مقدم الحلقة:

سامي كليب

ضيف الحلقة:

موسى رويشد: معتقل سابق بسجون إسرائيل

تاريخ الحلقة:

17/01/2003

- أسباب نضال رويشد ضد إسرائيل وكيفيته
- اعتقال رويشد وما عاناه من تعذيب في السجون الإسرائيلية

- رفقاء موسى رويشد في السجون الإسرائيلية

- الإفراج عن موسى رويشد ولقاؤه بأمه

سامي كليب: إلي سيناء قصدنا ضيفنا اليوم في (زيارة خاصة) فهو في الواقع يشكل مع عائلته نموذجاً مثالياً، لا بل سابقة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، فوالده وشقيقه قُتلا وهما يزرعان الألغام للدبابات الإسرائيلية، وهو كاد يُقتل، نجا من الموت ليعلق ببراثن السجون والمعتقلات الإسرائيلية، سوف أترككم تشاهدون بأم العين ما الذي فعلته به إسرائيل وسجونها إنه موسى رويشد.

كان موسى رويشد أجمل شباب جيله في شمال سيناء، حين كانت إسرائيل تحتل جزء من تلك المنطقة.

هذا هو موسى رويشد اليوم بعين واحدة، حيث الأخرى اقتلعتها إسرائيل ووجه يحكي بنفسه قصة ابن الخروبة الذي آمن بأرضه فوهبها أجمل ما عنده.

جسده كما تلاحظون-مُقتلع الأضلع فيه بقايا لغم وكثير من العذاب، جسد يزرع اليوم زيتوناً في سيناء، لكن ذاكرته تبقي متوهجة بصور مشرفة وسوداء.

موسى رويشد، كيف اخترت النضال ضد إسرائيل ومتى ولماذا؟

أسباب نضال رويشد ضد إسرائيل وكيفيته

موسى رويشد: والله هو إحنا كنا أطفال في المدارس، وطبعاً كانت تُدرس الوطنية في المدارس، وإحنا سمعنا عن إسرائيل وكيفية زروع إسرائيل داخل الوطن العربي والإرهاب الإسرائيلي في مذابح دير ياسين ضد الفلسطينيين، فعندما غزت إسرائيل سيناء رأينا مجازر في منطقة الخروبة في رجال القوات المسلحة، كانت هنا قوات مصرية كبيرة، هذه القوات قاومت القوات الإسرائيلية..

سامي كليب [مقاطعاً]: لأنه في منطقة الخروبة كان هناك موقع عسكري مهم في الواقع..

موسى رويشد [مقاطعاً]: مواقع.. مواقع عسكرية مصرية، فتصدت القوات الإسرائيلية أربع أيام ما قدروش يعدوا مدينة العريش من الطريق الرئيسي رفح- العريش، وكانت هناك خسائر إسرائيلية كبيرة، اعترف الجنرال (ياريف) أخيراً أصدر كتاب وهو كان من ضمن ضباط الإسرائيليين اللي كان قائد الحملة في هذه المنطقة اعترف بأن هو لو القوات المسلحة المصرية قاومت القوات الإسرائيلية كما قاومت هذه لما استطاعت إسرائيل دخول سيناء، وعندما طوقوا هذه القوات من الخلف خلصت ذخيرة الرجال، وقاموا وجمعوا هؤلاء الجنود وعددهم في حدود 300 جندي وبطحوهم على الأرض وجاءوا بإحدى الدبابات، وكانت هناك كاميرات تليفزيون إسرائيلية تصور هذه المناظر، وداسوا على الـ300 جندي وضابط بجنازير الدبابة طبعاً إحنا عمرنا كأطفال لم نر ميت.. إنسان ميت موتة طبيعية من الله، وما رأيك عندما فتَّحنا أعيننا على هذه المناظر المرعبة، شيء..

سامي كليب [مقاطعاً]: أنت رأيتهم بنفسك؟

موسى رويشد [مستأنفاً]: بعيني.. بعيني وأتذكر هذه الحادثة ولن أنساها مدى عمري وأنا عايش على.. على وش الدنيا، فعندما رأينا هذه.. يعني مين عنده ذرة من وطنية ويفقه شيء في مقاومة الاحتلال..؟

سامي كليب: كم كان عمرك آنذاك؟

موسى رويشد: 15 سنة وأخي محمد كان أكبر مني16 سنة..

سامي كليب: رأيتم الدبابات إذن تسحق300 ضابط وجندي.. مصري تقريباً..

موسى رويشد: ما يقارب من300 جندي وضابط، جاءت إحدى الدبابات الإسرائيلية وكانت هناك مجموعة من الجنود والمجندات وكان معهم كاميرات تصوير ودخلت الدبابة، جاءت من فوق أجسادهم الطاهرة، وكانت مناظر تقشعر لها الأبدان..

سامي كليب: حينها.. حينها بالضبط قررت أنه لابد من الانتقام؟

موسى رويشد: كيفية..، نفكر في كيفية الانتقام من هؤلاء الغزاة، إلى أن وجدنا أحد رجال قواتنا المسلحة جريحاً بالقرب من هذه المواقع وأخذناه إلي البيت وعالجه والدي إلى أن شُفي تماماً، وكانت في المنطقة حقول الغام مزروعة، وكنا نقول أمام هذا الجندي لو إحنا عندنا فكرة عن المعاملة مع الألغام، كنا تعاملنا مع هذه الألغام وبدأنا محاربة القوات الإسرائيلية، وجدنا هذا الجندي بعد أن شفي من جراحه يقول: أنا مهندس ألغام، لو أنتم عارفين ألغام، أنا على استعداد نجيب ألغام وأدرِّب الأسرة كلها على التعامل في كيفية زروع.. زرع الألغام وفكها، وبالفعل حددنا عدد من الألغام وجئنا ليلاً في ضوء القمر بعد أن وضعنا إشارات معينة عند عدة ألغام وأخذ.. وفك هذه الألغام وأخذها إلى البيت ودرَّب الأسرة كلها، الوالدة والأخ والوالد وأنا على كيفية التعامل مع هذه الألغام وبدأت قصة الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي في.. يعني في.. يعني 67 في.. يعني بعد الحرب بفترة بسيطة جداً وقمنا..

سامي كليب [مقاطعاً]: وقمتم أيضاً بعملية وهو عندكم الضابط.

