مختار ولد داده
سامي كليب

سامي كليب:
 
ولد تحت خيمة في موريتانيا، وباع البن في فرنسا من أجل تحصيله الدراسي، لا يعرف عمره بالضبط، لكن عمر منفاه يشارف على ربع قرن. البعض كان يعتبره رجل الجنرال (شارل ديجول)، والبعض الآخر كان يسميه بأبي الجمهورية الموريتانية .. مختار ولد داده أول رئيس للجمهورية الإسلامية الموريتانية، يعيش حالياً هنا في مدينة (نيس) الفرنسية الساحلية، يكتب مذكراته .. يتثاقل على مرضه تارة، وعلى المنفى أطواراً ليكتب هذه المذكرات التي فيها محطات مشرقة وفيها محطات قاتمة .. فيها الصحراء الغربية والصراع عليها، وفيها العلاقة المعقدة مع الجزائر والمغرب، ولكن فيها أيضاً اللقاءات الهامة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ومع الملك فيصل .. من هذه المذكرات سوف ننتقي اليوم أفضلها.

من اللغة العربية وإعجازها في القرآن الكريم، إلى اللغة الحسانية في البادية والقبائل، إلى الفرنسية التي كانت لغة التحصيل العلمي ومخاطبة العصر، سعى الرئيس الموريتاني السابق في حوارنا معه بأن يختار لغة العرب وسيلة لهذا الحوار .. ولأن الجسد المتعب بات عاجزاً عن اللحاق بصفاء الذهن، فإننا اضطررنا للاستعانة بصوت آخر يساعد مختار ولد داده على نقل أفكاره والتاريخ بكل الأمانة التي ابتغاها، سيدي الرئيس .. بداية تاريخ مولدك يبدو فيه إشكال كبير، فحتى أنت شخصياً ما بتعرف إذا كان عام 20 أو 24، شو السبب؟

مختار ولد داده:

لقد نشأت في البادية، ولم يكن البدو يسجلون المواليد الجدد، يقولون إني ولدت في السنة التي كان فيها المطر وفيرًا، وفي زمن ظهرت فيه نجمة جديدة ينتظرها الناس. إذن كانت هذه الأحداث كافية لتحديد تاريخ مولدي.

سامي كليب:

إذن سنوات المطر كانت بين 20 و24 تقريباً؟

مختار ولد داده:

إيه نعم.

سامي كليب:

ولدت تحت خيمة ..

مختار ولد داده:

تحت خيمة إيه.

سامي كليب:

بعدها مباشرة –سيدي الرئيس- يعني الولادة والظروف الصعبة بدأت دراستك، وكانت دراستك في الواقع للغة العربية بداية، ثم اخترت –على عكس عادات الموريتانيين- اخترت أن تخط طريقك في الحياة بنفسك .. طبعاً بمباركة من الوالد، بينما كانت التقاليد الموريتانية تريد أن يكون الوالد هو الذي يقرر بالنسبة لابنه .. درست اللغة الفرنسية، وبدأت العمل بداية كمترجم لدى الحاكم الفرنسي، أود فقط أن أسألك سؤالي البديهي: يعني أنت صانع استقلال موريتانيا – كما نعلم- وبدأت تاريخك مع الفرنسيين عملياً، هل كانت .. هل كان ذاك اللقاء صعباً بينك –كرجل ربما طامح للاستقلال منذ صغرك وبين الفرنسيين؟

مختار ولد داده:

طبعاً هناك بعض المشاكل، الأمور لم تتم من دون صعوبات، ولقد وجدت بعض الصعوبات والعراقيل، ولكنني لم أكن لأحدث الفرنسيين عن إيماني بضرورة استقلال موريتانيا، هذا الاستقلال الذي لم يغب يوما لا عن بالي ولا عن فكري .. لقد كنت أسعى دائماً لتحقيق هذا الاستقلال لبلادي.

سامي كليب:

هل فكرت بالاستقلال منذ الصغر والشباب؟

مختار ولد داده:

بالواقع إنني كنت أؤمن دائماً بأن من حق الشعوب المستعمرة أن تتحرر، وأن تحقق الاستقلال الوطني، أما بخصوص موريتانيا تحديداً فإنه لم يكن لديَّ برنامج محدد، بل كانت لديَّ مجرد أفكار.

سامي كليب:

وأنت كنت شاباً هل فكرت في العمل بالسياسة؟ أم أن العمل بالسياسة جاء بالصدفة بعد ذلك؟

مختار ولد داده:

بالفعل لقد تعلقت بالسياسة منذ صغري، وتحديدًا تعلقت بها عندما قررت فرنسا -بعد الحرب العالمية الثانية- أن تحرر مستعمراتها أو تمنحها جزءاً من الاستقلال الداخلي، وقررت أيضاً أن تخفض من عدد نوابها في البرلمان الفرنسي. كان ذلك عام 1945 أو 1946، عندها بدأت أفكر بالسياسة، ولهذا السبب بالذات وبعد انقطاعي عن التعليم عدت لدراسة اللغة الفرنسية، وعملت مع المستعمر الفرنسي.

