب

- الصدام مع رفاق السجن

سامي كليب: مرحبا بكم أعزائي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامج زيارة خاصة تنقلنا هذه المرة إلى مراكش ضيفنا الذي يقيم هنا أمضى في السجن أكثر من سبعة عشرة عاما وهاربا من وجه العدالة أكثر من عامين ونصف ومنفيا إلى فرنسا أكثر من ثماني سنوات، ذنبه أنه تحدى العرش المغربي مرارا ولم تسعفه طائفته اليهودية لأنه ناصر القضية الفلسطينية وعارض الصهيونية، إنه المعارض المغربي الشهير أبراهام سرفاتي.

سبب جلوسه على كرسي متحرك

يهودي الديانة هو يساري متطرف بالمعنى السياسي للتطرف إذا ما اعتمدنا على سبب انشقاقه عن الحزب الشيوعي المغربي وتأسيسه منظمة إلى الأمام، أبراهام سرفاتي الذي يجرجر نفسه اليوم على كرسيه المتحرك والذي سُجن وعُذب في خلال التحقيق معه لم يشأ بعد خروجه من السجن أن يقبل المنفى الفرنسي بل كافح مع زوجته الفرنسية السيدة كرستين للعودة إلى المملكة والعيش في منزله المتواضع في مدينة مراكش العابقة بسحر التاريخ وروعة التراث وقد وددت في بداية الحديث أن أسأل أبراهام سرفاتي عن سبب جلوسه على الكرسي المتحرك هل السجن هو الذي أقعده؟

أبراهام سرفاتي: هذه قصة قديمة حدث معي ذلك عندما كنت في السجن لحسن الحظ كنت قد بلغت الخمسين حينها لكن أعتقد أن السبب هو مرض وراثي نادر شَخَّصه لي طبيب فرنسي في باريس حين كنت منفيا هناك.

سامي كليب: إذاً لا علاقة لذلك بالسجن؟


أقعدني مرض وراثي نادر، والفترة التي قضيتها في السجن لم تكن السبب في المرض، بل ربما سارعت في تطوره
أبراهام سرفاتي: أعتقد أن المفوضية أو ما كنا نطلق عليه اسم ضرب حيث التعذيب وما إلى هناك أعتقد أنها ربما تكون قد زادت أو سارعت من تطور المرض لكن أصل المرض لم يكن السجن.

سامي كليب: طبعا لا يمكن أن نفهم سيد سرفاتي قصتك دون أن نقرأ أيضا تاريخ والدك فقد قرأت أنه كان يساريا وأحد رفاقه وهو إيف فارش أصبح فيما بعد مسؤولا في اليسار الفرنسي ولكني قرأت أيضا أن والدك كان ينتمي إلى الماسونية، هل هذا صحيح؟

أبراهام سرفاتي: الأمران صحيحان وتحديدا انتماؤه إلى البناءين الشرفاء أو الماسونية وحدث ذلك في البرازيل حيث انتمى على محفل ماسوني وعند عودته إلى المغرب لا أعتقد أن الماسونية كانت منتشرة حينها لكن عند عودته قام هو وإيف فارش الذي كان أول رئيس للمجلس الوطني للمقاومة في فرنسا في العام 1945 والذي كان منتميا إلى الحزب التقدمي وكان ممثلا تجاريا قاما معا بالإضافة لآخرين بالتأكيد في عام 1926 أي في سنة ميلادي قاما بالمشاركة هنا في المغرب بمظاهرة على المستوى العالمي للمطالبة بالحفاظ على حياة ساكو وفانزيتي اللذان كانا ينتميان إلى الحركة الفوضوية الأميركية اللذان صدر بحقهما حكم بالموت حيينها إذاً فقد كان دائما تقدميا.

سرفاتي ومناهضته للصهيونية

سامي كليب: ولكن القصة التي لفتتني أكثر من غيرها حين كان عمرك عشرة أعوام ذهبت مع والدك إلى كنيس يهودي وكنتما تجلسان خلف رجل يهودي مؤمن ويصلي وما إلى ذلك قال لك والدك ما حرفيته سأحاول أن أترجم أحذر يا ولدي هذا الرجل إنه وصولي إنه صهيوني والصهيونية مناقضة لديانتنا، أعتقد أن هذا ما أثر عليك فيما بعد في خياراتك السياسية تحديدا حيال مسألة الصهيونية؟


الأفكار الصهيونية لم تترسخ جديا عند اليهود المغاربة قبل الأعوام 1948 و1949
أبراهام سرفاتي: بالتأكيد لقد أثر ذلك في طوال حياتي لكن في الوقت نفسه يجب التطرق للوضع العام في الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات كانت الصهيونية موجودة فقط في العقول الصغيرة كان لدى ذلك الرجل، لكن في الواقع فإن الغالبية العظمى من اليهود المغاربة لم تكن صهيونية ربما أراد الكثير منهم التشبه بفرنسا والثقافة الفرنسية على أية حال كانت المدارس اليهودية تُعلم باللغة الفرنسية لكن لم تترسخ الأفكار الصهيونية جديا قبل الأعوام 1948 و1949.

سامي كليب: أنت كنت سيد أبراهام سرفاتي يعني طيلة حياتك حتى الآن على الأقل مناهضا للصهيونية كفكرة، كفكرة سياسية ولكن أيضا كفكرة مرتكزة إلى الدين ما الذي دفعك إلى هذا الخيار السياسي المناهض للصهيونية؟

أبراهام سرفاتي: عند الاستقلال في العام 1956 كانت الغالبية العظمى المغاربة مؤيدة للاستقلال متفقة في ذلك مع الإخوان المسلمين المغاربة.