موسى رويشد: وكان موجود عندنا، أيوه قمنا بتلغيم الطرق الرئيسية الترابية اللي بتدخل على مواقع قواتنا، لأن جاءوا الإسرائيليين وبدءوا يسحبوا الدبابات والمدفعية من مواقع قواتنا، وكنا إحنا خاسرين هذه الأشياء، قمنا بتلغيم الطرق ولغمنا جميع المعدات اللي خلفتها قواتنا، وبالفعل دُمرت في أول يوم سيارة جيب قُتل بها ضابط كبير و3 جنود، وأصيب ركاب السيارة الأخرى، لأنها كانت على مقربة من السيارة الأولى، وبعد فترة جم علشان عايزين ياخدوا الدبابات، قفزوا أربع جنود، على كل دبابة اثنين وأداروا محركات هذه الدبابات في آن واحد وانفجرت الألغام الموجودة الأربع ألغام الموجودة، تحت كل جنزير طبعاً واحد، وقُتلوا الأربع جنود، إحنا عايزين نعمل أي معادلة بين ما رأيناه.. بين ما.. يعني ما رأيناه.. ما فعلوه بقواتنا واللي.. يعني عايزين نعمل ولو معادلة ضعيفة جداً، .. إحنا قمنا بمحاولة أو محاولات ناجحة..

سامي كليب [مقاطعاً]: وكان يحصل ذلك بمبادرات فردية؟

موسى رويشد: فردية، وكان شعورنا يعني كان يزداد بالفرحة والثقة في النفس، بأن إحنا طبعاً العدو لا يمكن أن يتصور أن هناك أشبال بهذا السن يقومون بفعل هذه الأشياء، لا يتصور أبداً.

سامي كليب: طيب، بعدها.. طبعاً بعد هذه العملية استمرت العمليات واستُشهد الوالد وأخوك، كيف حصل ذلك؟

موسى رويشد: إحنا كنا في يوم من الأيام، الوالد دوره كان.. إحنا.. والوالدة كانت الألغام دي قريبة جداً من طريق عمومي يستخدمه الجيش الإسرائيلي الوالدة كانت ترعى الأغنام وتقوم بفك هذه الألغام اللي إحنا بنطلبها منها وبتروح مودياها لنا على بُعد، يعني بُعد بعيد..

سامي كليب: الوالدة كانت..

موسى رويشد: الوالدة هي التي تقوم بفك هذه الألغام.

سامي كليب: على كل حال، سنرى بعد قليل أنها لعبت دوراً كبيراً في الواقع في تشجيعكم وفي الصمود وفي الصبر تحديداً، من علَّمها تفكيك الألغام؟ أيضاً هو نفسه..؟

موسى رويشد: المهندس.. المهندس علمنا جمعياً، عَلَّم الأسرة كلها.. علَّم الأسرة كلها فنون التعامل مع الألغام.

سامي كليب: إذن كانت تفكك الألغام؟

موسى رويشد: في وسط الأغنام تقوم برعي الغنم، وفي وسط الغنم تقوم بفك الألغام وتوصيلها لنا في الأماكن الآمنة التي لا يرانا العدو فيها بسهولة جداً، بدون أن يلاحظها أي شيء، وفي يوم من الأيام طلبنا منها أحد الألغام، وصَّلت لنا اللغم في المكان اللي إحنا عايزينه وأثناء نصبنا لهذا اللغم فاجأتنا أحد الدوريات الإسرائيلية، وارتبك أخي في أثناء وتركيب اللغم، مما أدى إلى انفجار اللغم بنا وأدى إلى استشهاد أخي.

سامي كليب: وكنت معه.

موسى رويشد: وأنا أُصبت، ولكن تمكنت من الهرب ولم يلق عليَّ القبض الإسرائيليين، فكان حادث يعني.. يعني إحنا الموت آنذاك شيء طبيعي لأن الشهداء يملئون المكان من جنود قواتنا المسلحة.

سامي كليب: ولكن في هذه الواقعة شاهدت أخاك يعني يموت أمام عينيك؟

موسى رويشد: لأ جمعناه في كيس حتت، جئنا بالليل على ضوء القمر وجمعوا.. أهلي جمعوه وجابوه عندنا في البيت ورحنا..

سامي كليب: ولكن حين انفجر اللغم؟

موسى رويشد: آه رأيته وأنا تحملت منه لحماً ودماً، أنا تحملت منه لحماً ودماً، نزلت اللحم اللي معايا والدم في البيت، لأنه كان ملتصق بملابسي، كان هذا الدم واللحم كان يلتصق بملابسي وبعضاً من العظام أصلاً، وقمنا بمواراته الثرى في نفس الليلة، فكانت هذه يعني جعلتني يعني طبعاً أنا ماليش دلوقتي صديق يشاركني أعمالي وكانت صدمة للعائلة شوية، طبعاً تريثنا فيها، قعدت حوالي سنة إلى أن وجدت الصديق الوفي الذي يعني يجي مكان أخويا، علشان يشاركني العمليات ونستشير بعض في..

سامي كليب [مقاطعاً]: ولكن قبل ذلك طبعاً ذهبتم في جنح.. تحت جنح الظلام لدفن أخيك، لكي لا يعلم الإسرائيليون بأنه..

موسى رويشد: دفناه واريناه الثرى في نفس الليلة، والإسرائيليين آنذاك لم يبسطوا سيطرتهم كاملة على سيناء، ولم يعرفوا تجمعات المواطنين وإلا لم نفلت من عقابهم، هذا كانت.. كانت الأوضاع يعني لسه ما سيطروش على سيناء كويس، مش عارفين تجمعات المواطنين، ولذلك ما دققوش ما بحثوش كثير جداً، بحثوا شوية لما ما عرفوش تجمعات الناس طبعاً ما توصلوش إلينا، يعني تمكنت من الإفلات منهم، حتى أن جئنا بالليل جاءوا أهلي بالليل وأخذوا أخي، ما تبقى من أشلاء أخي ودفنوها في الليل علشان ما حدش يعرف طبعاً مين ابن مين اللي استُشهد في المكان ويستدلوا عليه الإسرائيليين.

سامي كليب: ثم الوالد؟

موسى رويشد: لأ، الوالد كان مر.. يعني مرت فترة طويلة، كنت أنا طالب من والدتي بعد أن وجدت أحد الأصدقاء شاركني العمل.. بدأنا يعني أعددته ودربته على الألغام في سبيل أن يحل محل أخي، وعندما طلبنا من والدتي أحد الألغام، قالت لي: والله يا بني أنا في الوقت الحاضر ما أعرفش؟ إنما والدك عارف واحد، هيصلي صلاة الصبح في المسجد -إن شاء الله- وهو جاي -بإذن الله- هيحضرلك إياه فجاي هو بيتعامل مع اللغم، اللغم دا كان مُشرَّك من تحت، وهو لما أجى يتعامل معاه عايز يعني يفكه اللغم انفجر به واستشهد والدي.