سامي كليب:

بعد .. بعد التجربة في موريتانيا إذن، والعمل كمترجم انتقلت لإكمال الدراسة في فرنسا، وكان الانتقال صعباً خصوصاً أن ظروف العائلة كانت اقتصادية صعبة، وأيضاً فكرة الرحيل إلى فرنسا آنذاك كانت صعبة جداً .. ما الذي دفعك لاختيار فرنسا؟ هل التحصيل والتفكير في السياسة آنذاك أيضاً؟

مختار ولد داده:

منذ البداية كان هدفي هو أن أمارس مهنة المحاماة، وأن أعمل في مجال الحقوق .. وفي سؤالي الفرنسيين عن شروط العمل بمهنة المحاماة، أجابوني بأن عليَّ أولاً أن أحصل على شهادة البكالوريا ثم على الإجازة في الحقوق، ولكنني كنت متقدماً في السن حينها ولم يكن بإمكاني التحصيل بالمرحة الثانوية، لذلك سافرت إلى فرنسا، ودرست في معاهد ثانوية خاصة، وحصلت منها على شهادة البكالوريا، ثم تابعت دراستي في الحقوق في إحدى الكليات (الباريسية) حتى حصولي على شهادة المحاماة.

سامي كليب:

في .. حسب القراءة الواقع في طفولتك ثم في الشباب وأيضاً بداية التحصيل العلمي على المستوى الدراسي الثانوي وبعدها الجامعي، نلاحظ أنك كنت دائماً من بين الأوائل في الصف، وكنت دائماً بارعاً في التحصيل العلمي .. فقط أود أن أسألك في هذا المجال: أول لقاء بينك وبين الطلاب الفرنسيين، خصوصاً أنك كنت قادم من البادية، ولبست للمرة الأولى الثوب أو الزي الغربي -إذا صح التعبير– واشتريته من محل لبناني في موريتانيا .. هل كان المجيء إلى فرنسا صعباً كرجل مثلك عاش كل حياته وطفولته في البادية؟

مختار ولد داده:

كان صعبا جداً، وقد أحسست بالعزلة، وأحسست أيضاً بالغربة، ولم يكن لدي ما يكفي من المال، وكلما اشتد يأسي، كنت أقول في نفسي .. أردد هذه الجملة: أن عليَّ أن أنهي التحصيل العملي، لأنني جئت إلى فرنسا من أجل تحقيق هذه الغاية.

سامي كليب:

طيب، سيدي الرئيس يعني الفرق بين موريتانيا آنذاك وفرنسا كان فرقاً كبيراً، هنا دولة كانت متقدمة رغم أنها كانت خارجة لتوها من الحرب، ولكن كل مباهج الدنيا والحضارة –إذا صح التعبير-، وموريتانيا كانت لا تزال تعيش حياة الصحراء والبادية وحياة الرعاة أو المزارعين .. ما أول شيء صدمك لدى وصولك إلى هنا؟ صدمك إيجابياً وسلبياً -إذا صح التعبير-.

مختار ولد داده:

أولاً: كثرة سكان المدن، وما كان يميزهم من الاختلاط بين النساء والرجال، الاختلاط أيضاً بين الكبار والصغار، وكان هذا شيئاً سلبياً بالنسبة لي..

سامي كليب:

بعد التحصيل العلمي -سيدي الرئيس- وكل هذه اللقاءات .. تلك اللقاءات التي أجريتها مع (سنجور) وغيره من المسؤولين الذين كانوا آنذاك مسؤولين أو الذين أصبحوا فيما بعد مسؤولين، بدأت تختمر فكرة استقلال موريتانيا .. كيف صنعت الاستقلال -إذا صح التعبير؟ مع مَنْ عملت؟ وكيف ولدت هذه الفكرة في رأسك؟ وما هي المصاعب التي واجهتكم آنذاك؟

مختار ولد داده:

بالحقيقة بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حرب الهند الصينية، وحرب الجزائر، حرب الجزائر إذن –كما ذكرت- بعدها بدأت فكرة الاستقلال تتبلور في ذهني، ولكن بعض رؤساء القبائل في موريتانيا كانوا يقولون بأننا لا نستطيع أن نستقل، لأن خروج فرنسا من موريتانيا يمكن أن يؤدي إلى اجتياح مغربي لبلادنا، ولأنه لا طاقة لنا للدفاع عن أنفسنا، ولذلك كانوا يفضلون البقاء تحت المظلة الفرنسية. في المقابل، كان البعض يؤمن بفكرة الاستقلال، وأذكر منهم سيدي (المختار الجاي) الذي كان نائباً عن موريتانيا في البرلمان الفرنسي، كان له تأثير كبير في الأوساط التقليدية، وهو أول من ساعدني في تحقيق استقلال موريتانيا.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. كيف كانت علاقتك آنذاك مع الملك الحسن الثاني؟ في البداية كانت صعبة، ثم أصبحتما صديقين في البداية –مرحلة الصعوبة- هل كانت تحصل خلافات ومشادات بينكما؟ وهل كنت تعتقد أنه إنسان ربما يريد فعلاً نسج علاقات جيدة مع المغرب، وله فكرة ثاقبة إلى المستقبل في تلك المنطقة؟

مختار ولد داده:

في البداية كنت متحفظاً بشأن علاقاتي معه، ولكن بعد اتفاقنا على تقسيم الصحراء كان وفياً لالتزاماته، لقد وفىَّ بما التزم به معي.