سامي كليب: باستثناء طبعا الطبيب ليون بنزاكين الذي أصبح أول وزير في أول حكومة مغربية فيما بعد الاستقلال هو الوحيد ربما الذي لم يوقع على وثيقة الاستقلال وهنا طرح السؤال آنذاك كيف أن رجلا يناهض الاستقلال ولا يوقع على بيان الاستقلال ويصبح وزير في أول حكومة مغربية؟

أبراهام سرفاتي: كان ذلك أكبر خطأ ارتكبه ليون بنزاكين وهو لا يمت لعائلتنا بصلة مباشرة إنه من أبناء العم البعيدي القربة رفض التوقيع عندما طُلِب منه ذلك ليس لأنه كان صهيونيا بل لأن الإشهار بهذه الوثيقة يعني انقطاعا للعلاقات مع فرنسا وهو انقطاع له ما يبرره لكن بنزاكين لم يكن يريد الوصول إلى قطع العلاقات مع فرنسا لهذا السبب لم يوقع الوثيقة وكان ذلك أكبر خطأ ارتكبه في حين أنه كان الشخصية الرئيسية في المجتمع اليهودي المغربي وكان صديقا للملك محمد الخامس.

سامي كليب: على كل حال كتبت آنذاك وهنا أود فقط أن أوثق ما تقول ببعض الكتابات الصادرة عنك تقول نحن اليهود المعارضون للصهيونية في العالم علينا أن نساهم في جهد الثوريين العرب لكي لا نقع في فخ العنصرية عنصرية الصهيونية التي تسميها آنذاك وتقول أيضا أنه حين أكون عربيا يهوديا فهذا يعني أني يهودي لأني عربي وأني عربي لأني عربي يهودي وهذا ما ناضلت لأجله على كل حال طيلة حياتك.

أبراهام سرفاتي: أنا أنتمي إلى الجيل الذي عاش فترة الصداقة اليهودية المسلمة إلى الجيل الذي عاش اندفاع المجتمع المغربي بأكمله مسلم ويهودي باتجاه بناء المغرب المستقل.

سامي كليب: على كل حال أنت في عام 1967 يعني عشت نوعا من التمزق بين هويتك اليهودية من جهة اليهودية المغربية والدفاع عن القضية الفلسطينية وعن القضايا العربية بشكل عام هذا طبعا قلب عليك جزءا من عائلتك ولكن كيف استطعت أن تعيش هذا التمزق بين الجانبين؟

أبراهام سرفاتي: لم أكن مع الحركة القومية العربية لكنني كنت مع الحركة القومية الفلسطينية كمحرر لوطنه وانطلاقا من هذه النقطة فقد كنت بالكامل أقف إلى صف المقاومة الفلسطينية.

سامي كليب: يعني لكي نختصر موقفك بالنسبة للصهيونية أنت كنت ضد الصهيونية لأنها كانت بالنسبة لك نظرة عنصرية وليس لأي شيء آخر؟


يهود فرنسا وإنجلترا وأميركا يدعمون الصهيونية تحقيقا للمصالح الإمبريالية للولايات المتحدة وليس من باب تضامنهم مع اليهود في إسرائيل
أبراهام سرفاتي: كانت حركة عنصرية واستعمارية، بالنسبة لي كانت فلسطين للفلسطينيين والعقيدة الصهيونية التي ترجع إلى أواخر القرن التاسع عشر هي عقيدة ظهرت بين اليهود البولنديين الذين عانوا مجازر العنصرية لكن لم تكن الحل الوحيد الذي وجده اليهود البولنديون واليوم فإن اليهود الفرنسيين والإنجليز وحتى الأميركيين وإن كانوا يدعمون الصهيونية فإنهم لا يؤمنون بها والأميركيين أكثر من غيرهم، لكنهم يدعمونها مع ذلك ليس من باب تضامنهم مع إخوانهم اليهود في إسرائيل وإنما تحقيقا للمصالح الإمبريالية للولايات المتحدة الأميركية وبالفعل قد اشترطت الولايات المتحدة تقديم المساعدات للمغرب بهجرة اليهود منها.

سامي كليب: هل رفاقك في اليسار المغربي يتحملون جزءا من مسؤولية رحيل اليهود عن المملكة؟

ابراهام سرفاتي: هذا سؤال عميق وتصعب الإجابة عليه في السجن اقترنت بكرستين وكما تعلم ففي المغرب على المرء أن يتزوج زواجا دينيا سواء أكان مسلما أم يهوديا لذلك قام حاخاما بتزويجنا في السجن وفي غرفة جانبية..

سامي كليب: عام 1986 .

أبراهام سرفاتي: نعم ونصف زملائي في السجن تقريبا وهم كانوا تقدميين لم يكونوا موافقين على إقامة الحفل الديني.. لا كان ذلك قبل الزواج كان ذلك عندما توفيت والدتي أنا لست بمؤمن ملتزم لكن عندما توفيت والدتي في العام 1982 عقدت العزم على احترام الطقوس اليهودية وهي تقضي بألا نحلق ذقوننا طوال شهر ومن ثم نرفع صلاة عند وفاة أحد الوالدين لذلك رفعت تلك الصلاة، نصف رفاقي الذين كانوا من الماركسيين ولم يكونوا يكنون الاحترام للمؤمنين عارضوا فكرة ممارستي للطقوس لكنني بالطبع لم آخذ برأيهم ومن جهة أخرى تفهم النصف الآخر من رفاقي بادرتي كانت تلك إحدى الصعاب التي واجهتها في السجن.