سامي كليب: حين كان ينفجر لغم زرعتموه في النهار أو في الليل هل كانت العائلة تفرح بذلك قبل استشهاد طبعاً الأخ والوالد؟

موسى رويشد: والله حتى بعد استشهاد الأخ والوالد أنا كنت أزيد 4 كيلو في الوزن خلال 48 ساعة من الفرحة يعني كأني واكل خروف.

اعتقال رويشد وما عاناه من تعذيب في السجون الإسرائيلية

سامي كليب: طيب، نصل لقصتك، ما الذي حصل معك وكيف اعتُقلت من قبل الإسرائيليين؟

موسى رويشد: وفي يوم من الأيام كنا نقوم بنصب أحد الألغام في منطقة مدينة العريش في محطة بترول عسكرية تابعة لشركة (إيجل) الإسرائيلية، وأثناء نصبنا هذا اللغم كان فيه كمين إسرائيلي موجود على أعلى حاروج المياه أمام مستشفى العريش العام إحنا لا نعلم بهذا الكمين، إحنا كل العمليات العسكرية اللي كنا بنقوم بها نقوم بها في وضح النهار، نصب الألغام كله في وضح النهار، ليه؟ إحنا حاولنا نيجي نعمل بالليل في الأماكن الحساسة، وجدنا الدوريات الإسرائيلية من الساعة 6 كل واحد بيعرف مكانه هو هيروح فين ويجي فين، لا نستطيع بنصب أي لغم في الليل، ووجدنا النهار أسهل لنا كثيراً جداً بالتعامل مع نصب الألغام كيفية نصب اللغم؟ نقوم بتوقيف السيارة ونقوم باستبدال إطار السيارة كأن هناك عطل في إطار السيارة، في أثناء استبدال الإطار نقوم بنصب اللغم بين الكاوتشتين يعني بين العَجَلين، بسهولة جداً وتغطيته، وعندما جئنا في هذا المكان ونصبنا هذا اللغم كان الكمين الإسرائيلي كان مطلع، الظاهر معاهم كان يعني..

سامي كليب: جواسيس..

موسى رويشد: مكبرات.. لأ. ناظور يعني، أتاري يعني هم راصدينا وإحنا مش داريين، عندما جئنا عاوزين نوضع اللغم ضُرب علينا النار أُطلقت علينا النار، طبعاً اللغم أنا.. لو أنا جيت فوق منه مش ممكن أفجر اللغم أبداً، لأنه عايز حجم كبير.. يعني حجم قوة كبيرة جداً علشان تفجره اللي حصل إن الرصاصة أجت في اللغم واللغم دا ضرب فينا، انفجر فينا

سامي كليب: وكل الإصابات في وجهك من.. من اللغم؟

موسى رويشد: من اللغم، استشهد زميلي سلام حسين عرفه في المكان وأنا أدخلوني إلى مستشفى العريش، وجاءت القوات الإسرائيلية ومنعت علاجي، واقتادوني إلى سجن (المجدل)

سامي كليب: رغم أنك كنت محروق الجسد تقريباً.

موسى رويشد: على.. على حمال، وكنت أنزف، وكنت محروقاً تماماً، وأدخلوني إلى سجن المجدل وبدأت هناك التحقيقات..

سامي كليب: بدون أي معالجة.

موسى رويشد: لا لا، كانت وسيلة ضغط، إحنا نعالجك. أنت تعترف من اللي معاك ومن الناس اللي بتوفر لك الألغام؟ بيجيبوا الألغام من فين؟ وأنت تبع أيه؟ وإحنا نعالجك، إنما أنت مش عايز تقول.. مش عايز تتكلم ولا تعترف خلاص إحنا مش هانعالجك، أنت علاجك في إيدك، كانت هذه وسيلة ضغط عليَّ اللي هي مسألة العلاج، وكان يتولى التحقيق معي واحد.. يعني عدة ضباط إسرائيليين ولكن كان واحد منهم اسمه (أبو حديد) طبعاً أسماء حركية، هذا الرجل جاءه أحد الصحفيين الإسرائيليين، وأذكر اسم هذا الرجل الصحفي، اسمه (شاؤول منشي) قال له: أريد أن أسجل مع هذا الفدائي، لكي نذيع على الأمة.. أنا مراسل صحيفة "هاآرتس" ومذيع.. وصحفي في إذاعة الجيش الإسرائيلي، عايزين نعمل تسجيل مع هذا الفدائي، علشان نذيع على الأمة الإسرائيلية إن إحنا مسكنا شبكة الفدائيين اللي بتقوم بتفجير الألغام لقواتنا في سيناء، قال له: دا له 3 أيام ما اتكلمش، قال له: من خلال تسجيلنا مع.. من خلال تسجيلنا مع الفدائيين الفلسطينيين والعرب هناك وسيلة يخشون منها، أخلع عينه يخشى على الأخرى ويتكلم وجدت هذا المحقق ضربني على عيني اليمنى، وإذا بماء عيني يسيل على وجهي، أحسست بالظلام دخل مكان النور، أحسست أنني فقدت إحدى عيني، والله لم يزدني ذلك إلا إصراراً، ولم أعترف، أعترف على مين؟ أعترف على الوالدة؟ استحالة طبعاً، ولم..

سامي كليب: طبعاً بين.. بين هلالين أنت كنت تفهم ما يقولانه لأنك كنت تتحدث تقريباً أو تفهم اللغة العبرية.

موسى رويشد: أنا أتكلم اللغة العبرية كويس جداً، وأفهمها كويس جداً

سامي كليب: لأنك تعلمتها وأنت شاب صغير..

موسى رويشد: بالضبط، أي نعم.. أي نعم، وكان كل اللي بيدور عندهم في أثناء التحقيق كنت أنا طبعاً بأعرفه كويس جداً، وعشان كده أنا عرفت اللغة بتاعتهم لما جه يتكلم مع الصحفي الإسرائيلي، عرفت كل اللي دار بينهم طبعاً وفهمته..

سامي كليب: كيف تعلمت اللغة ولماذا ... العبرية؟

موسى رويشد: والله هو هناك مثل "أعرف لغة قومك تأمن شرهم"، فأنا طبقت هذا المثل، يعني بقدر الإمكان حاولت وتعلمت هذه اللغة في سبيل إن آمن لغة قوم، يعني أفهمها كويس، وأتعلم بناءً على ما أسمع منهم.

سامي كليب: في التحقيق إذاً بدأ التحقيق بشكل عنيف جداً اقتلاع عين، ما الذي حصل فيما بعد؟

موسى رويشد: وتكسير قفصي الصدري الجانب الأيسر.. تكسير.

سامي كليب: كل ذلك دون أي علاج.