سامي كليب:

الاتفاق على تقسيم الصحراء كان اتفاقاً سرياً بينكما، لأنها كانت لا تزال خاضعة للاستعمار الإسباني آنذاك ..

مختار ولد داده:

نعم، كانت هذه الاتفاقات سرية، ولم يكن يعلم بذلك سوى الرئيس هواري بومدين الذي كان شاهداً على كل مراحلها، وكان يسعى إلى تحقيق مثل هذا التقارب.

سامي كليب:

بومدين .. هل كان موافقاً على كل ما اتفقتما عليه أنت والملك الحسن الثاني، أم أنه وضع شروطاً بالنسبة للصحراء بداية؟

مختار ولد داده:

كان الشرط الوحيد لبومدين هو أن نتفق مع المملكة المغربية، ثم بعد ذلك حصل تغيير في موقفه عندما نقض المغرب الاتفاق المبرم مع الجزائر حول الحدود بين البلدين.

سامي كليب:

وأيضاً العقيد معمر القذافي حاول التدخل من أجل حل بعض المشاكل بالنسبة للصحراء، وربما عرض شراء بعض المناطق لموريتانيا .. هل ذلك صحيح؟

مختار ولد داده:

صحيح، العقيد معمر القذافي كان قريباً من الموقف الموريتاني ومن الصحراء، لأنه كان يعتقد أن الموريتانيين والصحراويين هم شعب واحد، وأن عليهم أن يقوموا بتنظيم علاقاتهم بأنفسهم، وبطريقة خاصة بهم.

سامي كليب:

هل كان العقيد معمر القذافي والملك الحسن الثاني يكنان لبعضهما البعض الود أم أن العلاقة كانت -منذ البداية- متشنجة بين الرجلين؟ خصوصاً أنك تروي في مذكراتك –سيدي الرئيس- أن الملك الحسن الثاني كان يتعامل ببعض الاستعلاء مع العقيد.

مختار ولد داده:

منذ البداية كانت العلاقة بينهما سيئة، ولم تتحسن يوماً.

سامي كليب:

هل كان يقول لك -مثلاً- الملك أو العقيد أشياء تتعلق بالشخص الآخر؟

مختار ولد داده:

نعم، كان لكل منهما انتقاداته تجاه الآخر، لكنني لا أود أن أذكر ما كان يقوله لي كل واحد عن الآخر.

سامي كليب:

سنعود بعد قليل إلى الجزائر والعلاقة بينك وبين بومدين، والعلاقة بين بومدين والملك الحسن الثاني. فقط قليل من الراحة يمكن تعبت شوي.

سيدي الرئيس عادة هنا تجلس من أجل المطالعة في هذه الغرفة؟

مختار ولد داده:

أجل.

سامي كليب:

علم الاستقلال مين قرر شكله سيدي الرئيس؟

مختار ولد داده:

أنا وبعض الشبان من موريتانيا.

سامي كليب:

واخترت الألوان إنت أو ..؟

مختار ولد داده:

نعم.

سامي كليب:

وين؟

مختار ولد داده:

في نواكشوط. هذا موسى تراوري من مالي...

سامي كليب [مقاطعاً]:

موسى تراوري كان في زيارة لنواكشوط؟

مختار ولد داده:

نعم .. هذا (جورج بومبيدو) الرئيس الفرنسي...

سامي كليب:

في أي عام زارك بومبيدو للمرة الأولى؟

مختار ولد داده:

عام 71.

سامي كليب:

تعرفت على (ديجول)، على (بومبيدو)، وعلى (جيسكار) وعلى (ميتران).

مختار ولد داده:

نعم.

سامي كليب:

مين كان أفضل علاقة بينك وبينه؟ ديجول؟

مختار ولد داده:

كلا .. أفضل علاقة كانت مع ميتران.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. طبعاً بالعلاقة اللي كنت تتحدث عنها منذ قليل حول المغرب وليبيا، نلاحظ أن لديك الكثير من التحفظ في الحديث عن تلك العلاقات الشخصية بين الرؤساء، بالرغم من أنك في المذكرات تتحدث كثيراً عن الموضوع .. أود فقط أن أسألك ما الذي كان يزعج -مثلاً- لدى .. عند الحسن الثاني من العقيد القذافي، وماذا كان يزعج القذافي من الملك الحسن الثاني؟ ما هي نقاط اللقاء والخلاف بينهما؟

مختار ولد داده:

الخلاف بينهما كان أساسياً .. الرئيس القذافي كان رجلاً ثوروياً يعارض الانظمة التقليدية، أما الملك الحسن الثاني فكان يرى عكس ذلك، وكان أيضاً يرى في القذافي رجلاً ثائراً.