سامي كليب: معارضة أبراهام سرفاتي للصهيونية وكفاحه إلى جانب الفلسطينيين وقضيتهم كل ذلك لم ينجِّه من السجن فالشاب اليساري الهوى الشيوعي الفكر أتهم مرارا بتهديد أمن الدولة رغم أن شهادته العلمية كانت قد أوصلته إلى منصب رفيع في الإدارة المتعلقة بالفوسفات واعتقل للمرة الأولى عام 1962 حين حاول الدفاع عن طلابه في مدرسة المهندسين واعتبر ذلك أول مواجهة فعلية بينه وبين رجل الأمن الأول في البلاد وظل الملك على الأرض آنذاك الجنرال محمد أوفقير.

أبراهام سرفاتي: بالطبع كنت معروفا كمناضل يساري وبالإضافة لمنصبي الأساسي كمدير لمكتب الفوسفات كنت أعطي دروسا في استثمار الآبار في المدرسة المحمدية للهندسة حدث الأمر في اليوم الأول للانتخابات التشريعية الأولى في المغرب عندما دعا اليسار إلى مقاطعة الانتخابات كان ذلك صباح يوم أحد وجاء أحدهم ليقول لي أن الشرطة قد احتلت المدرسة المحمدية للهندسة وكان الطلاب قد صعدوا على السطح وكانوا يلقون قصاصات معارضة للانتخابات وكانت الشرطة قد جاءت لذبحهم بكل ما للكلمة من معنى وإلى المكان وتوجهت إلى المدير كنت أعرفه وكان صديقا لي فقال هذه كارثة لكنه لم يضف شيئا توجهت إلى السلالم فقد كان الطلاب على السطح صعدت كي أراهم بينما كانت الشرطة تحاول إنزالهم بالقوة بدأت أحتج وأصرخ فأنزلوني بالقوة أيضا في الأسفل كان يقف الجنرال أوفقير لا أعرف إن كان قد رقي لرتبة جنرال حينها توجهت مباشرة نحوه وقلت له لا يحق لك فعل هذا أوفقير لم يكن يعرفني لم يعرف ما إذا كنت مغربيا أم فرنسيا لو عرف أنني مغربي لأرسلني مباشرة إلى قسم الشرطة أو السجن قال لي أخرج من هنا يا سيدي أو شيء من هذا القبيل لم يكن بوسعي سوى تنفيذ ما قاله والخروج لكن بعد ذلك بساعتين جاءت شاحنة شرطة وأوقفوني وقادوني مباشرة إلى مكتب أوفقير يجب أن أروي هذا سألني كم تجني من العمل في مكتب الفوسفات وفي ذلك الوقت كنت أجني ما يقارب ثلاثمائة ألف فرنك فقال لي عليك أن تتلقى كل صباح ثلاثمائة ألف ضربة بالعصا.

أسباب الاعتقال والسجن

سامي كليب: في عام 1965 تعرضت مرة ثانية للاعتقال هل تذكر ماذا كان السبب آنذاك؟

أبراهام سرفاتي: أوفقير كان شخصا ذا مخيلة واسعة أدعى في بداية العام 1965 وجود مؤامرة وأنتبه جيدا إلى هذا مؤامرة صهيونية وقومية عربية فقام أوفقير بأسر العديد من المعلمين السوريين والمصريين الذين جاؤوا إلى المغرب كونهم يمثلون القومية العربية كما قام أيضا بإيقاف بعض الشيوعيين اليهود فقد كانوا يشكلون هم أيضا تهديدا في المغرب وهكذا أمضيت عشرة أيام في زنزانة المفوضية في الرباط.

سامي كليب: سيد أبراهام سرفاتي فهمت من بعض كتاباتك أن التسوية التي كادت تقوم بين السيد عبد الرحيم بوعبيد طبعا القيادي اليساري آنذاك والملك الحسن الثاني هي التي ساهمت بصورة غير مباشرة في تسهيل اغتيال المهدي بن بركة في فرنسا يعني ما الذي عنيته بهذا الأمر؟

أبراهام سرفاتي: نعم هذا ما توصلت إليه بعد تحليل ما حدث بين نهاية آذار عام 1965 واغتيال المهدي بن بركة في التاسع والعشرين من تشرين الأول من العام نفسه وفي تلك الفترة لعب الحسن الثاني بشكل جيد، في آذار عام 1965 بعد اضطرابات الدار البيضاء كان اليسار المغربي وتحديدا الـ (UNFB) يقبض على زمام الأمور في ذلك الوقت كان المهدي بن بركة ما يزال حيا وما يزال يعيش في الخارج وكان حزبه يطالب بعودته كان الـ (UNFB) لديه وسائل الضغط لكن وبدلا من ممارسة الضغط على النظام من خلال دعم الشعب في الشارع قام عبد الرحيم بوعبيد بإصدار توجيهاته بتهدئة الأمور مستندا إلى الوعد الذي قطعه الحسن الثاني بإعادة المهدي بن بركة إلى الوطن والسماح وهنا أستشهد بكلمات عبد الرحيم نفسها السماح للـ (UNFB) بتأليف حكومة اشتراكية بالكامل.