موسى رويشد: لا.. لا.. لا، ما فيه علاج إلى أن خرج الدود من الجانب الأيسر، الدود التعفن وصل إلى أن خرج من الجانب الأيسر بعد 11 يوم خرج الدود من الجانب الأيسر، وأحسست برائحة كريهة جداً، وأنا موجود على حمَّالة نقالة فوق مني راميين حتة قفص حديد وفوق منه ملاية، وأحسست برائحة كريهة، وبعدين أنا حسيت إن فيه حاجة بتأكلني في الجانب الأيسر، إلى أن جاء ... نقلوني إدارة المستشفى من سجن المجدل إلى سجن الرملة، إلى أن جاء أحد يعني السجناء العرب كان ده بيخدم يعني زي ما تقوم طار بيعمل.. بينظف يعني، وشم الريحة الكريهة بتاعتي، قال لي: أنت ما فيش دكتور بيشوفك؟ قلت له: لأ، رفع الملاية قال لي: أنت فيه دود طالع من جانبك الأيمن.. الأيسر إلى أن تعفنت، بعد ذلك بيومين نقلوني إلى سجن غزة المركزي

سامي كليب: طب كيف.. كيف كنت تتحمل كل هذا العذاب؟

موسى رويشد: والله أنا مسلم أمري لله في اللحظة.. في أي لحظة أنا بأقول أنا هأموت، أنا مسلم أمري لله، وفي أي لحظة أنا بأقول أنا هأموت.

سامي كليب: كنت تغيب عن الوعي؟

موسى رويشد: الوعي لا.. لأ، ما كنت أغيب إلى أن جاءوا..

سامي كليب: كنت يعني كنت.. كنت واعي بكل هذه الآلام وكل الحروق..

موسى رويشد: بكل هذه الآلام، يعني هو لما بيجي بيحقق معي كان بيحط في مناخيره قطن معطر، يقعد على الكرسي جانبي، لما يقعدوا 2 هنا واحد يمين وواحد شمال كانوا يضعون القطن المعطر في مناخيرهم عشان ما يروحوش.. ما يشموش الريحة الكريهة بتاعتي، وكان عذابهم شديد جداً، عارف يعني إحنا بنسمع عن هتلر، أنا بيتهيأ لي هتلر النازي ما ماتش، هتلر موجود وعايش، ورثوا هذه الأشياء عن هتلر ونفذوها في العرب، هذه الأشياء يعني إلى أن أدخلوني، جاءوني إلى سجن غزة المركزي أدخلوني تحت ماء مثلج بارد جداً جداً، وبعد ذلك يسحبوني في ماء ساخن جداً، بحمد الله هذا الماء الساخن هو الذي طهَّر جسدي من الديدان، وبدأت.. بدأت الجروح تقفل على.. يعني.. يعني بدأت.. يعني بدأت يعني كان..

سامي كليب: كنت أصبحت في أي يوم تقريباً حين.. حين..

موسى رويشد: في.. في الثالث عشر أو في الرابع عشر، كانوا عندما يجيبون بالطعام كانوا يكبوا لي الطعام كب على البلاط، يعني بيجيبوا الطبيخ مش عارف فاصولية أو حاجة زي كده بيرموها على البلاط، بيكبوها على البلاط، وبيقول لك: الحس زي الكلب، وكانوا يعلقونني في سلاسل حديدية، بيطلعوني بيوقفوني غصباً عني على.. على.. على ترابيزة عالية، ويروحوا رابطين إيدي في سلاسل في.. في السقف، بعدين يشيلوا الحاجة اللي من تحت بأفضل معلق في الهوا، 12 ساعة، 10 ساعات، 8 ساعات، إلى أن تتمزق إبطي من هنا بيتمزقوا، وبيبدأ الصديد ينزل من الجروح القديمة، لما بيجوا ينزلوني بأقدرش أرجع إيدي كان الأول بيفضلوا مرفوعين فوق رأسها زي كده، الحتة دي كلها فاتحة من أولها لآخرها.

سامي كليب: كم استمرت فترة التعذيب؟ كم من الوقت؟

موسى رويشد: 99 يوماً، 3 شهور و9 أيام 10 أيام

سامي كليب: كل يوم نفس أسلوب التعذيب؟

موسى رويشد: يمكن في العشر أيام الآخرانيين جايز أخف شوية..

سامي كليب: بعد أسبوع من التحقيق جاءت الوالدة.

موسى رويشد: بعد الحادث، بعد مباشرة ما وصلوني لسجن المجدل جابوها لي الوالدة هناك، ودخلت علي من أول طبعاً أنا لما شفتها رحت بكيت، هي أول ما دخلت علي قالت لي: أنت الحمد لله راسك فيك، وإيديك فيك، ورجليك فيك، فأنت الحمد لله بخير، شد حيلك، والأزمة للرجالة، وإن شاء الله بأمر الله يا بني هتعدي، الضابط الإسرائيلي ما خلى.. يعني الأزمة أزمة وهتعدي بإذن الله، أنت بخير يعني.

سامي كليب: هي لم تبكِ؟

موسى رويشد: لا، ما بكت لا، ما بكت، جاء الضابط الإسرائيلي وأمسكها وصفعها بقوة خارج الباب، وقفل بيني وبينها الباب، هو كان أنا ما أعرفش فيما بعد علمت ذلك كان متفق معاها إن هي تدخل وتصوت، ويعني تدخل بشيء.. يعني ينهار يعني تخلي الواحد ينهار، فهي دخلت عكس ما اتفقت يعني معاهم، والحمد لله كان لها يعني كلماتها كان لها أثر كبير جداً في راحة نفسي أنا ورفع روحي المعنوية.

سامي كليب: هي على كل حال كانت اعتقدت أنك استُشهدت.

موسى رويشد: بالضبط.

سامي كليب: ماذا فعلت حين.. طبعاً فيما بعد أخبرتك..

موسى رويشد: عندما جاءها العلم إن أنا قد استُشهدت جاءت بمخلاه ووضعت بها أحد الألغام المتوسطة، وعلقت هذه المخلاة في رقبتها، ودارت عليها بقناعها، وجلست على الشارع العمومي على الأسفلت تنتظر أي حافلة إسرائيلية كبيرة قادمة مليئة بالجنود، وشاء القدر أن جاءها أحد الأشخاص يسأل عنها، وهو شيخ القبيلة، وقال لها قبل أن يأتي الأتوبيس المستهدف، وقال لها أنا أسأل عن واحدة هنا تقطن اسمها أم موسى، قالت: أنا أم موسى، عايز أم موسى ليه؟ قال لها: والله هو الحاكم العسكري الإسرائيلي عايزك علشان يوديكِ لابنك موسى في سجن المجدل، قالت له: أنت مين؟ قال لها: أنا شيخ القبيلة، قالت له: يا شيخ، يعني ابني موسى طيب؟ قال لها: أيوه، فاستأذنت منه علشان تغير ملابسها، وراحت طبعاً غيرت ملابسها وأخفت اللي معاها، وراحوا على الحاكم العسكري إلى أن وصلت إليَّ في سجن المجدل..