سامي كليب:

هل كان يعتقد الملك الحسن الثاني أن القذافي يشكل خطراً عليه؟

مختار ولد داده:

بعض الشيء.

سامي كليب:

خطر كفكرة سياسية، أم خطر أيضاً على بلاده من تصدير الثورة –إذا صح التعبير- ومن انتقال عدوى الثورة الليبية إلى .. أو الانقلاب الليبي إلى المغرب .. إلى الملكة؟

مختار ولد داده:

كان المغرب يخاف من الأفكار التي تأتيه من ليبيا، وكذلك كان يخاف أيضاً من البلدان التي تعتبر بلدان ثوروية بشكل عام.

سامي كليب:

طيب .. العلاقة بين بومدين وبين الملك الحسن الثاني .. بين الرئيس الجزائري الراحل وبين الحسن الثاني كانت أيضاً علاقة صعبة –إذا صح التعبير- وأنت شخصياً توسطت بين الرجلين مرات عديدة. ما الذي كان –في الواقع- يشكل نقاط الخلاف الأساسية على المستوى الشخصي وأيضاً على المستوى السياسي بغض النظر عن موضوع الصحراء الغربية؟ سوف نعود إلى هذا الموضوع لاحقاً.

مختار ولد داده:

العلاقة بين بومدين والحسن الثاني كانت صعبة –كما ذكرت– ولكن كان كل منهما يكن شيئاً من الاحترام للآخر، وكان يعترف له ببعض الفضل في شخصيته .. مثلاً كان الملك الحسن الثاني يقدر وطنية الرئيس بومدين وسيطرته على الحكم في الجزائر، أما الرئيس بومدين فقد قال لي ذات مرة أنه حاول تنظيم حركتنا ضد الملك الحسن الثاني، وإنه قام بالاتصال بزعماء المعارضة جميعاً، ولم يجد بينهم من يحل محل الحسن الثاني.

سامي كليب:

طيب .. سيدي الرئيس أول لقاء حصل بينك وبين الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين كان لقاء حاسماً على ما يبدو، وبعد هذا اللقاء عادت وتوترت العلاقات كثيراً مع الجزائر .. نود فقط بداية أن تحدثنا عن هذا اللقاء .. ماذا حصل بالضبط فيه؟

مختار ولد داده:

لقد تم اللقاء في الرباط بمناسبة مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية، لقد دعاني حينها الرئيس بومدين للاجتماع بالملك الحسن الثاني، والتقينا، وقال لنا أنه من مصلحة المغرب العربي الكبير أن تتصالح كل الدول، وأن تتجاوز هذه الدول خلافاتها عن طريق الحوار.

سامي كليب:

والملك الحسن الثاني قال لك آنذاك أنه نادم على ما جرى بينكما، وأنه يريد طي الصفحة وفتح صفحة جديدة.

مختار ولد داده:

نعم .. نعم قال لي ذلك في حضور الرئيس بومدين.

سامي كليب:

بعد ذلك طبعاً نشأت مشاكل عديدة بين البلدين .. مشاكل حدودية، ونتج عنها فيما بعد مشكلة الصحراء الغربية .. في البداية كنت تحاول أن تقف موقف الحياد، ولكن –كما تقول في مذكراتك وكما قلت في بعض التصريحات السابقة- أن العلاقة بينك وبين الرئيس بومدين وصلت إلى حد التهديد، قال لك: إن لم تقف إلى جانب الصحراء، فقد نتحرك عسكرياً ضدك، أو نحرك جماعة الصحراء ضدك .. لماذا وصلت العلاقة بينك وبين بومدين إلى تلك المرحلة من التشنج؟

مختار ولد داده:

السبب هو في ذلك هو قبول موريتانيا بنتائج مؤتمر مدريد، هذا المؤتمر الذي اعترفت خلاله إسبانيا بمطالب المغرب وبمطالب موريتانيا في الصحراء .. لم تكن الجزائر راضية عن ذلك، ولم تكن ترغب في حصول ذلك...

سامي كليب [مقاطعاً]:

كانت الجزائر تفضل أن تبقى الصحراء تحت الاستعمار الإسباني؟!

مختار ولد داده:

نعم .. كانت تفضل أن تبقى الصحراء تحت السيطرة الإسبانية، ولو بصفة مؤقتة لمرحلة معينة.

سامي كليب:

لماذا؟ هل كانت بسبب النكايات بين بومدين وبين الحسن الثاني؟

مختار ولد داده:

الجميع يعلم أنه بين الجزائر والمغرب سباق لزعامة المنطقة، بالمقابل لم يكن لموريتانيا أي طموح من هذا القبيل...