سامي كليب: بوعبيد صدّق الحسن؟

أبراهام سرفاتي: وصدقه بو عبيد لم يصدقه فحسب بل أقنع المهدي بن بركة بذلك كما أنه في تلك الفترة كانت تصدر عن الملك الحسن الثاني تصرفات تشير إلى أنه يتجه نحو الحكومة الاشتراكية المستقبلية مثل تأميم تجارة الخضار والفواكه وأشياء كثيرة من هذا القبيل في الواقع يتقاسم كل من الحسن الثاني وأوفقير المسؤولية..

سامي كليب [مقاطعاً]: في اغتيال بن بركة..


العلاقة بين الحسن الثاني وأوفقير كانت علاقة شراكة وتواطؤ، ويبدو أن محاولة إعادة المهدي بن بركة إلى المغرب كانت بهدف اغتياله
أبراهام سرفاتي [متابعاً]: لا أدري إن كان حسن الثاني ينوي فعلا إعادة المهدي بن بركة إلى هنا أم أنه كان يريد عودته كي يغتاله أم أن أوفقير قد تجاوز الأوامر المعطاة لا أدري فعلا فكل ما نعرفه هو أن العلاقة بين الحسن الثاني وأوفقير لم تكن علاقة تابع ومتبوع بل كانت علاقة شراكة وتواطؤ على أي حال وفي تلك الفترة أي بين نهاية شهر آذار ونهاية شهر تشرين الأول بُذِل كل شيء بهدف إعادة بن بركة كي يصبح القائد الأساسي للحزب الرئيسي الذي كان سيستلم زمام السلطة لكن في الحقيقة كان ذلك فخا ومن الواضح أن بوعبيد قد وقع فيه وهكذا لعب الحسن الثاني دوره جيدا.

سامي كليب: خلافا للمهدي بن بركة الذي طبعا غادر البلاد لكي لا يقع في الفخ الأمني الذي كان منصوبا له هنا في الداخل أنت بقيت في المغرب لم تغادر ولكن في عشرة نوفمبر من عام 1974 تم اعتقالك قبل الاعتقال هربت سنتين وتخفيت في المغرب وساعدتك زوجتك الحالية كرستين على التخفي مع بعض الفرنسيين آنذاك كيف نجحت في أن تختبئ سنتين وكيف تم اعتقالك فيما بعد؟

أبراهام سرفاتي: أذكر أنه في شهر آب أغسطس في عام 1970 قلت لرفاقي الذين شكلوا نواة حركة إلى الأمام ومازلت أذكر الجملة قلت لهم (كلمة بلغة أجنبية) أي القائد الأميركي الأسود الذي تم اغتياله قلت لهم إننا سنُطلق فكرة ثورية وبما أننا سنكون قلة في البداية فإن السلطة ستعمد إلى اغتيالنا لكن هذا لا يهم سنطلق الفكرة وهي ستجد طريقها هذه ما قلته في أغسطس آب من عام 1970.

سامي كليب: كل الذين كانوا معك وافقوا على هذا الأمر الانتحاري إذا صح التعبير؟

أبراهام سرفاتي: كان عددنا نحن المؤسسون حوالي خمسة أو ستة وقد انسحب أحدنا.

سامي كليب: مَن؟

أبراهام سرفاتي: لا لن أبوح باسمه رأفة به لكن الخمسة الآخرين قبلوا الخوض في التجربة.

سامي كليب: هل لا يزال على قيد الحياة؟

أبراهام سرفاتي: نعم.

سامي كليب: كيف استعطت أن تتخفى آنذاك لمدة سنتين أو سنتين ونصف تقريبا في دولة كانت آنذاك دولة بوليسية دولة شرطة؟

أبراهام سرفاتي: كانت فترة مثيرة جدا وعليَّ أن أعترف أن كرستين قد لعبت دور مهما جدا خلال تلك الفترة سواء تجاهي أو تجاه المنظمة بشكل عام لكن تجاهي أنا على وجه الخصوص كان من السهل العثور علي فقد كنت شابا ولم أكن مقعدا في ذلك الوقت كما أنني لم أكن أتكلم العربية على نحو جيد كل هذا جعل العثور علي أسهل من غيري كان لي صديق فرنسي وعندما غادر إلى فرنسا ترك لي شقته ليس هذا فحسب بل ترك لي أيضا بطاقة هويته وهكذا تنكرت على هيئة رجل فرنسي بلحية فرنسية وليس كلحية المسلمين ثم أطلقت العنان لشعري وأشياء أخرى وارتديت مثلا نظرات زجاجية غير طبية وهكذا استطعت الصمود لمدة عامين مع رفيقين لي كانا أيضا هاربين.

[فاصل إعلاني]

تعذيب تعرض له في السجن

سامي كليب: اختفى أو تخفى أبراهام سرفاتي عامين كاملين ولكن في العاشر من شعر تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1974 تم اعتقاله وعثرت الاستخبارات المغربية على ورقة في جيبه ساعدت على الكشف عن مخبأ عدد من رفاقه، أبراهام سرفاتي الذي يعيش اليوم مع مرافقة المغربي في منزله المراكشي والمتكأ على سنوات عمره يحاول أن ينسى فترة السجن والتعذيب وهو تجنب مرارا الحديث عنها وفي الواقع ترددت كثيرا قبل أن أطرح عليه السؤال احترما لعمره حول ما تعرض له من تعذيب ولكن ربما الحديث عن تلك التجربة الإنسانية الصعبة يفيد الأجيال التي لم تعد تعرف عن الرجل سوى خلافه مع السلطة ولذلك سألته بداية إلى أين اقْتِيد ليلة القبص عليه؟

أبراهام سرفاتي: وجدت نفسي مباشرة في المكتب الرئيسي لأبونا شريف وهو مكتب ضخم أذكر أنه في ذلك الوقت استقبلني يوسف خضور مع جميع معاونيه.