سامي كليب: بعد..

موسى رويشد: يعني إحنا في كل عملية نتواعد لقاؤنا الجنة.

سامي كليب: طيب ما هي الأسئلة التي كانت تُطرح عليك مثلاً في خلال التحقيق؟

موسى رويشد: همَّ عايزين يوصلوا إلى الشبكة التي تقوم بعملية زرع الألغام معي أنا، فأنا لم أعترف على أحد، ولم أقل من الذي كان معي، أو من الذي يقوم بتوصيل الألغام إلى أماكن أخرى، يعني عشان ما أقدرش أقول طبعاً.

سامي كليب: كان.. كانت عمليات التعذيب تزداد يوماً بعد يوم.

موسى رويشد: ضغط أكثر يوم من بعد يوم يزداد الضغط أكثر وأكثر..

سامي كليب: مثلاً غير يعني أصعب من اقتلاع العين ماذا يمكن أن يمارس؟

موسى رويشد: يعني ماذا يكون بعد خلع العين وكسر الضلوع القفص الصدري؟ يعني عندما تكسرت عظام القفص الصدري للجانب الأيسر كانت هناك إصابات في الرئة، وكان هناك دم يخرج من فمي، لأن العظام جرحت الرئة، كيف كسروها؟ كسروها بأحذيتهم، كسروها بأحذيتهم، فكان الدم يخرج من فمي.

سامي كليب: استمر ذلك إذاً 99 يوماً،

موسى رويشد: أيوه.

سامي كليب: كيف كان يعاملك الإسرائيليون بعد ذاك التحقيق الصعب على مدى 99 يوماً بشكل يومي يعني؟

موسى رويشد: هو الزنزانة دي عبارة عن متر في متر يمكن ونص، ده العرض بتاعها متر فيه حوالي متر ونص، الزنزانة دي أرض.. الأرضية بتاعتها في نفس الأرضية بتاعتها مصبوبة مسامير مسنونة وزجاج

سامي كليب: في أرض الزنزانة؟

موسى رويشد: في أرض الزنزانة، ده أثناء التعذيب .. على حسب التحقيق معاك ممكن يرموا لك بورش، يعني حتة جلد كده تقعد عليها، لو أنت ما تعاونت معهم بيرموك فوق المسامير والزجاج، طبعاً أنا في أثناء أنا مرمي على البلاط وزجاج ومسامير...

سامي كليب: في أي شهر كان الاعتقال؟

موسى رويشد: 4/10/77 [67]، يعني ندخل في الشتاء

سامي كليب: يعني كان طبعاً زنزانة إضافة إلى المسامير والزجاج، وكانت باردة جداً.

موسى رويشد: وكانت وبرد.. برد قارص جداً، وكانوا يسحبونني من رجلي على الدور الثالث، شد من رجليَّ، لأن ما أقدرش أمشي، وجسمي متسلخ، كانوا يسحبوني إلى الدور الثالث زي كده، وكانوا ينزلوني من الدور الثالث زي كده، طبعاً تتسلخ الجروح، وتنزل الدماء والصديد، أنا بصراحة وأنا بأحكي لك زي كده بالضبط أنا حاسس نفسي إني رجعت مرة أخرى وعايش في هذه الأشياء، يعني مش.. حتى بأحس نفسي مش عايز أكمل لك.. مش عايز أقول لك بالضبط، لأن عايش الدور كله، وحاسس نفسي إن أنا دلوقتي موجود في نفس يعني نفس الدور اللي بأحكيه لك أنا عايش فيه، فكانت يعني.. يعني حاجة تقشعر لها الأبدان، يعني أنت بتنزل من فوق، أنت لما تطلع فوق بتنقل هم كيف هتنزل ثاني؟ طبعاً هتنزل بالألم سلمة سلمة، راسك من سلمة للثانية للثالثة، 3 أدوار وأنت طالع نازل، يعني كيفية التعذيب وأنت طالع.. وأنت نازل أكثر من إقامتك في الزنزانة ليلة بحالها في المسامير والزجاج.

سامي كليب: طيب حين تصل أمام المحققين ما الذي..

موسى رويشد: بيرموك.. بيروموك قدامهم وأنت كده زي ما أنت بدمك بكل حاجتك يرموك، وبيدوسوا عليك، وممكن يعدي من فوقك بالجزمة لا مؤاخذة عادي كده جداً، وعادي ما فيه مشكلة.

سامي كليب: كان يستمر التحقيق كم ساعة تقريباً؟

موسى رويشد: يعني ممكن ... هم يلبسوك كيسين مشمع، كانوا بيلبسوا لي كيسين مشمع، ويربطوا على رقبتي بأستيك أو بحبل، يعني عشان أنا يصعب عليَّ التنفس من هذا.. من الكيسين، ويسيبوني مرمي، مش مهم ممكن أقعد يومين ثلاثة أربعة بالإضافة للتعليق مدة طويلة 8 ساعات، 10 ساعات، ممكن تفضل مرمي زي ما أنت كده، وأنت صعب جداً أنك أنت تحصل على النفس بالإضافة إن كان فيه إصابة طبعاً إصابة تكسر العظام ضاغطة جداً على الرئة في الجهة الشمال فإذاً النفس.. النفس يعني شوف تتمنى الموت في اليوم مائة مرة.

سامي كليب: كنت فعلاً تتمنى الموت؟

موسى رويشد: تتمنى الموت في اليوم مائة مرة، لأنك أنت مش حاصل على شوية أوكسجين.. شوية هوا بس تدخل الرئتين.

سامي كليب: طيب طبعاً كل إنسان على.. على كل حال يبقى الإنسان إنساناً، ألا يضعف الإنسان في هكذا حالات؟ ألا تفكر في لحظة معينة أنك تود أن تقول كل شيء لكي تمنع؟

موسى رويشد: لو أنت قلت شيء.. لو أنت قلت كل اللي عندك، هو بيعتبر أنك أنت ما قلتش لسه ولا شيء، أنت جيت فتحت الكيس ولسه الكيس مليان، يعني كل اللي صدر منك كلمات بسيطة جداً والكيس لسه أنت هتطلع الباقي كله، فإذاً أنت فتحت على نفسك باب لا يغلق، فما فيه قدامك إلا الاستعانة بالله والصبر.