سامي كليب [مقاطعاً]:

لزعامة المغرب العربي؟

مختار ولد داده:

نعم .. زعامة المغرب العربي، إذن -كما قلت- موريتانيا لم يكن لديها أي طموحات بهذا الاتجاه، وكان الرئيس بومدين يعتقد أن موريتانيا ستسانده، لأن الجزائر كانت قد ساعدت الموريتانيين في أكثر من مناسبة، وقدمت لهم العون، ولكن اعتراف المملكة المغربية لموريتانيا بحقها في الصحراء جعلنا نقبل بالتفاوض مع المغرب بشأن التقسيم .. تقسيم الصحراء، عندها قال لي الرئيس بومدين بأنني خنت بلداً ثوروياً -أي الجزائر- وتعاملت مع بلد رجعي -أي مع المملكة المغربية- وإذا لم أتراجع عن ذلك فإن خطراً كبيراً…

سامي كليب [مقاطعاً]:

قال .. قال لك خنت بلداً ثورياً الجزائر، وتعاملت مع بلد رجعي المغرب؟!

مختار ولد داده:

نعم .. وإذا..فإذا لم أتراجع عن ذلك فإن خطراً كبيراً سيهدد موريتانيا، وقد هددني أيضاً بمساعدة الصحراويين ضدي .. كان يقول بأن موريتانيا هي أضعف دول المنطق، لذلك فإن الأخطار كبيرة حولها.

سامي كليب:

ماذا قلت له؟

مختار ولد داده:

قلت له أنني لا أختار بين بلدين أو دولتين، ولكنني أختار مصلحة موريتانيا، وأن مصلحة موريتانيا في ذلك الوقت كانت تتفق مع مصلحة المغرب، وتختلف مع مصالح الجزائر، لذلك تفاوضت مع المغرب، على أن هذا لا يعني موقفاً معادياً للجزائر التي كنت أكِنُّ لها كل احترام، هذا ما قلته لبومدين.

سامي كليب:

طيب، سيدي الرئيس مشكلة الصحراء الغربية حين نشأت و -كما تتفضل- أن الرئيس الجزائري هددك مراراً بسببها، هل تعتقد أنها نشأت بالصدفة هذه المشكلة؟

مختار ولد داده:

باعتقادي أن الخلاف الإقليمي والأيديولوجي بين الجزائر والمغرب كان خلافاً عميقاً، ولم يكن بإمكانهما التعايش بسلام، كانت هناك صعوبات كثيرة.

سامي كليب:

طيب.. سيدي الرئيس لما بدأت العمليات تحصل ضد موريتانيا من قِبَل الصحراويين كانت هذه العمليات –كما تروى- تأتي إلى .. تحصل في على الحدود الموريتانية، ثم يعود المهاجمون إلى حدود الجزائر، وكنت طبعاً توحي بأن الجزائر هي التي تقف دائماً خلف المهاجمين، بعدها مباشرة –تقريباً- حصل الانقلاب ضدك في موريتانيا .. هل تعتقد أن الجزائر هي التي وقفت خلف الانقلاب؟

مختار ولد داده:

أظن أنها إن لم تكن قد نظمت هذا الانقلاب، فإنها على الأقل أيدته، كما أعتقد أن فرنسا قد أيدت هذا الانقلاب، أو على الأقل كانت تنظر بعين الرضا لحصول هذا الانقلاب، لأنها كانت تساعد في قضية الصحراء .. يبدو لي أن فرنسا كانت تذهب إلى الاعتقاد أن أساس الإشكال هو وجودي أنا في السلطة، لأنني أرفض الاندماج، هذا هو اعتقادي.

على كلٍ حينئذٍ بدا لفرنسا أن بإمكانها التراجع عن تأييد موريتانيا بمجرد إبعادي عن الحكم، وهنا أذكر أن فرنسا كانت تساعد موريتانيا، لأنها كانت تود أن تبدو في نظر الدول الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية كدولة تحمي حلفاءها، وفي تحليلي الشخصي أعتقد أن إبعادي عن السلطة كان سيمكن فرنسا من تغيير موقفها من دون أن تبدو كمن تراجع عن تأييد طرف صديق، أي هنا تحديداً أقصد عن تأييد بلدي موريتانيا.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. حين تتحدث عن المصالح -إذا صح التعبير– التي التقت ضد موريتانيا بين الجزائر وفرنسا، آنذاك كان الرئيس الفرنسي هو (جيسكار ديستان)، وكان (جيسكار) مقرباً جداً من الملك الحسن الثاني، وأنت كنت تقريباً حليف للمغرب، إذن ما الذي دفع (جيسكار) أن يعمل –إذا صح التعبير- ضد موريتانيا، أو أن يقبل الانقلاب الذي حصل ضدك بالرغم من صداقته القوية مع الملك الحسن الثاني آنذاك؟

مختار ولد داده:

لعل عوامل سياسية داخلية خاصة بفرنسا كانت السبب في ذلك، أما بالنسبة إلى المغرب فلا أعتقد أن له علاقة بهذه الأمور، لقد عرض عليَّ الملك الحسن الثاني اتفاقاً للدفاع المشترك، غير أنه اشترط أن يكون بإمكان كل من الطرفين التدخل في سياسة الطرف الآخر بطريقة ما إذا كان الوضع خطيراً.