سامي كليب: طبعا ليس من السهل تذكر كل ذاك العذاب وليس من السهل الدخول في التفاصيل ولكن أود فقط أن نعطي فكرة للذي يشاهدنا اليوم كيف أن مناضلا كبيرا مثلك تعرض للتعذيب مثل أي سجين أو مجرم آخر؟

أبراهام سرفاتي: سأقول لك إنه خلال فترة طويلة طوال سنين طويلة لم أستطع الكتابة حول هذا الموضوع وأول مرة تطرقت فيها للموضوع كانت في عدد من مجلة تون مودرن أعتقد أن ذلك كان في عدد نيسان من عام 1986 وفيها تحدثت عن تلك الفترة لأول مرة ثم أدرجت ذلك المقال في كتاب صغير صدر قبل عودتي إلى المغرب بعام واحد لا أدري إن كان لا يزال موجودا هنا لكنني أوردت ذلك النص فيه، التعذيب لا يقتصر على عمل واحد بل هو سلسلة من الأحداث يحاول الجلادون من خلالها حط الإنسان إلى أدنى المستويات يحولون الإنسان من كونه إنسانا إلى أي شيء آخر.

سامي كليب: كيف بأي وسائل؟


رجال الشرطة في الرباط ليسوا سوى هواة مقارنة بمن أطلق عليهم اسم الكتيبة الوطنية للشرطة الجنائية
أبراهام سرفاتي: حتى الآن يصعب الحديث عن ذلك لكن المهم في الموضوع هو أنهم كانوا مختصين في التعذيب عرفت ذلك لأنه تم إيقافي للمرة الأولى في شهر كانون الثاني عام 1972 ثم إطلاق سراحي لأنه لم يكن لديهم شيء ضدي لكنني مع ذلك تعرضت للتعذيب حينها وبالمقارنة بين المرتين أقول إن رجال الشرطة في الرباط ليسوا سوى هواة مقارنة بما كان يطلق عليه أسم الكتيبة الوطنية للشرطة الجنائية لا أدري ماذا يلقبون اليوم لكن في ذلك الوقت كانوا مركز التعذيب الأنجح في المغرب، على أية حال فهم تلقوا تدريبهم في أماكن مثل الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وربما فرنسا لست أدري، إذاً هذا هو الهدف، أحد الأدوات الرئيسية كانوا يطلقون عليها أسم صهوة الجواد أو شيء من هذا القبيل كانوا يمررون قضيبا تحت الركبتين ويتم ربط المرء أعني يتم وضع اليدين على هذا النحو ثم يمرر قضيبا بين الذراع وأسفل الركبة بالطبع يربطون اليدين ثم يتم تعليقه بهذه الوضعية على قضيب ثابت بين قائمتين وعندها يمكن أن يحدث أي شيء يمكن أن يضربونك على بطن قدميك يجبرونك على شرب المياه المالحة أو حتى مياه حامضية في بعض الأحيان والعديد من الأمور هناك أسلوب آخر لا يقل ألما عن سابقة ويسمى أسلوب الطائرة يتم فيها تعليق المرء بالمقلوب من ذراعية وساقية ويعلق على شكل قوس وما يؤلم فعلا هو العمود الفقري فهو الذي يرسم شكل القوس وتشعر أن عمودك الفقري على وشك التحطم، تحملت عدة جلسات كهذه على مدى حوالي خمسة عشر يوما وبعد خمسة عشر يوما..

سامي كليب: 11 يوما.

أبراهام سرفاتي: نعم أحد عشر يوما ارتفع ضغطي إلى 22 أو 23 درجة فالمرء لا يصمد إذا بلغ ضغطه الـ 24 أو 25 ينهار بعدها اصطحبوني إلى المشفى في الرباط كنت في الدار البيضاء وكنت سأختلط بالناس مع العاملين في المشفى لذلك نقلوني حرصا على أن لا يتعرف علي أحد وعلى أن يبقى الأمر سرا وللغاية نفسها وضعوا شرطيا متنكر بزي ممرض في مشفى أبي زيد وهو كان يقوم بدور الوسيط الطبيب الرئيسي في المشفى لا أعرف ماذا يُطلق عليه لكن أسمه كان الدكتور بربيش لم أره سوى للحظة بسيطة ثم نقلوني بعدها إلى طبيب الأمراض القلبية وهناك عرفوا أنني كنت أشارف على الموت وكان لدى الأستاذ بربيش علاقات مع الملك ولابد أنه أطلعه على ذلك وعندها توقفوا عن تعذيبي لكن ظلوا يستخدمون أساليب أخرى للتحقيق كتسليط الضوء مثلا في حين أنه كانت عيناي حساستان، على أية حال كان ذلك صراع تقليدي أي صراع أولئك الذين ينتمون إلى الماركسية أي أنهم يقاومون العدو مهما بلغة الصعوبات وكنت قد قرأت كتابا رائعا لمناضل تشيكي أيام الاحتلال النازي يروي مرحلة تعذيبه وهو كان يقول هذا الكلام.