سامي كليب: كان يستمر هذا الأسلوب من التعذيب كل اليوم الدرج طلوعاً ونزولاً؟

موسى رويشد: كل يوم.. كل يوم.. كل يوم، يعني ما بطَّل هذا إلا بعد الـ99 يوماً..

سامي كليب: هل كنت تستطيع النوم رغم كل ذلك؟

موسى رويشد: لا.. لا يا سيدي الفاضل، كيف.. كيف تنام وأنت بك ألم؟ كيف تنام؟ إلا في غيبوبة وأنت ما تشعرش بنفسك، ممكن تنام ما تشعرش بنفسك، يعني.. يعني لحظات كثيرة بتحصل زي كده، ساعة ما آجي نازل يعني يمكن النزول أكثر.. أكثر قسوة، لأنه ممكن بسرعة أكثر.. أكثر من الطلوع أكثر من الصعود، النزول أكثر قسوة ممكن أنك أنت يعني ساعة ما يرموك جوه الزنزانة ويقفلوا عليك، أنت ما تدريش بنفسك تروح فين

سامي كليب: ماذا كان طعامك في خلال فترة التحقيق؟

موسى رويشد: كانوا يجيبوا طبيخ وبيروحوا كابينه على البلاط وبيقول لك الحسه، بيجيبوا شوية عيش مرقدينها سايبينها عندك، أنا ما كنتش أقدر أكل إلا لما آجي بإيدي ما أقدرش أحركها لأنه كانت طبعاً مفتوحة من هنا، ما.. من التعليق من أثناء التعذيب، ما كنت لا مؤاخذة آخذ برأسي أفضل أجب في نص العيش ده اللي هو الرغيف ده لغاية لما أجيبه جنب الحيط آخذه أكل منه، وهو عشان ما يهربش عني، يعني أخليه يصدم بالحائط عشان ما يهربش وأقعد أفرم منه بحنكي كده على طول، قد.. يعني مش بس حاجة عشان ما أموتش بس.

سامي كليب: بعدها ما الذي حصل؟

موسى رويشد: هم عرفوا إن ما فيش أي فايدة طبعاً مش هيجيبوا.. ما معييش حد، أنا قلت لهم ما معييش حد، أنا لوحدي، واقتنعوا بذلك، وقدموني إلى المحاكمة، وحكم على بـ16 سنة سجن، أنا لم أعترف بعمليات عسكرية، أنا اعترفت بالعملية اللي أنا اتمسكت فيها بس.

سامي كليب: بعد المحاكمة 16 سنة خفِّضت فيما بعد..

موسى رويشد: لم تخفَّض.. لم تخفَّض، المخابرات المصرية وجدت جثث إسرائيلية في منطقة (الدفرسوار) في.. في قناة السويس، في منطقة الثغرة، واستبدلت أنا من.. من ضمن مساجين مصريين بهذه الجثث وخرجت من سجون إسرائيل بعد حوالي 4 سنوات.

سامي كليب: في خلال سنوات الزنزانة الانفرادية من الذي كان يزورك؟

موسى رويشد: والدتي كانت تقوم بزيارتي، طول الوقت، الأربع سنوات.

سامي كليب: كنت تستطيع التحدث إليها؟

موسى رويشد: آه كان هناك شبك، من وراء الشبك كان.. بنجلس وأتحدث إليها، زيارة زي أي زيارة يعني، يسمحون بـ..

سامي كليب: ما الذي كانت تقوله لك؟ طبعاً هي يعني إما..

موسى رويشد: كنت أسألها عن أخبار طبعاً الأهل والأقارب والأحباب

سامي كليب: كنت تسأل إذا ما كانت العمليات مستمرة أيضاً؟

موسى رويشد: لأ لأن هناك كان حراس.. هناك حراس إسرائيليين، عندها واحد وعندي واحد، ما أقدرش أتكلم في.. في.. في هذه العمليات، لا أستطيع.

سامي كليب: كانت تشد معنوياتك؟

موسى رويشد: بالتأكيد بكلمات معينة، كانت تقول لي يعني: الحمد لله، يعني إحنا كويسين، وأنت كمان الظاهر عليك منظرك كويس وبتاع، والحمد لله، كانت يعني كلمات أنا أعرفها طبعاً كويس كلماتها هي يعني كانت بتؤثر كيف، وكان يعني كل شهر كان الصليب الأحمر الدولي يأخذها من هنا طبعاً مع مساجين.. مع أمهات وأبهات مساجين آخرين إلى هناك، ويأتوا بها مرةً أخرى.

رفقاء موسى رويشد في السجون الإسرائيلية

سامي كليب: هناك أيضاً كانت هناك بعض الشخصيات السياسية أو النضالية المعروفة من اليابان إلى أيضاً داخل فلسطين، والتي كانت مسجونة إلى جانبك، من تذكر من هؤلاء؟

موسى رويشد: والله كان جنبي أنا فيه زنزانة كانت لأحد المناضلين كان منتمي إلى فتح (قوات الثورة الفلسطينية) اللي هو الياباني (كوزو أكاموتو) دا كان جنبي، كان في زنزانة جنبي على طول، كان برضو في زنزانة انفرادية، كان موجود بس يعني نفس التعذيب ونفس الأشياء، والمعاملة كانت صعبة جداً فكر تماماً وإنه قام بأكبر عملية فدائية في مطار اللد ضد الإسرائيليين، وأحدث بهم خسائر كبيرة جداً، فاعتقلوه آنذاك.

سامي كليب: طبعاً اليابان تطالب به، وكان هناك جدل كبير بين السلطات اللبنانية وبين طوكيو بشأنه في السنوات الماضية، ولكن كيف عشت تجربة الزمالة في المعتقل معه، ما الذي تحفظه عنه مثلاً؟

موسى رويشد: والله أنا يعني لا أفهم اللغة التي يتكلم بها، إنما أنا.. نحن يعني إذا أنا مررت من أمام زنزانته أرفع له يدي بإشارة السلام، وهو كذلك، إنما لا نتكلم مع بعض.

سامي كليب: هل عرفت أنه تعرَّض أيضاً لتعذيب كثير؟

موسى رويشد: سمعت آه طبعاً، وأسمع كنت أسمع أحياناً التعذيب وهو داخل الزنزانة لأنه كان بجنبي على طول يعني، كنت أسمع يعني أحياناً كثيرة، كانوا يعتدون عليه الحراس الإسرائيليين بالضرب أحياناً كثيرة.

سامي كليب: والآخرون؟

موسى رويشد: كان بجانبي أيضاً.. مش يعني.. مش جنبي على طول، يعني في حدود يمكن زنزانتين بيني وبينه كان المطران... (كابوتشي) يعني طبعاً سمعت

طبعاً، كل الناس سمعت عنه، أنا طبعاً لفت نظري طبعاً لأنه..