سامي كليب:

لكن بعد الانقلاب هل عرض عليك الملك الحسن الثاني المساعدة من أجل إعادتك إلى السلطة مثلاً؟

مختار ولد داده:

لا.

سامي كليب:

هل من دول أخرى عرضت عليك ذلك؟

مختار ولد داده:

ليبيا.

سامي كليب:

بأي شكل؟ ماذا قال لك العقيد؟

مختار ولد داده:

قال لي: إن الجماهيرية مستعدة لمساعدتي إذا ما أردت العودة إلى السلطة.

سامي كليب:

رفضت أم قبلت؟

مختار ولد داده:

رفضت.

سامي كليب:

لماذا؟

مختار ولد داده:

لأني لا أريد استعادة الحكم بأي وسيلة، ولم أشأ أن تحدث مشاكل لموريتانيا من جراء تدخل من دول أجنبية، مما كان قد يتسبب في اندلاع حرب أهلية داخل موريتانيا.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. نعرف أنه في مرحلة معينة تدخل الملك فيصل للوساطة بينك وبين المغرب، هل طلبت وساطة دول عربية، مثلاً الملك فيصل أو غيره من القادة العرب الآخرين من أجل التوسط بينك وبين الجزائر، ومنع حدوث تلك الإشكالات بسبب الصحراء؟

مختار ولد داده:

طلبت تدخل الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك فيصل، لأن لهما وزن كبير في المنطقة، ولأنهما يؤيدان موريتانيا ويعملان على إحلال حال من الوفاق مع المملكة المغربية، وأنا كنت سعيداً بذلك.

سامي كليب:

الملك فيصل حاول التدخل أيضاً مع الجزائر؟

مختار ولد داده:

حاول الملك السعودي فيصل، وقام بإرسال رسالة لي مع الأمير فهد، وكان آنذاك الامير فهد ولياً للعهد، وكذلك أرسل لي مع الأمير سعود وزير خارجيته في ذلك الوقت رسالة أخرى، بالإضافة إلى هذه الأمور جاءني حسني مبارك موفداً من الرئيس أنور السادات.

سامي كليب:

كل هذه الوساطات لم تنجح؟!

مختار ولد داده:

لم تنجح الوساطات، لأن الجزائر التزمت القوة لغة، ولو رضخت الجزائر للحوار لكنا قبلنا بذلك.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. في العلاقات الدولية أيضاً، أود التوقف عند حادثة حصلت معك، محاولة من قبل إسرائيل للاتصال بك عبر محامي وقتها حَصلَتْ .. هل صحيح الحادثة؟ وما الذي حصل تحديداً من أجل ربط العلاقة مع إسرائيل؟

مختار ولد داده:

بعد استقلال موريتانيا في نوفمبر من عام 1960 طلبت الانضمام إلى الأمم المتحدة، وباستثناء تونس اجتمع العرب مع المغرب وقد رفضوا جميعاً انضمامي إلى المنظمة الدولية، وقد استغلوا -لقطع الطريق عليَّ – الفيتو السوفيتي، فقاموا باستخدام هذا الفيتو لتحقيق غايتهم، وفي طريق العودة من نيويورك التقيت بزميل لي يعمل محامياً، وهو فرنسي من أصل يهودي، قال لي: إن العرب لا يقبلون بي، وإذا شئت أنا فإنه مستعد للتوسط بيني وبين إسرائيل حتى تتدخل لإقناع دول إفريقية وأوروبية، ولإقناع الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً بهدف تسهيل أمر دخولي إلى منظمة الأمم المتحدة.

كان ردي أنني لا أريد أن تكون لي أي علاقة بإسرائيل، وأن ذلك هو شأني وشأن جميع الدول العربية، لا يريدون إقامة أي علاقات مع إسرائيل، ثم التقيت بهذا الصديق مراراً في (داكار) ولم نتحدث عن هذا الموضوع، لقد اتصل بي زعماء أفارقة من ساحل العاج، ومن السنغال ومن مدغشقر، ونصحوني بإقامة علاقات مع دولة إسرائيل ومعاداة العرب، لأنهم -أي لأن الدول العربية- لم تتحرك لمساعدتي.

سامي كليب:

في تلك الآونة –سيدي الرئيس- عاصرت رئيسين –على ما أعتقد- أمريكيين (كيندي) و(نيكسون) .. هل نصحك الرئيسان بمد جسور علاقة مع إسرائيل؟

مختار ولد داده:

عاصرت (أيزنهاور) و(كيندي) و(نيكسون)، ولم أطرح مع أحد منهم مسألة التعامل مع إسرائيل.

سامي كليب:

توقفت الاتصالات -أو بالأحرى- الوساطات من أجل علاقة بينك وبين إسرائيل عند هذا الحد.