سامي كليب: استضفت في هذا البرنامج الكثير من السجناء والمعتقلين السابقين وكل منهم يخبرني عن طريقة معينة كان يتخيل فيها أشياء فقط ليتحمل التعذيب أنت ما الذي كنت تفكر به أثناء التعذيب وهل التعذيب كان فعلا يمكن أن يحتمل من النوع القابل للاحتمال؟

أبراهام سرفاتي: إن الصمود في وجه التعذيب مرتبط بعامل أساسي وهو أن لا نشعر بالخوف من الموت، التعذيب هو مجاورة الموت تشاهده أمام عينيك إن خفنا من الموت فإننا نستسلم وإن لم نخف منه فإننا نقاوم.

سامي كليب: ووجع الجسد؟

أبراهام سرفاتي: إنه موجود بالطبع لكن يجب تحمله كما تعلم بعد عام أو عام ونصف من التعذيب أخذوني إلى المشفى في الرباط ثم أعادوني في اليوم ذاته فقد كانوا يحملون توجيهاتهم أحد أصعب ما في الأمر كان الضرب على أسفل القدم وطوال فترة طويلة ربما شهرين أو ثلاث على الأقل كانت قدمي مقيدتان وعندما قاموا بفحصي في المشفى وجدوا أن باطن القدمين بأكمله أي من الأسفل كان كله محمرا بلون الدم وكان متشققا لا أدري كان مصابا بأمور كثيرة لكنني تحملت الأمر.

سامي كليب: هل كنت تصرخ في خلال التعذيب مثلا؟

أبراهام سرفاتي: لم أكن أبكي حتى فقد كان الألم مروعا وكانت الرغبة في المقاومة كبيرة لدرجة أن الدموع لم تكن تنهمر لكن بالطبع لم أكن أصرخ كثيرا لكن أحد الأمور المهمة في مقاومة الألم هو الصبر على الألم أمام الجلادين.

سامي كليب: كيف؟

أبراهام سرفاتي: إن ذلك يفقدهم حماسهم عليك أن تحاول أن تبقى صامتا وأن لا تقوم بأي حركة تشير إلى ضعفك.

سامي كليب: أيضا شقيقتك إفلين تعرضت للتعذيب لماذا وهل فعلا أنها توفيت فيما بعد من آثار التعذيب؟

أبراهام سرفاتي: نعم تحولت أنا إلى خارج عن القانون في شهر آذار من عام 1972 وقد تم اعتقالها في أيلول من العام نفسه في ذلك الوقت كان راتبي ما يزال يصلني إلى المصرف وبما أنها كانت تملك وكالة عامة عني قامت بسحب المال لكن بالطبع انتهى الأمر بالشرطة بأن انتبهت لذلك فقاموا باعتقالها في أحد الأيام من شهر أيلول من عام 1972 في تلك الظروف واصطحبوها إلى ذلك المكان لم يكن قسم الشرطة في الرباط لكن عندما قبضوا عليها قالوا لها لقد سحبتِ مال شقيقك فأنتِ إذاً تزودينه بالمال ولكنها استطاعت الصمود إنما دعني أخبرك لم يكن هناك اتصال مباشر مع أختي إفلين بل كان هناك اتصال غير مباشر معها عن طريق زوجة عبد اللطيف نبيه جوسلين نبيه فقد كانت أختي تعطيها النقود ثم تعمل هذه الأخيرة على إيصالها إلى إفلين لم تقل شيئا عن هذا حتى أنها لم تقل أنها تعطي المال إلى جوسلين نبيه وقد أثر ذلك عليها وتوفيت بعد عامين أنا كنت كبيرا وقوي البنية نوعا أما هي فقد كانت صغيرة ونحيلة لذلك تدهورت صحتها من المؤكد أن التعذيب قد تسبب في موتها.

محاكمته بتهمة الخيانة العظمى

سامي كليب: قرأت فيما بعد طبعا حصلت المحاكمة وكانت كما نعلم محاكمة صورية كالمحاكمات التي تحصل آنذاك ولكن الذي فاجائني أنه معروف أنك سجنت وعذبت لأنك كنت تناضل من أجل استقلال الصحراء ولكن في المحاكمة اتهمت بالخيانة العظمى وبتعريض أمن وسلامة الدولة للخطر يعني لم يكن للمحاكمة علاقة بالصحراء الغربية؟


وجهت إليّ تهمة تعريض أمن الدولة الداخلي للخطر من قبل محاكمة عشوائية مرتبطة بنظام من الخونة
أبراهام سرفاتي: صحيح لم يكن باستطاعتهم إجراء محاكمة حول الصحراء تحت تهمة رئيسية مثل تعريض أمن الدولة الخارجي للخطر وهي بالطبع تهمة الخيانة العظمى كانت التهمة الرئيسية هي تعريض أمن الدولة الداخلي للخطر ولا أظن أن عقوبة هذه التهمة هي الموت أعتقد أن عقوبتها هي السجن المؤبد، في الحقيقة كان علينا الدفاع عن العدالة وعن الحرية في المغرب صحيح أنه لم يكن هناك اتفاق كامل بيننا لكن بالنسبة لبعضنا على الأقل فإن حقيقة احتلال الصحراء الكبرى لم يكن يخدم مصالح المغرب وهذا ملف أعرفه جيدا منذ العام 1956 وفي المحكمة مازلت أذكر كان معروف عن قاضي قضاة المحكمة وكان اسمه ابيزاز أنه يقاطع الناس مباشرة لذلك توجب علي قول ما لدي بسرعة قبل أن يقاطعني وكانت المقاطعات تحدث مرارا طالب في البداية من حاجب مسن وضخم أن يحملني لكنه لم يكن قادرا على حملي فطلب من أحد أصدقائه الذي كان يقف بعيدا أن يساعده وهذا الأمر استلزم وقتا طويلا وخلال ما تبقى من وقت كان علي قول كل ما أستطيع قوله وهذا ما فعلته بافتتاح محاكمتي فقلت أولا أن هذه المحاكمة هي محاكمة عشوائية مرتبطة بنظام من الخونة وأشياء أخرى من هذا القبيل ثم أضفت في المرحلة الثانية خمس جمل أخرى وهي تحيا الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية، تحيا الجمهورية الشعبية المغربية، تحيا وحدة الشعب المغربي الصحراوي، تحيا الثورية المغربية وتحيا الثورة العربية وقبل أن تستطيع البقية أن ترد كنت قد وصلت إلى المرحلة الثالثة من دفاعي وهكذا استطعت الانتهاء وجاء إليّ أحد حراسي فيما بعد وهنأني قائلا إن ما فعلته كان جيدا للغاية.