سامي كليب: أولاً مطران، يعني شخصية دينية كبيرة.

موسى رويشد: آه بالضبط، أنا سمعت عنه طبعاً، و.. وما فيه.. ما نقدر نختلط مع بعض، ولا نقدر نتكلم مع بعض، كانت يعني ما.. ما بيتيحوش إلنا فرصة عشان نتعرف على بعض ولا نتكلم مع بعض.

سامي كليب: ماذا سمعت عنه في المعتقل؟

موسى رويشد: سمعت إنه رجل كان رجل وطني ورجل ذو يعني سمعة طيبة جداً، و.. ورجل يؤمن بالقضية العادلة، وهي قضية فلسطين.

سامي كليب: هل استطعت إدخال بعض وسائل ليست ترفيه، ولكن على الأقل وسائل معرفة ما يحصل في الخارج مثلاً، كتاب أو صحيفة، أو.. أو.. أو راديو؟

موسى رويشد: كان عندي.. كان راديو صغير عندي كنت أسمع به الأخبار، فقط هذا الذي استطعت أن أدخله عندي.

سامي كليب: كانت تشجعك الأخبار التي تحصل في العالم العربي آنذاك؟

موسى رويشد: أنا.. أنا.. أنا بأحس إني أنا مرتبط بالعالم الخارجي وأنا داخل السجن، بأتابع كل صغيرة وكبيرة ما تحدث.

الإفراج عن موسى رويشد ولقاؤه مع أمه

سامي كليب: بعد.. بعد كل هذه الفترة طبعاً وكان حظك كبيراً أن مصر كانت دخلت في مرحلة التفاوض الجدي بشأن تبادل الأسرى والمعتقلين، ولكن متى أحسست فعلياً أنه سيفرج عنك من المعتقل؟ هل علمت ذلك؟

موسى رويشد: جاءني.. جاءني أحد.. يعني وجدت فيه اسمي بيزعق في سماعة في السجن، لقيتهم بيزعقوا على اسمي طبعاً همَّ عارفين مكاني وعارفين اسمي، أجوا وفتحوا عليَّ قالوا تعالَ، أخذوني ودخلوني أحد المكاتب في داخل السجن وجدت أحد رجال الصليب الأحمر الدولي قاعد في المكتب استقبلني وسلم عليَّ، وقال لي أنت إن شاء الله أنت هتخرج من السجن يوم الاثنين القادم إن شاء الله بعد..

سامي كليب: كان الصليب الأحمر يزورك قبل ذلك؟

موسى رويشد: آه مش.. يعني في الشهر مرتين.

سامي كليب: متى استطاع أحد غير الإسرائيليين أن يراك في حالتك غير الوالدة والإسرائيليين طبعاً، أو شخصية..

موسى رويشد: عندما.. عندما يحسوا أن الصليب الأحمر قد جاء يدخلوني في أحد الغرف اللي هي زي.. عاملينها زي يعني صحة كده مستشفى صغير، وكأني أتناول العلاج، وعندما يعني الراجل دا المسؤول يمشي بيقوموا بترجيعي على الزنزانة مرة أخرى.. زنزانتي مرة ثانية.

سامي كليب: بعد فترة التحقيق، هل بدءوا بمعالجتك فعلياً؟

موسى رويشد: لم أعالج نهائياً.

سامي كليب: ولا طيلة السجن.

موسى رويشد: ولا دخلت.. ولا أخذت حقنة واحدة في داخل السجن.

سامي كليب: كيف شفيت؟

موسى رويشد: الله -سبحانه وتعالى- هو الذي شفاني، هو يعني أنا.. أنا أرجع الحمد لله أولاً الماء الساخن هو الذي قتل الميكروبات ونظف جروحي.

سامي كليب: كنت تستطيع الحصول عليه داخل الزنزانة؟

موسى رويشد: دا من ضمن التعذيب.. دا من ضمن التعذيب، يعني وسيلة.. ربما ضارة نافعة، هذا كان من الشيء اللي همَّ بيعتبروه ضار لي، ولكن سبحانه وتعالى كان نافع لي بإذن الله، هذا الذي أنا أرجعت الفضل لله أولاً ثم إلى هذا الماء الذي سلخ كل ما بجسدي من حروق، وبقيت كإني ما.. كإني.. كإني يعني مصاب جديد، يعني بس ما فيش لا دم ولا فيه صديد، ولا فيه أي شيء، بدأ.. بدأ اللحم يتكون، ويعني الماء الساخن طهَّر جسدي من الديدان والميكروبات، وهمَّ لو يعلموا ذلك ما كانوش أدخلونا على المية السخنة أصلاً.

سامي كليب: بعد قرار الإفراج عنك ما الذي تسلَّمك في البداية؟

موسى رويشد: الصليب الأحمر الدولي، فأنا سلمت إلى السيادة المصرية في العريش وكان نظري طبعاً تعبان، وقرروا إني أنا لي عملية فيه انفصال شبكي، فيه التهاب مزمن، فيه تليف في الجسم الزجاجي في العين، فيه أجسام غريبة داخل العين، وقرروا سفري على نفقة الدولة إلى ألمانيا، إلى أن جاء أحد الأطباء -جزاه الله كل خير- اسمه الدكتور علي عبد المنعم المفتي، وقال هذا الرجل أنا سأعالجه على نفقتي، وأخذني في عيادته في الزمالك، وأدخلني بعد أن كمَّل فحوصاته، وكان أملي نجاح العملية يعني ما كانش فيه 1%، ولكن كان الرجل يعتمد -سبحانه وتعالى- على الله، وأدخلني مستشفى العجوزة.. الجمعية الخيرية الإسلامية في العجوزة، وأجرى لي هذه العمليات جميعاً، يعني في خلال شهر يمكن خلَّص منهم

سامي كليب: واستعدت جزءاً من النظر.

موسى رويشد: واستعدت جزءاً كبيراً لا بأس به من النظر.. من النظر.

سامي كليب: بعد ذلك عدت طبعاً إلى منطقتك، واستكملت ما تعلمته في البداية، أي نزع الألغام، ولكن هذه المرة من أجل زرع أشجار الزيتون مكانها.

موسى رويشد: حاولنا إن إحنا نتعايش طبعاً نغيِّر الاستراتيجية الأولية استراتيجية مقاومة الاحتلال، إلى أن جاءت عملية السلام ودخلت.. وأخذنا أرضنا، طبعاً بالحرب في الأساس، فحرب أكتوبر هي أساس كل شيء، يعني الفضل لله أولاً، ثم لقواتنا المسلحة التي اجتازت خط بارليف وجعلته أضحوكة.. أضحوكة عبر الزمان، فقررنا إن إحنا يعني نشيل أدوات الموت من هذه الأرض، ونزرعها.. نستبدلها بأشجار السلام.