مختار ولد داده:

نعم.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. سوف نعود قليلاً إلى المذكرات التي كتبتها لو سمحت، وللحديث خصوصاً عن العلاقة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر .. في هذه المذكرات التي ستنشر –كما قلنا في بداية هذا الحديث- قريباً، تقول أن اللقاء مع الرئيس جمال عبد الناصر كان لقاء لا يُنتسى في كل .. بكل ما للكلمة من معنى، فأنت أيضاً تقول في هذه المذكرات أنك كنت ناصرياً قبل أن تتعرف على الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بالرغم من أنك لم تكن تستمع إلى صوت العرب في القاهرة، ولا .. ولم تقرأ الأهرام؟ كيف تعرفت تحديداً على الرئيس المصري؟ وما الذي جذبك فيه؟

مختار ولد داده:

قرأت ما كانت تكتبه الصحف الفرنسية عنه، طبعاً لم تكن تؤيده، لكنني أعجبت بشخصه وأيدته تماماً.

سامي كليب:

كانت الانطباعات غير ما تكتب الصحف الفرنسية، ولكن هل تأثرت به لأنه يمثل العروبة، أم لأنه يناهض الدول الإمبريالية آنذاك التي كانت تسمى بالدول الإمبريالية؟

مختار ولد داده:

كنت أرى فيه -ولا زلت كذلك- زعيماً نادر الوجود في الوطن العربي، وفي إفريقيا، وفي العالم الثالث بشكل عام، وهو الذي أعاد للشعوب التي كانت مستعمرة، أعاد لها سيادتها، ودافع عنها أمام المجتمع العالمي.

سامي كليب:

طيب .. على كل حال تقول في هذه المذكرات أنه كان البطل القومي الذي كان بصدد إعادة الكرامة والشرف للعرب والأفارقة، التي كان الأوروبيون طمسوها لفترة طويلة، وتتحدث أيضاً في هذا المقطع عن الرئيس المصري الراحل حسني .. الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر عن كيفية بناء العلاقة بينك .. بين موريتانيا ومصر، وتتحدث في هذا المقطع عن النصائح التي أعطاك إياها الرئيس إذن الرئيس المصري جمال عبد الناصر من أجل ربط العلاقة بين موريتانيا ومصر، والاعتراف بموريتانيا كدولة مستقلة، من هذه النصائح مثلاً أنه لم يكن قادراً على الاعتراف بكم مباشرة، ولكن كان ينبغي أن توفد إليه وفداً وزارياً، ثم أن يستقبلك كرئيس دولة فيما بعد .. لماذا تأخر اعتراف الرئيس المصري بكم آنذاك؟

مختار ولد داده:

قال لي إنه كان مرتبطاً بقرار الجامعة العربية الذي تم اتخاذه في الستينات، وأنه يرغب في الاعتراف بي من دون أن يبدو مخالفاً لهذا القرار، هذا ما قاله.

سامي كليب [مقاطعاً]:

قرارات الجامعة العربية.

مختار ولد داده:

قرارات الجامعة العربية.

سامي كليب:

الاجتماع الذي انعقد في (شتورة) إذن في لبنان في ذاك الوقت قرر عدم الاعتراف بموريتانيا كدولة مستقلة كي لا يزعج المغرب فقط أم لأسباب أخرى؟ وهل أجريت اتصالات مع المؤتمرين آنذاك؟

مختار ولد داده:

لم أُجرِ معهم أي اتصالات، ولكنني أرسلت برقيات، هم كانوا على علم بالقضية الموريتانية، خصوصاً بعد الجولة التي قام بها الملك محمد الخامس برفقة شخصيات موريتانية مقيمة في المملكة المغربية، إذ ذاك كانوا مطلعين على تفاصيل القضية من جانب واحد، لأنه لم يكن بإمكاننا الاتصال بهم، لم نكن قد حصلنا على الاستقلال بعد.

سامي كليب:

على كل حال في اللقاء الأول الذي جرى بينك وبين الزعيم إذن جمال عبد الناصر قلت: أنه أوفد إليك بداية محمد الفايق مستشاره، وحين تعرف على موقفكم .. على موقفكم من إسرائيل ومن الصراع العربي – الإسرائيلي آنذاك تفهم أكثر المطالب الموريتانية، وأنه لم يكن على علم بكل ما يجري بالنسبة لاستقلال موريتانيا. اللقاء الأول بينك وبينه هل كان لقاء مؤثراً بالنسبة لك، خصوصاً أنك التقيت الزعيم الذي تأثرت به ولم تره، لم تكن رأيته قبل ذلك؟

مختار ولد داده:

لا أستطيع التعبير عن مشاعري خلال اللقاء به.

سامي كليب:

في أحد اللقاءات الأخرى حدثك الزعيم المصري جمال عبد الناصر عن تأثره العميق بالهزيمة ضد إسرائيل عام 67 على ما أعتقد، وقال لك أشياء كثيرة عن عدد من قادته العسكريين الذين اعتبر أنهم لم يقوموا بالعمل كما ينبغي، هل تذكر الأسماء التي تحدث عنها الرئيس آنذاك؟

مختار ولد داده:

أتذكر المشير عامر...

سامي كليب [مقاطعاً]:

عبد الحكيم عامر.

مختار ولد داده:

عبد الحكيم عامر، أذكر أنه حدثني عن المشير عبد الحكيم عامر، وقال لي إنه كان يعتبره أقرب المقربين إليه، ولما حصل ما حصل من أمور معروفة تألم كثيراً لتصرف المشير عامر.