سامي كليب: ما الذي دفعك للدفاع عن استقلال الصحراويين عن المملكة ألم يكن في ذلك نوعا من التحدي للملك وللعرش المغربي أكثر مما هو دعم للشعب الصحراوي؟

أبراهام سرفاتي: كتبت في المنفى مقالا عنوانه الثورة في المغرب العربي بالطبع كانت هناك أفكار حالمة لكن ليس كما الآن كانت الفكرة هي جمع الثورتين في الصحراء وفي المغرب لتشكيل ما سميته الجمهوريتان الشعبيتان الصحراوية أو العربية بالطبع كانت تلك فكرة حالمة لكنها جاءت كرد فعل على ما اسميه حتى الآن خيانة نظام الحكم المغربي في الأعوام 1956 وعلى وجه الخصوص في العام 1958 ففي هذا العام أُرسِل الجيش المغربي كي يوقف زحف جيش التحرير المغربي الصحراوي في حين أن هذا الأخير كان جيشا مغربيا كان فيه صحراويون لكن قادته كانوا مغاربة وما زال بعضهم حيا حتى اليوم، بالنسبة لي كانت تلك خيانة لا أكثر ولا أقل ولم أكن لأقبل بها بالنسبة لي وضمن الرؤية الحالمة للنظام الشيوعي في المنطقتين المغربي والصحراوي كانا يجب جمع الثوريين في المنطقتين لتأليف تكتل ثوري واحد يبدأ الثورة في المغرب العربي.

سامي كليب: ولكن الأمر بدا وكأنه مسألة شخصية بينك وبين الملك الحسن الثاني خصوصا أن أحزاب اليسار التي كنت منضويا تحت لواءها لم تكن تدعمك في موقفك من الصحراويين والصحراء؟

أبراهام سرفاتي: لم تكن قضية شخصية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن منظمتنا إلى الأمام كانت مع هذا الموقف لكن من جهة الثالث والعشرين من آذار فقد كان الموقف أكثر غموضا لا أدري أن كانوا مع هذا الموقف أو ضده وعلى كل حال لم يكن موقفا واضحا وقد كان هذا أحد أسباب الانقسام لأنه بين عامي 1972 و1974 كانت لدينا لجنة وحدة لكن أحد الأسباب في أيلول من عام 1974 أي قبل اعتقالي بفترة قصيرة كان الرفاق في منظمة الثالث والعشرين من آذار كانوا يعتقدون أن الصحراء يجب أن تضم إلى المغرب بينما كنا نعتقد نحن أنه يجب أن يكون هناك وحدة فدرالية تتمتع الصحراء بخصوصيتها في الوقت ذاته.

موقفه من صحراء المغرب

سامي كليب: لكي نبسط الأمور سيد أبراهام سرفاتي فيما يتعلق بالصحراء يعني كانت قضية كبيرة وسببت لك كل المشاكل الملك الحسن الثاني في عام 1988 قال ما يلي أنك رجل مسكين لم تفهم شيئا وإذا كان الأمر يتعلق يعني أمر الخلاف بينك وبينه بالنواحي الإيديولوجية فهو غير مهتم بالأمر ولكن أن تكون وخلافا لأبناء طائفتك اليهود معارضا أو تؤكد أن الصحراء ليست مغربية فهذا لم ولن يسمح به هل اليوم يعني أسألك سؤال بشكل مباشر هل اليوم غيرت موقفك هل ما زلت من موقفك في استقلال الصحراء أم غيرت وتريد ضمها إلى المملكة المغربية؟

أبراهام سرفاتي: هذا سؤال مهم أقول إنه يجب التفريق بين المغرب حتى خط طول 27 درجة أربعين عرض أي حتى إقليم طارفي وبين ما يوجد في الصحراء تحت تلك النقطة أعتقد أن المغرب حتى تقاطع خط طول 27 درجة أربعين عرض يجب أن يكون دولة لا مركزية وليس دولة ذات سلطة كاملة بل دولة تقبل بالاختلافات مثلا الريف وسواسي ليسوا متشابهين رغم أنهما جزء من تيار سياسي واحد على عكس الشاوية أو غيرهم مثلا.