سامي كليب: على كل حال حين أفرِّج عنك كانت لا تزال أجزاء من هذه المنطقة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

موسى رويشد: تحت الاحتلال الإسرائيلي، أي نعم، أنا قعدت حوالي سنتين لم أستطع بعد الإفراج عني لم أرجع إلى هذه المنطقة إلى أن زال الاحتلال عنها.

سامي كليب: كيف قابلت الوالدة أول مرة بعد الإفراج؟

موسى رويشد: بصراحة يعني مش عايز يعني لا أقدر أن أعبر عن الوصف، حياة جديدة..

سامي كليب: لأ، ولكن هناك قضية طبعاً كيف وصلت إليها؟

موسى رويشد: عندما جئت إليها لأ يعني مش عايز.. مش عايز إنها هي تشوفني كده فجأة، فاصطحبت أحد الأصدقاء معاي، وأنا استخبيت في مكان، وهو راح قال لها: سلام عليكم، قالت: عليكم السلام، قال لها أنا جاي أبارك لكِ لأن موسى طلع من السجن، قالت له أتكلم كلام غير الكلام دا، موسى عمره ما هيطلع من السجن، حتى لو وفى 16 سنة سنة مش هيطلع.. مش هيطلعوه.

سامي كليب: لأنك أنت -يعني فقط لنشرح للمشاهدين- لأنك حين عدت إلى هذه المنطقة بعد الإفراج عنك لم تستطع الذهاب مباشرة إلى منزلك، حيث كانت الوالدة.

موسى رويشد: لأ أنا دخلت بطرق غير شرعية.

سامي كليب: لأنك أدخلت إلى المنطقة التي كانت خاضعة عملياً لإسرائيل.

موسى رويشد: لإسرائيل، في حين إني أنا ساعة ما أفرجوا عني شرَّطوا عليَّ إني أنا ممنوع أدخل المناطق المدارة تاني اللي هي معاهم، فلو دخلت ومسكوني هيدّوني الـ16 سنة يوم يوم، ويحكموا عليَّ بحكم جديد بدخول المناطق المدارة تاني

سامي كليب: فأدخلوك إلى المنطقة تحت.. التي كانت خاضعة للسيادة المصرية، وكانت الوالدة لا تزال..

موسى رويشد: في المنطقة اللي فيها الإسرائيل لسه، ودخلت للوالده.

سامي كليب: كيف؟ تسلَّلت؟!

موسى رويشد: تسلَّلت، واصطحبت أحد أصدقائي..

سامي كليب: ألم تخش أن تعتقل يعني في تلك اللحظة؟

موسى رويشد: لأ أنا أمَّنت.. أنا أمَّنت دخولي تماماً، أنا يعني عملت درجة حساب، وجدت إني أنا طبعاً ما حدش هيقدر يقتفي أثري، ولا هيقدر يعرفه، ودخلت إلى أن جئت لأحد الأشخاص ويعني صديق لي بأعرفه زمان من قيمة يعني.. قبل الاعتقال، والراجل مش مصدق إن هو شافني، طبعاً حكيت له القصة كلها، وجينا على الوالدة، أنا استخبيت، وهو جاء قال لها: سلام عليكم، قالت: عليكم السلام، قال لها موسى طلع من السجن وأنا بأبارك لكِ، قالت له قول كلام غير الكلام اللي أنت بتقوله، مش ممكن، استحالة، قال لها أنا زي ما بأقول لك، بصراحة موسى ألف مبروك وموسى طلع، والله واتعشيت أنا وهو، قالت له صدقني يا ابني أنا.. أنا بأعرف عنك الإخلاص والطيبة والصدق، لكن المرة دي أنا.. أنا.. أنا اسمح لي إني أقول لك لأ مش مصدَّقاك، فما هو إلا قال لي تعالَ يا موسى، ورحت ظهرت أنا طبعاً، أنا خفت إن هي تصاب بسكتة قلبية لما أظهر لها فجأة كده طبعاً بدون.. بدون مقدمات، فأنا ظهرت لها طبعاً بعدما عمل مقدمة معاها، ظهرت لها طبعاً، وكان لقاء.. لقاء لا يتصوره أحد، لقاء حار جداً، حياة جديدة، بعد الموت والفراق فعدنا مرة أخرى.. يعني أقول لكم إيه، يعني حاجة يعني ما.. ما.. ما.. مش.. مش قادر أعبر ولا قادر أتكلم على الموضوع دا يعني.. يعني لقاء جديد، حياة جديدة، حب، نبض جديد رجع إلى الوالدة وطبعاً لابنها، ما.. يعني أكتر من كده مش هأقدر أعبر ولا أقول عنه حاجة.

سامي كليب: هل تُعلِّم ولديك كيفية نزع الألغام أيضاً؟

موسى رويشد: أنا أحاول إني أنا يعني ما أخليهمش يسلكوا اللي أنا سلكت بيه، لأن الطريق شاقة جداً، إنما أنا أعلمهم حب الوطن.. أعلمهم حب الوطن، كيف يخلصون إلى وطنهم وبلدهم، ووطنهم العربي الكبير.

يعني حبي إلى مصر وإلى وطني العربي الكبير لا يقدَّر، أنا أحببت هذا الوطن لأني سمعت في يوم من الأيام منادياً عندما قامت إسرائيل بغزو وطننا سمعت منادياً يقول:

أخي جاوز الظالمون المدى وحق الجهاد وحق الفدا

أنتركهم يغصبون العروبة مجد العروبة وسؤددا

يعني أنا عند هذه الكلمات..

سامي كليب: من الذي قال ذلك؟ عبر الإذاعة يعني، أم..؟

موسى رويشد: في الإذاعة، الأستاذ عبد الوهاب كان مغنيها، عندما سمعتها تأثرت كثيراً بهذا النداء، والحمد لله يعني أحسست إني أنا أديت واجبي لوطني.

سامي كليب: موسى رويشد أدى واجبه لاشك، ولم يقدم له أحدٌ شيئاً، ولم يطلب مكافأة، وصار كغيره اليوم من قدامى المناضلين يتابع بشيء من الأمل وكثير من المرارة ما تحيكه السياسة الدولية في المنطقة، ويرصد دون وهمٍ كبير عبر الإذاعة أيضاً المساعي الأميركية، بينما زيتونه يكبر مكان الألغام، وقلبه على فلسطين.