سامي كليب:

كيف وجدته أثناء الهزيمة؟ هل كان محبطاً تعباً، هل كان يريد التخلي عن السياسة، أم أنه يعتبر أنه خسر جولة ولم يخسر الحرب؟

مختار ولد داده:

تأثر شيئاً ما بعد الهزيمة، ولكنه كان واثقاً من أن بإمكانه الرد على الهزيمة من خلال ضرب إسرائيل.

سامي كليب:

طبعاً بعد ذلك مررت بمصر مرات عديدة، وتقول أيضاً في مذكراتك أنك حملت رسائل كثيرة بين مصر وبين الزعيم الصيني آنذاك (تشو آن لاي)، وأيضاً توسطت في بعض المرات، طلب منك الرئيس المصري أن تتوسط .. أن تقول للصينيين أن علاقته بموسكو .. بالاتحاد السوفيتي لا تؤثر على علاقته الطبيعية والقوية والوثيقة مع الصينيين .. ماذا كان رد الصينيين آنذاك على هذه الرسالة؟

مختار ولد داده:

كانوا متفهمين، في البداية قالوا إنهم كانوا غير راضين على العلاقة بين الاتحاد السوفيتي ومصر، ولما شرحت لهم أن ذلك يشكل واقعاً فرضه الوضع العسكري آنذاك، وأن موقف مصر ثابت تجاه الصين الشعبية، وأنها ترغب في المساعدة المادية والدبلوماسية، عندها قال لي (تشو آن لاي) أنه قَبِل برسالة الرئيس المصري، وطلب مني أن أبلغه بأن وفداً صينياً سوف يقوم بزيارة إلى مصر حتى يشرح موقف الصين الرسمي.

سامي كليب:

بعد ذلك هل قمت بوساطات أخرى بين الرئيس جمال عبد الناصر ودول أخرى في العالم؟

مختار ولد داده:

لا، لكنني أذكر أنني كلما التقيت بزعيم من العالم الثالث أو من الغرب .. من الدول الغربية دافعت عن جمال عبد الناصر أمام هذه الشخصية التي كنت ألتقي فيها، أكانت -كما ذكرت- من العالم الثالث أو من الغرب، وقلت مراراً إن مواقف عبد الناصر تعبر عن طموحات العالم الثالث كله.

سامي كليب:

نعم .. سيدي الرئيس طبعاً أنت تعرفت على الرئيس جمال عبدالناصر، ولكن أيضاً كنت مرتبطاً بصداقة مع الجنرال شارل ديجول .. كيف كان يتحدث كل منهما عن الآخر؟

مختار ولد داده:

كلاهما كان يحترم الآخر.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. العلاقة بين موريتانيا والدول العربية نلاحظ أنها لم تنتعش حتى انتعشت بشكل محدود بعد السبعينات، هل ساعدتكم الدول العربية –كما كان ينبغي- من أجل إقامة موريتانيا الحديثة، ومساعدتها للخروج من وضعها الصعب اقتصادياً وسياسياً وأمنياً؟

مختار ولد داده:

دخلنا إلى الجامعة العربية في عام 1973، لأن المغرب كان يعارض ذلك، وعندها بدأت الدول العربية بمساعدتنا، كل دولة حسب قدراتها وخلال حرب الصحراء ساعدتنا العربية السعودية، وكذلك ساعدتنا الكويت والإمارات العربية المتحدة، وقدمت لنا مصر مساعدة رمزية.

سامي كليب:

تعتقد أنها كانت كل هذه الدول كانت تتعاطف معك ضد الجزائر، وتعتبر أن موريتانيا كانت محققة في صراعها بشأن الصحراء؟

مختار ولد داده:

هذا ما بدا لي، وما قاله لي البعض.

سامي كليب:

سيدي الرئيس .. أشكرك على الحديث، يعني أعتقد أننا تحدثنا عن كل ما كتبته في مذكراتك وربما في المذكرات كنت أكثر خوضاً بالمعلومات من الحديث التليفزيوني، لا تزال دبلوماسياً حتى اليوم .. على كل حال شكراً على هذه المعلومات، ونأمل لك العمر الطويل.

مختار ولد داده:

شكراً جزيلاً، أنا كنت سعيداً بمقابلتكم، والتحدث معكم في هذه القضايا كلها.

سامي كليب:

نحن أيضاً أسعدنا الحديث معك. إن شاء الله نعود ونلتقي مراراً.

مختار ولد داده:

إن شاء الله.

سامي كليب:

لربما أسعده فعلاً الحديث عن ذكرياته والخروج من الصمت المرير، ولربما نلتقي مجدداً، لكن الأكيد هو أن لسعادة مختار ولد داده اليوم هدفاً واحداً هو: العودة إلى ربوع الوطن ومشاهدة المغيب من على رمال موريتانيا. وفي صلواته اليوم دعاء لأن يكون بين العمر وتحقيق الأماني مسافة أطول.