سامي كليب: ولكن بسلطة مركزية في الرباط؟


أرى أن تتمتع الصحراء المغربية بحكم ذاتي مع ارتباطها بملك المغرب
أبراهام سرفاتي: نعم مع سلطة مركزية مع حكومة كتلك الموجودة في إسبانيا على الأرض أي مناطق واسعة تتمتع بحكم ذاتي لكن تخضع للسلطة المركزية نفسها وفي حالتنا هذه ستكون الرباط تلك السلطة وسيكون هناك مناطق تتمتع إلى حد ما بحكم ذاتي نظرا للوضع الراهن والتاريخي للمنطقة إنما فيما يتعلق بالصحراء تحت تقاطع خط طول 27 مع خط العرض أربعين فإنها تتمتع بتاريخ له خصوصيته وذلك لعدة أسباب أولها السبب التاريخي فمنذ القدم قام السلاطين بتوسيع سلطة المغرب حتى السنغال ويمكن للمرء أن يظن أن هذا كله هو المغرب الكبير لكنها كانت رؤية ونتج عنها أمور كثيرة كما أنها شعوب الصحراء لديهم طريقة عيش مختلفة ويجمعها تاريخ مختلف لكن هذه الشعوب مرتبطة بالمغرب في الوقت نفسه ليس ارتباط تبعية وإنما ارتباط أخوة وتعاون لم تكن تتبع لسلطة سلطان المغرب كالشاوية مثلا كما أنها منطقة مختلفة جدا يعيش فيها البدو الرُحل الذين لا يرتبطون بمناطق على الأرض أكثر خصوبة من غيرها في الصحراء أعتبر أن هذا التاريخ موجود وأنه علينا إعادة السيادة للصحراء والقبول في الوقت نفسه بهجرة المغاربة إليها في العام 1999 أعتقد أنه يجب ألا تتمتع الصحراء باستقلاليتها التامة ولا أن تخضع للمغرب بصورة تامة بل يجب أن تتمتع بحكم ذاتي مع ارتباطها بملك المغرب الذي عليه الدفاع عنها ضد الخارج وتحمل مسؤوليته تجاهها ومن جهة أخرى يجب على الصحراويين والمغاربة الذين استقروا هناك في أواخر العام 1999 أن يديروا أرضهم بنفسهم.

سامي كليب: لا يزال أبراهام سرفاتي عند موقفه من الصحراء رغم ما سببه له هذا الموقف من مشاكل مع العرش المغربي وقد كان في هذا الموقف ما قلب عليه أيضا بعض رفاقه لا بل أن نقاشات السجن بينه وبين الرفاق كانت غالبا ما تصطدم بتصلبه ليس في قضية الصحراء فقط وإنما حول كيفية المواجهة مع العرش المغربي فبعض المناضلين هزمهم السجن وراحوا يحملون مسؤولية الهزيمة لغيرهم.

أبراهام سرفاتي: اللحظات الأصعب كانت في الفترات أو بالأحرى في الفترة التي كانت فيها الصدامات مع رفاق السجن في أشدها.

الصدام مع رفاق السجن

سامي كليب: شو السبب؟

أبراهام سرفاتي: سأخبرك عن السبب عندما وصلت إلى سجن قنيطرة في البداية كنت في السجن الانفرادي لكن في كانون الثاني عام 1979 عندما نقلت إليه التقيت مجددا بالرفاق ومن بينهم أعضاء حركة إلى الأمام لكن كان بينهم نزاعات شديدة وهذا أمر يصعب تفهمه إلى حد كبير عندما يتم القبض على المجموعة بأكملها فهذه بالتأكيد تعتبر هزيمة وعندما نجتمع بعد هذه الهزيمة يحاول كل واحد منا إلقاء المسؤولية على الرفاق الآخرين الموجودين هناك وصلت إلى سجن قنيطرة في كانون الثاني من عام 1979 في الوقت الذي كان فيه الرفاق في أقصى حالات التشرذم بسبب إلقاء مسؤولية الهزيمة على بعضهم البعض في تلك الظروف بدأنا نوجه اتهامات من دون وجه صحة ضد هذا الشخص أو ذاك بأنه قام بخيانة البقية وأشياء من هذا القبيل بينما كانوا جميعا في الواقع مناضلين ربما كانوا قد ارتكبوا الأخطاء لكنهم لم يكونوا خونة ومع ذلك فهذا ما كانوا يفكرون فيه حاولت في العام 1979 أن أترفع عن الخلافات كي أتمكن من إعادة توطيد الأخوة بين الرفاق وعملت في الوقت نفسه على تحليل أخطاء كل واحدة منهم بموضوعية وعلى نحو أخوي وليس من خلال اتهام أيا منهم بأنه خان البقية حاولت أن أظهر حقيقة صراع كل واحد منهم وصلنا في مرحلة في أواخر الثمانينيات لم يعد يجرؤ فيها الحراس على قمعنا ناضلنا كثيرا لدرجة أننا تغلبنا في نهاية المطاف على إدارة السجن.

سامي كليب: لا يشعر أبراهام سرفاتي بأن رفاقه الفلسطينيين تخلوا عنه ولم تغير سنين السجن الطويلة موقفه لجهة دعم القضية الفلسطينية لا بل أن أول نشاط قام به حين نفي إلى فرنسا بعد خروجه من السجن كان لدعم الشعب الفلسطيني ومناهضة سياسة إسرائيل وأما سبب ذهابه إلى فرنسا فهو أنه حين أُفرج عنه قالت السلطات المغربية أنه برازيلي وليس مغربيا ولكنه قاد مع زوجته السيدة كريستين ومع رفاقه ومناصريه كفاحا طويلا ليعود إلى الأرض التي ترعرع فهيا حصل ذلك برعاية الملك المغربي الشاب محمد السادس الذي بخطوته هذه أكد مجددا عزمه على طي صفحة قاتمة من تاريخ المملكة.

أبراهام سرفاتي: ذهبت في السنوات الأخيرة لزيارة ضريح والدي وأختي لقد كان ذلك مهما بالنسبة لي.